٧٩ - ٱلنَّازِعَات
79 - An-Nazi'at (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في نصب نكال وجهين الأول: قال الزجاج: إنه مصدر مؤكد لأن معنى أخذه الله، نكل الله به، نكال الآخرة والأولى. لأن أخذه ونكله متقاربان، وهو كما يقال: أدعه تركاً شديداً لأن أدعه وأتركه سواء، ونظيره قوله: {أية : إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } تفسير : [هود: 102]، الثاني: قال الفراء: يريد أخذه الله أخذاً نكالاً للآخرة والأولى، والنكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم. المسألة الثانية: ذكر المفسرون في هذه الآية وجوهاً أحدها: أن الآخرة والأولى صفة لكلمتي فرعون إحداهما قوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي } تفسير : [القصص: 38] والأخرى قوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ }تفسير : [النازعات: 24] قالوا: وكان بينهما أربعون سنة، وهذا قول مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل، ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس، والمقصود التنبيه على أنه ما أخذه بكلمته الأولى في الحال، بل أمهله أربعين سنة، فلما ذكر الثانية أخذ بهما، وهذا تنبيه على أنه تعالى يمهل ولا يهمل الثاني: وهو قول الحسن وقتادة: {نَكَالَ ٱلأَخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ } أي عذبه في الآخرة، وأغرقه في الدنيا الثالث: الآخرة هي قوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } والأولى هي تكذيبه موسى حين أراه الآية، قال القفال: وهذا كأنه هو الأظهر، لأنه تعالى قال: {أية : فَأَرَاهُ ٱلاْيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ * فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ * فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ }تفسير : [النازعات:20-24] فذكر المعصيتين، ثم قال: {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ } فظهر أن المراد أنه عاتبه على هذين الأمرين. المسألة الثالثة: قال الليث: (النكال) اسم لمن جعل نكالاً لغيره، وهو الذي إذا رآه أو بلغه خاف أن يعمل عمله، وأصل الكلمة من الامتناع، ومنه النكول عن اليمين، وقيل للقيد نكل لأنه يمنع، فالنكال من العقوبة هو أعظم حتى يمتنع من سمع به عن ارتكاب مثل ذلك الذنب الذي وقع التنكيل به، وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به غيره، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ } أهلكه بالغرق {نَكَالَ } عقوبة {ٱلأَخِرَةَ } أي هذه الكلمة {وٱلأَولَىٰ } أي قوله قبلها { أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي } تفسير : [38:28] وكان بينهما أربعون سنة.
ابن عطية
تفسير : {نكال} منصوب على المصدر، قال قوم {الآخرة} قوله: {أية : ما علمت لكم من إله غيري} تفسير : [القصص:38]، و {الأولى} قوله: {أية : أنا ربكم الأعلى} تفسير : [النازعات:24]، وروي أنه مكث بعد قوله: {أية : أنا ربكم الأعلى}تفسير : [النازعات:24] أربعين سنة، وقيل هذه المدة بين الكلمتين، وقال ابن عباس: {الأولى} قوله: {أية : ما علمت لكم من إله غيري}تفسير : [القصص:38]، و {الآخرة} قوله: {أية : أنا ربكم الأعلى}تفسير : [النازعات:24] وقال ابن زيد: {الأولى} كفره وعصيانه, و{الآخرة} قوله: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات:24] وقال ابن زيد: {الأولى} الدنيا، و {الآخرة}: الدار الآخرة، أي أخذه الله بعذاب جهنم وبالغرق في الدنيا، وقال مجاهد: عبارة عن أول معاصيه وكفره وآخرها أي نكل بالجميع، و {نكال} نصب على المصدر، والعامل فيه على رأي سيبويه " أخذ" لأنه في معناه، وعلى رأي أبي العباس المبرد فعل مضمر من لفظ {نكال} ، ثم وقف تعالى على موضع العبرة بحال فرعون وتعذيبه، وفي الكلام وعيد للكفار المخاطبين برسالة محمد عليه السلام، ثم وقفهم مخاطبة منه تعالى للعالم والمقصد الكفار، ويحتمل أن يكون المعنى: قل لهم يا محمد {أأنتم أشد خلقاً} الآية، وفي هذه الآية دليل على أن بعث الأجساد من القبور لا يتعذر على قدرة الله تعالى، و" السمك ": الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها، وقوله تعالى: {فسواها} يحتمل أن يريد جعلها ملساء مستوية ليس فيها مرتفع ومنخفض، ويحتمل أن يكون عبارة عن إتقان خلقها ولا يقصد معنى إملاس سطحها والله تعالى أعلم كيف هي {وأغطش} معناه: أظلم، والأغطش الأعمى ومنه قول الشاعر [الأعشى]: [المتقارب] شعر : نحرت لهم موهناً ناقتي وليلُهم مدلهمٌّ عطش تفسير : ونسب الليل والضحى إليها من حيث هما ظاهران منها وفيها، وقوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} متوجه على أن الله تعالى خلق الأرض ولم يدحها، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فخلقها وبناها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقرأ مجاهد: و "الأرض مع ذلك"، وقال قوم: إن {بعد ذلك} معناه مع ذلك، والذي قلناه تترتب عليه آيات القرآن كلها، ونسب الماء والمرعى إلى الأرض حيث هما يظهران فيها، ودحو الأرض بسطها ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] شعر : دار دحاها ثم أسكننا بها وأقام بالأخرى التي هي أمجد تفسير : وقرأ الجمهور: "والأرضَ" نصباً، وقرأ الحسن وعيسى، و "الأرضُ" بالرفع، وقرأ الجمهور: و " الجبالَ " نصباً، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: "والجبالُ" رفعاً، و {أرساها} معناه: أثبتها، وجمع هذه النعم إذا تدبرت فهي متاع للناس، و "الأنعام" يتمتعون فيها وبها، وقرأ الجمهور: "متاعاً" بالنصب، وقرأ ابن أبي عبلة: "متاعٌ " بالرفع، و {الطامة الكبرى} هي القيامة، قاله ابن عباس والضحاك، وقال الحسن وابن عباس أيضاً: النفخة الثانية، وقوله: {ما سعى} معناه: ما عمل من سائر عمله، ويتذكر ذلك بما يرى جزائه، وقرأ جمهور الناس: "وبُرِّزت " بضم الباء وشد الراء المكسورة، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار وعائشة: "وبَرَزت" بفتح الباء والراء، وقرأ جمهور الناس " لمن يرى" بالياء أي لمن يبصر ويحصل، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار وعائشة: " لمن ترى" بالتاء أي تراه أنت، فالإشارة إلى كفار مكة أو أشارة إلى الناس، والمقصد كفار مكة، ويحتمل أن يكون المعنى: لمن تراه الجحيم كما قال تعالى: {أية : إذا رأتهم من مكان بعيد} تفسير : [الفرقان:12] وقرأ ابن مسعود: "لمن رأى" على فعل ماض.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَكَالَ الأَخِرَةِ} عذاب الدنيا والآخرة، في الدنيا بالغرق وبالنار في الآخرة أو عذاب عمره وآخره أو الأول قوله {أية : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى}تفسير : [ القصص: 38] والآخر قوله {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى} وكان بينهما أربعون سنة "ع" أو ثلاثون وبقي بعد الآخرة ثلاثين سنة أو عذاب أول النهار وآخره بالنار {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} تفسير : [غافر: 46].
السلمي
تفسير : قال بشر فى هذه الآية: أنطق الله لسانه بالتعريض من الدعاوى وأخلاه من حقائقها. وقال سرى - رحمة الله عليه -: العبد إذا تزيّا بزى السيد صار نكالاً ألا ترى الله تعالى كيف ذكر فرعون لما ادّعى الربوبية بقوله: {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ}. كذبه كل شىء حتى نفسه.
البقلي
تفسير : لما لم يكن صادقا افتضح فى الدنيا والأخرة وهكذا كل من يدعى ما ليس من المقامات قال بشر انطق الله لسانه بالعريض من الدعاوى واخلاه من حقايقها وقال السرى العبد اذا نزيا بزى السيد ----الا ترى كيف ذكر الله فى قصة فرعون لما ادعى الربوبية فاخذه الله نكال الاخرة والاولى كذبه كل شئ حتى نفسه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فأخذه الله} بسبب ما ذكر {نكال الآخرة والاولى} النكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم وهو التعذيب اى الذى ينكل من رأه او سمعه ويمعنه من تعاطى ما يفضى اليه ومحله النصب على انه مصدر مؤكد كوعد الله وصبغة الله كأنه قال نكل الله به نكال الآخرة والاولى وهو الاحراق فى الآخرة والاغراق فى الدنيا واخذ مستعمل فى معنى مجازى يعم الاخذ فى الدنيا والآخرة والا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لان الاستعمال فى الاخذ الدنيوى حقيقة وفى الاخروى مجاز لتحقق وقوعه واضافة النكال الى الدارين باعتبار وقوع نفس الاخذ فيهما لا باعتبار ان ما فيه من معنى المنع يكون فيهما فان ذلك لا يتصور فى الآخرة بل فى الدنيا فان العقوبة الاخروية تنكل من سمعها وتمنعه من تعاطى ما يؤدى اليها لا محالة وفى التأويلات القاشانية نازع الحق بشدة ظهور انانيته فى ردآء الكبرياء فقهر وقذف فى النار ملعونا كما قال تعالى العظمة ازارى والكبرياء ردآئى فمن نازعنى واحدا منهما قذفته فى النار ويروى قصمته وذلك القهر هو معنى قوله فاخذه الله الخ وقال البقلى لما لم يكن صادقا فى دعواه افتضح فى الدنيا والآخرة وهكذ كل ما يدعى ما ليس له من المقامات قال بشر انطق الله لسانه بالعريض من الدعاوى واخلاه عن حقائقها وقال السرى العبد اذا تزيى بزى السيد صار نكالا ألا ترى كيف ذكر الله فى قصة فرعون لما ادعى الربوبية فأخذه الله الخ كذبه كل شئ حتى نفسه وفى الوسيط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال موسى يا رب امهلت فرعون اربعمائة سنة ويقول أنا ربكم الاعلى ويكذب بآياتك ويجهد برسلك فأوحى الله اليه كان حسن الخلق سهل الحجاب فأردت ان اكافئه اى مكافأة دنيوية وكذا حسنات كل كافر واما المؤمن فاكثر ثوابه فى الآخرة ودلت الآية على ان فرعون مات كافرا وفى الفتوحات المكية فرعون ونمرود مؤبدان فى النار انتهى وغير هذا من اقوال الشيخ رحمه الله محمول على المباحثة فصن لسانك عن الاطالة فانها من اشد ضلالة. يقول الفقير صدر من فرعون كلمتان الاولى قوله أنا ربكم الاعلى والثانية قوله ما علمت لكم من اله غيرى وبينهما على ما قيل اربعون سنة فالظاهر أن الربوبية محمولة على الالوهية فتفسير قوله أنا ربكم الاعلى بقولهم اعلى من كل من يلى امركم ليس فيه كثير جدوى اذ لا يقتضى ادعاء الرياسة دعوى الالوهية كسائر الدهرية والمعطلة فانهم لم يتعرضوا للالوهية وان كانوا رؤساء تأمل هذا المقام.
الجنابذي
تفسير : {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ} نكال مفعول مطلق من غير لفظ الفعل، او منصوب بنزع الخافض اى اخذه الله بنقمةٍ لائقة لكلمته الآخرة الّتى هى قوله: انّا ربّكم الاعلى، والاولى الّتى هى قوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص:38] فانّ الكبرياء والانانيّة كانت رداءه تعالى فمن نازعه فى ردائه اخذه اخذاً شديداً، وكان بين الكلمتين كما عن ابى جعفر (ع) اربعون سنةً.
اطفيش
تفسير : {فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} الأخذ الهلاك والنكال مصدر نكل الله به أي انتقم منه ونكله أهلكه، وعن بعض أن معناه التنكيل والأولى الدنيا فنكال الدنيا الإغراق وقدم الآخرة للسجع ونكال الآخرة الاحراق، وعن ابن عباس نكال كلمته الآخرة وهي {أية : أنا ربكم الأعلى} تفسير : وكلمته الأولى هي {أية : ما علمت لكم من إله غيري} تفسير : قيل بينهما أربعون سنة وقيل عشرون قيل بقي بعد قوله{أية : أنا ربكم الأعلى} تفسير : ثماني سنين ولما كان الأخذ يستعمل في الإهلاك والخزي ذكر بعضهم أن نكال مفعول مطلق مؤكد للأخذ ويرده أن الأخذ عام يحتمل النكالين وأحدهما فالمفعول المطلق منوع وقيل مفعول مطلق لمحذوف من لفظه رأى مخوفا وهو أيضا منوع لا مؤكد وإن قدر فعله مشددا فكذلك لكنه اسم مصدر وعن بعضهم أخذ أنكالا أي مخوفا لما رآه أو سمعه أو للتنكيل فيهما فهو مفعول لأجله أو لهما.
اطفيش
تفسير : {فَأَخَذَهُ اللهُ} أهلكه أو عذبه. {نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} الدنيا عذابا ينكل بسماعه أى يتأَخر عن موجبه وهو مفعول مطلق لمحذوف مؤكد أى نكل الله به نكال الآخرة والأُولى أو مفعول مطلق لأَخذه والمراد بالأَخذ النكال ونكال الدنيا الإِغراق والإِذلال ونكال الآخرة عذاب النار، وقيل العذاب الذى تستحقه الكلمة الآخرة التى هى أنا ربكم الأَعلى والعذاب الذى تستحقه الكلمة الأُولى ما علمت لكم من إِله غيرى أو بالعكس وبين الأُولى والآخرة أربعون سنة، وقيل الأُولى كفره وعصيانه والآخرة أنا ربكم الأَعلى، وقيل أولى معاصيه وآخرها.
الالوسي
تفسير : النكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم وهو التعذيب الذي ينكل من رآه أو سمعه ويمنعه من تعاطي ما يفضي إليه، وهو نصب على أنه مصدر مؤكد كـ{أية : وَعْدَ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 122] و{أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 138] كأنه قيل نكل الله تعالى به نكال الآخرة والأولى وهو الإحراق في الآخرة والإغراق والإذلال في الدنيا. وجوز أن يكون نصباً على أنه مفعول مطلق لأخذ أي أخذه الله تعالى أخذ نكال الآخرة الخ وأن يكون مفعولاً له أي أخذه لأجل نكال الخ وأن يكون نصباً بنزع الخافض أي أخذه بنكال الآخرة والأولى. وإضافته إلى الدارين باعتبار وقوع نفس الأخذ فيهما لا باعتبار أن ما فيه من معنى المنع يكون فيهما فإن ذلك لا يتصور في الآخرة بل في الدنيا فإن العقوبة الأخروية تنكل من سمعها وتمنعه من تعاطي ما يؤدي إليها فيها، وأن يكون في تأويل المشتق حالاً وإضافته على معنى في أي منكلاً لمن رآه أو سمع به في الآخرة والأولى. وجوز أن تكون الإضافة عليه لامية وحمل الآخرة والأولى على الدارين هو الظاهر. وروي عن الحسن وابن زيد وغيرهما وعن ابن عباس وعكرمة والضحاك والشعبـي أن الآخرة قولته: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24] والأولى قولته {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38] وقيل بالعكس فهما كلمتان / وكان بينهما على ما قالوا أربعون سنة وقال أبو رزين الأولى حالة كفره وعصيانه والآخرة قولته {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} وعن مجاهد أنهما عبارتان عن أول معاصيه وآخرها أي نكل بالجميع، والإضافة على جميع ذلك من إضافة المسبب إلى السبب. ومآل من يقول بقبول إيمان فرعون إلى هذه الأقوال وجعل ذلك النكال الإغراق في الدنيا وقد قدمنا الكلام في هذا المقام.
ابن عاشور
تفسير : جملة {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} مفرعة عن الجُمل التي قبلها، أي كان ما ذكر من تكذيبه وعصيانه وكيده سبباً لأن أخذه الله، وهذا هو المقصود من سَوق القصة وهو مناط موعظة المشركين وإنذارهم، مع تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته. وحقيقة الأخذ: التناول باليد، ويستعار كثيراً للمقدرة والغلبة كما قال تعالى: { أية : فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } تفسير : [القمر: 42] وقال: { أية : فأخذهم أخذةً رابية } تفسير : [الحاقة: 10]. والمعنى: فلم يُفلت من عقاب الله. والنكال: اسم مصدر نكَّل به تنكيلاً وهو مِثل: السَّلام، بمعنى التسليم. ومعنى النكال: إيقاع أذى شديد على الغير من التشهير بذلك بحيث يُنَكِّل، أي يَرُد ويَصْرِف من يشاهده عن أن يأتي بمثل ما عومل به المنكَّل به، فهو مشتق من النكول وهو النكوص والهروب، قال تعالى: { أية : فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها } تفسير : في سورة البقرة (66). وانتصب {نكال} على المفعولية المطلقة لفعل «أخذه» مبين لنوع الأخذ بنوعين منه لأن الأخذ يقع بأحوال كثيرة. وإضافة {نكال} إلى {الآخرة والأولى} على معنى (في). فالنكال في الأولى هو الغرق، والنكال في الآخرة هو عذاب جهنم. وقد استُعمل النكال في حقيقته ومجازه لأن ما حصل لفرعون في الدنيا هو نكال حقيقي وما يصيبه في الآخرة أطلق عليه النكال لأنه يشبه النكال في شدة التعذيب ولا يحصل به نكالٌ يوم القيامة. وورود فعل «أخذه» بصيغة المضي مع أن عذاب الآخرة مستقبل ليوم الجزاء مُراعىً فيه أنه لما مات ابتدأ يذوق العذاب حين يرى منزلته التي سيؤول إليها يوم الجزاء كما ورد في الحديث. وتقديم {الآخرة} على {الأولى} في الذكر لأنّ أمر الآخرة أعظم. وجاء في آخر القصة بحوصلة وفذلكة لما تقدم فقال: {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} فهو في معنى البيان لمضمون جملة { أية : هل أتاك حديث موسى } تفسير : [النازعات: 15] الآيات. والإِشارة بقوله: {في ذلك} إلى { أية : حديث موسى } تفسير : [النازعات: 15]. والعِبرة: الحالة التي ينتقل الذهن من معرفتها إلى معرفة عاقبتها وعاقبة أمثالها، وهي مشتقة من العَبْر، وهو الانتقال من ضفة وادٍ أو نهر إلى ضفته الأخرى. والمراد بالعبرة هنا الموعظة. وتنوين (عبرة) للتعظيم لأن في هذه القصة مواعظ كثيرة من جهات هي مَثُلات للأعمال وعواقبها، ومراقبةِ الله وخشيته، وما يترتب على ذلك وعلى ضده من خير وشر في الدنيا والآخرة. وجُعل ذلك عبرة لمن يخشى، أي من تُخالط نفسَه خشيةُ الله لأن الذين يخشون الله هم أهل المعرفة الذين يفهمون دلالة الأشياء على لوازمها وخفاياها، قال تعالى: { أية : إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء } تفسير : [فاطر: 28] وقال: { أية : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلِها إلا العالِمون } تفسير : [العنكبوت: 43]. والخشية تقدمت قريباً في قوله: { أية : وأهديك إلى ربك فتخشى } تفسير : [النازعات: 19]. وفي هذا تعريض بالمشركين بأنهم ليسوا بأهل للانتفاع بمثل هذا كما لم ينتفع بمثله فرعون وقومه. وفي القصة كلها تعريض بسادة قريش من أهل الكفر مثل أبي جهل بتنظيرهم بفرعون وتنظير الدهماء بالقوم الذين حشرهم فرعون ونادى فيهم بالكفر، وقد عَلِم المسلمون مضرِب هذا المثل فكان أبو جهل يوصف عند المسلمين بفرعون هذه الأمة. وتأكيد الخبر بــــ {إنَّ} ولام الابتداء لتنزيل السامعين الذين سيقت لهم القصة منزلة من ينكر ما فيها من المواعظ لعدم جريهم على الاعتبار والاتعاظ بما فيها من المواعظ.
الشنقيطي
تفسير : النكال: هو اسم لما جعل نكالاً للغير، أي عقوبة له حتى يعتبر به، والكلمة من الامتناع، ومنه النكول عن اليمين، والنكل القيد. قاله القرطبي. واختلف في الآخرة والأولى: أهم الدنيا والآخرة؟ أم هم الكلمتان العظيمتان اللتان تكلم بهما فرعون في قوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38]. والثانية قوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24]. قال ابن عباس: وكان بينهما أربعون سنة. وقد اختار ابن كثير الأول، واختار ابن جرير الثاني، ومعه كثير من المفسرين. ولكن يرد على اختيار ابن كثير: أن السياق قدم الآخرة، مع ان تعذيب فرعون مقدم فيه نكال الأولى، وهي الدنيا. كما يرد على اختيار ابن جرير، أن الله تعالى جعل أخذه إياه نكالاً، ليعتبر به من يخشى، والعبرة تكون أشد بالمحسوس، وكلمتاه قيلتا في زمنه. والقرآن يشهد لما قاله ابن كثير، في قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}تفسير : [يونس: 92]، وهذا هو محل الاعتبار. وقد قال تعالى بعد الآية: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}تفسير : [النازعات: 26]. واسم الإشارة في قوله: إن في ذلك: راجع إلى الأخذ والنكال المذكورين، أي المصدر المفهوم ضمناً في قوله تعالىٰ: {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ} وقوله: نكال، بل إن نكال مصدر بنفسه، أي فأخذه الله ونكل به، وجعل نكاله به عبرة لمن يخشى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآخِرَةِ} (25) - فَانْتَقَمَ اللهُ مِنْهُ، وَجَعَلَهُ عِبْرَةً لأَِمْثَالِهِ فِي الدُّنْيَا. وَيُعَذِّبُهُ اللهُ فِي الآخِرَةِ فِي جَهَنَّمَ، وَبِئْسَ الرّفْدُ المَرْفُودُ. (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَذَّبَهُ لِمَقَالَتِهِ الأَخِيرَةِ: إِنَّهُ رَبُّهُمُ الأَعْلَى، كَمَا عَذَّبَهُ لَمَقَالَتِهِ الأُوْلَى التِي كَذَّبَ بِهَا مُوسَى). نَكَالٌ - عُقُوبَةٌ تَجْعَلُ مَنْ تَنْزِلُ بِهِ يَنكِلُ عَنْ فِعْلِهِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):