Verse. 5713 (AR)

٧٩ - ٱلنَّازِعَات

79 - An-Nazi'at (AR)

وَالنّٰزِعٰتِ غَرْقًا۝۱ۙ
WaalnnaziAAati gharqan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والنازعات» الملائكة تنزع أرواح الكفار «غرقا» نزعا بشدة.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الكلمات الخمس، يحتمل أن تكون صفات لشيء واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك، أما على الاحتمال الأول فقد ذكروا في الآية وجوهاً أحدها: أنها بأسرها صفات الملائكة، فقوله: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً } هي الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم فإذا نزعوا نفس الكفار نزعوها بشدة، وهو مأخوذ من قولهم نزع في القوس فأغرق يقال: أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدى حتى ينتهي إلى النصل، فتقدير الآية: والنازعات إغراقاً، والغرق والإغراق في اللغة بمعنى واحد، وقوله: {وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } النشط هو الجذب يقال: نشطت الدلو أنشطها وأنشطتها نشطاً نزعتها برفق، والمراد هي الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها، وإنما خصصنا هذا بالمؤمن والأول بالكافر لما بين النزع والنشط من الفرق فالنزاع جذب بشدة، والنشط جذب برفق ولين فالملائكة، تنشط أرواح المؤمنين كما تنشط الدلو من البئر فالحاصل أن قوله: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً * وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } قسم بملك الموت وأعوانه إلا أن الأول إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار، والثاني إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين، أما قوله: {وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً } فمنهم من خصصه أيضاً بملائكة قبض الأرواح، ومنهم من حمله على سائل طوائف الملائكة، أما الوجه الأول: فنقل عن علي عليه السلام، وابن عباس ومسروق، أن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلاً رفيقاً، فهذا هو المراد من قوله: {وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } ثم يتركونها حتى تستريح رويداً، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق ولطافة لئلا يفرق، فكذا ههنا يرفقون في ذلك الاستخراج، لئلا يصل إليه ألم وشدة فذاك هو المراد من قوله: {وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً } وأما الذين حملوه على سائر طوائف الملائكة فقالوا: إن الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، فجعل نزولهم من السماء كالسباحة، والعرب تقول للفرس الجواد، إنه السابح، وأما قوله: {فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً } فمنهم من فسره بملائكة قبض الأرواح يسبقون بأرواح الكفار إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، ومنهم من فسره بسائر طوائف الملائكة، ثم ذكروا في هذا السبق وجوهاً أحدها: قال مجاهد وأبو روق إن الملائكة سبقت ابن آدم بالإيمان والطاعة، ولا شك أن المسابقة في الخيرات درجة عظيمة قال تعالى: {أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ * أُوْلَـئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [الواقعة: 10، 11] وثانيها: قال الفراء والزجاج: إن الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء لأن الشياطين كانت تسترق السمع وثالثها: ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى وصفهم فقال: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ }تفسير : [الأنبياء: 27] يعني قبل الإذن لا يتحركون ولا ينطقون تعظيماً لجلال الله تعالى وخوفاً من هيبته، وههنا وصفهم بالسبق يعني إذا جاءهم الأمر، فإنهم يتسارعون إلى امتثاله ويتبادرون إلى إظهار طاعته، فهذا هو المراد من قوله: {فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً }، وأما قوله: {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } فأجمعوا على أنهم هم الملائكة: قال مقاتل يعني جبريل وميكائيل، وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام يدبرون أمر الله تعالى في أهل الأرض، وهم المقسمات أمراً، أما جبريل فوكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وقوم منهم موكلون بحفظ بني آدم، وقوم آخرون بكتابة أعمالهم وقوم آخرون بالخسف والمسخ والرياح والسحاب والأمطار، بقي على الآية سؤالان: السؤال الأول: لم قال: {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً }، ولم يقل: أموراً فإنهم يدبرون أموراً كثيرة لا أمراً واحداً؟ والجواب: أن المراد به الجنس، وإذا كان كذلك قام مقام الجمع. السؤال الثاني: قال تعالى: إن الأمر كله لله فكيف أثبت لهم ههنا تدبير الأمر. والجواب: لما كان ذلك الإتيان به كان الأمر كأنه له، فهذا تلخيص ما قاله المفسرون في هذا الباب، وعندي فيه وجه آخر: وهو أن الملائكة لها صفات سلبية وصفات إضافية، أما الصفات السلبية فهي أنها مبرأة عن الشهوة والغضب والأخلاق الذميمة، والموت والهرم والسقم والتركيب من الأعضاء والأخلاط والأركان، بل هي جواهر روحانية مبرأة عن هذه الأحوال، فقوله: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً } إشارة إلى كونها منزوعة عن هذه الأحوال نزعاً كلياً من جميع الوجوه وعلى هذا التفسير: {النازعات} هي ذوات النزع كاللابن والتامر، وأما قوله: {وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } إشارة إلى أن خروجها عن هذه الأحوال ليس على سبيل التكليف والمشقة كما في حق البشر، بل هم بمقتضى ماهياتهم خرجوا عن هذه الأحوال وتنزهوا عن هذه الصفات، فهاتان الكلمتان إشارتان إلى تعريف أحوالهم السلبية، وأما صفاتهم الإضافية فهي قسمان أحدهما: شرح قوتهم العاقلة أي كيف حالهم في معرفة ملك الله وملكوته والاطلاع على نور جلاله فوصفهم في هذا المقام بوصفين أحدهما: قوله: {وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً } فهم يسبحون من أول فطرتهم في بحار جلال الله ثم لا منتهى لسباحتهم، لأنه لا منتهى لعظمة الله وعلو صمديته ونور جلاله وكبريائه، فهم أبداً في تلك السباحة وثانيهما: قوله: {فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً } وهو إشارة إلى مراتب الملائكة في تلك السباحة فإنه كما أن مراتب معارف البهائم بالنسبة إلى مراتب معارف البشر ناقصة، ومراتب معارف البشر بالنسبة إلى مراتب معارف الملائكة ناقصة، فكذلك معارف بعض تلك الملائكة بالنسبة إلى مراتب معارف الباقين متفاوتة، وكما أن المخالفة بين نوع الفرس ونوع الإنسان بالماهية لا بالعوارض فكذا المخالفة بين شخص كل واحد من الملائكة وبين شخص الآخر بالماهية فإذا كانت أشخاصها متفاوتة بالماهية لا بالعوارض كانت لا محالة متفاوتة في درجات المعرفة وفي مراتب التجلي فهذا هو المراد من قوله: {فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً } فهاتان الكلمتان المراد منهما شرح أحوال قوتهم العاقلة. وأما قوله: {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } فهو إشارة إلى شرح حال قوتهم العاملة، وذلك لأن كل حال من أحوال العالم السفلي مفوض إلى تدبير واحد من الملائكة الذين هم عمار العالم العلوي وسكان بقاع السموات، ولما كان التدبير لا يتم إلا بعد العلم، لا جرم قدم شرح القوة العاقلة التي لهم على شرح القوة العاملة التي لهم، فهذا الذي ذكرته احتمال ظاهر والله أعلم بمراده من كلامه. واعلم أن أبا مسلم بن بحر الأصفهاني طعن في حمل هذه الكلمات على الملائكة، وقال: واحد النازعات نازعة وهو من لفظ الإناث، وقد نزه الله تعالى الملائكة عن التأنيث، وعاب قول الكفار حيث قال: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } تفسير : [الزخرف: 19]. واعلم أن هذا طعن لا يتوجه على تفسيرنا، لأن المراد الأشياء ذوات النزع، وهذا القدر لا يقتضي ما ذكر من التأنيث. الوجه الثاني في تأويل هذه الكلمات: أنها هي النجوم وهو قول الحسن البصري ووصف النجوم بالنازعات يحتمل وجوهاً: أحدها: كأنها تنزع من تحت الأرض فتنجذب إلى ما فوق الأرض، فإذا كانت منزوعة كانت ذوات نزع، فيصح أن يقال: إنها نازعة على قياس اللابن والتامر وثانيها: أن النازعات من قولهم نزع إليه أي ذهب نزوعاً، هكذا قاله الواحدي: فكأنها تطلع وتغرب بالنزع والسوق والثالث: أن يكون ذلك من قولهم: نزعت الخيل إذا جرت، فمعنى: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ } أي والجاريات على السير المقدر والحد المعين وقوله: {غَرْقاً } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حالاً من النازعات أي هذه الكواكب كالغرقى في ذلك النزع والإرادة وهو إشارة إلى كمال حالها في تلك الإرادة، فإن قيل: إذا لم تكن الأفلاك والكواكب أحياء ناطقة، فما معنى وصفها بذلك قلنا: هذا يكون على سبيل التشبيه كقوله تعالى: {أية : وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }تفسير : [الأنبياء: 33] فإن الجمع بالواو والنون يكون للعقلاء، ثم إنه ذكر في الكواكب على سبيل التشبيه والثاني: أن يكون معنى غرقها غيبوبتها في أفق الغرب، فالنازعات إشارة إلى طلوعها وغرقاً إشارة إلى غروبها أي تنزع، ثم تغرق إغراقاً، وهذا الوجه ذكره قوم من المفسرين. أما قوله: {وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } فقال صاحب «الكشاف»: معناه أنها تخرج من برج إلى برج من قولك: ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد. وأقول يرجع حاصل هذا الكلام إلى أن قوله: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً } إشارة إلى حركتها اليومية {وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } إشارة إلى انتقالها من برج إلى برج وهو حركتها المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة، والعجب أن حركاتها اليومية قسرية، وحركتها من برج إلى برج ليست قسرية، بل ملائمة لذواتها، فلا جرم عبر عن الأول بالنزع وعن الثاني بالنشط، فتأمل أيها المسكين في هذه الأسرار. وأما قوله: {وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً } فقال الحسن وأبو عبيدة رحمهما الله: هي النجوم تسبح في الفلك، لأن مرورها في الجو كالسبح، ولهذا قال: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 33]. وأما قوله: {فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً } فقال الحسن وأبو عبيدة: وهي النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير بسبب كون بعضها أسرع حركة من البعض، أو بسبب رجوعها أو استقامتها. وأما قوله تعالى: {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } ففيه وجهان أحدهما: أن بسبب سيرها وحركتها يتميز بعض الأوقات عن بعض، فتظهر أوقات العبادات على ما قال تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ } تفسير : [الروم: 17، 18] وقال: {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلاهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ }تفسير : [البقرة: 189] وقال: {أية : لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } تفسير : [يونس: 5] ولأن بسبب حركة الشمس تختلف الفصول الأربعة، ويخلف بسبب اختلافها أحوال الناس في المعاش، فلا جرم أضيفت إليها هذه التدبيرات والثاني: أنه لما ثبت بالدليل أن كل جسم محدث ثبت أن الكواكب محدثة مفتقرة إلى موجد يوجدها، وإلى صانع يخلقها، ثم بعد هذا لو قدرنا أن صانعها أودع فيها قوى مؤثرة في أحوال هذا العالم، فهذا يطعن في الدين البتة، وإن لم نقل بثبوت هذه القوى أيضاً، لكنا نقول: أن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته بأن جعل كل واحد من أحوالها المخصوصة سبباً لحدوث حادث مخصوص في هذا العالم، كما جعل الأكل سبباً للشبع، والشرب سبباً للري، ومماسة النار سبباً للاحتراق، فالقول بهذا المذهب لا يضر الإسلام ألبتة بوجه من الوجوه، والله أعلم بحقيقة الحال. الوجه الثالث: في تفسير هذه الكلمات الخمسة أنها هي الأرواح، وذلك لأن نفس الميت تنزع، يقال فلان في النزع، وفلان ينزع إذا كان في سياق الموت، والأنفس نازعات عند السياق، ومعنى {غَرْقاً } أي نزعاً شديداً أبلغ ما يكون وأشد من إغراق النازع في القوس وكذلك تنشط لأن النشط معناه الخروج، ثم الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال العلوي بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة، ومنازل القدس على أسرع الوجوه في روح وريحان، فعبر عن ذهابها على هذه الحالة بالسباحة، ثم لا شك أن مراتب الأرواح في النفرة عن الدنيا ومحبة الاتصال بالعالم العلوي مختلفة فكلما كانت أتم في هذه الأحوال كان سيرها إلى هناك أسبق، وكلما كانت أضعف كان سيرها إلى هناك أثقل، ولا شك أن الأرواح السابقة إلى هذه الأحوال أشرف فلا جرم وقع القسم بها، ثم إن هذه الأرواح الشريفة العالية لا يبعد أن يكون فيها ما يكون لقوتها وشرفها يظهر منها آثار في أحوال هذا العالم فهي {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } أليس أن الإنسان قد يرى أستاذه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها؟ أليس أن الابن قد يرى أباه في المنام فيهديه إلى كنز مدفون؟ أليس أن جالينوس قال: كنت مريضاً فعجزت عن علاج نفسي فرأيت في المنام واحداً أرشدني إلى كيفية العلاج؟ أليس أن الغزالي قال: إن الأرواح الشريفة إذا فارقت أبدانها، ثم اتفق إنسان مشابه للإنسان الأول في الروح والبدن، فإنه لا يبعد أن يحصل للنفس المفارقة تعلق بهذا البدن حتى تصير كالمعاونة للنفس المتعلقة بذلك البدن على أعمال الخير فتسمى تلك المعاونة إلهاماً؟ ونظيره في جانب النفوس الشريرة وسوسة، وهذه المعاني وإن لم تكن منقولة عن المفسرين إلا أن اللفظ محتمل لها جداً. الوجه الرابع: في تفسير هذه الكلمات الخمس أنها صفات خيل الغزاة فهي نازعات لأنها تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب وهي {ناشطات} لأنها تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، من قولهم: ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد، وهي سابحات لأنها تسبح في جريها وهي سابقات، لأنها تسبق إلى الغاية، وهي مدبرات لأمر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها مجاز لأنها من أسبابه. الوجه الخامس: وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله أن هذه صفاة الغزاة فالنازعات أيدي الغزاة يقال: للرامي نزع في قوسه، ويقال: أغرق في النزع إذا استوفى مد القوس، والناشطات السهام وهي خروجها عن أيدي الرماة ونفوذها، وكل شيء حللته فقد نشطته، ومنه نشاط الرجل وهو انبساطه وخفته، والسابحات في هذا الموضع الخيل وسبحها العدو، ويجوز أن يعني به الإبل أيضاً، والمدبرات مثل المعقبات، والمراد أنه يأتي في أدبار هذا الفعل الذي هو نزع السهام وسبح الخيل وسبقها الأمر الذي هو النصر، ولفظ التأنيث إنما كان لأن هؤلاء جماعات، كما قيل: المدبرات، ويحتمل أن يكون المراد الآلة من القوس والأوهاق، على معنى المنزوع فيها والمنشوط بها. الوجه السادس: أنه يمكن تفسير هذه الكلمات بالمراتب الواقعة في رجوع القلب من غير الله تعالى إلى الله {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً } هي الأرواح التي تنزع إلى اعتلاق العروة الوثقى، أو المنزوعة عن محبة غير الله تعالى: {وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } هي أنها بعد الرجوع عن الجسمانيات تأخذ في المجاهدة، والتخلق بأخلاق الله سبحانه وتعالى بنشاط تام، وقوة قوية: {وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً } ثم إنها بعد المجاهدة تسرح في أمر الملكوت فتقطع في تلك البحار فتسبح فيها: {فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً } إشارة إلى تفاوت الأرواح في درجات سيرها إلى الله تعالى: {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } إشارة إلى أن آخر مراتب البشرية متصلة بأول درجات الملكية، فلما انتهت الأرواح البشرية إلى أقصى غاياتها وهي مرتبة السبق اتصلت بعالم الملائكة وهو المراد من قوله: {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } فالأربعة الأول هي المراد من قوله: {أية : يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيء } تفسير : [النور: 35] والخامسة: هي النار في قوله: {أية : وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ }تفسير : [النور: 35]. واعلم أن الوجوه المنقولة عن المفسرين غير منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصاً، حتى لا يمكن الزيادة عليها، بل إنما ذكروها لكون اللفظ محتملاً لها، فإذا كان احتمال اللفظ لما ذكرناه ليس دون احتماله للوجوه التي ذكروها لم يكن ما ذكروه أولى مما ذكرناه إلا أنه لا بد ههنا من دقيقة، وهو أن اللفظ محتمل للكل، فإن وجدنا بين هذه المعاني مفهوماً واحداً مشتركاً حملنا اللفظ على ذلك المشترك: وحينئذ يندرج تحته جميع هذه الوجوه. أما إذا لم يكن بين هذه المفهومات قدر مشترك تعذر حمل اللفظ على الكل، لأن اللفظ المشترك لا يجوز استعماله لإفادة مفهومية معاً، فحينذ لا نقول مراد الله تعالى هذا، بل نقول: يحتمل أن يكون هذا هو المراد، أما الجزم فلا سبيل إليه ههنا. الاحتمال الثاني: وهو أن تكون الألفاظ الخمسة صفات لشيء واحد، بل لأشياء مختلفة، ففيه أيضاً وجوه الأول: النازعات غرقاً، هي: القسى، والناشطات نشطاً هي الأوهاق، والسابحات السفن، والسابقات الخيل، والمدبرات الملائكة، رواه واصل بن السائب: عن عطاء الثاني: نقل عن مجاهد: في النازعات، والناشطات، والسابحات أنها الموت، وفي السابقات، والمدبرات أنها الملائكة، وإضافة النزع، والنشط، والسبح إلى الموت مجاز بمعنى أنها حصلت عند حصوله الثالث: قال قتادة: الجميع هي النجوم إلا المدبرات، فإنها هي الملائكة. المسألة الثانية: ذكر فالسابقات بالفاء، والتي قبلها بالواو، وفي علته وجهان الأول: قال صاحب «الكشاف»: إن هذه مسيبة عن التي قبلها، كأنه قيل: واللاتي سبحن، فسبقن كما تقول: قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سبباً للذهاب، ولو قلت: قام وذهب لم تجعل القيام سبباً للذهاب، قال الواحدي: قول صاحب «النظم» غير مطرد في قوله: {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } لأنه يبعد أن يجعل السبق سبباً للتدبير، وأقول: يمكن الجواب عن اعتراض الواحدي رحمه الله من وجهين: الأول: لا يبعد أن يقال: إنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيرها وإصلاحها، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض، كقولك قام زيد، فذهب، فضرب عمراً، الثاني: لا يبعد أن يقال: إنهم لما كانوا سابقين في أداء الطاعات متسارعين إليها ظهرت أمانتهم، فلهذا السبب فوض الله إليهم تدبير بعض العالم الوجه الثاني: أن الملائكة قسمان، الرؤساء والتلامذة، والدليل عليه أنه سبحانه وتعالى قال: {أية : قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ }تفسير : [السجدة: 11] ثم قال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا }تفسير : [الأنعام: 61] فقلنا في التوفيق بين الآيتين: أن ملك الموت هو الرأس، والرئيس وسائر الملائكة هم التلامذة، إذا عرفت هذا فتقول: النازعات، والناشطات والسابحات، محمولة على التلامذة الذين هم يباشرون العمل بأنفسهم، ثم قوله تعالى: {فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ... فَٱلْمُدَبّرٰتِ } إشارة إلى الرؤساء الذين هم السابقون، في الدرجة والشرف، وهم المدبرون لتلك الأحوال والأعمال.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً}: أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها، على أن القيامة حقٌّ. و «النازعاتِ»: الملائكة التي تنزِع أرواحَ الكفار؛ قاله عليّ رضي الله عنه، وكذا قال ابن مسعود وٱبن عباس ومسروق ومجاهد: هي الملائكة تَنْزِع نفوس بني آدم. قال ٱبن مسعود: يريد أنفسَ الكُفار يَنْزِعها ملك الموت من أجسادهم، من تحت كل شعرة، ومن تحت الأظافير وأصول القدمين نَزْعاً كالسَّفُّود يُنزَع من الصُّوف الرَّطْب، ثم يغرِقها، أي يرجعها في أجسادهم، ثم ينزِعها؛ فهذا عمله بالكفار. وقاله ٱبن عباس. وقال سعيد بن جبير: نُزِعت أرواحهم، ثم غرقت، ثم حُرِقت؛ ثم قُذِف بها في النار. وقيل: يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنها تغرَق. وقال السُّدِّيّ: و «النازِعاتِ» هي النفوس حين تَغْرَق في الصدور. مجاهد: هي الموت ينزِع النفوس. الحسن وقتادة: هي النجومُ تنزِع من أفق إلى أفق؛ أي تذهب، من قولهم: نَزَع إليه أي ذهب، أو من قولهم: نَزَعَت الخيل أي جرت. {غَرْقاً} أي إنها تغرقَ وتغيب وتطلُع من أفق إلى أفق آخر. وقاله أبو عُبيدة وٱبن كَيسان والأخفش. وقيل: النازعات القِسِيّ تنزِع بالسّهام؛ قاله عطاء وعِكْرمة. و «غَرْقا» بمعنى إغراقاً؛ وإغراق النازع في القوس أن يبلغ غاية المدّ، حتى ينتهي إلى النصل. يقال: أغرق في القوس أي ٱستوفى مدّها، وذلك بأن تنتهي إلى العَقَب الذي عند النصل الملفوف عليه. والاستغراق الاستيعاب. ويقال لقشرة البيضة الداخلة: «غِرقِىء». وقيل: هم الغُزاة الرُّماة. قلت: هو والذي قبله سواء؛ لأنه إذا أقسم بالقِسِيّ فالمراد النازعون بها تعظيماً لها؛ وهو مثل قوله تعالى: { أية : وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً } تفسير : [العاديات: 1] والله أعلم. وأراد بالإغراق: المبالغة في النزع وهو سائغ في جميع وجوه تأويلها. وقيل: هي الوحش تنزِع من الكلأ وتنفر. حكاه يحيى بن سلام. ومعنى «غرقا» أي إبعاداً في النزع. قوله تعالى: {وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} قال ٱبن عباس: يعني الملائكة تنِشط نفس المؤمن، فتقبضها كما يُنْشَط العِقال من يد البعير: إذا حُلَّ عنه. وحكى هذا القول الفراء ثم قال: والذي سمعت من العرب أن يقولوا أُنِشطت وكأنما أُنِشط من عِقال. ورَبْطها نَشْطُها والرابط الناشط، وإذا ربطت الحبل في يد البعير فقد نَشطْته، فأنت ناشط، وإذا حللته فقد أنشطته وأنت مُنْشِط. وعن ٱبن عباس أيضاً: هي أنفس المؤمنين عند الموت تَنْشَط للخروج؛ وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت إلا وتُعرض عليه الجنة قبل أن يموت، فيرى فيها ما أعدّ الله له من أزواجه وأهله من الحور العين، فهم يدعونه إليها، فنفسه إليهم نِشطَه أن تخرج فتأتيهم. وعنه أيضاً قال: يعني أنفس الكفار والمنافقين تنْشط كما ينشَط العقب، الذي يعقب به السهم. والعقَب بالتحريك: العصب الذي تعمل منه الأوتار، الواحدة عَقَبة؛ تقول منه: عَقَبَ السهم والقدح والقوس عَقْباً: إذا لوى شيئاً منه عليه. والنشط: الجذب بسرعة، ومنه الأنشوطة: عقدة يسهل ٱنحلالها إذا جِذبت مثل عقدة التكة. وقال أبو زيد: نشطت الحبل أَنِشطه نَشْطاً: عقدته بأنشوطة، وأَنشطته أي حللته، وأَنشطْت الحبل أي مددته حتى ينحلّ. وقال الفراء: أُنِشط العقال أي حُلّ، ونُشِط: أي رَبط الحبل في يديه. وقال الليث: أنشطته بأُنشوطة وأُنشوطتين أي أوثقته، وأُنشطت العِقال: أي مددت أُنشوطته فٱنحلت. قال: ويقال نشط بمعنى أَنشط، لغتان بمعنى؛ وعليه يصح قول ٱبن عباس المذكور أوّلاً. وعنه أيضاً: الناشطات الملائكة لنشاطها، تذهب وتجيء بأمر الله حيثما كان. وعنه أيضاً وعن عليّ رضي الله عنهما: هي الملائكة تنِشط أرواح الكفار، ما بين الجلد والأظفار، حتى تخرجها من أجوافهم نَشْطاً بالكَرْب والغمّ، كما تَنْشِط الصوف من سَفُّود الحديد، وهي من النَّشْط بمعنى الجذب؛ يقال: نَشَطْت الدلو أَنِشطُها بالكسر، وأَنشُطها بالضم: أي نزعتها. قال الأصمعي: بئر أنشاط: أي قريبة القعر، تخرج الدلو منها بجذبة واحدة. وبئر نَشوط؛ قال: وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى تُنْشَط كثيراً. وقال مجاهد: هو الموت يَنْشِط نفس الإنسان. السُّدي: هي النفوس حين تنِشط من القدمين. وقيل: النازعات: أيدي الغُزاة أو أنفسهم، تنزع القِسِيّ بإغراق السهام، وهي التي تَنِشْط الأوهاق. عِكرمة وعطاء: هي الأوهاق تَنْشِط السهام. وعن عطاء أيضاً وقتادة والحسن والأخفش: هي النجوم تنِشط من أفق إلى أفق: أي تذهب. وكذا في الصحاح. «والناشِطاتِ نشطا» يعني النجوم من بُرْج إلى برج، كالثور الناشط من بلد إلى بلد. والهموم تنِشط بصاحبها؛ قال هِميان بن قُحافة: شعر : أَمْسَت همومِي تنِشط المناشِطَا الشامَ بِي طوراً وطوراً واسِطَا تفسير : أبو عبيدة وعطاء أيضاً: الناشطات: هي الوحش حين تنِشطُ من بلد إلى بلد، كما أن الهموم تنِشطُ الإنسان من بلد إلى بلد؛ وأنشد قول هِميان:شعر : أمسـت همومـي... البيت تفسير : وقيل: {وَٱلنَّازِعَاتِ} للكافرين {وَٱلنَّاشِطَاتِ} للمؤمنين، فالملائكة يجذبون رُوح المؤمن برفق، والنزع جذب بشدة، والنشط جذب بِرِفق. وقيل: هما جميعاً للكفار والآيتان بعدهما للمؤمنين عند فراق الدنيا. قوله تعالى: {وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً} قال عليّ رضي الله عنه: هي الملائكة تسبَح بأرواح المؤمنين. الكلبي: هي الملائكة تقبض أرواح المؤمنين، كالذي يسبح في الماء، فأحياناً ينغمس وأحياناً يرتفع، يُسلونها سَلاًّ رفيقاً بسهولة، ثم يدعونها حتى تستريح. وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله؛ كما يقال للفرس الجواد سابح: إذا أسرع في جريه. وعن مجاهد أيضاً: الملائكة تسبح في نزولها وصعودها. وعنه أيضاً: السابحات: الموت يسبح في أنفس بني آدم. وقيل: هي الخيل الغزاة؛ قال عنترة: شعر : والخيلُ تعلَمُ حين تَسْبَحُ في حِياض الموت سَبْحا تفسير : وقال ٱمرؤ القيس: شعر : مِسَحَّ إذا ما السابحاتُ على الوَنَى أَثَرْنَ غُباراً بالكَديد المُرَكَّلِ تفسير : قتادة والحسن: هي النجوم تسبح في أفلاكها، وكذا الشمس والقمر؛ قال الله تعالى: { أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }. تفسير : [الأنبياء: 33] عطاء: هي السُّفن تسبح في الماء. ٱبن عباس: السابحات أرواح المؤمنين تسبح شوقاً إلى لقاء الله ورحمته حين تخرج. قوله تعالى: {فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً} قال عليّ رضي الله عنه: هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء عليهم السلام. وقاله مسروق ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً وأبي رَوْق: هي الملائكة سبقت ٱبن آدم بالخير والعمل الصالح. وقيل: تسبق بني آدم إلى العمل الصالح فتكتبه. وعن مجاهد أيضاً: الموت يسبق الإنسان. مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. ٱبن مسعود: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقْبضونها وقد عاينِت السرور، شوقاً إلى لقاء الله تعالى ورحمته. ونحوه عن الربيع، قال: هي النفوس تسبق بالخروج عند الموت. وقال قتادة والحسن ومعمر: هي النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير. عطاء: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد. وقيل: يحتمل أن تكون السابقات ما تسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار؛ قاله الماوردي. وقال الجُرجانيّ: ذكر «فالسابقات» بالفاء لأنها مشتقة من التي قبلها؛ أي واللائي يسبحن فيسبقن، تقول: قام فذهب؛ فهذا يوجب أن يكون القيام سبباً للذهاب، ولو قلت: قام وذهب، لم يكن القيام سبباً للذهاب. قوله تعالى: {فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} قال القُشَيريّ: أجمعوا على أن المراد الملائكة. وقال الماوردي: فيه قولان: أحدهما الملائكة؛ قاله الجمهور. والقول الثاني هي الكواكب السبعة. حكاه خالد بن مَعْدان عن مُعاذ بن جبل. وفي تدبيرها الأمرر وجهان: أحدهما تدبير طلوعها وأفولها. الثاني تدبيرها ما قضاه الله تعالى فيها من تقلّب الأحوال. وحكى هذا القول أيضاً القشيري في تفسيره، وأن الله تعالى علّق كثيراً من تدبير أمر العالم بحركات النجوم، فأضيف التدبير إليها وإن كان من الله، كما يسمى الشيء باسم ما يجاوره. وعلى أن المراد بالمدبِّرات الملائكة، فتدبيرها نزولها بالحلال والحرام وتفصيله؛ قاله ٱبن عباس وقتادة وغيرهما. وهو إلى الله جل ثناؤه، ولكن لما نزلت الملائكة به سميت بذلك؛ كما قال عز وجل: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } تفسير : [الشعراء: 193] وكما قال تعالى: { أية : فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [البقرة: 97] يعني جبريل نزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل هو الذي أنزله. وروى عطاء عن ٱبن عباس: {فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}: الملائكة وُكِّلت بتدبير أحوال الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك. قال عبد الرحمن بن ساباطٍ: تدبير أمر الدنيا إلى أربعة؛ جبريل وميكائيل وملك الموت وٱسمه عزرائيل وإسرافيل، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقَطْر والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس في البر والبحر، وأما إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم، وليس من الملائكة أقرب من إسرافيل، وبينه وبين العرش مسيرة خمسائة عام. وقيل: أي وُكّلوا بأمور عرَّفهم الله بها. ومن أول السورة إلى هنا قسم أقسم الله به، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا ذلك إلا به عز وجل. وجواب القسم مضمر، كأنه قال: والنازِعات وكذا وكذا لَتُبعَثُنّ ولتحاسَبُن. أضمر لمعرفة السامعين بالمعنى؛ قاله الفراء. ويدل عليه قوله تعالى: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} ألست ترى أنه كالجواب لقولهم: «أئِذا كنا عِظاما نَخِرةً» نُبْعَث؟ فاكتفي بقوله: «ائِذا كنا عِظاماً نخِرةً»؟ وقال قوم: وقع القسم على قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} وهذا ٱختيار التِّرمذي ابن عليّ. أي فيما قصصت من ذكر يوم القيامة وذكر موسى وفرعون «لعِبرة لمِن يخشى» ولكنّ وَقْع القسم على ما في السورة مذكوراً ظاهراً بارزاً أَحْرى وأقمن من أن يؤتى بشيء ليس بمذكور فيما قال ٱبن الأنباريّ: وهذا قبيح، لأن الكلام قد طال فيما بينهما. وقيل: جواب القسم «هل أتاك حدِيث موسى» لأن المعنى قد أتاك. وقيل: الجواب {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} على تقدير ليَوم ترجُف، فحذف اللام. وقيل: فيه تقديم وتأخير، وتقديره يوم ترجُف الراجفة وتتبعها الرادفة والنازعات غرقاً. وقال السجستاني: يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير، كأنه قال: فإذا هم بالساهرة والنازعات. ٱبن الأنباريّ: وهذا خطأ؛ لأن الفاء لا يُفْتح بها الكلام، والأوّل الوجْه. وقيل: إنما وقع القسم على أن قلوب أهل النار تجفّ، وأبصارهم تخشع، فانتصاب «يومَ ترجُف الراجفة» على هذا المعنى، ولكن لم يقع عليه. قال الزجاج: أي قلوب واجفة يوم ترجُف. وقيل: ٱنتصب بإضمار ٱذكر. و «ترجُف» أي تضطرب. والراجفة: أي المضطربة كذا قال عبد الرحمن بن زيد؛ قال: هي الأرض، والرادِفة الساعة. مجاهد: الراجفة الزلزلة {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} الصيْحة. وعنه أيضاً وٱبن عباس والحسن وقتادة: هما الصيحتان. أي النفختان. أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى، وأما الثانية فتحي كل شيء بإذن الله تعالى. وجاء في الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : بينهما أربعون سنة » تفسير : وقال مجاهد أيضاً: الرادفة حين تنشق السماء وتُحمل الأرضُ والجبال فتدك دكة واحدة، وذلك بعد الزلزلة. وقيل: «الراجفة تَحرُّك الأرض، والرادفة زلزلة أخرى تفني الأَرَضين». فالله أعلم. وقد مضى في آخر «النمل» ما فيه كفاية في النفخ في الصور. وأصل الرجفة الحركة، قال الله تعالى: { أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [المزمل: 14] وليست الرجفة ها هنا من الحركة فقط، بل من قولهم: رجَف الرعد يرجُف رَجْفاً ورَجيفاً: أي أظهر الصوتَ والحركةَ، ومنه سميت الأراجيف، لاضطراب الأصوات بها، وإفاضة الناس فيها؛ قال: شعر : أبِالأراجِيف يابن اللومِ تُوعِدنِي وفِي الأَرَاجِيف خِلتُ اللؤمَ والخوَرَا تفسير : وعن أُبيّ بن كعب. « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب ربع الليل قام ثم قال: «يٰأيها الناس ٱذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» »تفسير : . {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} أي خائفة وجلة؛ قاله ٱبن عباس وعليه عامة المفسرين. وقال السُّدِّي: زائلة عن أماكنها. نظيره { أية : إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ }. تفسير : [غافر: 18] وقال المؤرِّخ: قلقة مُسْتَوْفِزة، مرتكضة غير ساكنة. وقال المبرد: مضطربة. والمعنى متقارب، والمراد قلوب الكفار؛ يقال وجَفَ القلب يجِف وجِيفا إذا خَفَق، كما يقال: وجَب يَجِب وَجيبا، ومنه وجيف الفرس والناقة في العدو، والإيجاف حمل الدابة على السير السريع، قال: شعر : بُدِّلْنَ بعد جهرةٍ صَرِيفَا وبعد طولِ النَّفَسِ الوجِيفا تفسير : و«قلوب» رفع بالابتداء و «واجِفة» صفتها. و {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} خبرها؛ مثل قوله { أية : وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ } تفسير : [البقرة: 221] ومعنى «خاشِعة» منكسرة ذليلة من هول ما ترى. نظيره: { أية : خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } تفسير : [القلم: 43] والمعنى أبصار أصحابها، فحذف المضاف. {يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ} أي يقول هؤلاء المكذبون المنكرون للبعث، إذا قيل لهم إنكم تبعثون، قالوا منكرين متعجبين: أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟ وهو كقولهم: { أية : أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } تفسير : [الإسراء: 49] يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته، أي رجع من حيث جاء؛ قاله قتادة. وأنشد ٱبن الأعرابي: شعر : أحافِرةً على صَلَع وشَيْبٍ مَعَاذ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وعارِ تفسير : يقول: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغَزَل والصِّبا بعد أن شِبت وصَلِعت! ويقال: رجع على حافرته: أي الطريق الذي جاء منه. وقولهم في المثل: النقدُ عند الحافرة. قال يعقوب: أي عند أوّل كلمة. ويقال: ٱلتقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة. أي عند أوّل ما ٱلتقوا. وقيل: الحافرة العاجلة؛ أي أئنا لمردودون إلى الدنيا فنصير أحياء كما كنا؟ قال الشاعر: شعر : آليتُ لا أَنساكُمُ فٱعَلُموا حَتَّى يُردَّ الناسُ في الحافِرهْ تفسير : وقيل: الحافرة: الأرض التي تُحْفَر فيها قبورُهم، فهي بمعنى المحفورة؛ كقوله تعالى: { أية : مَّآءٍ دَافِقٍ } تفسير : [الطارق: 6] و « أية : عِيشةٍ راضِيةٍ » تفسير : [الحاقة: 21] والمعنى أئنا لمردودون في قبورنا أَحْياء. قاله مجاهد والخليل والفرّاء. وقيل: سميت الأرض الحافرة؛ لأنها مستقرّ الحوافر، كما سميت القدم أرضاً؛ لأنها على الأرض. والمعنى أئنا لراجعون بعد الموت إلى الأرض فنمشِي على أقدامنا. وقال ٱبن زيد: الحافرة: النار، وقرأ {تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}. وقال مقاتل وزيد بن أسلم: هي ٱسم من أسماء النار. وقال ٱبن عباس: الحافِرة في كلام العرب: الدنيا. وقرأ أبو حَيْوة: «الحَفِرِة» بغير ألف، مقصور من الحافر. وقيل: الحفِرة: الأرض المنتنة بأجساد موتاها؛ من قولهم: حَفِرت أسنانُه، إذا ركبها الوسخ من ظاهرها وباطنها. يقال: في أسنانه حَفَر، وقد حَفَرت تحفِر حَفْرا، مثل كسر يكسِر كسرا إذا فسدت أصولها. وبنو أسد يقولون: في أسنانه حَفَر بالتحريك. وقد حفِرت مثال تعِب تعبا، وهي أردا اللغتين؛ قاله في الصحاح. {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} أي بالية متفتتِّةً. يقال: نخِرَ العظم بالكسر: أي بلِى وتفتت؛ يقال: عظام نخِرة. وكذا قرأ الجمهور من أهل المدينة ومكة والشام والبصرة، وٱختاره أبو عُبيد؛ لأن الآثار التي تذكر فيها العظام، نظرنا فيها فرأينا نخِرة لا ناخرة. وقرأ أبو عمرو وٱبنه عبد الله وٱبن عباس وٱبن مسعود وٱبن الزبير وحمزة والكسائي وأبو بكر «ناخِرة» بألف، وٱختاره الفرّاء والطَبريّ وأبو معاذ النحويّ؛ لِوِفاق رؤوس الآي. وفي الصحاح: والناخِر من العظام التي تدخل الريح فيه ثم تخرج منه ولها نَخِير. ويقال: ما بها ناخر، أي ما بها أحد. حكاه يعقوب عن الباهليّ. وقال أبو عمرو بن العلاء: الناخرة التي لم تنخر بعد، أي لم تبل ولا بدّ أن تنخر. وقيل: الناخر المُجَوَّفة. وقيل: هما لغتان بمعنى؛ كذلك تقول العرب: نخِر الشيء فهو نخِر وناخِر؛ كقولهم: طمِع فهو طمِع وطامِع، وحذِرٌ وحاذِر، وبخِلٌ وباخِل، رفَرِه وفارِه؛ قال الشاعر: شعر : يظَلّ بِها الشيخُ الذِي كان بادِنا يَدِب على عُوجٍ له نَخِراتِ تفسير : عُوج: يعني قوائم. وفي بعض التفسير: ناخرة بالألف: بالِية؛ ونخِرة: تنخر فيها الريح أي تمر فيها، على عكس الأوّل؛ قال: شعر : مِـن بعـدِ ما صِـرتُ عِظامـا ناخِـرهْ تفسير : وقال بعضهم: الناخرة: التي أُكِلت أطرافها وبقيت أوساطها. والنخرة: التي فسدت كلها. قال مجاهد: نخرة أي مرفوتة؛ كما قال تعالى: { أية : عِظَاماً وَرُفَاتاً } تفسير : [الإسراء: 49] ونُخْرة الريح بالضم: شدّة هبوبها. والنُّخْرة أيضاً والنُّخَرة مثال الهُمَزِة: مقدم أنف الفرس والحمار والخنزير؛ يقال: هشم نُخْرَته: أي أنفه. {قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} أي رَجْعة خائبة، كاذبة باطلة، أي ليست كائبه؛ قاله الحسن وغيره. الربيع بن أنس: «خاسِرة» على من كذب بها. وقيل: أي هي كرة خُسران. والمعنى أهلها خاسرون؛ كما يقال: تجارة رابحة أي يربح صاحبها. ولا شيء أخسر من كَرَّة تقتضي المصير إلى النار. وقال قتادة ومحمد بن كعب: أي لئن رجعنا أحياء بعد الموت لنحْشَرَنّ بالنار، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار. والكر: الرجوع؛ يقال: كره، وكر بنفسه، يتعدى ولا يتعدى. والكرة: المرة، والجمع الكرات. {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} ذكر جل ثناؤه سهولة البعث عليه فقال: «فإنما هِي زَجْرة واحدة». ورَوى الضحاك عن ٱبن عباس قال: نفخة واحدة {فَإِذَا هُم} أي الخلائق أجمعون {بِٱلسَّاهِرَةِ} أي على وجه الأرض، بعد ما كانوا في بطنها. قال الفرّاء: سميت بهذا الاسم؛ لأن فيها نَوم الحيوان وسهرهم. والعرب تسمى الفلاة ووجه الأرض ساهِرة، بمعنى ذاتِ سَهَر؛ لأنه يُسْهَر فيها خوفاً منها، فوصفها بصفة ما فيها؛ وٱستدل ٱبن عباس والمفسرون بقول أمية بن أبي الصَّلْت: شعر : وفيها لحمُ ساهِرةٍ وبحرٌ وما فاهوا بِهِ لَهمُ مُقِيمُ تفسير : وقال آخر يوم ذي قارٍ لفرسه: شعر : أَقدم مَحَاجِ إِنها الأَساوِرهْ ولا يَهُولَنَّكَ رِجْل نادِرهْ فإنما قَصْرُك تُربُ الساهِرهْ ثم تعودُ بعدَها في الحافِرهْ مِن بعـدِ ما صِرت عِظامـا ناخِـرَهْ تفسير : وفي الصحاح. ويقال: الساهور: ظِل الساهِرة، وهي وجه الأرض. ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ}، قال أبو كبير الهذليّ: شعر : يَرتَدْنَ ساهِرةً كانّ جمِيمَها وعمِيمَها أَسْداف ليلٍ مُظلِم تفسير : ويقال: الساهور: كالغِلاف للقمر يدخُل فيه إذا كُسِف، وأنشدوا قول أمية بن أبي الصَّلْت: شعر : قَمـر وساهورٌ يُسَـلّ ويُغْمَـدُ تفسير : وأنشدوا لآخَر في وصف ٱمرأة: شعر : كأنها عِرقُ سامٍ عِند ضارِبِهِ أَوْ شُقةٌ خرجَتْ مِن جوفِ ساهورِ تفسير : يريد شُقَّة القمر. وقيل: الساهرة: هي الأرض البيضاء. ورَوى الضحاك عن ٱبن عباس قال: أرض من فِضة لم يعص الله جل ثناؤه عليها قط خلقها حينئذ. وقيل: أرض جددها الله يوم القيامة. وقيل: الساهرة ٱسم الأرض السابعة يأتي بها الله تعالى فيحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض. وقال الثوري: الساهرة: أرض الشام. وهب بن منبه: جبل بيت المقدس. عثمان بن أبي العاتكة: إنه ٱسم مكان من الأرض بعينه، بالشام، وهو الصقع الذي بين جبل أريحاء وجبل حسان يمده الله كيف يشاء. قتادة: هي جهنم أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم. وإنما قيل لها ساهرة؛ لأنهم لا ينامون عليها حينئذ. وقيل: الساهرة: بمعنى الصحراء على شفير جهنم؛ أي يوقفون بأرض القيامة، فيدوم السهر حينئذ. ويقال: الساهرة: الأرض البيضاء المستوية سميت، بذلك، لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة: جارية الماء، وفي ضدها: نائمة؛ قال الأشعث بن قيس: شعر : وساهرة يُصْحِي السرابُ مُجَلِّلاً لاًّقطارِها قد جئْتُها متلثِّما تفسير : أو لأن سالكها لا ينام خَوف الهَلَكة.

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها خمس أو ست وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً } {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً }. هذه صفات ملائكة الموت فإنهم ينزعون أرواح الكفار من أبدانهم غرقاً أي إغراقاً في النزع، فإنهم ينزعونها من أقاصي الأبدان، أو نفوساً غرقت في الأجساد وينشطون أي يخرجون أرواح المؤمنين برفق من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، ويسبحون في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج الشيء من أعماق البحر، فيسبقون بأرواح الكفار إلى النار وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، فيدبرون أمر عقابها وثوابها بأن يهيئوها لإدراك ما أعد لها من الآلام واللذات، أو الأوليان لهم والباقيات لطوائف من الملائكة يسبحون في مضيها أي يسرعون فيه فيسبقون إلى ما أمروا به فيدبرون أمره، أو صفات النجوم فإنها تنزع من المشرق إلى المغرب غرقاً في النزع بأن تقطع الفلك حتى تنحط في أقصى الغرب، وتنشط من برج إلى برج أي تخرج من نشط الثور إذا خرج من بلد إلى بلد، ويسبحن في الفلك فيسبق بعضها في السير لكونه أسرع حركة فيدبر أمراً نيط بها، كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات، ولما كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسرية وحركاتها من برج إلى برج ملائمة سمى الأولى نزعاً والثانية نشطاً، أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقاً أي نزعاً شديداً من إغراق النازع في القوس، وتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيها فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات، أو حال سلوكها فإنها تنزع عن الشهوات فتنشط إلى عالم القدس، فتسبح في مراتب الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات، أو صفات أنفس الغزاة، أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام وينشطون بالسهم للرمي ويسبحون في البر والبحر فيسبقون إلى حرب العدو فيدبرون أمرها، أو صفات خيلهم فإنها تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها وتخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر، وتسبح في حربها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر. أقسم الله تعالى بها على قيام الساعة وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه. {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ } وهو منصوب به والمراد بـ {ٱلرَّاجِفَةُ } الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ كالأرض والجبال لقوله تعالى:{يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ} أو الواقعة التي ترجف الأجرام عندها وهي النفخة الأولى. {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ } التابعة وهي السماء والكواكب تنشق وتنشر، أو النفخة الثانية. والجملة في موقع الحال. {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } شديدة الاضطراب من الوجيف وهي صفة القلوب والخبر: {أَبْصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةٌ } أي أبصار أصحابها ذليلة من الخوف ولذلك أضافها إلى القلوب. {يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَـٰفِرَةِ } في الحالة الأولى يعنون الحياة بعد الموت من قولهم رجع فلان في حافرته أي طريقه التي جاء فيها، فحفرها أي أثر فيها بمشيه على النسبة كقوله تعالى: {أية : فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [القارعة: 7] أو تشبيه القائل بالفاعل وقرىء «في الحفرة» بمعنى المحفورة يقال حفرت أسنانه فحفرت حفراً وهي حفرة. {أَئِذَا كُنَّا } وقرأ نافع وابن عامر والكسائي {إِذَا كُنَّا } على الخبر. {عِظَـٰماً نَاخِرَةً } بالية وقرأ الحجازيان والشامي وحفص وروح «نَّخِرَةً» وهي أبلغ.

ابن كثير

تفسير : قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير وأبو صالح وأبو الضحى والسدي: { وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً}: الملائكة، يعنون: حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر، فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة، وكأنما حلته من نشاط، وهو قوله: { وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً} قاله ابن عباس، وعن ابن عباس: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ} هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط، ثم تغرق في النار، رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد: { وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً}: الموت، وقال الحسن وقتادة: { وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } هي النجوم، وقال عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ} {وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ} هي القسي في القتال. والصحيح الأول، وعليه الأكثرون. وأما قوله تعالى: { وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً} فقال ابن مسعود: هي الملائكة، وروي عن علي ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح مثل ذلك، وعن مجاهد: { وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً}: الموت، وقال قتادة: هي النجوم، وقال عطاء بن أبي رباح، هي السفن. وقوله تعالى: { فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً} روي عن علي ومسروق ومجاهد وأبي صالح والحسن البصري، يعني: الملائكة، قال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق به. وعن مجاهد: الموت. وقال قتادة: هي النجوم، وقال عطاء: هي الخيل في سبيل الله. وقوله تعالى: { فَٱلْمُدَبِّرَٰتِ أَمْراً} قال علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي: هي الملائكة، زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض، يعني: بأمر ربها عز وجل، ولم يختلفوا في هذا، ولم يقطع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك، إلا أنه حكى في المدبرات أمراً: أنها الملائكة، ولا أثبت ولا نفى. وقوله تعالى: { يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ } قال ابن عباس: هما النفختان الأولى والثانية، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغير واحد، وعن مجاهد: أما الأولى، وهي قوله جل وعلا: { يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} فكقوله جلت عظمته: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ} تفسير : [المزمل: 14] والثانية، وهي الرادفة، فهي كقوله: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً} تفسير : [الحاقة: 14] وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك، قال: «حديث : إذاً يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك» تفسير : وقد روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري بإسناده مثله، ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل، قام فقال: «حديث : يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه»تفسير : وقوله تعالى: { قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} قال ابن عباس: يعني: خائفة، وكذا قال مجاهد وقتادة. { أَبْصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةٌ} أي: أبصار أصحابها وإنما أضيف إليها للملابسة، أي: ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال. وقوله تعالى: { يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَـٰفِرَةِ} يعني: مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعاد؛ يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة، وهي القبور، قاله مجاهد، وبعد تمزق أجسادهم، وتفتت عظامهم ونخورها، ولهذا قالوا: { أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰماً نَّخِرَةً} وقرىء: (ناخرة) وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: أي: بالية، قال ابن عباس: وهو العظم إذا بلي ودخلت الريح فيه { قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَـٰسِرَةٌ} وعن ابن عباس ومحمد بن كعب وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والسدي وقتادة: الحافرة: الحياة بعد الموت، وقال ابن زيد: الحافرة: النار، وما أكثر أسماءها هي النار والجحيم وسقر وجهنم والهاوية والحافرة ولظى والحطمة، وأما قولهم: {تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَـٰسِرَةٌ} فقال محمد بن كعب: قالت قريش: لئن أحيانا الله بعد أن نموت، لنخسرن، قال الله تعالى: { فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ } أي: فإنما هو أمر من الله لا مثنوية فيه ولا تأكيد، فإذا الناس قيام ينظرون، وهو أن يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الرب عز وجل ينظرون، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر: 50] وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [النحل: 77]. قال مجاهد: {فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ}: صيحة واحدة. وقال إبراهيم التيمي: أشد ما يكون الرب عز وجل غضباً على خلقه يوم يبعثهم، وقال الحسن البصري: زجرة من الغضب، وقال أبو مالك والربيع بن أنس: زجرة واحدة: هي النفخة الآخرة. وقوله تعالى: { فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} قال ابن عباس: الساهرة: الأرض كلها، وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وأبو صالح، وقال عكرمة والحسن والضحاك وابن زيد: الساهرة: وجه الأرض، وقال مجاهد: كانوا بأسفلها، فأخرجوا إلى أعلاها، قال: والساهرة: المكان المستوي، وقال الثوري: الساهرة: أرض الشام، وقال عثمان بن أبي العاتكة: الساهرة: أرض بيت المقدس، وقال وهب بن منبه: الساهرة: جبل إلى جانب بيت المقدس، وقال قتادة أيضاً: الساهرة: جهنم، وهذه أقوال كلها غريبة، والصحيح أنها الأرض؛ وجهها الأعلى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا خزر بن المبارك الشيخ الصالح، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي: { فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} قال: أرض بيضاء عفراء خالية كالخبزة النقي، وقال الربيع بن أنس: { فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} يقول الله عز وجل: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 48] ويقول تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً } تفسير : [طه: 106 ــــ 107] وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} تفسير : [الكهف: 47] وبرزت الأرض التي عليها الجبال، وهي لا تعد من هذه الأرض، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة، ولم يهرق عليها دم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلنَّٰزِعَٰتِ } الملائكة تنزع أرواح الكفار {غَرْقاً } نزعاً بشدّة.

الشوكاني

تفسير : أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها، وهي الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم، كما ينزع النازع في القوس، فيبلغ بها غاية المدّ، وكذا المراد: بالناشطات، والسابحات، والسابقات، والمدبرات: يعني: الملائكة، والعطف مع اتحاد الكلّ؛ لتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، كما في قول الشاعر:شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال السديّ: {النازعات} هي النفوس حين تغرق في الصدور. وقال مجاهد: هي الموت ينزع النفس. وقال قتادة: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق، من قولهم: نزع إليه إذا ذهب، أو من قولهم: نزعت بالحبل أي: إنها تغرب وتغيب وتطلع من أفق آخر. وبه قال أبو عبيدة، والأخفش، وابن كيسان. وقال عطاء، وعكرمة: النازعات القسي تنزع بالسهام، وإغراق النازع في القوس أن يمدّه غاية المدّ حتى ينتهي به إلى النصل. وقال يحيـى بن سلام: تنزع بين الكلأ وتنفر، وقيل: أراد بالنازعات الغزاة الرماة، وانتصاب {غَرْقاً } على أنه مصدر بحذف الزوائد أي: إغراقاً، والناصب له ما قبله لملاقاته له في المعنى أي: إغراقاً في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد، أو على الحال أي: ذوات إغراق، يقال أغرق في الشيء يغرق فيه: إذا أوغل فيه وبلغ غايته ومعنى {الناشطات}: أنها تنشط النفوس أي: تخرجها من الأجساد، كما ينشط العقال من يد البعير، إذا حلّ عنه، ونشط الرجل الدلو من البئر: إذا أخرجها، والنشاط: الجذب بسرعة، ومنه الأنشوطة للعقدة التي يسهل حلها. قال أبو زيد: نشطت الحبل أنشطه نشطاً عقدته، وأنشطته، أي: حللته، وأنشطت الحبل، أي: مددته. قال الفراء: أنشط العقال أي: حلّ، ونشط أي: ربط الحبل في يديه. قال الأصمعي: بئر أنشاط أي: قريبة القعر يخرج الدلو منها بجذبة واحدة، وبئر نشوط، وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى ينشط كثيراً. وقال مجاهد: هو الموت ينشط نفس الإنسان. وقال السديّ: هي النفوس حين تنشط من القدمين. وقال عكرمة، وعطاء: هي الأوهاق التي تنشط السهام، وقال قتادة، والحسن، والأخفش: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق أي: تذهب. قال في الصحاح: والناشطات نشطاً: يعني: النجوم من برج إلى برج كالثور الناشط من بلد إلى بلد، والهموم تنشط بصاحبها. وقال أبو عبيدة، وقتادة: هي الوحوش حين تنشط من بلد إلى بلد. وقيل: الناشطات لأرواح المؤمنين، والنازعات لأرواح الكافرين؛ لأنها تجذب روح المؤمن برفق، وتجذب روح الكافر بعنف، وقوله: {نَشْطاً } مصدر، وكذا سبحاً وسبقاً {وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ } الملائكة تسبح في الأبدان لإخراج الروح كما يسبح الغوّاص في البحر لإخراج شيء منه، وقال مجاهد، وأبو صالح: هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله، كما يقال للفرس الجواد: سابح إذا أسرع في جريه. وقال مجاهد أيضاً: السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم. وقيل: هي الخيل السابحة في الغزو، ومنه قول عنترة:شعر : والخيل تعلم حين تسـ ـبح في حياض الموت سبحا تفسير : وقال قتادة، والحسن: هي النجوم تسبح في أفلاكها، كما في قوله: {أية : وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }تفسير : [يۤس: 40] وقال عطاء: هي السفن تسبح في الماء، وقيل: هي أرواح المؤمنين تسبح شوقاً إلى الله {فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً } هم: الملائكة على قول الجمهور كما سلف. قال مسروق، ومجاهد: تسبق الملائكة الشياطين بالوحي إلى الأنبياء. وقال أبو روق: هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير، والعمل الصالح، وروي نحوه عن مجاهد. وقال مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. وقال الربيع: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقاً إلى الله. وقال مجاهد أيضاً: هو الموت يسبق الإنسان. وقال قتادة، والحسن، ومعمر: هي النجوم يسبق بعضها في السير بعضاً. وقال عطاء: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد. وقيل: هي الأرواح التي تسبق الأجساد إلى الجنة أو النار. قال الجرجاني: عطف السابقات بالفاء، لأنها مسببة من التي قبلها، أي: واللاتي يسبحن فيسبقن. تقول قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون القيام سبباً للذهاب، ولو قلت قام وذهب بالواو لم يكن القيام سبباً للذهاب. قال الواحدي: وهذا غير مطرد في قوله: {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } لأنه يبعد أن يجعل السبق سبباً للتدبر. قال الرازي: ويمكن الجواب عما قاله الواحدي: بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض كقوله: قام زيد فذهب، ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها ظهرت أمانتهم، ففوّض إليهم التدبير. ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سبباً للتدبير كسببية السبح للسبق، والقيام للذهاب، ومجرد الاتصال لا يوجب السببية والمسببية، والأولى أن يقال: العطف بالفاء في المدبرات طوبق به ما قبله من عطف السابقات بالفاء، ولا يحتاج إلى نكتة، كما احتاج إليها ما قبله؛ لأن النكتة إنما تطلب لمخالفة اللاحق للسابق لا لمطابقته وموافقته. {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } قال القشيري: أجمعوا على أن المراد هنا: الملائكة. وقال الماوردي: فيه قولان: أحدهما الملائكة وهو قول الجمهور. والثاني أنها الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل، وفي تدبيرها الأمر وجهان: أحدهما تدبر طلوعها، وأفولها. الثاني: تدبر ما قضاه الله فيها من الأحوال. ومعنى تدبير الملائكة للأمر نزولها بالحلال والحرام، وتفصيلهما، والفاعل للتدبير في الحقيقة، وإن كان هو الله عزّ وجلّ، لكن لما نزلت الملائكة به وصفت به. وقيل: إن الملائكة لما أمرت بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قيل لها: مدبرات. قال عبد الرحمٰن بن ساباط: تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة: جبريل، وميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل، فأما جبريل، فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل، فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل، فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل، فهو ينزل بالأمر عليهم، وجواب القسم بهذه الأمور التي أقسم الله بها محذوف أي: والنازعات، وكذا، وكذا لتبعثنّ. قال الفرّاء: وحذف لمعرفة السامعين به، ويدل عليه قوله: {أإِذَا كُنَّا عِظَـٰماً نَّخِرَةً }. وقيل: إن جواب القسم قوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَىٰ } أي: إن في يوم القيامة، وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى. قال ابن الأنباري: وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال بينهما، وقيل: جواب القسم {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ } لأن المعنى: قد أتاك، وهذا ضعيف جداً، وقيل الجواب: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ } على تقدير ليوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة. وقال السجستاني: يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير، كأنه قال: فإذا هم بالساهرة والنازعات. قال ابن الأنباري: وهذا خطأ، لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام، والأوّل أولى. {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ } انتصاب هذا الظرف بالجواب المقدّر للقسم، أو بإضمار اذكر، والراجفة المضطربة، يقال رجف يرجف: إذا اضطرب، والمراد هنا الصيحة العظيمة التي فيها تردّد واضطراب كالرعد، وهي النفخة الأولى التي يموت بها جميع الخلائق، والرادفة: النفخة الثانية التي تكون عند البعث، وسميت رادفة؛ لأنها ردفت النفخة الأولى، كذا قال جمهور المفسرين. وقال ابن زيد: الراجفة: الأرض، والرادفة: الساعة. وقال مجاهد: الرادفة: الزلزلة {تتبعها الرادفة} الصيحة، وقيل: الراجفة اضطراب الأرض، والرادفة الزلزلة، وأصل الرجفة الحركة، وليس المراد: التحرك هنا فقط، بل الراجفة هنا مأخوذة من قولهم: رجف الرعد يرجف رجفاً ورجيفاً: إذا ظهر صوته، ومنه سميت الأراجيف لاضطراب الأصوات بها، وظهور الأصوات فيها، ومنه قول الشاعر:شعر : أبا لأراجيف يا ابن اللؤم توعدني وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا تفسير : ومحل {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ }: النصب على الحال من الراجفة، والمعنى: لتبعثنّ يوم النفخة الأولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها. {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } قلوب مبتدأ، ويومئذ منصوب بواجفة، وواجفة صفة قلوب، وجملة {أَبْصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةٌ } خبر قلوب، والراجفة: المضطربة القلقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة. قال جمهور المفسرين أي: خائفة وجلة. وقال السديّ: زائلة عن أماكنها، نظيره: {أية : إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ }تفسير : [غافر: 18] وقال المؤرج: قلقة مستوفزة. وقال المبرد: مضطربة، يقال وجف القلب يجف وجيفاً: إذا خفق، كما يقال وجب يجب وجيباً، والإيجاف: السير السريع، فأصل الوجيف اضطراب القلب، ومنه قول قيس بن الخطيم:شعر : إن بني جحجبي وقومهم أكبادنا من ورائهم تجف تفسير : {أبصارها خاشعة} أي: أبصار أصحابها، فحذف المضاف، والخاشعة: الذليلة، والمراد: أنها تظهر عليهم الذلة والخضوع عند معاينة أهوال يوم القيامة، كقوله: {أية : خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلّ } تفسير : [الشورى: 45] قال عطاء: يريد أبصار من مات على غير الإسلام، ويدلّ على هذا أن السياق في منكري البعث {يَقُولُونَ أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَـٰفِرَةِ } هذا حكاية لما يقوله المنكرون للبعث إذا قيل لهم إنكم تبعثون أي: أنردّ إلى أوّل حالنا، وابتداء أمرنا، فنصير أحياء بعد موتنا، يقال: رجع فلان في حافرته، أي: رجع من حيث جاء، والحافرة عند العرب اسم لأوّل الشيء، وابتداء الأمر، ومنه قولهم رجع فلان على حافرته: أي على الطريق الذي جاء منه، ويقال اقتتل القوم عند الحافرة أي: عند أوّل ما التقوا، وسميت الطريق التي جاء منها حافرة لتأثيره فيها بمشيه فيها فهي حافرة بمعنى محفورة، ومن هذا قول الشاعر:شعر : أحافرة على صلع وشيب معاذ الله من سفه وعار تفسير : أي أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل بعد الشيب والصلع؟! وقيل الحافرة: العاجلة، والمعنى: إنا لمردودون إلى الدنيا. وقيل: الحافرة: الأرض التي تحفر فيها قبورهم، ومنه قول الشاعر:شعر : آليت لا أنساكم فاعلموا حتى يردّ الناس في الحافرة تفسير : والمعنى: إنا لمردودون في قبورنا أحياء، كذا قال الخليل، والفراء، وبه قال مجاهد. وقال ابن زيد: الحافرة: النار، واستدلّ بقوله: {تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَـٰسِرَةٌ }. قرأ الجمهور {في الحافرة} وقرأ أبو حيوة "في الحفرة". {أإِذَا كُنَّا عِظَـٰماً نَّخِرَةً } أي: بالية متفتتة. يقال: نخر العظم بالكسر: إذا بلي وهذا تأكيد لإنكار البعث أي: كيف نردّ أحياء، ونبعث إذا كنا عظاماً نخرة؟ والعامل في إذا مضمر يدلّ عليه مردودون أي: أئذا كنا عظاماً بالية نردّ ونبعث مع كونها أبعد شيء من الحياة. قرأ الجمهور: {نخرة} وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر "ناخرة"، واختار القراءة الأولى أبو عبيد، وأبو حاتم، واختار القراءة الثانية الفراء، وابن جرير، وأبو معاذ النحوي. قال أبو عمرو بن العلاء: الناخرة التي لم تنخر بعد، أي: لم تبل ولا بدّ أن تنخر. وقيل: هما بمعنى، تقول العرب: نخر الشيء، فهو ناخر ونخر، وطمع، فهو طامع وطمع ونحو ذلك. قال الأخفش: هما جميعاً لغتان أيهما قرأت فحسن. قال الشاعر:شعر : يظلّ بها الشيخ الذي كان بادنا يدبّ على عوج له نخرات تفسير : يعني: على قوائم عوج. وقيل: الناخرة التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها، والنخرة التي فسدت كلها. وقال مجاهد نخرة أي: مرفوتة، كما في قوله: {أية : رفاتاً}تفسير : [الإسراء: 49]. وقد قرىء: "إذا كنا" و{أئذا كنا} بالاستفهام، وبعدمه. ثم ذكر سبحانه عنهم قولاً آخر قالوه فقال: {قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَـٰسِرَةٌ } أي رجعة ذات خسران لما يقع على أصحابها من الخسران، والمعنى: أنهم قالوا إن رددنا بعد الموت لنخسرنّ بما يصيبنا بعد الموت مما يقوله محمد. وقيل: معنى خاسرة كاذبة أي: ليست بكائنة، كذا قال الحسن وغيره. وقال الربيع بن أنس: خاسرة على من كذب بها. وقال قتادة، ومحمد بن كعب أي: لئن رجعنا بعد الموت لنخسرنّ بالنار، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار، والكرّة: الرجعة، والجمع كرّات. وقوله: {فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ } تعليل لما يدل عليه ما تقدّم من استبعادهم لبعث العظام النخرة، وإحياء الأموات، والمعنى: لا تستبعدوا ذلك فإنما هي زجرة واحدة، وكان ذلك الإحياء، والبعث، والمراد بالزجرة الصيحة وهي النفخة الثانية التي يكون البعث بها. وقيل: إن الضمير في قوله: {إِنَّمَا هِىَ}. راجع إلى الرادفة المتقدّم ذكرها. {فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ } أي: فإذا الخلائق الذين قد ماتوا ودفنوا أحياء على وجه الأرض، قال الواحدي: المراد بالساهرة وجه الأرض، وظاهرها في قول الجميع. قال الفرّاء: سميت بهذا الاسم؛ لأن فيها نوم الحيوان، وسهرهم. وقيل: لأنه يسهر في فلاتها خوفاً منها، فسميت بذلك، ومنه قول أبي كثير الهذلي:شعر : يردون ساهرة كأنّ حميمها وغميمها أسداف ليل مظلم تفسير : وقول أمية بن أبي الصلت:شعر : وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به لهم مقيم تفسير : يريد لحم حيوان أرض ساهرة. قال في الصحاح: الساهرة وجه الأرض، ومنه قوله: {فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ }. وقال: الساهرة أرض بيضاء، وقيل: أرض من فضة لم يعص الله سبحانه فيها. وقيل: الساهرة الأرض السابعة يأتي بها الله سبحانه فيحاسب عليها الخلائق. وقال سفيان الثوري: الساهرة أرض الشام. وقال قتادة: هي جهنم، أي: فإذا هؤلاء الكفار في جهنم، وإنما قيل لها ساهرة؛ لأنهم لا ينامون فيها لاستمرار عذابهم، وجملة: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ } مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه، وأنه يصيبهم مثل ما أصاب من كان قبلهم ممن هو أقوى منهم، ومعنى {هل أتاك}: قد جاءك وبلغك، هذا على تقدير أن قد سمع من قصص فرعون وموسى ما يعرف به حديثهما، وعلى تقدير أن هذا أوّل ما نزل عليه في شأنهما، فيكون المعنى على الاستفهام أي: هل أتاك حديثه أنا أخبرك به. {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى } الظرف متعلق بـ {حديث} لا بـ {أتاك} لاختلاف وقتيهما، وقد مضى من خبر موسى وفرعون في غير موضع ما فيه كفاية، وقد تقدّم الاختلاف بين القرّاء في {طوى} في سورة طه. والواد المقدّس: المبارك المطهر. قال الفراء: {طوى} واد بين المدينة ومصر. قال: وهو معدول من طاو كما عدل عمر من عامر. قال: والصرف أحبّ إليّ إذ لم أجد في المعدول نظيراً له. وقيل: طوى معناه يا رجل بالعبرانية، فكأنه قيل يا رجل اذهب، وقيل المعنى: إن الوادي المقدّس بورك فيه مرتين، والأوّل أولى. وقد مضى تحقيق القول فيه. {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } قيل: هو على تقدير القول، وقيل: هو تفسير للنداء أي: ناداه نداء هو قوله اذهب. وقيل: هو على حذف أن المفسرة، ويؤيده قراءة ابن مسعود أن اذهب؛ لأن في النداء معنى القول، وجملة: {إِنَّهُ طَغَىٰ } تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال أي: جاوز الحدّ في العصيان، والتكبر، والكفر بالله {فَقُلْ } له {هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ } أي: قوله بعد وصولك إليه هل لك رغبة إلى التزكي وهو التطهر من الشرك، وأصله تتزكى فحذفت إحدى التاءين. قرأ الجمهور: {تزكى} بالتخفيف. وقرأ نافع، وابن كثير بتشديد الزاي على إدغام التاء في الزاي. قال أبو عمرو بن العلاء معنى قراءة التخفيف تكون زكياً مؤمناً ومعنى قراءة التشديد الصدقة، وفي الكلام مبتدأ مقدّر يتعلق به إليه، والتقدير: هل لك رغبة، أو هل لك توجه، أو هل لك سبيل إلى التزكي، ومثل هذا قولهم هل لك في الخير؟ يريدون هل لك رغبة في الخير، ومن هذا قول الشاعر:شعر : فهل لكم فيها إليّ فإنني بصير بما أعيا النطاسي جذيما تفسير : {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبّكَ فَتَخْشَىٰ } أي: أرشدك إلى عبادته وتوحيده، فتخشى عقابه، والفاء لترتيب الخشية على الهداية؛ لأن الخشية لا تكون إلاّ من مهتد راشد {فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ } هذه الفاء هي الفصيحة لإفصاحها عن كلام محذوف، يعني: فذهب فقال له ما قال مما حكاه الله في غير موضع، وأجاب عليه بما أجاب إلى أن قال: {أية : قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـئَايَةٍ فَأْتِ } تفسير : [الأعراف: 106] فعند ذلك أراه الآية الكبرى. واختلف في الآية الكبرى ما هي؟ فقيل: العصا، وقيل: يده. وقيل: فلق البحر. وقيل: هي جميع ما جاء به من الآيات التسع {فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ } أي: فلما أراه الآية الكبرى كذّب بموسى، وبما جاء به، وعصى الله عزّ وجلّ، فلم يطعه {ثُمَّ أَدْبَرَ } أي: تولى، وأعرض عن الإيمان {يَسْعَىٰ } أي: يعمل بالفساد في الأرض، ويجتهد في معارضة ما جاء به موسى، وقيل: أدبر هارباً من الحية يسعى خوفاً منها. وقال الرازي: معنى: {أَدْبَرَ يَسْعَىٰ } أقبل يسعى، كما يقال أقبل يفعل كذا أي: أنشأ يفعل كذا، فوضع أدبر موضع أقبل؛ لئلا يوصف بالإقبال. {فَحَشَرَ } أي: فجمع جنوده للقتال والمحاربة، أو جمع السحرة للمعارضة، أو جمع الناس للحضور؛ ليشاهدوا ما يقع، أو جمعهم ليمنعوه من الحية {فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } أي: قال لهم بصوت عال، أو أمر من ينادي بهذا القول. ومعنى: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلاْعْلَىٰ } أنه لا ربّ فوقي. قال عطاء: كان صنع لهم أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتها، وقال: أنا ربّ أصنامكم، وقيل: أراد بكونه ربهم أنه قائدهم وسائدهم. والأوّل أولى لقوله في آية أخرى: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } تفسير : [القصص: 38]. {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلأَخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ } النكال نعت مصدر محذوف، أي: أخذه أخذ نكال، أو هو مصدر لفعل محذوف، أي: أخذه الله، فنكله نكال الآخرة، والأولى، أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة، والمراد بنكال الآخرة عذاب النار، ونكال الأولى عذاب الدنيا بالغرق. وقال مجاهد: عذاب أوّل عمره وآخره. وقال قتادة: الآخرة. قوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأعْلَىٰ } والأولى: تكذيبه لموسى. وقيل: الآخرة. قوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلاْعْلَىٰ } والأولى: قوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى}تفسير : [القصص: 38] وكان بين الكلمتين أربعون سنة، ويجوز أن يكون انتصاب نكال على أنه مفعول له أي: أخذه الله لأجل نكال، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض أي: بنكال. ورجح الزجاج أنه مصدر مؤكد، قال: لأن معنى أخذه الله: نكل الله به، فأخرج من معناه لا من لفظه. وقال الفرّاء أي: أخذه الله أخذاً نكالاً أي: للنكال، والنكال اسم لما جعل نكالاً للغير أي: عقوبة له، يقال: نكل فلان بفلان إذا عاقبه، وأصل الكلمة من الامتناع، ومنه النكول عن اليمين، والنكل القيد. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَىٰ } أي: فيما ذكر من قصة فرعون، وما فعل به عبرة عظيمة لمن شأنه أن يخشى الله ويتقيه، ويخاف عقوبته، ويحاذر غضبه. وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً } قال: هي الملائكة تنزع روح الكفار {وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } قال: هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها {وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً } هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض {فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً } هي الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله {فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً } قال: هي أنفس الكفار تنزع، ثم تنشط، ثم تغرق في النار. وأخرج الحاكم وصححه عنه: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً * وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } قال: الموت. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً } قال: الملائكة الذين يلون أنفس الكفار إلى قوله: {وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً } قال: الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تمزّق الناس، فتمزقك كلاب النار، قال الله: {وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } أتدري ما هو؟ تفسير : قلت: يا نبيّ الله ما هو؟ قال: حديث : كلاب في النار تنشط اللحم والعظم»تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب أن ابن الكوّاء سأله عن: {المدبرات أمْراً } قال: هي الملائكة يدبرون ذكر الرحمٰن وأمره. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت عن ابن عباس قال: {لَكَ أمْراً } ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم، فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يؤمِّن على الدّعاء، ومنهم من يستغفر للميت حتى يُصلى عليه ويدلى في حفرته. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ } قال: النفخة الأولى {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ } قال: النفخة الثانية {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } قال: خائفة {أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَـٰفِرَةِ } قال: الحياة. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال:«حديث : أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه»تفسير : وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ترجف الأرض رجفاً وتزلزل بأهلها وهي: التي يقول الله {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ } تفسير : يقول: حديث : مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل القنديل المعلق بأرجائه»تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } قال: وجلة متحركة. وأخرج عبد بن حميد عنه: {أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَـٰفِرَةِ } قال: خلقاً جديداً. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن الأنباري في الوقف والابتداء، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً أنه سئل عن قوله: {فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ } فقال: الساهرة وجه الأرض، وفي لفظ قال: الأرض كلها ساهرة، ألا ترى قول الشاعر:شعر : صيد بحر وصيد ساهرة تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضاً: {هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ } قال: هل لك أن تقول: لا إلٰه إلاّ الله؟ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً: {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلأَخِرَةِ } قال: قوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } {والأولى} قال: قوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى }تفسير : [القصص: 38]. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: كان بين كلمتيه أربعون سنة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {والنَّأزِعاتِ غَرْقاً} فيه ستة أقاويل: أحدها: هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم، قاله ابن مسعود ومسروق. الثاني: هو الموت ينزع النفوس، قاله مجاهد. الثالث: هي النفوس حين تنزع، قاله السدي. الرابع: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق، ومن المشرق إلى المغرب، قاله الحسن وقتادة. والخامس: هي القسيّ تنزع بالسهم، قاله عطاء. السادس: هي الوحش تنزع من الكلأ وتنفر، حكاه يحيى بن سلام، ومعنى " غرقاً" أي إبعاداً في النزع. {والناشِطات نَشْطاً} فيه ستة تأويلات: أحدها: هي الملائكة تنشط أرواح المؤمنين بسرعة كنشط العقال، قاله ابن عباس. الثاني: النجوم التي تنشط من مطالعها إلى مغاربها، قاله قتادة. الثالث: هو الموت ينشط نفس الإنسان، قاله مجاهد. الرابع: هي النفس حيث نشطت بالموت، قاله السدي. الخامس: هي الأوهاق، قاله عطاء. السادس: هي الوحش تنشط من بلد إلى بلد، كما أن الهموم تنشط الإنسان من بلد إلى بلد، قاله أبو عبيدة، وانشد قول همام بن قحافة: شعر : أمْسَتْ همومي تنشط المناشِطا الشامَ بي طَوْراً وطَوْراً واسطاً. تفسير : {والسّابحاتِ سَبْحاً} فيه خمسة أوجه: أحدها: هي الملائكة سبحوا إلى طاعة الله من بني آدم، قاله ابن مسعود والحسن. الثاني: هي النجوم تسبح في فلكها، قاله قتادة. الثالث: هو الموت يسبح في نفس ابن آدم، قاله مجاهد. الرابع: هي السفن تسبح في الماء، قاله عطاء. الخامس: هي الخيل، حكاه ابن شجرة، كما قال عنترة: شعر : والخيلُ تعْلم حين تسـ ـبَحُ في حياضِ المْوتِ سَبْحاً تفسير : ويحتمل سادساً: أن تكون السابحات الخوض في أهوال القيامة. {فالسّابقاتِ سَبْقاً} فيه خمسة تأويلات: أحدها هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، قاله عليّ رضي الله عنه ومسروق. وقال الحسن: سبقت إلى الايمان. الثاني: هي النجوم يسبق بعضها بعضاً، قاله قتادة. الثالث: هوالموت يسبق إلى النفس، قاله مجاهد. الرابع: هي النفس تسبق بالخروج عند الموت، قاله الربيع. الخامس: هي الخيل، قاله عطاء. ويحتمل سادساً: أن تكون السابقات ما سبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار. {فالمُدَبِّرات أمْراً} فيهم قولان: أحدهما: هي الملائكة، قاله الجمهور، فعلى هذا في تدبيرها بالأمر وجهان: أحدهما: تدبير ما أمرت به وأرسلت فيه. الثاني: تدبير ما وكلت فيه من الرياح والأمطار. الثاني: هي الكواكب السبعة، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل؛ وعلى هذا في تدبيرها للأمر وجهان. أحدهما: تدبير طلوعها وأفولها. الثاني: تدبير ما قضاه الله فيها من تقلب الأحوال. ومن أول السورة إلى هذا الموضع قسم أقسم الله به، وفيه وجهان: أحدهما: أن ذكرها بخالقها. الثاني: أنه أقسم بها وإن كانت مخلوقة لا يجوز لمخلوق أن يقسم بها، لأن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه. وجواب ما عقد له القسم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مضمر محذوف وتقديره لو أظْهر: لتُبْعَثُن ثم لُتحاسبُن، فاستغنى بفحوى الكلام وفهم السامع عن إظهاره، قاله الفراء. الثاني: أنه مظهر، وهو قوله تعالى: {إن في ذلك لعبرةً لمن يخشى} قاله مقاتل. الثالث: هو قوله تعالى: {يومَ ترْجفُ الراجفةُ * تَتْبعُها الرادِفةُ} وفيهما ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الراجفة القيامة، والرادفة البعث، قاله ابن عباس. الثاني: أن الراجفة النفخة الأولى تميت الأحياء، والرادفة: النفخة الثانية تحيي الموتى، قاله الحسن وقتادة. وقال قتادة: ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : بينهما أربعون، ما زادهم على ذلك ولا سألوه، وكانوا يرون أنها أربعون سنة . تفسير : وقال عكرمة: الأولى من الدنيا، والثانية من الآخرة. الثالث: أن الراجفة الزلزلة التي ترجف الأرض والجبال والرادفة إذا دكّتا دكة واحدة، قاله مجاهد. ويحتمل رابعاً: أن الراجفة أشراط الساعة، والرادفة: قيامها. {قلوبٌ يومئذٍ واجِفَةٌ} فيه وجهان: أحدهما: خائفة، قاله ابن عباس. الثاني: طائرة عن أماكنها، قاله الضحاك. {أَبْصارُها خاشِعَة} فيه وجهان: أحدهما: ذليلة، قاله قتادة. الثاني: خاضعة، قاله الضحاك. {يقولون أئنا لَمْردودُونَ في الحافِرةِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الحافرة الحياة بعد الموت، قاله ابن عباس والسدي وعطية. الثاني: أنها الأرض المحفورة،قاله ابن عيسى. الثالث: أنها النار، قاله ابن زيد. الرابع: أنها الرجوع إلى الحالة الأولى تَكذيباً بالبعث، من قولهم رجع فلان على قومه إذا رجع من حيث جاء، قاله قتادة، قال الشاعر: شعر : أحافرة على صَلَعٍ وشيْبٍ معاذَ اللَّه من جَهْلٍ وطَيْشِ تفسير : {أَئِذا كْنَا عِظاماً نَخِرةً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بالية، قاله السدي. الثاني: عفنة، قاله ابن شجرة. الثالث: خالية مجوفة تدخلها الرياح فتنخر، أي تصوّت، قاله عطاء والكلبي. ومن قرأ " ناخرة" فإن الناخرة البالية، والنخرة التي تنخر الريح فيها. {تلك إذاً كَرّةٌ خاسِرةٌ} فيه تأويلان: أحدهما: باطلة لا يجيء منها شيء، كالخسران، وليست كاسبة، قاله يحيى بن سلام. الثاني: معناه لئن رجعنا أحياء بعد الموت لنخسرنّ بالنار، قاله قتادة ومحمد بن كعب. ويحتمل ثالثاً: إذا كنا ننتقل من نعيم الدنيا إلى عذاب الآخرة فهي كرة خاسرة. {فإنّما هي زجْرةٌ واحدةٌ} فيه تأويلان: أحدهما: نفخة واحدة يحيا بها الجميع فإذا هم قيام ينظرون، قاله الربيع بن أنس. الثاني: الزجرة الغضب، وهو غضب واحد، قاله الحسن. ويحتمل ثالثاً: أنه لأمر حتم لا رجعة فيه ولا مثنوية. {فَإذَا هم بالسّاهرةِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: وجه الأرض، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد، والعرب تسمي وجه الأرض ساهرة لأن فيها نوم الحيوان وسهره، قال أمية بن أبي الصلت: شعر : وفيها لحْمُ ساهرةٍ وبَحرٌ وما فاهوا به لهمُ مُقيم تفسير : وقال آخر يوم ذي قار لفرسه: شعر : أَقْدِمْ مَحاجِ إنها الأساوِره ولا يهولنّك رِجْلٌ بادِرهْ فإنما قَصْرُكَ تُرْبُ السّاهرهْ ثم تعودُ، بَعْدها في الحافرهْ من بَعْد ما صِرْتَ عظاماً ناخِرهْ تفسير : الثاني: أنه اسم مكان من الأرض بعينه بالشام، وهو الصقع الذي بين جبل أريحا وجبل حسّان، يمده الله تعالى كيف يشاء، قاله عثمان بن أبي العاتكة. الثالث: أنها جبل بيت المقدس، قاله وهب بن منبه. الرابع: أنه جهنم، قاله قتادة. ويحتمل خامساً: أنها عرضة القيام لأنها أول مواقف الجزاء، وهم في سهر لا نوم فيه.

ابن عطية

تفسير : قال ابن مسعود وابن عباس: {النازعات} ، الملائكة تنزع نفوس بني آدم، و {غرقاً} على هذا القول إما أن يكون مصدر بمعنى الإغراق والمبالغة في الفعل، وإما أن يكون كما قال علي وابن عباس: تغرق نفوس الكفرة في نار جهنم، وقال السدي وجماعة: {النازعات}: النفوس تنزع بالموت إلى ربها، و {غرقاً} هنا بمعنى الإغراق أي تغرق في الصدر، وقال عطاء فيما روي عنه: {النازعات} الجماعات النازعات بالقسي، و {غرقاً} بمعنى الإغراق، وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة وابن كيسان والأخفش {النازعات}: النجوم لأنها تنزع من أفق إلى أفق، وقال قتادة: {النازعات}، النفوس التي تحن إلى أوطانها وتنزع إلى مذاهبها ولها نزاع عند الموت، وقال مجاهد: {النازعات} المنايا لأنها تنزع نفوس الحيوان، وقال عطاء وعكرمة: {النازعات} القسي أنفسها لأنها تنزع بالسهام. واختلف المتأولون في {الناشطات}، فقال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكة لأنها تنشط النفوس عند الموت، أي تحلها كحل العقال وتنشط بأمر الله أي حيث كان، وقال مجاهد: {النشاطات}: المنايا، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة والأخفش والحسن: {الناشطات} النجوم لأنها تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب وتسير بسرعة، ومن ذلك قيل البقر الوحش النواشط لأنهن يذهبن بسرعة من موضع إلى آخر، وقال عطاء: {الناشطات} في الآية: البقرة الوحشية وما جرى مجراها من الحيوان الذي ينشط من قطر إلى قطر، ومن هذا المعنى قول الشاعر [همان بن قحافة]: [الرجز] شعر : أرى همومي تنشط المناشطا الشام بي طوراً وطوراً واسطا تفسير : وكأن هذه اللفظة في هذا التأويل مأخوذة من النشاط، وقال عطاء أيضاً وعكرمة: {الناشطات} الأوهان. ويقال: نشطت البعير والإنسان إذا ربطته ونشطته: إذا حللته، وحكاه الفراء وخولف فيه ومنه الحديث "حديث : كأنما أنشط من عقال" تفسير : ،وقال ابن عباس أيضاً: {الناشطات} النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج، و "السبح": العوم في الماء، وقد يستعمل مجازاً في خرق الهواء والتقلب فيه، واختلف في {السابحات} في الآية، فقال قتادة والحسن: هي النجوم لأنها تسبح في فلك، وقال مجاهد وعلي رضي الله عنه: هي الملائكة لأنها تتصرف في الآفاق بأمر الله تجيء وتذهب، وقال أبو روق: {السابحات} الشمس والقمر والليل والنهار، وقال بعض المتأولين: {السابحات}: السماوات، لأنها كالعائمة في الهواء، وقال عطاء وجماعة: {السابحات}: الخيل، ويقال للفرس: سابح، وقال آخرون: {السابحات} الحيتان، دواب البحر فما دونها وذلك من عظيم المخلوقات، فروي أن الله تعالى بث في الدنيا ألف نوع من الحيوان، منها أربعمائة في البر وستمائة في البحر، وقال عطاء أيضاً: {السابحات}: السفن، وقال مجاهد أيضاً: {السابحات}: المنايا تسبح في نفوس الحيوان، واختلف الناس في {السابقات}، فقال مجاهد: هي الملائكة، وقيل الرياح وقال عطاء هي الخيل، وقيل: النجوم، وقيل المنايا تسبق الآمال، وقال الشاعر[عدي بن زيد]: [الخفيف] شعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء تفسير : وأما {المدبرات} ، فلا أحفظ خلافاً أنها الملائكة ومعناه أنها تدبر الأمور التي سخرها الله تعالى وصرفها فيها كالرياح والسحاب وسائر المخلوقات، وقال ابن زيد: {الراجفة}: الأرض تهتز بأهلها لنفخة الصور الأولى، وقيل: {الراجفة} : النفخة نفسها، و {الرادفة} : النفخة الأخرى، ويروى أن بينهما أربعين سنة، وقال عطاء: الراجفة: القيامة نفسها، و {الرادفة} : البعث، وقال ابن زيد: {الراجفة}: الموت، و {الرادفة}: الساعة، وقال أبي بن كعب: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال: "حديث : يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه" تفسير : ،ثم أخبر تعالى عن قلوب تجف ذلك اليوم، أي ترتعد خوفاً وفرقاً من العذاب، ووجيف القلب يكون من الفزع ويكون من الإشفاق، ومنه قول الشاعر قيس بن الحطيم: [المنسرحُ] شعر : إن بني جحجما وأسرتهم أكبادنا من ورائهم تجف تفسير : ورفع {قلوب} بالابتداء وجاز ذلك وهي نكرة لأنها قد تخصصت بقوله: {يومئذ}، واختلف الناس في جواب القسم أي هو، فقال الفراء والزجاج: هو محذوف دل الظاهر عليه تقديره: لتبعثن أو لتعاقبن يوم القيامة، وقال بعض النحاة: هو في قوله تعالى: {أية : إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} تفسير : [النازعات: 26]، وهذا ضعيف لبعد القول ولأن المعنى هالك يستحق ابن، وقال آخرون: هو في قوله {يوم} على تقدير حذف اللام كأنه قال ليوم، وقال آخرون: وهو موجود في جملة قوله تعالى: {يوم ترجف الراجفة قلوب يومئذ واجفة} كأنه قال: لتجفن قلوب يوم كذا، ولما دلت على أصحابها ذكر بعد ذلك أبصارها، وخشوعها ذلها، وما يظهر فيها من الهم بالحال، وقوله تعالى: {يقولون} هي حكاية حالهم في الدنيا معناه: هم الذين يقولون وقولهم {أئنا} هو على جهة الاستخفاف والعجب والتكذيب، وقرأ ابن أبي إسحاق وابن يعمر: " أإنا " بهمزتين ومدة على الاستفهام، وقرأ جمهور القراء: " أئنا" باستفهام وهمزة واحدة، و {الحافرة} لفظة توقعها العرب على أول أمر رجع إليه من آخره، يقال: عاد فلان في الحافرة، إذا ارتكس في حال من الأحوال ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : أحافرة على صلع وشيب معاذ الله من سفه وعار تفسير : والمعنى: {أئنا لمردودون} إلى الحياة بعد مفارقتها بالموت، وقال مجاهد والخليل: {الحافرة} الأرض فاعلة بمعنى محفورة، وقيل بل هو على النسب أي ذات حفر، والمراد: القبور لأنها حفرت للموتى، فالمعنى {أئنا لمردودون} أحياء في قبورنا، وقال زيد بن أسلم: {الحافرة} في النار، وقرأ أبو حيوة "في الحفرة" بغير ألف، فقيل: هو بمعنى {الحافرة}، وقيل هي الأرض المنتنة المتغيرة بأجساد موتاها من قولهم حفرت أسنانه إذا تأكلت وتغير ريحها، و "الناخرة": المصوتة بالريح المجوفة، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وأخليتها من مخها فكأنها قوارير في أجوافها الريح تنخر تفسير : ويروى تصفر وناخرة، هي قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر وعمر بن الخطاب وابن مسعود وأبيّ بن كعب وابن عباس وابن الزبير ومسروق ومجاهد وجماعة سواهم، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والحسن والأعرج وأبو رجاء وجعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن وابن جبير وأهل مكة وشبل وقتادة وأيوب والنخعي: " نخرة "، دون ألف بعد النون، ومعناه: بالية متعفنة قد صارت رميماً، يقال: نخر العود والعظم: إذ بلي وصار يتفتت، وحكي عن أبي عبيدة وأبي حاتم والفراء وغيرهم أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد كطامع وطمع وحاذر وحذر، والأكثر من الناس على ما قدمناه. قال أبو عمرو بن العلاء: " الناخرة " التي لم تنخر بعد والنخرة التي قد بليت.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالنَّازِعَاتِ} الملائكة تنزع نفوس بني آدم أو الموت ينزع النفوس أو النفس حين تُنزع أو النجوم تنزع من أفق إلى أفق ومن مشرق إلى مغرب "ح" أو القسيّ تنزع بالسهم أو الوحش تنزع وتنفر {غَرْقاً} إبعاداً في النزع.

النسفي

تفسير : ست وأربعون آية مكية بسم الله الرحمٰن الرحيم {والنّازعات غَرْقاً* والنّاشطاتِ نشطاً* والسّابحاتِ سبحاً* فالسّابقاتِ سبقاً* فالمدبّرات أمراً} لا وقف إلى هنا. ولزم هنا لأنه لو وصل لصار {يوم} ظرف {المدبرات} وقد انقضى تدبير الملائكة في ذلك اليوم. أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد غرقاً أي إغراقاً في النزع أي تنزعها من أقاصي الأجساد من أناملها ومواضع أظفارها، وبالطوائف التي تنشطها أي تخرجها من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر أمراً من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم. أو بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب، والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب من قولك ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها لأنها من أسبابه. أو بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب، وإغراقها في النزع أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى الغرب، والتي تخرج من برج إلى برج والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمراً من علم الحساب. وجواب القسم محذوف وهو «لتبعثن» لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة. {يوم تَرْجُفُ} تتحرك حركة شديدة والرجف شدة الحركة {الرَّاجِفَةُ} النفخة الأولى وصفت بما يحدث بحدوثها لأنها تضطرب بها الأرض حتى يموت كل من عليها {تَتْبَعُهَا} حال عن الراجفة {الرَّادِفَةُ} النفخة الثانية لأنها تردف الأولى وبينهما أربعون سنة، والأولى تميت الخلق والثانية تحييهم {قلوبٌ يومئذٍ} قلوب منكري البعث {وَاجِفَةٌ} مضطربة من الوجيب وهو الوجيف. وانتصاب {يوم ترجف} بما دل عليه {قلوب يومئذ واجفة} أي يوم ترجف وجفت القلوب، وارتفاع {قلوب} بالابتداء و{واجفة} صفتها {أبصارُها} أي أبصار أصحابها {خاشِعَةٌ} ذليلة لهول ما ترى حبرها {يقولونَ} أي منكرو البعث في الدنيا استهزاء وإنكاراً للبعث {أَءِنَّا لمردودون في الحافرةِ} استفهام بمعنى الإنكار أي أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر فنعود أحياء كما كنا؟ والحافرة الحالة الأولى يقال لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته أي إلى حالته الأولى. ويقال: النقد عند الحافرة أي عند الحالة الأولى، وهي الصفقة أنكروا البعث. ثم زادوا استبعاداً فقالوا {أَءِذا كنا عظاماً نَّخِرَةً} بالية {ناخرة}: كوفي غير حفص. وفَعِلَ أبلغ من فاعل يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر. والمعنى أنرد إلى الحياة بعد أن صرنا عظاماً بالية؟ و«إذا» منصوب بمحذوف وهو «نبعث» {قالوا} أي منكرو البعث {تِلْكَ} رجعتنا {إذاً كَرَّةٌ خاسرةٌ} رجعة ذات خسران أو خاسر أصحابها، والمعنى أنها إن صحت وبعثنا فنحن إذاً خاسرون لتكذيبنا بها وهذا استهزاء منهم {فَإِنَّما هي زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} متعلق بمحذوف أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله عز وجل فإنها سهلة هينة في قدرته فما هي إلا صيحة واحدة يريد النفخة الثانية من قولهم: زجر البعير إذا صاح عليه {فإذا هم بالسَّاهِرةِ} فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعدما كانوا أمواتاً في جوفها. وقيل: الساهرة أرض بعينها بالشأم إلى جنب بيت المقدس أو أرض مكة أو جهنم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً} اختلفت عبارات المفسرين في هذه الكلمات هل هي صفات لشيء واحد أو لأشياء مختلفة على أوجه واتفقوا على أن المراد بقوله {فالمدبرات أمراً} وصف لشيء واحد وهم الملائكة: الوجه الأول: في قوله تعالى: {والنازعات غرقاً} يعني الملائكة تنزع أرواح الكفار من أقاصي أجسامهم. كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، والغرق من الإغراق أي، والنازعات إغراقاً وقال ابن مسعود: "إن ملك الموت، وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، فتخرج نفس الكافر كالغريق في الماء" {والناشطات نشطاً} الملائكة تنشط نفس المؤمن أي تسلها سلاًّ رفيقاً فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير، وإنما خص النزع بنفس الكافر والنشط بنفس المؤمن، لأن بينهما فرقاً فالنزع جذب بشدة والنشط جذب برفق، {أية : والسابحات سبحاً}تفسير : [النازعات: 3] يعني الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلاً رفيقاً، ثم يدعونها حتى تستريح، ثم يستخرجونها كالسابح في الماء يتحرك فيه برفق ولطافة، وقيل هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كالفرس الجواد إذا أسرع في جريه. يقال له سابح {أية : فالسابقات سبقاً} تفسير : [النازعات: 4]يعني الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح، وقيل هم الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. الوجه الثاني: في قوله {والنازعات غرقاً} يعني النفس حين تنزع من الجسد، فتغرق في الصدر ثم تخرج {والناشطات نشطاً}، قال ابن عباس: هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت لما ترى من الكرامة، وذلك لأنه يعرض عليه مقعده في الجنة قبل أن يموت وقال علي بن أبي طالب: هي أرواح الكفار تنشط بين الجلد، والأظفار حتى تخرج من أفواههم بالكرب والغم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً} بالإدغام فيهما: أبو عمرو غير عباس {أئنا} {أئذا} كما مر في " الرعد " إلا ابن عامر فإنه وافق الكسائي {ناخرة} بالألف: حمزة وعلي غير نصير وعتيبة وخلف ورويس وعاصم غير المفضل وحفص و {طوى} كما مر في " طه " وكذا ما بعدها إلا حمزة وخلف في اختياره فإنهما يفتحان. ومناه {تزكَّى} بتشديد الزاي: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس ويعقوب {منذر من} بالتنوين: يزيد وعباس. الآخرون: بالإضافة للتخفيف. الوقوف {غرقاً} ه لا {نشطاً} ه لا {سبقاً} ه لا {أمراً} ه م لأن جواب القسم محذوف وهو ليبعثن ولأنه وصل لأوهم أن {يوم} ظرف {المدبرات} وليس كذلك لأن تدبير الملائكة قد انقضى وقتئذ بل عامل {يوم} تتبعها {الراجفة} ه لا {الرادفة} ه ط {واجفة} ه ط {خاشعة} ه م لتناهي وصف القيامة وابتداء حكاية قولهم في الدنيا {في الحافرة} ط لمن قرأ {أئذا} مستفهماً {نخرة} ه ط {خاسرة} ه م لتناهي قولهم بالإنكار وابتداء أخبار الله تعالى {واحدة} ه ط {بالساهرة} ه ط {موسى} ه م لأن {إذ ناداه} يجوز أن يكون ظرفاً لا ذكر قاله السجاوندي. ويحتمل عندي تعلقه بالحديث وإن لم يجز تعلقه بإتيان الحديث {طوى} ه ج لاحتمال أن يكون {اذهب} مفعول {ناداه} لأنه في معنى القول واحتمال أن يكون مفعول القول المحذوف {طغى} ه للآية مع اتفاق الجملتين والوصل أوجه للفاء {تزكى} ه لا للعطف {فتخشى} ط للآية وانتهاء الاستفهام مع العطف بفاء التعقيب {الكبرى} ه ز لذلك إنما كان الوصل أوجه للفاء واتصال المقصود {وعصى} ه {يسعى} ه {فنادى} ه {الأعلى} ه والوصل ههنا ألزم للعبرة بتعجيل المؤاخذة {والأولى} ه ط {يخشى} ه ط لبتدل الكلام لفظاً ومعنى وابتداء الاستفهام {أم السماء} ه ط بناء على أن الجملة لا تقع صفة للمعرفة وتقدير حذف الموصول من ضيق العطن فاعرفه {بناها} ه لا {فسوّاها} ه لا {ضحاها} ه ص {دحاها} ه ط بناء على أن ما بعده كالتفسير للدحو وهو تمهيدها لأجل السكنى، وجوز أن يكون {أخرج} حالاً بإضمار " قد " فلا وقف {مرعاها} ه ص {أرساها} ه {ولأنعامكم} ه ط {الكبرى} ه ز لأن {يوم} ظرف {جاءت} وعامل " إذا " مقدّر تقديره أي ترون أو كان ما كان، وجوز أن يكون {يوم} مفعول " اذكر " وعامل " إذا " مقدّر قبل يوم، ويجوز أن يكون مجموع الشرط والجزاء وهو قوله {فأما من طغى} إلى آخره جوابا لقوله {فإذا جاءت}. {سعى} ه ط {لمن يرى} ه {طغى} ه لا {الدنيا} ه لا {المأوى} ط {الهوى} ه لا {المأوى} ه ط {مرساها} ط {ذكراها} ه ط {منتاها} ه ط {يخشاها} ه ط {ضحاها} ه. التفسير: في الكلمات الخمس المذكورة في أول السورة وجوه على نسق ما سبق في المرسلات أحدها: أنها صفات طوائف الملائكة الذين ينزعون نفوس الكفرة من بني آدم غرقاً أي نزعاً بشدّة من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها. والغرق والإغراق في اللغة واحد يقال: نزع في القوس فأغرق أي بلغ غايته حتى انتهى إلى النصل، وبالذين يجذبون نفوس المؤمنين برفق ولين كما ينشط الدلو من البئر، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر بإذن الله أمراً من أمور العباد أو جنس الأمر. قال مقاتل: يعني بهذه الطوائف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأعوان كل منهم. فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ الصور، وملك الموت عزرائيل وأعوانه بقبض الأرواح. قال الإمام فخر الدين الرازي: النازعات هم الذين نزعوا أنفسهم عن الصفات البشرية والأخلاق الذميمة من الشهوة والغضب والموت والهرم والسقم لأنهم جواهر روحانية مجردة، والناشطات إشارة إلى أن خروجهم من هذه الأحوال ليس على سبيل الكلفة والمشقة ولكنه بمقتضى الطبيعة والماهية، والسابحات هم الذين سبحوا في بحار جلال الله فسبق بعضهم بعضاً في ميدان العرفان وحلبة البرهان فدبروا أمر العالم العلوي والعالم السفلي بإذن مبدعهم المنّان. أقول: ويمكن حمل هذه الأمور على مراتب النفس الإنسانية بمثل التقدير المذكور. الوجه الثاني وهو قول الحسن البصري أنها النجوم وتلخيص ذلك على الوجه المطابق للغة والشريعة أنها تغرق شبه النزع من المشرق إلى المغرب بالحركة السريعة، وتنشط نشطاً أي تخرج من برج إلى برج من قولك " ثور ناشط " إذا خرج من بلد إلى بلد، وهذا بحركته البطيئة الثابتة. وأما السابحات فهي السيارة كقوله {أية : كل في فلك يسبحون} تفسير : [الأنبياء: 33] ولأن سيرها المتفاوت يصير سبباً لسبق بعضها بعضاً، ويترتب على السبق الاتصالات والانصرافات ومعرفة الفصول والأوقات وتقدّم العلم بالكائنات بل العالم السفلي وتدبيراتها مناط بتلك الحركات بإذن خالق الأرض وفاطر السموات فلهذا أدخل الفاء في القرينتين الأخريين دون الأوليات. الوجه الثالث أنها صفات خيل الغزاة تنزع في أعنتها نزعاً، تغرق الأعنة فيه لطول أعناقها لأنها عراب، وهى ناشطات تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي سابحات تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وتتسبب فيه. الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم النازعات أيدي الغزاة وأنفسهم تنزع القسي بإعراق السهام، والناشطات السهام الخارجة من أيديهم أو قسيهم، والسابحات الخيل العاديات أو الإبل، والمدبرات بمعنى المعقبات لأنها تأتي في أدبار هذه الأفاعيل بأمر الغلبة والنصر. قال جار الله: {يوم ترجف} منصوب بجواب القسم المحذوف وهو " لتبعثن ". وقوله {تتبعها} حال. ثم أورد على نفسه أن هذا يوجب أن يكون البعث عند النفخة الأولة وأجاب عنه بأنهم يبعثون في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان كما يقال " رأيته عام كذا " وإنما رؤيته في ساعة منها. والراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى فهي من الإسناد المجازي. والرادفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء، وقد ورد الخبر أن ما بين النفختين أربعون عاماً. ويروى أنه تعالى يمطر الأرض في هذه الأربعين ويصير ذلك الماء عليها كالنطف فيكون سبباً في الإحياء ولله تعالى أن يفعل ما يشاء. وقيل: الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي قيام الساعة من قوله تعالى {أية : عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون}تفسير : [النمل: 72] وقيل: الراجفة الأرض والجبال من قوله {أية : يوم ترجف الأرض والجبال}تفسير : [المزمل: 14] والرادفة السماء والكواكب لأنها تنفطر وتنتثر على أثر ذلك. وقيل: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل، والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى. قال أبو مسلم بناء على تفسيره الذي روينا عنه إن كلاً من الراجفة والرادفة هي خيل المشركين وأريد بهما طائفتان من المشركين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبعت إحداهما الأخرى. والقلوب الواجفة أي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين على الأقوال القلوب الموصوفة مبتدأ. وقوله {أبصارها خاشعة} خبره وفي الكلام إضمار أي أصحابها خاشعة بدليل قوله {يقولون أئنا لمردودون في الحافرة} أي الحالة الأولى وهي الحياة وأصله من قولهم " رجع فلان في حافرته " أي طريقه التي جاء فيها، جعل أثر قدميه حفراً فالطريق في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة على الإسناد المجازي أو على وتيرة النسبة أي ذات حفر كما قلنا في " عيشة راضية " ونحوه {كرة خاسرة} كما يجيء. ثم زادوا في الإنكار مع إشارة إلى وجه الإحالة قائلين {أئذا كنا عظاماً نخرة} نردّ أو نبعث. يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر مثل حذر وحاذر وهو الأجوف البالي الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخر وهما لغتان فصيحتان، لأن النخر وإن كان أبلغ في المعنى إلا أن الناخرة بالألف أشبه بأخواتها من رؤوس الآي. ثم أخبر أنهم قالوا على سبيل الاستهزاء {تلك} الكرة {إذا} أي إذا نحشر ونردّ ونرجع {كرة خاسرة} رجعة ذات خسران لأنا كذبنا بها. ثم أفحمهم بقوله {فإنما هي زجرة} أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فما هي إلا صيحة {واحدة} يقال: زجر البعير إذا صاح عليه وهي صيحة إسرافيل في النفخة الثانية. يروى أنه تعالى يحييهم في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون. والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن ساكنها لا ينام خوف الهلاك، أو لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة أي جارية. والأظهر أنها أرض الآخرة. وقيل: هي أرض الدنيا ثم ذكرهم بقصة موسى لأنه أبهر الأنبياء المتقدّمين معجزة وفيها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لأن فرعون كان أكثر جمعاً وأشدّ قوة من كفار قريش. والوادي المقدّس المبارك المطهر، وطوى اسم واد بالشأم عند الطور وقد مر في " طه ". قوله {هل لك} الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي هل لك حاجة أو ميل أو التفات ونحو ذلك، وهذه كلمة جامعة لمواجب التكاليف لأن الملكف لا يصير زاكياً إلا بالتخلية عن كل ما لا ينبغي، ويجوز أن يكون التزكي إشارة إلى تطهير النفس الفاسدة. قوله {وأهديك} إشارة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة أقلها وأفضلها التوحيد المرتب على الخشية التي منها تنشأ جوامع الخيرات ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل" تفسير : وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفه عين. ثم ههنا إضمار كأنه قال: فذهب موسى إلى فرعون فقال له ما أمر به فلم يصدقه فرعون وجحد نبوته {فأراه} وفي ابتداء المخاطبة بالاستفهام الذي معناه العرض من التلطف والمداراة ما لايخفى فهو كقوله {أية : فقولا له قولاً ليناً}تفسير : [طه: 44] والآية الكبرى العصا أو اليد أو هما كما مر في " طه " {فكذب} بالقلب واللسان إذ نسب المعجز إلى السحر {وعصى} بإظهار التمرد الطغيان {ثم أدبر} خوفاً من الثعبان {يسعى} هارباً أو يتحيل في دفع موسى أو تولى عن موسى إظهاراً للجحود. وجوز أن يكون {أدبر} موضوعاً مكان " أقبل" مكان يقال: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى طفق يفعل فكنى عن الإقبال بالإدبار إظهاراً للسخط ولقصد التفاؤل عليه. ومعنى الفاء في {فكذب} أنه لم يلبث عقيب رؤية الآية الكبرى أن بادرها بنقيض مقتضاها لفرط عتوّه ورسوخ تفرعنه. ومعنى " ثم " في {ثم أدبر} تراخي الرتبة فإن الهرب من الحية مع ادعاء الربوبية مما لا يجتمعان وكذا السعاية والمكيدة بين الناس {فحشر} جنوده للتشاور أو لجمع السحرة {فنادى} في المقام الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر منادياً. وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ما قال. وانتصب {نكال الآخرة} على أنه مصدر مؤكد كأنه قيل: نكل الله به نكالاً وهو مصدر كالتنكيل مثل السلام والتسليم. قال الحسن وقتادة: عذاب الآخرة الإحراق وعذاب الأولى الإغراق. وقيل: الآخرة والأولى صفتان لكلمتي فرعون. ثم اختلفوا فعن مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس أن كلمته الأولى {أية : ما علمت لكم من إله غيري}تفسير : [القصص: 38] والثانية {أية : أنا ربكم الأعلى}تفسير : [النازعات: 24] وبينهما أربعون سنة أو عشرون، وفيه دليل على أنه تعالى يمهل ولا يهمل. وذكر قوم واستحسنه القفال أن كلمته الأولى تكذيب موسى حين أراه الآية، والأخرى هي قوله {أنا ربكم الأعلى} وقد يدور في الخلد أن كلمته الأولى هي قوله {أنا ربكم} والآخرة وصفه بالأعلى فإنه لو اقتصرعلى الأولى لم يكن كفراً بدليل قول يوسف {أية : ارجع إلى ربك} تفسير : [يوسف: 50] {أية : إنه ربي أحسن مثواي} تفسير : [يوسف: 23] لكنه لما وصفه بالأعلى صار كفراً فأخذه بالأولى والآخرة. قال الإمم فخر الدين الرازي: إن العاقل لا يشك في نفسه أنه ليس خالق السموات والأرض وما بينهما، فالوجه أن يقال: إن فرعون كان دهرياً منكراً للصانع والحشر والجزاء وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي سواي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم. وأقول: كما أن نسبة الإنسان خلق العالم إلى نفسه يوجب الحكم عليه بالجنون وسخافة العقل فالقول بنفي الصانع ونسبة وجود الأشياء إلى ذواتها مع تغيرها في أنفسها يوجب الحكم عليه بعدم العقل فما الفرق بين الأمرين؟ وأيّ استبعاد في ذلك وقد قال الله تعالى {أية : إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى}تفسير : [العلق: 7] وسكر الدنيا أشدّ من سكر الخمر فإن الثمل من الخمر يرجى صحوه والثمل من شراب حب المال والجاه الطافح من خيال الرياسة لا ترجى إفاقته. ثم ختم القصة بقوله {إن في ذلك} الحديث أو النكال وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به المعتبر {لعبرة لمن يخشى} أي يكون من أهل الخشية لا القسوة. ثم خاطب منكري البعث بقوله {أأنتم أشدّ} أي أصعب {خلقاً أم السماء} فنبههم على أمر معلوم بالمشاهدة وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة. وإذا كان الله قادراً على إنشاء العالم الأكبر يكون على خلق العالم الأصغر بل على إعادته أقدر. ثم أشار إلى كيفية خلق السماء فقال {بناها} وفيه تصوير للأمر المعقول وهو الإبداع والاختراع بالأمر المحسوس وهو البناء. ثم ذكر هيئة البناء فقال {رفع سمكها} وهو الامتداد القائم على كل من امتدادي الطول والعرض. فإذا اعتبر من السفل إلى العلو يسمى سمكاً، وإذا اعتبر بالعكس يسمى عمقاً. وذكر أهل التفسير أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام. ولأهل الهيئة طريقة أخرى قد برهنوا عليها في كتبهم. قوله {فسوّاها} زعم أصحاب الهيئة أن المراد بهذه التسوية جعلها كرية ولا ضرر في الدين من هذا الاعتقاد. وحملها المفسرون على تمام التأليف أو على نفي الفطور عنها. وأقول: من الجائز أن يراد بها جعلها طبقات مرتبة كقوله {أية : فسوّاهن سبع سموات}تفسير : [البقرة: 29] الغطش الظلمة يقال: غطش الليل وأغطشه الله. ويقال: أغطش الليل أيضاً مثل أضاء وأظلم. وعبر بالضحى عن النهار لأن الضحى أكمل أجزائه في النور والضوء. وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما بسبب غروب الشمس وطلوعها الحادثين بسبب حركة الفلك قوله {والأرض بعد ذلك دحاها} قد مر تفسير الدحو في أول سورة " البقرة " وأن بعدية دحو الأرض لا تنافي تقدّم خلق الأرض على السماء في قوله {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء} تفسير : [البقرة: 29] قال أهل اللغة: دحوت أدحو ودحيت أدحى لغتان في حديث عليّ: اللهم داحي المدحيات أي باسط الأرضين السبع. وقد يروى عن ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جريج أن قوله {بعد ذلك} يعنى مع ذلك كقوله {فك رقبة} إلى قوله {أية : ثم كان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 17] أي كان مع هذا من أهل الإيمان بالله. ونصب {الأرض} {والجبال} فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير. قال المفسرون: أراد بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعاراً للإنسان ولهذا قال {متاعاً} أي فعل كل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم. حين فرغ من دلائل القدرة على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة. والطامة الداهية التي لا تطاق من قولهم طم الفرس طميماً إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدّة، وفي أمثالهم " جرى الوادي فطم على القري " وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار. وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئاً وقهره وأخفاه فقد طمه. وقيل: الطامة النفخة الثانية عن الحسن. وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. قال جار الله: {يوم يتذكر} بدل من {إذا جاءت} لأنه إذا رأى أعماله مدوّنة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها. قوله {وبرزت الجحيم لمن يرى} كقولهم " قد بين الصبح لذي عينين " وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر. وقيل: إنها برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر. {أية : وبرّزت الجحيم للغاوين} تفسير : [الشعراء: 91] وقوله {طغى} إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان. قوله {وآثر الحياة الدنيا} رمز إلى اختلال القوّة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة. واللام في {المأوى} للعهد الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن الألف، واللام بدل من الإضافة. قوله {خاف مقام ربه} نقيض طغى. قوله {ونهى النفس} الأمارة {وآثر الحياة الدنيا} فهذا الشخص إذا كامل في قوّته النظرية والعملية. وتفسير {خاف مقام ربه} قد مر في سورة الرحمن. {ونهى النفس} ضبطها وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك. ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الطامة والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون {أيان مرساها} أي زمان إرسائها وهو إقامة الله إياها وقد مر في آخر " الأعراف ". وعن عائشة رضي الله عنها لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت. وقوله {فيم أنت} على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها حرصاً على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحداً من خلقه. ويجوز أن يكون قوله {فيم أنت من ذكراها} من تتمة السؤال أي يسألونك فيم أنت من العلم بها. ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا السؤال. ثم قيل: أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت {إنما أنت منذر} لا تتعداه إلى العلم بالغيب الذي العلم بالساعة جزئي منه. وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون بذلك. ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا. وقيل: في القبور. روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى. وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم تلك العشية على أن الإضافة في {ضحاها} يكفي فيها أدنى ملابسة وهو ههنا إجتماعهما في نهار واحد. قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوماً كاملاً. قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضاً بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها. فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم أن مجموع الدنيا في ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه عشية أو ضحاها نظيره قول القائل " ما سرت إلا عشية أو ضحى " فإنه لا يفهم منه إلا السير في بعض يوم مّا، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر. ولو قال " إلا عشية أو ضحاها " لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين من يوم واحد. قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين الساعتين. أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم حين أرادو التعبير عن بعض اليوم. قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً} قال ابن عباس وابن مسعود: {ٱلنَّازِعَاتِ}: الملائكةُ، تَنْزِعُ نفوسَ بني آدم، و{غَرْقاً} على هذا القول إما أن يكونَ مصدراً بمعنى الإغْراقِ والمبالغةِ في الفعل، وإما أنْ يكونَ كما قال علي وابن عباس: تُغْرِقُ نفوسَ الكفرةِ في نار جهنم، وقيل غيرُ هذا، واخْتُلِفَ في {ٱلنَّاشِطَاتِ} فقال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكةُ تَنْشطُ النفوسَ عند الموتِ، أي: تَحُلُّها كَحَلِّ العِقَالِ، وتَنْشَطُ بأمْرِ اللَّه إلى حيثُ شَاء، وقال ابن عباس أيضاً: الناشطاتُ النفوسُ المؤمِنَة تَنْشَط عند الموتِ للخروج، * ت *: زاد الثعلبيُّ عنه: وذلك أنَّه ليسَ مؤمنٌ يَحْضُرُهُ الموتُ إلا عُرِضَتْ عليه الجنةُ قَبْلَ أَن يموتَ فَيَرى فيها أشْبَاهَاً من أهلِه وأزْواجهِ من الحُور العينِ، فَهُمْ يَدْعُونه إليها فَنَفْسُه إليهم نَشِيطَة أن تخرج فتأتيهم، انتهى، وقيل غيرُ هذا واخْتُلِف في {ٱلسَّابِحَاتِ} هنا فقِيلَ: هي النجوُمُ، وقيل: هي الملائِكَةُ؛ لأَنَّهَا تَتَصَّرفُ في الآفاقِ بأمْرِ اللَّه، وقيلَ: هي الخيلُ، وقيل: هي السفنُ، وقيل: هي الحيتانُ ودوابُّ البَحْرِ، واللَّه أعلم، واخْتُلِفَ في {َٱلسَّابِقَاتِ}، فقيلَ هي الملائكةُ، وقيل: الرياحُ، وقيل: الخيلُ، وقيل: النُّجُوم، وقيل: المَنايَا تَسْبِقُ الآمالَ، وأما {ٱلْمُدَبِّرَاتِ} فَهِي الملائكة قَولاً واحداً فيما علمتُ، تدبّر الأمورَ التي سخَّرَها اللَّهُ لَها وصَرَّفَها فيها؛ كالرياحِ والسحابِ، وغير ذلك، و{ٱلرَّاجِفَةُ} النفخةُ الأولى، و{ٱلرَّادِفَةُ} النفخة الأخِيرَة، وقال ابن زيد: {ٱلرَّاجِفَةُ}: الموتُ، و{ٱلرَّادِفَةُ}: الساعة، وفي «جَامِع الترمذي» عن أُبيِّ بن كَعْبٍ قال: «حديث : كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ، فَقَالَ: يَأَيُّهَا النَّاسُ، ٱذْكُرُوا اللَّهَ، ٱذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه، [جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ]» تفسير : الحديثَ، قَال أبو عيسَىٰ: هذا حديثٌ حسنٌ، انْتَهَى، وقد أتى به * ع * هنا وقال: إذا ذَهَبَ رُبُعُ الليل، والصوابُ ما تقدَّم، ثم أخبرَ تعالى عن قلوبٍ تَجِفُ [في] ذلكَ اليومِ، أي: تَرْتَعِدُ خوفاً وفَرَقاً من العذابِ، واخْتُلِفَ في جوابِ القسم: أين هو؟ فقال الزجاج والفراء: هو محذوفٌ دَلَّ عليهِ الظاهرُ تقديرُه: لَتَبْعَثُنَّ ونحوُه، وقال آخرونَ: هو موجودٌ في جملة قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} كأنه قَال لَتَجِفَنَّ قلوبُ قومٍ يومَ كَذَا.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً} يجوز في "غرقاً" أن يكون مصدراً على حذفِ الزوائد، بمعنى "إغْرَاقاً"، وانتصابه بما قبله لملاقاته في المعنى. وإمَّا على الحال، أي: ذواتُ إغراقٍ، يقال: أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل، وبلغ أقصى غايته، ومنه أغرق النازع في القوس أي: بلغ غاية المد والاستغراق والاستيعاب. فصل في المراد بالنازعات أقسم الله تعالى بهذه الأسماء الخمسة على أن القيامة حق. و "النَّازعات" قيل: هي الملائكة التي تنزع أرواح الكُفَّار، قاله علي، وابن مسعود، ومسروق، ومجاهد. قال ابن مسعود: يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم، من تحت كل شعرة، ومن تحت الأظافير، وأصول القدمينِ نزعاً، كالسَّفُّود ينزع من الصوف الرَّطب، ثم يغرقُها، يرجعها إلى أجسادهم، ثم ينزعها، فهذا عمله في الكفَّار. وقال سعيد بن جبر: نُزعَتْ أرْواحُهم، ثم غرقت، ثم حرقت، ثم قذف بها في النار. وقيل: يرى الكافر نفسه في وقت النَّزع كأنها تغرق. وقال السدي: "والنَّازِعَات" هي النفوس حين تغرقُ في الصُّدور. وقال مجاهد: هي الموت ينزع النفوس. وقال الحسن وقتادة: هي النَّجوم تنزع من أفق إلى أفق، أي: تذهب، من قولهم: نزع إليها أي ذهب، أو من قولهم: نزعت الخيل، أي: "جرت"، "غرقاً" أي أنها تغرق وتغيب وتطلع من أفق إلى أفق آخر، وهو قول أبي عبيدة وابن كيسان والأخفش. وقال عطاء وعكرمة: "والنَّازعَاتِ" القسيُّ تنزع بالسهام. "غرقاً" بمعنى: إغراق، وإغراق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدِّ حتى ينتهي إلى النَّصلِ، ويقال لقشرة البيضة الدَّاخلة "غِرقئ". وقيل: هم الغُزَاةُ الرُّماة، وهو الذي قبله سواء؛ لأنه إذا أقسم بالقسي فالمراد: النازعون بها تعظيماً لها، كقوله تعالى: {أية : وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} تفسير : [العاديات: 1]. وقال يحيى بنُ سلام: هي الوحش تنوزع من الكلأ وتنفر. ومعنى"غرقاً" أي: إبعاداً في النزع. قوله تعالى: {وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً}. اعلم أن "نَشْطاً، وسَبْحاً، وسَبْقاً" كلها مصادر. والنَّشْطُ: الرَّبْطُ، والإنشاطُ: الحل، يقال: نَشَطَ البعير: رَبطهُ، وأنشطهُ: حله. ومنه: "كأنَّما أنشط من عقال"، فالهمزة للسَّلب، ونشط: ذهب بسرعةٍ، ومنه قيل لبقر الوحش: النواشط؛ وقال هميانُ بنُ قحافةَ: [الرجز] شعر : 5086- أمْسَتْ هُمومِي تَنْشِطُ المنَاشِطَا الشَّام بِي طَوْراً وطَوْراً واسِطَا تفسير : ونشط الحبل أنشطه أنشوطة: عقدته، وأنْشَطْتُه: مددته، ونشط كـ "أنشط". قال الأصمعي: بئرٌ أنشاط: أي: قريبةُ القعرِ، يخرج الدَّلوُ منها بجذبةٍ واحدةٍ، وبئر نشُوط، قال: وهي التي لا تخرج الدلو منها حتى تنشط كثيراً. فصل في المراد بالناشطات قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن، فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حلَّ عنه. وقيل: يعني أنفس الكفار والمنافقين تنشط كما ينشط العقب الذي يعقب به السَّرج. والنَّشْطُ: الجذبُ بسرعة. ومنه الأُنشوطةُ: عقدة يسهل انحلالُها إذا جذبتْ مثل عقدة التكّة. قال الليث: أنشطه بأنشوطة وأنشوطتين أي: أوثقته، وأنشطت العقال، أي: مددت أنشوطته فانحلّت. ويقال: نشط بمعنى أنشط، لغتان بمعنى. وعن ابن عباس أيضاً: أن الناشطات الملائكة، لنشاطها تذهب وتجيء بأمر ربها حيثما كان. وقال مجاهدٌ: هو الموت ينشط نفس الإنسان. وقال السدي: هي النفوس حين تَنْشَطُ من القدَميْنِ. وقال قتادةُ، والحسنُ والأخفشُ: هي النجوم تنشط من أفقٍ إلى أفقٍ، أي: تذهب. قال الجوهريُّ: يعني النجوم تنشطُ من بُرجٍ إلى برجٍ، كالثَّور الناشط من بلدٍ إلى بلدٍ. وقيل: "النازعات" للكافرين: و "النَّاشطاتِ" للمؤمنين، فالملائكةُ يجْذِبُونَ أرواح المؤمنين برفقٍ. والنَّزْعُ: جذبٌ بشدَّةٍ. وقيل: هما جميعاً للكفَّار، والاثنان بعدهما للمؤمنين. قوله: {وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً}. قال عليٌّ رضي الله عنه: هي الملائكة تُسبح أرواح المؤمنين. قال الكلبيُّ: كالذي يسبح في الماء، فأحياناً يَنْغَمِسُ، وأحياناً يرتفع يسلُّونها سلاًّ رفيقاً بسهولة، ثم يدعُونهَا حتى تستريح. وقال مجاهدٌ وأبو صالحٍ: هي الملائكة ينزِلُونَ من السماء مُسْرِعينَ لأمر الله تعالى، كما يقال للفرس الجواد: سابحٌ إذا أسرع في جريه، وعن مجاهد: السابحات: الموت يسبح في نفوس بني آدم. وقيل: هي الخيل الغزاة. قال عنترةُ: [مجزوء الكامل] شعر : 5087- والخَيْلُ تَعْلمُ حِينَ تَسْـ ـبَحُ في حِيَاضِ المَوْتِ سَبْحاً تفسير : وقال قتادة والحسنُ: هي النجوم تسبحُ في أفلاكها، وكذا الشمس والقمر. قال تعالى: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 33]. وقال عطاءُ: هي السُّفن تسبحُ في الماءِ. وقال ابن عباسٍ: أرواح المؤمنين تسبحُ شوقاً إلى لقاء الله تعالى ورحمته حين تخرج. قوله تعالى: {فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً}. قال عليٌّ رضي الله عنه: هي الملائكة، تسبقُ الشياطينَ بالوَحْيِ إلى الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وهو قول مسروق ومجاهد. وعن مجاهد - أيضاً - وأبي روق: هي الملائكة سبقت بني آدم إلى العملِ الصَّالحِ، فتكتبه. وعن مجاهد - أيضاً - الموت يسبقُ الإنسان. وقال مقاتلٌ: هي الملائكة تسبقُ بأرواح المؤمنين إلى الجنَّةِ. وقال ابنُ مسعودٍ: هي أنفس المؤمنين، تسبقُ إلى الملائكة الذين يقبضونها، وقد عاينت السرور شوقاً إلى لقاءِ الله تعالى. وقال قتادةُ والحسن ومعمر: هي النجوم تسبق بعضها. وقال عطاءٌ: هي الخيلُ التي تسبقُ إلى الجهاد. وقيل: يحتملُ أن تكون "السَّابقات" ما تسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة، أو نار؛ حكاه الماورديُّ. قال الجرجانيُّ: وذكر "فالسَّابقَاتِ" بالفاء؛ لأنها مشتقة من التي قبلها، أي: واللاتي يَسْبَحْنَ فيسبقن، قام فذهب، فهذا يوجبُ أن يكون القام سبباً للذهابِ. قال الواحديُّ: قول صاحب النَّظم غير مطرد في قوله: "فالمُدبِّراتِ أمْراً"؛ لأنه يبعد ان يجعل السَّبقُ سبباً للتَّدبير. قال ابن الخطيب ويمكن الجواب عن اعتراض الواحديِّ: بأنها لمَّا أمرتْ سبَحتْ، فسَبقَتْ، فدَبَّرتْ ما أمِرَتْ بتَدْبِيرِهِ، فتكون هذه أفعالاً يتَّصِلُ بعضها ببعض، كقولك: قام زيد، فذهب، فضرب عمراً، أو لمَّا سبقُوا في الطَّاعاتِ يُسَارِعُونَ إليها، ظهرت أمانَتهُمْ، ففوَّض إليهم التَّدبيرَ. قوله: {فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}. قيل: "أمْراً" مفعول بالمُدبِّراتِ. وقيل: حال، تُدبِّرهُ مأمورات، وهو بعيد. قال القشيريُّ: أجمعوا على أن المراد: الملائكة. وقال الماورديُّ: فيه قولان: أحدهما: الملائكةُ، قاله الجمهور. والقول الثاني: هي الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل. وفي تدبيرها الأمور وجهان: أحدهما: تدبيرُ طُلوعِهَا وأفُولِهَا. والثاني: في تدبير ما قَضى الله - تعالى - فيها من تقليب الأحوال. وحكى هذا القول - أيضاً - القشيري في تفسيره، وأن الله - تعالى - علَّق كثيراً من تدبير العالم بحركاتِ النُّجُومِ، فأضيف التدبير إليها، وإن كان من الله - تعالى - كما يُسمَّى الشيء باسم ما يجاوره. وقال شهاب الدِّين: والمراد بهؤلاء إمَّا طوائفُ الملائكة، وإمَّا طوائفُ خيل الغزاة، وإما النجوم، وإمَّا المنَايَا، وإمَّا بقرُ الوحشِ وما جرى مجراها لسرعتها، وإما أرواح المؤمنين يعني المذكورين في جميع القسم. فصل في تدبير الملائكة "تَدْبِيْرُ المَلائِكَة": نزولها بالحلالِ، والحرام، وتفصيله, قال ابن عباس: وقتادة، وغيرهما إلى الله تعالى، ولكن لمَّا أنزلت الملائكةُ سُمِّيت بذلك، كما قال تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} تفسير : [الشعراء: 193، 194]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} تفسير : [النحل: 102] يعني: جبريل نزَّلهُ على قلب محمدٍ صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى هو الذي أنزلهُ. وروى عطاء عن ابن عباس: "فالمُدبِّراتِ أمْراً"، هي الملائكة وكلَّت بِتدْبِيْرِ أحوال أهلِ الأرض في الرياح والأمطار، وغير ذلك. قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ ساباط: تدبير أمر الدنيا إلى أربعة: جِبْرِيلِ، ومِيْكَائِيلِ، وملكِ الموتِ واسمه عِزْرَائِيلُ، وإسْرَافِيْل، فأمَّا جِبْرِيْل، فمُوكَّلٌ بالرياح، والجنود، وأمَّا مِيْكَائِيْل، فموكَّلُ بالقَطْرِ والنِّباتِ، وأمَّا ملكُ الموتِ فمُوكَّلٌ بقبض الأرْواحِ في البرِّ والبَحْرِ، وأما إسْرَافِيلُ، فهو ينزلُ بالأمر عليهم، وليس في الملائكة أقربُ من إسرافيل وبينه وبين العرش خَمْسمائةِ عامٍ. وقيل: وُكِّلُوا بأمُورٍ عَرَّفهمُ اللهُ بِهَا. فإن قيل: لِمَ قَالَ: "أمْراً"، ولم يَقُلْ: أمُوراً، فإنهم يدبرون أمُوراً كثيرة؟. فالجوابُ: أن المرادَ به الجنسُ، فهو قائم مقام الجمعِ. واعلم أنَّ هذه الكلمات أقسم الله - تعالى - بها، ولله - تعالى - أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا ذلك.

البقاعي

تفسير : لما ذكر سبحانه يوم يقوم الروح ويتمنى الكافر العدم، أقسم أول هذه بنزع الأرواح على الوجه الذي ذكره بأيدي الملائكة عليهم السلام على ما يتأثر عنه من البعث وساقه على وجه التأكيد بالقسم لأنهم به مكذبون فقال تعالى: {والنازعات} أي من الملائكة - كما قال علي وابن عباس رضي الله عنهم - للأرواح ولأنفسها من مراكزها في السماوات امتثالاً للأوامر الإليهة {غرقاً *} أي إغراقاً بقوة شديدة تغلغلاً إلى أقصى المراد من كل شيء من البدن حتى الشعر والظفر والعظم كما يغرق النازع في القوس فيبلغ أقصى المدّ، وكان ذلك لنفوس الكفار والعصاة كما ينزع السفود وهو الحديدة المتشعبة المتعاكسة الشعب من الصوف المبلول، وعم ابن جرير كما هي عادته في كل ما يحتمله اللفظ فقال: والصواب أن يقال: إن الله تعالى لم يخصص، فكل نازعة داخلة في قسمه - يعني الاعتبار بما آتاها الله من القدرة على ذلك النزع الدالة على تمام الحكمة والاقتدار على ما يريده سبحانه. ولما ذكر الشد مبتدئاً به لأنه أهول، أتبعه الرفق فقال: {والناشطات} أي المخرجات برفق للأرواح أو لأجنحتها من محالها {نشطاً *} أي رفقاً فلا تدع وإن كان رفيقاً بين الروح والجسد تعلقاً كما ينشط الشيء من العقال أي يحل من عروة كانت عقدت على هيئة الأنشوطة، قال الفراء إنه سمع العرب يقولون: نشطت العقال - إذا حللته، وأنشطت - إذا عقدت بأنشوطة - انتهى، والنشط أيضاً: الجذب والنزع، يقال: نشطت الدلو نشطاً - إذا نزعتها. وقال الخليل: النشط والإنشاط مدك الشيء إلى نفسك حتى ينحل، وكان هذا الأرواح أهل الطاعة، وكذلك نزع النبات والإنساء والإنماء لكل ما يراد نزعه أو نشطه، فالذي قدر بعض عبيده على هذا الذي فيه تمييز الأرواح من غيرها على ما لها من اللطافة وشدة الممازجة قادر على تمييز جسد كل ذي روح من جسد غيره بعد أن صار كل تراباً واختلط بتراب الآخر. ولما ذكر نوعي السل بالشدة والرفق، ذكر فعلها في إقبالها إليه ورجوعها عنه فقال: {والسابحات} أي من الملائكة أيضاً في الجو بعد التهيؤ للطيران إلى ما أمرهم الله به من أوامره من الروح أو غيرها {سبحاً *} هو في غاية السرعة لأنه لا عائق لها بل قد أقدرها الله على النفوذ في كل شيء كما أقدر السابح في الماء والهواء، ولذلك نسق عليه بالفاء قوله: {فالسابقات} أي بعد السبح في الطيران إلى ما أمروا به من غمس الأرواح في النعيم أو الجحيم أو غير ذلك مما أمروا به في أسرع من اللمح مع القدرة والغلبة لجميع ما يقع محاولته {سبقاً *} . ولما بان بذلك حسن امثتالها للأوامر، بان به عظيم نظرها في العواقب فدل على ذلك بالفاء في قوله: {فالمدبرات} أي الناظرات في أدبار الأمور وعواقبها لإتقان ما أمروا به في الأرواح وغيرها {أمراً *} أي عظيماً، ويصح أن يكون للشمس والقمر والكواكب والرياح والخيل السابحة في الأرض والجو لمنفعة العباد وتدبير أمورهم، وبعضها سابق لبعض، وبه قال بعض المفسرين، والجواب محذوف إشارة إلى أنه من ظهور العلم به - بدلالة ما قبله وما بعده عليه - في حد لا مزيد عليه، فهو بحيث لا يحتاج إلى ذكره فحذفه كإثباته بالبرهان فتقديره: لتذهبن بالدنيا التي أنتم بها مغترون لنزعنا لها من حالها وتقطيع أوصالها، فإن كل ما تقدم من أعمال ملائكتنا هو من مقدمات ذلك تكذيباً لقول الكفار {أية : ما هي إلا حياتنا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}تفسير : [الجاثية: 24] المشار إليه بتساؤلهم عنها لأنه على وجه الاستهزاء والتكذيب ولتقومن الساعة؟ أو أنكم لمبعوثون بعد الموت وانتهاء هذه الدار؟ ثم لمجازون بما عملتم بأسباب موجودة مهيأة بين أظهركم دبرناها وأوجدناها حين أوجبنا هذه الحياة الدنيا وإن كنتم لا ترونها كما أن هذه الأمور التي أخبرناكم بها في نزع الأرواح والنبات والمنافع موجودة بين أظهركم والميت أقرب ما يكون منكم وهي تعمل أعمالها. والمحتضر أشد ما يكون صوتاً وأعظمه حركة إذا هو قد خفت وهمد بعد ذلك الأمر وسكت وامتدت أعضاؤه ومات، وذهب عنكم قهراً وفات الذي فات كأنه قط ما كان، ولا تغلب في زمن من الأزمان، بتلك الأسباب التي تعمل أعمالها وتمد حبالها وترسي أثقالها، وتلقي أهوالها وأوجالها، وأنتم لا ترونها، فيالله العجب أن لا يردكم ذلك على كثرته عن أن تستبعدوا على قدرته تمييز تراب جسد من تراب جسد آخر. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضحت سورة النبأ حال الكافر في قوله{أية : يا ليتني كنت تراباً}تفسير : [النبأ: 40] عند نظره ما قدمت يداه، ومعانيته من العذاب عظيم ما يراه، وبعد ذكر تفصيل أحوال وأهوال، أتبع ذلك ما قد كان حاله عليه في دنياه من استبعاد عودته في أخراه، وذكر قرب ذلك عليه سبحانه كما قال في الموضع الآخر {أية : وهو أهون عليه}تفسير : [الروم: 27] وذلك بالنظر إلينا ولما عهدناه، وإلا فليس عنده سبحانه شيء أهون من شيء {أية : إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}تفسير : [يس: 82] فقال تعالى: {والنازعات غرقاً} [النازعات: 1] إلى قوله: {يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أئذا كنا عظاماً نخرة} [النازعات: 10 – 11] إذ يستبعدون ذلك ويستدفعونه{أية : فإنما هي زجرة واحدة}تفسير : [النازعات: 13] أي صيحة {أية : فإذا هم بالساهرة}تفسير : [النازعات: 14] أي الأرض قياماً ينظرون ما قدمت أيديهم ويتمنون أن لو كانوا تراباً ولا ينفعهم ذلك، ثم ذكر تعالى من قصة فرعون وطغيانه ما يناسب الحال في قصد الاتعاظ والاعتبار، ولهذا أتبع القصة بقوله سبحانه{أية : إن في ذلك لعبرة لمن يخشي}تفسير : [النازعات: 26] انتهى. ولما أقسم على القيام بتلك الأفعال العظام التي ما أقدر أهلها عليها إلا الملك العلام. ذكر ما يكون فيه من الأعلام تهويلاً لأمر الساعة لأن النفوس المحسوسات نزاعة، فالغائبات عندها منسية مضاعة فقال ناصباً الظرف بذلك المحذوف لأنه لشدة وضوحه كالملفوظ به: {يوم ترجف} أي تضطرب اضطراباً كبيراً مزعجاً {الراجفة *} أي الصيحة، وهي النفخة الأولى التي هي بحيث يبلغ - من شدة إرجافها للقلوب وجميع الأشياء الساكنة من الأرض والجبال إلى نزع النفوس من جميع أهل الأرض - مبلغاً تستحق به أن توصف بالعراقة في الرجف، قال البغوي: وأصل الرجفة الصوت والحركة. ولما ذكر الصيحة الأولى، أتبعها الثانية حالاً منها دلالة على قربها قرباً معنوياً لتحقق الوقوع، ولأن ذلك كله في حكم يوم واحد، فصح مجيء الحال وإن بعد زمنه من زمن صاحبه فقال: {تتبعها الرادفة *} أي الصيحة التابعة لها التي يقوم بها جميع الأموات وتجتمع الرفات، وتضطرب من هولها الأرض والسماوات، وتدك الجبال ويعظم الزلزال، ويكون عنها التسيير بعد المصير إلى الكثيب المهيل، ونحو ذلك من الأمر الشديد الطويل، قال حمزة الكرماني: روى السدي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحياة فينبتون منه كما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح ثم يلقى عليهم نومة فبينما هم في قبورهم نفخ في الصور ثانية فجلسوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم. ولما ذكر البعث، ذكر حال المكذب به لأن السياق له، فقال مبتدئاً بنكرة موصوفة: {قلوب يومئذ} أي إذ قام الخلائق بالصيحة التابعة للأولى {واجفة *} أي شديدة الاضطراب أجوافها خوفاً تكاد تخرج منها من شدة الوجيف، ولما وصفها بالاضطراب، وكان قد يخفى سببه لكونه قد يكون عند السرور العظيم كما قد يكون عند الوجل الشديد، أخبر عنه بما يحقق معناه فقال: {أبصارها} أي أبصار أصحابها فهو من الاستخدام {خاشعة *} أي ذليلة ظاهر عليها الذل واضطراب القلوب من سوء الحال ولذلك أضافها إليها. ولما وصفها بالاضطراب والذل، علله ليعرف منه أن من يقول ضد قولهم يكون له ضد وصفهم من الثبات والسكون والعز الظاهر فقال: {يقولون} أي في الدنيا قولاً يجددونه كل وقت من غير خوف ولا استحياء استهزاءً وإنكاراً. {أإنا لمردودون} أي بعد الموت ممن يتصف بردنا كائناً من كان {في الحافرة *} أي في الحياة التي كنا فيها قبل الموت هي حالتنا الأولى، من قولهم: رجع فلان في حافرته، أي طريقته التي جاء بها فحفرها أي أثر فيها بمشيه كما تؤثر الأقدام، والحوافر في الطرق، أطلق على المفعولة فاعلة مبالغة وذلك حقيقته، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم رجع إليه: رجع إلى حافرته، وقيل: الحافرة الأرض التي هي محل الحوافر. ولما وصف قلوبهم بهذا الإنكار الذي ينبغي لصاحبه أن يذوب منه خجلاً إذا فرط منه مرة واحدة، وأشار إلى شدة وقاحتهم بتكريره، أتبعه التصريح بتكريرهم له على وجه مشير إلى العلة الحاملة لهم على قوله وهو قولهم: {أإذا كنا} أي كوناً صار جبلة لنا {عظاماً نخرة *} أي هي في غاية الانتخار حتى تفتتت، فكان الانتخار وهو البلى والتفتت والتمزق كأنه طبع لها طبعت عليه، وهي أصلب البدن فكيف بما عداها من الجسم، وعلى قراءة "ناخرة" المعنى أنها خلا ما فيها فصار الهواء ينخر فيها أي يصوّت.

السيوطي

تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عليّ في قوله‏:‏ ‏ {‏والنازعات غرقا‏ً} ‏ قال‏:‏ هي الملائكة تنزع أرواح الكفار ‏ {‏والناشطات نشطا‏ً} ‏ هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها ‏ {‏والسابحات سبحا‏ً} ‏ هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض ‏ {‏فالسابقات سبقا‏ً}‏ هي الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله ‏ {‏فالمدبرات أمرا‏ً} ‏ قال‏:‏ هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والنازعات غرقا‏ً}‏ قال‏:‏ هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ‏{‏والنازعات غرقاً والناشطات نشطا‏ً} ‏ قال‏:‏ الموت‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏والناشطات نشطا‏ً}‏ قال‏:‏ الموت‏.‏ وأخرج جويبر في تفسيره عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏والنازعات غرقاً‏}‏ قال‏:‏ هي أرواح الكفار لما عاينت ملك الموت فيخبرها بسخط الله غرقت فينشطها انتشاطاً من العصب واللحم ‏ {‏والسابحات سبحاً‏}‏ أرواح المؤمنين لما عاينت ملك الموت قال‏:‏ اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، سبحت سباحة الغائص في الماء فرحاً وشوقاً إلى الجنة ‏ {‏فالسابقات سبقاً‏}‏ قال‏:‏ تمشي إلى كرامة الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله‏:‏ ‏ {‏والنازعات غرقاً والناشطات نشطا‏ً}‏ قال‏:‏ هاتان الآيتان للكفار عند نزع النفس تنشط نشطاً عنيفاً مثل سفود في صوف، فكان خروجه شديداً {‏والسابحات سبحاً فالسابقات سبقا‏ً} ‏ قال‏:‏ هاتان للمؤمنين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏{‏والنازعات غرقا‏ً} ‏ قال‏:‏ النفس حين تغرق في الصدور ‏ {‏والناشطات نشطا‏ً} ‏ قال‏:‏ الملائكة حين تنشط الروح من الأصابع والقدمين ‏{‏والسابحات سبحا‏ً}‏ حين تسبح النفس في الجوف تتردد عند الموت‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏ {‏والنازعات غرقا‏ً} ‏ قال‏:‏ الملائكة الذين يلون أنفس الكفار إلى قوله‏:‏ ‏{‏والسابحات سبحاً‏} ‏ قال‏:‏ الملائكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح ‏ {‏والنازعات غرقاً‏} ‏ قال‏:‏ الملائكة ينزعون نفس الإِنسان ‏ {‏والناشطات نشطا‏ً} ‏ قال‏:‏ الملائكة ينشطون نفس الإِنسان ‏ {‏والسابحات سبحا‏ً}‏ قال‏:‏ الملائكة حين ينزلون من السماء إلى الأرض ‏ {‏فالسابقات سبقا‏ً} ‏ قال‏:‏ الملائكة ‏{‏فالمدبرات أمرا‏ً} ‏ قال‏:‏ الملائكة يدبرون ما أمروا به‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد ‏ {‏والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً‏} ‏ قال‏:‏ الموت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد ‏ {‏والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً فالمدبرات أمرا‏ً}‏ قال‏:‏ الملائكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏والنازعات غرقا‏ً} ‏ قال‏:‏ هو الكافر ‏{‏والناشطات نشطا‏ً} ‏ قال‏:‏ هي النجوم ‏ {‏والسابحات سبحا‏ً} ‏ قال‏:‏ هي النجوم ‏{‏والسابقات سبقا‏ً} قال‏:‏ هي النجوم ‏ {‏فالمدبرات أمرا‏ً} ‏ قال‏:‏ هي الملائكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء ‏ {‏والنازعات غرقا‏ً} ‏ قال‏:‏ القسي ‏ {‏والناشطات نشطا‏ً} ‏ قال‏:‏ الأوهاق ‏ {‏فالسابقات سبقا‏ً} ‏ قال‏:‏ الخيل‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"حديث : ‏لا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار‏.‏ قال الله‏:‏ ‏{‏والناشطات نشطا‏ً}‏ أتدري ما هو‏؟ قلت يا نبي الله‏:‏ ما هو‏؟‏ قال‏: كلاب في النار تنشط العظم واللحم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏والسابحات سبحاً‏} ‏ قال‏:‏ هي النجوم كلها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أن ابن الكوّا سأله عن ‏ {فالمدبرات أمرا‏ً}‏ قال‏:‏ الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الرحمن بن سابط قال‏:‏ يدبر أمر الدنيا أربعة جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل، فإما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل عليهم بالأمر‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت من طريق أبي المتوكل الناجي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فالمدبرات أمرا‏ً} ‏ قال‏:‏ ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم، فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يؤمن على الدعاء، ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ويدلى في حفرته‏.‏ أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏يوم ترجف الراجفة‏} ‏ قال‏:‏ النفخة الأولى ‏ {‏تتبعها الرادفة‏} ‏ قال‏:‏ النفخة الثانية {‏قلوب يومئذ واجفة‏} قال‏:‏ خائفة ‏{‏أئنا لمردودون في الحافرة‏} ‏ قال‏:‏ الحياة‏.‏ وأخرج عبد حميد والبيهقي في البعث عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏يوم ترجف الراجفة‏} ‏ قال‏:‏ ترجف الأرض والجبال، وهي الزلزلة ‏ {‏تتبعها الرادفة‏} ‏ قال‏:‏ دكتا دكة واحدة‏.‏ وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبيّ بن كعب قال‏:‏‏ ‏حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال‏: "‏يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف الراجفة رجفاً وتزلزل بأهلها وهي التي يقول الله‏:‏ ‏{‏يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة‏}‏ يقول‏:‏ مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل القنديل المعلق بأرجائه ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ‏ {‏يوم ترجف الراجفة‏} ‏ قال‏:‏ النفخة الأولى {‏تتبعها الرادفة‏}‏ قال‏:‏ النفخة الثانية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏{‏يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة‏} ‏ قال‏:‏ هما الصيحتان، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله، وأما الأخرة فتحيي كل شيء بإذن الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه سئل عن قول الله ‏{‏يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة‏} ‏ قال‏:‏ هما النفختان، أما الأولى فتميت الأحياء، وأما الثانية فتحيي الموتى، ثم تلا هذه الآية ‏{‏أية : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون‏} تفسير : [الزمر: 68‏]‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏قلوب يومئذ واجفة‏} ‏ قال‏:‏ وجلة متحركة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ‏{‏قلوب يومئذ واجفة‏}‏ قال‏:‏ خائفة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏قلوب يومئذ واجفة‏} قال‏:‏ وجلة وفي قوله‏:‏ ‏ {‏أئنا لمردودون في الحافرة‏}‏ قال‏:‏ الأرض نبعث خلقاً جديداً ‏{‏أئذا كنا عظاماً نخرة‏} ‏ قال‏:‏ مدقوقة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏قلوب يومئذ واجفة‏}‏ قال‏:‏ وجفت مما عاينت ‏ {‏يومئذ أبصارها خاشعة‏}‏ قال‏:‏ ذليلة ‏{‏يقولون أئنا لمردودون في الحافرة‏}‏ أننا لمبعوثون خلقاً جديداً إذا متنا تكذيباً بالبعث ‏ {‏أئذا كنا عظاماً نخرة‏} ‏ قال‏:‏ بالية‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ‏{‏أئنا لمردودون في الحافرة} ‏ قال‏:‏ خلقاً جديداً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ‏ {‏أئنا لمردودون في الحافرة‏} ‏ قال‏:‏ الحياة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله‏:‏ ‏ {‏أئنا لمردودون في الحافرة أئذا كنا عظاماً نخرة‏} ‏ قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية قال كفار قريش‏:‏ لئن حيينا بعد الموت لنحشرن، فنزلت {‏تلك إذاً كرة خاسرة‏}‏ ‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ ‏"‏أئذا كنا عظاماً ناخرة‏"‏ بألف‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ‏"‏ناخرة‏"‏ بألف‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن عمر أنه كان يقرأ هذا الحرف ‏"‏إئذا كنا عظاماً ناخرة‏"‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ سمعت ابن الزبير يقرؤها ‏"‏عظاماً ناخرة‏"‏ فذكرت ذلك لابن عباس فقال‏:‏ أوليس كذلك‏؟‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طرق ابن عباس أنه كان يقرأ التي في النازعات ‏"‏ناخرة‏"‏ بالألف وقال‏:‏ بالية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي وعكرمة وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يقرؤون‏"‏ ناخرة‏"‏ بالألف‏.‏ وأخرج الفراء عن ابن الزبير أنه قال على المنبر‏:‏ ما بال صبيان يقرؤون ‏ {‏نخرة‏} ‏ إنما هي ‏"‏ناخرة‏"‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ‏"‏عظاماً ناخرة‏"‏ قال‏:‏ بالية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ الناخرة العظم يبلى فتدخل الريح فيه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏قالوا تلك إذاً كرة خاسرة‏} ‏ قال‏:‏ إن خلقنا خلقاً جديداً لنرجعن إلى الخسران، وفي قوله‏:‏ ‏{‏فإنما هي زجرة واحدة‏} ‏ قال‏:‏ صيحة ‏ {‏فإذا هم بالساهرة‏} ‏ قال‏:‏ المكان المستوي من الأرض‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏قالوا تلك إذاً كرة خاسرة‏} ‏ قال‏:‏ رجعة خاسرة‏.‏ قال‏:‏ فلما تباعد البعث في أنفس القوم قال الله‏:‏ ‏ {‏إنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة‏}‏ قال‏:‏ فإذا هم على ظهر الأرض بعد أن كانوا في جوفها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال‏:‏ كانوا في بطن الأرض ثم صاروا على ظهرها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والشعبي مثله‏.‏ وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري في الوقف والابتداء وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏{‏فإذا هم بالساهرة‏}‏ قال‏:‏ الأرض كلها ساهرة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ قال أمية بن أبي الصلت‏:‏ شعر : وفيها لحم ساهرة وبحر تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ‏{‏فإذا هم بالساهرة‏}‏ قال‏:‏ الساهرة وجه الأرض، وفي لفظ، قال‏:‏ الأرض كلها ساهرة، ألا ترى الشاعر يقول‏: شعر : صيد بحر وصيد ساهرة تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الشعبي ‏ {‏فإذا هم بالساهرة‏}‏ قال‏:‏ إذا هم بالأرض، ثم تمثل ببيت أمية بن أبي الصلت‏: شعر : وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به أبداً مقيم تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {‏فإذا هم بالساهرة‏} ‏ قال‏:‏ بالأرض‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏فإذا هم بالساهرة‏} ‏ قال‏:‏ بالأرض كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏{‏بالساهرة‏}‏ قال‏:‏ تسمى الأرض ساهرة بني فلان‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سهل بن سعد الساعدي ‏ {‏فإذا هم بالساهرة‏}‏ قال‏:‏ أرض بيضاء عفراء كالخبزة من النقى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه قال‏:‏ الساهرة جبل إلى جنب بيت المقدس‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن قتادة ‏ {‏فإذا هم بالساهرة‏}‏ قال‏:‏ في جهنم‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها خمس أو ست وأربعون {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً * وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً * وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحاً * فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقاً * فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً} إقسامٌ من الله عزَّ وجَلَّ بطوائفِ الملائكةِ الذينَ ينزِعونَ الأرواحَ من الأجساد على الإطلاقِ كما قالَهُ ابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا ومجاهدٌ، أو أرواحَ الكفرةِ كما قالَهُ عليٌّ رضيَ الله عنْهُ وابنُ مسعودٍ وسعيدُ بنُ جُبَـيرٍ ومسروقٌ وينشِطونَها أي يُخرجونَها من الأجسادِ من نشَطَ الدلوَ من البئرِ إذا أخرجَها ويسبحونَ في إخراجِها سبحَ الغواصِ الذي يُخرجُ من البحرِ ما يخرجُ فيسبقونَ بأرواحِ الكفرةِ إلى النارِ وبأرواحِ المؤمنينَ إلى الجنةِ فيدبرونَ أمرَ عقابِها وثوابِها بأنْ يهيئوهَا لإدراكِ ما أُعِدَّ لهَا منَ الآلامِ واللَّذاتِ والعطفُ معَ اتخاذِ الكلِّ بتنزيلِ التغايرِ العُنوانيِّ منزلةَ التغايرِ الذاتي كما في قولِه: شعر : إلى المَلِكِ القِرْمِ وَابنِ الهُمَام وَليثِ الكَتَائبِ فِي المُزدَحمْ تفسير : للإشعارِ بأنَّ كلَّ واحدٍ من الأوصافِ المعدودةِ من معظماتِ الأمورِ حقيقٌ بأن يكونَ على حيالِه مناطاً لاستحقاقِ موصوفِه للإجلالِ والإعظامِ بالإقسامِ بهِ من غيرِ انضمامِ الأوصافِ الأُخرِ إليهِ والفاءُ في الأخيرينِ للدلالةِ على ترتبِهما على ما قبلهُمَا بغيرِ مُهلةٍ كَمَا في قولِه: شعر : يا لهفَ زيّابةَ للحرثِ الـ ـصائحِ فالغانمِ فالآئبِ تفسير : وغَرْقاً مصدرٌ مؤكدٌ بحذف الزوائدِ أيْ إغراقاً في النزع حيثُ تنزعُها منْ أقاصِي الأجسادِ. قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنْهُ: تنزعُ روحَ الكافرِ من جسدِه من تحتِ كلِّ شعرةٍ ومن تحتِ الأظافيرِ وأصولِ القدمينِ ثم تُغرقها في جسدِه ثم تنزعُها حتَّى إذَا كادتْ تخرجُ تردها في جسدِه فهذا عملُها بالكفار، وقيلَ: يَرى الكافرُ نفسَهُ في وقت النزعِ كأنها تغرقُ. وانتصابُ نَشْطاً وسَبْحاً وسَبْقاً أيضاً على المصدريةِ، وأما أمراً فمفعولٌ للمدبراتِ وتنكيرُهُ للتهويلِ والتفخيمِ ويجوزُ أنْ يُرادَ بالسابحاتِ وما بعدَهَا طوائفُ من الملائكةِ يسبحونَ في مُضيهم أي يُسرعونَ فيهِ فيسبقونَ إلى مَا أُمروا بهِ من الأمورِ الدنيويةِ والأخرويةِ. والمُقسمُ عليهِ محذوفٌ تَعْويلاً على إشارةِ ما قبلَهُ من المقسمِ بهِ إليهِ ودلالةِ ما بعدَهُ من أحوالِ القيامةِ عليهِ وهو لتبعثنَّ فإنَّ الإقسامَ بمَنْ يتولَّى نزعَ الأرواحِ ويقومُ بتدبـيرِ أُمورِها يلوحُ بكونِ المقسمِ عليهِ من قبـيلِ تلكَ الأمورِ لا محالةَ وفيهِ مِنَ الجزالةِ ما لا يَخْفى. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يكونَ إقساماً بالنجومِ التي تنزعُ من المشرقِ إلى المغربِ غرقاً في النزعِ بأن تقطعَ الفَلكَ حتَّى تنحطَّ في أقْصَى الغربِ وتنشطَ من برجٍ إلى برجٍ أي تخرجُ من نشطِ الثورِ إذَا خرجَ من بلدٍ إلى بلدٍ وتسبحُ في الفلكِ فيسبقُ بعضُها بعضاً فتدبرُ أمراً نيطَ بهَا كاختلاف الفصولِ وتقديرِ الأزمنةِ وتبـينِ مواقيتِ العباداتِ وحيثُ كانتْ حركاتُها من المشرق إلى المغرب قسريةً وحركاتُها من برجٍ إلى برجٍ ملائمةً عُبِّرَ عنِ الأُولى بالنزعِ وعنِ الثانيةِ بالنشطِ. أو بأنفسِ الغُزاةِ أو أيديهِم التي تنزعُ القِسِيَّ بإغراقِ السهامِ وينشطونَ بالسهمِ للرميِ ويسبحونَ في البرِّ والبحرِ فيسبقونَ إلى حربِ العدوِّ فيدبرونَ أمرَها. أو بخيلِهم التي تنزعُ في أعنَّتِها نزعاً تغرقُ فيه الأعنةَ لطول أعناقِها لأنها عِرابٌ وتخرجُ منْ دارِ الإسلامِ إلى دارِ الحربِ وتسبحُ في جَريها لتسبقَ إلى الغايةِ فتدبرُ أمرَ الظفرِ والغلبةِ، وإسنادُ التدبـيرِ إليها لأنَّها من أسبابِه. هذا والذي يليقُ بشأنِ التنزيلِ هُو الأولُ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً}. أي الملائكة؛ تنزعُ أرواحَ الكفَّارِ من أبدانهم. {غَرْقاً}: أي إغراقاً كالمُغرِق في قَوْسِه. ويقال: هي النجوم تنزع من مكانٍ إلى مكان. {وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً}. هي أنفس المؤمنين تَنْشَط للخروج عند الموت. ويقال: هي الملائكة تنشِطُ أرواحَ الكفار، وتنزعها فيشتدُّ عليهم خروجُها. ويقال: هي الوحوش تنشط من بلدٍ إلى بلدِ. ويقال: هي الأوهاق. ويقال: هي النجوم تنشط من المشارق إلى المغارب ومن المغارب إلى المشارق. {وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً}. الملائكة تسبح في نزولها. ويقال: هي النجوم تسبح في أفلاكها. ويقال: هي السفن في البحار. ويقال: هي أرواح المؤمنين تخرج بسهولة لشوقها إلى الله. {فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً}. الملائكة يسبقون إلى الخير والبركة، أو لأنها تسبق الشياطين عند نزول الوحي، أو لأنها تسبق بأرواح الكفار إلى النار. ويقال: هي النجوم يسبق بعضها بعضاً في الأفول.

البقلي

تفسير : {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} ظاهرة وعيد واشارة النازعات فى الحقيقة الى صولات صدمات تجلى العظمة على قلوب العارفين بنزع الارواح العاشقة عن المعادن الحدوثية الى معادن طوراقات تجلى الكبرياء فتذروها فى هواء الازل والأباد حتى لا يبقى الا وجهه ولا يدوم الا ملكه والناشطات نشاطات الاروح الشايقة والسابحات سبحا هى الارواح العارفة سبح فى بحار ملكوته وقاموس كبرياء جبروته تطلب منها جواهر اسرار الاولية والاخرية والظاهرية والباطنية فالسابقات سبقا هى انفاس الشائقين وهموم العارفين العاشقين يصاعدها عالم الملكوت وجناب الجبروت تسابق كل هم فالمدبرات امرا هى العقول القدسية تدبر امور العبودية بشرايط الهام الحقيقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {والنازعات غرقا} الواو للقسم والقسم يدل على عظم شأن المقسم به ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على ذلك العظم والنازعات جمع نازعة بمعنى طائفة من الملائكة نازعة فأنثت صفة الملائكة باعتبار كونهم طائفة ثم جمعت تلك الصفة فقيل نازعات بمعنى طوائف من الملائكة نازعات وقس عليه الناشطات نحوه والافكان الظاهر أن يقال والنازعين والناشطين والنزع جذب الشئ من مقره بشدة والغرق مصدر بحذف الزوائد بمعنى الاغراق وهو بالفارسية غرقه كردن وكمان رزور كشيدن. والغرق الرسوب فى الماء وفى البلاء فهو مفعول مطلق للنازعات لانه نوع من النزع فيكون شرطه موجودا وهو اتفاق المصدر مع عامله والاغراق فى النزع التوغل فيه والبلوغ الى اقصى درجاته يقال أغرق النازع فى القوس اذا بلغ غابة المد حتى انتهى الى النصل أقسم الله بطوآئف الملائكة التى تنزع ارواح الكفار من اجسادهم اغراقا فى النزع يعنى جان كافران بستختى نزع ميكنند. وايضا ينزعونها منهم معكوسا من الانامل والاظفار ومن تحت كل شعرة كما تنزع الاشجار المتفرقة العروق فى اطراف الارض وكما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول وكما يسلخ جلد الحيوان وهو حى وكما يضرب الانسان ألف ضربة بالسيف بل اشد والملائكة وهم ملك الموت واعوانه من ملائكة العذاب يطعنونهم بحربة مسمومة بسم جهنم والميت يظن أن بطنه قد ملئ شوكا وكأن نفسه تخرج من ثقب ابره وكأن السماء انطبقت على الارض وهو بينهما فاذا نزعت نفس الكافر وهى ترعد اشبه شئ بالزئبق على قدر النحلة وعلى صورة عمله تأخذها الزبانية ويعذبونها فى القبر وفى سجين وهو العذاب الروحانى ثم اذا قامت القيامة انضم الجسمانى الى الروحانى فقوله والنازعات غرقا اشارة الى كيفية قبض ارواح الكفار بشهادة مدلول اللفظ.

ابن عجيبة

تفسير : فإنَّ جواب القسم: لتُبعثن ثم لتعذِّبن. يقول الحق جلّ جلاله: {والنازعاتِ} أي: والملائكة التي تنزع الأرواح من أجسادها، كما قال ابن عباس, أو أرواح الكفرة، كما قاله هو أيضاً وابن مسعود، {غَرْقاً} أي: إغراقاً، من: أَغرق في الشيء: بالغ فيه غايةً، فإنها تُبالغ في نزعها فتخرجها من أقاصي الجسد. قال ابن مسعود: تنزع روح الكافر مِن جسده من تحت كل شعرة، ومِن تحت الأظافر، ومن أصول القدمين، ثم تفرقها في جسده، ثم تنزعها حتى إذا كادت تخرج تردها في جسده، فهذا عملها بالكفار دون المؤمنين. أو: تُغرقها في جهنم، فهو مصدر مؤكد. {والناشطاتِ نشطاً} أي: ينشطونها ويخرجونها من الجسد, من: نَشط الدلو من البئر: أخرجها. {والسابحاتِ سَبْحاً} أي: يسبحون بها في الهوى إلى سدرة المنتهى. شبّه سرعة سيرهم بسبح الهوام، أو يسبحون في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج من البحر ما يخرج، {فالسابقاتِ سبقًا} فيسبقون بأرواح الكفرة إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، {فالمُدبراتِ أَمْراً} تُدبر أمر عقَابها وثوابها، بأن تهيئها لإدراك ما أعدّ لها من الآلام والثواب، أو السابحات التي تسبح في مضيها، فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمراً من أمور العباد، مما يصلحهم في دينهم ودنياهم كما رُسم لهم. أو: يكون تعالى أَقْسَم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب، غرقاً في النزع، بأن تقطع الفلك حتى تنحطّ في أقصى المغرب، وتنشط من برج إلى برج، أي: تخرج، من: نَشط الثور: إذا خرج من بلد إلى بلد، وتَسْبح في الفلك, فتسبق بعضها بعضاً, فتُدبر أمراً نِيط بها، كاختلاف الفصول، وتقدير الأزمنة، وتدبير مواقيت العبادة، وحيث كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسرية ـ أي: قهرية - وحركاتها من برج إلى برج ملائمةً, عبَّر عن الأولى بالنزع، وعن الثانية بالنشط. أو: بأنفس الغُزاة، أو: بأيديهم التي تنزع القِسي، بإغراق السهام، وينشطون بالسهم إلى الرمي، ويَسْبحون في البر والبحر، فيسبقون إلى حرب العدو، فيُدبرون أمرها، أو: بصفات خيلهم، فإنها تنزع في أعنّتها نزعاً تغرق فيه الأعنّة لطول أعناقها، لأنها عراب، وتخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وتَسْبح في جريها، فتسبق إلى العدو, فتدبر أمر الظفر والغلبة. وسيأتي في الإشارة أحسن هذه الأقوال إن شاء الله. وانتصاب "نشطاً" و"سَبْحاً" و"سبقاً" على المصدرية، وأما " أمراً" فمفعول به، وتنكيره للتهويل والتفخيم. والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير العنواني منزلة المتغاير الذاتي؛ للإشعار بأنَّ كل واحدٍ من الأوصاف المعدودة من معظّمات الأمور، حقيق بأن يكون حياله مناطاً لاستحقاق موصوفه للإجلال والإعظام بالإقسام من غير انضمام أوصاف الآخر إليه. والفاء في الأخيرين للدلالة على ترتيبهما على ما قبلهما بلا مهلة. والمقسم عليه محذوف، تعويلاً على إشارة ما قبله من المقسم به إليه، ودلالة ما بعد من أحوال القيامة عليه، فإنَّ الإقسام بمَن يتولى نزع الأرواح، ويقوم بتدبيرها، يلُوح بكون المقسم عليه مِن قبل تلك الأمور لا محالة، ففيه من الجزالة ما لا يخفى. أي: لتُبعثن {يومَ ترجُفُ الراجِفةُ}، فالعامل في الظرف هو الجواب المحذوف. والرجف: شدة الحركة. والراجفة: النفخة الأولى، وُصفت بما حدث عندها لأنها تضطرب لها الأرض حتى يموت مَن عليها، وتزلزل الجبال وتندك الأرض دكاً, ثم {تتبعها الرادِفةُ}؛ النفخة الثانية، لأنها تردف الأولى، وبينهما أربعون سنة، والأولى تُميت الخلق والثانية تُحْييهم. {قلوبٌ يومئذٍ}، وهي قلوب منكري البعث، {واجفةٌ}؛ مضطربة، من: الوجيف، وهو الاضطراب، {أبصارُها} أي: أبصار أصحابها {خاشعةٌ}؛ ذليلة لهول ما ترى، {يقولون} أي: منكرو البعث في الدنيا استهزاءً وإنكاراً للبعث: {أئنا لمردودون في الحافرة}، استفهام بمعنى الإنكار، أي: أنُردّ بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياءً كما كنا؟ والحافرة: الحالة الأولى، يُقال لمَن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي: إلى حالته الأولى، يُقال: لمَن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته, أي: إلى حالته الأولى, ويُقال: رجع في حافرته، أي: طريقته التي جاء فيها، فحفر فيها، أي: أثر فيها بمشيه، وتسميتها حافرة مع أنها محفورة، كقوله: {أية : عيشة راضية }تفسير : [الحاقة:21] على تسمية القابل بالفاعل. أنكروا البعث ثم زادوا استبعاداً فقالوا: {أئذا كنا عظاماً نخرةً}؛ بالية. ونخرة أبلغ من ناخرة؛ لأنَّ "فَعِلٌ" أبلغ من فاعل، يقال: نَخِرَ العظم فهو نَخِرٌ وناخر: بِلَى، فالنَخِر هو البالي الأجوف الذي تمر به الريح فيسمع له نخير، أي: أنُرد إلى البعث بعد أن صرنا عظاماً بالية؟. و"إذا" منصوب بمحذوف، وهو: أنُبعث إذا كنا عظاماً بالية مع كونها أبعد شيء في الحياة. {قالوا} أي: منكروا البعث، وهو حكاية لكفر آخر، متفرع على كفرهم السابق، ولعل توسيط "قالوا" بينهما للإيذان بأنّ صدور هذا الكفر عنه ليس بطريق الاطراد والاستمرار, مثل كفرهم الأول المستمر صدوره عنهم في كافة أوقاتهم، حسبما يُنبىء عنه حكايته بصيغة المضارع، أي: قالوا بطريق الاستهزاء، مُشيرين إلى ما أنكروه من الرد في الحافرة، مشعرين بغاية بُعدها من الوقوع: {تلك إِذاً كرةٌ خاسرةٌ} أي: رجفة ذات خسران، أو خاسر أصحابها، والمعنى: أنها إن صحّت وبُعثنا فنحن إذاً خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاءُ منهم. قال تعالى في إبطال ما أنكروه: {فإِنما هي زجرةٌ واحدة} أي: لا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على الله، بل هي أسهل شيء، فما هي إلاّ صيحة واحدة، يُريد النفخة الثانية, من قولهم: زَجَر البعير: إذا صاح عليه. {فإِذا هم بالسَّاهرةِ} أي: فإذا هم أحياء على وجه الأرض، بعدما كانوا أمواتاً في جوفها. والساهرة: الأرض البيضاء المستوية، سُميت بذلك، لأنَّ السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة جارية، وفي ضدها: عين نائمة، وقيل: إنَّ سالكها لا ينام خوف الهلكة، وقيل: أرض بعينها بالشام إلى جنب بيت المقدس، وقيل: أرض مكة. وقيل: اسم لجهنّم. وعن ابن عباس: أنَّ الساهرة: أرض مِن فضة، لم يُعص اللهَ تعالى عليها قط، خلقها حينئذ. وقيل: أرض يُجددها الله تعالى يوم القيامة. وقيل: الأرض السابعة، يأتي الله بها يوم القيامة فيُحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تُبدل الأرض غير الأرض، وقيل: الساهرة: أرض صحراء على شفير جهنم. والله تعالى أعلم. الإشارة: والأرواح النازعات عن ملاحظة السِّوى غرقاً في بحار الأحدية. والناشطات من علائق الدنيا ومتابعة الهوى نشطاً، والسابحات بأفكارها في بحر أنوار الملكوت، وأسرار الجبروت، سبحاً، فالسابقات إلى حضرة القدس سبقاً، فالمدبرات أمر الكون، بالتصرُّف فيه بالنيابة عن الحق، وهو مقام القطبانية، أو النازعات عن الحظوظ والشهوات غرقاً في التجرُّد إلى العبادات بأنواع الطاعات. وهذه أنفس العُبّاد، والناشطات عن الدنيا، وأهلها فراراً إلى الله نشطاً، وهي أنفس الزُهّاد, والسابحات بعقولها في أسرار العلوم، فتستخرج من الكتاب والسنة درراً ويواقيت، يقع النفع بها إلى يوم الدين، وهي أنفس العلماء الجهابذة، فالسابقات إلى الله بأنواع المجاهدات والسير في المقامات، حتى أفضت إلى شهود الحق عياناً، سبقاً، وهي أنفس الأولياء العارفين، فالمُدبرات أمر الخلائق بقسم أرزاقها وأقواتها ورتبها، وهي أنفس الأقطاب والغوث. وقال البيضاوي: هذه صفات النفوس, وحال سلوكها، فإنها تنزع من الشهوات، وتنشط إلى عالم القدس، فتسْبَح في مراتب الارتقاء، فتسبق إلى الكمالات، حتى تصير من المكمِّلات، زاد الإمام: فتُدبْر أمر الدعوة إلى الله. وقال الورتجبي: إشارة النازعات إلى صولات صدمات تجلي العظمة، فتنزع الأرواح العاشقة عن معادن الحدوثية. ثم قال: والناشطات: الأرواح الشائقة تخرج من أشباحها بالنشاط، حين عاينت جمال الحق بالبديهة وقت الكشف. ثم قال: والسابحات تسْبَح في بحار ملكوته وقاموس كبرياء جبروته، تطلب فيها أسرار الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية، فالسابقات في مصاعدها عالم الملكوت, وجنات الجبروت، تُسابق كل همة, فالمدبِّرات هي العقول القدسية تُدَبّر أمور العبودية بشرائط إلهام الحقيقة. هـ. والمقسَم عليه: ليبعَثن اللهُ الأرواحَ الميتة بالجهل والغفلة، حين تنتبه إلى السير بالذكر والمجاهدة، فإذا حييت بمعرفة الله كانت حياة أبدية. وذلك يوم ترجف النفس الراجفة، وذلك حين تتقدّم لخرق عوائدها ومخالفة هواها، تتبعها الرادفة، وهي ظهور أنوار المشاهدة، فحينئذ تُبعث من موتها، وتحيا حياة لا موت بعدها، وأمّا الموت الحسي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام. قلوب يومئذ ـ أي: يوم المجاهدة والمكابدة ـ واجفة، لا تسكن حتى تُشاهد الحبيب، أبصارُها في حال السير خاشعة, لا يُخلع عليها خلعُ العز حتى تصل. يقول أهل الإنكار لهذه الطريق: أئِنا لمردودون إلى الحالة الأولى، التي كانت الأرواح عليها في الأزل، بعد أن كنا ميتين بالجهالة، مُرْمى بنا في مزابل الغفلة، كعِظام الموتى، قالوا: تلك كرة خاسرة، لزعمهم أنهم إذا صاروا إلى هذا المقام لم يبقَ لهم تمتُّع بشيء أصلاً، مع أنَّ العارف إذا تحقق وصوله تمتع بالنعيمين؛ نعيم الأشباح ونعيم الأرواح. قال تعالى في رد ما استحالوه: فإنما هي زجرة واحدة من همة عارف، أو نظرة وليّ كامل، فإذا هم في أرض الحضرة القدسية. قال الشيخ أو العباس: والله ما بيني وبين الرجل إلاَّ أن أنظر إليه وقد أغنيته. قلت: والله لقد بقي في زماننا هذا مَن يفوق أبا العباس والشاذلي وأضرابهما في الإغناء بالنظرة والملاحظة، والحمد لله. ولمّا تَقَدّم إنكارهم البعثَ وتمردهم على الرسول، قصَّ عليه قصةَ موسى وتمردَ فرعون على الله، حتى ادّعى الألوهية، تسلية له عليه الصلاة والسلام، فقال: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ}.

الطوسي

تفسير : قرأ أهل الكوفة إلا حفصاً "عظاماً ناخرة" بألف، الباقون "نخرة" بلا ألف من قرأ "ناخرة" اتبع رؤس الآي نحو (الساهرة، والحافرة) ومن قرأ نخرة - بلا ألف - قال لأنه الاكثر في كلام العرب، ولما روي عن علي عليه السلام انه قرأ "نخرة" وقال النحويون: هما لغتان مثل باخل وبخل، وطامع وطمع. وقال الفراء النخرة البالية والناخرة المجوفة. وقوله {والنازعات} قسم من الله تعالى بهذه الأشياء التي عددها. وقال قوم: تقديره ورب النازعات وما ذكر بعدها، لأنه لا يجوز اليمين إلا بالله تعالى. وهو ترك الظاهر. وقد روينا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أن لله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به. وإنما كان كذلك، لانه من باب المصالح التي يجوز أن تختلف به العبادات، وإنما جاز أن يقسم هو تعالى بما شاء من خلقه، للتنبيه على موضع العبرة فيه إذ القسم يدل على عظم شأن المقسم به. ومعنى {النازعات} الملائكة تنزع الأرواح من الأبدان، فالنازعات الجاذبات الشيء من أعماق ما هو فيه. وقال الحسن وقتادة: هي النجوم أي تنزع من أفق السماء إلى أفق آخر. وقال عطاء: هي القسى تنزع بالسهم. وقال السدي: هي النفوس تنزع بالخروج من البدن. وقوله {غرقاً} معناه إغراقاً أي ابعاداً في النزع. وقوله {والناشطات نشطاً} قيل: هي الخارجات من بلد إلى بلد بعيد الاقطار ينشط كما ينشط الوحش بالخروج من بلد إلى بلد. والهموم تنشط بصاحبها أي تخرج به من حال إلى حال، قال هيبان بن قحافة: شعر : أمست همومي تنشط المناشطا الشام طوراً ثم طوراً واسطا تفسير : وقال ابن عباس: هي الملائكة أي تنشط بأمر الله إلى حيث كان. وقال قوم: هو ملك الموت ينشط روحه من خلقه، وقال قوم: هي النجوم تنشط من المشرق إلى المغرب. وقال عطاء: هي الوحش تنشط من بلد إلى بلد قال رؤية: شعر : تنشط منها كل معلاه الوهق تفسير : يعني بقر الوحش. قال الفراء: تنشط نفس المؤمن كما ينشط العقال من يد البعير. قال ابن خالويه، واكثر ما سمعته أنشطته بالألف، قالوا: كأنه انشط من عقال. فاذا شددت الحبل في يد البعير قلت: نشطته وإذا حللته قلت أنشطته. وقوله {والسابحات سبحاً} معناه المارات بغوص معظمها في المائع وقد يكون ذلك فى الماء وقد يكون فيما جرى مجراه، وذلك كسبح دود الخل، وقد يكون السبح في الهواء تشبيهاً بالماء. وقال مجاهد: السابحات الملائكة، لأنها تسبح في نزولها بأمر الله كما يقال: الفرس يسبح في جريه إذا أسرع. وقال قتادة: هي النجوم أي تسبح في فلكها. وقال عطاء: هي السفن. وقال قوم: هو ملك الموت يقبض روح المؤمن وحده سهلا سرحاً كالسابح في الماء. وقوله {فالسابقات سبقاً} يعني الكائنات قبل غيرها على معنى صفة من الصفات. وقال مجاهد: هي الملائكة، لأنها سبقت إلى طاعة الله. وقال قوم: لانها تسبق الشياطين إلى الوحي. وقال عطاء: هي الخيل السابقة. وقيل: هي النجوم - ذكره قتادة - أي يسبق بعضها بعضاً في السير. وقوله {فالمدبرات أمراً} قال ابن عباس وقتادة وعطاء بن السائب: هي الملائكة تدبر الاشياء. وقيل: تدبير الملائكة في ما وكلت به من الرياح والامطار ونحو ذلك من الامور. وجواب القسم محذوف، كأنه قال: ليبعثن للجزاء والحساب ثم بين أي وقت يكون الجزاء والثواب والعقاب، فقال {يوم ترجف الراجفة} فالرجف حركة الشيء من تحت غيره بترديد واضطراب، وهي الزلزلة العظيمة رجف يرجف رجفا ورجفا ورجوفا، وأرجفوا إذا أزعجوا الناس باضطراب الأمور، كما ينزعج الذي يرجف ما تحته، ومنه الرجفة وهي الزعزعة الشديدة من تحت ما كان من الحيوان. وقيل: ان الارض مع الجبال تتزعزع. وقوله {تتبعها الرادفة} ومعناه تتبع الراجفة الرادفة أي تجيء بعدها، وهي الكائنة بعد الاول في موضع الردف من الراكب، ردفهم الأمر ردفاً فهو رادف، وارتدف الراكب إذا اتخذ رديفاً، وقال الحسن وقتادة: هما النفختان: أما الاولى فتميت الاحياء، وأما الثانية فتحي الموتى باذن الله. وقوله {قلوب يومئذ واجفة} أي كائنة على الانزعاج والاضطراب، وجفت تجف وجفاً ووجيفاً وأوجف فى السير إذا أزعج الركاب فيه. وقال ابن عباس: معنى {واجفة} أي خائفة. وقوله {أبصارها خاشعة} أي خاضعة ذليلة من هول ذلك اليوم قال الشاعر: شعر : لما اتى خبر الزبير تهدمت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : وقوله {يقولون أإنا لمرددون في الحافرة} حكاية عما قاله الكافرون المنكرون للبعث والنشور، فانهم ينكرون النشر ويتعجبون من ذلك، ويقولون على وجه الانكار أئنا لمردودون في الحافرة. وقيل: حافرة بمعنى محفورة، مثل {أية : ماء دافق}تفسير : بمعنى مدفوق. وقال ابن عباس والسدي: الحافرة الحياة الثانية. وقيل: الحافرة الأرض المحفورة. أي نرد في قبورنا بعد موتنا احياء؟! قال الشاعر: شعر : احافرة على صلع وشيب معاذ الله من جهل وعار تفسير : فالحافرة الكائنة على حفر أول الكرة يقال: رجع في حافرته إذا رجع من حيث جاء، وذلك كرجوع القهقرى، فردوا في الحافرة أى ردوا كما كانوا أول مرة، ويقال: رجع فلان على حافرته أى من حين جاء. وقولهم: النقد عند الحافرة معناه إذا قال بعتك رجعت عليه بالثمن. وقال قوم: معناه النقد عند حافر الدابة. وقوله {فإنما هي زجرة واحدة} أى النفخة الثانية {فإذا هم بالساهرة} أى على وجه الأرض، فالعرب تسمي وجه الارض من الفلاة ساهرة أى ذات سهر لانه يسهر فيها خوفا قال أمية بن أبي الصلت: شعر : وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به لهم مقيم تفسير : وقال آخر: شعر : فانما قصرك ترب الساهره ثم تعود بعدها فى الحافره من بعد ما كانت عظاماً ناخره تفسير : وقال الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك: الساهرة وجه الارض. وقال قوم "بالساهرة" أى من بطن الأرض إلى ظهرها. وقالوا أيضاً منكرين للبعث {أئذا كنا عظاماً نخرة} نرد ونبعث. والعظام جمع عظم، وهي مأخوذة من العظم وذلك لعظم صلابتها وعظمها في نفسها. والنخرة البالية بما حدث فيها من التغيير وإختلال البنية، جذع نخر إذا كان بهذه الصفة، وإذا لم تختل بنيته لم يكن نخراً وإن بلي بالوهن والضعف وقيل: ناخرة مجوفة ينخر الرياح فيها بالمرور في جوفها وقيل: ناخرة ونخرة سواء، مثل ناخل ونخل، ونخرة أوضح في المعني، وناخرة اشكل برؤس الآى. وقيل: نخرة بالية مجوفة بالبلى. ثم حكى ايضاً ما قالوه، فانهم {قالوا تلك إذاً كرة خاسرة} فالكرة المرة من المرّ وهي الواحدة من الكر، كرّ يكر كرة، وهي كالضربة الواحدة من الضرب. والخاسر الذاهب رأس ماله فتلك الكرة كأنه قد ذهب رأس المال منها، فكذلك الخسران. وإنما قالوا {كرة خاسرة} أى لا يجيء منها شيء كالخسران الذى لا يجيء منه فائدة. وكأنهم قالوا: هو كالخسران بذهاب رأس المال، فلا يجيء به تجارة، فكذلك لا يجيء بتلك الكرة حياة. وقيل معنا {تلك إذاً كرة خاسرة} على ما تعدنا من العذاب. وقال الحسن: معناه كاذبة ليست كائنة.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً} اقسم تعالى شأنه بالنّفوس المشتاقة الى اوطانها الحقيقيّة من نزع نزوعاً اشتاق، او بالنّفوس المرتدعة عن النّفس وعلائقها من قولهم: نزع من الامر انتهى، الّتى تغرق فى الاهتمام بالسّير الى الله، او فى بحار حبّه، او فى بحار صفاته، او فى بحر الاحديّة.

الأعقم

تفسير : أقسم الله تعالى بهذه الخمسة الأشياء منها على قدرته، وقيل: برب هذه الأشياء، واختلفوا في جواب القسم، فقيل: هو محذوف كأنه قيل:.... للجزاء يوم ترجف هذا قول أكثر النحويين وهو الوجه، وقيل: جوابه أن في ذلك لعبرة، وقيل: هل أتاك بمعنى قد أتاك، وقوله: {والنازعات غرقاً} أقسم تعالى بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد، وبالطوائف التي تنشطها أي تخرجها من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وللمفسرين فيها خمسة أقوال فالذي ذكره علي (عليه السلام) وابن عباس وابن مسعود (رضي الله عنهم) أنها الملائكة، غرقاً يعني إغراقاً أي أبعاداً في النزع {والناشطات نشطاً} قيل: الملائكة تنشط بأمر الله إلى حيث كان، وقيل: تقبض روحه المؤمن برفق والكافر ما بين الجلد والأظفار تخرجها من أجوافهم بالكرب والغم {والسابحات سبحاً} قيل: الملائكة يسعون إلى الأنبياء بالوحي، وقيل: بروح المؤمن إلى الجنة {فالمدبرات أمراً} الملائكة يدبرون الأشياء بأمر الله تعالى، وقيل: المراد بالأربعة الأولى النجوم والمدبرات الملائكة، وقيل: المراد الغزاة والرماة في سبيل الله، فعلى هذا النازعات أيدي الرماة إذا مدت القوس، وكذلك الناشطات السهام وهي خروجها من أيدي الرماة {والسابحات سبحاً} قيل: الخيل والإِبل وأراد خيل الغزاة، وقيل: السفن {والسابقات سبقاً} قيل: هي الخيل {فالمدبرات} الملائكة، قيل: هم أربعة جبريل واليه تدبير الرياح والجنود، وميكائيل وإليه تدبير المطر والنبات، وملك الموت واليه قبض الأرواح، وإسرافيل ينزل بالأمر عليهم {يوم ترجف الراجفة} أي تضطرب {تتبعها الرادفة} النفخة الآخرة، وقيل: ترجف الراجفة تزلزلت الأرض والجبال، تتبعها الرادفة تشقق السماء وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، وقيل: رجفت الأرض تضطرب وتزلزل، والرادفة زلزلة تتبع هذه الأولى.

الهواري

تفسير : تفسير سورة النازعات، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً} عن علي بن أبي طالب قال: هي النجوم تنزع من المشرق وتغرق في المغرب. وهو تفسير الحسن. ذكروا عن محمد بن علي قال: هي الملائكة تنزع أنفس بني آدم. قال سفيان. وبعضهم يقول: هي النجوم. وقال بعضهم: هي بقر الوحش. قوله عز وجل: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} تفسير الحسن: إنها النجوم تنشط من مطالعها إلى مغاربها. عن عثمان قال حدثني من سمع محمد بن علي يقول: هي الملائكة تنشط أنفس بني آدم. ذكروا عن الأرمز بن عبد الله الأزدي قال: إن ملك الموت ينشط نفس الكافر نشطاً مثل السفود ذي السعة من حمل العصعه لا يبقى عرق ولا عصب إلا اتبعها.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم *{وَالنَّازِعَاتِ} الملائكة التي تنزع أرواح الكفار من أبدانهم أي والجماعات والنازعات وكذا فيما بعد وهو وصف للملائكة. *{غَرْقاً} مفعول مطلق أي نزعا بشدة فإنهم ينزعونها من أقاصي البدن نزعا عنيفا كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل ويجوز كون غرقا حالا أي مبالغين في النزع أو مفعولا للنازعات أي نفوسا ذوات غرق وغريقات في الجسد، وحكي عن علي وابن عباس تغرق نفوس الكافرين في النار فغرقا حال مقدرة من النازعات أو ضميره أو مفعوله المحذوف أي والذين ينزعون النفس مقدرا لها الغرق في النار أو مقدرين لها ذلك أو مفعول مطلق للنازعات على تضمين معنى المغرقات وغرق بمعنى إغراق.

اطفيش

تفسير : {وَالنَّازِعَاتِ} الخ طوائف من الملائكة عملها واحد فالعطف فيها تنزيل لتغاير الصفات منزل تغاير الذوات تلويحاً بأَن كل واحدة تكفى فى الإِعظام تنزع الأَرواح من أجساد الكفرة والمؤمنين والحيوانات، وعن على وابن مسعود المراد نزع أرواح الكفرة بشدة وهو رواية ابن عباس كما قال. {غَرْقاً} أى نزعا شديداً فهو مفعول مطلق وهو اسم مصدر هو إِغراق أى إِغراقا فى النزع من أقاصى الجسد كنزع السفود من الصوف المبتل مع كثرة شعب السفود فهو نزع شديد أليق بالكفرة، وعن على وابن مسعود تنزع روح الكافر من تحت كل شعرة ومن تحت الأَظافر وأُصول القدمين ثم تغرقها فى جسده وتنزعها حتى تكاد تخرج ويردها فى جسده مرارا حتى تخرج من أفواههم بالكرب.

الالوسي

تفسير : أقسام من الله تعالى بطوائف من ملائكة الموت عليهم السلام الذين ينزعون الأرواح من الأجساد على الإطلاق كما في رواية عن ابن عباس ومجاهد أو أرواح الكفرة على ما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه وجويبر في «تفسيره» عن الحبر وابن أبـي حاتم عن ابن مسعود وعبد بن حميد عن قتادة وروي عن سعيد بن جبير ومسروق، وينشطونها أي يخرجونها من الأجساد من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها ويسبحون في إخراجها سبح الذي يخرج من البحر ما يخرج فيسبقون ويسرعون بأرواح الكفرة إلى النار وبأرواح المؤمنين إلى الجنة فيدبرون أمر عقابها وثوابها بأن يهيؤها لإدراك ما أعد لها من الآلام واللذات. ومال بعضهم إلى تخصيص النزع بأرواح الكفار والنشط والسبح بأرواح المؤمنين لأن النزع جذب بشدة وقد أردف بقوله تعالى {غَرْقاً} وهو مصدر مؤكد بحذف الزوائد أي إغراقاً في النزع من أقاصي الأجساد وقيل هو نوع والنزع جنس أي في هذا المحل، وذلك أنسب بالكفار، قال ابن مسعود تنزع الملائكة روح الكافر من جسده من تحت كل شعرة ومن تحت الأظافر وأصول القدمين ثم تغرقها في جسده ثم تنزعها حتى إذا كادت تخرج يردها في جسده وهكذا مراراً فهذا عملها في الكفار والنشط الإخراج برفق وسهولة وهو أنسب بالمؤمنين وكذا السبح ظاهر في التحرك برفق ولطافة، قال بعض السلف: إن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلاً رقيقاً ثم يتركونها حتى تستريح رويداً ثم يستخرجونها برفق ولطف كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق لئلا يغرق فهم يرفقون في ذلك الاستخراج لئلا يصل إلى المؤمن ألم وشدة. وفي «التاج» أن النشط حل العقدة برفق ويقال كما في «البحر» أنشطت العقال ونشطته إذا مددت أنشوطته فانحلت والأنشوطة عقدة يسهل انحلالها إذا جذبت كعقدة التكة فإذا جعلت الناشطات من النشط بهذا المعنى كان أوفق للإشارة إلى الرفق. والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي كما مر غير مرة للإشعار بأن كل واحد من الأوصاف المعدودة من معظمات الأمور حقيق بأن يكون على حياله مناطاً لاستحقاق موصوفه للإجلال والإعظام بالإقسام به من غير انضمام الأوصاف الأخر إليه، ولو جعلت النازعات ملائكة العذاب والناشطات ملائكة الرحمة كان العطف للتغاير الذاتي على ما هو الأصل والفاء في الأخيرين للدلالة على ترتبهما على ما قبلهما بغير مهلة. وانتصاب {نَشْطاً} و {سَبْحاً} و{سَبْقاً} على المصدرية كانتصاب {غَرْقاً} وأما انتصاب {أَمْراً} فعلى المفعولية للمدبرات لا على نزع الخافض أي بأمر منه تعالى كما قيل وزعم أنه الأولى. وتنكيره للتهويل والتفخيم وجوز أن يكون {غَرْقاً} مصدراً مؤولاً بالصفة المشبهة ونصبه على المفعولية أيضاً للنازعات أو صفة للمفعول به لها أي نفوساً غرقة في الأجساد وحمل بعضهم غرقها فيها بشدة تعلقها بها وغلبة صفاتها عليها وكأن ذلك مبني على تجرد الأرواح كما ذهب إليه الفلاسفة وبعض أجلة المسلمين. هذا ولم نقف على نص في أن الملائكة حال قبض الأرواح وإخراجها هل يدخلون في الأجساد أم لا؟ وظاهر تفسير الناشطات أنهم حالة النزع خارج الجسد كالواقف والسابحات دخولهم فيه لإخراجها على ما قيل، وأنت تعلم أن السبح ليس على حقيقته ولا مانع من أن يراد به مجرد الاتصال ونحوه مما لا توقف له على الدخول. وجوز أن يكون المراد بالسابحات وما بعدها طوائف من الملائكة يسبحون في مضيهم فيسبقون فيه إلى ما أمروا به من الأمور الدنيوية والأخروية فيدبرون أمره من كيفيته وما لا بد منه فيه ويعم ذلك ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، والعطف عليه لتغاير الموصوفات كالصفات، وأياً ما كان / فجواب القسم محذوف يدل عليه ما بعد من أحوال القيامة ويلوح إليه الأقسام المذكورة والتقدير والنازعات الخ لتبعثن وإليه ذهب الفراء وجماعة. وقيل أقسام بالنجوم السيارة التي تنزع أي تسير من نزع الفرس إذا جرى من المشرق إلى المغرب غرقاً في النزع وجَدَّاً في السير بأن تقطع الفلك على ما يبدو للناس حتى تنحط في أقصى الغرب وتنشط من برج إلى برج أي تخرج، من نشط الثور إذا خرج من مكان إلى مكان آخر ومنه قول هميان بن قحافة: شعر : أرى همومي تنشط المناشطا الشأم بـي طوراً وطوراً واسطاً تفسير : وتسبح في الفلك فيسبق بعضها في السير لكونه أسرع حركة فتدبر أمراً نيط بها كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات والمعاملات المؤجلة. ولما كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب سريعة قسرية وتابعة لحركة الفلك الأعظم ضرورة وحركاتها من برج إلى برج بإرادتها من غير قسر لها وهي غير سريعة أطلق على الأولى النزع لأنه جذب بشدة وعلى الثانية النشط لأنه برفق. وروي حمل النازعات على النجوم عن الحسن وقتادة والأخفش وابن كيسان وأبـي عبيدة، وحمل الناشطات عليها عن ابن عباس والثلاثة الأول، وحمل السابحات عليها عن الأولين وحملها أبو روق على الليل والنهار والشمس والقمر منها والمدبرات عليها عن معاذ وإضافة التدبير إليها مجاز. وقيل أقسام بالنفوس الفاضلة حالة المفارقة لأبدانها بالموت فإنها تنزع عن الأبدان غرقاً أي نزعاً شديداً من أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المد حتى ينتهي إلى النصل لعسر مفارقتها إياها حيث ألفه وكان مطية لها لاكتساب الخير ومظنة لازدياده فتنشط شوقاً إلى عالم الملكوت وتسبح به فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات أي ملحقة بالملائكة أو تصلح هي لأن تكون مدبرة كما قال الإمام: ((إنها بعد المفارقة قد تظهر لها آثار وأحوال في هذا العالم فقد يرى المرء شيخه بعد موته فيرشده لما يهمه، وقد نقل عن جالينوس أنه مرض مرضاً عجز عن علاجه الحكماء فوصف له في منامه علاجه فأفاق وفعله فأفاق))، وقد ذكره الغزالي ولذا قيل - وليس بحديث كما توهم - إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أصحاب القبور أي أصحاب النفوس الفاضلة المتوفين ولا شك في أنه يحصل لزائرهم مدد روحاني ببركتهم وكثيراً ما تنحل عقد الأمور بأنامل التوسل إلى الله تعالى بحرمتهم، وحمله بعضهم على الأحياء منهم الممتثلين أمر «موتوا قبل أن تموتوا». وتفسير النازعات بالنفوس مروى عن السدي إلا أنه قال هي جماعة النفوس تنزع بالموت إلى ربها، والناشطات بها عن ابن عباس أيضاً إلا أنه قال هي النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج، والسابقات بها عن ابن مسعود إلا أنه قال هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة عليهم السلام الذين يقبضونها وقد عاينت السرور شوقاً إلى لقاء الله تعالى. وقيل أقسام بالنفوس حال سلوكها وتطهير ظاهرها وباطنها بالاجتهاد في العبادة والترقي في المعارف الإلٰهية فإنها تنزع عن الشهوات وتنشط إلى عالم القدس فتسبح في مراتب الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات للنفوس الناقصة. وقيل أقسام بأنفس الغزاة أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام وتنشط بالسهم للرمي وتسبح في البر والبحر فتسبق إلى حرب العدو فتدبر أمرها وإسناد السبح وما بعده إلى الأيدي عليه مجاز للملابسة وحمل النازعات على الغزاة مروي عن عطاء إلا أنه قال هي النازعات بالقسي وغيرها وقيل بصفات خيلهم فإنها تنزع في أعنتها غرقاً أي تمد أعنتها مداً قوياً حتى تلصقها بالأعناق من غير ارتخائها فتصير كأنها انغمست فيها وتخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر وتسبح في جريها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر وإسناد التدبير إليها إسناد إلى السبب وحمل السابحات على الخيل مروي عن عطاء أيضاً وجماعة. ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال لا يليق بشأن جزالة التنزيل وليس له قوة مناسبة للمقام. ومنها ما فيه قول بما عليه أهل الهيئة المتقدمون / من الحركة الإرادية للكوكب وهي حركته الخاصة ونحوها مما ليس في كلام السلف ولم يتم عليه برهان ولذا قال بخلافه المحدثون من الفلاسفة، وفي حمل المدبرات على النجوم إيهام صحة ما يزعمه أهل الأحكام وجهلة المنجمين وهو باطل عقلاً ونقلاً كما أوضحنا ذلك فيما تقدم وكذا في حملها على النفوس الفاضلة المفارقة إيهام صحة ما يزعمه كثير من سخفة العقول من أن الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء وغير ذلك مما يكون في عالم الكون والفساد، على معنى أن الله تعالى فوض إليهم ذلك، ومنهم من خص ذلك بخمسة من الأولياء والكل جهل وإن كان الثاني أشد جهلاً. نعم لا ينبغي التوقف في أن الله تعالى قد يكرم من شاء من أوليائه بعد الموت كما يكرمه قبله بما شاء فيبرىء سبحانه المريض وينقذ الغريق وينصر على العدو وينزل الغيث وكيت وكيت كرامة له وربما يظهر عز وجل من يشبهه صورة فتفعل ما سئل الله تعالى بحرمته مما لا إثم فيه استجابة للسائل وربما يقع السؤال على الوجه المحظور شرعاً فيظهر سبحانه نحو ذلك مكراً بالسائل واستدراجاً له ونقل الإمام في هذا المقام عن الغزالي أنه قال: إن الأرواح الشريفة إذا فارقت أبدانها ثم اتفق إنسان مشابه للإنسان الأول في الروح والبدن فإنه لا يبعد أن يحصل للنفس المفارقة تعلق بهذا البدن حتى تصير كالمعاونة للنفس المتعلقة بذلك البدن على أعمال الخير فتسمى تلك المعاونة إلهاماً ونظيره في جانب النفوس الشريرة وسوسة انتهى ولم أر ما يشهد على صحته في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة وقد ذكر الإمام نفسه في «المباحث» المشرقية استحالة تعلق أكثر من نفس ببدن واحد وكذا استحالة تعلق نفس واحدة بأكثر من بدن ولم يتعقب ما نقله هنا فكأنه فهم أن التعلق فيه غير التعلق المستحيل فلا تغفل. وقال في وجه حمل المذكورات على الملائكة إن الملائكة عليهم السلام لها صفات سلبية وصفات إضافية أما الأولى فهي أنها مبرأة عن الشهوة والغضب والأخلاق الذميمة والموت والهرم والسقم والتركيب والأعضاء والأخلاط والأركان بل هي جواهر روحانية مبرأة عن هذه الأحوال فالنازعات غرقاً إشارة إلى كونها منزوعة عن هذه الأحوال نزعاً كلياً من جميع الوجوه على أن الصيغة للنسبة والناشطات نشطاً إشارة إلى أن خروجها عن ذلك ليس كخروج البشر على سبيل الكلفة والمشقة بل بمقتضى الماهية فالكلمتان إشارتان إلى تعريف أحوالهم السلبية. وأما صفاتهم الإضافية فهي قسمان الأول: شرح قوتهم العاقلة وبيان حالهم في معرفة ملك الله تعالى وملكوته سبحانه والاطلاع على نور جلاله جل جلاله فوصفهم سبحانه في هذا المقام بوصفين أحدهما: والسابحات سبحاً فهم يسبحون من أول فطرتهم في بحار جلاله تعالى ثم لا منتهى لسبحهم لأنه لا منتهى لعظمة الله تعالى وعلو صمديته ونور جلاله وكبريائه فهم أبداً في تلك السباحة. وثانيهما: فالسابقات سبقاً وهو إشارة إلى تفاوت مراتبهم في درجات المعرفة وفي مراتب التجلي والثاني: شرح قوتهم العاملة وبيان حالهم فيها فوصفهم سبحانه في هذا المقام بقوله تعالى: {فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} ولما كان التدبير لا يتم إلا بعد العلم قدم شرح القوة العاقلة على شرح القوة العاملة انتهى وهو على ما في بعضه من المنع ليس بشديد المناسبة للمقام. ونقل غير واحد أقوالاً غير ما ذكر في تفسير المذكورات فعن مجاهد النازعات المنايا تنزع النفوس، وحكى يحيـى بن سلام أنها الوحش تنزع إلى الكلأ وعن الأول تفسير الناشطات بالمنايا أيضاً وعن عطاء تفسيرها بالبقر الوحشية وما يجري مجراها من الحيوان الذي ينشط من قطر إلى قطر وعنه أيضاً تفسير السابحات بالسفن وعن مجاهد تفسيرها بالمنايا تسبح في نفوس الحيوان وعن بعضهم تفسيرها بالسحاب وعن آخر تفسيرها بدواب البحر وعن بعض تفسير السابقات بالمنايا على معنى أنها تسبق الآمال وعن غير واحد تفسير المدبرات بجبريل يدبر الرياح والجنود والوحي وميكال / يدبر القطر والنبات وعزرائيل يدبر قبض الأرواح وإسرافيل يدبر الأمر المنزل عليهم لأنه ينزل به ويدبر النفخ في الصور. والأكثرون تفسيرها بالملائكة مطلقاً بل قال ابن عطية لا أحفظ خلافاً في أنها الملائكة وليس في تفسير شيء مما ذكر خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أعلم وما ذكرته أولاً هو المرجح عندي نظراً للمقام والله تعالى أعلم. وقوله سبحانه: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ}.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة نموذج من نماذج هذا الجزء لإشعار القلب البشري حقيقة الآخرة، بهولها وضخامتها، وجديتها، وأصالتها في التقدير الإلهي لنشأة هذا العالم الإنساني، والتدبير العلوي لمراحل هذه النشأة وخطواتها على ظهر الأرض وفي جوفها؛ ثم في الدار الآخرة، التي تمثل نهاية هذه النشأة وعقباها. وفي الطريق إلى إشعار القلب البشري حقيقة الآخرة الهائلة الضخمة العظيمة الكبيرة يوقع السياق إيقاعات منوعة على أوتار القلب، ويلمسه لمسات شتى حول تلك الحقيقة الكبرى. وهي إيقاعات ولمسات تمت إليها بصلة. فتلك الحقيقة تمهد لها في الحس وتهيئه لاستقبالها في يقظة وفي حساسية.. يمهد لها بمطلع غامض الكنه يثير بغموضه شيئاً من الحدس والرهبة والتوجس. يسوقه في إيقاع موسيقي راجف لاهث، كأنما تنقطع به الأنفاس من الذعر والارتجاف والمفاجأة والانبهار: {والنازعات غرقاً. والناشطات نشطاً. والسابحات سبحاً. فالسابقات سبقاً. فالمدبرات أمراً}.. وعقب هذا المطلع الغامض الراجف الواجف يجيء المشهد الأول من مشاهد ذلك اليوم. ظله من ظل ذلك المطلع وطابعه من طابعه؛ كأنما المطلع إطار له وغلاف يدل عليه: {يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة. قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة. يقولون: أإنَّا لمردودون في الحافرة؟ أإذا كنا عظاما نخرة؟ قالوا: تلك إذا كرة خاسرة! فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة}.. ومن هنالك.. من هذا الجو الراجف الواجف المبهور المذعور.. يأخذ في عرض مصرع من مصارع المكذبين العتاة في حلقة من قصة موسى مع فرعون. فيهدأ الإيقاع الموسيقي ويسترخي شيئاً ما، ليناسب جو الحكاية والعرض: {هل أتاك حديث موسى. إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى: اذهب إلى فرعون إنه طغى. فقل: هل لك إلى أن تزكَّى؟ وأهديك إلى ربك فتخشى؟ فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى، فحشر فنادى، فقال: أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}.. وبهذا يلتقي ويمهد لتلك الحقيقة الكبرى. ثم ينتقل من ساحة التاريخ إلى كتاب الكون المفتوح، ومشاهد الكون الهائلة، الشاهدة بالقوة والتدبير والتقدير للألوهية المنشئة للكون، المهيمنة على مصائره، في الدنيا والآخرة. فيعرضها في تعبيرات قوية الأسر، قوية الإيقاع، تتسق مع مطلع السورة وإيقاعها العام: {أأنتم أشد خلقاً أم السمآء؟ بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها؛ والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، متاعاً لكم ولأنعامكم}.. وهنا ـ بعد هذه التمهيدات المقربة وهذه اللمسات الموحية ـ يجيء مشهد الطامة الكبرى، وما يصاحبها من جزاء على ما كان في الحياة الدنيا. جزاء يتحقق هو الآخر في مشاهد تتناسق صورها وظلالها مع الطامة الكبرى: {فإذا جآءت الطآمة الكبرى، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبُرِّزت الجحيم لمن يرى! فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}.. وفي اللحظة التي يغمر الوجدان فيها ذلك الشعور المنبعث من مشاهد الطامة الكبرى، والجحيم المبرزة لمن يرى، وعاقبة من طغى وآثر الحياة الدنيا، ومن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.. في هذه اللحظة يرتد السياق إلى المكذبين بهذه الساعة، الذين يسألون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن موعدها. يرتد إليهم بإيقاع يزيد من روعة الساعة وهولها في الحس وضخامتها: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها؟ فيم أنت من ذكراها؟ إلى ربك منتهاهآ. إنمآ أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها}.. والهاء الممدودة ذات الإيقاع الضخم الطويل، تشارك في تشخيص الضخامة وتجسيم التهويل! {والنازعات غرقاً. والناشطات نشطاً. والسابحات سبحاً. فالسابقات سبقاً. فالمدبرات أمراً}. قيل في تفسير هذه الكلمات: إنها الملائكة نازعات للأرواح نزعاً شديداً. ناشطات منطلقات في حركاتها. سابحات في العوالم العليا سابقات للإيمان أو للطاعة لأمر ربها مدبرات ما يوكل من الأمور إليها.. وقيل: إنها النجوم تنزع في مداراتها وتتحرك وتنشط منتقلة من منزل إلى منزل. وتسبح سبحاً في فضاء الله وهي معلقة به. وتسبق سبقاً في جريانها ودورانها. وتدبر من النتائج والظواهر ما وكله الله إليها مما يؤثر في حياة الأرض ومن عليها. وقيل: النازعات والناشطات والسابحات والسابقات هي النجوم. والمدبرات هي الملائكة. وقيل: النازعات والناشطات والسابحات هي النجوم. والسابقات والمدبرات هي الملائكة.. وأياً ما كانت مدلولاتها فنحن نحس من الحياة في الجو القرآني أن إيرادها على هذا النحو، ينشئ أولاً وقبل كل شيء هزة في الحس، وتوجساً في الشعور، وتوفزاً وتوقعاً لشيء يهول ويروع. ومن ثم فهي تشارك في المطلع مشاركة قوية في إعداد الحس لتلقي ما يروع ويهول من أمر الراجفة والرادفة والطامة الكبرى في النهاية! وتمشياً مع هذا الإحساس نؤثر أن ندعها هكذا بدون زيادة في تفصيل مدلولاتها ومناقشتها؛ لنعيش في ظلال القرآن بموحياته وإيحاءاته على طبيعتها. فهزة القلب وإيقاظه هدف في ذاته، يتحراه الخطاب القرآني بوسائل شتى.. ثم إن لنا في عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أسوة. وقد قرأ سورة: {أية : عبس وتولى} تفسير : حتى جاء إلى قوله تعالى: {أية : وفاكهة وأبَّا}.. تفسير : فقال: "فقد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ ثم استدرك قائلاً: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف! وما عليك ألا تعرف لفظاً في كتاب الله؟!"... وفي رواية أنه قال: كل هذا قد عرفنا فما الأبَّ؟ ثم رفض عصا كانت بيده ـ أي كسرها غضباً على نفسه ـ وقال: "هذا لعمر الله التكلف! وما عليك يا بن أم عمر أن لا تدري ما الاب". ثم قال: "اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا، فدعوه".. فهذه كلمات تنبعث عن الأدب أمام كلمات الله العظيمة. أدب العبد أمام كلمات الرب. التي قد يكون بقاؤها مغلفة هدفاً في ذاته، يؤدي غرضاً بذاته. هذا المطلع جاء في صيغة القسم، على أمر تصوره الآيات التالية في السورة: {يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة. قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة. يقولون: أإنا لمردودون في الحافرة؟ أإذا كنا عظاماً نخرة؟ قالوا: تلك إذا كرة خاسرة!.. فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة}.. والراجفة ورد أنها الأرض استناداً إلى قوله تعالى في سورة أخرى: {أية : يوم ترجف الأرض والجبال}.. تفسير : والرادفة: ورد أنها السماء أي أنها تردف الأرض وتتبعها في الانقلاب حيث تنشق وتتناثر كواكبها.. كذلك ورد أن الراجفة هي الصيحة الأولى، التي ترجف لها الأرض والجبال والأحياء جميعاً، ويصعق لها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. والرادفة هي النفخة الثانية التي يصحون عليها ويحشرون (كما جاء في سورة الزمر آية 68).. وسواء كانت هذه أم تلك. فقد أحس القلب البشري بالزلزلة والرجفة والهول والاضطراب؛ واهتز هزة الخوف والوجل والرعب والارتعاش. وتهيأ لإدراك ما يصيب القلوب يومئذ من الفزع الذي لا ثبات معه ولا قرار. وأدرك وأحس حقيقة قوله: {قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة}.. فهي شديدة الاضطراب، بادية الذل، يجتمع عليها الخوف والانكسار، والرجفة، والانهيار. وهذا هو الذي يقع يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة؛ وهذا هو الذي يتناوله القسم بالنازعات غرقاً والناشطات نشطاً، والسابحات سبحاً، والسابقات سبقاً، فالمدبرات أمراً. وهو مشهد يتفق في ظله وإيقاعه مع ذلك المطلع. ثم يمضي السياق يتحدث عن وهلتهم وانبهارهم حين يقومون من قبورهم في ذهول: {يقولون: أإنَّا لمردودون في الحافرة؟ أإذا كنا عظاماً نخرة؟}.. فهم يتساءلون: أنحن مردودون إلى الحياة عائدون في طريقنا الأولى.. يقال: رجع في حافرته: أي في طريقه التي جاء منها. فهم في وهلتهم وذهولهم يسألون: إن كانوا راجعين في طريقهم إلى حياتهم؟ ويدهشون: كيف يكون هذا بعد إذ كانوا عظاماً نخرة. منخوبة يصوت فيها الهواء؟! ولعلهم يفيقون، أو يُبصرون، فيعلمون أنها كرة إلى الحياة، ولكنها الحياة الأخرى، فيشعرون بالخسارة والوبال في هذه الرجعة، فتند منهم تلك الكلمة: {قالوا: تلك إذن كرة خاسرة}! كرة لم يحسبوا حسابها، ولم يقدموا لها زادها، وليس لهم فيها إلا الخسران الخالص! هنا ـ في مواجهة هذا المشهد ـ يعقب السياق القرآني بحقيقة ما هو كائن: {فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة}.. والزجرة: هي الصيحة. ولكنها تقال هنا بهذا اللفظ العنيف تنسيقاً لجو المشهد مع مشاهد السورة جميعاً. والساهرة هي الأرض البيضاء اللامعة. وهي أرض المحشر، التي لا ندري نحن أين تكون. والخبر عنها لا نعرفه إلا من الخبرالصادق نتلقاه، فلا نزيد عليه شيئاً غير موثوق به ولا مضمون! وهذه الزجرة الواحدة يغلب ـ بالاستناد إلى النصوص الأخرى ـ أنها النفخة الثانية. نفخة البعث والحشر. والتعبير عنها فيه سرعة. وهي ذاتها توحي بالسرعة. وإيقاع السورة كلها فيه هذا اللون من الإسراع والإيجاف. والقلوب الواجفة تأخذ صفتها هذه من سرعة النبض، فالتناسق ملحوظ في كل حركة وفي كل لمحة، وفي كل ظل في السياق! ثم يهدأ الإيقاع شيئاً ما، في الجولة القادمة، ليناسب جو القصص، وهو يعرض ما كان بين موسى وفرعون، وما انتهى إليه هذا الطاغية عندما طغى: {هل أتاك حديث موسى. إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى. اذهب إلى فرعون إنه طغى.؟ فقل: هل لك إلى أن تَزَكَّى؟ وأهديك إلى ربك فتخشى؟ فأراه الآية الكبرى. فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى. فحشر فنادى. فقال: أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى.. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}.. وقصة موسى هي أكثر القصص وروداً وأكثرها تفصيلاً في القرآن.. وقد وردت من قبل في سور كثيرة. وردت منها حلقات منوعة. ووردت في أساليب شتى. كل منها تناسب سياق السورة التي وردت فيها؛ وتشارك في أداء الغرض البارز في السياق. على طريقة القرآن في إيراد القصص وسرده. وهنا ترد هذه القصة مختصرة سريعة المشاهد منذ أن نودي موسى بالوادي المقدس، إلى أخذ فرعون.. أخذه في الدنيا ثم في الآخرة.. فتلتقي بموضوع السورة الأصيل، وهو حقيقة الآخرة. وهذا المدى الطويل من القصة يرد هنا في آيات معدودات قصار سريعة، ليناسب طبيعة السورة وإيقاعها. وتتضمن هذه الآيات القصار السريعة عدة حلقات ومشاهد من القصة.. وهي تبدأ بتوجيه الخطاب إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {هل أتاك حديث موسى؟}.. وهو استفهام للتمهيد وإعداد النفس والأذن لتلقي القصة وتمليها.. ثم تأخذ في عرض الحديث كما تسمى القصة. وهو إيحاء بواقعيتها فهي حديث جرى. فتبدأ بمشهد المناداة والمناجاة: {إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى}.. وطوى اسم الوادي على الأرجح. وهو بجانب الطور الأيمن بالنسبة للقادم من مدين في شمال الحجاز. ولحظة النداء لحظة رهيبة جليلة. وهي لحظة كذلك عجيبة. ونداء الله بذاته ـ سبحانه ـ لعبد من عباده أمر هائل. أهول مما تملك الألفاظ البشرية أن تعبر. وهي سر من أسرار الألوهية العظيمة، كما هي سر من أسرار التكوين الإنساني التي أودعها الله هذا الكائن، وهيأه بها لتلقي ذلك النداء. وهذا أقصى ما نملك أن نقوله في هذا المقام، الذي لا يملك الإدراك البشري أن يحيط منه بشيء؛ فيقف على إطاره، حتى يكشف الله له عنه فيتذوقه بشعوره. وفي مواضع أخرى تفصيل للمناجاة بين موسى وربه في هذا الموقف. فأما هنا فالمجال مجال اختصار وإيقاعات سريعة. ومن ثم يبادر السياق بحكاية أمر التكليف الإلهي لموسى، عقب ذكر النداء بالوادي المقدس طوى: {اذهب إلى فرعون. إنه طغى. فقل: هل لك إلى أن تزكَّى! وأهديك إلى ربك فتخشى؟}.. {اذهب إلى فرعون. إنه طغى}.. والطغيان أمر لا ينبغي أن يكون ولا أن يبقى. إنه أمر كريه، مفسد للأرض، مخالف لما يحبه الله، مؤد إلى ما يكره.. فمن أجل منعه ينتدب الله عبداً من عباده المختارين. ينتدبه بنفسه سبحانه. ليحاول وقف هذا الشر، ومنع هذا الفساد، ووقف هذا الطغيان.. إنه أمر كريه شديد الكراهية حتى ليخاطب الله بذاته عبداً من عباده ليذهب إلى الطاغية، فيحاول رده عما هو فيه، والإعذار إليه قبل أن يأخذه الله تعالى نكال الآخرة والأولى! {إذهب إلى فرعون. إنه طغى}.. ثم يعلمه الله كيف يخاطب الطاغية بأحب أسلوب وأشده جاذبية للقلوب، لعله ينتهي، ويتقي غضب الله وأخذه: {فقل: هل لك إلى أن تزكى؟}.. هل لك إلى أن تتطهر من رجس الطغيان ودنس العصيان؟ هل لك إلى طريق الصلاة والبركة؟ {وأهديك إلى ربك فتخشى}.. هل لك أن أعرفك طريق ربك؟ فإذا عرفته وقعت في قلبك خشيته؟ فما يطغى الإنسان ويعصي إلا حين يذهب عن ربه بعيداً، وإلا حين يضل طريقه إليه فيقسو قلبه ويفسد، فيكون منه الطغيان والتمرد! كان هذا في مشهد النداء والتكليف. وكان بعده في مشهد المواجهة والتبليغ. والسياق لا يكرره في مشهد التبليغ. اكتفاء بعرضه هناك وذكره. فيطوي ما كان بعد مشهد النداء، ويختصر عبارة التبليغ في مشهد التبليغ. ويسدل الستار هنا ليرفعه على ختام مشهد المواجهة: {فأراه الآية الكبرى. فكذب وعصى}.. لقد بلغ موسى ما كلف تبليغه. بالأسلوب الذي لقنه ربه وعرفه. ولم يفلح هذا الأسلوب الحبيب في إلانة القلب الطاغي الخاوي من معرفة ربه. فأراه موسى الآية الكبرى. آية العصا واليد البيضاء كما جاء في المواضع الأخرى: {فكذب وعصى}.. وانتهى مشهد اللقاء والتبليغ عند التكذيب والمعصية في اختصار وإجمال! ثم يعرض مشهداً آخر. مشهد فرعون يتولى عن موسى، ويسعى في جمع السحرة للمباراة بين السحر والحق. حين عز عليه أن يستسلم للحق والهدى: {ثم أدبر يسعى. فحشر فنادى. فقال: أنا ربكم الأعلى}.. ويسارع السياق هنا إلى عرض قولة الطاغية الكافرة، مجملاً مشاهد سعيه وحشره للسحرة وتفصيلاتها. فقد أدبر يسعى في الكيد والمحاولة، فحشر السحرة والجماهير؛ ثم انطلقت منه الكلمة الوقحة المتطاولة، المليئة بالغرور والجهالة: {أنا ربكم الأعلى}.. قالها الطاغية مخدوعاً بغفلة جماهيره، وإذعانها وانقيادها. فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها. وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سطاناً. إنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب! وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رؤوسها فيستعلي! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى! والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى. وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم. فالطاغية ـ وهو فرد ـ لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين، لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها. وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئاً! وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبداً. وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبداً. وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضراً ولا رشداً! فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان، ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: {أنا ربكم الأعلى}.. وما كان ليقولها أبدا لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة، تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء. وإن يسلبه الذباب شيئاً لا يستنقذ من الذباب شيئاً! وأمام هذا التطاول الوقح، بعد الطغيان البشع، تحركت القوة الكبرى: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى}.. ويقدم هنا نكال الآخرة على نكال الأولى.. لأنه أشد وأبقى. فهو النكال الحقيقي الذي يأخذ الطغاة والعصاة بشدته وبخلوده.. ولأنه الأنسب في هذا السياق الذي يتحدث عن الآخرة ويجعلها موضوعه الرئيسي.. ولأنه يتسق لفظياً مع الإيقاع الموسيقي في القافية بعد اتساقه معنوياً مع الموضوع الرئيسي، ومع الحقيقة الأصيلة. ونكال الأولى كان عنيفاً قاسياً. فكيف بنكال الآخرة وهو أشد وأنكى؟ وفرعون كان ذا قوة وسلطان ومجد موروث عريق؛ فكيف بغيره من المكذبين؟ وكيف بهؤلاء الذين يواجهون الدعوة من المشركين؟ {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}.. فالذي يعرف ربه ويخشاه هو الذي يدرك ما في حادث فرعون من العبرة لسواه. أما الذي لا يعرف قلبه التقوى فبينه وبين العبرة حاجز، وبينه وبين العظة حجاب. حتى يصطدم بالعاقبة اصطداماً. وحتى يأخذه الله نكال الآخرة والأولى. وكل ميسر لنهج، وكل ميسر لعاقبة. والعبرة لمن يخشى.. ومن هذه الجولة في مصارع الطغاة المعتدين بقوتهم، يعود إلى المشركين المعتزين بقوتهم كذلك. فيردهم إلى شيء من مظاهر القوة الكبرى، في هذا الكون الذي لا تبلغ قوتهم بالقياس إليه شيئاً: {أأنتم أشد خلقاً أم السماء؟ بناها. رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها. متاعاً لكم ولأنعامكم}.. وهو استفهام لا يحتمل إلا إجابة واحدة بالتسليم الذي لا يقبل الجدل: {أأنتم أشد خلقاً أم السماء؟}.. السماء! بلا جدال ولا كلام! فما الذي يغركم من قوتكم والسماء أشد خلقاً منكم، والذي خلقها أشد منها؟ هذا جانب من إيحاء السؤال. وهناك جانب آخر. فما الذي تستصعبونه من أمر بعثكم؟ وهو خلق السماء وهي أشد من خلقكم؛ وبعثكم هو إعادة لخلقكم، والذي بنى السماء وهي أشد، قادر على إعادتكم وهي أيسر! هذه السماء الأشد خلقاً بلا مراء.. {بناها}.. والبناء يوحي بالقوة والتماسك، والسماء كذلك. متماسكة. لا تختل ولا تتناثر نجومها وكواكبها. ولا تخرج من أفلاكها ومداراتها، ولا تتهاوى ولا تنهار. فهي بناء ثابت وطيد متماسك الأجزاء. {رفع سمكها فسواها}.. وسمك كل شيء قامته وارتفاعه. والسماء مرفوعه في تناسق وتماسك. وهذه هي التسوية: {فسواها}.. والنظرة المجردة والملاحظة العادية تشهد بهذا التناسق المطلق. والمعرفة بحقيقة القوانين التي تمسك بهذه الخلائق الهائلة وتنسق بين حركاتها وآثارها وتأثراتها، توسع من معنى هذا التعبير، وتزيد في مساحة هذه الحقيقة الهائلة، التي لم يدرك الناس بعلومهم إلا أطرافاً منها، وقفوا تجاهها مبهورين، تغمرهم الدهشة، وتأخذهم الروعة، ويعجزون عن تعليلها بغير افتراض قوة كبرى مدبرة مقدرة، ولو لم يكونوا من المؤمنين بدين من الأديان إطلاقاً! {وأغطش ليلها وأخرج ضحاها}.. وفي التعبير شدة في الجرس والمعنى، يناسب الحديث عن الشدة والقوة. وأغطش ليلها أي أظلمه. وأخرج ضحاها. أي: أضاءها. ولكن اختيار الألفاظ يتمشى في تناسق مع السياق.. وتوالي حالتي الظلام والضياء، في الليل والضحى الذي هو أول النهار، حقيقة يراها كل أحد؛ ويتأثر بها كل قلب. وقد ينساها بطول الألفة والتكرار، فيعيد القرآن جدتها بتوجيه المشاعر إليها. وهي جديدة أبداً. تتجدد كل يوم، ويتجدد الشعور بها والانفعال بوقعها. فأما النواميس التي وراءها فهي كذلك من الدقة والعظمة بحيث تروع وتدهش من يعرفها. فتظل هذه الحقيقة تروع القلوب وتدهشها كلما اتسع علمها وكبرت معرفتها! {والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها}.. ودحو الأرض تمهيدها وبسط قشرتها، بحيث تصبح صالحة للسير عليها، وتكوين تربة تصلح للإنبات، وإرساء الجبال وهو نتيجة لاستقرار سطح الأرض ووصول درجة حرارته إلى هذا الاعتدال الذي يسمح بالحياة. والله أخرج من الأرض ماءها سواء ما يتفجر من الينابيع، أو ما ينزل من السماء فهو أصلاً من مائها الذي تبخر ثم نزل في صورة مطر. وأخرج من الأرض مرعاها وهو النبات الذي يأكله الناس والأنعام وتعيش عليه الأحياء مباشرة وبالواسطة.. وكل أولئك قد كان بعد بناء السماء، وبعد إغطاش الليل وإخراج الضحى. والنظريات الفلكية الحديثة تقرب من مدلول هذا النص القرآني حين تفترض أنه قد مضى على الأرض مئات الملايين من السنين، وهي تدور دوراتها ويتعاقب الليل والنهار عليها قبل دحوها وقبل قابليتها للزرع. وقبل استقرار قشرتها على ما هي عليه من مرتفعات ومستويات. والقرآن يعلن أن هذا كله كان: {متاعاً لكم ولأنعامكم}.. فيذكر الناس بعظيم تدبير الله لهم من ناحية. كما يشير إلى عظمة تقدير الله في ملكه. فإن بناء السماء على هذا النحو، ودحو الأرض على هذا النحو أيضاً لم يكونا فلتة ولا مصادفة. إنما كان محسوباً فيهما حساب هذا الخلق الذي سيستخلف في الأرض. والذي يقتضي وجوده ونموه ورقيه موافقات كثيرة جداً في تصميم الكون. وفي تصميم المجموعة الشمسية بصفة خاصة. وفي تصميم الأرض بصفة أخص. والقرآن ـ على طريقته في الإشارة المجملة الموحية المتضمنة لأصل الحقيقة ـ يذكر هنا من هذه الموافقات بناء السماوات، وإغطاش الليل، وإخراج الضحى، ودحو الأرض وإخراج مائها ومرعاها، وإرساء جبالها. متاعاً للإنسان وأنعامه. وهي إشارة توحي بحقيقة التدبير والتقدير في بعض مظاهرها المكشوفة للجميع، الصالحة لأن يخاطب بها كل إنسان، في كل بيئة وفي كل زمان، فلا تحتاج إلى درجة من العلم والمعرفة، تزيد على نصيب الإنسان حيث كان. حتى يعم الخطاب بالقرآن لجميع بني الإنسان في جميع أطوار الإنسان، في جميع الأزمان. ووراء هذا المستوى آماد وآفاق أخرى من هذه الحقيقة الكبرى. حقيقة التقدير والتدبير في تصميم هذا الكون الكبير. واستبعاد المصادفة والجزاف استبعاداً تنطق به طبيعة هذا الكون، وطبيعة المصادفة التي يستحيل معها تجمع كل تلك الموافقات العجيبة. هذه الموافقات التي تبدأ من كون المجموعة الشمسية التي تنتمي إليها أرضنا هي تنظيم نادر بين مئات الملايين من المجموعات النجمية. وأن الأرض نمط فريد غير مكرر بين الكواكب بموقعها هذا في المنظومة الشمسية. الذي يجعلها صالحة للحياة الإنسانية. ولا يعرف البشر ـ حتى اليوم ـ كوكباً آخر تجتمع له هذه الموافقات الضرورية. وهي تعد بالآلاف! "ذلك أن أسباب الحياة تتوافر في الكوكب على حجم ملائم، وبعد معتدل، وتركيب تتلاقى فيه عناصر المادة على النسبة التي تنشط فيها حركة الحياة". "لا بد من الحجم الملائم، لأن بقاء الجو الهوائي حول الكوكب يتوقف على ما فيه من قوة الجاذبية." "ولا بد من البعد المعتدل لأن الجرم القريب من الشمس حار لا تتماسك فيه الأجسام، والجرم البعيد من الشمس بارد لا تتخلخل فيه تلك الأجسام". "ولا بد من التركيب الذي تتوافق فيه العناصر على النسبة التي تنشط بها حركة الحياة، لأن هذه النسبة لازمة لنشأة النبات ونشأة الحياة التي تعتمد عليه في تمثيل الغذاء". "وموقع الأرض حيث هي أصلح المواقع لتوفير هذه الشروط التي لا غنى عنها للحياة، في الصورة التي نعرفها، ولا نعرف لها صورة غيرها حتى الآن". وتقرير حقيقة التدبير والتقدير في تصميم هذا الكون الكبير، وحساب مكان للإنسان فيه ملحوظ في خلقه وتطويره أمر يعد القلب والعقل لتلقي حقيقة الآخرة وما فيها من حساب وجزاء باطمئنان وتسليم. فما يمكن أن يكون هذا هو واقع النشأة الكونية والنشأة الإنسانية ثم لا تتم تمامها، ولا تلقى جزاءها. ولا يكون معقولاً أن ينتهي أمرها بنهاية الحياة القصيرة في هذه العاجلة الفانية. وأن يمضي الشر والطغيان والباطل ناجياً بما كان منه في هذه الأرض. وأن يمضي الخير والعدل والحق بما أصابه كذلك في هذه الأرض.. فهذا الفرض مخالف في طبيعته لطبيعة التقدير والتدبير الواضحة في تصميم الكون الكبير.. ومن ثم تلتقي هذه الحقيقة التي لمسها السياق في هذا المقطع بحقيقة الآخرة التي هي الموضوع الرئيسي في السورة. وتصلح تمهيداً لها في القلوب والعقول، يجيء بعده ذكر الطامة الكبرى في موضعه وفي حينه! {فإذا جآءت الطآمة الكبرى، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبُرِّزَت الجحيم لمن يرى. فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى}.. إن الحياة الدنيا متاع. متاع مقدر بدقة وإحكام. وفق تدبير يرتبط بالكون كله ونشأة الحياة والإنسان. ولكنه متاع. متاع ينتهي إلى أجله.. فإذا جاءت الطامة الكبرى غطت على كل شيء، وطمت على كل شيء. على المتاع الموقوت. وعلى الكون المتين المقدر المنظم. على السماء المبنية والأرض المدحوة والجبال المرساة والأحياء والحياة وعلى كل ما كان من مصارع ومواقع. فهي أكبر من هذا كله، وهي تطم وتعم على هذا كله! عندئذ يتذكر الإنسان ما سعى. يتذكر سعيه ويستحضره، إن كانت أحداث الحياة، وشواغل المتاع أغفلته عنه وأنسته إياه. يتذكره ويستحضره ولكن حيث لا يفيده التذكر والاستحضار إلا الحسرة والأسى وتصور ما وراءه من العذاب والبلوى! {وبُرِّزَت الجحيم لمن يرى}.. فهي بارزة مكشوفة لكل ذي نظر. ويشدد التعبير في اللفظ {بُرِّزَت} تشديداً للمعنى والجرس، ودفعاً بالمشهد إلى كل عين! عندئذ تختلف المصائر والعواقب؛ وتتجلى غاية التدبير والتقدير في النشأة الأولى: {فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى}.. والطغيان هنا أشمل من معناه القريب. فهو وصف لكل من يتجاوز الحق والهدى. ومداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان والجبروت، حيث يشمل كل متجاوز للهدى، وكل من آثر الحياة الدنيا، واختارها على الآخرة. فعمل لها وحدها، غير حاسب للآخرة حساباً. واعتبار الآخرة هو الذي يقيم الموازين في يد الإنسان وضميره. فإذا أهمل حساب الآخرة أو آثر عليها الدنيا اختلت كل الموازين في يده، واختلت كل القيم في تقديره، واختلت كل قواعد الشعور والسلوك في حياته، وعد طاغياً وباغياً ومتجاوزاً للمدى. فأما هذا.. {فإن الجحيم هي المأوى}.. الجحيم المكشوفة المبرزة القريبة الحاضرة. يوم الطامة الكبرى! {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى}.. والذي يخاف مقام ربه لا يقدم على معصية، فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة. فظل في دائرة الطاعة. ونهي النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة. فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان، وكل تجاوز، وكل معصية. وهو أساس البلوى، وينبوع الشر، وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى. فالجهل سهل علاجه. ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها. والخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة. وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى. ومن ثم يجمع بينهما السياق القرآني في آية واحدة. فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس العليم بدائها، الخبير بدوائها وهو وحده الذي يعلم دروبها ومنحنياتها، ويعلم أين تكمن أهواؤها وأدواؤها، وكيف تطارد في مكامنها ومخابئها! ولم يكلف الله الإنسان ألا يشتجر في نفسه الهوى. فهو ـ سبحانه ـ يعلم أن هذا خارج عن طاقته. ولكنه كلفه أن ينهاها ويكبحها ويمسك بزمامها. وأن يستعين في هذا بالخوف. الخوف من مقام ربه الجليل العظيم المهيب. وكتب له بهذا الجهاد الشاق، الجنة مثابة ومأوى: {فإن الجنة هي المأوى}.. ذلك أن الله يعلم ضخامة هذا الجهاد؛ وقيمته كذلك في تهذيب النفس البشرية وتقويمها ورفعها إلى المقام الأسنى. إن الإنسان إنسان بهذا النهي، وبهذا الجهاد، وبهذا الارتفاع. وليس إنساناً بترك نفسه لهواها، وإطاعة جواذبه إلى دركها، بحجة أن هذا مركب في طبيعته. فالذي أودع نفسه الاستعداد لجيشان الهوى، هو الذي أودعها الاستعداد للإمساك بزمامه، ونهي النفس عنه، ورفعها عن جاذبيته؛ وجعل له الجنة جزاء ومأوى حين ينتصر ويرتفع ويرقى. وهنالك حرية إنسانية تليق بتكريم الله للإنسان. تلك هي حرية الانتصار على هوى النفس والانطلاق من أسر الشهوة، والتصرف بها في توازن تثبت معه حرية الاختيار والتقدير الإنساني. وهنالك حرية حيوانية، هي هزيمة الإنسان أمام هواه، وعبوديته لشهوته، وانفلات الزمام من إرادته. وهي حرية لا يهتف بها إلا مخلوق مهزوم الإنسانية مستعبد يلبس عبوديته رداء زائفاً من الحرية! إن الأول هو الذي ارتفع وارتقى وتهيأ للحياة الرفيعة الطليقة في جنة المأوى. أما الآخر فهو الذي ارتكس وانتكس وتهيأ للحياة في درك الجحيم حيث تهدر إنسانيته، ويرتد شيئاً توقد به النار التي وقودها الناس ـ من هذا الصنف ـ والحجارة! وهذه وتلك هي المصير الطبيعي للارتكاس والارتقاء في ميزان هذا الدين الذي يزن حقيقة الأشياء.. وأخيراً يجيء الإيقاع الأخير في السورة هائلاً عميقاً مديداً: {يسألونك عن الساعة: أيان مرساها؟ فيم أنت من ذكراها؟ إلى ربك منتهاهآ. إنمآ أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها}.. وكان المتعنتون من المشركين يسألون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلما سمعوا وصف أهوال الساعة وأحداثها وما تنتهي إليه من حساب وجزاء.. متى أو أيان موعدها.. أو كما يحكي عنهم هنا: {أيان مرساها؟}.. والجواب: {فيم أنت من ذكراها؟}.. وهو جواب يوحي بعظمتها وضخامتها، بحيث يبدو هذا السؤال تافهاً باهتاً، وتطفلاً كذلك وتجاوزاً.. فها هو ذا يقال للرسول العظيم: {فيم أنت من ذكراها؟}.. إنها لأعظم من أن تَسأل أو تسأل عن موعدها. فأمرها إلى ربك وهي من خاصة شأنه وليست من شأنك: {إلى ربك منتهاها}.. فهو الذي ينتهي إليه أمرها، وهو الذي يعلم موعدها، وهو الذي يتولى كل شيء فيها. {إنما أنت منذر من يخشاها}.. هذه وظيفتك، وهذه حدودك.. أن تنذر بها من ينفعه الإنذار، وهو الذي يشعر قلبه بحقيقتها فيخشاها ويعمل لها، ويتوقعها في موعدها الموكول إلى صاحبها سبحانه وتعالى. ثم يصور هولها وضخامتها في صنيعها بالمشاعر والتصورات؛ وقياس الحياة الدنيا إليها في إحساس الناس وتقديرهم: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها}.. فهي من ضخامة الوقع في النفس بحيث تتضاءل إلى جوارها الحياة الدنيا، وأعمارها، وأحداثها، ومتاعها، وأشياؤها، فتبدو في حس أصحابها كأنها بعض يوم.. عشية أو ضحاها! وتنطوي هذه الحياة الدنيا التي يتقاتل عليها أهلها ويتطاحنون. والتي يؤثرونها ويدعون في سبيلها نصيبهم في الآخرة. والتي يرتكبون من أجلها ما يرتكبون من الجريمة والمعصية والطغيان. والتي يجرفهم الهوى فيعيشون له فيها.. تنطوي هذه الحياة في نفوس أصحابها أنفسهم، فإذا هي عندهم عشية أو ضحاها. هذه هي: قصيرة عاجلة، هزيلة ذاهبة، زهيدة تافهة.. أفمن أجل عشية أو ضحاها يضحون بالآخرة؟ ومن أجل شهوة زائلة يدعون الجنة مثابة ومأوى! ألا إنها الحماقة الكبرى. الحماقة التي لا يرتكبها إنسان. يسمع ويرى!

ابن عاشور

تفسير : ابتدئت بالقسَم بمخلوقات ذات صفات عظيمة قَسَماً مراداً منه تحقيقُ ما بعده من الخبر وفي هذا القسَم تهويل المقسم به. وهذه الأمور الخمسة المقسم بها جُموع جَرى لفظها على صيغة الجمع بألف وتاء لأنها في تأويل جَماعات تتحقق فيها الصفات المجموعة، فهي جماعات، نازعات، ناشطات، سابحات، سابقات، مدبِّرات، فتلك صفات لموصوفات محذوفة تدلّ عليها الأوصاف الصالحة لها. فيجوز أن تكون صفاتٍ لموصوفات من نوع واحد له أصناف تميّزها تلك الصفات. ويجوز أن تكون صفاتٍ لموصوفات مختلفة الأنواع بأن تكون كل صفة خاصيَّةً من خواصّ نوع من الموجودات العظيمة قوامُه بتلك الصفة. والذي يقتضيه غالب الاستعمال أن المتعاطفات بالواو صفات مستقلة لموصوفات مختلفة أنواع أو أصناف، أو لموصوف واحد له أحوال متعددة، وأنَّ المعطوفاتِ بالفاء صفات متفرعة عن الوصف الذي عُطفت عليه بالفاء، فهي صفات متعددة متفرّع بعضها عن بعض لموصوف واحد فيكون قَسماً بتلك الأحوال العظيمة باعتبار موصوفاتها. وللسلف من المفسرين أقوال في تعيين موصوفات هذه الأوصاف وفي تفسير معاني الأوصاف. وأحسن الوجوه على الجملةِ أن كلّ صفة مما عُطف بالواو مراداً بها موصوف غير المراد بموصوف الصفة الأخرى، وأن كل صفة عطفت بالفاء أن تكون حالةً أخرى للموصوف المعطوف بالواو كما تقدم. وسنتعمد في ذلك أظهر الوجوه وأنظَمها ونذكر ما في ذلك من الاختلاف ليكون الناظر على سعَةِ بصيرةٍ. وهذا الإِجمال مقصود لتذهب أفهام السامعين كلَّ مذهب ممكن، فتكثر خطور المعاني في الأذهان، وتتكرر الموعظة والعبرة باعتبار وقْع كل معنى في نفس له فيها أشدُّ وقْعٍ وذلك من وفرة المعاني مع إيجاز الألفاظ. فالنازعات: وصف مشتق من النزع ومعاني النزع كثيرة كلها ترجع إلى الإِخراج والجذب فمنه حقيقة ومنه مجاز. فيحتمل أن يكون {النازعات} جماعات من الملائكة وهم الموكّلون بقبض الأرواح، فالنزع هو إخراج الروح من الجسد شبه بنزع الدلو من البئر أو الركية، ومنهم قولهم في المحْتضَر هو في النزع. وأجريت صفتهم على صيغة التأنيث بتأويل الجماعة أو الطوائف كقوله تعالى: { أية : قالت الأعراب آمنا } تفسير : [الحجرات: 14]. وروي هذا عن علي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد ومسروق وابن جبير والسدّي فأقسم الله بالملائكة لأنها من أشرف المخلوقات، وخصها بهذا الوصف الذي هو من تصرفاتها تذكيراً للمشركين إذ هم في غفلة عن الآخرة وما بعد الموت، ولأنهم شديدٌ تعلقُهم بالحياة كما قال تعالى لمَّا ذكر اليهود: { أية : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا } تفسير : [البقرة: 96] فالمشركين مَثَل في حب الحياة ففي القسم بملائكة قبض الأرواح عظة لهم وعبرة. والقسَم على هذا الوجه مناسب للغرض الأهم من السورة وهو إثبات البعث لأن الموت أول منازل الآخرة فهذا من براعة الاستهلال. وغرقا: اسم مصدر أغرق، وأصله إغراقاً، جيء به مجرداً عن الهمزة فعومل معاملة مصدر الثلاثي المتعدّي مع أنه لا يوجد غرِق متعدياً ولا أن مصدره مفتوح عين الكلمة لكنه لما جعل عوضاً عن مصدر أغرق وحذفت منه الزوائد قدّر فعله بعد حذف الزوائد متعدياً. ولو قلنا: إنه سكنت عينه تخفيفاً ورعياً للمزاوجة مع {نشطاً}، و{سبحا}، و{سبقاً}، و{أمراً} لكان أرقب لأن متحرك الوسط يخفف بالسكون، وهذا مصدر وصف به مصدر محذوف هو مفعول مطلق للنازعات، أي نَزْعاً غَرقاً، أي مغرقاً، أي تنزع الأرواح من أقاصي الأجساد. ويجوز أن تكون {النازعات} صفة للنجوم، أي تنزع من أفق إلى أفق، أي تسير، يقال: ينزع إلى الأمر الفلاني، أي يميل ويشتاق. وغرقاً: تشبيه لغروب النجوم بالغَرْق في الماء وقاله الحسن وقتادة وأبو عبيدة وابن كيسان والأخفش، وهو على هذا متعين لأن يكون مصدر غَرِق وأن تسكين عينه تخفيف. والقَسَم بالنجوم في هذه الحالة لأنها مَظهر من مظاهر القدرة الربانية كقوله تعالى: { أية : والنجم إذا هوى } تفسير : [النجم: 1]. ويحتمل أن تكون {النازعات} جماعات الرّماة بالسهام في الغزو يقال: نزع في القوس، إذا مدَّها عند وضع السهم فيها. وروي هذا عن عكرمة وعطاء. والغَرق: الإِغراق، أي استيفاء مدّ القوس بإغراق السهم فيها فيكون قسماً بالرماة من المسلمين الغزاة لشرفهم بأن غزوهم لتأييد دين الله، ولم تكن للمسلمين وهم بمكة يومئذٍ غزوات ولا كانوا يرجونها، فالقَسَم بها إنذار للمشركين بغزوة بدر التي كان فيها خضْد شوكتهم، فيكون من دلائل النبوءة ووعد وعده الله رسوله صلى الله عليه وسلم و{الناشطات}: يجوز أن تكون الموصوفات بالنشاط، وهو قوة الانطلاق للعمل كالسير السريع، وينطلق النشاط على سير الثور الوحشي وسير البعير لقوة ذلك، فيكون الموصوف إما الكواكب السيارة على وجه التشبيه لدوام تنقلها في دوائرها وإما إبل الغزو، وإما الملائكة التي تسرع إلى تنفيذ ما أمر الله به من أمر التكوين وكلاهما على وجه الحقيقة، وأيَّاً مَّا كان فعطفها على {النازعات} عطف نوع على نوع أو عطَف صنف على صنف. و{نشطاً} مصدر جاء على مصدر فَعَلَ المتعدي من باب نَصَر فتعين أن {الناشطات} فاعلات النشط فهو متعد. وقد يكون مفضياً لإرادة النشاط الحقيقي لا المجازي. ويجوز أن يكون التأكيد لتحقيق الوصف لا لرفع احتمال المجاز. وعن ابن عباس: {الناشطات} الملائكة تَنشِيط نفوسَ المؤمنين، وعنه هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج. و{السابحات} صفة من السبح المجازي، وأصل السبح العَوْم وهو تنقل الجسم على وجه الماء مباشرة وهو هنا مستعار لسرعة الانتقال، فيجوز أن يكون المراد الملائكة السائرين في أجواء السماوات وآفاق الأرض، وروي عن علي بن أبي طالب. ويجوز أن يراد خِيل الغزاة حين هجومها على العدوّ سريعة كسرعة السابح في الماء كالسابحات في قول امرىء القيس يصف فرساً: شعر : مُسِحٌ إذا ما السابحات على الونى أثرن الغبار بالكديد المركَّل تفسير : وقيل: {السابحات} النجوم، وهو جار على قول من فسر النازعات بالنجوم، {وسبحا} مصدر مؤكد لإِفادة التحقيق مع التوسل إلى تنوينه للتعظيم، وعطف {فالسابقات} بالفاء يؤذن بأن هذه الصفة متفرعة عن التي قبلها لأنهم يعطفون بالفاء الصفات التي شأنها أن يتفرع بعضها عن بعض كما تقدم في قوله تعالى: { أية : والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكرا } تفسير : [الصافات: 1 ـــ 3] قول ابن زيابة: شعر : يا لهفَ زَيَّابَةَ للحارث الصّــــ ــــابح فالغائم فالآيب تفسير : فلذلك {فالسابقات} هي السابقات من السابحات. والسبق: تجاوز السائر من يَسير معه ووصوله إلى المكان المسير إليه قبله. ويطلق السبق على سرعة الوصول من دون وجود سائر مع السابق قال تعالى: { أية : فاستبقوا الخيرات } تفسير : [البقرة: 148] وقال: { أية : أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون } تفسير : [المؤمنون: 61]. ويطلق السبق على الغلب والقهر، ومنه قوله تعالى: { أية : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } تفسير : [العنكبوت: 4] وقول مُرة بن عداء الفقعسي: شعر : كأنكَ لم تُسْبَق من الدهر ليلةً إذا أنتَ أدْرَكت الذي كنتَ تطلُب تفسير : فقولُه تعالى: {فالسابقات سبقاً} يصلح للحمل على هذه المعاني على اختلاف محامل وصف السابحات بما يناسب كل احتمال على حِيالِه بأن يراد السائرات سيراً سريعاً فيما تعلمه، أو المبادرات. وإذا كان {السابحات} بمعنى الخيل كان {السابقات} إن حمل على معنى المسرعات كناية عن عدم مبالاة الفرسان بعدوّهم وحرصهم على الوصول إلى أرض العدوّ، أو على معنى غلبهم أعداءهم. وأكد بالمصدر المرادف لمعناه وهو {سبقا} للتأكيد ولدلالة التنكير على عظم ذلك السبق. و{المدبرات}: الموصوفةُ بالتدبير. والتدبير: جَوَلان الفكر في عواقب الأشياء وبإجراء الأعمال على ما يليق بما توجد له فإن كانت السابحات جماعات الملائكة، فمعنى تدبيرها تنفيذ ما نيط بعهدتها على أكمل ما أذنت به فعبر عن ذلك بالتدبير للأمور لأنه يشبه فعل المدبر المتثبت. وإن كانت السابحات خيلَ الغزاة فالمراد بالتدبير: تدبير مكائد الحرب من كرّ، وفر، وغارة، وقتل، وأسر، ولحاق للفارين، أو ثبات بالمكان. وإسناد التدبير إلى السابحات على هذا الوجه مجاز عقلي لأن التدبير للفُرسان وإنما الخيل وسائل لتنفيذ التدبير، كما قال تعالى: { أية : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } تفسير : [الحج: 27]، فأسند الإِتيان إلى ضمير {كل ضامر} من الإِبل لأن إتيان الحجيج من الفجاج العميقة يكون بسير الإِبل. وفي هذا المجاز إيماء إلى حِذق الخيل وسرعة فهمها مقاصد فرسانها حتى كأنها هي المدبرة لما دبره فرسانها. والأمر: الشأن والغرض المهم وتنوينه للتعظيم، وإفراده لإِرادة الجنس، أي أموراً. وينتظم من مجموع صفات {النازعات}، و{الناشطات}، و{السابحات}، إذا فهم منها جماعات الرماة والجَمَّالَة والفرسانِ أن يكون إشارة إلى أصناف المقاتلين من مُشاة وهم الرماة بالقِسي، وفرسان على الخيل وكانت الرماة تمشي قدَّام الفرسان تنضح عنهم بالنبال حتى يبلغوا إلى مكان الملحمة. قال أُنيْف بن زَبَّان الطائي: شعر : وتَحْتَ نحور الخَيْل خرْشَفُ رَجْلَةٍ تُتَاح لغِرَّاتِ القُلوب نِبَالُها تفسير : ولتحمل الآية لهذه الاحتمالات كانت تعريضاً بتهديد المشركين بحرب تشن عليهم وهي غزوة فتح مكة أو غزوة بدر مثل سورة (والعاديات) وأضرابها، وهي من دلائل نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم إذ كانت هذه التهديدات صَريحُها وتعريضُها في مدة مقامة صلى الله عليه وسلم بمكة والمسلمون في ضعف فحصل من هذا القَسم تعريض بعذاب في الدنيا. وجملة {يوم ترجف الراجفة} إلى {خاشعة} جوابُ القسم وصريحُ الكلام موعظة. والمقصود منه لازمه وهو وقوع البعث لأن القلوب لا تكون إلا في أجسام. وقد علم أن المراد بــــ {يوم ترجف الراجفة} هو يوم القيامة لأنه قد عُرِّف بمثل هذه الأحوال في آيات كثيرة مما سبق نزوله مثل قوله: {إذا رُجّت الأرض} فكان في هذا الجواب تهويل ليوم البعث وفي طيه تحقيق وقوعه فحصل إيجاز في الكلام جامع بين الإِنذار بوقوعه والتحذير مما يجري فيه. و{يوم ترجف الراجفة} ظرف متعلق بــــ {واجفة} فآل إلى أن المقسم عليه المراد تحقيقه هو وقوع البعث بأسلوب أوقع في نفوس السامعين المنكرين من أسلوب التصريح بجواب القسم، إذ دل على المقسم عليه بعض أحواله التي هي من أهواله فكان في جواب القسم إنذار. ولم تقرن جملة الجواب بلام جواب القسم لبعد ما بين الجواب وبين القسم بطول جملة القسم، فيظهر لي من استعمال البلغاء أنه إذا بعد ما بين القسم وبين الجواب لا يأتون بلام القسم في الجواب، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : والسماء ذات البروج} تفسير : [البروج: 1] إلى { أية : قتل أصحاب الأخدود } تفسير : [البروج: 4]. ومثله كثير في القرآن فلا يؤتى بلام القسم في جوابه إلا إذا كان الجواب موالياً لجملة القسم نحو { أية : وتالله لأكيدن أصنامكم } تفسير : [الأنبياء: 57] { أية : فوربك لنسألنهم أجمعين } تفسير : [الحجر: 92]، ولأن جواب القسم إذا كان جملة اسمية لم يكثر اقترانه بلام الجواب ولم أر التصريح بجوازه ولا بمنعه، وإن كان صاحب «المغني» استظهر في مبحث لام الجواب في قوله تعالى: { أية : ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند اللَّه خير } تفسير : [البقرة: 103] أن اللام لام جواب قسم محذوف وليست لام جواب (لو) بدليل كون الجملة اسمية، والاسمية قليلة من جواب (لو) فلم يرَ جملة الجواب إذا كانت اسمية أن تقترن باللام. وجعل صاحب «الكشاف» تبعاً للفراء وغيره جواب القسم محذوفاً تقديره: لتُبعثُنَّ. وقُدم الظرف على متعلقة لأن ذلك الظرف هو الأهمّ في جواب القَسَم لأنه المقصود إثبات وقوعه، فتقديم الظرف للاهتمام به والعناية به فإنه لما أكد الكلام بالقسم شمل التأكيدُ متعلقات الخبر التي منها ذلك الظرف، والتأكيد اهتمام، ثم أكد ذلك الظرف في الأثناء بقوله: {يومئذ} الذي هو يوم ترجف الراجفة فحصلت عناية عظيمة بهذا الخبر. والرجف: الاضطراب والاهتزاز وفعله من باب نصَر. وظاهر كلام أهل اللغة أنه فعل قاصر ولم أر من قال: إنه يستعمل متعدياً، فلذلك يجوز أن يكون إسناد {ترجف} إلى {الراجفة} حقيقياً، فالمراد بــــ{الراجفة}: الأرض لأنها تضطّرب وتهتزّ بالزلازل التي تحصل عند فناء العالم الدنيوي والمصير إلى العالم الأخروي قال تعالى: { أية : يوم ترجف الأرض والجبال } تفسير : [المزمل: 14] وقال: { أية : إذا رجت الأرض رجاً } تفسير : [الواقعة: 4] وتأنيث {الراجفة} لأنها الأرض، وحينئذ فمعنى {تتبعها الرادفة} أن رجفة أخرى تتبع الرجفة السابقة لأن صفة {الراجفة} تقتضي وقوع رجفة، فالرادفة رجفة ثانية تتبع الرجفة الأولى. ويجوز أن يكون إسناد {ترجف} إلى {الراجفة} مجازاً عقلياً، أطلق {الراجفة} على سبب الرجف. فالمراد بـــ {الراجفة} الصيحة والزلزلة التي ترجف الأرض بسببها جعلت هي الراجفة مبالغة كقولهم: عيشة راضية، وهذا هو المناسب لقوله: {تتبعها الرادفة} أي تتبع تلك الراجفة، أي مسبّبة الرجف رادفة، أي واقعة بعدها. ويجوز أن يكون الرجف مستعاراً لشدة الصوت فشبه الصوت الشديد بالرجف وهو التزلزل. وتأنيث {الراجفة} على هذا لتأويلها بالواقعة أو الحادثة. و{تتبعها الرادفة}: التالية، يقال: ردف بمعنى تبع، والرديف: التابع لغيره، قال تعالى: { أية : أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } تفسير : [الأنفال: 9]، أي تتبع الرجفة الأولى، ثانية، فالمراد: رادفة من جنسها وهما النفختان اللتان في قوله تعالى: { أية : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } تفسير : [الزمر: 68]. وجملة {تتبعها الرادفة} حال من {الراجفة}. وتنكير {قلوب} للتكثير، أي قلوب كثيرة ولذلك وقع مبتدأ وهو نكرة لإِرادة النوعية. والمراد: قلوب المشركين الذين كانوا يجحدون البعث فإنهم إذا قاموا فعلموا أن ما وعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم به حق توقّعوا ما كان يحذرهم منه من عقاب إنكار البعث والشرك وغير ذلك من أحوالهم. فأما قلوب المؤمنين فإن فيها اطمئناناً متفاوتاً بحسب تفاوتهم في التقوى. والخوف يومئذ وإن كان لا يخلو منه أحد إلا أن أشدّه خوف الذين يوقنون بسوء المصير، ويعلمون أنهم كانوا ضالين في الحياة الدنيا. والواجفة: المضطربة من الخوف، يقال: وجف كضرف وجَفَّا ووجيفاً ووجوفاً، إذا اضطرب. و{واجفة} خبر {قلوب}. وجملة {أبصارها خاشعة} خبر ثان عن {قلوب} وقد زاد المرادَ من الوجيف بياناً قولُه {أبصارها خاشعة}، أي أبصار أصحاب القلوب. والخشوع حقيقته: الخضوع والتذلل، وهو هيئة للإِنسان، ووصف الأبصار به مجاز في الانخفاض والنظرِ من طرْف خفي من شدة الهلع والخوف من فظيع ما تشاهده من سوء المعاملة قال تعالى: { أية : خُشّعاً أبصارهم } تفسير : في سورة اقتربت الساعة (7). ومثله قوله تعالى: { أية : ووجوه يومئذ باسرة } تفسير : [القيامة: 24]. وإضافة (أبصار) إلى ضمير القلوب لأدنى ملابسة لأن الأبصار لأصحاب القلوب وكلاهما من جوارح الأجساد مثل قوله: { أية : إلا عشية أو ضحاها } تفسير : [النازعات: 46].

الشنقيطي

تفسير : الواو للقسم، والمقسم به محذوف، ذكرت صفاته في كل المذكورات، إلى قوله: {أية : فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}تفسير : [النازعات: 5]. وقد اختلف في المقسم به فيها كلها، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. والنازعات: جمع نازعة، والنزع: جذب الشَّيء بقوة من مقره، كنزع القوس عن كبده، ويستعمل في المحسوس والمعنوي، فمن الأول نزع القوس كما قدمنا، ومنه قوله: ونزع يده، وقوله: { أية : تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}تفسير : [القمر: 20] وينزع عنهما لباسهما، ومن المعنوي قوله تعالى: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً}تفسير : [الحجر: 47]، وقوله: {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ}تفسير : [النساء: 59]، والحديث: لعله نزعه عرق. والإغراق المبالغة، والاستغراق: الاستيعاب. أما المراد بالنازعات غرقاً هنا، فقد اختلف فيه إلى حوالى عشرة أقوال منها: أنها الملائكة تنزع الأرواح، والنجوم تنتقل من مكان إلى مكان آخر، والأقواس تنوع السهام، والغزاة ينزعون على الأقواس، والغزاة ينزعون من دار الإسلام إلى دار الحرب للقتال، والوحوش تنزع إلى الطلا، أي الحيوان الوحشي. والنَّاشطات: قيل أصل الكلمة: النَّشاط والخفَّة، والأنشوطة: العقدة سهلة الحل، ونشطه بمعنى ربطه، وأنشطه حله بسرعة وخفة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كأنما أنشط من عقال ". تفسير : أما المراد به هنا فقد اختلف فيه على النحو المتقدم تقريباً، فقيل: الملائكة تنشط الأرواح، وقيل: أرواح المؤمنين تنشط عند الفزع، ولم يرجح انب جرير معنى منها، وقال: كلها محتملة، وحكاها غيره كلها. وقد ذكر في الجلالين المعنى الأول منها فقط، والذي يشهد له السياق والنصوص الأخرى: أن كلاً من النازعات والناشطات: هم الملائكة، وهو ما روي عن ابن عباس ومجاهد، وهي صفات لها في قبض الأرواح. ودلالة السياق على هذا المعنى: هو أنهما وصفان متقابلان: الأول نزع بشدَّة، والآخر نشاط بخفة، فيكون النزع غرقاً لأرواح الكفار، والنشط بخفة الأرواح المؤمنين، وقد جاء ذلك مفسراً في قوله تعالى في حق نزع أرواح الكفار {أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ}تفسير : [الأنعام: 93] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاَۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}تفسير : [الأنفال: 50]، وقوله تعالى في حق المؤمنين: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}تفسير : [الفجر: 27-28]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}تفسير : [فصلت: 30]. وهذا يتناسب كل المناسبة مع آخر السورة التي قبلها إذ جاء فيها: {أية : إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}تفسير : [النبأ: 40]، ونظر المرء ما قدمت يداه يبدأ من حالة النزع حينما يثقل اللسان عن النطق في حالة الحشرجة، حين لا تقبل التوبة عند العاينة لما سيؤول إليه، فينظر حينئذٍ ما قدمت يداه، وهذا عند نزع الروح أو نشطها، والله تعالى أعلم.

الواحدي

تفسير : {والنازعات} أي: الملائكة التي تنزع أرواح الكفَّار {غرقاً} إغراقاً كما يُغرق النَّازع في القوس. يعني: المبالغة في النَّزع. {والناشطات نشطاً} يعني: الملائكة تقبض نفس المؤمن كما ينشط العقال من يد البعير، أَيْ: يُفتح. {والسابحات سبحاً} أي: النُّجوم تسبح في الفلك. {فالسابقات سبقاً} أرواح المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقاً إلى لقاء الله عزَّ وجلَّ. وقيل: النُّجوم يسبق بعضها بعضاً في السَّير. {فالمدبرات أمراً} يعني: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام، يُدبِّر أمر الدُّنيا هؤلاء الأربعة من الملائكة، وجواب هذه الأقسام مضمرٌ على تقدير: لَتُبعَثُنَّ. {يوم ترجف الراجفة} تضطرب الأرض وتتحرَّك حركةً شديدةً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أقسم بكل ما أودعت فيه قوة نزع الأشياء من مقارها بشدة. 2- وبكل ما أودعت فيه قوة إخراج الأشياء فى خفة ولين. 3- وبكل ما أودعت فيه السرعة فى تأدية وظائفه بسهولة ويسر. 4- فالسابقات التى تسبق فى أداء ما وكِّل إليها سبقاً عظيماً. 5، 6، 7- فالمدبرات التى تدبر الأمور وتصرفها بما أودع فيها من خصائص: لتقومن الساعة يوم تزلزل النفخة الأولى جميع الكائنات، تتبعها النفخة الثانية التى يكون معها البعث. 8- قلوب فى ذلك اليوم فزعة خائفة. 9- أبصار أصحابها حزينة ذليلة منكسرة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: والنازعات غرقا: أي الملائكة تنزع أرواح الفجار والكفار عند الموت بشدة. والناشطات نشطا: أي الملائكة تنشط أرواح المؤمنين الصالحين نشطا أي تسلها برفق. والسابحات سبحا: أي الملائكة تسبح من السماء بأمر الله أي تنزل به إلى الأرض. فالسابقات سبقا: أي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. فالمدبرات أمرا: أي الملائكة تدبر أمر الدنيا أي تنزل بتدبيره من لدن الله المدبر الحكيم. يوم ترجف الراجفة: أي النفخة الأولى نفخة الفناء التي يتزلزل كل شيء معها. تتبعها الرادفة: أي النفخة الثانية. واجفة: أي خائفة قلقة. أئنا لمردودون في الحافرة: أي أنرد بعد الموت إلى الحياة إذ الحافرة اسم لأول الأمر. تلك إذا كرة خاسرة: أي رجعة إلى الحياة خاسرة. فإنما هي زجرة واحدة: أي نفخة واحدة. فإِذا هم بالساهرة: أي بوجه الأرض أحياء سميت ساهرة لأن من عليها بها يسهر ولا ينام. معنى الآيات: قوله تعالى والنازعات غرقا الآيات هذا قسم عظيم أقسم تعالى به على أنه لابد من البعث والجزاء حيث كان المشركون ينكرون ذلك حتى لا يقفوا عند حد في سلوكهم فيواصلوا كفرهم وفسادهم جريا وراء شهواتهم كل أيامهم وطيلة حياتهم كما قال تعالى بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه فأقسم تعالى بخمسة أشياء وهي النازعات والناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات، ورجح أنهم أصناف من الملائكة وجائز أن يكون غير ذلك ولا حرج إذ العبرة بكونه تعالى قد أقسم ببعض مخلوقاته على أن البعث حق ثابت وواقع لا محالة، وتقدير جواب القسم بلتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم إذ هو معهود في كثير من الإِقسام في القرآن كقوله تعالى من سورة التغابن زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير وسيتم ذلك البعث والجزاء يوم ترجف الراجفة التي هي النفخة الأولى التي ترجف فيها العوالم كلها ويفنى فيها كل شيء، ثم تتبعها الرادفة وهي النفخة الثانية وهي نفخة البعث من القبور أحياء وأن بين النفختين أربعين سنة كما ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح وقوله تعالى قلوب يومئذ واجفة أي خائفة قلقة أبصارها خاشعة أي أبصار أصحاب تلك القلوب خاشعة أي ذليلة خائفة. وقوله تعالى يقولون أي منكرو البعث أئنا لمردودون في الحافرة أي أنرد بعد الموت إلى الحياة من جديد كما كنا أول مرة، أئذا كنا عظاما نخرة أي بالية مفتتة وقولهم هذا استبعاد منهم للبعث وإنكار له، وقالوا تلك إذاً كرة خاسرة يعنون أنهم إذا عادوا إلى الحياة مرة أخرى فإِن هذه العودة تكون خاسرة وهي بالنسبة إليهم كذلك إذ سيخسرون فيها كل شيء حتى أنفسهم كما قال تعالى قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين. وقوله تعالى فإِنما هي زجرة واحدة أي صيحة واحدة وهي نفخة إسرافيل الثانية نفخة البعث {فَإِذَا هُم} أولئك المكذبون وغيرهم من سائر الخلق بالساهرة أي وجه الأرض وقيل فيها الساهرة لأن من عليها يومئذ لا ينامون بل يسهرون أبدا فرد تعالى بهذا على منكري البعث الآخر وقرره عز وجل بما لا مزيد عليه إعذارا وإنذارا ولا يهلك على الله إلا هالك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن الله تعالى يقسم بما يشاء من مخلوقاته بخلاف العبد لا يجوز له أن يقسم بغير ربه تعالى. 2- بيان أن روح المؤمن تنزع عند الموت نزعاً سريعاً لا يجد من الألم ما يجده الكافر. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء بالإِقسام عليها وذكر كيفية وقوعها.

القطان

تفسير : النازعات: الملائكة، أو الكواكب. غرقاً: بشدة. الناشطات: التي تنشط في اجابة أمر ربها. السابحات: الطائرات في هذا الكون الفسيح كأنها تسبح سبحا. السابقات: المسرعات في أداء ما وكل اليها. المدبّرات: التي تدبر الأمور بإذن الله. ترجُفُ: تضطرب. الراجفة: الارض. الرادفة: السماء. واجفة: خائفة. خاشعة: ذليلة. الحافرة: الحياة الاولى، يقال رجع الى حافرته: رجع الى طريقته الأولى. النخِرة: البالية. كرّة خاسرة: رجعة يخسَر أصحابها. زجرة واحدة: صيحة واحدة. الساهرة: أرض المحشَر. لقد جاء في القرآن الكريم ضروبٌ من القسَم بالأزمنة والأمكنة وبعض الاشياء، ولو استعرضْنا جميع ما أقسم الله به لوجدناه إما شيئاً أنكره بعضُ الناس، أو احتقره لغفْلتِه عن فائدته، أو ذُهل من موضع العبرة فيه، ولم ينتبه الى حكمة الله في خَلْقه أو اعتقدَ فيه غيرَ الحق. فاللهُ سبحانه يقسِم به إما لتقرير وجودهِ في عقلِ من يُنكره، أو تعظيمِ شأنِه في نفسِ من يحتقرُه. فالقسَم بالنجوم، جاء لأن قوماً يحقّرونها لأنها من جُملة عالَم المادّة ويغفلون عن حكمة الله فيها وما ناطَ بها من المصالح، وآخرين يعتقدونها آلهة تتصرّف في هذه الأكوان، فأقسَمَ اللهُ بها على أنها من المخلوقات التي تعرفُها القدرة الإلهية، وليس فيها شيء من صفات الألوهية. ولقد بدأ اللهُ سبحانه هذه السورة بالحَلْف بأصنافٍ من مخلوقاته، إظهاراً لإتقان صُنعها وغزارة فوائدها بأن البعثَ حق، وأن من قَدر على صُنعِ هذا الكونِ وما فيه لهو قادرٌ على إحياء الموتى. فأقسَم بالنازعاتِ، وهي الملائكةُ التي تنزع أرواح الكافرين بشدّة؛ والناشطات، وهي الملائكةُ التي تأخذ أرواحَ المؤمنين بسهولة ويسر؛ وبالسابحات التي تسبحُ في أجواء هذا الكون الفسيح، والسابقات وهي التي تسبقُ في أداء ما وُكِلَ إليها وتؤدّيه على أحسن وجه، والمدبّراتِ أي التي تدبّر الأمورَ بإذن الله وتصرفها بما أودع فيها من خصائص. ويقول بعض المفسّرين إن النازعات والناشطات والسابحات والسابقات والمدبّرات هي الكواكب. ونحن لا نستطيع أن نجزم بشيء من هذه الأقوال لأنها لا تستند الى دليل. {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ....} يومَ تقوم القيامةُ تضطربُ الأرض بمن فيها وترجفُ الأرضُ والجبال.. وتتبعها الرادِفةُ، وهي النَّفخة الثانية، فتنشقّ السماء وتَنتثِر الكواكب ويقوم الناسُ لربّ العالمين. كما قال تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر: 68]. ويكون الناس في ذلكَ اليومِ في ذهولٍ عظيم، وخوفٍ وهلع، كما صوّرهم الله بقوله: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} تفسير : [الحج: 2]. يومئذٍ يرى المرءُ قلوباً مضطربةً قلِقة خائفة {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} ذليلةً من الهلعَ والخوف. ثم يتساءل المجرمون وهم يظنّون أنهم رُدّوا الى حياتهم الأولى: {يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} أنحنُ مردودون الى الحياةِ، عائدون في طريقنا الأُولى؟! وهذا من شدّة ذهولهم ودَهشتهم كيف يرجعون بعد ان كانوا عظاماً بالية! ثم يعودون إلى رُشدهم فيقولون (بعد أن يعلموا أنها حياة اخرى ويشعروا بالخسارة) {قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} لم يحسِبوا حسابها، ولم يقدّموا لها. ثم يأتي الرد الشديد من الله تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} لا تستبعِدوا ذلك وتظنّوه عَسيرا علينا، فإنما هي صَيْحة واحدةٌ، وهي النفخة الثانية التي يبعثُ الله بها الموتَى، فإذا الناسُ كلّهم حضورٌ بأرض المحشر. قراءات: قرأ الجمهور: عظاما نخرة بفتح النون وكسر الخاء، وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر: ناخرة بألف بعد النون.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلنَّازِعَاتِ} (1) - بَدَأَ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِالقَسَمِ بِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ إِظْهَاراً لِعَظَمَةِ شَأْنِهَا، عَلَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدُ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَمْرِ البَعْثِ، وَعَرْضِ الخَلاَئِقِ عَلَى رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُجَازِيَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.. هُوَ حَقٌّ لاَ رَيْبَ فِيهِ، وَسَيَكُونُ يَوْمُ القِيَامَةِ يَوْماً تَعْظُمُ فِيهِ الأَهْوَالُ، وَتَخْشَعُ فِيهِ الأَبْصَارُ.. وَالنَّازِعَاتُ هِيَ المَلاَئِكَةُ تَنْزِعُ أَرْوَاحَ البَشَرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَنْزِعُ المَلاَئِكَةُ رُوحَهُ وَتَأْخُذُهَا بِعُسْرٍ، فَتَغْرَقُ فِي نَزْعِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُ رُوحَهُ بِسُهُولَةٍ، وَكَأَنَّمَا حَلَّتْهُ مِنْ نِشَاطٍ. (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ النَّازِعَاتِ هِيَ الكَوَاكِبُ الجَارِيَةُ عَلَى نِظَامٍ مُعَيَّنٍ فِي سَيْرِهَا كَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ مَعْنَى النَّزْعِ هُنَا الجَرْيُ. وَيَكُونُ مَعْنَى (غَرْقاً) هُوَ مُجِدَّةً مُسْرِعَةً فِي جَرْيِهَا).

الثعلبي

تفسير : {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً} قال مسروق: هي الملائكة التي تنزع نفوس بني آدم، وهي رواية أبي صالح وعطية عن ابن عباس، قال أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه: هي الملائكة تنزع أرواح الكافر والكفرة، وقال ابن مسعود: يريد أنفس الكفّار ينزعها ملك الموت من أجسادهم من تحت كلّ شعرة ومن تحت الأظافير وأصول القدمين ثم يفرّقها ويرّددها في جسده بعد ما تنزع حتى إذا كادت تخرج ردّها في جسده فهذا عمله بالكفار، وقال مقاتل: هم [ملك الموت] وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السّفود الكثير الشعب من الصوف المبتل فتخرج نفسه كالغريق في الماء. سعيد بن جبير: نزعت أرواحهم ثم غرّقت ثم حرّقت ثم قذف بها في النار، وقال مجاهد هو الموت ينزع النفوس، السندي: هي النفس حين تغرق في الصدر، وقيل: يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنه يغرق، الحسن وقتادة وابن كيسان وأبو عبيدة والأخفش: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب، عطاء وعكرمة: هي القسيّ، وقيل: الغزاة، الرماة، ومجاز الآية: والنازعات إغراقاً كما يغرق النازع في القوس إذا بلغ بها غاية المد [...] الذي عند النصل الملفوف عليه، ويقال لقشرة البيضة الداخلة غرقي، وأراد بالإغراق المبالغة في النزع وهو سابغ في جميع وجوه تأويلها. {وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} قال ابن عباس: يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حلّ عنها وحكى الفرّاء هذا القول ثم قال: والذي سمعت من العرب أن يقولوا: أنشطت، وكأنما أنشط من عقال، وربطها نشطاً، والرابط: الناشط، وإذا ربطت الحبل في يد البعير فقد نشطته وأنت ناشط، وإذا حللته فقد أنشطته وأنت منشط. وعن ابن عباس أيضاً: هي أنفس المؤمنين عند الموت، ينشط للخروج وذلك أنه ليس من مؤمن يحضره الموت إلاّ عرضت عليه الجنّة قبل أن يموت فيرى فيها أشباهاً من أهله وأزواجه من الحور العين فهم يدعونه إليها، فنفسه إليهم نشيطة ان تخرج فتأتيهم، وقال علي ابن أبي طالب: هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أجوافها بالكرب والغمّ، وقال مجاهد: هو الموت ينشط نفس الإنسان، وقال السندي: حين ينشط من القدمين، عكرمة وعطا: هي الأدهان، قتادة والأخفش: هي النجوم تنشط من أفق إلى أُفق، أي تذهب، يقال: حمارنا ناشط ينشط من بلد إلى بلد أي يذهب، ويقال لبقر الوحش نواشط، لأنها تذهب من موضع إلى موضع. قال الطرماح: شعر : وهل بحليف الخيل ممّن عهدته به غير أحدان النواشط روّع تفسير : والهموم تنشط بصاحبها، قال هميان بن قحافة: شعر : أمست همومي تنشط المناشطا الشام بي طوراً وطوراً واسطّا تفسير : وقال الخليل: النشط والإنشاط مدّك شيئاً إلى نفسك حتى تنحّل. {وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً} قال علي: هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين، وقال الكلبي: هم الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء فأحياناً ينغمس وأحياناً يرتفع يسلونه سلا رفيقاً ثم يدعونها حتى يستريح، وقال مجاهد وأبو صالح: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كما يقال للفرس الجواد، سابح إذا أسرع في جريه، وقيل: هي خيل الغزاة. قال امرؤ القيس: شعر : مسح إذا ما السابحات على الونى أثرن الغبار بالكديد المركل تفسير : وقال قتادة: هي النجوم والشمس والقمر. قال الله سبحانه: {أية : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40] وقال عطا: هي السفن. {فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً } قال مجاهد وأبو روق: سقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح، مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، ابن مسعود: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقضونها وقد عاينت السرور شوّقا إلى لقاء الله ورحمته وكرامته، عطا: هي الخيل، قتادة: النجوم تسبق بعضها بعضاً في المسير. {فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} يعني الملائكة. أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن جعفر بن الطيب قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص قال: حدّثنا محمد بن خلف قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا الأعمش عن عمرو ابن مرّة عن عبد الرحمن بن سابط قال: يدبّر أمر الدنيا أربعة: جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل (عليهم السلام)، فأما جبريل فوكّل بالرياح، وأما ميكائيل فوكّل بالقطر والنبات وأمّا ملك الموت فوكّل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم. {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} يعني النفخة الأولى التي يتزلزل ويتحرّك لها كلّ شيء {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} وهي النفخة الأخيرة وبينهما أربعون سنة، قال قتادة: هما صيحتان: أما الأولى فتميت كلّ شيء بإذن الله، وأمّا الأخرى فتحيي كلّ شيء بإذن الله، وقال مجاهد: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} يعني تزلزل الأرض والجبال {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} حين تنشق السماء ويحمل الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، عطا: الراجفة: القيامة، والرادفة البعث، ابن زيد: الراجفة: الموت، والرادفة: الساعة، وأصل: الراجفة: الصوت والحركة ومنه سميت الأراجيف لاضطراب الأصوات بها، وكلّ شيء ولى شيئاً وتبعه فقد ردفه. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا محمد بن هارون الحضرمي قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدّثنا قبيصة بن عقبة عن سفيان الثوري عن عبد الله ابن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبيّ بن كعب عن أبيّ بن كعب، قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال: "يا أيها الناس اذكروا الله إذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه ". تفسير : واختلف العلماء في جواب القسم فقال بعض نُحاة الكوفة: جوابه مضمر مجازه: لتبعثن ولتحاسبُن، وقال بعض نُحاة البصرة: هو قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} وقيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة والنازعات غرقاً. {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} خائفة، مجاهد: وجلة، السدي: زائلة عن أماكنها، نظيره {أية : إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} تفسير : [غافر: 18]، المؤرّخ: قلقة، قطرب: مستوفرة، يمان: غير هادئة ولا ساكنة، أبو عمرو بن العلا: مرتكضة، المبرد: مضطربة من وجيف الحركات يقال: وجف القلب ووجب فهو يجف ويجب وجوفاً ووجيفاً ووجوباً ووحيباً. {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ} يعني هؤلاء المكذّبين للبعث من مشركي مكّة إذا قيل لهم: إنكم مبعوثون بعد الموت. {أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ} أي إلى أوّل الحال وابتداء الأمر فراجعون أحياء كما كنّا قبل حياتنا وهو من قول العرب: رجع فلان على حافرته إذا أرجع من حيث جاء، وقال الشاعر: شعر : أحافرة على صلع وشيب معاذ الله من سفه وعار تفسير : ويقال: البعد عند الحافر وعند الحافرة أي في العاجل عند ابتداء الأمر وأول سومه، والتقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة أي عند أول كلمة. أخبرنا أبو بكر الجمشادي قال: أخبرنا أبو بكر القطيعي قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال: حدّثنا عمر بن مرزوق قال: أخبرنا عمران القطان قال: سمعت الحسن يقول: إنّا لمردودون إلى الدنيا فنصير أحياء كما كنا، قال الشاعر: شعر : آليتُ لا أنساكم فاعلموا حتى يردُ الناس في الحافرة تفسير : وقال بعضهم: الحافرة الأرض التي فيها تحفر قبورهم فسُمّيت حافرة وهي بمعنى المحفورة كقوله سبحانه: {أية : مَّآءٍ دَافِقٍ} تفسير : [الطارق: 6] و {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 21] ومعنى الآية إنّا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقاً جديداً ثم مردودون في قبورنا أمواتاً، وهذا قول مجاهد والخليل بن أحمد، وقيل: سمّيت الأرض حافرة، لأنها مستقر الحوافر كما سمي القدمُ أرضاً، لأنها على الأرض ومجاز الآية: نرد فنمشي على أقدامنا، وهذا معنى قول قتادة، وقال ابن زيد: الحافرة النار، وقرأ {تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} قال: هي إسم من أسماء النار وما أكثر أسمائها. {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} قرأ أهل الكوفة وأيوب ناخرة بالألف، وهي قراءة عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس وابن الزبير وابن مسعود وأصحابه، واختاره الفراء وابن جرير لوفاق رؤوس الآي، وقرأ الباقون بجرة بغير الألف، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، قال أبو عبيد إنما اخترناه لحجتين: أحديهما: أن الجمهور الأعظم من الناس عليها، منهم أهل تهامة والحجاز والشام والبصرة، والثانية: إنّا قد نظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي قد نخرت فوجدناها كلّها العظام النخرة، ولم أسمع في شيء منها الناخرة، وكان أبو عمرو يحتج بحجة ثالثة قال: إنّما يكون تناخره إلى تنخرها، ولم يفعل، وهما لغتان في قول أكثر أهل اللسان مثل: الطمع والطامع والبخل والباخل والفره والفاره والجذر والجاذر، وفرّق بينهما فقالوا: النخرة: البالية، والناخرة: المجوّفة التي تمرّ فيها الريح فتخرّ أي تصوّت. {قَالُواْ} يعني المنكرين {تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} رجعة غابنة قال الله سبحانه: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ} صيحة ونفخة {وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} يعني وجه الأرض صاروا على ظهر الأرض بعد ما كانوا في جوفها، والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة، قال أئمة أهل اللغة تراهم سمّوا ذلك بها [لأنّ فيها نوم الحيوان] سهّرهم فوصف بصفة ما فيه، واستدل ابن عباس والمفسرون بقول أمية بن أبي الصلت: شعر : وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به لهم مقيم تفسير : أي لهم البر والبحر، وقال امرؤ القيس: شعر : ولاقيتمُ بعدهُ غبّها فضاقت عليكم به الساهرة تفسير : وقال ابو ذؤيب: شعر : يرتدن ساهرة كأن حميمها وعميمها أسداف ليل مظلم تفسير : وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن لمهان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا جهاد عن أبي سنان عن أبي المنية {فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} جبل عند البيت المقدّس، وروى الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة {فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} قال الصقع الذي بين جبل حسان وجبل أريحا يمدّه الله كيف يشاء، وقال سفيان: هي أرض الشام، وقال قتادة: هي جهنم.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا أَبو القاسم، عبد الرحمن بن الحسين بن أَحمد بن محمد الهمذاني، قراءَة عليه، قال: ثنا إِبراهيم بن الحسين بن علي الكسائي قال: ثنا آدم بن أَبي إِياس العسقلاني قال: ثنا شيبان عن قتادة عن الحسن في قوله: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً} [الآية: 1]. قال: يعني النجوم. {وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} [الآية: 2]. قال: يعني النجوم. {وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً} [الآية: 3]. قال: يعني النجوم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} [الآية: 6]. يقول: ترجف الأَرض والجبال، وهي الزلزلة. {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} [الآية: 7]. يقول: {أية : فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}تفسير : [الحاقة: 14].

الصابوني

تفسير : اللغَة: {وَاجِفَةٌ} خائفة فزعة يقال: وجف القلبُ وجيفاً إِذا خفق واضطرب من شدة الفزع {ٱلْحَافِرَةِ} الرجوع إِلى الحالة التي كان عليها يقال: رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء قال الشاعر: شعر : أحافرةً على صَلع وشيب معاذَ اللهِ من سَفَهٍ وعار تفسير : {ٱلسَّاهِرَةِ} وجه الأرض، والعربُ تسمي وجه الأرض والفلاة ساهرة لأنه يُسهر عليها {سَمْكَهَا} السَّمك: العلُوُّ والارتفاع، وبناءٌ ممسوك أي عال مرتفع {أَغْطَشَ} أظلم يقال: غطش الليلُ وأغطشه اللهُ أي صار مظلماً وأظلمه الله {دَحَاهَا} بسطها وسوَّاها قال زيد بن عمرو: شعر : دّحاها فلما استوت شدَّها بأيدٍ وأرسى عليها الجبالا تفسير : {ٱلطَّآمَّةُ} الداهية العظمى التي لا تستطاع قال الشاعر: شعر : إِنَّ بعض الحُبِّ يعمي ويُصمُّ وكذاكَ البُغضُ أدهى وأطمُّ تفسير : التفسِير: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً} أي أُقسمُ بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعاً بالغاً أقصى الغاية في الشدة والعسر {وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} أي وأُقسمُ بالملائكة التي تنزع أرواح المؤمنين بسهولةٍ ويسر، وتسلُّها سلاً رفيقاً قال ابن مسعود: إِن ملكَ الموت وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السَّفود - سيخ الحديد - الكثير الشُعب من الصوف المبتلّ، فتخرج نفس الكافر كالغريق في الماء، وينزع روح المؤمن برفق ولين، ويقبضها كما ينشط العِقال من يد البعير قال ابن كثير: أقسم سبحانه بالملائكة حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلَّته من نشاط {وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً} أي وأقسم بالملائكة التي تنزل بأمر الله ووحيه من السماء كالذي يسبح في الماء، مسرعين لتنفيذ أمر الله {فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً} أي الملائكة التي تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة {فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} أي الملائكة تدبّر شئون الكون بأمره تعالى، في الرياح، والأمطار، والأرزاق، والأعمار، وغير ذلك من شئون الدنيا، أقسم سبحانه بهذه الأصناف الخمسة على أن القيامة حق، وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثنَّ ولتحاسبنَّ، وقد دل عليه قوله {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} أي يوم ينفخ في الصُّور النفخة الأولى التي يرتجف ويتزلزل لها كل شيء، تتبعها النفخة الثانية وهي نفخة القيام من القبور قال ابن عباس: الراجفة والرادفة هما النفختان الأولى والثانية، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى، وأما الثانية فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى.. ثم ذكر تعالى حالة المكذبين وما يلقونه من الشدائد والأهوال فقال {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} أي قلوب الكفار في ذلك اليوم خائفة وجلة مضطربة {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} أي أبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال {يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ} أي يقولون في الدنيا استهزاءً واستبعاداً للبعث: أنردُّ بعد الموت فنصير أحياء بعد فنائنا ونرجع كما كنا أول مرة؟ قال القرطبي: إذا قيل لهم: إِنكم تبعثون قالوا منكرين متعجبين: أنردُّ بعد موتنا إِلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟ والعرب تقول: رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} أي هل إذا صرنا عظاماً بالية متفتتة سنرد ونبعث من جديد؟ {قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} أي إِن كان البعث حقاً، وبعثنا بعد موتنا فسوف نكون من الخاسرين لأننا من أهل النار، قال تعالى {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} أي فإِنما هي صيحة واحدة، يُنفخ فيها في الصور للقيام من القبور {فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} أي فإِذا الخلائق جميعاً على وجه الأرض بعدما كانوا في بطنها.. ثم ذكر تعالى قصة موسى مع فرعون تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحذيراً لقومه أن يحل بهم ما حلَّ بالطغاة المكذبين من قوم فرعون فقال {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} أسلوب تشويق وترغيب لسماع القصة أي هل جاءك يا محمد خبر موسى الكليم؟ {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} أي حين ناجاه ربه بالوادي المطهَّر المبارك المسمَّى {طُوًى} في أسفل جبل طور سيناء، قائلاً له {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} أي إِذهب إِلى فرعون الطاغية الجبار، الذي جاوز الحدَّ في الظلم والطغيان {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ}؟ أي هل لك رغبةٌ وميلٌ إِلى أن تتطهر من الذنوب والآثام؟ {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ} أي وأرشدك إِلى معرفة ربك وطاعته فتتقيه وتخشاه؟ قال الزمخشري: ذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، من خشي الله أتى منه كل خير، وبدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العَرض كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرفيق الرقيق ليستدعيه بالتلطف، ويستنزله بالمداراة من عتوه كما في قوله تعالى {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}تفسير : [طه: 44] {فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} في الكلام محذوف أي فذهب موسى إِليه ودعاه وكلَّمه، فلما امتنع عن الإِيمان أراه المعجزة الكبرى، وهي قلب العصا حيةً تسعى قال القرطبي: أراه العلامة العظمى وهي المعجزة قال ابن عباس: هي العصا {فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ} أي فكذب فرعون نبيَّ الله موسى، وعصى أمر الله بعد ظهور تلك المعجزة الباهرة {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ} أي ولّى مدبراً هارباً من الحية، يُسرع في مشيه من هول ما رأى {فَحَشَرَ فَنَادَىٰ} أي فجمع السحرة والجنود والأتباع، ووقف خطيباً في الناس {فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} أي فقال لهم بصوت عال: أنا ربكم المعبود العظيم الذي لا ربَّ فوقي {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ} أي فأهلكه الله عقوبةً له على مقالته الأخيرة {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} والأولى وهي قوله {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} أي إِن فيما ذكر من قصة فرعون وطغيانه، وما حلَّ به من العذاب والنكال، لعظة واعتباراً لمن يخاف الله عز وجل ويخشى عقابه.. ولما انتهى الحديث عن قصة الطاغية فرعون، رجع إِلى منكري البعث من كفار قريش فنبههم إِلى آثار قدرته، ومظاهر عظمته وجلاله فقال {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ}؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ والمعنى هل أنتم يا معشر المشركين أشقُّ وأصعب خلقاً أم خلق السماء العظيمة البديعة؟ فإِن من رفع السماء على عظمها، هيِّن عليه خلقكم وإِحياؤكم بعد مماتكم، فكيف تنكرون البعث؟ قال الرازي: نبههم على أمرٍ يُعلم بالمشاهدة، وذلك لأن خلق الإِنسان على صغره وضعفه، إِذا أضيف إِلى خلق السماء على عظمها وعظم أحوالها يسير، وإِذا كان كذلك فإِعادتهم سهلة فكيف ينكرون ذلك؟ كقوله تعالى {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}تفسير : [غافر: 57] {بَنَاهَا} أي رفعها عاليةً فوقكم محكمة البناء، بلا عمد ولا أوتاد، ثم زاد في التوضيح والبيان فقال {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} أي رفع جرمها وأعلى سقفها فوقكم فجعلها مستويةً لا تفاوت فيها ولا شقوق ولا فطور قال ابن كثير: أي جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكلَّلة بالكواكب في الليلة الظلماء {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أي جعل ليلها مظلماً حالكاً، ونهارها مشرقاً مضيئاً قال ابن عباس: أظلم ليلها وأنار نهارها {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} أي والأرض بعد خلق السماء بسطها ومهَّدها لسكنى أهلها {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} أي أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة، وأجرى فيها الأنهار، وأنبت فيها الكلأ والمرعى مما يأكله الناس والأَنعام {وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا} أي والجبال أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بأهلها {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} أي فعل ذلك كله، فأنبع العيون، وأجرى الأنهار، وأنبت الزروع والأشجار، كل ذلك منفعةً للعباد وتحقيقاً لمصالحهم ومصالح أنعامهم ومواشيهم، قال الرازي: أراد بمرعاها ما يأكله الناسُ والأنعام، بدليل قوله {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} وانظر كيف دلَّ بقوله: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً ومتاعاً للأنام والأنعام من العشب، والشجر، والحب، والثمر، والعصف، والحطب، واللباس والدواء، حتى الملح والنار، فالملح متولد من الماء، والنارُ من الأشجار.. ولما ذكر تعالى خلق السماوات والأرض، وما أبدع فيهما من عجائب الخلق والتكوين، ليقيم الدليل على إِمكان الحشر عقلاً، أخبر بعد ذلك عن وقوعه فعلاً فقال {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} أي فإِذا جاءت القيامة وهي الداهية العظمى، التي تعمُّ بأهوالها كل شيء، وتعلو على سائر الدواهي قال ابن عباس: هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل أمرٍ هائل مفظع {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ} أي في ذلك اليوم يتذكر الإِنسان ما عمله من خير أو شر، ويراه مدوَّناً في صحيفة أعماله {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ} أي أظهرت جهنم للناظرين فرآها الناسُ عياناً، باديةً لكل ذي بصر.. وبعد أن وصف حال القيامة وأهوالها، ذكر انقسام الناس إِلى فريقين: أشقياء وسعداء فقال {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ} أي جاوز الحدَّ في الكفر والعصيان {وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أي فضَّل الحياة الفانية على الآخرة الباقية، وانهمك في شهوات الحياة المحرَّمة، ولم يستعد لآخرته بالعمل الصالح {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} أي فإِنَّ جهنم المتأججة هي منزله ومأواه، لا منزل له سواها {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي وأمَّا من خاف عظمة ربه وجلاله، وخاف مقامه بين يديْ ربه يوم الحساب، لعلمه ويقينه بالمبدأ والمعاد {وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أي وزجر نفسه عن المعاصي والمحارم، وكفَّها عن الشهوات التي تودي بها إِلى المعاطب {فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} أي فإِن منزله ومصيره هي الجنة دار النعيم، ليس له منزل غيرها.. ثم ذكر تعالى موقف المكذبين بالقيامة، المستهزئين بأخبار الساعة فقال {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أي يسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن القيامة متى وقوعها وقيامُها؟ قال المفسرون: كان المشركون يسمعون أنباء القيامة، ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل "طامة، وصاخة، وقارعة" فيقولون على سبيل الاستهزاء: متى يوجدها الله ويقيمها، ومتى تحدث وتقع؟ فنزلت الآية {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} أي ليس علمها إِليك حتى تذكرها لهم، لأنها من الغيوب التي استأثر الله بعلمها، فلماذا يسألونك عنها ويُلحّون في السؤال؟ {إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ} أي مردُّها ومرجعها إِلى الله عز وجل، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين، لا يعلمه أحد سواه {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} أي ما واجبك يا محمد إِلا إِنذار من يخاف القيامة، لا الإِعلام بوقتها، وخصَّ الإِنذار بمن يخشى، لأنه هو الذي ينتفع بذلك الإِنذار {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} أي كأن هؤلاء الكفار يوم يشاهدون القيامة وما فيها من الأهوال، لم يلبثوا في الدنيا إِلا ساعة من نهار، بمقدار عشيةٍ أو ضحاها. قال ابن كثير: يستقصرون مدة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم عشية يوم، أو ضحى يوم.. ختم تعالى السورة الكريمة، بما أقسم عليه في أولها من إِثبات "الحشر، والبعث" فكان ذلك كالدليل والبرهان على مجيء القيامة والساعة، وليتناسق البدء مع الختام. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين الآخرة والأولى في قوله {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ} لأن المراد كلمتيه الشنيعتين الأولى والأخيرة، والطباق كذلك بين {عَشِيَّةً .. وضُحَاهَا}. 2- جناس الاشتقاق في قوله {تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ}. 3- المقابلة بين قوله {ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} وبين {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} وكذلك المقابلة بين {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} وبين {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ ...} الآيات. 4- أسلوب التشويق {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ}؟ فإِن المراد منه التشويق الى معرفة القصة. 5- الطباق بين {ٱلْجَنَّةَ.. ٱلْجَحِيمُ} وبين {ٱلسَّمَآءُ.. وَٱلأَرْضَ} الوارد في الآيات. 6- التشبيه المرسل المجمل {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}. 7- الاستعارة التصريحية {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} شبَّه أكل الناس برعي الأنعام، واستعير الرعي للإِنسان بجامع أكل الإِنسان والحيوان من النباتات، ففيه استعارة لطيفة. 8- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل {ضُحَاهَا، دَحَاهَا، مَرْعَاهَا، أَرْسَاهَا} وهو من المحسنات البديعية ويسمى السجع.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حَدَّثَنَا عطاء بن السائب عن أبي خالد، عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً} معناه النّجومُ تَنزعُ: أي تَغيبُ هوناً وتَشرقُ هَوناً.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً} الآية هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر فيما قبلها الإِنذار بالعذاب يوم القيامة أقسم في هذه على البعث يوم القيامة ولما كانت الموصوفات المقسم بها محذوفات وأقيمت صفاتها مقامها وكان لهذه الصفات متعلقات مختلفة اختلفوا في المراد بها فقال علي وابن عباس: والنازعات الملائكة تنزع نفوس بني آدم وغرقاً إغراقا وهي المبالغة في الفعل أو غرقاً في جهنم يعني نفوس الكفار. {وَٱلنَّاشِطَاتِ} قال ابن عباس ومجاهد الملائكة تنشط النفوس عند الموت أي تحلها وتنشيط بأمر الله إلى حيث كان وقيل غير ذلك. {وَٱلسَّابِحَاتِ} قال علي ومجاهد: الملائكة تتصرف في الآفاق بأمر الله تعالى تجيء وتذهب. {فَٱلسَّابِقَاتِ} قال ابن مسعود: أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها وقد عاينت السرور شوقاً إلى لقاء الله تعالى. {فَٱلْمُدَبِّرَاتِ} قال معاذ هي الكواكب السبعة وأضاف التدبير إليها مجازاً أي يظهر تقلب الأحوال عند قرانها وتربيعها وتسديسها وغير ذلك والذي يظهر أن ما عطف بالفاء هو من وصف المقسم به قبل الفاء وان المعطوف بالواو هو مغاير لما قبله كما قررناه في والمرسلات والمختار في جواب القسم أن يكون محذوفاً وتقديره ليتحدثن لدلالة ما بعده عليه، والواجفة والرادفة قال ابن عباس: وغيره هما الصيحتان أي النفختان الأولى تميت كل شيء والثانية تحيي كل شىء واجفة مضطربة ووجيف القلب يكون من الفزع ويكون من الإِشفاق. {أَبْصَارُهَا} أي أبصار أصحاب القلوب. {خَاشِعَةٌ} أي ذليلة يقولون حكاية حالهم في الدنيا والمعنى هم الذين يقولون والحافرة قال مجاهد: فاعلة بمعنى مفعولة وقيل على النسب أي ذات حفر والمراد القبور أي لمردودون أحياء في قبورنا وقرىء ناخرة ونخرة نحو طمع وطامع والناخرة المصوتة بالريح المجوفة والنخرة بمعناها. {قَالُواْ تِلْكَ} أي الردة إلى الحافرة. {إِذاً} أي إن رددنا. {كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} أي قالوا ذلك لتكذيبهم بالبعث أي لو كان هذا حقاً لكانت ردتنا خاسرة إذ هي إلى النار. {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} لما تقدّم يقولون أئنا لمردودون تضمن قولهم استبعاد النشأة الثانية واستصعاب أمرها فجاء قوله: {فَإِنَّمَا} مراعاة لما دل عليه استبعادهم فكأنه قيل ليس بصعب ما تقولون فإِنما هي نفخة واحدة فإِذا هم منشورون أحياء على وجه الأرض. والساهرة قال ابن عباس أرض من فضة يخلقها الله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ} توقيف للرسول عليه السلام على جمع النفس لما يلقيه إليه وتقدّم إنكارهم البعث وتمردهم على الرسول عليه السلام فقص عليه تعالى قصة موسى وتمرد فرعون على الله تعالى حتى ادّعى الإِلٰهية. {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} تلطف في الاستدعاء لأن كل عاقل يجيب مثل هذا السؤال بنعم وتزكى تحلى بالفضائل وتطهر من الرذائل والزكاة هنا يندرج فيها الإِسلام وتوحيد الله تعالى وقرىء: تزكى بالتشديد والتخفيف وتقول العرب هل لك في كذا وهل لك إلى كذا يحذفون المبتدأ الذي يتعلق به إلى أي هل لك رغبة أو حاجة إلى كذا أو سبيل إلى كذا. {فَحَشَرَ} أي جمع السحرة وأرباب دولته. {فَنَادَىٰ} أي قام فيهم خطيباً. {فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} قال ابن عطية نهاية في المنحرفة ونحوها باق في ملوك مصر وأتباعهم "انتهى". إنما قال ذلك ابن عطية لأن ملك مصر في زمانه كان إسماعيلياً وهو مذهب يعتقدون فيه إلٰهية ملوكهم وكان أول من ملكها منهم المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله تعالى ولاهم العاضد وطهر الله مصر من هذا المذهب الملعون بظهور الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي رحمه الله وجزاه عن الإِسلام خيراً وانتصب نكال على المصدر بمعنى التنكيل والناصب له قوله: فأخذه والآخرة والأولى وقال ابن عباس: الآخرة قولته ما علمت لكم من إلٰه غيري والأولى قولته أنا ربكم الأعلى. وكان بين قولتيه أربعون سنة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي فيما جرى لفرعون وأخذه تلك الأخذة. {لَعِبْرَةً} لعظة. {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ} الخطاب ظاهره أنه عام والمقصود الكفار منكر والبعث وقفهم على قدرته تعالى أشد خلقاً أي أصعب إنشاء أم السماء والمسؤول عن هذا يجيب ولا بد بقوله السماء لما يرى من ديمومة بقائها وعدم تأثرها بين تعالى كيفية خلقها. {رَفَعَ سَمْكَهَا} أي جعل مقدار ذهابها في العلو مديراً رفيعاً مسيرة خمسمائة عام والسمك الارتفاع الذي بين سطح السماء الذي يلينا وسطحها الذي يلي ما فوقها. {فَسَوَّاهَا} أي جعلها ملساء مستوية ليس فيها مرتفع ولا منخفض أو تممها وأتقن إنشاءها بحيث أنها محكمة الصنعة. {وَأَغْطَشَ} أي أظلم. {لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ} أي أبرز ضوءها وشمسها والضحى هو نور سراجها. {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ} أي بعد خلق السماء وما فعل فيها. {دَحَاهَا} أي بسطها فخلق الأرض ثم السماء ثم دحا الأرض. {أَخْرَجَ مِنْهَا} أي من الأرض وأضيق الماء والمرعى إلى الأرض لأنهما يظهران منها أخرج منها لم يدخل صرف العطف عليه لأن معنى دحيها بسطها ومهدها للسكنى ثم فسر التمهيد بما لا بدّ منه في تأتي سكناها من تسوية أكل وشرب وأمرهما وإمكان القرار عليها وقرىء متاعاً بالنصب أي فعل ذلك تمتيعاً لكم وبالرفع أي ذلك متاع. {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ} قال ابن عباس: القيامة وقوله المأوى مذهب البصريين أن الضمير العائد على من محذوف تقديره المأوى له ومذهب الكوفيين أن الألف واللام نابت عن الضمير كأنه قال مأواه. {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي مقاماً بين يدي ربه يوم القيامة للجزاء وفي إضافة المقام إلى الرب تفخيم للمقام وتهويل عظيم واقع من النفوس موقعاً عظيماً. {يَسْأَلُونَكَ} أي قريش وكانوا يلحون في البحث عن وقت الساعة إذ كان يتوعدهم بها ويكثر ذلك فنزلت هذه الآية. {أَيَّانَ مُرْسَٰهَا} متى إقامتها أي متى يقيمها الله ويثبتها ويكونها. {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا} هي ما الاستفهامية وحذفت الفها لدخول حرف الجر عليها كقوله عم وبم لمرجع كأنه قال في أي شىء أنت من تذكرها. {إِلَىٰ رَبِّكَ} أي إلى علم ربك. {مُنتَهَٰهَآ} أي انتهاؤها. {مَن يَخْشَٰهَا} أي يخشى الساعة. {كَأَنَّهُمْ} أي كان السؤال عنها. {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ} لم يقيموا في الحياة الدنيا. {إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا} أعاد الأخير في قوله: {أَوْ ضُحَٰهَا} على العشية لأنهما ظرفان للنهار والاضافة تكون بأدنى ملابسة.

الجيلاني

تفسير : {وَ} حق {ٱلنَّازِعَاتِ} المخلِّصات أرواح عموم العباد عن محابس الطبائع والأركان {غَرْقاً} النازعات: 1] لاستغراقهم في لوازم الناسوت، ومقتضياتها المغشية صفاء عالم اللاهوت. {وَٱلنَّاشِطَاتِ} المنزعات المخرجات لنفوس أرباب المحبة والولاء المتشوقين إلى عالم العماء، وفضاء اللاهوت {نَشْطاً} [النازعات: 2] رفقاً ولطفاً؛ لكمال تحننهم وشوقهم إلى الخلاص. {وَٱلسَّابِحَاتِ} المخرجات أرواح الأبرار من أشباحهم هينات لينات، يقبضون رفقاً، ثمَّ يمهلون حتى يستريح، ثمَّ يقبضون، هكذا إلى أن يخلصوهم، كالسابح في المَّاء يتحرك، ثمَّ يستريح، ثمَّ يتحرك {سَبْحاً} [النازعات: 3] لكونهم سابحين في بحر الحيرة حتى وصلوا إلى بحر اليقين. {فَٱلسَّابِقَاتِ} أي: النفوس الفانية في الله، الباقية ببقائه، المبادرة إلى الخروج قبل نزول النازعات {سَبْقاً} [النازعات: 4] لكمال شوقهم وانبعاثهم، وتجرُّدهم عن ملابس عالم الناسوت، وانخلاعهم عن مقتضيات الطبيعة والأركان قبل حلول الأجل، وهجوم المخرجات المخلِّصات. {فَٱلْمُدَبِّرَاتِ} الموكلات على تدابير عموم المظاهر من الأرزاق والآجال، وجميع الأمور الجارية في عالم الكون والفساد {أَمْراً} [النازعات: 5] لكونهم مأمورين بها، موكَّلين عليها بمقتضى حكمة القدير العليم؛ يعني: وحق هذه الحوامل العظام، والموكلات الكرام لتبعثن من قبوركم، ولتحاسبن على أعمالكم أيها المكلفون. اذكروا {يَوْمَ تَرْجُفُ} تتحرك وتضطرب {ٱلرَّاجِفَةُ} [النازعات: 6] المتقررة الساكنة التي لا حركة لها أصلاً، كالأرض وسائر الجمادات. وبعد تحرك هؤلاء الجوامد {تَتْبَعُهَا} في الحركة والاضطراب والاندكاك {ٱلرَّادِفَةُ} [النازعات: 7] أي: العلويات السائرة المتحركة، حيث تتشقق السماوات، وتنتثر الكواكب، وبالجملة: تختلط العلويات بالسفليات وتتمازجان، بحيث لا علو ولا سفل. ومن شدة الهول ونهاية الفزع {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} [النازعات: 8] قلقة حائرة، شديدة الاضطراب. {أَبْصَارُهَا} أي: أبصار أصحاب القلوب حينئذٍ {خَاشِعَةٌ} [النازعات: 9] شاخصة ذليلة من شدة الخوف والهول، مع أن هؤلاء الشاخصين الواجفين كانوا {يَقُولُونَ أَإِنَّا} في النشأة الأولى حين أخبرهم الرسل بالبعث والحشر على سبيل الاستبعاد والإنكار {لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ} [النازعات: 10] أي: إلى الحالة التي كنَّا عليها؛ يعني: أنبعث أحياءً كما كنا من قبل؟! ثمَّ يزيدون الإنكار على الإنكار بقولهم: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} [النازعات: 11] بالية رميمة، نُبعث ونحيا؟! كلاًّ وحاشا، من أين يتأتى لنا هذا؟! وبعدما استبعدوا واستكبروا بما استنكروا {قَالُواْ} منهمكين ومستهزئين: {تِلْكَ} الحالة المفروضة لو وقعت، ورددنا إلى الحياة بعد الموت، كما زعم هؤلاء المدَّعون؛ يعنون: الرسل، يحصل لنا {إِذاً كَرَّةٌ} عودة ورجعة {خَاسِرَةٌ} [النازعات: 12] ذا خسران وخذلان؛ لأننا كنا نكذِّب بها، ولا نصدِّق من أخبر بها، وبعدما وقعت كنَّا خاسرين خسراناً عظيماً. وبعدما تقاولوا من بطرهم وخيلائهم ما تقاولوا، قيل لهم من قِبَل الحق، مقرّعاً على استماع استعداداتهم: لا تستبعدوا أمر الساعة، ولا تستصعبوها {فَإِنَّمَا هِيَ} أي: أمر الساعة وقيامها عند كمال قدرتنا الغالبة القاهرة {زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} [النازعات: 13] أي: نفخة واحدة، يُنفخ في الصور بأمرنا وحكمنا. فإذا نفخت النفخة الثانية {فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} [النازعات: 14] أي: فوجئ بنو آدم بأجمعهم فصاروا أحياءً على وجه الأرض، كما كانوا عليها في النشأة الأولى من الهيئات والأشكال، والهياكل والهويات.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها الغرق النزاع إلى حال الفرعون كثير النزاع مع اللطيفة المبلغة بحق اللطيفة الجلالية التي أودعناها إلى بعض ملائكتنا الروحانية حتى ينزعون أرواح الكفرة من أبدانهم حتى تغرق نفسهم في بحر صدورهم، وبحق اللطيفة الجمالية التي أدرجناها في بعض ملائكتنا القلبية ينشطون بنفس المؤمن، ويرفقون بهم رفقاً حتى ينشط روحه من عقال البدن كالإبل حين ينشط من عقاله يسرح في رياض الجنة على مراده، وبحق الله للطيفة الربانية المودعة في بعض ملائكتنا السرية حين يقبضون أرواح المؤمنين سهلاً، ويسألونها سبلاً كالسابح بالمشي في الماء، مسرعين كالفرس الجواد، وكالسفن على وجه الماء عند هبوب الرياح اللطيفة المسرعة بها إلى منزلها، وبحق القدسية المسكنة في بعض ملائكتنا المرباة في القوة الخفية اللاتي يسبقون بأرواح المؤمنين سبقاً إلى الفردوس، وبحق اللطيفة المدبرة التي أودعناها في بعض ملائكتنا العنصرية المدبرة الأمر الإلهية هن ظلال لجبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل؛ ليبعثن من قبور القوالب يوم ترجف الراجفة، كما يقول في كتابه ويقسم بهذه الودائع بقوله تعالى: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} [النازعات: 1-5] جواب القسم محذوف تقديره لتبعثن من القبور. {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} [الراجفة: 6] فهي يوم القيامة إذا رجفت جبال القالب، وزلزلت أرض البشرية {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} [النازعات: 7] وهي القيامة المخصوصة بالنفس تميت القوى عند الراجفة، ويحيها بالرادفة {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} [النازعات: 8]؛ يعني: في الرادفة مضطربة مسرعة قلقة رجلة، {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} [النازعات: 9]؛ أي: ذليلة كثيرة العبرة، {يَقُولُونَ} [النازعات: 10]؛ أي: المنكرون بهذا اليوم من القوى القالبية والنفسية الفرعونية الصفات، {أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ} [النازعات: 10]؛ يعني: وقت الرادفة يظنون أنهم يردون إلى الدنيا. {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} [النازعات: 11]؛ يعني: الذي بليت عظامها وصارت كالمناخرة المجوفة التي تمر فيها الرياح ويصوت أنحن مردودون إلى الدنيا؟! {قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} [النازعات: 12]؛ يعني: رجوعنا بعد هذه الأهوال التي شاهدناها يكون رجعة غايته؛ لخسران وجودنا وضعف قوانا، {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} [النازعات: 13]؛ يعني: زجرة الرادفة زجرة واحدة يحشر جميع القوى أرض الساهرة كما يقول: {فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} [النازعات: 14] وهي أرض ساهر أهلها يطلعون على عملهم خارج ما في صدورهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الإقسامات بالملائكة الكرام، وأفعالهم الدالة على كمال انقيادهم لأمر الله، وإسراعهم في تنفيذ أمره، يحتمل أن المقسم عليه، الجزاء والبعث، بدليل الإتيان بأحوال القيامة بعد ذلك، ويحتمل أن المقسم عليه والمقسم به متحدان، وأنه أقسم على الملائكة، لأن الإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، ولأن في ذكر أفعالهم هنا ما يتضمن الجزاء الذي تتولاه الملائكة عند الموت وقبله وبعده، فقال: { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا } وهم الملائكة التي تنزع الأرواح بقوة، وتغرق في نزعها حتى تخرج الروح، فتجازى بعملها. { وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا } وهم الملائكة أيضا، تجتذب الأرواح بقوة ونشاط، أو أن النزع يكون لأرواح المؤمنين، والنشط لأرواح الكفار. { وَالسَّابِحَاتِ } أي: المترددات في الهواء صعودا ونزولا { سَبْحًا }. { فَالسَّابِقَاتِ } لغيرها { سَبْقًا } فتبادر لأمر الله، وتسبق الشياطين في إيصال الوحي إلى رسل الله حتى لا تسترقه. { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا } الملائكة، الذين وكلهم الله أن يدبروا كثيرا من أمور العالم العلوي والسفلي، من الأمطار، والنبات، والأشجار، والرياح، والبحار، والأجنة، والحيوانات، والجنة، والنار [وغير ذلك]. { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ } وهي قيام الساعة، { تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ } أي: الرجفة الأخرى التي تردفها وتأتي تلوها، { قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } أي: موجفة ومنزعجة من شدة ما ترى وتسمع. { أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ } أي: ذليلة حقيرة، قد ملك قلوبهم الخوف، وأذهل أفئدتهم الفزع، وغلب عليهم التأسف [واستولت عليهم] الحسرة. يقولون أي: الكفار في الدنيا، على وجه التكذيب: { أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً } أي: بالية فتاتا. { قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ } أي: استبعدوا أن يبعثهم الله ويعيدهم بعدما كانوا عظاما نخرة، جهلا [منهم] بقدرة الله، وتجرؤا عليه. قال الله في بيان سهولة هذا الأمر عليه: { فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ } ينفخ فيها في الصور. فإذا الخلائق كلهم { بِالسَّاهِرَةِ } أي: على وجه الأرض، قيام ينظرون، فيجمعهم الله ويقضي بينهم بحكمه العدل ويجازيهم.

همام الصنعاني

تفسير : 3477- حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً}: [الآية: 1-2]، قال هذه النفوس. 3478- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، وقال الحسن: هذه كلها النجوم.