٧٨ - ٱلنَّبَأ
78 - An-Naba' (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : أما المتقي فقد تقدم تفسيره في مواضع كثيرة {ومفازاً} يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى فوزاً وظفراً بالبغية، ويحتمل أن يكون موضع فوز والفوز يحتمل أن يكون المراد منه فوزاً بالمطلوب، وأن يكون المراد منه فوزاً بالنجاة من العذاب، وأن يكون المراد مجموع الأمرين، وعندي أن تفسيره بالفوز بالمطلوب أولى من تفسيره بالفوز بالنجاة من العذاب، ومن تفسيره بالفوز بمجموع الأمرين أعني النجاة من الهلاك والوصول إلى المطلوب، وذلك لأنه تعالى فسر المفاز بما بعده وهو قوله: {أية : حَدَائِقَ وَأَعْنَـٰباً } تفسير : [النبأ: 32] فوجب أن يكون المراد من المفاز هذا القدر. فإن قيل الخلاص من الهلاك أهم من حصول اللذة، فلم أهمل الأهم وذكر غير الأهم؟ قلنا: لأن الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز باللذة والخير، أما الفوز باللذة والخير فيستلزم الخلاص من الهلاك، فكان ذكر هذا أولى. وثانيها: قوله تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} ذَكَر جزاء من ٱتقى مخالفة أمر الله «مَفازاً» موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار. ولذلك قيل للفُلاة إذا قل ماؤها: مفازة، تفاؤلاً بالخلاص منها. {حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً } هذا تفسير الفوز. وقيل: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} إن للمتقين حدائقَ؛ جمع حديقة، وهي البستان المُحَوَّط عليه؛ يقال أحدق به: أي أحاط. والأعناب: جمع عنب، أي كروم أعناب، فحذف. {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً} كواعِب: جمع كاعِب وهي الناهد؛ يقال: كَعَبَت الجارية تَكْعَب كُعوباً، وكَعَّبت تُكَعِّب تكعِيباً، ونَهَدت تَنْهَد نُهوداً. وقال الضحاك: ككواعب العَذَارَى؛ ومنه قول قيس بن عاصم: شعر : وكْم مِن حَصانٍ قد حَوَينا كرِيمةٍ ومِن كاعِبٍ لم تدرِما البؤسُ مُعْصِرِ تفسير : والأتراب: الأقران في السنّ. وقد مضي في سُورة «الواقعة» الواحد: ترب. {وَكَأْساً دِهَاقاً} قال الحسن وقتادة وٱبن زيد وٱبن عباس: مُتْرعة مملوءة؛ يقال: أدهقت الكأس: أي ملأتها، وكأس دِهاق أي ممتلِئة؛ قال: شعر : ألا فاسقِنِي صِرْفاً سقانِي الساقِي مِن مائِها بِكأسك الدِّهاقِ تفسير : وقال خِدَاش بن زُهَير: شعر : أتانا عامِرٌ يبغِي قِرانَاً فأَتْرعْنا له كأساً دِهاقاً تفسير : وقال سعيد بن جُبير وعِكرمة ومجاهد وٱبن عباس أيضاً: متتابعة، يَتبع بعضُها بعضاً؛ ومنه ادَّهَقتِ الحِجارة ٱدِّهاقاً، وهو شدّة تلازُ بها ودخول بعضها في بعض؛ فالمتتابع كالمتداخل. وعن عِكرمة أيضاً وزيد بن أسَلم: صافية؛ قال الشاعر: شعر : لأَنتِ إِلى الفؤادِ أحبُّ قرباً مِن الصادِي إِلى كأسٍ دِهاقِ تفسير : وهو جمع دَهَقَ، وهو خشبتان يغمز بهما (الساق). والمراد بالكأس الخمر، فالتقدير: خمراً ذات دهاق، أي عُصِرت وصُفِّيت؛ قاله القشيريّ. وفي الصحاح: وأَدْهَقْت الماء: أي أفرغته إفراغاً شديداً: قال أبو عمرو: والدَّهَق ـ بالتحريك: ضرب من العذاب. وهو بالفارسية أَشْكَنْجَهْ. المبرد: والمدهوق: المعذَّب بجميع العذاب الذي لا فُرجة فيه. ٱبن الأعرابي: دَهَقْت الشيء كسرته وقطعته؛ وكذلك دَهْدَقْته: وأنشد لحُجْر بن خالد: شعر : نُدَهْدِق بَضْعَ اللحم لِلباعِ والندَى وبعضهُمُ تغلي بذمٍّ مَناقِعُهْ تفسير : ودَهْمَقته بزيادة الميم: مثله. وقال الأصمعي: الدهمقة: لِين الطعام وطِيبهُ ورِقته، وكذلك كل شيء ليّن؛ ومنه حديث عمر: لو شئت أن يُدهْمَقَ لي لفعلت، ولكن الله عاب قوماً فقال: {أية : أَذهبتم طيباتِكم فِي حَياتِكُمُ الدنيا وٱستمتعْتمْ بِها} تفسير : [الأحقاف: 20]. قوله تعالى: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا} أي في الجنة {لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً} اللغو: الباطل، وهو ما يُلْغَى من الكلام ويُطَّرَح؛ ومنه الحديث: « حديث : إذا قلت لصاحبك أنصِت يوم الجمعة والإِمام يخطب فقد لَغَوْت » تفسير : وذلك أن أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم، ولم يتكلموا بلغو؛ بخلاف أهل الدنيا. «ولا كِذّاباً»: تقدم، أي لا يُكَذِّب بعضهم بعضاً، ولا يسمعون كذباً. وقرأ الكسائي «كِذَاباً» بالتخفيف من كَذَبْت كِذَاباً أي لا يتكاذَبُون في الجنة. وقيل: هما مصدران للتكذيب، وإنما خففها ها هنا لأنها ليست مقيَّدة بفعل يصير مصدراً له، وشدّد قوله: {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} لأن كذبوا يقيد المصدر بالكذَّاب. {جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ} نصب على المصدر. لأن المعنى جزاهم بما تقدّم ذكرُه، جَزَاءَه وكذلك {عَطَآءً} لأن معنى أعطاهم وجزاهم واحد. أي أعطاهم عطاء. {حِسَاباً} أي كثيراً؛ قاله قتادة؛ يقال: أَحْسَبْت فلاناً: أي كَثَّرت له العطاء حتى قاله حَسْبِي. قال: شعر : ونُقْفِي ولِيدَ الحيِّ إِن كان جائِعاً ونُحْسِبُهُ إِن كانَ ليس بِجائِعِ تفسير : وقال القُتَبِيّ: ونرى أصل هذا أن يعطيه حتى يقول حَسْبِي. وقال الزجاج: «حِساباً» أي ما يكفيهم. وقاله الأخفش. يقال: أَحسبني كذا: أي كَفاني. وقال الكلبيّ: حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشراً. مجاهد: حساباً لما عملوا، فالحساب بمعنى العدّ. أي بقدر ما وجب له في وعد الرب، فإنه وعد للحسنة عشراً، ووعد لقوم بسبعمائة ضِعْف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مِقدار؛ كما قال تعالى: { أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } تفسير : [الزمر: 10]. وقرأ أبو هاشم «عَطاء حَسَّاباً» بفتح الحاء، وتشديد السين، على وزن فَعَّال أي كَفافاً؛ قال الأصمعيّ: تقول العرب: حَسَّبْت الرجل بالشديد: إذا أكرمته؛ وأنشد قول الشاعر: شعر : إذا أتـاهُ ضيفُـه يُحسِّبـهْ تفسير : وقرأ ٱبن عباس «حساناً» بالنون.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن السعداء، وما أعد لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم، فقال تعالى: { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} قال ابن عباس والضحاك: متنزهاً. وقال مجاهد وقتادة: فازوا فنجوا من النار. والأظهر ههنا قول ابن عباس؛ لأنه قال بعده {حَدَآئِقَ} والحدائق: البساتين من النخيل وغيرها { وَأَعْنَـٰباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً } أي: وحوراً كواعب، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: {وَكَوَاعِبَ} أي: نواهد، يعنون: أن ثديهن نواهد، لم يتدلين؛ لأنهن أبكار عرب، أتراب أي: في سن واحد؛ كما تقدم بيانه في سورة الواقعة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي عن أبي سفيان عبد الرحمن بن عبد الله بن تيم، حدثنا عطية بن سليمان أبو الغيث عن أبي عبد الرحمن القاسم بن أبي القاسم الدمشقي عن أبي أمامة: أنه سمعه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن قمص أهل الجنة لتبدو من رضوان الله، وإن السحابة لتمر بهم فتناديهم: يا أهل الجنة ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتى إنها لتمطرهم الكواعب الأتراب» تفسير : وقوله تعالى: { وَكَأْساً دِهَاقاً} قال ابن عباس: مملوءة ومتتابعة. وقال عكرمة: صافية، وقال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: {دِهَاقاً}: الملأى المترعة، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: هي المتتابعة. وقوله تعالى: { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَٰباً} كقوله: {أية : لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} تفسير : [الطور: 23] أي: ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل ما فيها سالم من النقص. وقوله: {جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً} أي: هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به وأعطاهموه بفضله ومنه وإحسانه. ورحمته عطاء حساباً، أي: كافياً وافياً شاملاً كثيراً، تقول العرب: أعطاني فأحسبني، أي: كفاني، ومنه: حسبي الله، أي: الله كافيّ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً } مكان فوز في الجنة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً } هذا شروع في بيان حال المؤمنين، وما أعدّ الله لهم من الخير بعد بيان حال الكافرين، وما أعدّ الله لهم من الشرّ، والمفاز مصدر بمعنى الفوز، والظفر بالنعمة، والمطلوب، والنجاة من النار، ومنه قيل: للفلاة مفازة تفاؤلاً بالخلاص منها. ثم فسّر سبحانه هذا المفاز فقال: {حَدَائِقَ وَأَعْنَـٰباً } وانتصابهما على أنهما بدل من مفازاً بدل اشتمال، أو بدل كلّ من كل على طريق المبالغة بجعل نفس هذه الأشياء مفازة، ويجوز أن يكون النصب بإضمار أعني، وإذا كان مفازاً بمعنى الفوز، فيقدر مضاف محذوف أي: فوز حدائق، وهي جمع حديقة: وهي: البستان المحوّط عليه، والأعناب جمع عنب أي: كروم أعناب {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً } الكواعب جمع كاعبة: وهي الناهدة، يقال: كعبت الجارية تكعب تكعيباً وكعوباً، ونهدت تنهد نهوداً، والمراد أنهم نساء كواعب تكعبت ثديهن وتفلكت أي: صارت ثديهنّ كالكعب في صدورهنّ. قال الضحاك: الكواعب العذارى. قال قيس بن عاصم:شعر : وكم من حصان قد حوينا كريمة وكم كاعب لم تدر ما البؤس معصر تفسير : وقال عمر بن أبي ربيعة:شعر : وكان مجنى دون ما كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبات ومعصر تفسير : والأتراب: الأقران في السنّ، وقد تقدّم تحقيقه في سورة البقرة {وَكَأْساً دِهَاقاً } أي: ممتلئة. قال الحسن، وقتادة، وابن زيد: أي: مترعة مملوءة، يقال أدهقت الكأس أي: ملأتها، ومنه قول الشاعر:شعر : ألا أسقني صرفا سقاك الساقي من مائها بكأسك الدهاق تفسير : وقال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد: {دِهَاقاً } متتابعة يتبع بعضها بعضاً. وقال زيد بن أسلم: {دِهَاقاً } صافية، والمراد بالكأس الإناء المعروف، ولا يقال له الكأس إلاّ إذا كان فيه الشراب {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذباً } أي: لا يسمعون في الجنة لغواً، وهو الباطل من الكلام، ولا كذاباً أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً. قرأ الجمهور {كذاباً} بالتشديد، وقرأ الكسائي هنا بالتخفيف، ووافق الجماعة على التشديد في قوله: {وكذبوا بآياتنا كذاباً} المتقدم في هذه السورة للتصريح بفعله هناك، وقد قدّمنا الخلاف في {كذاباً} هل هو من مصادر التفعيل، أو من مصادر المفاعلة؟ {جَزَاء مّن رَّبّكَ } أي: جازاهم بما تقدّم ذكره جزاء. قال الزجاج: المعنى جزاهم جزاء، وكذا {عَطَاء } أي: وأعطاهم عطاء {حِسَاباً } قال أبو عبيدة: كافياً. وقال ابن قتيبة: كثيراً، يقال أحسبت فلاناً أي: أكثرت له العطاء، ومنه قول الشاعر:شعر : ونعطي وليد الحي إن كان جائعا ونحسبه إن كان ليس بجائع تفسير : قال ابن قتيبة: أي: نعطيه حتى يقول حسبي. قال الزجاج: حساباً أي: ما يكفيهم. قال الأخفش: يقال أحسبني كذا أي: كفاني. قال الكلبي: حاسبهم، فأعطاهم بالحسنة عشراً. وقال مجاهد: حساباً لما عملوه، فالحساب بمعنى القدر أي: يقدّر ما وجب له في وعد الربّ سبحانه، فإنه وعد للحسنة عشراً، ووعد لقوم سبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدار كقوله: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }تفسير : [الزمر: 10] وقرأ أبو هاشم (حساباً) بفتح الحاء، وتشديد السين أي: كفافاً. قال الأصمعي: تقول العرب: حسبت الرجل بالتشديد: إذا أكرمته، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا أتاه ضيفه يحسبه تفسير : وقرأ ابن عباس (حساناً) بالنون {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ }. قرأ ابن مسعود، ونافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وزيد عن يعقوب، والمفضل عن عاصم برفع (ربّ) و (الرحمٰن) على أن ربّ مبتدأ، والرحمٰن خبره، أو على أن ربّ خبر مبتدأ مقدّر أي: هو ربّ، والرحمٰن صفته، و {لا يملكون} خبر ربّ، أو على أن ربّ مبتدأ، والرحمٰن مبتدأ ثان، ولا يملكون خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأوّل. وقرأ يعقوب في رواية عنه، وابن عامر، وعاصم في رواية عنه بخفضهما على أن ربّ بدل من ربك، والرحمٰن صفة له. وقرأ ابن عباس، وحمزة، والكسائي بخفض الأوّل على البدل، ورفع الثاني على أنه خبر متبدأ محذوف أي: هو الرحمٰن، واختار هذه القراءة أبو عبيد وقال هذه القراءة أعدلها، فخفض ربّ لقربه من ربك، فيكون نعتاً له، ورفع الرحمٰن لبعده منه على الاستئناف، وخبره {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً } أي: لا يملكون أن يسألوا إلاّ فيما أذن لهم فيه. وقال الكسائي: لا يملكون منه خطاباً بالشفاعة إلاّ بإذنه، وقيل: الخطاب الكلام أي: لا يملكون أن يخاطبوا الربّ سبحانه إلاّ بإذنه، دليله: {أية : لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [هود: 105] وقيل: أراد الكفار، وأما المؤمنون فيشفعون. ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال على ما تقدّم بيانه، ويجوز أن تكون مستأنفة مقرّرة لما تفيده الربوبية من العظمة والكبرياء. {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً } الظرف منتصب بلا يتكلمون، أو بلا يملكون، وصفّاً منتصب على الحال أي: مصطفين، أو على المصدرية أي: يصفون صفاً، وقوله: {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ } في محل نصب على الحال، أو مستأنف لتقرير ما قبله. واختلف في الروح؛ فقيل: إنه ملك من الملائكة أعظم من السماوات السبع، ومن الأرضين السبع، ومن الجبال، وقيل: هو جبريل قاله الشعبي، والضحاك، وسعيد بن جبير. وقيل: الروح جند من جنود الله ليسوا ملائكة قاله أبو صالح، ومجاهد، وقيل: هم أشراف الملائكة قاله مقاتل بن حيان. وقيل: هم حفظة على الملائكة قاله ابن أبي نجيح. وقيل: هم بنو آدم قاله الحسن، وقتادة. وقيل: هم أرواح بني آدم تقوم صفاً وتقوم الملائكة صفاً، وذلك بين النفختين قبل أن تردّ إلى الأجسام قاله عطية العوفي. وقيل: إنه القرآن قاله زيد بن أسلم. وقوله: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } يجوز أن يكون بدلاً من ضمير يتكلمون، وأن يكون منصوباً على أصل الاستثناء، والمعنى: لا يشفعون لأحد إلاّ من أذن له الرحمٰن بالشفاعة أو لا يتكلمون إلاّ في حقّ من أذن له الرحمٰن وكان ذلك الشخص ممن {قال صَوَاباً } قال الضحاك، ومجاهد: {صواباً} يعني: حقاً. وقال أبو صالح: لا إلٰه إلاّ الله. وأصل الصواب السداد من القول والفعل. قيل {لا يتكلمون} يعني: الملائكة والروح الذين قاموا صفاً هيبة وإجلالاً إلاّ من أذن له الرحمٰن منهم في الشفاعة، وهم قد قالوا صواباً. قال الحسن: إن الروح تقوم يوم القيامة لا يدخل أحد الجنة إلاّ بالروح، ولا النار إلاّ بالعمل. قال الواحدي: فهم لا يتكلمون يعني: الخلق كلهم إلاّ من أذن له الرحمٰن، وهم المؤمنون والملائكة، وقال في الدنيا صواباً أي: شهد بالتوحيد، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى يوم قيامهم على تلك الصفة، وهو مبتدأ وخبره {ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ } أي: الكائن الواقع المتحقق {فَمَن شَاء ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ مَـئَاباً } أي: مرجعاً يرجع إليه بالعمل الصالح؛ لأنه إذا عمل خيراً قرّبه إلى الله، وإذا عمل شرّاً باعده منه، ومعنى: {إِلَىٰ رَبّهِ } إلى ثواب ربه، قال قتادة: مآباً: سبيلاً. ثم زاد سبحانه في تخويف الكفار فقال: {إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً } يعني: العذاب في الآخرة، وكلّ ما هو آت، فهو قريب، ومثله قوله: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 46] كذا قال الكلبي، وغيره. وقال قتادة: هو عذاب الدنيا؛ لأنه أقرب العذابين. قال مقاتل: هو قتل قريش ببدر، والأوّل أولى لقوله: {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } فإن الظرف إما بدل من عذاب، أو ظرف لمضمر هو صفة له أي: عذاباً كائناً {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْء } أي: يشاهد ما قدّمه من خير أو شرّ، وما موصولة أو استفهامية. قال الحسن: والمرء هنا هو المؤمن أي: يجد لنفسه عملاً، فأما الكافر، فلا يجد لنفسه عملاً، فيتمنى أن يكون تراباً، وقيل: المراد به الكافر على العموم، وقيل: أبيّ بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، والأوّل أولى لقوله: {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرٰباً } فإن الكافر واقع في مقابلة المرء، والمراد جنس الكافر يتمنى أن يكون تراباً لما يشاهده مما قد أعدّه الله له من أنواع العذاب، والمعنى: أنه يتمنى أنه كان تراباً في الدنيا فلم يخلق، أو تراباً يوم القيامة. وقيل: المراد بالكافر أبو جهل، وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل: إبليس، والأوّل أولى اعتباراً بعموم اللفظ، ولا ينافيه خصوص السبب، كما تقدّم غير مرّة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً } قال: منتزهاً {وَكَوَاعِبَ } قال: نواهد {أَتْرَاباً } قال: مستويات {وَكَأْساً دِهَاقاً } قال: ممتلئاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {وَكَأْساً دِهَاقاً } قال: هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وربما سمعت العباس يقول: يا غلام اسقنا، وادهق لنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه دهاقاً، قال دراكاً. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً قال: إذا كان فيها خمر فهي: كأس، وإذا لم يكن فيها خمر، فليس بكأس. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه عنه أيضاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رؤوس، وأيد، وأرجل»تفسير : ثم قرأ: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً } قالحديث : هؤلاء جند، وهؤلاء جندتفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ } قال: هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: الروح في السماء الرابعة، وهو أعظم من السمٰوات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة يجيء يوم القيامة صفاً واحداً. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن جبريل يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقاً من عذاب الله، يقول: سبحانك لا إلٰه إلاّ أنت ما عبدناك حق عبادتك، ما بين منكبيه، كما بين المشرق والمغرب، أما سمعت قول الله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً }. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ } قال: يعني: حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن تردّ الروح إلى الأجساد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضاً {وَقَالَ صَوَاباً } قال: لا إلٰه إلاّ الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم، والدواب، والطير وكلّ شيء، فيبلغ من عذاب الله أن يؤخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً، فذلك حين يقول الكافر {ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرٰباً }.
الماوردي
تفسير : {إنّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} فيه وجهان: أحدهما: نجاة من شرها، قاله ابن عباس. الثاني: فازوا بأن نجوا من النار بالجنة، ومن العذاب بالرحمة،قاله قتادة، وتحقيق هذا التأويل أنه الخلاص من الهلاك، ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها مفازة تفاؤلاً بالخلاص منها. {وكَواعِبَ أَتْراباً} في الكواعب قولان: أحدهما: النواهد، قاله ابن عباس. الثاني: العذارى، قاله الضحاك، ومنه قول قيس بن عاصم: شعر : وكم مِن حَصانٍ قد حَويْنا كريمةٍ ومِن كاعبٍ لم تَدْرِ ما البؤسُ مُعْصر تفسير : وفي الاتراب أربعة أقاويل: أحدها: الأقران، قاله ابن عباس. الثاني: الأمثال، قاله مجاهد. الثالث: المتصافيات، قاله عكرمة. الرابع: المتآخيات، قاله السدي. {وكأساً دِهاقاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: مملوءة، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر: شعر : أتانا عامرٌ يَبْغي قِرانا فأَتْرَعنا له كأساً دِهاقاً تفسير : الثاني: متتابعة يتبع بعضها بعضاً، قاله عكرمة. الثالث: صافية، رواه عمر بن عطاء، قال الشاعر: شعر : لأنْتِ آلى الفؤادِ أَحَبُّ قُرْباً مِن الصّادي إلى كأسٍ دِهَاقِ. تفسير : {لا يَسْمعونَ فيها لَغْواً ولا كِذّاباً} في اللغو ها هنا أربعة أقاويل: أحدها الباطل، قاله ابن عباس. الثاني: الحلف عند شربها، قاله السدي. الثالث: الشتم، قاله مجاهد. الرابع: المعصية، قاله الحسن. وفي " كِذّاباً" ثلاثة أقاويل: أحدهاك لا يكذب بعضهم بعضاً، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنه الخصومة، قاله الحسن. الثالث: أنه المأثم، قاله قتادة. وفي قوله {لا يَسْمَعونَ فيها} وجهان: أحدهما: في الجنة، قاله مجاهد. الثاني: في شرب الخمر، قاله يحيى بن سلام. {جزاءً من ربكَ عَطاءً حِساباً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: كافياً، قاله الكلبي. الثاني: كثيراً، قاله قتادة. الثالث: حساباً لما عملوا، فالحساب بمعنى العد.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَفَازاً} منتزهاً أو فوزاً بالنجاة من النار والعذاب بالجنة والرحمة.
النسفي
تفسير : {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً } مفعل من الفوز يصلح مصدراً أي نجاة من كل مكروه وظفراً بكل محبوب ويصلح للمكان وهو الجنة. ثم أبدل منه بدل البعض من الكل فقال {حَدَائِقَ } بساتين فيها أنواع الشجر المثمر جمع حديقة {وَأَعْنَـٰباً } كروماً عطف على {حَدَائِقَ } {وَكَوَاعِبَ } نواهد {أَتْرَاباً } لدات مستويات في السن {وَكَأْساً دِهَاقاً } مملوءة. {لاّ يسمعون فيها} في الجنة حال من ضمير خبر «إن» {لغواً} باطلاً {ولا كِذَّاباً} الكسائي: خفيف بمعنى مكاذبة أي لا يكذب بعضهم بعضاً ولا يكاذبه {جزاءً} مصدر أي جزاهم جزاء {مّن رَّبِّكَ عطاءً} مصدر أو بدل من {جزاء} {حساباً} صفة يعني كافياً أو على حسب أعمالهم {رّبِّ السّماواتِ والأرضِ وما بينهما الرّحمنِ} بجرهما: ابن عامر وعاصم بدلاً من {ربك} ومن رفعهما فـ {رب} خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره {الرحمن} أو{الرحمن} صفته و{لا يملكون} خبر، أو هما خبران والضمير في {لا يملكونَ} لأهل السماوات والأرض، وفي {منه خطاباً} لله تعالى أي لا يملكون الشفاعة من عذابه تعالى إلا بإذنه أو لا يقدر أحد أن يخاطبه تعالى خوفاً {يومَ يقومُ} إن جعلته ظرفاً لـ {لا يملكون} لا تقف على {خطاباً} وإن جعلته ظرفاً لـ {لا يتكلمون} تقف {الرُّوحُ} جبريل عند الجمهور وقيل هو ملك عظيم ما خلق الله تعالى بعد العرش خلقاً أعظم منه {والملائكة صَفَّاً} حال أي مصطفين {لاّ يتكلّمون} أي الخلائق ثم خوفاً من {إلاّ من أذن له الرَّحمانُ} في الكلام أو الشفاعة {وقال صواباً} حقاً بأن قال المشفوع له لا إله إلا الله في الدنيا أو لا يؤذن إلا لمن يتكلم بالصواب في أمر الشفاعة. {ذلك اليوم الحقُّ} الثابت وقوعه {فمن شاءَ اتّخَذَ إلى ربّه مئاباً} مرجعاً بالعمل الصالح {إنّا أنذرناكم} أيها الكفار {عذاباً قريباً} في الآخرة لأن ما هو آتٍ قريب {يَوْمَ ينظُرُ المرءُ} الكافر لقوله: {إنا أنذرناكم عذاباً قريباً} {ما قدّمت يداه} من الشر لقوله: {أية : وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم}تفسير : [الأنفال:50-51]. وتخصيص الأيدي لأن أكثر الأعمال تقع بها وإن احتمل أن لا يكون للأيدي مدخل فيما ارتكب من الآثام {وَيقولُ الكَافِرُ} وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة الذم، أو المرء عام وخص منه الكافر وما قدمت يداه ما عمل من خير وشر، أو هو المؤمن لذكر الكافر بعده وما قدم من خير. و«ما» استفهامية منصوبة بـ {قدمت} أي ينظر أي شيء قدمت يداه، أو موصولة منصوبة بـ {ينظر} يقال: نظرته يعني نظرت إليه والراجع من الصلة محذوف أي ما قدمته {يا ليتني كنت تراباً} في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف أوليتني كنت تراباً في هذا اليوم فلم أبعث. وقيل: يحشر الله الحيوان غير المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يرده تراباً، فيود الكافر حاله. وقيل: الكافر إبليس يتمنى أن يكون كآدم مخلوقاً من التراب ليثاب ثواب أولاده المؤمنين، والله أعلم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً}. تقدم تفسير المتقين، و "المفازُ": يحتمل أن يكون مصدراً، بمعنى: فَوْزاً وظفراً بالنعمة، ويحتمل أن يكون المراد فوزاً بالنجاة من العذاب، ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها: مفازة، تفاؤلاً بالخلاص منها، وأن يكون مجموع الأمرين. وقال الضحاك: منتزهاً. قوله: {حَدَآئِقَ} يجوز أن يكون بدلاً من "مفازاً" بدل اشتمالٍ أو بدل كُلٍّ من كل مبالغةً في أن جعل نفس هذه الأشياء مفازاً. ويجوز أن يكون منصوباً بإضمارِ "أعْنِي"، وإذا كان مفازاً بمعنى الفوز، فيُقدَّر مضاف، أي فوز حدائق، وهي جمع حديقة، وهي البستان المحوط عليه، ويقال: أحْدقَ بِهِ أي أحَاطَ. والأعْنَابُ: جمعُ عنب، أي: كروم أعناب، فحذف، والتنكير في قوله تعالى: {وَأَعْنَاباً} يدل على تعظيم تلك الأعناب. قوله تعالى: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً}. الكواعب: جمع كاعب، وهي من كعب ثديها وتفلك، أي يكون الثدي في النتوء كالكعب والفلكة، وهي النَّاهد، يقال: كَعَبَتِ الجارية تكعب كُعوباً، وكعَّبَتْ تَكْعِيباً، ونهَدتْ تَنْهَدُ نُهُوداً؛ قال: [الطويل] شعر : 5081- وكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أتَّقِي ثلاثُ شُخوصٍ: كاعِبانِ ومُعْصِرُ تفسير : وقال قيس بن عاصم المسعريُّ: [الطويل] شعر : 5082- وَكَمْ مِنْ حَصَانٍ قَدْ حَوَيْنَا كَرِيمَةٍ وَمِنْ كَاعِبٍ لَمْ تَدْرِ مَا البُؤْسُ مُعْصِرِ تفسير : وقال الضحاك: الكواعب: العَذَارى، والأتراب الأقران في السن، وقد تقدم ذكرهن في "الواقعة". قوله تعالى: {وَكَأْساً دِهَاقاً}. الدِّهَاقُ: الملأى المُترعَةُ. قيل: هو مأخوذ من دهقهُ، أي: ضغطه، وشده بيده، كأنه ملأ اليد فانضغط، قال: [الوافر] شعر : 5083- لأنْتِ إلى الفُؤادِ أحَبُّ قُرْباً مِنَ الصَّادي إلى كَأسِ الدِّهاقِ تفسير : وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبي عبيدة، والزجاج، والكسائي. وقال عكرمة: ورُبَّما سمعت ابن عبًّاسٍ يقول: اسقنا وادهق لنا، ودعا ابن عباس غلاماً له فقال له: اسقنا دهاقاً، فجاء الغلام بها ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدِّهاق. وقيل: الدِّهاق: المتتابعة؛ قال رحمه الله: [الوافر] شعر : 5084- أتَانَا عَامِرٌ يَبْغِي قِرَانَا فأتْرعْنَا لَهُ كَأساً دِهاقَا تفسير : وهذا قول أبي هريرة، وسعيد بن جبير، ومجاهد. قال الواحدي: وأصل هذا القول من قول العرب: أدهقت الحجارة إدهاقاً، وهي شدة ترادفها، ودخول بعضها في بعض. ذكره الليث. والتَّتابعُ كالتَّداخُل. وعن عكرمة وزيد بن أسلمَ: أنَّها الصَّافيةُ، وهو جمع "دهق"، وهو خشبتان يعصر بهما. والمراد بالكأسِ: الخَمْرُ. قال الضحاك: كل كأس في القرآن فهو خمر، والتقدير: وخمر ذات دهاق، أي عصرت وصفيت بالدهاق، قاله القشيري. وفي "الصحاح" وأدْهَقْتُ الماءَ، أي: أفرغتُه إفراغاً شديداً، قال أبو عمرو: والدَّهْقُ - بالتحريك - ضرب من العذاب، وهو بالفارسية: "أشكَنْجَه". قال المبرد: والمَدهوقُ: المُعذَّبُ بجميع العذاب الذي لا فرجة فيه. وقال ابن الأعرابي: دهقت الشيء: أي: كسرته وقطعته، وكذلك: "دَهْدَقْتُهُ" و "دَهْمَقْتُهُ" بزيادة الميم المثلثة. وقال الأصمعي: "الدَّهْمَقَة": لين الطعام وطيبه ورقته، وكذلك كل شيء لين، ومنه حديث عمر - رضي الله عنه -: لو شئت أن يدهمق لي لفعلت، ولكن الله عاب قوماً فقال تعالى: {أية : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} تفسير : [الأحقاف: 20]. قوله تعالى: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} أي: في الجنة، وقيل: في الكأس. {لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً}. اللَّغو: الباطلُ، وهو ما يلغى من الكلام ويطرح، ومنه الحديث: "حديث : إذا قُلتَ لِصاحبِكَ: أنْصِتْ، فَقَدْ لغَوْتَ"تفسير : . وذلك أنَّ أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم، ولم يتكلموا بلغو بخلاف الدنيا، و "لا كِذَّاباً" أي: لا يتكاذبُون في الجنَّةِ. وقيل: هما مصدران للتكذيب، وإنَّما خففها؛ لأنَّها ليست مقيَّدة بفعل يصير مصدراً له، وشدَّد قوله: {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}؛ لأنَّ "كذَّبُوا" يفيد المصدر بالكذاب. قال شهابُ الدين: "وإنَّما وافقَ الكسائيُّ الجماعة في الأول للتصريح بفعله المشدد المقتضي لعدم التخفيف في "كذَّبوا"، وهذا كما تقدم في قوله: {أية : فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ} تفسير : [الإسراء: 91]، حيثُ لم يختلف فيه للتصريح معه بفعله بخلاف الأول". وفقال مكيٌّ: مَنْ شدد جعله مصدر "كَذَّب"، زيدت فيه الألف، كما زيدت في "إكْرَاماً" وقولهم: تَكْذِيباً، جعلوا التاء عوضاً من تشديد العين، والياء بدلاً منَ الألف غيَّروا أوَّله كما غيَّروا آخره، وأصل مصدر الرباعي أن يأتي على عدد حروف الماضي بزيادة ألف مع تغيير الحركات، وقالوا: "تَكَلُّماً"، فأتي المصدر على عدد حروف الماضي بغير زيادة ألف، وذلك لكثرة حروفه، وضمت "اللام" ولم تكسر؛ لأنَّه ليس في الكلام اسم على "تفعَّل" ولم تفتح لئلا تشتبه بالماضي، وقراءة الكسائي: "كِذَّاباً" - بالتخفيف - جعله مصدر كذب كذاباً. وقيل: هو مصدر "كذب" كقولك: كتبتُ كِتَاباً. قوله: {جَزَآءً}. مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} كأنَّه قيل: جازى المتقين بمفاز. قوله: {عَطَآءً} بدلٌ من "جَزاءً" وهو اسم مصدر؛ قال: [الوافر] شعر : 5085-........................... وبَعُدَ عَطائِكَ المِائةَ الرِّتاعَا تفسير : قال: وجعله الزمخشري: منصوباً بـ "جزاءً" نصب المفعول به. ورده أبو حيان بأنه جعل "جزاء" مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة، التي هي "إنَّ للمُتَّقِينَ"، قال: "والمصدر المؤكد لا يعمل؛ لأنه لا ينحلُّ لحرف مصدري والفعل، ولا نعلمُ في ذلك خلافاً". قوله: "حساباً". صفة لـ "عطاءً"، والمعنى: كافياً، فهو مصدر أقيم مقام الوصف أو بولغ فيه، أو على حذف مضاف، من قولهم: أحْسبَنِي الشيء أي: كفاني. وقال قتادةٌ: "عَطاءً حِسَاباً" أي: كثيراً، يقال: أحسبتُ فلاناً أي: أكثرت له العطايا حتى قال: حسبي. وقال الكلبي: حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشر أمثالها، وقد وعد قوماً جزاء لا نهاية له، ولا مقدار، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [الزمر: 10] وقرأ أبو البرهسم، وشريحُ بنُ يزيد الحمصي: بتشديد السين مع بقاء الحاء على كسرها. وتخريجها: أنَّه مصدر: مثل: "كذّاب" أقيم مقام الوصف، أي: عطاء محسباً، أي: كافياً. وابن قطيب: كذلك، إلاَّ أنَّه فتح الحاءَ. قال أبو الفتح: بناء "فعَّال" من "أفْعَل" كـ "دَرَّاك" من "أدْرك" بمعنى أنه صفة مبالغة من "حَسَب" بمعنى: كافي كذا. وابن عباس: "حَسَناً" بالنون من الحسن. وسريج: "حَسْباً" بفتح الحاء وسكون السين والباء الموحدة، أي: عطاء كافياً، من قولك: حَسْبُك كذا، أي: "كافيك". قوله تعالى: {رَّبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ}. قرأ نافعٌ، وابن كثير، وأبو عمرو: برفع "رب" و "الرحمن". وابن عامر، وعاصم: بخفضهما. والأخوان: يخفض الأول، ورفع الثاني. فأما رفعهما، فيجوز من أوجه: أحدها: أن يكون "ربُّ" خبر مبتدأ محذوف مضمر، أي: "هو رب"، و "الرحمن" كذلك، أو مبتدأ، خبره "لا يَمْلِكُون". الثاني: أن يجعل "ربُّ" مبتدأ، و "الرحمن" خبره، و "لا يملكون" خبر ثان، أو مستأنف. الثالث: أن يكون "ربُّ" مبتدأ، و "الرحمن" مبتدأ ثان، و "لا يملكون" خبره، والجملة خبر الأول، وحصل الرَّبطُ بتكرير المبتدأ بمعناه, وهو رأي الأخفشِ، ويجوز أن يكون "لا يَمْلِكُون" حالاً وتكون لازمة. وأما جرهما: فعلى البدل، أو البيان، أوالنعت، كلاهما للأول، إلاَّ أنَّ تكرير البدل فيه نظر وتقدم التنبيه عليه في آخر الفاتحة. وتجعل {رَّبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ} تابعاً للأول، و "الرَّحْمن" تابعاً للثاني على ما تقدم. وأمَّا الأول، فعلى التبعية للأول. وأما رفع الثاني، فعلى الابتداء، والخبر: الجملة الفعلية، أو على أنَّه خبر مبتدأ مضمر، و "لا يَمْلِكُونَ" على ما تقدم من الاستئناف، أو الخبر الثاني، أو الحال اللازمة. قوله: {لاَ يَمْلِكُونَ}. نقل عطاء عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أن الضمير في "لا يملكون" راجع إلى المشركينَ، أي: لا يخاطبهم الله. وأما المؤمنون فيشفعون، ويقبل الله - تعالى - منهم بعد إذنه لهم. وقال القاضي: إنَّه راجع للمؤمنين، والمعنى: أنَّ المؤمنين لا يملكون أن يخاطبُوا الله - تعالى - في أمرٍ من الأمورِ. فصل في أنَّ الله عدل في عقابه لما ثبت أنه - تعالى - عدل لا يجور، وثبت أن العقاب الذي أوصله إلى الكفَّار عدل، وثبت أنَّ الثَّواب الذي أوصله إلى المؤمنين عدل، وأنَّه ما بخسهم حقَّهم، فبأيِّ سبب يُخاطبونه. وقيل: الضمير يعود لأهل السماواتِ والأرضِ، وإنَّ أحداً من المخْلُوقِيْنَ لا يملك مخاطبة الله - تعالى - ومكالمته. قال ابن الخطيب: وهذا هو الصواب.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {إن للمتقين مفازاً} قال: فازوا بأن: نجوا من النار. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: {إن للمتقين مفازاً} قال: مفازاً من النار إلى الجنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {إن للمتقين مفازاً} قال: منتزها {وكواعب} قال: نواهد {أتراباً} قال: مستويات {وكأساً دهاقاً} قال: ممتلئاً. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {حدائق وأعناباً} قال: الحدائق البساتين. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : بلاد سقاها الله أما سهولها فقضب ودر مغدق وحدائق تفسير : قال: أخبرني عن قوله: {كأساً دهاقاً} قال: الكأس الخمر والدهاق الملآن. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : أتانا عامر يرجو قرانا فأترعنا له كأساً دهاقاً تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: {كواعب} قال: العذارى. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد في قوله: {كواعب} قال: نواهد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {وكأساً دهاقاً} قال: هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وربما سمعت العباس يقول: يا غلام اسقنا وادهق لنا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس {وكأساً دهاقاً} قال: ملأى. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والضحاك والحسن مثله. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {وكأساً دهاقاً} قال: يتبع بعضها بعضاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {وكأساً دهاقاً} قال: المتتابعة. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير والضحاك مثله. وأخرج هناد عن عطية في قوله: {وكأساً دهاقاً} قال: ملأى متتابعة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي هريرة {وكأساً دهاقاً} قال: دمادم. قال: المؤلف فارسي بمعنى متتابعة. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: {وكأساً دهاقاً} قال: متتابعة صافية. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: إذا كان فيها خمر فهي كأس، وإذا لم يكن فيها خمر فليس بكأس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: {لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً} قال: باطلاً ولا مأثماً، وفي قوله: {عطاء حساباً} قال: كثيراً وفي قوله: {لا يملكون منه خطاباً} قال: كلاماً. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {جزاء من ربك} قال: عطاء منه {حساباً} قال: لما عملوا وفي قوله: {لا يملكون منه خطاباً} قال: كلاماً. أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رؤوس وأيد وأرجل، ثم قرأ {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً} قال: هؤلاء جند وهؤلاء جند. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد قال: الروح خلق على صورة بني آدم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد قال: الروح يأكلون ولهم أيد وأرجل ورؤوس وليسوا بملائكة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي صالح في قوله: {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً} قال: الروح خلق كالناس، وليسو بالناس، لهم أيد وأرجل. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن الشعبي في قوله: {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً} قال: هما سماطا رب العالمين يوم القيامة، سماط من الروح، وسماط من الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبدالله بن بريدة قال: ما يبلغ الجن والإِنس والملائكة والشياطين عشر الروح، ولقد قبض النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً} قال: الروح أعظم خلقاً من الملائكة، ولا ينزل ملك إلا ومعه روح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {يوم يقوم الروح} قال: هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود، قال: الروح في السماء السابعة، وهو أعظم من السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة يجيء يوم القيامة صفاً وحده. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الضحاك قال: الروح حاجب الله يقوم بين يدي الله يوم القيامة، وهو أعظم الملائكة لو فتح فاه لوسع جميع الملائكة، والخلق إليه ينظرون، فمن مخافته لا يرفعون طرفهم إلى من فوقه. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مقاتل بن حبان قال: الروح أشرف الملائكة، أقربهم من الرب، وهو صاحب الوحي. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن وهب بن منبه قال: الروح ملك من الملائكة، له عشرة آلاف جناح، ما بين كل جناحين منها ما بين المشرق والمغرب، له ألف وجه، لكل وجه ألف لسان، وشفتان وعينان يسبح الله تعالى. وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات حديث : عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله: {يوم يقوم الروح} قال: جبريل. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن جبريل يوم القيامة القائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقاً من عذاب الله يقول: سبحانك لا إله إلا أنت، ما عبدناك حق عبادتك إن ما بين منكبيه كما بين المشرق إلى المغرب، أما سمعت قول الله: {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً} . وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {يوم يقوم الروح} قال: يعني حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الأرواح إلى الأجساد. أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {وقال صواباً} قال: شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {وقال صواباً} قال: شهادة أن لا إله ألا الله. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: {وقال صواباً} قال: حقاً في الدنيا وعمل به. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن جابر بن عبدالله قال: حديث : قال العباس بن عبد المطلب يا رسول الله: ما الجمال؟ قال: صواب القول بالحق. قال: فما الكمال؟ قال: حسن الفعال بالصدق والله أعلم ". تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً} قال: سبيلاً. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: {يوم ينظر المرء} قال: المؤمن. وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه قرأ هذه الآية {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} قال: هو المؤمن العامل بطاعة الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال: يحشر الخلائق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً فذلك حين يقول الكافر: {يا ليتني كنت تراباً} . وأخرج الدينوري في المجالسة عن يحيى بن جعدة قال: إن أول خلق الله يحاسب يوم القيامة الدواب والهوام حتى يقضي بينها، حتى لا يذهب شيء بظلامته، ثم يجعلها تراباً، ثم يبعث الثقلين الجن والإِنس فيحاسبهم فيومئذ يتمنى الكافر {يا ليتني كنت تراباً} . وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: تقاد المنقورة من الناقرة، والمركوضة من الراكضة، والجلحاء من ذات القرون، والناس ينظرون، ثم يقول: كوني تراباً لا جنة ولا نار، فذلك حين يقول الكافر: {يا ليتني كنت تراباً} . وأخرج عبد بن حميد وابن شاهين في كتاب العجائب والغرائب عن أبي الزناد قال: إذا قضى بين الناس وأمر بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن عودوا تراباً فيعودوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم قد عادوا تراباً: {يا ليتني كنت تراباً} . وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إذا حوسبت البهائم ثم صيرها الله تراباً، فعند ذلك قال الكافر: {يا ليتني كنت تراباً} . وأخرج عبد بن حميد عن ليث بن أبي سليم قال: الجن يعودون تراباً. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا تراباً.
السلمي
تفسير : على قدر قصورهم وثباتهم. قال القاسم: من اتقى الشرك فهو متقٍ وليس من اتقى الشرك فى أول أمره كمن اتقى الشرك فى آخره فإن الأمور عند أهل الشريعة بالخواتيم وهى عند أهل الحقيقة بالسوابق وتقوى الأولياء أن يتقوا رؤية تقواهم فلا يرون العصمة إلا من الله تعالى لا ينقطع إلا إليه.
البقلي
تفسير : لهم فوز المشاهدة وبغيبة المكاشفة ولذة الوصلة لانهم اتقوا ممّا سواه فيعطيهم ما يكفيهم رؤية غيره فى بساتين القدس ورياض الانس لا يسمعون الا كلام حبيبهم ما يهجيهم الا قربه ووصاله والشوق الى جماله ليعنيهم بنفسه عن كل مامول.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان للمتقين مفازا} شروع فى بيان محاسن احوال المؤمنين اثر بيان سوء احوال الكفرة على ما هو العادة القرآءنية ووجه تقديم بيان حالهم غنى عن البيان اى ان للذين يتقون الكفر وسائر القبائح من اعمال الكفرة فوزا وظفرا بمباغيهم دل على هذا المعنى تفسيره بما بعده بقوله حدآئق الخ او موضع فوز فالمفاز على الاول مصدر ميمى وعلى الثانى اسم مكان فان قيل الخلاص من الهلاك اهم من الظفر باللذات فلم اهمل الاهم وذكر غير الاهم قلنا لان الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز بالنعيم لكونه حاصلا لاصحاب الاعراف مع انهم غير فائزين بالنعيم بخلاف الفوز بالنعيم فانه يستلزم الخلاص من هلاك فكان ذكره اولى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ للمتقين مفازاً} أي: فوزاً ونجاة من كل مكروه، وظفراً بكل محبوب، وهو مَفْعَلٌ من الفوز، يصلح أن يكون مصدراً ومكاناً، وهو الجنة، ثم أبدل البعض من الكل، فقال: {حدائقَ}؛ بساتين فيها أنواع الشجر المثمر، جمع حديقة, وأبدل من المفرد، لأنَّ المصدر لا يجمع, بل يصلح للقليل والكثير، {وأعناباً}، كرر لشرفه، لأنه يخرج منه أصناف مِن النِعم، {وكواعبَ}؛ نساء نواهِد، وهي مَن لم تسقط ثديها لصغرٍ، {أتراباً} أي: لَدَاتٍ مستوياتٍ في السنّ، {وكأساً دِهاقاً}؛ مملوءة. {لا يسمعون فيها}؛ في الجنة، حال من ضمير خبر "إن"، {لَغْواً}؛ باطلاً، {ولا كِذَّاباً} أي: لا يكذّب بعضهم بعضاً، وقرأ الكسائي بالتخفيف, من المكاذبة، أي: لا يُكاذبه أحد، {جزاءً من ربك}: مصدر مؤكد منصوب, بمعنى: إنَّ للمتقين مفازاً، فإنه في قوة أن يقال: جازى المتقين بمفاز جزاء كائناً من ربك. والتعرُّض لعنوان الربوبية، المنبئة عن التبليغ إلى الكمال شيئاً فشيئاً مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم مزيد تشريف له عليه الصلاة والسلام، {عَطاءً} أي: تفضُّلاً منه تعالى وإحساناً، إذ لا يجب عليه شيء، وهو بدل مِن "جزاء"، {حِساباً} أي: مُحسِباً، أي: كافياً، على أنه مصدر أقيم مقام الوصف، أو بولغ فيه، من: أحسبه إذا كفاه حتى قال حسبي, أو: على حسب أعمالهم. {ربِّ السماواتِ والأرضِ وما بينهما} بدل من "ربك", {الرحمن}: صفة له, أو للأول, فمَن جَرَّهما فبدل من "ربك". ومَن رفعهما فـ"رب" خبر متبدأ محذوف، أو متبدأ خبره "الرحمن"، أو "الرحمن" صفة، و"لا يملكون" خبر، أو هما خبران، وأيًّا ما كان ففي ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة إشعار بمدار الجزاء المذكور، {لا يملكون} أي: أهل السماوات والأرض {منه خِطاباً}؛ معذرة أو شفاعة أو غيرهما إلاَّ بإذنه، وهو استئناف مقرر لما أفادته الربوبية العامة، من غاية العظمة والكبرياء، واستقلاله تعالى بما ذكر من الجزاء والعطاء، من غير أن يكون لأحد قدرة عليه، والتنكير في للتقليل والنوعية. قال القشيري: كيف يكون للمكوَّن المخلوق المسكين مُكْنةٌ أن يملك منه خِطاباً، أو يتنفَّسَ بدونه نفساً؟ كلاَّ، بل هو الله الواحدُ الجبّار. ثم قال: إنما تظهر الهيبةُ على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم. وأمّا الخصوص فهم أبداً بمشهدِ العز بنعت الهيبة. هـ. {يومَ يقومَ الرُّوحُ}؛ جبريل عليه السلام عند الجمهور، وقيل: مَلكٌ عظيم، ما خلق الله تعالى بعد العرش أعظم منه، يكون وحده صفًّا، {والملائكةُ صفاً}: حال، أي: مصطفين {لا يتكلمون} أي: الخلائق خوفاً، {إِلاَّ مَن أّذِنَ له الرحمنُ} في الكلام أو الشفاعة، {وقال صَواباً} أي: حقًّا. قال الطيبي عن الإمام: فإن قيل: لَمَّا أذن له الرحمن في التكلم عَلِمَ أنه حق وصواب، فما الفائدة في قوله: {وقا صواباً}؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أنَّ التقدير: لا ينطقون إلاَّ بعد ورود الإذن والصواب، ثم يجتهدون في ألاَّ ينطقوا إلاَّ بالحق والصواب، وهذا مبالغة في وصفهم بالطاعة. وثانيهما: أنَّ التقدير: لا يتكلمون إلاَّ في محضر إذن الرحمن في شفاعته والمشفوع له ممن قال صواباً، وهو قول لا إله إلاّ الله. هـ. قلت: والمعنى: أن يُراد بالصواب: استعمال الأدب في الخطاب، بمراعاة التعظيم، كما هو شأن الكلام مع الملوك. ثم قال تعالى: {ذلك اليومُ الحق} أي: الثابت المحقَّق لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه. والإشارة إلى يوم قيامهم على الوجه المذكور، وما فيه من معنى البُعد مع قرب العهد بالمشار أليه للإيذان بعلو درجته، وبُعد منزلته في الهول والفخامة. وهو مبتدأ، و"اليوم" خبره، أي: ذلك اليوم العظيم الذي يقوم الروح والملائكة مصطفين، غير قادرين على التكلم عنهم ولا عن غيرهم من الهيبة والجلال، هو اليوم الحق، {فمَن شاء اتخذ إَلى ربه مآباً}؛ مرجعاً بالعمل الصالح. والفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف، أي: إذا كان الأمر كذلك من تحقُّق اليوم المذكور لا محالة، فمَن شاء أن يتخذ إلى ربه مرجعاً، أي: إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم، فليفعل ذلك بالإيمان والطاعة، و"إلى ربه" يتعلق بـ "مآب" قُدّم اهتماماً وللفواصل. {إِنَّا أنذرناكم} بما ذكر في السورة من الآيات الناطقة بالبعث وما بعده من الدواعي، أو بسائر القوارع الواردة في القرآن، أي: خوفناكم {عذاباً قريباً} هو عذاب الآخرة، وقُربه لتحقُّق وقوعه، وكل آتٍ قريب، {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}تفسير : [النازعات:46]، وعن قتادة هو قتل قريش يوم بدر ويأباه قوله تعالى: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} فإنه بدل من "عذاب" أو ظرف لمُضمر هو صفة له، أي: عذاباً كائناً يوم ينظر المرء، أي: يُشاهد ما قدَّمه من خير وشر. و"ما" موصولة، والعائد محذوف، أو استفهامية، أي: ينظر الذي قدمته يداه، أو: أي شيء قدمت يداه وقيل: المراد بالمرء: الكافر. وقوله: {ويقول الكافرُ يا ليتني كنتُ تراباً}، وضع الظاهرَ موضع الضمير، لزيادة الذّم، أي: يا ليتني كنتُ تراباً لم أُخلق ولم أُكلّف, أو: ليتني كنت تراباً في هذا اليوم فلم أُبعث. وقيل: يحشر اللّهُ تعالى الحيوان حتى يقتص للجماء من القرناء، ثم يرده تراباً، فيود الكافرُ أن يكون تراباً مثله، وقيل: الكافر: إبليس يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون من الشيء الذي احتقره حين قال: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }تفسير : [الأعراف:12 و صۤ:76]. قال الطيبي: والعموم في المرء هو الذي يساعده النظم. ثم قال عن الإمام: فإن قلتَ: لِمَ خصّ بعد العموم قول الكافر دون المؤمن؟ قلت: دلّ قول الكافر على غاية التحسُّر، ودلّ حذف قول المؤمن على غاية التبجُّح ونهاية الفرح بما لا يَحصُره الوصف. هـ. قال المحشي: والظاهر أنه اقتصر على قول الكافر بعد العموم في المرء، لأنه المناسب للنذارة التي اقتضاها المقام. هـ. قلتُ: ولو ذكر قول المؤمن لقال: ويقول المؤمن هاؤم اقرؤوا كتابيه، تبجُّحاً وفرحاً. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنَّ للمتقين الله حق تقاته مفازاً، وهو التخلُّص من رؤية الأكوان، والإفضاء إلى رؤية الشهود والعيان، وهو دخول حدائق العرفان، واقتطاف ثمار الوجدان، ونكاح أبكار الحقائق، وهنّ أتراب، لاستوائها غالباً في لذة الشهود لمَن تمكن منها. ويشربون كأس الخمرة الأزلية، لا يسمعون في حضرة القدس لغواً ولا كِذاباً، لغاية أدبهم، جزاء من ربك على مكابدتهم في أيام سيرهم، عطاءً كافياً مغنياً من الرحمن، لا يملكون منه خِطاباً، لغاية هيبتهم، وهذا لقوم أقامهم مقام الهيبة، وثَمَّ آخرون أقامهم مقام البسط والإدلال، وهم المتمكنون في معرفته، ينبسطون معه، ويشفعون في عباده في الدارين. قال الورتجبي: مَن كان كلامه في الدنيا من حيث الكشف والمعاينة، فهو مأذون في الدنيا والآخرة، يتكلم مع الحق على بساط الحرمة والهيبة، يُنقذ الله به الخلائق من ورطة الهلاك. هـ. يوم يقوم الروح، أي: جنس الروح، وهي الأرواح الصافية، التي التحقت بالملائكة، فتقوم معهم صفاً في مقام العبودية التي شرفت بها، لا يتكلمون هيبةً لمقام الحضرة، إلاَّ مَن أّذِنَ له الرحمنُ في الشفاعة، على قدر مقامه، وقال صواباً، أي: استعمل الأدب في مخاطبته فإذا استعمل الأدب شفع، ولو قصر مقامه عن عدد المشفوع فيه. حُكي أنّ بعض الأولياء قال عند موته: يا رب شفِّعني في أهل زماني، فقال له الهاتف من قِبل الله تعالى: لم يبلغ مقامك هذا، فقال: يا رب إذا كان ذلك بعملي واجتهادي فلعَمري إنه لم يبلغ ذلك، وإذا كان ذلك بكرمك وَجُودك، فهو أعظم من ذلك، فشَفَّعه الحقُّ تعالى في الوجود. هكذا سمعتُ الحكاية من شيخنا الفقيه العالم، سيدي " التاودي بن سودة " رحمه الله، فحُسن خطاب هذا الرجل بلّغه ما لم يبلغه قدره. ذلك اليوم الحق، تحِق فيه الحقائق، وتبطل فيه الدعاوى, ويفتضح أهلها، فمَن شاء اتخذ إلى ربه مآباً، يرجع به إلى ربه، وهو حُسن التوجه إليه، برفض كل ما سواه. {إنَّا أنذرناكم عذاباً قريباً} قال القشيري: أي: عذاب الالتفات إلى النفس والدنيا والهوى، يوم ينظر المرءُ ما قدَّمت يداه من الإساءة والإحسان هـ. ويقول الكافر الجاحد لطريق الخصوصية، حتى مات محجوباً: يا ليتني كنتُ تُراباً، تحسُّراً على ما قاته من مقام المقربين. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الطوسي
تفسير : أَحدى عشرة آية في البصري وعشر آيات عند الباقين. قرأ {ولا كذاباً} خفيفاً الكسائي {رب السماوات} بالرفع محارب وابو بكر، و {الرحمن} جراً عن عاصم وابن عامر ويعقوب وسهل. لما ذكر الله تعالى حال الكفار وما أعده لهم من أنواع العقاب ذكر ما للمؤمنين المتقين لمعاصي الله تعالى، فقال {إن للمتقين} الذين يتقون عقاب الله باجتناب معاصيه وفعل طاعته {مفازاً}، وهو موضع الفوز بخلوص الملاذ. وأصل الفوز النجاة إلى حال السلامة والسرور، ومنه قيل للمهلكة مفازة على وجه التفاؤل، لانه قيل منجاة وقيل مفازاً منجى إلى مبرة. ثم بين ذلك فقال {حدائق وأعناباً} فالحدائق جمع حديقة، وهي البستان المحوط، ومنه أحدق به حائطه. والحديقة الجنة المحوطة، ومنه أحدق القوم بفلان إذا أطافوا به، وسميت الحدقة حدقة لما يحيط بها من جفنها والاعناب جمع عنب، وهو ثمر الكرم قبل أن يجف فاذا جف فهو الزبيب، ونظيره الرطب ثمر النخل قبل أن يصير تمراً فاذا صار تمراً زال عنه اسم الرطب. وقوله {وكواعب أتراباً} قال ابن عباس: الكواعب النواهد، والكاعب الجارية قد نهد ثدياها، يقال: كعب ثدي الجارية ونهد إذا ابتدأ بخروج حسن. والاتراب جمع ترب، وهي التي تنشأ مع لدتها على سن الصبي الذي يلعب بالتراب فكأنه قيل هم على سنّ واحدة. قال قتادة: أتراباً يعني فى سن واحدة. وقوله {وكأساً دهاقاً} فالكأس الاناء إذا كان فيه شراب. وقيل الكاس أناء الخمر الذي يشرب منه، قال الشاعر: شعر : يلذه بكأسه الدهاق تفسير : فان لم يكن فيه الخمر لم يسم كأساً، والدهاق ملأى بشدة الضغط، والدهق شدة الضغط فى الكأس ملأى مترعة ليس فيها فرجة ليستوفي حال اللذة. وقال قتادة: دهاقاً مترعة. وقال مجاهد: معناه متتابعة على شاربها مأخوذ من متابعة الشد في الدهن. وقوله {لا يسمعون فيها لغواً} أي لا يسمعون فى الجنة كلاماً لا فائدة فيه {ولا كذاباً} أي ولا تكذيب بعضهم لبعض. ومن قرأ {كذاباً} بالتخفيف أراد مصدر كاذبه مكاذبة، وكذاباً قال الشاعر: شعر : فصدقتني وكذبتني والمرء ينفعه كذابه تفسير : وقال الفراء: قال اعرابي فى طريق مكة: يا رب القصار أحب اليك أم الحلق يريد أقصر شعري أم احلق. وقوله {جزاء من ربك عطاء حساباً} أي فعلنا بالمؤمنين المتقين ما فعلنا جزاء على تصديقهم بالله ونبيه، فالجزاء إعطاء المستحق بعمل الطاعة أو المعصية. وقوله {عطاء حساباً} أي بحساب العمل كل إنسان على قدر عمله من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، ثم سائر أخيار المؤمنين، وعند الله المزيد. وقيل: معناه عطاء كافياً من قولهم: أعطاني ما أحسبني أي كفاني، وحسبك أي اكتف، وحسبي الله أي كفاني الله. وقال الحسن: معناه إنه أعطاهم ذلك محاسبة. وقوله {رب السماوات والأرض} من رفع استأنف الكلام وجعله مبتدأ. وقوله {الرحمن} خبره، ومن جره رده على قوله {من ربك} رب السموات، وجعل {الرحمن} جراً بأنه نعته. ومن رفع الرحمن وجر الأول قطعه عن الاول وتقديره: هو الرحمن. والمعنى إن الذي يفعل بالمؤمنين ما تقدم ذكره هو الله رب السموات والارض ومدبرهما، ومدبر ما بينهما، والمصرف لهما على ما يريده {لا يملكون منه خطاباً} ومعناه لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه، كما قال {أية : لا يشفعون إلا لمن ارتضى}تفسير : وفي ذلك أتم التحذير من الاتكال. والخطاب توجيه الكلام إلى مدرك بصيغة مبينة كاشفة عن المراد بخلاف صيغة الغائب عن الادراك على طريقة أنت وبك. والاضمار على ثلاثة أضرب: إضمار المتكلم، وإضمار المخاطب وإضمار الغائب. وقوله {يوم يقوم الروح والملائكة} معناه إذكر يوم يقوم الروح، قال الضحاك والشعبي: الروح هو جبرائيل عليه السلام وقال ابن مسعود وابن عباس: هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً، وهو المروي في أخبارنا. وقال الحسن وقتادة: الروح بنو آدم. وقال ابن عباس: أرواح بني آدم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل رد الأرواح إلى الاجساد. وقوله {والملائكة صفاً لا يتكلمون} أي مصطفين لا يتكلم احد بشيء {إلا من أذن له الرحمن} أي أذن الله له في الكلام {وقال صواباً} والصواب موافقة الغرض الحكمي كأنه إصابة ذلك الغرض الذي تدعو اليه الحكمة. ونقيضه الخطأ، وهو مخالفة الغرض الحكمي ولما كانت الحكمة قد تدعو إلى أمر بأوكد مما تدعو إلى أمر، كدعائها إلى الفعل الأصلح، والفعل الأدون، صح ان صوابا أصوب من صواب. ثم قال {ذلك اليوم} يعني اليوم الذي وصفه وأخبر عنه هو {الحق} الذى لا شك في كونه وحصوله. وقوله {فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً} فيه دلالة على أن العباد قادرون على اتخاذ المآب وتركه. وإنما قال {فمن شاء اتخذ} لانه قادر عليه ومزاح العلة فيه. والمآب المرجع، وهو (مفعل) من آب يؤب أوبا. وقال سفيان: معناه مرجعا. قال عبيد: شعر : وكل ذى غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب تفسير : وقوله {إنا أنذرناكم عذاباً قريباً} معناه الاخبار من الله تعالى أنه خوف عباده وأعلمهم المواضع التي ينبغي أن يحذروها. ثم بين ما يكون بعد ذلك فقال {يوم ينظر المرؤ ما قدمت يداه} ومعناه ينتظر جزاء ما قدمه، فان قدم طاعة انتظر الثواب، وإن قدم معصية انتظر العقاب {ويقول الكافر} في ذلك اليوم {يا ليتني كنت تراباً} أى يتمنى أن لو كان تراباً لا يعاد ولا يحاسب ليتخلص من عقاب ذلك اليوم، لأنه ليس معه شيء يرجوه من الثواب. وقيل: ان الله يحشر البهائم وينتصف للجماء من القرناء فاذا انصف بينها جعلها ترابا فيتمنى الكافر عند ذلك لو كان مثل أولئك تراباً. وقيل: هو مثل قوله {أية : يا ليتني لم أوت كتابيه}
اطفيش
تفسير : {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} مصدر ميمي بمعنى الفوز أي فوزا من العذاب أي نجاة منه أو اسم مكان أي موضع نجاة منه أو مصدر ميمي بمعنى الفوز الذي هو الظفر بالبغية أو اسم مكان بمعنى موضع الفوز أي موضع الظفر بالنعيم.
الالوسي
تفسير : شروع في بيان محاسن أحوال المؤمنين إثر بيان سوء أحوال الكافرين. و{مَفَازاً} مصدر ميمي أو اسم مكان أي إن للذين يتقون عمل الكفر فوزاً وظفراً بمساعيهم أو موضع فوز وقيل نجاة مما فيه أولئك أو موضع نجاة.
ابن عاشور
تفسير : جرى هذا الانتقال على عادة القرآن في تعقيب الإِنذار للمنذَرين بتبشير من هم أهل للتبشير. فانتقل من ترهيب الكافرين بما سيلاقونه إلى ترغيب المتقين فيما أُعدَّ لهم في الآخرة من كرامة ومن سلامة مما وقع فيه أهل الشرك. فالجملة متصلة بجملة { أية : إن جهنّم كانت مرصاداً للطاغين مئاباً } تفسير : [النبأ: 21 ـــ 22] وهي مستأنفة استئنافاً ابتدائياً بمناسبة مُقتضِي الانتقال. وافتتاحها بحرف {إنَّ} للدلالة على الاهتمام بالخبر لئلا يشك فيه أحد. والمقصود من المتقين المؤمنون الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا ما أمرهم به واجتنبوا ما نهاهم عنه لأنهم المقصود من مقابلتهم بالطاغين المشركين. والمفاز: مكان الفوز وهو الظفَر بالخير ونيل المطلوب. ويجوز أن يكون مصدراً ميمياً بمعنى الفوز، وتنوينُه للتعظيم. وتقديم خبر {إن} على اسمها للاهتمام به تنويهاً بالمتقين. والمراد بالمفاز: الجنة ونعيمها. وأوثرت كلمة {مفازاً} على كلمة: الجنة، لأن في اشتقاقه إثارة الندامة في نفوس المخاطبين بقوله: { أية : فتأتون أفواجاً } تفسير : [النبأ: 18] وبقوله: { أية : فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً } تفسير : [النبأ: 30]. وأُبْدل {حدائق} من {مفازاً} بدلَ بعض من كل باعتبار أنه بعض من مكان الفوز، أو بدل اشتمال باعتبار معنى الفوز. والحدائق: جمع حديقة وهي الجنة من النخيل والأشجار ذواتِ الساق المحوطة بحائط أو جدار أو حضائر. والأعناب: جمع عِنَب وهو اسم يطلق على شَجرة الكَرْم ويطلق على ثمرها. والكواعب: جمع كاعِب، وهي الجارية التي بلغت سن خمس عشرة سنة ونحوها. ووصفت بكاعب لأنها تكَعَّب ثديُها، أي صار كالكعب، أي استدار ونتأ، يقال: كَعَبَتْ من باب قَعَد، ويقال: كَعَّبت بتشديد العين، ولما كان كاعب وصفاً خاصاً بالمرأة لم تلحقه هاء التأنيث وجمع على فواعل. والأتراب: جمع تِرب بكسر فسكون: هو المساوي غيره في السِنّ، وأكثر ما يطلق على الإناث. قيل: هو مشتق من التراب فقيل لأنه حينَ يولد يقع على التراب مِثل الآخر، أو لأن التِرْب ينشأ مع لِدَته في سنّ الصِّبا يلعب بالتراب. وقيل: مشتق من الترائب تشبيهاً في التساوي بالترائب وهي ضلوع الصدر فإنها متساوية. وتقدم الأتراب في قوله تعالى: { أية : عرباً أتراباً } تفسير : في الواقعة (37)، فيجوز أن يَكون وصفهن بالأتراب بالنسبة بينهن في تساوي السن لزيادة الحسن، أي لا تفوت واحدة منهن غيرها، أي فلا تكون النفس إلى إحداهن أميل منها إلى الأخرى فتكون بعضهن أقل مسرة في نفس الرجل. ويجوز أن يكون هذا الوصف بالنسبة بينهن وبين أزواجهن لأن ذلك أحب إلى الرجال في معتاد أهل الدنيا لأنه أوفق بطرح التكلف بين الزوجين وذلك أحلى المعاشرة. والكأس: إناء معدّ لشرب الخمر وهو اسم مؤنث تكون من زجاج ومن فضة ومن ذهب، وربما ذكر في كتب اللغة أن الكأس الزجاجة فيها الشرابُ، ولم أقف على أن لها شكلاً معيّناً يميزها عن القَدَح وعن الكُوب وعن الكوز، ولم أجد في قواميس اللغة التعريف بالكأس بأنها: إناء الخمر وأنها الإِناء ما دام فيه الشراب. وهذا يقتضي أنها لا تختص بصنف من الآنية. وقد يطلقون على الخمر اسم الكأس وأريد بالكأس الجنس إذا المعنى: وأكؤساً. وعُدل عن صيغة الجمع لأن كأساً بالإفراد أخف من أكؤس وكؤوس ولأن هذا المركّب جرى مجرى المثل كما سيأتي. ودهاق: اسم مصدر دهق من باب جعل أو اسم مصدر أدهق، ولكونه في الأصل مصدراً لم يقترن بعلامة تأنيث. والدهق والإِدهاق ملء الإِناء من كثرة ما صبّ فيه. ووصفُ الكأس بالدهق من إطلاق المصدر على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق فإن الكأس مدهقة لا داهقة. ومركب (كأس دهاق) يَجري مجرى المثل قال عِكرمة: قال ابن عباس: سمعتُ أبي في الجاهلية يقول: اسْقِنَا كأساً دِهاقاً، ولذلك أفرد كأساً، ومعناه مملوءة خمراً، أي دون تقتير لأن الخمر كانت عزيزة فلا يكيل الحَانَوِيُ للشارب إلا بمقدار فإذا كانت الكأس ملأى كان ذلك أسر للشارب. وقوله: {لا يسمعون فيها لغواً ولا كِذّاباً} يجوز أن يكون الضمير المجرور عائداً إلى الكأس، فتكون (في) للظرفية المجازية بتشبيه تناول الندامى للشراب من الكأس بحلولهم في الكأس على طريق المَكْنية، وحرف (في) تخييل أو تكون (في) للتعليل كما في الحديث: « حديث : دخلت امرأةٌ النارَ في هِرة » تفسير : الحديث، أي من أجل هرة. والمعنى: لا يسمعون لغواً ولا كِذَّاباً منها أو عندها، فتكون الجملة صفة ثانية لــــ «كأساً». والمقصود منها أن خمر الجنة سليمة مما تسببه خمر الدنيا من آثار العربدة من هذَيان، وكذب وسباب، واللغو والكذب من العيوب التي تعرض لمن تَدب الخمر في رؤوسهم، أي فأهل الجنة ينعمون بلذة السكر المعروفة في الدنيا قَبل تحريم الخمر ولا تأتي الخمر على كمالاتهم النفسية كما تأتي عليها خمر الدنيا. وكان العرب يمدحون من يُمسك نفسه عن اللغو ونحوه في شرب الخمر، قال عمارة بن الوليد: شعر : ولَسْنَا بشرْب أم عَّمرو إذا انتشوا ثيابُ الندامَى بينهم كالغنائم ولكننا يا أم عمرو نديمُنا بمنزلة الرَيَّان ليس بِعَائم تفسير : وكان قيس بن عاصم المنقري ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية وقال: شعر : فإن الخمر تفضَح شاربيها وتجنيهم بها الأمرَ العظيما تفسير : ويجوز أن يعود ضمير {فيها} إلى {مفازاً} باعتبار تأويله بالجنة لوقوعه في مقابلة {جهنم} من قوله: { أية : إن جهنم كانت مرصاداً } تفسير : [النبأ: 21] أو لأنه أبدل {حدائق} من {مفازاً}. وهذا المعنى نشأ عن أسلوب نظم الكلام حيث قدم {حدائق وأعناباً} الخ، وأخّر {وكأساً دهاقاً} حتى إذا جاء ضمير (فيها) بعد ذلك جاز إرجاعه إلى الكأس وإلى المفاز كما علمت. وهذا من بديع الإيجاز مع وفرة المعاني مما عددناه من وجوه الإِعجاز من جانب الأسلوب في المقدمة العاشرة من هذا التفسير، أي لا يسمعون في الجنة الكلام السافِل ولا الكذب، فلما أحاط بأهل جهنم أشدُّ الأذى بجميع حواسهم من جراء حرق النار وسقيهم الحميم والغساق لينال العذاب بواطنهم كما نال ظاهر أجسادهم، كذلك نفى عن أهل الجنة أقل الأذى وهو أذى سماع ما يكرهه الناس فإن ذلك أقل الأذى. وكني عن انتفاء اللغو والكِذّاب عن شاربي خمر الجنة بأنهم لا يسمعون اللغو والكذاب فيها لأنه لو كان فيها لغو وكذب لسمعوه وهذا من باب قول امرىء القيس: شعر : على لاَحبٍ لا يهتدى بمناره تفسير : أي لا منار به فيهتدى به، وهو نوع من لطيف الكناية، والذي في الآية أحسن مما وقع في بيت امرىء القيس ونحوه لأن فيه إيماء إلى أن أهل الجنة منزهة أسماعهم عن سقط القول وسفل الكلام كما في قوله في سورة الواقعة (25) { أية : لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً }. تفسير : واللغو: الكلام الباطل والهذيان وسقط القول الذي لا يورد عن روية ولا تفكير. والكِذَّاب: تقدم معناه آنفاً. وقرأ الجمهور: كِذَّاباً} هنا مشدداً، وقرأه الكسائي هنا بتخفيف الذال. وانتصب {جزاء} على الحال من {مفازاً}. وأصل الجزاء مصدر جَزَى، ويطلق على المُجَازى به من إطلاق المصدر على المفعول، فالجزاءُ هُنا المجازَى به وهو الحدائق والجنات والكواعب والكأس. والجزاء: إعطاء شيء عوضاً على عمل. ويجوز أن يجعل الجزاء على أصل معناه المصدري وينتصب على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعلٍ مقدر. والتقدير: جزيْنا المتقين. وإضافة ربّ إلى ضمير المخاطب مراداً به النبي صلى الله عليه وسلم للإِيماء إلى أن جزاء المتقين بذلك يشتمل على إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لأن إسداء هذه النعم إلى المتقين كان لأجل إيمانهم به وعملهم بما هداهم إليه. و{من} ابتدائية، أي صادراً من لدن الله، وذلك تنويه بكرم هذا الجزاء وعظم شأنه. ووصفُ الجزاء بعطاء وهو اسم لم يُعطَى، أي يتفضل به بدون عوض للإِشارة إلى أن ما جوزوا به أوفرُ مما عملوه، فكان ما ذكر للمتقين من المفاز وما فيه جزاء شكراً لهم وعطاءً كرماً من الله تعالى وكرامة لهذه الأمة إذ جعل ثوابها أضعافاً. و{حساباً}: اسم مصدر حَسب بفتح السين يحسُب بضمها، إذا عَدَّ أشياء وجميع ما تصرف من مادة حسب متفرع عن معنى العدّ وتقديرِ المقدار، فوقع {حساباً} صفة {جزاء}، أي هو جزاء كثير مقدَّر على أعمالهم. والتنوين فيه للتكثير، والوصف باسم المصدر للمبالغة وهو بمعنى المفعول، أي محسوباً مقدراً بحسب أعمالهم، وهذا مقابل ما وقع في جزاء الطاغين من قوله { أية : جزاء وفاقاً } تفسير : [النبأ: 26]. وهذا الحساب مجمل هنا يبينه قوله تعالى: { أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } تفسير : [الأنعام: 160] وقوله: { أية : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } تفسير : البقرة (261). وليس هذا الحساب للاحتراز عن تجاوز الحد المعيَّن، فذلك استعمال آخر كما في قوله تعالى: { أية : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } تفسير : [الزمر: 10] ولكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها فَلا تعارض بين الآيتين. ويجوز أن يكون {حساباً} اسم مصدر أحْسَبَه، إذا أعطاه ما كفاه، فهو بمعنى إحساباً، فإن الكفاية يطلق عليها حَسْب بسكون السين فإنه إذا أعطاه ما كفاه قال: حسبي.
الشنقيطي
تفسير : بينه بعده بقوله تعالى: {أية : حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً}تفسير : [النبأ: 32] - إلى قوله - {أية : جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً}تفسير : [النبأ: 36].
الواحدي
تفسير : {إنَّ للمتقين مفازاً} فوزاً بالجنَّة ونجاةً من النَّار.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن للمتقين: أي الذين اتقوا الشرك والمعاصي خوفا من ربهم وعذابه. مفازا: أي مكان فوز ونجاة وهو الجنة. حدائق وأعنابا: أي بساتين وأعنابا. وكواعب: أي شابات تكعبت ثديهن الواحدة كاعب والجمع كواعب. أترابا: أي في سن واحدة وأتراب جمع واحدة تِرب. وكأسا دهاقا: أي خمرا كأسها ملأى بها. لا يسمعون فيها: أي في الجنة لغوا أي باطلا ولا كذبا من القول. عطاء حسابا: أي عطاء كثيرا كافيا يقال أعطاني فأحسبني. يوم يقوم الروح: ملك عظيم يقوم وحده صفا والملائكة صفا وحدهم. مآبا: أي مرجعا سليما وذلك بالإِيمان والتقوى إذ بهما تكون النجاة. ما قدمت يداه: أي ما أسلفه في الدنيا من خير وشر. يا ليتني كنت ترابا: أي حتى لا أعذب وذلك يوم يقول الله تعالى للبهائم كوني ترابا وذلك بعد الاقتصاص لها من بعضها بعضا. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء المستلزمة لعقيدة التوحيد والنبوة بعد أن ذكر تعالى حال الطغاة الفجار وبين مصيرهم غاية البيان ثنّى بذكر المتقين الأبرار وبين مصيرهم وأنه جنات تجري من تحتها الأنهار فقال وقوله الحق وخبره الصدق {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} أي مكان فوز ونجاح وبيّنه بقوله حدائق أي بساتين وأعنابا وكواعب جمع كاعب الفتاة ينكعب ثديها أي يستدير ويرتفع كالكعب وذلك عند بلوغها وقوله في وصفهن {أَتْرَاباً} جمع ترب أي في سن واحدة دون الثلاثين سنة {وَكَأْساً دِهَاقاً} أي كأس خمر ملأى {لاَّ يَسْمَعُونَ} أي في الجنة {لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً} لا قولا باطلا ولا كذبا. وقوله تعالى {جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً} أي جزاهم ربهم بذلك فجعله عطاء كافيا ووصف الجبار نفسه تعليما وتذكيرا فأبدل من قوله من ربك: قوله {رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي مالكهما والمتصرف فيهما {ٱلرَّحْمَـٰنِ} رحمان الدنيا والآخرة ورحيمها {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ} ملك عظيم لا يقادر قدره وحده صفا {وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} هنا لا يملك أحد من الخلق {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} وقوله {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ} بين يديه {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ} قولا {صَوَاباً} وفي الصحيح أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم هو أول من يكلم الله عز وجل في الموقف حيث يأتي تحت العرش فيخر ساجدا فلا يزال ساجدا يحمد الله تعالى. بمحامد يلهمها ساعتئذ فيقول له الرب تعالى ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع وقوله تعالى {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ} الذي لا مرية فيه ولا شك وهو يوم الفصل وبناء عليه فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا أي مرجعا إليه بالإِيمان والطاعة. وقوله تعالى {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} أي خوفناكم عذابا قريبا جدا يبتدئ بالموت ولا ينتهي أبدا، وذلك {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} من خير أو شر أي يرى جزاء عمله عيانا إن كان عمله خيراً جزي بمثله وإن كان شرا جزي بمثله. {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} إنه لما يرى البهائم بعد القصاص لها صارت ترابا يتمنى الكافر وهو في عذابه أن لو كان ترابا مثل البهائم ولولا العذاب وشدته ودوامه لما تمنى أن يكون ترابا ابدا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان كرامة المتقين وفضل التقوى. 2- وصف جميل لنعيم الجنة. 3- ذم الكذب واللغو وأهلهما. 4- بيان شدة الموقف وصعوبة المقام فيه. 5- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 6- الترغيب في العمل الصالح واجتناب العمل السيء الفاسد.
القطان
تفسير : مفازا: فوزا عظيما بالجنة. كواعب: جواري صغيرات السّن، واحدها كاعب. أترابا: متقاربات في السن واحدها تِرب. دهاقا: ممتلئة، مترعة. لغواً: اللغو هو الباطل وكل ما لا فائدة فيه. كِذّابا: تكذيبا. عطاءٌ: تفضلا منه واحسانا. حسابا: كافيا وافيا. خطابا: مخاطبة. الروح: جبريل. مآبا: مرجعا. ما قدّمت يداه: ما عمل من خير أو شر. بعد أن بيّن حالَ المكذّبين الجاحدين وما يلاقونه من عذاب أليم، ذكر هنا ما يفوز به التقاةُ من الجنات، ووصفها ووصف ما فيها. ثم ذكر أن ذلك عطاء لهم من مالِكِ السماوات والأرض، عظيم الرحمة والإنعام، الذي لا يملك أحد من أهل السماوات والأرض ان يخاطبَه في شأنِ الثواب والعقاب، بل هو المتصرِّفُ فيه وحدَه يومَ يقوم الروحُ والخَلق المقدَّس من عالَم الغيب والملائكة صفاً، ولا يمكن لأحدٍ ان يتكلّم الا من أذِن له الرحمنُ ونطق بالصواب، فقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً} ان للمؤمنين الذين اتقَوا وعملوا الصالحاتِ فوزاً كبيرا ونجاةً من العذاب، وظَفَراً بالجنة، التي تشتمل على الحدائق والأعناب وجميع ما لذَّ وطابَ من الثمرات، {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً} من جواري الجنة، عذارى متقاربات في السن. وهناك يشربون بكؤوس مملوءة من ألذّ شرابِ الجنة، ولا يسمعون شيئاً من الباطل واللغو، ولا كذِبا من القول. وكل هذا الفضل والاحسان والنعيم: {جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً} ينالونه تفضلاً منه وإحساناً جزاءَ اعمالهم الخيرة. فالله الّذي رضي عنهم هو ربُّ السماوات والأرض الذي وسِعت رحمتُه كلَّ شيء ولا يملك أحد مخاطبتَه تعالى بالشفاعة إلا بإذنِه، يوم يقوم جبريلُ والملائكة مصطفّين خاشِعين لا يتكلّم أحدٌ منهم الا من أذِن له الرحمنُ بالكلام، ونطق بالصواب. ثم بيّن الله تعالى أن ذلك اليومَ حقٌّ لا ريبَ فيه، {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ}، حيث الناس فريقان: فريق بعيد من الله ومآله الى النار، وفريق مآبُه القُرب من الله. {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً}. بأن يعملَ عملاً صالحا يقرّبه منه ويُحِلّه دارَ النعيم. ثم عاد الى تهديدِ المعانِدين وتحذيرِهم من عاقبة عنادهم.. بأنهم سَيَعلمون غداً ما قدّمت أيديهِم ويندمون حيثُ لا ينفع الندم. فقال في خاتمة هذه السورة الكريمة: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}. قراءات قرأ الجمهور: كذابا بتشديد الذال، وقرأ الكسائي: كذابا بتخفيفها. وقرأ ابو عمرو: ربُّ السماوات والأرض الرحمن، برفع رب والرحمن، والباقون بالكسر. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب: الرحمن بالجر. وقرأ حمزة والكسائي بجر رب السماوات، ورفع الرحمن. نسأل الله تعالى ان يثبّتنا بالقول الثابت، ويجعلَنا من الذين ينطقون بالصواب، ويهديَنا إلى العملِ بكتابه وسُنة نبيه، وان يجمع كلمتنا ويوحّد صفوفنا لنحميَ أنفسَنا ونصون أوطاننا مما يهدّدنا من الأعداء...
د. أسعد حومد
تفسير : (31) - وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ السُّعَدَاءِ، وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الكَرَامَةِ، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الذِينَ يَتَّقُونَ رَبَّهُمْ جَنَّاتٍ وَمُتَنَزَّهَاتٍ نَضِرَةً، وََفَوْزاً بِالنَّعِيمِ وَالثَّوَابِ، وَبِالنَّجَاةِ مِنَ العِقَابِ. مَفَازاً - فَوْزاً وَظَفَراً بِكُلِّ مَحْبُوبٍ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} فوزاً ونجاة من النار الى الجنة، وقال ابن عباس والضحاك: متنزّهاً. {حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ} نواهد قد تكعبت ثديهنّ واحدتها كاعب، قال بشر بن أبي حازم: شعر : [وكم من حصان قد حوينا كريمة] ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر تفسير : {أَتْرَاباً} مستويات في السنّ {وَكَأْساً دِهَاقاً} قال الحسن وابن عباس وقتادة وابن زيد: مترعة مملوة، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: متتابعة {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً} تكذيباً وهي قراءة العامة، وخفّفه الكسائي وهي قراءة أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه، وهما مصدران للتكذيب. وقال قوم: الكذاب بالتخفيف مصّدر الكاذبة وقيل: هو الكذب، قال الأعشى: شعر : فصدقتها وكذبتها والمرء تنفعه كذابه تفسير : وإنّما خففها هنا لأنها ليست بمقيّدة بفعل يصيّرها مصدراً له، وشدد قوله: {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} لأن كذبوا يقيد الكذاب بالمصدر. {جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً} كثيراً كافياً وافياً يقال: أحسبت فلاناً أي أعطيته ما يكفيه حتى قال: حسبي. قال الشاعر: شعر : ونقفي وليد الحيّ إن كان جائعاً ونحسبه إن كان ليس بجائع تفسير : أي يعطيه حتى يقول حسبّي. وقيل: جزاء بقدر أعمالهم وقرأ أبو هاشم {عَطَآءً حِسَاباً} بفتح الحاء وتشديد السين على وزن فعّال أي كفافاً. قال الأصمعي: تقول العرب حسّبت الرجل بالتشديد إذا أكرمته، وأنشد: شعر : إذا أتاه ضيفه يحسُّبه من حاقن أو من صريح يُحلبُه تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا الطُهراني قال: أخبرنا يحيى بن الفضل قال: حدّثنا وهب بن عمر قال: أخبرنا هارون بن موسى عن حنظلة عن شهر عن ابن عباس أنه قرأ (عطاء حسناً) بالنون. {رَّبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ} قرأ ابن مسعود والأشهب وأبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو سلام ويعقوب برفع الباء والنون، وقرأ ابن عامر وعيسى وعاصم كلاهما خفضاً واختاره أبو حاتم، وقرأ ابن كثير ومحيض ويحيى وحمزة والكسائي {رَّبِّ} خفضاً و {ٱلرَّحْمَـٰنِ} رفعاً، واختاره أبو عبيد، وقال: هذه أعدلها عندي أن يخفض الأوّل منهما لقربه من قوله: {جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ} فتكون نعتاً له ونرفع {ٱلرَّحْمَـٰنِ} لبعده منه. {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} كلاماً وقال الكلبي: شفاعة إلاّ بإذنه. {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ} اختلفوا فيه، فأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خُرجة قال: حدّثنا عبد الله بن العباس الطيالسي قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم ابن طهمان عن مسلم الأعور عن مجاهد عن ابن عباس قال: حديث : أتى نفر من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الروح ما هو؟ قال: "هو جند من جند الله ليسوا بملائكة، لهم رؤوس وأيد وأرجل يأكلون الطعام ثم قرأ {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} الآية، قال: هؤلاء جند وهؤلاء جند ". تفسير : وقال ابن عباس: هو من أعظم الملائكة خلقاً، وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا ثابت أبو حمزة عن عامر عن علقمة عن ابن مسعود قال: الروح ملك أعظم من السموات ومن الجبال وأعظم من الملائكة، وهو في السماء الرابعة تسبح كلّ يوم إثني عشر تسبيحة يخلق من كل تسبحه ملك يجيء يوم القيامة صفاً وحده، وقال الشعبي والضحاك: هو جبريل، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل جبريل (عليه السلام) فيه كل فجر فيغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالا إلى جماله وعظماً إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج الله سبحانه من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كلّ يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور في الكعبة سبعون ألفاً لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة، وقال وهب: إنّ جبريل (عليه السلام) واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه يخلق الله سبحانه وتعالى من كلّ رعدة ألف ملك، فالملائكة صفوف بين يدي الله منكّسوا رؤوسهم، فإذا أذن الله سبحانه لهم في الكلام قالوا: لا إله إلاّ أنت وهو قوله سبحانه: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً}. {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} يعني لا إله إلاّ الله، وقال مجاهد: هم خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون، أبو صالح: خلق يشبهون الناس وليسوا، وقال الحسن وقتادة: هم بنو آدم، قال قتادة: وهذا مما كان يكتمه ابن عباس، وروى ابن مجاهد عن ابن عباس قال: الروح خلق من الله وصورهم على صور بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلاّ ومعه واحد من الروح، عطية: هي أرواح الناس يقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن تُرد الأرواح الى الأجساد، وقال ابن زيد: كان أبي يقول: هو القرآن وقرأ {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]. {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} قال الشعبي: هما سماطا ربّ العالمين يوم القيامة سماطا من الروح وسماطا من الملائكة لا يتكلمون إلاّ من أذن له الرحمن وقال صوابا قال: لا إله إلاّ الله في الدنيا. {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً} مرجعاً وسبيلا إلى طاعته، {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} يعني القيامة وقيل القتل ببدر. {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} قال عبد الله بن عمر: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مدّ الأديم وحشرت الدواب والبهائم والوحش ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص قال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً. قال مجاهد: يقاد يوم القيامة للمنقورة وللمنطوحة من الناطحة، وقال المقاتلان: إنّ الله سبحانه وتعالى يجمع الوحوش والهوام والطير كلّ شيء غير الثقلين فيقول: من ربّكم فيقولون: الرحمن الرحيم، فيقول لهم الرب تبارك وتعالى بعدما يقضي بينهم حتّى يقتص للجماء من القرناء: أنا خلقتكم وسخرّتكم لبني آدم وكنتم مطيعين أيام حياتكم فارجعوا إلى الذي كنتم كونوا تراباً فيكونون تراباً، فإذا التفت الكافر إلى شيء صار تراباً يتمنى فيقول: يا ليتني كنت في الدنيا في صورة خنزير رزقي كرزقه وكنت اليوم في الآخرة تراباً. قال عكرمة: بلغني أنّ السباع والوحوش والبهائم إذا رأينَ يوم القيامة بني آدم وما هم فيه من الغمّ والحزن قلن: الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنّة نرجوا ولا ناراً نخاف، وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الله قال: حدّثنا جعفر عن عبد الله بن ذكوان أبي الزياد قال: إذا قضي بين الناس وأمر أهل الجنة إلى الجنّة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجنّ: عودوا تراباً فيعودون تراباً، فعند ذلك يقول الكافر حيث يراهم قد عادوا تراباً: يا ليتني كنت تراباً، وبه قال ليث بن سليم: مؤمنوا الجن يعودون تراباً، وقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمنين الجن حول الجنّة في ريض ورحاب وليسوا فيها. وسمعتُ أبا القاسم بن جبير يقول: رأيت في بعض التفاسير أن الكافر هاهنا إبليس وذلك أنه عاب آدم بأنه خُلق من تراب وافتخر بأنه خلق من النار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه المؤمنون من الثواب والراحة والرحمة ورأى ما هو وذويه فيه من الشدّة والعذاب تمنّى أنه بمكان آدم فيقول حينئذ: يا ليتني كنت تراباً. وقال أبو هريرة: فيقول التراب للكافر: لا ولا كرامة لك من جعلك مثلي.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} [الآية: 31]. يقول: فازوا بأَن نجوا من النار. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا شيبان عن جابر، عن مجاهد: وَ{كَأْساً} [الآية: 34]. قال: الكأْس: كل شيء يشرب فيه الخمر. أَنبا عبد /86 و/ الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {دِهَاقاً} [الآية: 34]. قال: يعني الملأَى المتتابعة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً} [الآية: 36]. بما عملوا. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} [الآية: 37]. يقول: لا يملكون له كلاماً حتى يأْذن لهم. أَنبا عبد الرحمن، قال نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا هشيم عن أَبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: {ٱلرُّوحُ} [الآية: 38]. أَمر من أَمر الله، خلق من خلق الله. صورهم على صور بني آدم، ما نزل من السماءِ ملك إِلا معه واحد من الروح. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَقَالَ صَوَاباً} [الآية: 38]. قال: حقاً في الدنيا وعمل به. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح مثله. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الآية: 40]. قال: ذاك المؤمن الكيّس الحذر، علم أَن له معاداً. فقدم وقدم، فلما قدم عليه نظر إِلى ما قدم واغتبط. {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} [الآية: 40]، لأَنه لا يقدم خيراً فيقول: {يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}. فلا يكون تراباً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} معناه النَّجاةُ من النَارِ. ويقالُ: المَفازُ: المَسرةُ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ أردف سبحانه بوعيدهم وعد المؤمنين تشديداً لعذابهم وتأكيداً: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ} المؤمنين، المتحفظين نفوسهم عن محارم الله خوفاً من عذاب الله، ورجاءً من فضله {مَفَازاً} [النبأ: 31] مخلصاً ونجاةً من جميع المكاره اللاحقة للكفار والعصاة. {حَدَآئِقَ} ذت بهجة ونضارة ونزاهة {وَأَعْنَاباً} [البنأ: 32] معروشات وغير معروشات. {وَ} إن لهم فيها أزواجاً {كَوَاعِبَ} نواهد، استدارة ثديهن مثل الرمان {أَتْرَاباً} [النبأ: 33] أبكاراً، {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ}تفسير : [الرحمن: 56]. {وَكَأْساً} من خمور المحبة الإلهية {دِهَاقاً} [النبأ: 34] ملآناً. {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا} أي: في الجنة عند شرب خمور المحبة {لَغْواً} فضولاً من الكلام {وَلاَ كِذَّاباً} [النبأ: 35] أي: مكاذبة، يكذِّب بعضهم بعضاً، كما يقع بين شاربي شراب الدنيا. وإنما يجازون بما يجازون {جَزَآءً} ناشئاً {مِّن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل {عَطَآءً} منه إياهم تفضلاً عليهم وإحساناً؛ إذ لا يجب عليه سبحانه شيء {حِسَاباً} [النبأ: 36] كافياً وافياً، لا ينقصون ولا ينتظرون. وكيف لا يتفضل سبحانه على أوليائه، مع كونه {رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} السياق يدل على أن التفسير جرى على قراءة نافع وابن كثير وغيرهما: "رَبُّ" أي: مربِّي العلويات والسفليات {وَمَا بَيْنَهُمَا} من الممتزجات {ٱلرَّحْمَـٰنِ} السياق يدل على أن التفسير جرى على قراءة نافع وابن كثير وغيرهما: "الرَّحْمَنُ" المستوي على عروش الكل بالرحمة العامة، والاستيلاء التام، والسلطنة القاهرة، والبسطة الغالبة بالإرادة والاختيار، بحيث {لاَ يَمْلِكُونَ} ولا يقدرون؛ أي: أهل السماوات والأرض {مِنْهُ} سبحانه {خِطَاباً} [النبأ: 37] أي: لا يسع لهم أن يخاطبوه، ويطالبوا منه شيئاً من زيادة ثواب ونقص عقاب، بل هو بذاته فقال لكل ما يريد من مقتضيات أسمائه وصفاته بالإرادة والاختيار، لا يُسئل عن فعله، إنه حكيم حميد؟! وكيف يملك وبقدر خطابه سبحانه هؤلاء الأظلال الهلكى في حدود ذواتهم، مع أنه {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ} أي: الوجودات الإضافية الفائضة على هياكل الهويات من أشعة نور الوجود المطلق {وَٱلْمَلاَئِكَةُ} أي: الأسماء والصفات الإلهية المجردات عن التعلقيات مطلقاً {صَفّاً} صافين مصطفين، سكاتين صامتين من كمال دهشتهم عن سطوة سلطنة الذات القاهرة الغالبة {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ} حنيئذٍ، ولا يقدرون على التفوه بالحال أو المقال {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} بالشفاعة والسؤال فتكلم بإذنه {وَقَالَ صَوَاباً} [النبأ: 38] مرضيّاً عند الله مستجاباً؟! وبالجملة: {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ} أي: يوم الفصل والقيامة هو اليوم {ٱلْحَقُّ} الثابت الكائن وقوعه بلا خلف ولا ريب {فَمَن شَآءَ} أن يأمن من فتنته، ويخلص من عذابه {ٱتَّخَذَ} وأخذ في النشأة الأولى {إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً} [النبأ: 39] مرجعاً ومنقلباً يتوجه إليه، ويتحنن نحوه متقرباً بصوالح الأعمال، ومحاسن الأخلاق والأطوار. وبالجملة: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ} أيها المعرضون عن الله، المنصرفون عن طاعاته وعباداته {عَذَاباً قَرِيباً} سليحقكم بغتة، وأنتم لا تشعرون بأماراته ومقدماته {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ} ويرجى جميع {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} خيراً كان أو شراً، نفعاً كان أو ضراً {وَ} بعدما رأى الكل يومئذٍ ما رأى من المصالح والمقابح الصادرة منه، الجارية عليه {يَقُولُ ٱلْكَافِرُ} الرائي قوابح أفعاله، وفواسد أعماله، متأسفاً متحسراً متمنياً هلاكه على سبيل المبالغة: {يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40] لم أُخلق ولم أُكلف؛ حتى لا أستحق هذا الويل والثبور. هب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الحريم الغفور. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المحمدي أن تتزود ليوم الجزاء بالتقوى عن محارم الله، والاجتناب عن منهياته، والامتثال بأوامره، والتخلق بأخلاقه؛ حتى لا تستحي من الله في يوم الجزاء، ولا تتمنى مقتك وهلاكك مثل من كفر وعصى. فلك أن تلازم على أداء الواجبات والمستحبات، والمسنونات من الصلوات والزكوات وأنواع الطاعات، والتقرب نحوه بالنوافل من الطاعات والصلوات والصدقات، والخدمة بالجوارح والآلات لعموم عباد الله، والسعي إلى مطلق الخيرات والمبرات، والاجتهاد في طريق الحسنات وترك السيارات ومطلق المنكرات؛ حتى تتخلص من كؤود العقبات، وتصل إلى روضات الجنات، وتفوز بالفوز بالسعادات وأنواع الكرامات. جعلنا الله من أرباب الهداية والتوفيق، ويسر لنا الوصول إلى مقر التوحيد والتحقيق بمنِّه وجوده.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر حال المجرمين ذكر مآل المتقين فقال: {أية : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا } تفسير : أي: الذين اتقوا سخط ربهم، بالتمسك بطاعته، والانكفاف عما يكرهه فلهم مفاز ومنجي، وبعد عن النار. وفي ذلك المفاز لهم { حَدَائِقَ } وهي البساتين الجامعة لأصناف الأشجار الزاهية، في الثمار التي تتفجر بين خلالها الأنهار، وخص الأعناب لشرفها وكثرتها في تلك الحدائق. ولهم فيها زوجات على مطالب النفوس { كَوَاعِبَ } وهي: النواهد اللاتي لم تتكسر ثديهن من شبابهن، وقوتهن ونضارتهن. { والأتْرَاب } اللاتي على سن واحد متقارب، ومن عادة الأتراب أن يكن متآلفات متعاشرات، وذلك السن الذي هن فيه ثلاث وثلاثون سنة، في أعدل سن الشباب. { وَكَأْسًا دِهَاقًا } أي: مملوءة من رحيق، لذة للشاربين، { لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا } أي: كلاما لا فائدة فيه { وَلا كِذَّابًا } أي: إثما. كما قال تعالى: {أية : لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا }. تفسير : وإنما أعطاهم الله هذا الثواب الجزيل [من فضله وإحسانه]. { جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ } لهم { عَطَاءً حِسَابًا } أي: بسبب أعمالهم التي وفقهم الله لها، وجعلها ثمنا لجنته ونعيمها.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً} [31-32] 664 - أنا يونسُ بن عبد الأعلى، أنا/ عبدُ اللهِ بن وهبٍ، نا اللَّيْثُ وأنا وهبُ بن بيانٍ، نا ابنُ وهبٍ، نا ليثُ بن سعدٍ، عن جعفر ابن ربيعة، عن عبد الرَّحمن الأعرجِ، عن أبي هُريرة، عن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يقل أحدُكم: الكرمُ، فإنما الكرمُ الرَّجلُ المُسلمُ، ولكن قولوا: حدائقُ الأعنابِ . تفسير : - اللَّفظُ ليونسَ ووهبٍ مِثْلهُ.
همام الصنعاني
تفسير : 3462- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً}: [الآية: 31]، قال: مفازاً منَ النَّارِ إلى الجنَّةِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):