٧٧ - ٱلْمُرْسَلَات
77 - Al-Mursalat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : وذكرنا تفسير الطمس عند قوله: {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ } تفسير : [يونس: 88] وبالجملة فيحتمل أن يكون المراد محقت ذواتها، وهو موافق لقوله: {أية : ٱنتَثَرَتْ } تفسير : [الإنفطار: 2] و {أية : انكدرت} تفسير : [التكوير: 2] وأن يكون المراد محقت أنوارها، والأول أولى، لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار. ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور. وثانيها:
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ } مُحِيَ نورها.
ابن عبد السلام
تفسير : {طُمِسَتْ} محي نورها كطمس الكتاب.
ابن عادل
تفسير : ثم بين وقت وقوعه فقال تعالى: {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ} اي: ذهب ضوؤها، ومُحِيَ نورها كطَمْسِ الكتاب، يقال: طمس الشيء إذا درس، وطمس فهو مطموس، والريح تطمس الآثار، فتكون الريح طامسة، والأثر طامس بمعنى مطموس. قال ابن الخطيب: ويحتمل ان تكون محقت ذواتها، وهو موافق لقوله تعالى: {نُشرت}. و "النُّجومُ" مرتفعة بفعل مضمر يفسره ما بعده عند البصريين غير الأخفش، وبالابتداء عن الكوفيين والأخفش. وفي جواب "إذا" قولان: أحدهما: محذوف، تقديره: فإذا طمست النجوم وقع ما توعدون، لدلالة قوله إنما توعدون لواقع أو بان الأمر. والثاني: أنه "لأيَِّ يَومٍ أجِّلتْ" على إضمار القول، أي يقال: لأي يوم أجّلت، فالفعل في الحقيقة هو الجواب. وقيل: الجواب: "وَيْلٌ يَوْمَئذٍ". نقله مكي، وهو غلط؛ لأنه لو كان جواباً للزمته الفاء لكونه جملة اسمية. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ}. أي: فتحت وشقّت، ومنه قوله تعالى: {أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} تفسير : [النبأ: 19]، والفَرْجُ: الشقُّ، ونظيره: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 1] {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ} تفسير : [الفرقان: 25]. وروى الضحاك عن ابن عباس: - رضي الله عنهم - قال: فرجت للطي. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ} أي: ذهب بها كلها بسرعة، من أنسفت الشيء إذا اختطفته، وقيل: تنشق كالحب المغلق إذا نسف بالمنسف، ومنه قوله تعالى: {أية : لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً} تفسير : [طه: 97]، ونظيره: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} تفسير : [الواقعة: 5] {أية : وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً} تفسير : [المزمل: 14] {أية : فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} تفسير : [طه: 105]. وقرئ: "طُمّست، وفُرّجت، ونُسّفت" مشددة. وكان ابن عباس يقول: سويت بالأرض، والعرب تقول: فرس نسوف، إذا كان يؤخر الحزام بمرفقيه؛ قال بشرٌ: [الوافر] شعر : 5055- نَسُـوفٌ لِلحـزَامِ بِمرْفقيْهَــا ................................ تفسير : ونسفت الناقة الكلأ إذا رعتهُ. قوله: {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ}. قرأ أبو عمرو: "وقِّتَتْ" بالواو، والباقون: بهمزة بدل الواو. قالوا: والواو هي الأصل؛ لأنه من الوقت، والهمزة بدل منها لأنها مضمومة ضمة لازمة، وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة تبدل على الاطراد همزة أولاً، تقول: صلى القوم إحداناً، تريد: وِحدَاناً، وهذه أجوه حسان؛ لأن ضمة الواو ثقيلة وبعدها واو فالجمع بينهما يجري مجرى المثلين فيكون ثقيلاً، ولم يجز البدل في قوله تعالى {أية : وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [البقرة: 237]؛ لأن الضمة غير لازمة، قال الفراء. وقد تقدم ذكر ذلك أول الكتاب. فصل في المراد بالتأقيت قال مجاهد والزجاج: المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي تحضرون فيه للشهادة على أممكم، أي: جمعت لوقتها ليوم القيامة، والوقت: الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه، فالمعنى: جعل لها وقت وأجل للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم، كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} تفسير : [المائدة: 109]. وقيل: المراد بهذا التأقيت تحصيل الوقت وتكوينه، وليس في اللفظ بيان أنه يحصل لوقت أي شيء، ولم يبينه ليذهب الوهم إلى كل جانب، فيكون التهويل فيه أشد، فيحتمل أن يكون المراد تكوين وقت جمعهم للفوز بالثواب، وأن يكون وقت سؤال الرسل عما أجيبوا به، وسؤال الأمم عما أجابوا هم لقوله تعالى: {أية : فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأعراف: 6]، وأن يكون وقت مشاهدة الجنة والنار وسائر أحوال القيامة، وقيل: "أقِّتَتْ" أي: أرسلت لأوقات معلومة على ما علمه الله وأراده. فصل في قراءات الآية قرأ أبو جعفر وشيبة: بالواو وتخفيف القاف, وهو "فعلت" من الوقت، ومنه {أية : كِتَاباً مَّوْقُوتاً} تفسير : [النساء: 103]. وقرئ - أيضاً -: "وُوقتت" - بواوين -، وهو "فوعلت" من الوقت أيضاً مثل: عُوهِدَت. قال القرطبي: "ولو قلبت الواو في هاتين القراءتين ألفاً لجاز، وقد قرأ يحيى وأيوب وخالد بن إلياس وسلام: "أقِتَتْ" بالهمز والتخفيف؛ لأنها مكتوبة في المصحف بالألف". قوله تعالى: {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ}. الجار متعلق بـ "أجلت" وهذه الجملة معمولةٌ لقول مضمر، أي: يقال وهذا القول المضمرُ يجوز أن يكون جواباً لـ "إذا" - كما تقدَّم - وأن يكون حالاً من مرفوع "أقتت" أي: مقولاً فيها لأيِّ يوم أجّلت أي: أخّرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم، فهو استفهام على التعظيم، أي ليوم الفصل أجلت، كأنه تعالى قال: يعجب العباد من تعظيم ذلك اليوم، فيقال: لأي يوم أجلت الأمور المتعلقة بهذه الرسل، وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من آمن بهم وظهور ما كانوا يدعون الخلق إلى الإيمان به من الأهوال والعرض والحساب، ونشر الدواوين ووضع الموازين. قوله: {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ} بدل من "لأيِّ يومٍ" بإعادة العامل. وقيل: بل يتعلق بفعل مقدر أي أجلت ليوم الفصل، وقيل: اللام بمعنى "إلى" ذكرها مكي. فصل في المراد بيوم الفصل اعلم أنه تعالى بين ذلك اليوم فقال: {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ}، قال ابن عباس: يوم فصل الرحمن بين الخلائق، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الدخان: 40]. قوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ}. أتبع التعظيم تعظيماً، أي: وما علمك بيوم الفصل وشدته ومهابته، ثم أتبعه بتهويل ثالث، وهو قوله: "ويْلٌ" مبتدأ، سوغ بالابتداء به كونه دعاء. قال الزمخشري: "فإن قلت: كيف وقعت النكرة مبتدأ في قوله تعالى {وَيْلٌ}؟ قلت: هو في أصله مصدر منصوب سادّ مسدَّ فعله، ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على إثبات معنى الهلاك، ودوامه للمدعو عليهم، ونحوه {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 24]، ويجوز "قِيلاً" بالنصب، ولكنه لم يقرأ به". قال شهاب الدين: "هذا الذي ذكره ليس من المسوّغات التي عدها النحويون وإنما المسوغ كونه دعاء وفائدة العدول إلى الرفع ما ذكره". و "يَوْمئذٍ" ظرف للويل. وجوز أبو البقاء: أن يكون صفة للويلِ، وللمكذبين خبره. فصل في تفسير الآية قال القرطبي: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي: عذاب وخِزْي لمن كذب بالله تعالى وبرسله، وعلى تقدير تكذيبهم؛ فإنَّ لكل مكذب بشيء سوى تكذيبه بشيء آخر، وربّ شيء كذب به وهو أعظم جرماً من تكذيبه بغيره؛ لأنه أقبح في تكذيبه، وأعظم في الرد على الله تعالى، فإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك، وهو قوله: {أية : جَزَآءً وِفَاقاً} تفسير : [النبأ: 26]. وقيل: كرره لمعنى تكرار التخويف والوعيد. وروي عن النعمان بن بشير قال: "ويْلٌ" واد في جهنم فيه ألوان العذاب، قاله ابن عباس وغيره. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : عُرِضتْ عليَّ جَهنَّمُ فَلمْ أرَ فيهَا وَادِياً أعْظمَ منَ الوَيْلِ ". تفسير : وروي أيضاً أنه مجمع ما يسيل من قيحِ أهل النار وصديدهم، وإنما يسيل الشيء فيما سفل من الأرض، وقد علم العباد في الدنيا أن شرّ المواضع في الدنيا ما استنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغسلات من الجيف وماء الحمَّامات، فذكر أن ذلك الوادي مستنقع صديد أهل النَّار والشرك ليعلم العاقل أنه لا شيء أقذرُ منه قذارةً، ولا أنتنُ منه نتناً. قوله تعالى: {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ}. العامة: على ضم حرف المضارعة، من "أهْلَكَ" رباعيًّا، وقتادة: بفتحه. قال الزمخشري: من هلكه بمعنى "أهلكه"؛ قال العجاج: [الرجز] شعر : 5056- ومَهْمَــهٍ هَـالــكُ مَــنْ تَعــرَّجَــا تفسير : فـ "من" معمول الهالك، وهو من "هلك"، إلاَّ أن بعض النَّاس جعل هذا دليلاً على إعمال الصِّفة المشبهة في الموصول، وجعلها من اللازم؛ لأن شرط الصفة المشبهة أن تكون من فعل لازم، فعلى هذا دليل فيه. قوله: {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ}. العامة: على رفع العين استئنافاً أي: ثم نحن نتبعهم، كذا قدره أبو البقاء. وقال: "وليس بمعطوف، لأن العطف يوجب أن يكون المعنى: أهلكنا الأولين، ثمَّ أتبعناهم الآخرين في الهلاك، وليس كذلك؛ لأن هلاك الآخرين لم يقع بعد". قال شهاب الدين: ولا حاجة في وجه الاستئناف إلى تقدير مبتدأ قبل الفعل، بل يجعل الفعل معطوفاً على مجموع الجملة من قوله: "ألَمْ نُهْلكِ"، ويدل على هذا الاستئناف قراءة عبد الله: "ثم سَنُتْبِعهُم الآخرين" بسين التنفيس، وقرأ الأعرج والعباس عن أبي عمرو: بتسكينها، وفيها وجهان: أحدهما: أنه تسكين للمرفوع، فهو مستأنف كالمرفوع لفظاً. والثاني: أنه معطوف على مجزوم، والمعني بالآخرين حينئذ قوم شعيب ولوط وموسى، وبالأولين قوم نوح وعاد وثمود. قال ابن الخطيب: وهذا القول ضعيف؛ لأن قوله تعالى: {نُتْبِعُهُمُ} مضارع، وهو للحال والاستقبال، ولا يتناول الماضي، وإنما المراد بالأولين: جميع الكفار الذين كانوا في عهد محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ} على الاستئناف، أي: سنفعل ذلك، ونتبع الأول الآخر، ويدل على الاستئناف قراءة عبد الله في نتبعهم تدل على الاشتراك، وحينئذ يكون المراد به الماضي لا المستقبل. قلنا: لو كان المراد هو الماضي لوقع التنافي بين القراءتين، وهو غير جائز، فعلمنا أن تسكين العين ليس للجزم، بل للتخفيف. قوله: {كَذَلِكَ نَفْعَلُ} أي: مثل ذلك الفعل الشَّنيع نفعل بكل من أجرم. فصل في المراد بالآية المقصوُد من هذه الآية تخويف الكفار وتحذيرهم من الكفر، أخبر عن إهلاك الكفار من الأمم الماضين من لدُن آدم -عليه الصلاة والسلام - إلى محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - {ثُمَّ نُتْبِعهُمُ الآخرين} أي: نُلحق الآخرين بالأولين، {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} أي: مثل ما فعلنا بمن تقدم بمشركي قريش إما بالسيف وإما بالهلاك، ثم قال تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} كأنه تعالى يقول: أما الدنيا: فحاصلهم الهلاك، وأما الآخرة فالعذاب الشديد، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [الحج: 11] فإن قيل: المراد من قوله: {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ} وهو مطلق الإماتة، والإماتة بالعذاب فإن كان مطلق الإماتة لم يكن ذلك تخويفاً للكفار؛ لأن ذلك معلوم حاصل للمؤمن والكافر، فلا يكون تخويفاً للكفار، وإن كانت الإماتة بالعذاب فقوله تعالى: {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ} {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} يقتضي أن يكون فعل بكفَّار قريش مثل هذا، ومعلوم أن ذلك لم يوجد، وأيضاً فقد قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33]. فالجواب: قال ابن الخطيب: لم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ثالث، وهو الإماتة للذمِّ واللَّعن، فكأنه قيل: أولئك المتقدمون لحرصهم على الدنيا عادوا الأنبياء وخاصموهم، ثم ماتوا ففاتتهم الدنيا، وبقي اللَّعْن عليهم في الدنيا والعقوبة في الاخرة دائماً سرمداً، فهكذا يكون حال الكفار الموجودين، وهذا من أعظم وجوه الزجر.
البقاعي
تفسير : وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: أقسم تعالى بالملائكة المتتابعين في الإرسال، والرياح المسخرة، وولايته بالمطر والملائكة الفارقة بمائة بين الحق والباطل، والملقيات الذكر بالوحي إلى الأنبياء إعذاراً من الله وإنذاراً، أقسم تعالى بما ذكر من مخلوقاته على صدق الموعود به في قوله:{أية : إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً}تفسير : [الإنسان: 4] الآيات وقوله:{أية : إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً}تفسير : [الإنسان: 10] وقوله:{أية : وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً}تفسير : [الإنسان: 12] الآيات إلى{أية : وكان سعيكم مشكوراً}تفسير : [الإنسان: 22] وقوله:{أية : ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً}تفسير : [الإنسان: 27] وقوله:{أية : يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً}تفسير : [الإنسان: 31] ولو لم يتقدم إلا هذا الوعد والوعيد المختتم به السورة لطابقه افتتاح الأخرى قسماً عليه أشد المطابقة، فكيف وسورة{أية : هل أتى على الإنسان}تفسير : [الإنسان: 1] مواعد أخراوية وإخبارات جزائية، فأقسم سبحانه وتعالى على صحة الوقوع، وهو المتعالي الحق وكلامه الصدق - انتهى. ولما كان من المعلوم أنهم يقولون استهزاء: متى هو؟ وكان وقته مما استأثر الله بعلمه لأن إخفاءه عن كل أحد أوقع في النفوس وأهيب عند القعول، سبب عن ذلك قوله ذاكراً ما لا تحتمله العقول لتزداد الهيبة ويتعاظم الخوف معبراً بأدة التحقق: {فإذا النجوم} أي على كثرتها {طمست *} أي أذهب ضوءها بأيسر أمر فاستوت مع بقية السماء، فدل طمسها على أن لفاعله غاية القدرة، وأعاد الظرف تأكيداً للمعنى زيادة في التخويف فقال: {وإذا السماء} أي على عظمتها {فرجت *} أي انشقت فخربت السقوف وما بها من القناديل بأسهل أمر {وإذا الجبال} أي على صلابتها {نسفت *} أي ذهب بها كلها بسرعة ففرقتها الرياح، فكانت هباء منبثاً فلم يبق لها أثر، وذلك كما ينسف الحب، فزال ثبات الأرض بالأسباب التي هي الرواسي، لأن تلك الدار ليست بدار أسباب. ولما ذكر تغيير السماء والأرض، ذكر ما فعل ذلك لأجله فقال: {وإذا الرسل} أي الذي أنذروا الناس ذلك اليوم فكذبوهم {أقتت *} أي بلّغها الذي لا قدير سواه بأيسر أمر ميقاتَها الذي كانت تنتظره، وهو وقت قطع الأسباب وإيقاع الرحمة والثواب للأحباب والنقمة والعقاب للأعداء بشهادتهم بعد جمعهم على الأمم بما كان منهم من الجواب، وحذف العامل في "إذا" تهويلاً له لتذهب النفس فيه كل مذهب، فيمكن أن يكون تقديره: وقع ما توعدون فرأيتم من هذا الوعيد ما لا يحتمل ولا يثبت لوصفه العقول، وعلى ذلك دل قوله ملقناً لما ينبغي أن يقال: وهو {لأيّ يوم} أي عظيم {أجلت *} أي وقع تأجيلها به، بناه للمفعول لأن المقصود تحقيق الأجل لا كونه من معين، وتنبيهاً على أن المعين له معلوم أنه الله الذي لا يقدر عليه سواه، ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله مبدلاً من "لأي يوم": {ليوم الفصل *} أي الذي إذا أطلق ذلك لم ينصرف إلا إليه لأنه لا يترك فيه شيئاً إلا وقع الفصل فيه بين جميع الخلق من كل جليل وحقير، ثم هوله وعظمه بقوله: {وما أدراك} أي وأي شيء أعلمك وإن اجتهدت في التعرف، ثم زاده تهويلاً بقوله: {ما يوم الفصل *} أي إنه أمر يستحق أن يسأل عنه ويعظم، وكل ما عظم بشيء فهو أعظم منه، ولا يقدر أحد من الخلق على الوصول إلى علمه لأنه لا مثل له يقال عليه. ولما هول أمره ذكر ما يقع فيه من الشدة على وجه الإجمال فقال: {ويل} أي هلاك عظيم جداً {يومئذ} أي إذ يكون يوم الفصل {للمكذبين *} أي بالمرسلات التي أخبرت بذلك اليوم وغيره من أمر الله، والويل في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله، عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات معناه، وقد كررت هذه الجملة بعدة المقسم به وما ذكر هنا مما يكون في يوم الفصل من الطمس وما بعده وهو تسعة أشياء، وزادت واحدة فتكون كل جملة بواحدة من المذكورات، والعاشر للتأكيد دلالة على أن لهم من الويل ما لا ينتهي كما أن الواحد لا ينتهي على أنها لو كانت كلها لتأكيد الأول لكان ذلك حسناً، فإن من كذبك في أشياء كان من البلاغة أن تقرره بواحدة منها ثم تقول له عند قيام الدليل "ويل لك" ثم تفعل فيما بعده كله كذلك وتعيد عليه ذلك القول بعينه تأكيداً له وتحقيقاً لوقوع معناه دلالة على أن الغيظ قد بلغ منتهاه والفجور وانقطاع العذر لم يدع موضعاً للتنصل منه والبعد عنه، وذلك في كلام العرب شائع معروف سائغ. ولما أقسم على وقوع الوعد والوعيد مطلقاً أعم من أن يكون في الدنيا أو في الآخرة لأنه قادر على كل ما يريد بأقسام دلت على القدرة عليه دلالة جلية، أتبعه دلالة أجلى منها بما يشاهد من خراب العالم النفسي فقال منكراً على من يكذب به تكذيبهم مع ما كان منه سبحانه إلى من كذب الرسل ومن آمن بهم: {ألم نهلك} أي بما لنا من العظمة {الأولين *} أي إهلاك عذاب وغضب بتكذيبهم الرسل عليهم الصلاة والسلام كقوم نوح ومن بعدهم أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن، لم ندع منهم أحداً. ولما كان إهلاك من في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إن لم ينقص عن إهلاك الأولين لم يزد، وكان جواب هذا التقدير: بلى قد أهلكتهم، قال عاطفاً على هذا الذي أرشد السياق إليه إرشاداً ظاهراً جعله كالمنطوق ما تقديره: نعم أهلكناهم {ثم} أي بعد إهلاكنا لهم. ولما كان الفعل مرفوعاً، علمنا أنه ليس معطوفاً على "تهلك" ليكون تقديراً، بل هو إخبار للتهديد تقديره: نحن إن شئنا {نتبعهم الآخرين *} أي الذين في زمانك من كفار العرب وغيرهم لتكذيبهم لك أو الذين قربوا من ذلك الزمان كأصحاب الرس وأصحاب الفيل. ولما هدد من واجه الرسل بالتكذيب تسلية لهم، سلى من قطعوه من أتباعهم مما يجب وصله بهم من المعروف فقال مستأنفاً منبهاً على الوصف الموجب لذلك الإهلاك: {كذلك} أي مثل ذلك الإهلاك {نفعل بالمجرمين *} أي جميع الذين يفعلون فعل أولئك الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل وهم عريقون في ذلك القطع، وذلك مثبت لنا القدرة على جمعهم ليوم الفصل كما قدرنا على جمعهم لوقت الإجرام وعلى فصلنا في الإهلاك والإنجاء بين مكذبي الأمم ومصدقيهم فلا بد من إيجادنا ليوم الفصل: {ويل يومئذ} أي إذ يوجد {للمكذبين *} أي بالعاصفات التي أهلكنا بها تلك الأمم تارة بواسطة القلب وإمطار الحجارة وأخرى بواسطة الماء وتارة بالرجفة وتارة بغير واسطة.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: إذا طمست نجوم المعارف وكشف عن سرائر المعاملات وهو اليوم الذى يفصل فيه بين المرء وقرنائه وإخوانه وخلانه إلا ما كان منها لله وفى الله.
البقلي
تفسير : اذا تجلى الحق بجلال كبريائه من عيون القدم تتطمس نجوم عقول العارفين مع نجوم معارفهم فخسفنا اقمار ارواحهم عند شعاع عزة السرمدية بحيث لم يكن لها عين الاحارت ولا معرفة الازالت.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فإِذا النجومُ طُمِستْ}؛ مُحيت ومُحقت، أو ذُهب بنورها. وجواب "إذا" محذوف، وهو العامل فيها، أي: وقع الفصل ونحوه، أو: وقع ما وُعدتم به. و"النجوم": فاعل بمحذوف يُفسره ما بعده، {وإِذا السماءُ فُرِجَتْ}؛ فُتحت, فكانت أبواباً لنزول الملائكة، {وإِذا الجبال نُسِفَتْ}؛ قُطعت من أماكنها، وأُخذت من مقارها بسرعة، فكانت هباءً منبثاً، {وإِذا الرُسل أُقِتَتْ} أي: وُقتت وعُين لهم الوقت الذي يحضرون للشهادة على أممهم، فَفَجَأن ذلك الوقت، وجُمعت للشهادة على أممهم، أي: وإذا الرسل عاينت الوقت الذي كانت تنتظره، {لأيَّ يوم أُجِّلَتْ} أي: ليوم عظيم أخّرت وأُمهلت، وفيه تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله. والتأجيل من الأجل، كالتوقيت من الوقت. ثم بيّن ذلك اليوم، فقال: {ليوم الفصْلِ} أي: أُجِّلت ليوم يفصل فيه بين الخلائق، وقال ابن عطاء: هو اليوم الذي يفصل فيه بين المرء وقرنائه وإخوانه وخِلاّنه، إلاّ ما كان منها للّه وفي الله. هـ. وهو داخل في الفصل بين الخلائق، وجزء من جزئياته، {وما أدراك ما يومُ الفصل} أي: أيّ شيء جعلك دارياً ما هو يوم الفصل، فوضع الظاهر موضع الضمير، تهويل وتفظيع لشأنه، {ويل يومئذٍ للمكذِّبين} بذلك اليوم، أي: ويل لهم في ذلك اليوم الهائل، و"ويل" أصله: مصدر منصوب بفعل سدّ مسده، لكن عدل به إلى الرفع على الابتداء، للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعوّ عليه، و"يومئذ" ظرف له، و"للمكذِّبين" خبره، أي: الويل في ذلك اليوم حاصل لهم. قال ابن عطية: وأمّا تكرير قوله تعالى: {ويل يومئذ للمكذِّبين} في هذه السورة، فقيل: لمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك. هـ. وهذا الآخر هو الصواب, وسيأتي التنبيه عليه في كل آية. الإشارة: إذا أشرقت شموس العرفان، وبدت أسرارُ الذات للعيان، انطمس نور نجوم علم الفروقات الكونية، والفروعات الوهمية، ولم يبقَ إلاّ علم الوحدة الذاتية ومعنى انطماسها: الغيبة عنها والفناء عنها بما هو أمتع وأحلى منها، من شهود الذات الأقدس، والاستغراق في شهود أنوارها وأسرارها. وإذا السماء، أي: سماء الأرواح فُرجت عنها ظُلمة الحس، فظهرت للعيان. واعلم أنَّ أرض الأشباح وسماء الأرواح محلهما واحد، وإنما تختلف باختلاف النظرة، فَمَن نَظَر الأشياءَ بعين الفرق في محل الحدوث تُسمى في حقه عالم الأشباح، ومَن رآها بعين الجمع في مقام القِدَم, تسمى في حقه عالم الأرواح، والمظهر واحد. وإذا الجبال؛ جبال الوهم والخيالات، أو: جبال العقل الأصغر، نُسفت، أي: تلاشت وذهبت، وإذا الرسل أي: الدعاة إلى الله من أهل التربية، أُقتت: عُين لها وقت وقوع ذلك، وهو يوم الفتح الأكبر بالاستشراف على الفناء في الذات، وأي يوم ذلك، وهو يوم لقاء العبد ربه في دار الدنيا، وهو يوم الفصل، يفصل فيه بين الخصوص والعموم، بين المقربين وأهل اليمين، بين أهل الشهود والعيان, وأهل الدليل والبرهان، ويل يومئذ للمكذِّبين بطريق هذا السر العظيم. ثم استدلّ على ذلك، فقال: {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ}.
الجنابذي
تفسير : {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ} اى محقت او محى نورها، وجواب اذا محذوف بقرينة السّابق اى كان ما توعدون، او بقرينة اللاّحق اى اهلكناهم، او الجواب قوله لاىّ يومٍ اجّلت بتقدير القول.
الهواري
تفسير : قال تعالى: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} يقول: عذاب الله واقع يوم تطمس فيه النجوم فيذهب ضوءها. {وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ} أي: فتحت وانشقت، كقوله: (أية : وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً) تفسير : [النبأ:19]. قال: {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ} أي: قد ذهبت من أصولها فكانت هباء منبثاً في تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: {نُسِفَتْ} أي: سوّيت بالأرض. قال: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} أي: وعدت، يعني الميعاد، وميعادها يوم القيامة في تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: {أقتت} أي: جمعت. وتفسير مجاهد: {أُقِّتَتْ} أي: أجّلت أجلاً يعيشون فيه. {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ}. قال: {لِيَوْمِ الْفَصْلِ} أي: يوم القضاء. قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ} أي يوم القضاء. قال الحسن: أي: إنك لم تكن تدري ما يوم الفصل حتى أعلمتكه. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي: ينادون في النار بالويل والثبور. قال: {أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ} على الاستفهام، أي بلى، قد أهلكنا الأولين، يعني الأمم السالفة التي أهلك حين كذبوا رسلهم. قال: {ثُمَّ نُتْبِعُهُمَ الأَخِرِينَ} والآخرون هذه الأمة، أي: نهلكهم كما أهلكنا من قبلهم، يعني آخر كفار هذه الأمة الذين تقوم عليهم الساعة. قال: {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وهي مثل الأولى. قوله: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} يعني النطفة الضعيفة {فَجَعَلْنَاهُ} يعني الماء، وهو النطفة {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} يعني الرحم {إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي: إلى يوم يولد المخلوق. قال تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} وهي تقرأ على وجهين: {فَقَدَرْنَا} خفيفة و {فَقَدَّرْنَا} مثقلة. فمن قرأها بالتخفيف فهو يقول: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ} من باب القُدرة، أي: فملكنا فنعم المالكون. ومن قرأها بالتثقيل {فَقَدَّرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ} فمِن قِبَل التقدير. قال تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وهي مثل الأولى.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} محي نورها، وبعد محوه تنثر ويجوز أن يراد بطمسها إذهابها فهو نثرها المذكور في آية أخرى.
اطفيش
تفسير : أذهب ضوؤهِا وبعد هذا الإِذهاب تفنى.
الالوسي
تفسير : أزيل أثرها بإزالة نورها أو بإعدام ذاتها وإذهابها بالكلية. وكل من الأمرين سيكون وليس من المحال في شيء وما زعمه الفلاسفة المتقدمون في أمر تلك الأجرام واستحالة التحلل والعدم عليها أوهن من بيت العنكبوت وما زعمه المعاصرون منهم فيها وإن كان غير ثابت عندنا إلا أن إمكان الطمس عليه في غاية الظهور.
ابن عاشور
تفسير : الفاء للتفريع على قوله: {أية : إنما توعدون لواقع}تفسير : [المرسلات: 7] لأنه لما أفاد وقوع البعث وكان الخاطبون ينكرونه ويتعللون بعدم التعجيل بوقوعه، بُيّن لهم ما يحصل قبله زيادة في تهويله عليهم. والإِنذار بأنه مؤخّر إلى أن تحصل تلك الأحداث العظيمة، وفيه كناية رمزية على تحقيق وقوعه لأن الأخبار عن أمارات حلول ما يوعدون يستلزم التحذير من التهاون به، ولذلك ختمت هذه الأخبار بقوله: { أية : ويل يومئذٍ للمكذبين}تفسير : [المرسلات: 19]. وكررت كلمة {إذَا} في أوائل الجمل المعطوفة على هذه الجملة بعد حروف العطف مع إغناء حرف العطف عن إعادة {إذا} كما في قوله: {أية : فإذا برق البصر وخَسَف القمر وجُمع الشمس والقمر يقول الإِنسان} تفسير : الآية [القيامة: 7 ـ 10]، لإِفادة الاهتمام بمضمون كل جملة من هذه الجمل ليكون مضمونها مستقلاً في جعله علامة على وقوع ما يوعدون. وطَمْسُ النجوم: زوال نورها، وأن نور معظم ما يلوح للناس من النجوم سببه انعكاس أشعة الشمس عليها حين احتجاب ضوء الشمس على الجانب المُظلم من الأرض، فطمس النجوم يقتضي طمس نور الشمس، أي زوَال التهابها بأن تبرد حرارتها، أو بأن تعلو سطحها طبقة رمادية بسبب انفجارات من داخلها، أو بأن تتصادم مع أجرام سماوية أخرى لاختلال نظام الجاذبية فتندك وتتكسر قِطعاً فيزول التهابها. ومعنى {فرجت} تفرّق ما كان ملتحماً من هيكلها، يقال: فرج الباب إذا فتحه. والفرجة: الفتحة في الجدار ونحوه. فإذا أريد بالسماء الجنس الصادق بجميع السماوات على طريقة العموم الحقيقي، أو الصادق بسماوات مشهورة على طريقة العموم العرفي وهي السماوات السبع التي يعبر أهل الهيئة عنها بالكواكب السيارة جاز أن يكون فَرج السماوات حدوث أخاديد عظيمة في الكواكب زيادة على طمس نورها. وإذا أريد بالسماء فرد معين معهود وهي ما نشاهده كالقبة الزرقاء في النهار وهي كرة الهواء، فمعنى {فرجت}: فساد عناصر الجو بحيث تصير فيه طرائق مختلفة الألوان تبدو كأنها شقوق في كرة الهواء كما في قوله تعالى: {أية : إذا السماء انشقت}تفسير : [الانشقاق: 1] وكل ذلك مفض إلى انقراض العالم الدنيوي بجميع نظامه ومجموع أجسامه. والنسف: قلع أجزاء الشيء بعضها عن بعض وتفريقها مثل الهدم. ونسف الجبال: دكها ومصيرها تراباً مفرقاً، كما قال تعالى: {أية : وكانت الجبال كثيباً مهيلاً}تفسير : [المزمل: 14]. وبناء هذه الأفعال الثلاثة بصيغة المبني للمجهول لأن المقصود الاعتبار بحصول الفعل لا بتعيين فاعله على أنه من المعلوم أن فاعلها هو الله تعالى إذ لا يقدر عليه غيره. وجُملة {وإذا الرسل أقتت} عطف على الجمل المتقدمة فهي تقييد لوقت حادث يحصل وهي مما جُعل مضمونها علامة على وقوع ما يوعدون به فيلزم أن يكون مضمونها مستقبل الحصول وفي نظم هذه الجملة غموض ودقة. فَأمّا {أُقتت} فأصله وُقتت بالواو في أوله، يقال: وَقَّت وَقْتاً، إذا عين وقتاً لعمل ما، مشتقاً من الوقت وهو الزمان، فلما بني للمجهول ضمّت الواو وَهو ضم لازم احترازاً من ضمة {أية : ولا تَنْسَوُا الفضل بينكم}تفسير : [البقرة: 237] لأن ضمة الواو ضمة عارضة، فجاز إبَدالها همزة لأن الضم على الواو ثقيل فعدل عن الواو إلى الهمزة. وقرأه الجمهور {أقتت} بهمزة وتشديد القاف. وقرأه أبو عمرو وحده بالواو وتشديد القاف، وقرأه أبو جعفر بالواو وتخفيف القاف. وشأن {إذا} أن تكون لمستقبل الزمان فهذا التأقيت للرسل توقيت سيكون في المستقبل، وهو علامَة على أن ما يُوعدون يحصل مع العلامات الأخرى. ولا خلاف في أن {أُقِّتَت} مشتقّ من الوقت كما علمت آنفاً، وأصل اشتقاق هذا الفعل المبني للمجهول أن يكون معناه: جُعِلت وقتاً، وهو أصل إسناد الفعل إلى مرفوعه، وقد يكون بمعنى: وُقِّتَ لها وقتٌ على طريقة الحذف والإِيصال. وإذ كان {إذا} ظرفاً للمستقبل وكان تأجيل الرسل قد حصل قبل نزول هذه الآية، تعيّن تأويل {أُقِّتَت} على معنى: حَانَ وقتها، أي الوقت المعيَّن للرسل وهو الوقت الذي أخبرهم الله بأنْ يُنْذِرُوا أممهم بأنَّهُ يحلّ في المستقبل غيرِ المعين، وذلك عليه قوله: {لأيّ يوم أُجّلت لِيوم الفصل} فإن التأجيل يفسر التوقيت. وقد اختلفت أقوال المفسرين الأولين في مَحْمَل معنى هذه الآية فعن ابن عباس {أُقِّتت}: جُمعت أي ليوم القيامة قال تعالى: { أية : يوم يجمع الله الرسل}تفسير : [المائدة: 109]، وعن مجاهد والنخعي {أقتت} أُجِّلَت. قال أبو علي الفارسي: أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتاً. قال في «الكشاف»: «والوجه أن يكونَ معنى «وقتت» بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة» اهـ. وهذا صريح في أنه يقال: وُقت بمعنى أُحْضر في الوقت المعيَّن، وسلمه شراح «الكشاف» وهو معنى مغفول عنه في بعض كتب اللغة أو مطوي بخفاء في بعضها. ويجيء على القولين أن يكون قوله: {لأي يوم أجّلت} استئنافاً، وتُجعَل (أيُّ) اسم استفهام مستعمل للتهويل كما درج عليه جمهور المفسرين الذين صرّحوا ولم يُجْمِلُوا، والذي يظهر لي أن تكون (أيٌّ) موصولة دالّة على التعظيم والتهويل وهو ما يعبر عنه بالدّال على معنى الكمال وتكون صفة لموصوف محذوف يدل عليه ما أضيفت إليه (أيٌّ) وتقديره: ليومِ أيِّ يومٍ، أي ليومٍ عظيم. ويكون معنى {أقتت} حضر ميقاتها الذي وُقِّت لها، وهو قول ابن عباس جُمعت، وفي «اللسان» على الفراء: {أُقتت} جُمعت لوقتها، وذلك قول الله تعالى: {أية : يومَ يجمع الله الرسل}تفسير : [المائدة: 109] وقوله: {أية : فكيف إذا جِئْنَا من كل أمة بشهيد وجِئْنَا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : [النساء: 41]. ويكون اللام في قوله: {لأي يوم أُجّلت} لامَ التعليل، أي جمعت لأجل اليوم الذي أُجّلت إليه. وجملة {أُجّلت} صفة ليوم، وحذف العائد لظهوره، أي أجّلت إليه. وقوله: {ليوم الفصل} بدل من {لأي يوم أُجِّلت} بإعادة الحرف الذي جُرَّ بهِ المبدل منه كقوله تعالى: {أية : تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا}تفسير : [المائدة: 114] أي أحضرت الرسل ليوم عظيم هو يوم الفصل. والظاهر أن المبدل منه والبدل دليلان على جواب (إذا) من قوله {فإذا النجوم طمست} الخ، إذ يُعلم أن المعنى إذا حصل جميع ما ذُكر فذلك وقوع ما تُوعدون. وجملة {لأي يوم أجِّلت ليوم الفصل} قد علمت آنفاً الوجه الوجيه في معناها. ومن المفسرين من جعلها مقول قول محذوف: يقال يومَ القيامة، ولا داعي إليه. و {الفصل}: تمييز الحق من الباطل بالقضاء والجزاءِ إذ بذلك يزول الالتباس والاشتباه والتمويه الذي كان لأهل الضلال في الدنيا فتتضحُ الحقائق على ما هي عليه في الواقع. وجملة {وما أدراك ما يوم الفصل} في موضع الحال من يوم الفصل، والواو واو الحال والرابط لجملة الحال إعادة اسم صاحب الحال عوضاً عن ضميره، مثلُ {أية : القارعةُ ما القارعةُ}تفسير : [القارعة: 1، 2]. والأصل: وما أدراك ما هو، وإنما أُظهر في مقام الإِضمار لتقوية استحضار يوم الفصل قصداً لتهويله. و {مَا} استفهامية مبتدأ و {أدراك} خبرٌ، أي أعلمك. و {ما يوم الفصل} استفهام عُلق به فعل {أدْرَاك} عن العمل في مفعولين، و {ما} الاستفهامية مبتدأ أيضاً و {يوم الفصل} خبر عنها والاستفهامان مستعملان في معنى التهويل والتعجيب.
الشنقيطي
تفسير : كلها تغييرات كونية من آثار ذلك اليوم الموعود. وطمس النجوم ذهاب نورها، كقوله: {أية : وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ}تفسير : [التكوير: 2] {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ} أي تشققت وتفطرت كما ي قوله تعالى: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}تفسير : [الإنشقاق: 1]، {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ}تفسير : [الإنفطار: 1]، ونسف الجبال تقدم بيانه في عدة محال. وما يكون لها من عدة أطوار من دك وتفتيت وبث وتسيير كالسحاب ثم كالسراب، وتقدم في سورة ق عند قوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ}تفسير : [ق: 6].
د. أسعد حومد
تفسير : (8) - فَإِذَا ذَهَبَ ضَوْءُ النُّجُومِ. طُمِسَتْ - ذَهَبَ ضَوْؤُهَا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ} يعني ذَهبَ ضَوءُها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):