٧٧ - ٱلْمُرْسَلَات
77 - Al-Mursalat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الخامس: من وجوه تخويف الكفار وهو بيان كيفية عذابهم في الآخرة فأما قوله: {ٱنطَلِقُواْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } فالمعنى أنه يقال لهم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من العذاب، والظاهر أن القائلين هم خزنة النار وانطلقوا الثاني تكرير، وقرأ يعقوب {ٱنطَلِقُواْ } على لفظ الماضي، والمعنى أنهم انقادوا للأمر لأجل أنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعاً منه، وهذا بعيد لأنه كان ينبغي أن يقال: فانطلقوا بالفاء، ليرتبط آخر الكلام بأوله، قال المفسرون: إن الشمس تقرب يوم القيامة من رؤوس الخلائق، وليس عليهم يومئذ لباس ولا كنان، فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم ويمتد ذلك اليوم، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهناك يقولون: {أية : فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَـٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ } تفسير : [الطور:27] ويقال للمكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه، وقوله: {إِلَىٰ ظِلّ } يعني دخان جهنم كقوله: {أية : وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ } تفسير : [الواقعة:43] ثم إنه تعالى وصف هذا الظل بصفات: الصفة الأولى: قوله: {ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ } وفيه وجوه أحدها: قال الحسن: ما أدري ما هذا الظل، ولا سمعت فيه شيئاً وثانيها: قال قوم المراد بقوله: إلى ظل ذي ثلاث شعب كون النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم، وتسمية النار بالظل مجاز من حيث إنها محيطة بهم من كل جانب كقوله: {أية : لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } تفسير : [الزمر:16] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت:55] وثالثها: قال قتادة: بل المراد الدخان وهو من قوله: {أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } تفسير : [الكهف:29] وسرادق النار هو الدخان، ثم إن شعبة من ذلك الدخان على يمينه وشعبة أخرى على يساره، وشعبة ثالثة من فوقه. وأقول هذا غير مستبعد لأن الغضب عن يمينه والشهوة عن شماله، والقوة الشيطانية في دماغه، ومنبع جميع الآفاق الصادرة عن الإنسان في عقائده، وفي أعماله، ليس إلا هذه الثلاثة، فتولدت من هذه الينابيع الثلاثة أنواع من الظلمات، ويمكن أيضاً أن يقال: ههنا درجات ثلاثة، وهي الحس والخيال، والوهم، وهي مانعة للروح عن الاستنارة بأنوار عالم القدس والطهارة، ولكل واحد من تلك المراتب الثلاثة نوع خاص من الظلمة ورابعها: قال قوم: هذا كناية عن كون ذلك الدخان عظيماً، فإن الدخان العظيم ينقسم إلى شعب كثيرة وخامسها: قال أبو مسلم ويحتمل في ثلاث شعب ما ذكره بعد ذلك، وهو أنه: غير ظليل وأنه لا يغني من اللهب وبأنها ترمى بشرر كالقصر. الصفة الثانية: لذلك الظل قوله: {لاَّ ظَلِيلٍ } وهذا تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين، والمعنى أن ذلك الظل لا يمنع حر الشمس. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَلاَ يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ } يقال: أغن عني وجهك، أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده، كما أن المحتاج يقاربه، قال صاحب «الكشاف»: إنه في محل الجر، أي وغيره مغن عنهم، من حر اللهب شيئاً، قال القفال: وهذا يحتمل وجهين أحدهما: أن هذا الظل إنما يكون في جهنم، فلا يظلهم من حرها، ولا يسترهم من لهيبها، وقد ذكر الله في سورة الواقعة الظل فقال: {أية : فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ * لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ } تفسير : [الواقعة: 42- 44] وهذا كأنه في جهنم إذا دخلوها، ثم قال: {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ } فيحتمل أن يكون قوله: {لاَّ ظَلِيلٍ } في معنى: {لاَّ بَارِدٍ } وقوله: {وَلاَ يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ } في معنى: {وَلاَ كَرِيمٍ } أي لا روح له يلجأ إليه من لهب النار والثاني: أن تكوُّنَ ذلك إنما يكون قبل أن يدخلوا جهنم بل عندما يحسبون للحساب والعرض، فيقال لهم: إن هذا الظل لا يظلكم من حر الشمس ولا يدفع لهب النار، وفي الآية وجه ثان: وهو الذي قاله قطرب: وهو أن اللهب ههنا هو العطش يقال: لهب لهباً ورجل لهبان وامرأة لهبى. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ } قال الواحدي: يقال شررة وشرر وشرارة وشرار، وهو ما تطاير من النار متبدداً في كل جهة وأصله من شررت الثوب إذا أظهرته وبسطته للشمس والشرار ينبسط متبدداً، واعلم أن الله تعالى وصف النار التي كان ذلك الظل دخاناً لها بأنها ترمي بالشرارة العظيمة، والمقصود منه بيان أن تلك النار عظيمة جداً، ثم إنه تعالى شبه ذلك الشرر بشيئين الأول: بالقصر وفي تفسيره قولان: أحدهما: أن المراد منه البناء المسمى بالقصر قال ابن عباس: يريد القصور العظام الثاني: أنه ليس المراد ذلك، ثم على التقدير ففي التفسير وجوه أحدها: أنها جمع قصرة ساكنة الصاد كتمرة وتمر وجمرة وجمر، قال المبرد: يقال للواحد من الحطب الجزل الغليظ قصرة والجمع قصر، قال عبد الرحمن بن عابس: سألت ابن عباس عن القصر فقال: هو خشب كنا ندخره للشتاء نقطعه وكنا نسميه القصر، وهذا قول سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك، إلا أنهم قالوا: هي أصول النخل والشجر العظام، قال صاحب «الكشاف»: قرىء كالقصر بفتحتين وهي أعناق الإبل أو أعناق النخل نحو شجرة وشجر، وقرأ ابن مسعود كالقصر بمعنى القصر كرهن ورهن، وقرأ سعيد بن جبير كالقصر في جمع قصرة كحاجة وحوج. التشبيه الثاني: قوله تعالى: {كَأَنَّهُ جمـلات صُفْرٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: جمالات جمع جمال كقولهم: رجالات ورجال وبيوتات وبيوت، وقرأ ابن عباس حمالات بضم الجيم وهو قراءة يعقوب وذكروا وجوهاً أحدها: قيل: الجمالات بالضم الحبال الغلاظ وهي حبال السفن، ويقال لها: القلوس ومنهم من أنكر ذلك وقال: المعروف في الحبال إنما هو الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وقرىء: {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ } تفسير : [الأعراف:40] وثانيها: قيل هي قطع النحاس، وهو مروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام، وابن عباس ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه وثالثها: قال الفراء: يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشيء المجمل، يقال: أجملت الحساب، وجاء القوم جملة أي مجتمعين، والمعنى أن هذه الشررة ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر، وهذا قول الفراء ورابعها: قال الفراء: يجوز أن يقال: جمالات بضم الجيم جمع جمال بضم الجيم وجمال بضم الجيم يكون جمع جمل، كما يقال: رخل ورخال ورخال. القراءة الثاني: جمالة بكسر الجيم هي جمع جمل مثل حجر وحجارة، قال أبو علي: والتاء إنما لحقت جمالاً لتأنيث الجمع، كما لحقت في فحل وفحالة. القراءة الرابعة: جملة بضم الجيم وهي القلس، وقيل: صفر لإرادة الجنس، أما قوله: صفر فالأكثرون على أن المراد منه سود تضرب إلى الصفرة، قال الفراء: لا ترى أسود من الإبل إلا وهو مشوب صفرة، والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كان أشبه بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة. وزعم بعض العلماء أن المراد هو الصفرة لا السواد، لأن الشرر إنما يسمى شرراً ما دام يكون ناراً، ومتى كان ناراً كان أصفر، وإنما يصير أسود إذا انطفأ، وهناك لا يسمى شرراً، وهذا القول عندي هو الصواب. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى شبه الشرر في العظم بالقصر، وفي اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر، وقيل: أيضاً إن ابتداء الشرر يعظم فيكون كالقصر ثم يفترق فتكون تلك القطع المتفرقة المتتابعة كالجمالات الصفر، واعلم أنه نقل عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله: {إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ } أن هذا التشبيه إنما ورد في بلاد العرب، وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة، فبين تعالى أنها ترمى بشرر كالقصر، فلما سمع أبو العلاء المعري بهذا تصرف فيه وشبهه بالخيمة من الأديم، وهو قوله:شعر : حمراء ساطعة الذوائب في الدجى ترمى بكل شرارة كطراف تفسير : ثم زعم صاحب الكشاف أنه ذكر ذلك معارضة لهذه الآية، وأقول: كان الأولى لصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك، وإذ قد ذكره فلا بد لنا من تحقيق الكلام فيه، فنقول: تشبيه الشرارة بالطراف يفيد التشبيه في الشكل والعظم، أما الشكل فمن وجهين الأول: أن الشرارة تكون قبل انشعابها كالنقطة من النار، فإذا انشعبت اتسعت فهي كالنقطة التي تتسع فهي تشبه الخيمة فإن رأسها كالنقطة ثم إنها لا تزال تتسع شيئاً فشيئاً الثاني: أن الشرارة كالكرة أو الأسطوانة فهي شديدة الشبه بالخيمة المستديرة وأما التشبيه بالخيمة في النظم فالأمر ظاهر، هذا منتهى هذا التشبيه. وأما وجه القدح فيه فمن وجوه الأول: أن لون الشرارة أصفر يشوبها شيء من السواد، وهذا المعنى حاصل في الجمالات الصفر وغير حاصل في الخيمة من الأديم الثاني: أن الجمالات متحركة والخيمة لا تكون متحركة فتشبيه الشرار المتحرك بالجمالات المتحركة أولى والثالث: أن الشرارات متتابعة يجيء بعضها خلف البعض وهذا المعنى حاصل في الجمالات الصفر وغير حاصل في الطراف الرابع: أن القصر مأمن الرجل وموضع سلامته فتشبيه الشرر بالقصر تنبيه على أنه إنما تولدت آفته من الموضع الذي توقع منه الأمن والسلامة، وحال الكافر كذلك فإنه كان يتوقع الخير والسلامة من دينه، ثم إنه ما ظهرت له آفة ولا محنة إلا من ذلك الدين، والخيمة ليست مما يتوقع منها الأمن الكلي الخامس: أن العرب كانوا يعتقدون أن كل الجمال في ملك الجمال وتمام النعم إنما يحصل بملك النعم، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } تفسير : [النحل:6] فتشبيه الشرر بالجمال السود كالتهكم بهم، كأنه قيل لهم: كنتم تتوقعون من دينكم كرامة ونعمة وجمالاً إلا أن ذلك الجمال هو هذه الشرارات التي هي كالجمال، وهذا المعنى غير حاصل في الطراف السادس: أن الجمال إذا انفردت واختلط بعضها بالبعض فكل من وقع فيما بين أيديها وأرجلها في ذلك الوقت نال بلاء شديداً وألماً عظيماً، فتشبيه الشرارات بها حال تتابعها يفيد حصول كمال الضرر، والطراف ليس كذلك السابع: الظاهر أن القصر يكون في المقدار أعظم من الطراف والجمالات الصفر تكون أكثر في العدد من الطراف فتشبيه هذه الشرارات بالقصر وبالجمالات يقتضي الزيادة في المقدار وفي العدد وتشبهها بالطراف لا يفيد شيئاً من ذلك، ولما كان المقصود هو التهويل والتخويف كان التشبيه الأول أولى الثامن: أن التشبيه بالشيئين في إثبات وصفين أقوى في ثبوت ذينك الوصفين من التشبيه بالشيء الواحد في إثبات ذينك الوصفين، وبيانه أن من سمع قوله: {إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ } تسارع ذهنه إلى أن المراد إثبات عظم تلك الشرارات، ثم إذا سمع بعد ذلك قوله: {كَأَنَّهُ جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ } تسارع ذهنه إلى أن المراد كثرة تلك الشرارات وتتابعها ولونها. أما من سمع أن الشرار كالطراف يبقى ذهنه متوقفاً في أن المقصود بالتشبيه إثبات العظم أو إثبات اللون، فالتشبيه بالطراف كالمجمل، والتشبيه بالقصر وبالجمالات الصفر، كالبيان المفصل المكرر المؤكد. ولما كان المقصود من هذا البيان هو التهويل والتخويف، فكلما كان بيان وجوه العذاب أتم وأبين كان الخوف أشد، فثبت أن هذا التشبيه أتم. التاسع: أنه قال في أول الآية: {ٱنطَلِقُواْ إِلَىٰ ظِلّ } والإنسان إنما يكون طيب العيش وقت الانطلاق، والذهاب إذا كان راكباً، وإنما يجد الظل الطيب إذا كان في قصره، فوقع تشبيه الشرارة بالقصر والجمالات، كأنه قيل له: مركوبك هذه الجمالات، وظلك في مثل هذا القصر، وهذا يجري مجرى التهكم بهم، وهذا المعنى غير حاصل في الطراف العاشر: من المعلوم أن تطاير القصر إلى الهواء أدخل في التعجب من تطاير الخيمة، لأن القصر يكون مركباً من اللبن والحجر والخشب. وهذه الأجسام أدخل في الثقل والاكتناز من الخيمة المتخذة إما من الكرباس أو من الأديم، والشيء كلما كان أثقل وأشد اكتنازاً كان تطايره في الهواء أبعد، فكانت النار التي تطير القصر إلى الهواء أقوى من النار التي تطير الطراف في الهواء، ومعلوم أن المقصود تعظيم أمر النار في الشدة والقوة، فكان التشبيه بالقصر أولى الحادي عشر: وهو أن سقوط القصر على الإنسان أدخل في الإيلام والإيجاع من سقوط الطراف عليه، فتشبيه تلك الشرارات بالقصر يفيد أن تلك الشرارات إذا ارتفعت في الهواء ثم سقطت على الكافر فإنها تؤلمه إيلاماً شديداً، فصار ذلك تنبيهاً على أنه لا يزال يسقط عليه من الهواء شرارات كالقصور بخلاف وقوع الطراف على الإنسان، فإنه لا يؤلم في الغاية الثاني عشر: أن الجمال في أكثر الأمور تكون موقرة، فتشبيه الشرارات بالجمال تنبيه على أن مع كل واحد من تلك الشرارات أنواعاً من البلاء والمحنة لا يحصي عددها إلا الله، فكأنه قيل: تلك الشرارات كالجمالات الموقرة بأنواع المحنة والبلاء، وهذا المعنى غير حاصل في الطراف فكان التشبيه بالجمالات أتم. واعلم أن هذه الوجوه توالت على الخاطر في اللحظة الواحدة ولو تضرعنا إلى الله تعالى في طلب الأزيد لأعطانا أي قدر شئناً بفضله ورحمته، ولكن هذه الوجوه كافية في بيان الترجيح والزيادة عليها تعد من الإطناب، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي يقال للكفار سيروا {إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} من العذاب يعني النار، فقد شاهدتموها عياناً. {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ} أي دخان {ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} يعني الدخان الذي يرتفع ثم يتشعب إلى ثلاث شعب. وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ٱرتفع تشعب. ثم وصف الظلّ فقال: {لاَّ ظَلِيلٍ} أي ليس كالظلّ الذي بقى حرّ الشمس {وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ} أي لا يدفع من لهب جهنم شيئاً. واللهب ما يعلو على النار إذ ٱضطرمت، من أحمر وأصفر وأخضر. وقيل: إن الشُّعَب الثلاث هي الضريع والزُّقُّوم والغِسْلين؛ قاله الضحاك. وقيل: اللهب ثم الشرر ثم الدخان؛ لأنها ثلاثة أحوال، هي غاية أوصاف النار إذا ٱضطرمت وٱشتدّت. وقيل: عُنُق يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب. فأما النور فيقف على رؤوس المؤمنين، وأما الدخان فيقف على رؤوس المنافقين، وأما اللهب الصافي فيقف على رؤوس الكافرين. وقيل: هو السُّرَادق، وهو لسان من نار يحيط بهم، ثم يتشعب منه ثلاث شعب، فتظللهم حتى يُفْرَغ من حسابهم إلى النار. وقيل: هو الظلّ من يَحْموم؛ كما قال تعالى: { أية : فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ } تفسير : [الواقعة: 42-44] على ما تقدّم. وفي الحديث: « حديث : إن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس ولا لهم أكفان فتلحقهم الشمس وتأخذ بأنفاسهم ومُدَّ ذلك اليوم، ثم ينجّي الله برحمته من يشاء إلى ظلّ من ظلّه فهنالك يقولون: {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} [الطور: 27] » تفسير : ويقال للمكذبين: {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} من عذاب الله وعقابه {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ}. فيكون أولياء الله جلّ ثناؤه في ظلّ عرشه أو حيث شاء من الظلّ، إلى أن يفرغ من الحساب ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقرّه من الجنة والنار. ثم وصف النار فقال: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ} الشرر: واحدته شررة. والشرار: واحدته شرارة، وهو ما تطاير من النار في كل جهة، وأصله من شَرَّرَتُ الثوبَ إذا بسطته للشمس ليجفّ. والقصر البناء العالي. وقراءة العامة «كَالْقَصْرِ» بإسكان الصاد: أي الحصون والمدائن في العِظم وهو واحد القصور. قاله ٱبن عباس وٱبن مسعود. وهو في معنى الجمع على طريق الجنس. وقيل: القصر جمع قَصْرةٍ ساكنة الصاد، مثل جَمْرَة، وجَمْرٍ وتَمْرة وتَمْر. والقصرة: الواحدة من جَزْل الحطب الغليظ. وفي البخاريّ عن ٱبن عباس أي «تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصَرِ» قال كنا نرفع الخشبَ بقَصَرٍ ثلاثة أذرعٍ أو أقلّ، فنرفعه للشتاء، فنسميه القَصَر. وقال سعيد ابن جُبير والضحاك: هي أصول الشجر والنخل العظام إذا وقع وقُطِع. وقيل: أعناقه. وقرأ ٱبن عباس ومجاهد وحُميد والسّلميّ «كَالْقَصَرِ» بفتح الصاد، أراد أعناق النخل. والقَصَرة العنق، جمعها قَصَر وقَصَرات. وقال قتادة: أعناق الإبل. وقرأ سعيد بن جُبير بكسر القاف وفتح الصاد، وهي أيضاً جمع قَصْرة مثل بَدْرة وبِدَر وقَصْعة وقِصَع وحَلْقَة وحِلَق، لحِلقِ الحديد. وقال أبو حاتم: ولعله لغة، كما قالوا حاجَة وحِوَج. وقيل: القَصْر: الجبل، فشبه الشرر بالقَصْر في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصُّفْر، وهي الإبل السود؛ والعرب تسمى السُّود من الإبل صُفْراً؛ قال الشاعر: شعر : تِلْكَ خَيْلي منه وتلك رِكَابِي هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُها كالزَّبِيبِ تفسير : أي هنّ سود. وإنما سُمّيت السود من الإبل صُفراً لأنه يشوب سوادها شيء من صُفرة؛ كما قيل لِبيض الظباء: الأدْم؛ لأن بياضها تعلوه كُدْرة: والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود، لما يشوبُها من صُفْرة. وفي شعر عِمْران بن حِطَّان الخارجيّ: شعر : دَعَتْهُمْ بِأعلى صَوْتِها وَرَمَتْهُمُ بِمثلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نزّاعةُ الشَّوَى تفسير : وضعَّف الترمِذِيّ هذا القول فقال: وهذا القول محال في اللغة، أن يكون شيء يشوبه شيء قليل، فنسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب لمن قد قال هذا، وقد قال الله تعالى: {جِمَالاَتٌ صُفْرٌ} فلا نعلم شيئاً من هذا في اللغة. ووجهه عندنا أن النار خُلِقت من النور فهي نار مضيئة، فلما خلق الله جهنم وهي موضع النار، حشا ذلك الموضع بتلك النار، وبعث إليها سلطانه وغضبه، فٱسودّت من سلطانه وٱزدادت حِدّة، وصارت أشدّ سواداً من النار ومن كل شيء سواداً، فإذا كان يوم القيامة وجيء بجهنم في الموقف رمت بشررها على أهل الموقف، غضباً لغضب الله، والشرر هو أسود، لأنه من نار سوداء، فإذا رمت النار بشررها فإنها ترمي الأعداء به، فهنّ سود من سواد النار، لا يصل ذلك إلى الموحدين؛ لأنهم في سرادق الرحمة أحاط بهم في الموقف، وهو الغمام الذي يأتي فيه الربّ تبارك وتعالى، ولكن يعاينون ذلك الرمي، فإذا عاينوه نزع الله ذلك السلطان والغضب عنه في رأي العين منهم حتى يروها صفراء؛ ليعلم الموحدون أنهم في رحمة الله لا في سلطانه وغضبه. وكان ٱبن عباس يقول: الجِمالات الصُّفر: حِبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال. ذكره البخاري. وكان يقرؤها «جُمَالاَتٌ» بضم الجيم، وكذلك قرأ مجاهد وحُميد «جُمَالاَت» بضم الجيم، وهي الحبال الغلاظ، وهي قُلُوس السفينة أي حبالها. وواحد القُلُوس: قَلْس. وعن ٱبن عباس أيضاً على أنها قطع النحاس. والمعروف في الحبل الغليظ جُمَّل بتشديد الميم كما تقدم في «الأعراف». «وجُمَالاَت» بضم الجيم: جمع جِمالة بكسر الجيم مُوَحّدًا، كأنه جمع جَمَل، نحو حَجَر وحجارة، وذَكَر وذِكَارة. وقرأ يعقوب وٱبن أبي إسحاق وعيسى والجَحْدَريّ «جُمَالة» بضم الجيم موحداً وهي الشيء العظيم المجموع بعضه إلى بعض. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «جِمَالة» وبقية السبعة «جِمَالاَت» قال الفراء: يجوز أن تكون الجِمالات جمع جِمال كما يقال: رجل ورِجال ورِجالات. وقيل: شبهها بالجمالات لسرعة سيرها. وقيل: لمتابعة بعضها بعضاً. والقَصْر: واحد القصور. وقَصْر الظلام: ٱختلاطه. ويقال: أتيته قصراً أي عَشِيًّا، فهو مشترك؛ قال: شعر : كَأَنَّهُمُ قَصْراً مَصابِيحُ راهِبٍ بِمَوْزَنَ رَوَّى بالسَّلِيطِ ذُبالَها تفسير : مسألة ـ في هذه الآية دليل على جواز ٱدْخار الحطب والفحم وإن لم يكن من القوت، فإنه من مصالح المرء ومغانِي مفاقِرِهِ. وذلك مما يقتضي النظر أن يكتسبه في غير وقت حاجته؛ ليكون أرخص وحالة وجوده أمكن، كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدّخر القوت وفي وقت عموم وجوده من كسبه وماله، وكل شيء محمول عليه. وقد بين ٱبن عباس هذا بقوله: كنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه وندّخره للشتاء وكنا نسميه القَصَر. وهذا أصح ما قيل في ذلك والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار: أنهم يقال لهم يوم القيامة: { ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ } يعني: لهب النار، إذا ارتفع وصعد معه دخان؛ فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب { لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ} أي: ظل الدخان المقابل للهب لا ظليل هو في نفسه، ولا يغني من اللهب، يعني: ولا يقيهم حر اللهب. وقوله تعالى: { إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ} أي: يتطاير الشرر من لهبها كالقصر، قال ابن مسعود: كالحصون، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وغيرهم: يعني: أصول الشجر { كَأَنَّهُ جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ} أي: كالإبل السود، قاله مجاهد والحسن وقتادة والضحاك، واختاره ابن جرير، وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: {جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ} يعني: حبال السفن، وعنه، أعني: ابن عباس: {جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ}: قطع نحاس، وقال البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، أخبرنا سفيان عن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما: { إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ} قال: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك، فنرفعه للبناء، فنسميه القصر { كَأَنَّهُ جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ} حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط الرجال { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} ثم قال تعالى: { هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} أي: لا يتكلمون { وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} أي: لا يقدرون على الكلام، ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا، بل قد قامت عليهم الحجة، ووقع القول عليهم بما ظلموا، فهم لا ينطقون، وعرصات القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة، وعن هذه الحالة تارة؛ ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذ، ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}. وقوله تعالى: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَـٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} وهذه مخاطبة من الخالق تعالى لعباده، يقول لهم: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ} يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر. وقوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} تهديد شديد، ووعيد أكيد، أي: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي، وتنجوا من حكمي، فافعلوا، فإنكم لا تقدرون على ذلك؛ كما قال تعالى: {أية : يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ} تفسير : [الرحمن: 33] وقد قال تعالى: {أية : وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} تفسير : [هود: 57] وفي الحديث: «حديث : يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني»تفسير : وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن المنذر الطريقي الأودي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا حصين ابن عبد الرحمن عن حسان بن أبي المخارق، عن أبي عبد الله الجدلي قال: أتيت بيت المقدس، فإذا عبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس، فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة، جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، ويقول الله: { هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَـٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ } اليوم لا ينجو مني جبار عنيد، ولا شيطان مريد، فقال عبد الله بن عمرو: فإنا نحدث يومئذ أنها تخرج عنق من النار، فتنطلق، حتى إذا كانت بين ظهراني الناس، نادت: أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة أنا أعرف بهم من الأب بولده، ومن الأخ بأخيه، لا يغيبهم عني وزر، ولا تخفيهم عني خافية، الذي جعل مع الله إلهاً آخر، وكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، فتنطوي عليهم، فتقذف بهم في النار قبل الحساب بأربعين سنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱنطَلِقُواْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ } من العذاب {تُكَذِّبُونَ }.
الشوكاني
تفسير : {ٱنطَلِقُواْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ } هو بتقدير القول، أي: يقال لهم توبيخاً وتقريعاً: {ٱنطَلِقُواْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } في الدنيا، تقول لهم ذلك خزنة جهنم، أي: سيروا إلى ما كنتم تكذبون به من العذاب، وهو عذاب النار {ٱنطَلِقُواْ إِلَىٰ ظِلّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ } أي: إلى ظل من دخان جهنم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق تكونون فيه حتى يفرغ الحساب. وهذا شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب شعباً. قرأ الجمهور: {انطلقوا} في الموضعين على صيغة الأمر على التأكيد، وقرأ رويس عن يعقوب بصيغة الماضي في الثاني، أي: لما أمروا بالانطلاق امتثلوا ذلك، فانطلقوا. وقيل: المراد بالظل هنا هو السرادق، وهو لسان من النار يحيط بهم. ثم يتشعب ثلاث شعب، فيظلهم حتى يفرغ من حسابهم، ثم يصيرون إلى النار. وقيل: هو الظلّ من يحموم، كما في قوله: {أية : فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ } تفسير : [الواقعة: 42، 43] على ما تقدم. ثم وصف سبحانه هذا الظلّ تهكماً بهم فقال: {لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ } أي: لا يظل من الحرّ، ولا يغني من اللهب. قال الكلبي: لا يردّ حرّ جهنم عنكم. ثم وصف سبحانه النار فقال: {إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ } أي: كل شررة من شررها التي ترمي بها كالقصر من القصور في عظمها، والشرر: ما تطاير من النار متفرّقاً، والقصر: البناء العظيم. وقيل: القصر جمع قصرة ساكنة الصاد مثل حمر وحمرة، وتمر وتمرة، وهي الواحدة من جزل الحطب الغليظ. قال سعيد بن جبير، والضحاك: وهي أصول الشجر العظام. وقيل: أعناقه. قرأ الجمهور: {كالقصر} بإسكان الصاد، وهو واحد القصور، كما تقدّم. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد، والسلمي بفتح الصاد، أي: أعناق النخل، والقصرة العنق جمعه قصر وقصرات. وقال قتادة: أعناق الإبل. وقرأ سعيد بن جبير بكسر القاف، وفتح الصاد، وهي أيضاً جمع قصرة مثل بدر وبدرة، وقصع وقصعة. وقرأ الجمهور: {بشرر} بفتح الشين. وقرأ ابن عباس، وابن مقسم بكسرها مع ألف بين الراءين. وقرأ عيسى كذلك إلاّ أنه يفتح الشين، وهي لغات، ثم شبه الشرر باعتبار لونه فقال: {كَأَنَّهُ جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ } وهي جمع جمال، وهي الإبل، أو جمع جمالة. قرأ الجمهور: "جمالات" بكسر الجيم. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص: {جمالة} جمع جمل. وقرأ ابن عباس، والحسن، وابن جبير، وقتادة، وأبو رجاء: (جمالات) بضم الجيم، وهي حبال السفن. قال الواحدي: والصفر معناها السود في قول المفسرين. قال الفرّاء: الصفر سواد الإبل لا يرى أسود من الإبل إلاّ وهو مشرب صفرة، لذلك سمت العرب سود الإبل صفراً. قيل: والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود، ومنه قول الشاعر:شعر : تلك خيلي وتلك ركابي هنّ صفر أولادها كالزبيب تفسير : أي: هنّ سود. قيل: وهذا القول محال في اللغة أن يكون شيء يشوبه شيء قليل، فينسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب لمن قال بهذا، وقد قال تعالى: {جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ }. وأجيب بأن وجهه أن النار خلقت من النور، فهي مضيئة، فلما خلق الله جهنم، وهي موضع النار حشى ذلك الموضع بتلك النار، وبعث إليها سلطانه وغضبه، فاسودّت من سلطانه وازدادت سواداً، وصارت أشدّ سواداً من كل شيء، فيكون شررها أسود لأنه من نار سوداء. قلت: وهذا الجواب لا يدفع ما قاله القائل؛ لأن كلامه باعتبار ما وقع في الكتاب العزيز هنا من وصفها بكونها صفراء، فلو كان الأمر، كما ذكره المجيب من اسوداد النار، واسوداد شررها، لقال الله: كأنها جمالات سود، ولكن إذا كانت العرب تسمي الأسود أصفر لم يبق إشكال؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، وقد نقل الثقات عنهم ذلك، فكان ما في القرآن هنا وارداً على هذا الاستعمال العربي. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } لرسل الله وآياته {هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } أي: لا يتكلمون: قال الواحدي: قال المفسرون: في يوم القيامة مواقف، ففي بعضها يتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون، وقد قدّمنا الجمع بهذا في غير موضع. وقيل: إن هذا إشارة إلى وقت دخولهم النار وهم عند ذلك لا ينطقون؛ لأن مواقف السؤال والحساب قد انقضت. وقال الحسن: لا ينطقون بحجة، وإن كانوا ينطقون. قرأ الجمهور: برفع {يوم} على أنه خبر لإسم الإشارة. وقرأ زيد بن عليّ، والأعرج، والأعمش، وأبو حيوة، وعاصم في رواية عنه بالفتح على البناء لإضافته إلى الفعل، ومحله الرفع على الخبرية. وقيل: هو منصوب على الظرفية، والإشارة بهذا إلى ما تقدّم من الوعيد؛ كأنه قيل: هذا العقاب المذكور كائن يوم لا ينطقون {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } قرأ الجمهور: {يؤذن} على البناء للمفعول، وقرأ زيد بن عليّ: (ولا يأذن) على البناء للفاعل، أي: لا يأذن الله لهم، أي: لا يكون لهم إذن من الله فيكون لهم اعتذار من غير أن يجعل الاعتذار مسبباً عن الإذن كما لو نصب. قال الفرّاء: الفاء في فيعتذرون نسق على يؤذن، وأجيز ذلك؛ لأن أواخر الكلام بالنون، ولو قال فيعتذروا لم يوافق الآيات، وقد قال: {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ}تفسير : [فاطر: 36] بالنصب، والكل صواب. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } بما دعتهم إليه الرسل، وأنذرتهم عاقبته. {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَـٰكُمْ وَٱلاْوَّلِينَ } أي: ويقال لهم: هذا يوم الفصل الذي يفصل فيه بين الخلائق، ويتميز فيه الحق من الباطل، والخطاب في جمعناكم للكفار في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالأوّلين كفار الأمم الماضية. {فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ } أي: إن قدرتم على كيد الآن {فَكِيدُونِ } وهذا تقريع وتوبيخ لهم. قال مقاتل: يقول إن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم. وقيل المعنى: فإن قدرتم على حرب فحاربون. وقيل: إن هذا من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيكون كقول هود: {أية : فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ } تفسير : [هود: 55] {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } لأنه قد ظهر لهم عجزهم، وبطلان ما كانوا عليه في الدنيا. ثم ذكر سبحانه المؤمنين فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ } أي: في ظلال الأشجار وظلال القصور، لا كالظلّ الذي للكفار من الدخان، أو من النار كما تقدّم. قال مقاتل، والكلبي: المراد بالمتقين الذين يتقون الشرك بالله؛ لأن السورة من أوّلها إلى آخرها في تقريع الكفار على كفرهم. قال الرازي: فيجب أن تكون هذه الآية مذكورة لهذا الغرض، وإلاّ لتفككت السورة في نظمها وترتيبها، وإنما يتمّ النظم بأن يكون الوعد للمؤمنين بسبب إيمانهم، فأما جعله سبباً للطاعة فلا يليق بالنظم كذا قال والمراد بالعيون الأنهار، وبالفواكه ما يتفكه به مما تطلبه أنفسهم وتستدعيه شهواتهم. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي: يقال لهم ذلك، فالجملة مقدّرة بالقول، وهي في محل نصب على الحال من ضمير المتقين، والباء للسببية، أي: بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة. {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي المحسنين في أعمالهم، قرأ الجمهور. {في ظلال}. وقرأ الأعمش، والزهري، وطلحة، والأعرج: (في ظلل) جمع ظلة {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } حيث صاروا في شقاء عظيم، وصار المؤمنون في نعيم مقيم. {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ } الجملة بتقدير القول في محل نصب على الحال من المكذبين، أي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك تذكير لهم بحالهم في الدنيا، أو يقال لهم هذا في الدنيا، والمجرمون المشركون بالله، وهذا وإن كان في اللفظ أمراً فهو في المعنى تهديد وزجر عظيم. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } كرّره لزيادة التوبيخ والتقريع. {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ } أي: وإذا أمروا بالصلاة لا يصلون. قال مقاتل: نزلت في ثقيف امتنعوا من الصلاة بعد أن أمرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بها فقالوا: لا ننحني، فإنها مسبة علينا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود»تفسير : وقيل: إنما يقال لهم ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. وقيل: المعنى بالركوع: الطاعة والخشوع. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } بأوامر الله سبحانه ونواهيه {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } أي: فبأيّ حديث بعد القرآن يصدّقون إذا لم يؤمنوا به. قرأ الجمهور: {يؤمنون} بالتحتية على الغيبة. وقرأ ابن عامر في رواية عنه، ويعقوب بالفوقية على الخطاب. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ } قال: كالقصر العظيم، وقوله: {جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ } قال: قطع النحاس. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وهناد، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه من طريق عبد الرحمٰن بن عابس قال: سمعت ابن عباس يسأل عن قوله: {إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ } قال: كنا نرفع الخشب بقدر ثلاثة أذرع أو أقلّ، فنرفعه للشتاء، فنسميه القصر. قال: وسمعته يسأل عن قوله: {جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ } قال: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى يكون كأوساط الرجال. ولفظ البخاري: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك فنرفعه للشتاء فنسميه القصر. {كَأَنَّهُ جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ } حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط الرجال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أنه قرأ: (كالقصر) بفتح القاف والصاد. وقال قصر النخل يعني: الأعناق. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال: كانت العرب في الجاهلية تقول: أقصروا لنا الحطب، فيقطع على قدر الذراع والذراعين. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط عن ابن مسعود في قوله: {تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ } قال: إنها ليست كالشجر والجبال، ولكنها مثل المدائن والحصون. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {كَٱلْقَصْرِ } قال: هو القصر، وفي قوله: {جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ } قال: الإبل. وأخرج الحاكم وصححه من طريق عكرمة قال: سأل نافع ابن الأزرق ابن عباس عن قوله: {هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ }و {أية : لا تُسْمِعُ إِلاَّ هَمْساً } تفسير : [طه: 108] {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [الطور: 25] و{أية : هَاؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ } تفسير : [الحاقة: 19] فقال له: ويحك هل سألت عن هذا أحداً قبلي؟ قال: لا، قال: أما أنك لو كنت سألت هلكت، أليس قال الله: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ }تفسير : [الحج: 47] قال بلى، قال: فإن لكل مقدار يوم من هذه الأيام لوناً من الألوان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ } يقول: يدعون يوم القيامة إلى السجود، فلا يستطيعون من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا.
الماوردي
تفسير : {انْطَلِقوا إلى ظِلٍّ ذي ثلاثِ شُعَبٍ} قيل إن الشعبة تكون فوقه، والشعبة عن يمينه، والشعبة عن شماله، فتحيط به، قاله مجاهد. الثاني: أن الشعب الثلاث الضريع والزقوم والغسلين، قاله الضحاك. ويحتمل ثالثاً: أن الثلاث الشعب: اللهب والشرر والدخان، لأنه ثلاثة أحوال هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت. {لا ظَليلٍ} في دفع الأذى عنه. {ولا يُغْني مِن اللّهَب} واللهب ما يعلو عن النار إذا اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر. {إنها تَرْمي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ} والشرر ما تطاير من قطع النار، وفي قوله " كالقصر" خمسة أوجه. أحدها: أنه أصول الشجر العظام، قاله الضحاك. الثاني: كالجبل، قاله مقاتل. الثالث: القصر من البناء وهو واحد القصور، قاله ابن مسعود. الرابع: أنها خشبة كان أهل الجاهلية يقصدونها، نحو ثلاثة أذرع، يسمونها القصر، قاله ابن عباس. الخامس: أنها أعناق الدواب، قاله قتادة. ويحتمل وجهاً سادساً: أن يكون ذلك وصفاً من صفات التعظيم، كنى عنه باسم القصر، لما في النفوس من استعظامه، وإن لم يُردْ به مسمى بعينه. {كأنّه جِمالةٌ صُفْرٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني جِمالاً صُفراً وأراد بالصفر السود، سميت صفراً لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة، قال الشاعر: شعر : تلك خَيْلي منه وتلك رِكابي هُنّ صُفْرٌ أولادُها كالزبيبِ. تفسير : الثاني: أنها قلوس السفن، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. الثالث: أنها قطع النحاس، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. وفي تسميتها بالجمالات الصفر وجهان: أحدهما: لسرعة سيرها. الثاني: لمتابعة بعضها لبعض. {فإنْ كانَ لكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ} فيه وجهان: أحدهما: إن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم، قاله مقاتل. الثاني: إن استطعتم أن تمتنعوا عني فامتنعوا، وهو معنى قول الكلبي.
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله: {انطلقوا} ، هو {أية : للمكذبين} تفسير : [الإنسان: 19-24] الذين لهم الويل يقال لهم {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون} من عذاب الآخرة، ولا خلاف في كسر اللام من قوله {انطلقوا} في هذا الأمر الأول، وقرأ يعقوب في رواية رويس "انطلَقوا إلى ظل" بفتح اللام على معنى الخبر، وقرأ جمهور الناس " انطِلقوا " بسكر اللام على معنى تكرار، الأمر الأول وبيان المنطلق إليه، وقال عطاء الظل الذي له {ثلاث شعب} هو دخان جهنم، وروي أنه يعلو من ثلاثة مواضع يراه الكفار فيظنون أنه مغن فيهرعون إليه فيجدونه على أسوأ وصف. وقال ابن عباس: المخاطبة إنما تقال يومئذ لعبدة الصليب إذا اتبع كل واحد ما كان يعبد فيكون المؤمنون في ظل الله ولا ظل إلا ظله، ويقال لعبدة الصليب {انطلقوا إلى ظل} معبودكم وهو الصليب وله {ثلاث شعب}، والتشعب تفرق الجسم الواحد فرقاً ثم نفى عنه تعالى محاسن الظل، والضمير في {إنها} لجهنم وقرأ عيسى بن عمر "بشرار" بألف جمع شرارة وهي لغة تميم، و"القصر" في قول ابن عباس وجماعة من المفسرين اسم نوع القصور وهو إلا دوراً لكبار مشيدة، وقد شبهت العرب بها النوق ومن المعنى قول الأخطل: [البسيط] شعر : كأنها برج رومي يشيده لز بجص وآجر وجيار تفسير : وقال ابن عباس أيضاً: " القصر": خشب كان في الجاهلية يقطع من جزل الحطب من النخل وغيره على قدر الذراع وفوقه ودونه يستعد به للشتاء يسمى " القَصَر " واحده قصرة وهو المراد في الآية، وإنما سمي القَصَّار لأنه يخبط بالقصرة، وقال مجاهد: "القصر" حزم الحطب. وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس وابن جبير " القَصَر" جمع قصرة وهي أعناق النخل والإبل وكذلك أيضاً هي في الناس، وقال ابن عباس جذور النخل، وقرأ ابن جبير أيضاً والحسن: " كالقِصَر" بسكر القاف وفتح الصاد، وهي جمع قصرة كحلقة وحلق من الحديد، واختلف الناس في " الجمالات"، فقال جمهور من المفسرين: هو جمع جمال على تصحيح البناء كرجال ورجالات، وقال آخرون أراد بـ " الصفر" السود، وأنشد على ذلك بيت الأعشى: [الخفيف] شعر : تلك خيلي منه، وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيب تفسير : وقال جمهور الناس: بل " الصفر" الفاقعة لأنها أشبه بلون الشرر بالجمالات، وقرأ الحسن " صُفُر " بضم الصاد والفاء، وقال ابن عباس وابن جبير: "الجمالات" قلوس من السفن وهي حبالها العظام إذا جمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها أجرام عظام، وقال ابن عباس: "الجمالات" قطع النحاس الكبار وكان اشتقاق هذه من اسم الجملة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "جِمالة" بكسر الجيم لحقت التاء جمالاً لتأنيث الجمع فهي كحجر وحجارة، وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن والأعمش: " جُمالة " بضم الجيم، وقرأ باقي السبعة والجمهور وعمر بن الخطاب "جمالات" على ما تفسر بكسر الجيم، وقرأ ابن عباس أيضاً وقتادة وابن جبير والحسن وأبو رجاء بخلاف عنهم "جُمالات" بضم الجيم، واختلف عن نافع وأبي جعفر وشيبة وكان ضم الجيم فيهما من الجملة لا من الجمل وكسرها من الجمل لا من الجملة. ولما ذكر تعالى المكذبين قال مخاطباً لمحمد صلى الله عليه وسلم {هذا يوم لا ينطقون} أي يوم القيامة أسكتتهم الهيبة وذل الكفر، و{هذا} في موطن قاض بأنهم {لا ينطقون} فيه إذ قد نطق القرآن بنطقهم ربنا أخرجنا، ربنا أمتنا، فهي مواطن. و {يوم} مضاف إلى قوله {لا ينطقون} وقرأ الأعرج والأعمش وأبو حيوة " هذا يومَ " بالنصب لما أضيف إلى غير متمكن بناه فهي فتحة بناء وهو في موضع رفع، ويحتمل أن يكون ظرفاً وتكون الإشارة بـ {هذا} إلى رميها {بشرر كالقصر}، وقوله {فيعتذرون} معطوف على {يؤذن} ولم ينصب في جواب النفي لتشابه رؤوس الآي، والوجهان جائزان، وقوله تعالى: {هذا يوم الفصل جمعناكم} مخاطبة للكفار يومئذ. و "الأولون" المشار إليهم قوم نوح وغيرهم. ممن جاء في صدر الدنيا وعلى وجه الدهر، ثم وقف تعالى عبيده الكفار المستوجبين عقابه بقوله: {فإن كان لكم كيد فكيدون} أي إن كان لكم حيلة أو مكيدة تنجيكم فافعلوها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ٱنطَلِقُوۤاْ}. أي: يقال لهم ذلك. والعامة: على "انطلقوا" الثاني كالأول بصيغة الأمر على التأكيد وروى رويس عن يعقوب: "انْطَلَقُو" - بفتح اللام - فعلاً ماضياً على الخبر، أي: لمَّا أمروا امتثلوا ذلك وهذا موضع الفاء، فكان ينبغي أن يكون التركيب فانطلقوا، نحو قولك: قلت له: اذهب فذهب، وعدم الفاء هنا ليس بواضح. فصل في كيفية عذاب الكفار في الآخرة هذا هو النَّوع الخامس من تخويف الكُفَّار، وهو بيان كيفية عذابهم في الآخرة والمعنى: يقال لهم: انطلقوا إلى ما كذبتم به من العذاب، يعني النار، فقد شاهدتموها عياناً. {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} أي: دخان ذي ثلاث شعب، يعني الدخان الذي يرتفع، ثم يتشعب إلى ثلاث شعب، وكذلك بيان دخان جهنم العظيم إذا ارتفع تشعب. قال أبو مسلم: ويحتمل في ثلاث شعبٍ ما ذكره بعد ذلك، وهو أنه غير ظليل، وأنه لا يغنى من اللهب، وبأنه يرمي بشرر، ثم وصف الظليل، فقال: {لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ} أي: لا يدفع من لهب جهنم شيئاً، أي: ليس كالظلِّ الذي يقي حر الشمس، وهذا تهكّم بهم، وتعريض بأن ظلَّهم غير ظلَّ المؤمنين، وأنه لا يمنع حرَّ الشمس. واللهب ما يعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر، وأصفر، وأخضر. وقيل: إن الشعب الثلاث من الضَّريع، والزَّقُّوم، والغسلين؛ قاله الضحاك. وقيل: اللهب ثم الشرر ثُمَّ الدخان، لأنها ثلاثة أحوال هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت. وقيل: عنق يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب، فأما النور فيقف على رءوس المؤمنين، وأما الدخان فيقف على رءوس المنافقين، وأما اللهب الصافي فيقف على رءوس الكفار. وقيل: هو السرادق، وهو لسان من النَّار يحيط بهم يتشعب منه ثلاث شعب، فيظلهم حتى يفرغ من حسابهم، لقوله تعالى: {أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} تفسير : [الكهف: 29]. وتَسْمِيَةُ النَّار بالظِّل مجاز من حيث إنها محيطةٌ بهم من كل جانب، لقوله تعالى: {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} تفسير : [الزمر: 16]، وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 55] وقيل: هو الظل من يحموم لقوله تعالى: {أية : وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} تفسير : [الواقعة: 43، 44]. وفي الحديث: "حديث : إنَّ الشَّمسَ تَدنُو مِنْ رُءوسِ الخَلائقِ، وليْسَ عَلَيْهِم ولا لَهُمْ أكْفانٌ، فتَلْحَقُهمُ الشَّمْسُ وتَأخذُ بأنْفَاسِهمْ، ثُمَّ يُنَجِّي اللهُ بِرحْمَتهِ مَنْ يَشَاءُ إلى ظلِّ من ظلِّه، فهُناكَ يقُولُونَ: {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} [الطور: 27] ويقال للمذكبين: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه ". تفسير : قوله: {لاَّ ظَلِيلٍ} صفة لـ "ظلّ"، و "لا" متوسّطة بين الصفة والموصوف لإفادة النَّفي، وجيء بالصِّفة الأولى اسماً، وبالثانية فعلاً دلالة على نفي ثبوت هذه الصِّفةِ واستقرارها للظل، ونفي التجدد والحدوث للإغناء عن اللَّهب، يقال: أغني عني وجهك، أي أبعد؛ لأن الغنيَّ عن الشيء يباعده كما أن المحتاج إليه يقاربه. فال الزمخشري: "ولا يغني" في محل الجر، أي وغير مُغْنٍ عنهم من حر اللهب شيئاً. {إِنَّهَا} أي إن جهنم، لأن السياق كله لأجلها. وقرأ العامة: "بِشَررٍ" بفتح الشين وألف بين الراءين. وورش يرقّق الراء الأولى لكسر التي بعدها. وقرأ ابن عباس وابن مقسم: بكسر الشين وألف بين الراءين. وعيسى كذلك، إلا أنه يفتح الشين. فقراءة ابن عباس: يجوز أن تكون جمعاً لـ "شَرَرة"، و "فَعَلة" تجمع على "فِعَال" نحو "رَقَبة ورِقَاب، ورحبة ورِحَاب". وأن يكون جمعاً لـ "شر" لا يراد به "أفعل" التفضيل: يقال: رجل شر، ورجال أشرار ورجل خير ورجال أخيار، ويؤنثان، فيقال: امرأة شرة وامرأة خيرة، فإن أريد بهما التفضيل امتنع ذلك فيهما، واختصّا بأحكام مذكورة في كتب النحو، أي: ترمي بشرار من العذاب، أو بشرار من الخلق. وأما قراءة عيسى: فهو جمع شرارة بالألف، وهي لغة تميم، والشررة والشرارة: ما تطاير من النار منصرفاً. قال القرطبي: "الشرر: واحدته شررة، والشرار: واحدته شرارة، وهو ما تطاير من النار في كل جهة، وأصله من شررت الثوب إذا بسطته للشمس ليجفَّ. والقَصْر: البناء العالي". قوله: {كَٱلْقَصْرِ} العامة على فتح القاف وسكون الصاد, وهو من القصر المعروف شبِّهت به في كبره وعظمه. وابن عباس وتلميذه ابن جبير والحسن: بفتح القاف والصَّاد، وهي جمع قصرة - بالفتح - والقصرة: أعناق الإبل والنخل وأصول الشجر. وقرأ ابن جبير والحسن أيضاً: بكسر القاف وفتح الصَّاد، جمع قصرة بفتح القاف. قال الزمخشري: "كحاجة وحوج". وقال أبو حيان: "كحلقة من الحديد وحلق". وقرئ: "كالقَصِر" بفتح القاف وكسر الصاد. قال شهاب الدين: ولم أر لها توجيهاً، ويظهر أن يكون ذلك من باب الإتباع والأصل: كالقصر - بسكون الصاد - ثم أتبع الصاد حركة الراء فكسرها، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في المشغول بحركة نحو "كَتِف، وكَبِد" فلأن يفعلوه في الخالي منها أولى، ويجوز أن يكون ذلك للنقل، بمعنى أنه وقف على الكلمة، فنقل كسرة الراء إلى الساكن قبلها، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، وهو باب شائع عند القراء والنحاة. وقرأ عبد الله: قُصُر وفيها وجهان: أحدهما: أنه جمع قصر، كـ "رَهْن ورُهُن". قاله الزمخشري. والثاني: أنه مقصور من قصور؛ كقوله: [الرجز] شعر : 5060- فِيهَــا عَيَايِيـــلُ أسُــودٌ ونُمُـــرْ تفسير : يريد: نمور، فقصر، وكقوله: {أية : وَٱلنَّجْمِ} تفسير : [النجم: 1] يريد: النجوم. وتخريج الزمخشري أولى، لأن محل الثاني إما الضرورة، وإما الندور. قوله: "جِمَالات" قرأ الأخوان وحفص: "جِمَالَة"، والباقون: "جِمَالاَت". فـ "الجِمَالة" نحو "ذكر، وذِكارة، وحجر، وحِجَارة". والثاني: أنه جمع كـ "الذِّكَارة، والحِجَارة". قاله أبو البقاء. والأول: قول النحاة. وأما "جمالات"، فيجوز أن يكون جمعاً لـ "جمالة"، وأن يكون جمعاً لـ "جمال"، فيكون جمع الجمع، ويجوز أن يكون جمعاً لـ "جميل" المفرد كقولهم: "رجالات قريش" كذا قالوه. وفيه نظر؛ لأنهم نصُّوا على أن الأسماء الجامدة، وغير العاقلة لا تجمع بالألف والتاء، إلا إذا لم تكسر، فإن تكسرت لم تجمع، وقالوا: ولذلك لحن المتنبي في قوله: [الطويل] شعر : 5061- إذَا كَانَ بَعْضُ النَّاس سَيْفاً لِدوْلَةٍ فَفِي النَِّاس بُوقاتٌ لَهُمْ وطُبُولُ تفسير : فجمع "بوقاً" على "بوقات" مع قولهم: "أبواق"، فكذلك "جمالات" مع قولهم: "جمل، وجمال" على أن بعضهم لا يجيز ذلك، ويجعل نحو "حمامات، وسجلات" شاذًّا، وإن لم يكسر. وقرأ ابن عباس والحسن وابن جبير وقتادة وأبو رجاء، بخلاف عنهم كذلك، إلا أنهم ضموا الجيم، وهي حبال السفن. وقيل: قلوص الجسور، الواحد منها جملة، لاشتمالها على طاقات الحبال، وفيها وجهان: أحدهما: أن يكون "جُمالات" - بالضم - جمع جمال، فـ "جمال" جمع "جملة"، كذا قال أبو حيَّان، ويحتاج في إثبات أن "جُمَالات" جمع "جملة" بالضم إلى نقل. والثاني: أن "جمالات" جمع "جمالة". قاله الزمخشري. وهو ظاهر. وقرأ ابن عبَّاس والسلمي وأبو حيوة: "جُمَالة" بضم الجيم لما قاله الزمخشري آنفاً. وروي عن علي - رضي الله عنه - أنها قطع النُّحاس. قوله: {صُفْرٌ}. صفة لـ "جمالات" أو لـ "جمالة" لأنه إما جمع أو اسم جمع. والعامة: على سكون الفاء جمع، والحسن بضمها، كأنه إتباع، ووقع التشبيه بها في غاية الفصاحة. قال الزمخشري: وقيل: "صُفْر" سود تضرب إلى الصفرة، وفي شعر عمران بن حطَّان الخارجيِّ: [الطويل] شعر : 5062- دَعتْهُمْ بأعْلَى صَوْتهَا ورَمتهُمُ بِمِثْلِ الجمالِ الصُّفْرِ نزَّاعةُ الشَّوَى تفسير : وقال أبو العلاءِ: [الكامل] شعر : 5063- حَمْرَاءُ سَاطِعَةُ الذَّوائِبِ في الدُّجَى تَرْمِي بكُلِّ شَرارةٍ كطِرَافِ تفسير : فشبهها بالطِّراف، وهو بيت الأدم في العظمِ والحمرة، وكأنه قصد بخبثه أن يزيد على تشبيه القرآن، ولتبجحه بما سوّل له من توهم الزيادة جاء في صدر بيته قوله: حمراء، توطئة لها ومناداة عليها تنبيهاً للسَّامعين على مكانها، ولقد عمي، جمع الله له عمى الدارين عن قوله تعالى: {كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ} فإنه بمنزلة قوله: كبيت أحمر وعلى أن في التشبيه بالقصر، وهو الحصن تشبيهاً من جهتين: من جهة العظم، ومن جهة الطّول في الهواء. انتهى. وكان قد قال قبل ذلك بقليل: "شبهت بالقصور، ثم بالجمال لبيان التشبيه؛ ألا ترى أنهم يشبهون الإبل بالأفدان والمجادل". والأفدان: القصور؛ كأنه يشير إلى قول عنترة: [الكامل] شعر : 5064- فَوقفْتُ فِيهَا نَاقَتِي وكَأنَّهَا فَدنٌ لأقْضِيَ حَاجةَ المُتلومِ تفسير : فصل في المراد بالقصر قال القرطبي: القصر: البناء العالي. وقيل: القصر: جمع قصرة - ساكنة الصاد - مثل جمرة وجمرة، وتمر وتمرة، والقصر: الواحدة من جزل الحطب الغليظ. قال سعيد بن جبير، والضحاك: هي أصول الشجر والنخل العظام إذا وقع وقطع. وقيل: أعناقه: شبّه الشرر بالجمال الصفر، وهي الإبل السود، والعرب تسمي السود من الإبل صفراً. قال الشاعر: [الخفيف] شعر : 5065- تِلْكَ خَيْلِي منهُ وتِلْكَ رِكَابِي هُنَّ صُفْرٌ أولادُهَا كالزَّبيبِ تفسير : أي: هنّ سود، وإنما سميت السود من الإبل صفراً؛ لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة. قال الترمذي: وهذا القول ضعيف، ومحال في اللغة أن يكون من يشوبه قليل فينسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب ممن قال هذا، وقد قال تعالى: {جِمَالَةٌ صُفْرٌ} فلا نعلم شيئاً من هذا في اللغة. والجمالات: الجمال. وقال الفراء: يجوز أن تكون الجُمَالات - بالضم - من الشيء المجمل، يقال: أجملت الحساب، وجاء القوم جملة، أي مجتمعين. والمعنى: أن هذا الشرر يرتفع كأنه شيء مجموع غليظ أصفر. قيل: شبهها بالجمالات لسرعة سيرها. وقيل: لمتابعة بعضها بعضاً.
القشيري
تفسير : { ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}. يقال لهم: انطلقوا إلى النار التي كذَّبتم بها. {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ}. كذلك إذا لم يعرفْ البعدُ قَدْرَ انفتاح طريقه إلى الله بقلْبه، وتعزُّرِه بتوكله... فإذا رجع إلى الخَلْقِ عند استيلاءِ الغفلة نَزَعَ اللَّهُ عن قلبه الرحمةَ، وانسدَّت عليه طُرُقُ رُشْدِه، فيتردد من هذا إلى هذا إلى هذا. ويقال لهم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذِّبون. والاستقلالُ بالله جنّة المأوى، والرجوعُ إلى الخَلْقِ قَرْعُ باب جهنم.. وفي معناه أنشدوا: شعر : ولم أرَ قبلي مَنْ يُفارِقُ جنَّةً ويقرع بالتطفيل بابَ جهنم تفسير : ثم يقال لهم إذا أخذوا في التنصُّل والاعتذار:
اسماعيل حقي
تفسير : {انطلقوا} اى يقال يومئذ للمكذبين بطريق التوبيخ والتقريع انطلقوا واذهبوا والقائلون خزنة النار وزبانية جهنم {الى ما كنتم به تكذبون} فى الدنيا من العذاب وبه متعلق بتكذبون قدم لرعاية نظم الآية.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله للكفرة المكذِّبين: {انطلِقوا} أي: سيروا {إِلى ما كنتم به تُكَذِّبون} من النار المؤبَدة عليكم، {انطلقوا إِلى ظِلًّ}؛ دخان جهنم {ذي ثَلاثٍ شُعَبٍ}، يتشعّب لِعظَمه ثلاث شعب، كما هو شأن الدخال العظيم، تراه يتفرّق ذوائب، وقيل: يخرج لسان من النار يحيط بالكفار كالسرداق، ويتشعّب من دخانها ثلاث شُعب، فتُظلم حتى يفرغ من حسابهم، والمؤمنون في ظل العرش. قيل: الحكمة في خصوصية الثلاث: أن حجاب النفس عن أنوار القدس ثلاث، الحس والخيال والوهم، وقيل: إنّ المؤدِّي إلى هذا العذاب هو القوة الوهمية الشيطانية، الحالة في الدماغ، والقوة الغضبية التي عن يمين القلب، والقوة الشهوانية البهيمية التي عن يساره، ولذلك قيل: تقف شُعبة فوق الكافر, وشُعبة عن يمينه، وشُعبة عن يساره. ثم وصف ذلك الظل بقوله: {لا ظليلٍ} أي: لا مُظِلّ من حرّ ذلك اليوم أو من حرّ النار، {ولا يُغنِي من اللهب} أي: وغير مغنٍ عن حر اللهب شيئاً لعدم البرودة فيه، وهذا كقوله: {أية : وَظِلٍ مِن يَحْمُومٍ لاَّ بَارٍدٍ َولآ كَرِيمٍ } تفسير : [الواقعة:43، 44]، {إِنها ترمي بشَرَرٍ} وهو ما تطاير من النار {كالقَصْرِ} في العِظم، أي: كل شررة كقصر من القصور في العِظم. وقيل: هو الغليظ من الشجر، الواحدة: قَصْرةٌ، كجمْر وجمرة، {كأنه جمالاتٌ} جمع جَمَلَ. وقرأ أهل الكوفة، غير شعبة "جِمَالةٌ" وهو أيضاً جمع جَمَل، وجمالات جمع الجمع. {صُفرٌ} فإنَّ الشرار لِما فيه من النار يكون أصفر، وقيل: سود؛ لأنَّ سواد الإبل يضرب إلى الصفرة، والأول تشبيه لها في العِظم، وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط. وقيل: الضمير في "إنه" يعود إلى القصر، فيذهب به إلى تصوير عجيب وتطوير غريب. شبهت الشرارة حين تنقض من النار في العظم بالقصر، ثم شبّه القصر المشبّه به، حين يأخذ في الارتفاع والانبساط, بأن ينشق عن أعداد لا نهاية لها بالجمالات المتكاثرة، فيتصوّر فيها حينئذٍ العِظَم أولاً، والانشقاق مع الكثرة والصُفرة والحركة ثانياً، فيبلغ بالتشبيه إلى الذروة العليا. هـ. من الحاشية. {ويل يومئذٍ للمكذّبين} بنارٍ هذه صفتها مع شواهد القدرة على ذلك وعلى أكبر منه، {هذا يومُ لا ينطقون}، الإشارة إلى وقت دخولهم النار، أي: هذا يوم لاينطقون فيه بشيءٍ، إمَّا لأنَّ السؤال والجواب والحساب قد انقضت قبل ذلك، ويوم القيامة طويل, له مواطن ومواقيت، فينطقون في وقتٍ دون وقتٍ، فعبّر عن كل وقت بيوم، أو: لا ينطقون بشيءٍ ينفعهم، فإنَّ ذلك كلا نُطق. وقُرىءَ بنصب اليوم، أي: هذا الذي ذكروا وقع يومَ لا ينطقون، {ولا يُؤذَنُ لهم} في الاعتذار {فيعتذِرُون}: عطف على "يُؤذَن" منخرط في سلك النفي، أي: لا يكون لهم إذن ولا اعتذار يتعقب له، وليس الإذن سبباً للأعتذار وإلاّ لنصب. قال الطيبي عن صاحب الكشف: التقدير: هذا يوم لا ينطقون بمنطق ينفعهم، ولا يعتذرون بعذرٍ يدفع عنهم، فـ"يعتذرن" داخل في النفي، ولو حملناه على الظاهر لتَنَاقض؛ لأنه يصير: هذا يوم لا ينطقون فيعتذرون؛ لأن الاعتذار نُطق أيضاً. هـ. {ويل يومئذٍ للمكذِّبين} بالبعث وما بعده. {هذا يومُ الفَصْلِ} بين الحق والباطل، أو: بين المُحق والمُبطل، {جمعناكم} فيه، والخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم {والأولينَ} من الأمم، فيقع الفصل بين الخلائق، {فإِن كان لكم كَيْدٌ} هنا كما كان في الدنيا {فكِيدُونِ} فإنَّ جميع مَن كنتم تُقلدون وتقتدُون بهم حاضرون معكم. وهذا تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا، وإظهار لعجزهم هناك، {ويل يومئذٍ للمكذِّبين} بهذا، حيث أظهر ألاَّ حِيلة لهم في الخلاص من العذاب. الإشارة: انطلِقوا إلى ضد ما كنتم به تُكذِّبونن مِن رفع درجات المجتهدين المقربين وسقوط درجة البطالين، فانحطوا إلى نار البُعد والحجاب. وتكذيبهم بذلك هو من حيث لم يعملوا بمقتضاه. انطلقوا إلى ظل الحجاب، ذي ثلاث شُعب، تشعب عليه الحجاب، وانسدل عليه ثلاث مرات، ظِل حجاب الغفلة، وظِل حجاب الهوى، وظِل حجاب حس الكائنات. لا ظليل؛ ليس فيه نسيم القُرب، ولا برد الرضا والتسليم، ولا يُغني من لهب حر القطيعة والبُعد، أو حرّ التدبير والاختيار، إنها ترمي بشررٍ، مَن كان باطنه في نار القطيعة رمَى بشررها على ظاهره، فيظهر منه الغضب والقسوة والغِلظة والفظاظة. قال القشيري: يُشير إلى ما يترتب على هذه الشُعب من الأوصاف البهيمية والسبُعية والشيطانية، وأنَّ كل صفة منها بحسب الغلظة والشدة, كالقصور المرتفعة، والبروج المشيّدة، كأنه جمالات عظيمة الهيكل، طويلة الأثر, صُفر من شدة قوة النارية في ذلك الشرر، وهي القوة الغضبية. ويل يومئذ للمكذِّبين بهذه التشبيهات اللطيفة والإشعارات الظريفة، المنبئة عن الحقائق والدقائق. هـ. هذا يوم لا ينطقون من شدة تحيرهم، وقوة دهشهم، ولا يُؤذن لهم فيعتذرون عن بطالتهم وتقصيرهم وقلة استعدادهم لهذا اليوم. {ويل يومئذ للمكذِّبين} قال القشيري: لأنهم أفسدوا الاستعداد، بالركون إلى الدنيا وشهواتها, والميل عن الآخرة ودرجاتها. هـ. هذا يوم الفصل بين أهل الجد والاجتهاد، وأهل البطالة والفساد، أو بين أهل القرب والوصال، وبين أهل البُعد والانفصال، أو بين أهل الشهود والعيان وأهل الدليل والبرهان، أو: بين المقربين وعامة أهل اليمين، جمعناكم والأولين، فيقع التمييز بين الفريقين من المتقدمين والمتأخرين، فإن كان لكم كيد وحيلة ترتفعون بها إلى درجات المقربين، فكيدونن ولا قُدرة على ذلك، حيث فاتهم ذلك في الدنيا. ويل يومئذ للمكذَّبين بهذا الفصل والتمييز. ثم ذكر أهل الجد والتشمير، فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ}.
الطوسي
تفسير : قرأ رويس {انطلقوا إلى ظل} على فتح اللام بلفظ الماضي. وقرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر {جمالة} وضم الجيم يعقوب. الباقون {جمالات} من قرأ {جمالة} على لفظ الواحد قال معناه الجمع لقوله {صفر} ومن قرأ {جمالات} بكسر الجيم قال: جمالة وجمالات جميعاً جمعان، كأنه جمع الجمع مثل: رجال ورجالات، وبيوت وبيوتات، والهاء فى قوله {كأنه} كناية عن الشرر. وهذا حكاية ما يقول الله تعالى للكفار المكذبين بيوم الدين يوم القيامة فانه يقول لهم {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون} من العقاب على الكفر ودخول النار جزاء على المعاصي، فكنتم تجحدون ذلك وتكذبون به ولا تعترفون بصحته، فامضوا اليوم اليه. فالانطلاق الانتقال من مكان إلى مكان من غير مكث الاعتقال، وهو من الاطلاق خلاف التقييد، والانتقال من حال إلى حال، ومن اعتقاد إلى اعتقاد لا يسمى انطلاقاً. ثم ذكر الموضع الذي أمرهم بالانطلاق اليه، فقال {انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب} قيل: معناه يتشعب من النار ثلاث شعب: شعبة فوقه، وشعبة عن يمينه وشعبة عن شماله فيحيط بالكافر. وقال مجاهد وقتادة {ظل} دخان من جهنم ينقسم ثلاث شعب كما قال تعالى {أية : أحاط بهم سرادقها}تفسير : أي من الدخان الآخذ بالانفاس {لا ظليل} معناه غير مانع من الاذى يستر عنه، فالظليل المانع من الاذى بستره عنه، ومثله الكنين، فالظليل من الظلة، وهي السترة، والكنين من الكن، فظل هذا الدخان لا يغني الكفار من حر النار شيئاً. وبين ذلك بقوله {ولا يغني من اللهب} والاغناء إيجاد الكفاية بما يكون وجود غيره وعدمه سواء يقال: أغنى عنه أي كفى في الدفع عنه. واللهب إرتفاع الشرر، وهو اضطرام النار، إلتهب يلتهب إلتهاباً وألهبتها إلهاباً ولهباً. وقوله {إنها} يعني النار {ترمي بشرر} وهي قطع تطاير من النار في الجهات وأصله الظهور من شررت الثوب إذا اظهرته للشمس والشرر يظهر متبدداً من النار. وقوله {كالقصر} أي ذلك الشرر كالقصر أي مثله في عظمه، وهو يتطاير على الكافرين من كل جهة - نعوذ بالله منه - والقصر واحد القصور من البنيان - في قول ابن عباس ومجاهد - وفي رواية أخرى عن ابن عباس وقتادة والضحاك: القصر أصول الشجر واحدته قصرة مثل جمرة وجمر، والعرب تشبه الابل بالقصور، قال الاخطل: شعر : كأنه برج رومي يشيده لزّ بجص وآجرّ وأحجار تفسير : والقصر في معنى الجمع إلا انه على طريق الجنس. ثم شبه القصر بالجمال، فقال {كأنه جمالات صفر} قال الحسن وقتادة: كأنها انيق سود، لما يعتري سوادها من الصفرة. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: قلوس السفن، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: هي قطع النحاس. قال الزجاج "جمالات" بالضم جمع جمالة وهو القلس من قلوس البحر، ويجوز أن يكون جمع (جمل) وجمالات، كما قيل (رحال) جمع (رحل) ومن كسر فعلى انه جمع جمالة، وجمالة جمع جمل مثل حجر وحجارة، وذكر وذكارة. وقرئ في الشواذ "كالقصر" بفتح الصاد جمع كأنها أعناق الابل "وجمالات" جمع جمل كرجل ورجالات، وبيت وبيوتات، ويجوز أن يكون جمع جمالة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "جملة" بغير الألف على التوحيد لانه لفظ جنس يقع على القليل والكثير. الباقون جمالات بألف، مكسور الجيم. وقوله {ويل يومئذ للمكذبين} قد فسرناه ثم قال تعالى {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} اخبار من الله تعالى أن ذلك اليوم لا ينطق الكفار. وقيل في معناه قولان: احدهما - ان ذلك اليوم مواطن، فموطن لا ينطقون، لانهم مبلسون من هول ما يرونه، وموطن يطلق فيه عن ألسنتهم فينطقون، فلذلك حكى عنهم أنهم {أية : قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل}تفسير : وقد يقال هذا يوم لا ينطقون إذا لم ينطقوا في بعضه كما يقال: كان كذا يوم قدم فلان وإن كان قدم في بعضه، لان المعنى مفهوم. والثاني - انهم ينطقون بنطق لا ينتفعون به، وكأنهم لم ينطقوا، واضاف الزمان إلى الأفعال كقولك أتيتك يوم قدم زيد، وآتيك يوم يخرج عمرو، وأجاز النحويون هذا يوم لا ينطقون بالنصب على انه يشير إلى الجزاء، ولا يشير إلى اليوم وقوله {ولا يؤذن لهم} فالاذن الاطلاق في الفعل، تقول: يسمع بالاذن فهذا أصله وقد كثر استعماله حتى صار كل دليل ظهر به أن للقادر أن يفعل كذا فهو أذن له، وكل ما اطلق الله فيه بأي دليل كان، فقد أذن فيه. وقوله تعالى {فيعتذرون} فالاعتذار الانتفاء من خلاف المراد بالمانع من المراد، وليس لاحد عذر في معصية الله، لانه تعالى لا يكلف نفساً ما لا يطاق. وقد يكون له عذر في معصية غيره، لانه قد يكلف خلاف الصواب وقد يكلف ما لا يمكن لعارض من الاسباب. وقوله {فيعتذرون} رفع عطفاً على قوله {لا يؤذن} قال الفراء: تقديره لا ينطقون ولا يعتذرون، وقد يجوز في مثله النصب على جواب النفي، ومعنى الآية لا يؤذن لهم في الاعتذار فكيف يعتذرون. وقوله {هذا يوم الفصل} يعني يفصل بين الخلائق بالحكم لكل أحد بما له وعليه. والفصل قطع علق الأمور بتوفية الحقوق، وهذا الفصل الذي هو فصل القضاء يكون ذلك في الآخرة على ظاهر الأمر وباطنه، وأما فى الدنيا، فهو على ظاهر الأمر، لان الحاكم لا يعرف البواطن. وقوله {جمعناكم والأولين} معناه إن الله يجمع فيه الخلائق فى يوم واحد فى صعيد واحد، والجمع جعل الشيء مع غيره إما فى مكان واحد أو محل واحد أو فى يوم واحد أو وقت واحد، أو يجعل مع غيره فى حكم واحد أو معنى واحد كجمع الجماد والحيوان فى معنى الحدوث. وقوله {فإن كان لكم كيد فكيدون} معناه توبيخ من الله تعالى وتقريع للكفار واظهار عجزهم عن الدفع عن أنفسهم فضلا عن أن يكيدوا غيرهم، وإنما هو على أنكم كنتم فى دار الدنيا تعملون ما يغضبني، فالان عجزتم عن ذلك وحصلتم على وبال ما عملتم. وقيل: المعنى إن كان لكم حيلة تحتالونها فى التخلص فاحتالوا. والكيد الحيلة و {ويل يومئذ للمكذبين} قد مضى تفسيره.
اطفيش
تفسير : {انْطَلِقُوا} اي يقال لهم يوم القيامة انطلقوا *{إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} من العذاب.
اطفيش
تفسير : {انطَلِقُوا} مفعول به لحال محذوف من المكذبين أو من ال أى مقولاً لهم توبيخاً. {إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} إِلى العذاب الأخروى الذى كنتم به تكذِّبونَ فى الدنيا وقدم به للفاصلة وطريق الاهتمام.
الالوسي
تفسير : {ٱنطَلِقُواْ } أي يقال لهم يومئذٍ للتوبيخ والتقريع انطلقوا {إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } في الدنيا من العذاب.
ابن عاشور
تفسير : هذا خطاب للمكذبين في يوم الحشر فهو مقول قول محذوف دل عليه صيغة الخطاب بالانطلاق دون وجود مخاطب يؤمر به الآن. والضمير المقدَّر مع القول المحذوف عائد إلى المكذبين، أي يقال للمكذبين. والأمر بانطلاقهم مستعمل في التسخير لأنهم تنطلق بهم ملائكة العذاب قسراً. وما كانوا به يكذبون هو جهنم. وعبر عنه بالموصول وصلته لما تتضمنه الصلة من النداء على خطئهم وضلالهم على طريقة قول عَبْدَة بن الطَّبيب:شعر : إِنَّ الذين ترَوْنَهم إِخْوَانَكم يشْفِي غَلِيلَ صُدورهم أنْ تُصْرَعُوا تفسير : وجملة {انطلقوا إلى ظل} إلى آخرها، بدل اشتمال أو مطابقٌ من جملة {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون}. وأعيد فعل {انطلقوا} على طريقة التكرير لقصد التوبيخ أو الإِهانة والدَّفْع، ولأجله أُعيد فعل {انطلقوا} وحرفُ {إلى}. ومقتضى الظاهر أن يقال: انطلقوا إلى ما كنتُم به تكذبون ظِلٍ ذي ثلاث شعب، فإعادة العامل في البدل للتأكيد في مقام التقريع. وأريد بالظل دخان جهنم لكثافته، فعبر عنه بالظل تهكماً بهم لأنهم يتشوقون ظلاً يأوون إلى برده. وأفرد {ظل} هنا لأنه جعل لهم ذلك الدخان في مكان واحد ليكونوا متراصين تحته لأن ذلك التراص يزيدهم ألماً. وقرأ الجمهور {انطلقوا} الثاني بكسر اللام مثل {انطلقوا} الأول، وقرأه رُوَيس عن يعقوب بفتح اللام على صيغة الفعل الماضي على معنى أنهم أُمروا بالانطلاق إلى النار فانطلقوا إلى دخانها، وإنما لم يعطف بالفاء لقصد الاستئناف ليكون خبراً آخرَ عن حالهم. والشُّعَب: اسم جمع شُعبة وهي الفريق من الشيء والطائفة منه، أي ذي ثلاث طوائف وَأريد بها طوائف من الدخان فإن النار إذا عظم اشتعالها تصاعد دخانها من طرفيها ووسطها لشدة انضغاطه في خروجه منها. فوُصف الدخان بأنه ذو ثلاث شعب لأنه يكون كذلك يوم القيامة. وقد قيل في سبب ذلك: إن شعبة منه عن اليمين وشعبة عن اليسار وشعبة من فوق، قال الفخر: «وأقول هذا غير مستبعد لأن الغضب عن يمينه والشهوة عن شماله والقوة الشيطانية في دماغه، ومنبع جميع الآفات الصادرة عن الإِنسان في عقائده وفي أعماله ليس إلاّ هذه الثلاثة، ويمكن أن يقال ها هنا ثلاث درجات وهي: الحِس، والخيال، والوهَم. وهي مانعة للروح من الاستنارة بأنوار عالم القدس» اهـ. والظليل: القوي في ظِلاله، اشتق له وصف من اسمه لإفادة كماله فيما يراد منه مثل: لَيْلٌ ألْيَلُ، وشِعْرٌ شَاعِرٌ، أي ليس هو مثل ظل المؤمنين قال تعالى: { أية : ونُدخلهم ظِلاًّ ظليلاً}تفسير : [النساء: 57]. وفي هذا تحسير لهم وهو في معنى قوله تعالى: {أية : وظِلٍّ من يَحموم لا بَارِد ولا كريم}تفسير : [الواقعة: 43، 44]. وجُرّ {ظليل} على النعت لـ {ظل}، وأقحمت {لا} فصارت من جملة الوصف ولا يظهر فيها إعراب كما تقدم في قوله تعالى: {أية : إنها بقرةٌ لاَ فَارض ولا بِكْر}تفسير : [البقرة: 68] وشأن {لا} إذا أدخلت في الوصف أن تكرر فلذلك أعيدت في قوله: {ولا يغني من اللهب}. والإِغناء: جعل الغير غنياً، أي غير محتاج في ذلك الغرض، وتعديته بـ (مِن) على معنى البدلية أو لتضمينه معنى: يُبعد، ومثله قوله تعالى: {أية : وما أُغني عنكم من الله مِنْ شيء}تفسير : [يوسف: 67]. وبذلك سلب عن هذا الظل خَصائص الظلال لأن شأن الظل أن ينفس عن الذي يأوي إليه أَلَم الحر.
الشنقيطي
تفسير : بينه بعد بقوله تعالى: {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ}تفسير : [المرسلات: 30-33]، أي وهي جهنم. وقد بين تعالى في موضع آخر أنهم يدفعون إليها دفعاً في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}تفسير : [الطور: 13].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون: أي من العذاب. ظل ذي ثلاث شعب: أي دخان جهنم إذا ارتفع انقسم إلى ثلاث شعب لعظمته. لا ظليل: أي كنين ساتر يكن ويستر. ولا يغني من اللهب: أي ولا يرد شيئا من الحر. إنها: أي النار. بشرر كالقصر: أي الشررة الواحدة كالقصر في عظمته وارتفاعه. كأنه جمالة صفر: أي الشرر المتطاير من النار الشررة كالقصر في عظمها وارتفاعها وكالجمل في هيئتها ولونها والجمل الأصفر الأسود الذي يميل إلى صفرة. هذا يوم لا ينطقون: أي فيه بشيء. ولا يؤذن لهم: أي في العذر. جمعناكم والأولين: أي من المكذبين قبلكم. فإِن كان لكم كيد فكيدون: أي حيلة في دفع العذاب فاحتالوا لدفع العذاب عنكم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي عليها مدار الحياة كلها قوله تعالى {ٱنطَلِقُوۤاْ} هذا يقال للمكذبين يوم القيامة وهم في عرصاتها يقال لهم تقريعاً وتبكيتاً انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون وهو عذاب الآخرة ويتهكم بهم ويسخرون منهم فيقولون انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب وهو دخان النار إذا ارتفع يتشعب إلى ثلاث شعب وذلك لعظمته لا ظليل أي ليس هو ظلا حقيقيا كظل لشجرة والجدار فيكن ويستر ولا يغني من اللهب فيدفع الحر وقال تعالى في وصفها {إِنَّهَا} أي النار {تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ} الشررة الواحدة كالقصر في كبره وارتفاعه كأنه أي الشرر جمالة صفراء اي الشررة كالجمل الأصفر وهو الأسود المائل إلى الصفرة. ثم قال تعالى {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} يتوعد المكذبين به وبآياته ولقائه ورسوله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى {هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} أي هذا يوم القيامة يوم لا ينطقون أي فيه بشيء {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ} أي في الاعتذار فهم يعتذرون لا اعتذار ولا إذن به. ولطول يوم القيامة وتجدد الأحداث فيه يخبر القرآن مرة باعتذارهم وكلامهم في موطن، وينفيه في آخر، إذ هو ذاك الواقع في مواطن يتكلمون بل ويحلفون كاذبين وفي مواطن يغلب عليهم الخوف والحزن فلا يتكلمون بشيء وفي مواطن يطلب منهم أن يتكلموا فيتكلموا وفي أخرى لا، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وعيد لكل المكذبين بهذا وبغيره وقوله تعالى {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ} أي يقال لهم يوم القيامة وهم في عرصاتها هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون جمعناكم فيه أيها المكذبون من هذه الأمة والمكذبين الأولين من قبلها، فإِن كان لكم كيد أي حيلة على خلاصكم مما أنتم فيه فكيدون أي احتالوا عليّ وخلصوا أنفسكم يقال لهم تبكيتا لهم وخزيا وهو عذاب روحي أشد ألماً من العذاب الجسماني {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي ويل يوم إذ يجيء يوم الفصل للمكذبين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التهكم والسخرية والتبكيت من ألَمِ أنواع العذاب الروحي يوم القيامة. 2- عرصات القيامة واسعة والمقام فيها طويل والبلاء فيها شديد. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر بعض ما يتم فيه. 4- التكذيب هو رأس الكفر، وبموجبه يكون العذاب.
القطان
تفسير : لا ظليل: لا يقي من الحر. ولا يغني من اللهب: لا يقي الانسان من لهب النار. بشررٍ كالقصر: ان جهنم ترمي بشرر من النار كل واحدة كالقصر الكبير. جمالة: جمال. صفر: لونها أصفر. ظلال: واحدها ظل، وهي ظلال الاشجار، والبيوت وغير ذلك، ويعبر بالظلال عن الرفاهية والنعيم. وعيون: مياه جارية عذبة تسر الناظرين. اركعوا: صلوا. يبين الله تعالى في الآيات من رقم 29 {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} الى رقم 40، نوعَ ذلك العذاب الشديد الهائل، فأخبر تعالى بأنهم يقال لهم: انطلقوا الى ما كنتم به تكذّبون في الدنيا، الى ظلٍ من دخانِ جهنم، المتشعبِ لكثرته وتفرقه الى ثلاثِ شعب عظيمة. وهو مع ذلك لا يُظلُّهم، ولا يمنع عنهم حرَّ اللهب الذي تقذف به جهنم، حيث ترمي بشررٍ عظيم كل واحدة كالقصر الكبير، وكأنه جمالٌ صفر تنطلق وتتفرق في أعداد غير محصورة. ثم أتبع ذلك بأن الويلَ للمكذبين بذلك اليوم الذي اقسَم الله تعالى بأنه واقع لا محالة. وهم في ذلك اليوم لا ينطِقون من شدة الدهشة والخوف والحيرة، ولا يُسمح لهم بالاعتذار فيعتذرون. وكرر أن لهم الويل والهلاك يومئذٍ، حيث يتم الفصل بين المُحقِّ والمبطِل ويجازَى كل واحد بما يستحق. ثم بين كيف يكون الفصل في ذلك اليوم فقال: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} لقد جمعنا بينكم وبين من تقدَّمكم من الأمم، فان كان لكم حيلة في دفع العذاب عنكم فاحتالوا لتخلِّصوا أنفسكم منه، ولكن هيهات {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} بوعيد الله. ثم بين ما يكون للمؤمنين من السعادة والنعيم والكرامة في ذلك اليوم، فانهم يكونون في ترفٍ ونعيم، ويأكلون فواكه مما يشتهون، فيقال لهم: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من الصالحات {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} وكما جزينا هؤلاء المتقين، نجزي أهل الاحسان لطاعتهم وعبادتهم لنا، فلا نضيع لهم اجرا. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}. وفي كل هذا تهديد ووعيد.. كلوا من لذائذ الدنيا، واستمتعوا بشهواتها الفانية فان البقاء فيها قليل، وأنتم مجرمون لا تستحقون التكريم. وهلاكٌ يومئذ للمكذبين، فهم اذا قيل لهم صلّوا لله واخشَعوا، لا يُصلّون ولا يخشعون، بل يصرّون على كفرهم واستكبارهم فالهلاك لهم في ذلك اليوم. ثم ختم السورة بالتعجب من هؤلاء الجاحدين الذين لم يؤمنوا ولم يستجيبوا لنصح الداعي ولم يتبعوا المرسلين، فقال: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} اذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل والمعجزات، ولم يستمعوا لهذا القرآن العظيم، فبأي كلامٍ بعده يصدّقون. قراءات قرأ الجمهور: فقدرنا بفتح الدال من غير تشديد. وقرأ نافع والكسائي: فقدّرنا بتشديد الدال المفتوحة. وقرأ الجمهور: جمالات بكسر الجيم والجمع، وقرأ حفص وحمزة والكسائي: جمالة. وقرأ الجمهور: فبأيّ حديث بعده يؤمنون بالياء. وقرأ ابن عامر ويعقوب: تؤمنون بالتاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (29) - وَيَقُولُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ: سِيرُوا إِلَى نَارِ جَهَنَّم التِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا، حِينَمَا كُنْتُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا من الويل الذي أعد [للمجرمين] للمكذبين، أن يقال لهم يوم القيامة: { انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } ثم فسر ذلك بقوله: { انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ } أي: إلى ظل نار جهنم، التي تتمايز في خلاله ثلاث شعب أي: قطع من النار أي: تتعاوره وتتناوبه وتجتمع به. { لا ظَلِيلٍ } ذلك الظل أي: لا راحة فيه ولا طمأنينة، { وَلا يُغْنِي } من مكث فيه { مِنَ اللَّهَبِ } بل اللهب قد أحاط به، يمنة ويسرة ومن كل جانب، كما قال تعالى: {أية : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ }. {أية : لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين }. تفسير : ثم ذكر عظم شرر النار، الدال على عظمها وفظاعتها وسوء منظرها، فقال: { إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ } وهي السود التي تضرب إلى لون فيه صفرة، وهذا يدل على أن النار مظلمة، لهبها وجمرها وشررها، وأنها سوداء، كريهة المرأى، شديدة الحرارة، نسأل الله العافية منها [من الأعمال المقربة منها]. { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):