٧٨ - ٱلنَّبَأ
78 - An-Naba' (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم إنه تعالى زاد في تخويف الكفار فقال: {إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً } يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب، و(هو) كقوله تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 46] وإنما سماه إنذاراً، لأنه تعالى بهذا الوصف قد خوف منه نهاية التخويف وهو معنى الإنذار. ثم قال تعالى: {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما في قوله: {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } فيه وجهان الأول: أنها استفهامية منصوبة بقدمت، أي ينظر أي شيء قدمت يداه الثاني: أن تكون بمعنى الذي وتكون منصوبة ينتظر، والتقدير: ينظر إلى الذي قدمت يداه، إلا أن على هذا التقدير حصل فيه حذفان أحدهما: أنه لم يقل: قدمته، بل قال: {قَدَّمْتُ } فحذف الضمير الراجع الثاني: أنه لم يقل: ينظر إلى ما قدمت، بل قال: ينظر ما قدمت، يقام نظرته بمعنى نظرت إليه. المسألة الثانية: في الآية ثلاثة أقوال: الأول: وهو الأظهر أن المرء عام في كل أحد، لأن المكلف إن كان قدم عمل المتقين، فليس له إلا الثواب العظيم، وإن كان قدم عمل الكافرين، فليس له إلا العقاب الذي وصفه الله تعالى، فلا رجاء لمن ورد القيامة من المكلفين في أمر سوى هذين، فهذا هو المراد بقوله: {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } فطوبى له إن قدم عمل الأبرار، وويل له إن قدم عمل الفجار والقول الثاني: وهو قول عطاء: أن المر ههنا هو الكافر، لأن المؤمن كما ينظر إلى ما قدمت يداه، فكذلك ينظر إلى عفو الله ورحمته وأما الكافر الذي لا يرى إلا العذاب، فهو لا يرى إلا ما قدمت يداه، لأن ما وصل إليه من العقاب ليس إلا من شؤم معاملته والقول الثالث: وهو قول الحسن، وقتادة أن المرء ههنا هو المؤمن، واحتجوا عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال بعد هذه الآية، {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرٰباً } فلما كان هذا بياناً لحال الكافر، وجب أن يكون الأول بياناً لحال المؤمن والثاني: وهو أن المؤمن لما قدم الخير والشر فهو من الله تعالى على خوف ورجاء، فينتظر كيف يحدث الحال، أما الكافر فإنه قاطع بالعقاب، فلا يكون له انتظار أنه كيف يحدث الأمر، فإن مع القطع لا يحصل الانتظار. المسألة الثالثة: القائلون: بأن الخير يوجب الثواب والشر يوجب العقاب تمسكوا بهذه الآية، فقالوا: لولا أن الأمر كذلك، وإلا لم يكن نظر الرجل في الثواب والعقاب على عمله بل على شيء آخر والجواب عنه: أن العمل يوجب الثواب والعقاب، لكن بحكم الوعد والجعل لا بحكم الذات. أما قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرٰباً } ففيه وجوه: أحدها: أن يوم القيامة ينظر المرء أي شيء قدمت يداه، أما المؤمن فإنه يجد الإيمان والعفو عن سائر المعاصي على ما قال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } وأما الكافر فلا يتوقع العفو على ما قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } تفسير : [النساء: 48] فعند ذلك يقول الكافر: {يَـٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرٰباً } أي لم يكن حياً مكلفاً وثانيها: أنه كان قبل البعث تراباً، فالمعنى على هذا. يا ليتني لم أبعث للحساب، وبقيت كما كنت تراباً، كقوله تعالى: {أية : يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ } تفسير : [الحاقة: 27] وقوله: {أية : يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [النساء: 42] وثالثها: أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم يقال لها بعد المحاسبة: كوني تراباً فيتمنى الكافر عند ذلك أن يكون هو مثل تلك البهائم في أن يصير تراباً، ويتخلص من عذاب الله وأنكر بعض المعتزلة ذلك. وقال: إنه تعالى إذا أعادها فهي بين معوض وبين متفضل عليه، وإذا كان كذلك لم يجز أن يقطعها عن المنافع، لأن ذلك كالإضرار بها، ولا يجوز ذلك في الآخرة، ثم إن هؤلاء قالوا: إن هذه الحيوانات إذا انتهت مدة أعواضها جعل الله كل ما كان منها حسن الصورة ثواباً لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة عقاباً لأهل النار، قال القاضي: ولا يمتنع أيضاً إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ذلك ضرراً ورابعها: ما ذكره بعض الصوفية فقال قوله: {يَـٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرٰباً } معناه يا ليتني كنت متواضعاً في طاعة الله ولم أكن متكبراً متمرداً وخامسها: الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }تفسير : [ص: 76] والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا أَنذَرْنَٰكُمْ } يا كفار مكة {عَذَاباً قَرِيباً } أي عذاب يوم القيامة الآتي، وكل آت قريب {يَوْمَ } ظرف ل «عذاباً» بصفته {يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ } كل امرىء {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } من خير وشرّ {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يا} حرف تنبيه {لَيْتَنِى كُنتُ تُرٰباً } يعني فلا أُعذَّب يقول ذلك عندما يقول الله تعالى للبهائم بعد الاقتصاص من بعضها لبعض: كوني تراباً.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَرِيباً} في الدنيا أو يوم بدر أو عذاب القيامة كل آت قريب {الْمَرْءُ} ينظر المؤمن ما قدم من خير {وَيَقُولُ الْكَافِرُ} يبعث الحيوان فيقاد للموقوذة والمركوضة والمنطوحة من الناقرة والراكضة والناطحة ثم يقال كونوا تراباً بلا جنة ولا نار فيقول الكافر يا ليتني كنت تراباً صرت اليوم تراباً بلا جنة ولا نار أو ليتني كنت مثل هذا الحيوان في الدنيا فأكون اليوم تراباً قيل نزلت {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} في أبي سلمة بن عبد الأسد {وَيَقُولُ الْكَافِرُ} في أخيه الأسود بن عبد الأسد.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا انذرناكم} اى بما ذكر فى السورة من الآيات الناطقة بالبعث وبما بعده من الدواعى او بها وبسائر القوارع الواردة فى القرءآن والخطاب لمشركى العرب وكفار قريش لانهم كانوا ينكرون البعث وفى بعض التفاسير الظاهرة عموم الخطاب كعموم من لان فى انذار كل طائفة فائدة لهم {عذابا قريبا} هو عذاب الآخرة وقربه لتحقق اتيانه حتما ولانه قريب بالنسبة اليه تعالى وممكن وان رأوه بعيدا وغير ممكن فيرونه قريبا لقوله تعالى {أية : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشيةاو ضحاها}تفسير : وقال بعض اهل المعرفة العذاب القريب هو عذاب الالتفات الى النفس والدنيا والهوى وقال الشاقانى هو عذاب الهيئات الفاسقة من الاعمال الفاسدة دون ما هو أبعد منه من عذاب القهر والسخط وهو ما قدمت ايديهم {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} تثنية اصلها يدان سقطت نونها بالاضافة ويوم بدل من عذابا او ظرف لمضمر هو صفة له اى عذابا كائنا يوم ينظر المرء اى يشاهد ما قدمه من خير أو شر يعنى بازيابد كردارهاى خودرا ازخير وشر. على ان ما موصولة منصوبة بينظر لانه يتعدى بنفسه وبالى والعائد محذوف اى قدمته او ينظر اى شئ قدمت يداه على انها استفهامية منصوبة بقدمت متعلقة بينظر فالمرء عام للمؤمن والكافر لان كل احد يرى عمله فى ذلك اليوم مثبتا فى صحيفته خيرا كان او شرا فيرجوا المؤمن ثواب الله على صالح عمله ويخاف العقاب على سيئه واما الكافر فكما قال الله تعالى {ويقول الكافر يا ليتنى} اى يا قوم فالمنادى محذوف ويجوز أن يكون بالمحض التحسر ولمجرد التنبيه من غير قصد الى تعيين المنبه وبالفارسية اى كاشكى من {كنت ترابا} فى الدنيا فلم اخلق ولم اكلف وهو فى محل الرفع على انه خبر ليت او ليتنى كنت ترابا فى هذا اليوم فلم ابعث كقوله {أية : يا ليتنى لم اوت كتابيه}تفسير : الى أن قال {أية : يا ليتها كانت القاضية}تفسير : وقيل يحشر الله الحيوان فيقتص للجماء من القرناء نطحتها اى قصاص المقابلة لا قصاص التكليف ثم يرده ترابا فيود الكافر حاله كما قال عليه السلام حديث : لتؤدن الحقوق الى اهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناءتفسير : وهذا صريح فى حشر البهائم واعادتها لقصاص المقابلة لا للجزآء ثوابا وعقابا وقيل الكافر ابليس يرى آدم وولده وثوابهم فيتمنى أن يكون الشئ الذى احتقره حين قال خلقتنى من نار وخلقته من طين يعنى ابليس آدم را دران روز كرامت آدم وثواب فرزندان مؤمن او مشاهده نمايد وعذاب وشدت خودرا بينذ آرزو بردكه كاشكى من ازخاك بودمى ونسبت بآدم داشتمى اى درويش اين دبدبه وطنطنه كه خاكيا نراست هج طبقة ازطبقات مخلوقا ترا نيست شعر : خاك راخوار وتيره ديد ابليس كرد انكارش آن حسود خسيس ماند غافل زنور باطن او نشدا كه زسر كامل او بهر كنجى كه هست دردل خاك اين صدا داده اند در افلاك كه بجز خاك نيست مظهر كل خاك شو خاك تابرويد كل تفسير : واما مؤمنوا الجن فلهم ثواب وعقاب فلا يعودونه ترابا وهو الاصح فيكون مؤمنوهم مع مؤمنى الانس فى الجنة او فى الاعراف ونعيمهم ما يناسب مقامهم ويكون كفارهم مع كفار الانس فى النار وعذابهم بما يلائم شانهم وقيل هو تراب سجدة المؤمن تنطفئ به عنه النار وتراب قدمه عند قيامه فى الصلاة فيتمنى الكافر أن يكون تراب قدمه وفى التأويلات النجمية يوم ينظر المرء ما قدمت يد قلبه ويد نفسه من الاحسان والاساءة ويقول كافر النفس الساتر للحق يا ليتنى كنت تراب اقدام الروح والسر والقلب متذللة بين يديهم مؤتمرة لاوامرهم ونواهيهم (وفى كشف الاسرار) از عظمت آن روز است كه بيست وجهار ساعت شبانروز دنيارا بر مثال بيست وجهار خزانه حشر كنند ودرعرصات قسامت حاضر كرداننديكان يكان خزانه ميكشايند وبربنده عرض ميدهندازان خزانه بكشايند بربها وجمال ونور وضيا وآن آن ساعتست كه بنده ررخيرات وحسنات وطاعات بود بنده جون حسن ونور بهاى آن بيند جندان شادى وطرب واهتزاز بروغالب شود كه اكر انرا بر جملهء دوزخيان قسمت كننداز دهشت آن شادى الم ودرد اتش فراموش كنند خزانهء ديكر بكشايند تاريك ومظلم برنتن ووحشت وآن آن ساعتست كه بنده در معصيت بوده وحق ازره ظلمت ووحشت آن كردار درآيد جندان فزع وهول ورنج وغم اورا فروكيردكه اكر بركل اهل بهشت قسمت كنند نعيم بهشت برايشان منغص شود خزانه ديكر بكشايند حالى درونه طاعت بود كه سبب شادى است نه معصيت كه موجب اندوهست وآن ساعتى است كه بنده در وخفته باشد يا غافل يا بمبا حات دنيا مشغول وبروعرضه ميكنند از ان ساعت كه درطاعت كرده شاد ميكردد وازان ساعت كه درو معصيت كرده رنجور ميشود وبرساعتى كه مهمل كذاشته حسرت وغبن ميخورد وجون كار مؤمن مقصر دران روز اين باشد بس قياس كن كه حال كافر جكونه باشد درحسرت وندامت وآه وزارى. روى ابى بن كعب رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : من قرأ عم يتساءلون سقاه الله برد الشراب يوم القيامةتفسير : وعن ابى الدردآء رضى الله عنه قال قال النبى عليه السلامحديث : تعلموا سورة عم يتساءلون عن النبأ العظيم وتعلموا ق والقرآن المجيد والنجم اذا هوى والسماء ذات البروج والسماء والطارق فانكم لو تعلمون ما فيهن لعطلتم ما أنتم عليه وتعلمتموهن وتقربوا الى الله بهن ان الله يغفر بهن كل ذنب الا الشرك باللهتفسير : وعن ابى بكر الصديق رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله قد أسرع اليك الشيب قال شيبتنى هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون واذا الشمس كورت الكل فى كشف الاسرار وفيه اشارة الى ان من تعلم هذه السور ينبغى له ان يتعلم معانيها ايضا اذ لا يحصل المقصود الا به وتصريح بان هم الآخرة ومطالعة الوعيد واستحضاره يشيب الانسان ولذا ذم الحبر السمين والقارئ السمين اذ لم يكن سمينا الا بالذهول عما قرأه ولو استحضره وهم به لشاب من همه وذاب من غمه لان الشحم مع الهم لا ينعقد قال الشافعى رحمه الله ما أفلح سمين قط الا أن يكون محمد بن الحسن فقيل له ولم قال لانه لا يخلو العاقل من احدى حالتين اما أن يهم لآخرته ومعاده او لدنياه ومعاشه والشحم مع الهم لا ينعقد فاذا خلا من المعنين صار فى حد البهائم بعقد الشحم. تمت سورة النبأ بالعون الالهى فى الثانى والعشرين من شهر الله المحرم من شهور سنة سبع عشرة ومائة وألف.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ان كان ذلك اليوم الحقّ فما فعلت بهم لاجل ذلك اليوم؟ - فقال: انّا انذرناكم {عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ} بدل من عذاباً نحو بدل الاشتمال او حال من عذاباً {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} من خيرٍ او شرٍّ وهو يوم الموت او يوم القيامة الكبرى {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ} بالولاية {يٰلَيْتَنِي} اى يا قوم ليتنى {كُنتُ تُرَاباً} فى الدّنيا فلم يكن لى حشر ونشر وحساب وعقاب، او ليتنى كنت تراباً فى هذا اليوم فلم يكن لى حسابٌ، او ليتنى كنت تراباً قابلاً لخلق الاشياء الاُخر منّى فانّ الكافر بسبب الفعليّات السّيّئة الحاصلة فيه لا يكون قابلاً لفعليّاتٍ اُخر منه فيتمنّى ان يكون تراباً مستعدّاً لان يخلق فيه صور اخرى، وقيل بعد ما يحشر الخلائق فى صعيدٍ واحد ويقتصّ من الظّالم للمظلوم حتّى للجمّاء من القرناء يقول الرّبّ لغير الثّقلين: انّا خلقناكم وسخّرناكم لبنى آدم وكنتم مطيعين لهم ايّام حياتكم فارجعوا الى الّذى كنتم كونوا تراباً، فاذاً التفّت الكافر الى ما صار تراباً يقول: يا ليتنى كنت على صورة شيءٍ منها وكنت اليوم تراباً، وقيل: المراد بالكافر ابليس اذا رأى كرامة آدم وولده وقد عابه على كونه من طينٍ يتمنّى ان يكون اصله تراباً، او المراد بالكافر الكافر بالولاية فانّه يتمنّى ان يكون من شيعة علىٍّ (ع) فانّه روى عن ابن عبّاس انّه سئل: "حديث : لم كنّى رسول الله (ص) عليّاً (ع) ابا تراب؟ - قال: لانّه صاحب الارض وحجّة الله على اهلها بعده وله بقاؤها واليه سكونها قال: ولقد سمعت رسول الله (ص) يقول: انّه اذا كان يوم القيامة وراى الكافر ما اعدّ الله تبارك وتعالى لشيعة علىٍّ (ع) من الثّواب والزّلفى والكرامة قال: يا ليتنى كنت تراباً اى من شيعة علىٍّ (ع)"تفسير : وذلك قول الله عزّ وجلّ: {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين فما فضل إحداهما على الأخرى تفسير : ؛ فجمع بين اصبعيه الوسطى والتي يقال لها السبابة. قال: {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ} أي المؤمن {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي ينظر إلى ما قدمت يداه من عمل صالح {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابَاً}، ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أول ما يدعى إلى الحساب يوم القيامة البهائم، فتجعل الجماء قرناء، والقرناء جماء، فيقتص لبعضهم من بعض حتى تقتص الجماء من القرناء، ثم يقال لها: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: {يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} .
اطفيش
تفسير : {إِنَّا أنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} هو عذاب الآخرة وكل ما هو آت قريب بل كأنه حاضر لوقوعه ولا محالة وأيضا مبدأه الموت والخطاب لكفار مكة أو للكفار مطلقا وموت الكافر أشد عذابا ويعذب في قبره على الصحيح عندي وقيل الخطاب للناس كلهم. *{يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} من خير أو شر فتظهر السعادة للسعيد والشقاوة للشقي بعد ظهورهما عند الموت ونظره رؤيته في صحيفته أو كناية عن حضوره للجزاء به واليدان كنى بهما عن سائر الأركان ولو عن القلب وما ذلك إلا لأن معظم العمل باليدين، وقيل المراد بالمرء الكافر الظاهر قوله {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ} فذكر الكافر بعد ذلك أن أريد به الجنس وضع الظاهر موضع المضمر للذم باسم الكفر. وقال قتادة المرء المؤمن وما موصولة مفعول لينظر أو استفهامية مفعول لقدمت وعليه فجملة قدمت يداه مفعول ينظر علق بالاستفهام ويوم متعلق بعذاب وعنه صلى الله عليه وسلم أول ما يدعى إلى الحساب يوم القيامة البهائم فتجعل الجماء قرناء والقرناء جماء فتقتنص الجماء من القرناء ثم يقال لها كوني ترابا فيتمنى الكافر أن يكون ترابا مثلها كما قال *{وَيَقُولُ الكَافِرُ} لما رأي من الهول والمراد جنس الكافر *{يَا} حرف تنبيه أو حرف نداء والمنادى محذوف. {لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً} كما كانت البهائم فأنجوا من العذاب، وعن ابن عمر تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم فتحشر الدواب والبهائم والوحوش فذكر ما مر وروي أنه سبحانه وتعالى يقول للبهائم بعد القصاص إنا خلقناكم وسخرناكم لبني آدم وكنتم مطيعين أيام حياتكم فارجعوا إلى ما كنتم عليه كونوا ترابا، وقيل يقول الله لما عدا الإنس والجن والملائكة بعدما يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار كونوا ترابا فيقول الكافر ما ذكر وقيل إن الكافر إذا رأى ما أنعم الله به على المؤمنين تمنى أن يكون متواضعا لله كالتراب لا جبارا متكبرا وقيل الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم فيتمنى أن يكون شيئا أحقر وهو التراب إذ قال {أية : خلقتني من نار وخلقته من طين}. تفسير : قال أبو هريرة يقول التراب لا ولا كرامة لك من جعلك مثلي، وقيل المعنى أن الكفار يتمنون أنه لم يخلقوا ولم يكلفوا وكانوا ترابا في الدنيا وأنكر جماعة حشر الدواب بأنواعها غير الجن والإنس وأنكر بعضهم وعودها ترابا وعن بعضهم إذا تقاصصت جعل ما كان حسنا منها ثوابا لأهل الجنة وما كان قبيح الصورة عقابا لأهل النار وصحح بعضهم الوقف حتى يصح النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم بحق هذا النبي علينا صلى الله عليه وسلم وحق السورة أخز النصارى وأهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا أنذَرْنَاكُمْ} بما فى هذه السورة وما نزل من غيرها. {عَذَاباً قَرِيباً} لتحققه كأَنه وقع لو كان بعيداً وهو عذاب النار ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت أو قريبا عند ربك وإِن يوماً عند ربك كأَلف سنة أو البرزخ من يوم القيامة وهو مبدأه وفيه نوع قرب فالعقلاء يعدون الموت قريبا وعن قتادة عقوبة الذنب وهو أقرب العذابين وليس كذلك ولا قتل بدر كما زعم بعض لأَنه ينافيهما قوله تعالى: {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} فإِنه يوم القيامة وهو متعلق بمحذوف نعت لعذابا أو متعلق بعذابا قيل أو بدل من عذابا وفيه أن اليوم غير العذاب وغير بعضه وإِن كان اشتمالا فلا رابط قيل أو متعلق بقريب والمرء المؤمن والكافر أو الكافر فذكره بعد ذلك وضع للظاهر موضع المضمر تصريحاً بموجب العذاب، والمرء المؤمن يرى ما قدم من خير وذكر أن الكافر بعد ينظر أى يشاهد فى صحيفته ما قدمت يداه من الأَعمال أو يشاهد جزاء ما قدم يداه والمراد ما قدم فعبر عن الكل بالجزء المشهور فى العمل مطلقا وهو اليدان وما اسم موصول أى الأَعمال التى قدمتها يداه أو موصوف أى ينظر أعمالا قدمتها يداه أو استفهامية مفعول لما بعده معلقة للنظر. {وَيَقُولُ الْكَافِرُ} المشرك أو اعلام لكفر النعمة ويقال له كفر الجارحة وقد مر أن الكفور فى إِما شاكراً وإِما كفوراً صالح لذلك وإِذا أُريد بالمرء ما يعم السعيد والشقى كان ذكر الكافر بعد تخصيصا لذكر بعض ذلك العام. {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} كنت الآن ترابا فى هذا اليوم فلم ابعث أو صرت ترابا بعد البعث كما روى أن الله تعالى يبعث البهائم فتتقاص حتى تقص الجماء من القرناء ويقول الله تعالى سخرتكن لبنى آدم فأَطعتمنهم كما أحب ويردها ترابا فيقول الكافر يا ليتنى عدت ترابا مثلها وكذلك يقتص الصبيان بعض من بعض ثم يدخلون الجنة وكذلك المجنون من المجنون ومن الصبى والصبى من المجنون أو المراد ليتنى كنت فى الدنيا ترابا لم أخلق أو يا ليتنى كنت فى الدنيا على صورة هذه البهائم ولم أكلف فأَكون اليوم ترابا، وقيل الكافر إِبليس يرى ثواب آدم والمؤمنين وفوزهم فيتمنى أن يكون من التراب الذى احتقر آدم به إِذ قال خلقتنى من نار وخلقته من طين فلا أفتخر بالنار فلا أعصى. قال أبو هريرة فيقول التراب لا ولا كرامة لك من جعلك مثلى وهذا صحيح فى نفسه إِلا أنه لا دليل على خصوصية فى الاية لأَنها عامة، وقيل المراد بالكون ترابا الاتضاع بالإِيمان والعمل وترك التكبر وهو صحيح إِلا أنه لا يتبادر تفسير أو هو أحسن من القول قبله لبقائه على العموم - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ } أي بما ذكر في السورة من الآيات الناطقة بالبعث بما فيه وما بعده من الدواهي، أو بها وبسائر القوارع الواردة في القرآن العظيم {عَذَاباً قَرِيباً } هو عذاب الآخرة وقربه لتحقق إتيانه فقد قيل ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت أو لأنه قريب بالنسبة إليه عز وجل أو يقال البرزخ داخل في الآخرة ومبدؤه الموت وهو قريب حقيقة كما لا يخفى على من عرف القرب والبعد. وعن قتادة هو عقوبة الذنب لأنه أقرب العذابين وعن مقاتل هو قتل قريش يوم بدر وتعقب بأنه يأباه قوله تعالى: {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } فإن الظاهر أنه / ظرف لمضمر هو صفة {عَذَاباً } أي عذاباً كائناً يوم الخ وليس ذلك اليوم إلا يوم القيامة وكذا على ما قيل من أنه بدل من {عَذَاباً } أو ظرف لقريباً وعلى هذا الأخير قيل لا حاجة إلى توجيه القرب لأن العذاب في ذلك اليوم قريب لا فاصل بينه وبين المرء ونظر فيه بأن الظاهر جعل المنذر به قريباً في وقت الإنذار لأنه المناسب للتهديد والوعيد إذ لا فائدة في ذكر قربه منهم يوم القيامة فإذا تعلق به فالمراد بيان قرب اليوم نفسه فتأمل. والظاهر أن (المرء) عام للمؤمن والكافر و(ما) موصولة منصوبة بينظر والعائد محذوف والمراد يوم يشاهد المكلف المؤمن والكافر ما قدمه من خير أو شر وجوز أن تكون (ما) استفهامية منصوبة بقدمت أي ينظر أي شيء قدمت يداه؟ والجملة معلق عنها لأن النظر طريق العلم والكلام في قوة {يَنظُرُ} جواب {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} وفي الكلام على ما ذكره العلامة التفتازاني تغليب ما وقع بوجه مخصوص على ما وقع بغير هذا الوجه حيث ذكر اليدان لأن أكثر الأعمال تزاول بهما فجعل الجميع كالواقع بهما تغليباً. وقرأ ابن أبـي إسحٰق (المرء) بضم الميم وضعفها أبو حاتم ولا ينبغي أن تضعف لأنها لغة بعض العرب يتبعون حركة الهمزة فيقولون مرءٌ ومرأً و مرءٍ على حسب الإعراب. {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرٰباً } تخصيص لأحد الفريقين اللذين تناولهما المرء فيما قبل منه بالذكر وخص قول الكافر دون المؤمن لدلالة قوله على غاية الخيبة ونهاية التحسر ودلالة حذف قول المؤمنين على غاية التبجح ونهاية الفرح والسرور وقال عطاء المرء هنا الكافر لقوله تعالى: {إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ } وكان الظاهر عليه الضمير فيما بعد إلا أنه وضع الظاهر موضعه لزيادة الذم، وفيه أن تناول الفريقين هو المطابق لما سبق من صف يوم مفصل لما اشتمل على حالهما وهو الوجه لقوله تعالى {أية : فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً}تفسير : [النبأ: 39] وَ{إَِنَا أَنذَرْنَـٰكُمْ } لا يخص الكافر لأن الإنذار عام للفريقين أيضاً فلا دلالة على الاختصاص. وقال ابن عباس وقتادة والحسن المراد به المؤمن قال الإمام دل عليه قول الكافر فلما كان هذا بياناً لحال الكافر وجب أن يكون الأول بياناً لحال المؤمن ولا يخفى ما فيه من الضعف كاستدلال الرياشي بالآية على أن المرء لا يطلق إلا على المؤمن وأراد الكافر بقوله هذا: ليتني كنت تراباً في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف أو ليتني كنت تراباً في هذا اليوم فلم أبعث. وعن ابن عمر وأبـي هريرة ومجاهد أن الله تعالى يحضر البهائم فيقتص لبعضها من بعض ثم يقول سبحانه لها كوني تراباً فيعود جميعها تراباً فإذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله. وإلى حشر البهائم والاقتصاص لبعضها من بعض ذهب الجمهور وسيأتي الكلام في ذلك في سورة التكوير إن شاء الله تعالى. وقيل الكافر في الآية إبليس عليه اللعنة لما شاهد آدم عليه الصلاة والسلام ونسله المؤمنين وما لهم من الثواب تمنى أن يكون تراباً لأنه احتقره لما قال {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [الأعراف: 12] وهو بعيد عن السياق وإن كان حسناً. والتراب على جميع ما ذكر بمعناه المعروف والكلام على ظاهره وحقيقته وجوز لا سيما على الأخير أن يكون المراد بقول ليتني كنت في الدنيا متواضعاً لطاعة الله تعالى لا جباراً ولا متكبراً والمعول عليه ما تقدم كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : {إِنَّآ أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً}. اعتراض بين { أية : مئاباً } تفسير : [النبأ: 39] وبين {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} كيفما كان موقع ذلك الظرف حسبما يأتي. والمقصود من هذه الجملة الإِعذار للمخاطبين بقوارع هذه السورة بحيث لم يبق بينهم وبين العلم بأسباب النجاة وضدها شُبهةٌ ولا خفاء. فالخبر وهو {إنا أنذرناكم عذاباً قريباً} مستعمل في قطع العذر وليس مستعملاً في إفادة الحكم لأن كون ما سبق إنذاراً أمر معلوم للمخاطبين. وافتُتح الخبر بحرف التأكيد للمبالغة في الإِعذار بتنزيلهم منزلة من يتردد في ذلك. وجُعل المسند فعلاً مسنداً إلى الضمير المنفصل لإفادة تقوّي الحكم، مع تمثيل المتكلم في مَثَل المتبرىء من تبعه ما عسى أن يلحق المخاطبين من ضرٍّ إن لم يأخذوا حذرهم مما أنذرهم به كما يقول النذير عند العرب بعد الإِنذار بالعدوّ «أنا النذير العريان». والإِنذار: الإِخبار بحصول ما يسوء في مستقبل قريب. وعُبر عنه بالمضي لأن أعظم الإِنذار قد حصل بما تقدم من قوله: { أية : إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مئاباً } تفسير : [النبأ: 21 ـــ 22] إلى قوله: { أية : فلن نزيدكم إلا عذاباً } تفسير : [النبأ: 30]. وقرب العذاب مستعمل مجازاً في تحققه وإلا فإنه بحسب العرف بعيد، قال تعالى: { أية : إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً } تفسير : [المعارج: 6، 7]، أي لتحققه فهو كالقريب على أن العذاب يصدق بعذاب الآخرة وهو ما تقدم الإِنذار به، ويصدق بعذاب الدنيا من القتل والأسر في غزوات المسلمين لأهل الشرك. وعن مقاتل: هو قَتْل قريش ببدر. ويشمل عذاب يوم الفتح ويوم حنين كما ورد لفظ العذاب لذلك في قوله تعالى: { أية : يعذبهم اللَّه بأيديكم } تفسير : [التوبة: 14] وقوله: { أية : وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك } تفسير : [الطور: 47]. {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَٰبَاً}. يجوز أن يتعلق بفعلِ: { أية : اتخذ إلى ربه مئاباً } تفسير : [النبأ: 39] فيكون {يوم ينظر} ظرفاً لغْواً متعلقاً بــــ {أنذرناكم}. ويجوز أن يكون بدلاً من { أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً } تفسير : [النبأ: 38] لأن قيام الملائكة صفّاً حضور لمحاسبة الناس وتنفيذ فصل القضاء عليهم وذلك حين ينظر المرء ما قدمت يداه، أي ما عمله سالفاً فهو بدل من الظرف تابع له في موقعه. وعلى كلا الوجهين فجملة {إنا أنذرناكم عذاباً قريباً} معترضة بين الظرف ومتعلقه أو بينه وبين ما أبدل منه. والمرء: اسم للرجل إذ هو اسم مؤنثُه امرأة. والاقتصار على المرء جَريٌ على غالب استعمال العرب في كلامهم، فالكلام خرج مخرج الغالب في التخاطب لأن المرأة كانت بمعزل عن المشاركة في شؤون ما كان خارجَ البيت. والمراد: ينظر الإِنسان من ذكر أو أنثى، ما قدمت يداه، وهذا يعلم من استقراء الشريعة الدال على عموم التكاليف للرجال والنساء إلا ما خُص منها بأحد الصنفين لأن الرجل هو المستحضَر في أذهان المتخاطبين عند التخاطب. وتعريف {المرء} للاستغراق مثل { أية : إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } تفسير : [العصر: 2 ـــ 3]. وفعل {ينظر} يجوز أن يكون من نظر العين أي البصر، والمعنى: يوم يرى المرء ما قدمته يداه. ومعنى نظر المرء ما قدمت يداه: حصول جزاء عمله له، فعبر عنه بالنظر لأن الجزاء لا يخلو من أن يكون مرئياً لِصاحِبِه من خير أو شر، فإطلاق النظر هنا على الوجدان على وجه المجاز المرسل بعلاقة الإِطلاق ونظيره قوله تعالى: { أية : ليروا أعمالهم } تفسير : [الزلزلة: 6]، وقد جاءت الحقيقة في قوله تعالى: { أية : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً } تفسير : [آل عمران: 30] الآية، و(ما) موصولة صلتها جملة {قدمت يداه}. ويجوز أن يكون مِن نظر الفكر، وأصله مجاز شاع حتى لحق بالمعاني الحقيقية كما يقال: هو بخير النظرين. ومنه التَنظُّر: توقُع الشيء، أي يوم يترقب ويتأمل ما قدمت يداه، وتكون (ما) على هذا الوجه استفهامية وفعل {ينظر} معلقاً عن العمل بسبب الاستفهام، والمعنى: ينظر المرء جوابَ من يسأل: ما قدمت يداه؟ ويجوز أن يكون من الانتظار كقوله تعالى: { أية : هل ينظرون إلاَّ تأويله } تفسير : [الأعراف: 53]. وتعريف {المرء} تعريف الجنس المفيد للاستغراق. والتقديم: تسبيق الشيء والابتداء به. و {ما قدمت يداه} هو ما أسلفه من الأعمال في الدنيا من خير أو شر فلا يختص بما عمله من السيئات فقد قال تعالى: { أية : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء } تفسير : [آل عمران: 30] الآية. وقوله: {ما قدمت يداه} إما مجاز مرسل بإطلاق اليدين على جميع آلات الأعمال وإما أن يَكون بطريقة التمثيل بتشبيه هيئة العامل لأعماله المختلفة بهيئة الصانع للمصنوعات بيديه كما قالوا في المثل: «يَداك أوْكَتا» ولو كان ذلك على قول بلسانه أو مشي برجليه. ولا يحسن أن يجعل ذكر اليدين من التغليب لأن خصوصية التغليب دون خصوصية التمثيل. وشمل {ما قدمت يداه} الخير والشر. وخُص بالذكر من عموم المرء الإِنسانُ الكافر الذي يقول: {يا ليتني كنت تراباً} لأن السورة أقيمت على إنذار منكري البعث فكان ذلك وجه تخصيصه بالذكر، أي يوم يتمنى الكافر أنه لم يخلق من الأحياء فضلاً عن أصحاب العقول المكلفين بالشرائع، أي يتمنى أن يكون غير مدرك ولا حسّاس بأن يكون أقل شيء مما لا إدراك له وهو التراب، وذلك تلهف وتندم على ما قدمت يداه من الكفر. وقد كانوا يقولون: { أية : أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون } تفسير : [الإسراء: 98] فجعل الله عقابهم بالتحسر وتمني أن يكونوا من جنس التراب. وذكر وصف الكافر يفهم منه أن المؤمن ليس كذلك لأن المؤمن وإن عمل بعض السيئات وتوقع العقاب على سيئاته فهو يرجو أن تكون عاقبته إلى النعيم وقد قال الله تعالى: { أية : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً } تفسير : [آل عمران: 30] وقال: { أية : ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } تفسير : [الزلزلة: 6 ـــ 8]، فالمؤمنون يرون ثواب الإيمان وهو أعظم ثواب، وثواب حسناتهم على تفاوتهم فيها ويرجون المصير إلى ذلك الثواب وما يرونه من سيئاتهم لا يطغى على ثواب حسناتهم، فهم كلهم يرجون المصير إلى النعيم، وقد ضرب الله لهم أو لمن يقاربهم مثلاً بقوله: { أية : وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون } تفسير : [الأعراف: 46] على ما في تفسيرها من وجوه. وهذه الآية جامعة لما جاء في السورة من أحوال الفريقين وفي آخرها رد العجز على الصدر من ذكر أحوال الكافرين الذين عُرِّفوا بالطاغين وبذلك كان ختام السورة بها براعة مقطع.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً}. وقوله: {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [النبأ: 40] وهذا كله تحذير شديد، وحث أكيد على السعي الحثيث لفعل الخير، وطلب النجاة في اليوم الحق، نسأل الله السلامة والعافية. قوله تعالى: {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}. قد بين تعالى نتيجة هذا النظر إما المسرة به وإما الفزع منه، كما في قوله: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفُ بِٱلْعِبَادِ}تفسير : [آل عمران: 30].
د. أسعد حومد
تفسير : {أَنذَرْنَاكُمْ} {يٰلَيْتَنِي} {تُرَاباً} (40) - إِنَّا نُحَذِّرُكُمْ عَذَابَ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ آتٍ قَرِيبٌ - لأَِنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ - وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَنْظُرُ كُلُّ إِنْسَانٍ إِلَى أَعْمَالِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيَرَاهَا جَمِيعاً، فَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ خَيْراً سُرَّ بِهِ وَاسْتَبْشَرَ، وَإِنْ كَانَ سَيِّئاً نَدِمَ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ. وَيَتَمَنّى الكَافِرُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا حَجَراً أَوْ تُرَاباً لاَ يُجْرَى عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِعِبَادَةٍ، حَتَّى لاَ يُعَاقَبَ هَذَا العِقَابَ الأَلِيمَ فِي الآخِرَةِ.
همام الصنعاني
تفسير : 3476- قال معمر، حدَّثني جعفر بن برقان الجزري، عن (يزيد بن الأصم)، عن أبي هريرة قال: إنَّ الله يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر والإنسان، ثم يَقُولُ للبهائم الطير والدواب: كوني تراباً، فعِنْدَ ذَلك يقول الكافِر: {يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}: [الآية: 40].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):