٧٩ - ٱلنَّازِعَات
79 - An-Nazi'at (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: دحاها بسطها، قال زيد بن عمرو بن نفيل:شعر : دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا تفسير : وقال أمية بن أبي الصلت:شعر : دحوت البلاد فسويتها وأنت على طيها قادر تفسير : قال أهل اللغة في هذه اللفظة لغتان دحوت أدحو، ودحيت أدحى، ومثله صفوت وصفيت ولحوت العود ولحيته وسأوت الرجل وسأيته وبأوت عليه وبأيت، وفي حديث علي عليه السلام «حديث : اللهم داحي المدحيات»تفسير : أي باسط الأرضين السبع وهو المدحوات أيضاً، وقيل: أصل الدحو الإزالة للشيء من مكان إلى مكان، ومنه يقال: إن الصبي يدحو بالكرة أي يقذفها على وجه الأرض، وأدحى النعامة موضعه الذي يكون فيه أي بسطته وأزلت ما فيه من حصى، حتى يتمهد له، وهذا يدل على أن معنى الدحو يرجع إلى الإزالة والتمهيد. المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي كون الأرض بعد السماء، وقوله: في حمۤ السجدة، {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } تفسير : [فصلت: 11] يقتضي كون السماء بعد الأرض، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء }تفسير : [البقرة: 29] ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الوجوه أحدها: أن الله تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق السماء ثانياً ثم دحى الأرض أي بسطها ثالثاً، وذلك لأنها كانت أولاً كالكرة المجتمعة، ثم إن الله تعالى مدها وبسطها، فإن قيل الدلائل الاعتبارية دلت على أن الأرض الآن كرة أيضاً، وإشكال آخر وهو أن الجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي، فيستحيل أن يكون هذا الجسم مخلوقاً ولا يكون ظاهره مدحواً مبسوطاً وثانيها: أن لا يكون معنى قوله {دَحَـٰهَا }: مجرد البسط، بل يكون المراد أنه بسطها بسطاً مهيأ لنبات الأقوات وهذا هو الذي بينه بقوله: {أية : أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 31] وذلك لأن هذا الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء فإن الأرض كالأم والسماء كالأب، وما لم يحصلا لم تتولد أولاً المعادن والنباتات والحيوانات وثالثها: أن يكون قوله: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ } أي مع ذلك كقوله: {أية : عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ }تفسير : [القلم: 13] أي مع ذلك، وقولك للرجل أنت كذا وكذا ثم أنت بعدها كذا لا تريد به الترتيب، وقال تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } إلى قوله: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [البلد: 17] والمعنى وكان مع هذا من أهل الإيمان بالله، فهذا تقرير ما نقل عن ابن عباس ومجاهد والسدي وابن جريج أنهم قالوا في قوله: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } أي مع ذلك دحاها. المسألة الثالثة: لما ثبت أن الله تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق السماء ثانياً، ثم دحى الأرض بعد ذلك ثالثاً، ذكروا في تقدير تلك الأزمنة وجوهاً. روي عن عبد الله بن عمر «خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، ومنه دحيت الأرض» واعلم أن الرجوع في أمثال هذه الأشياء إلى كتب الحديث أولى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَٰهَآ } بسطها وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَعْدَ ذَلِكَ} مع ذلك أو خلق الأرض قبل السماء ثم دحاها بعد السماء {دَحَاهَآ} بَسَطَها "ع" ودحيت من موضع الكعبة أو من مكة أو حرثها وشقها أو سواها.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا} متوجِّه على أن اللَّهَ خلقَ الأرضَ ولم يَدْحُهَا ثم استوى إلى السَّمَاءِ وهي دُخَانُ فخلقَها، وبنَاها، ثم دَحَا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، ودَحْوُها بَسْطُها، وباقي الآية بيِّنٌ، و{ٱلطَّامَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} هي يومُ القيامة؛ قاله ابن عباس وغيره.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا} أي بسطَها ومهَّدها لسكْنى أهلِها وتقلبِهم في أقطارِها وانتصابُ الأرضَ بمضمرٍ يفسرُه دحاهَا {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا} بأنْ فجرَ منها عيوناً وأجْرَى أنهاراً {وَمَرْعَـٰهَا} أي رعيَها وهو في الأصلِ موضعُ الرَّعِي وقيلَ: هو مصدرٌ ميميٌّ بمَعنى المفعولِ، وتجريدُ الجملةِ عن العاطفِ إما لأنَّها بـيانٌ وتفسيرٌ لدحاهَا وتكملةٌ له فإنَّ السكْنى لا تتأتَّى بمجرد البسطِ والتمهيدِ بلْ لا بدَّ من تسوية أمرِ المعاشِ من المأكلِ والمشربِ حتماً وإما لأنها حالٌ من فاعلِه بإضمارِ قدْ عندَ الجمهورِ أو بدونِه عند الكوفيـينَ والأخفشِ، كما في قولِه تعالى: { أية : أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} تفسير : [سورة النساء، الآية 90] {وَٱلْجِبَالَ} منصوبٌ بمضمرٍ يفسرُهُ {أَرْسَـٰهَا} أي أثبتَها وأثبتَ بها الأرضَ أن تميدَ بأهلِها وهذا تحقيقٌ للحقِّ وتنبـيهٌ على أنَّ الرسوَّ المنسوبَ إليهَا في مواضعَ كثيرةٍ من التنزيلِ بالتعبـيرِ عنها بالرَّوَاسِي ليسَ من مقتضياتِ ذواتِها بلْ هو بإرسائِه عزَّ وجلَّ ولولاهُ لما ثبتتْ في أنفسِها فضلاً عنْ إثباتِها للأرضِ وقُرِىءَ والأرضُ والجبالُ بالرفعِ على الابتداءِ ولعلَّ تقديمَ إخراجِ الماءِ والمَرْعى ذكراً مع تقدمِ الإرساءِ عليهِ وجُوداً وشدةِ تعلقِه بالدَّحْوِ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بأمرِ المأكلِ والمشربِ معَ ما فيهِ من دفعِ توهمِ رجوعِ ضميرَيْ الماءِ والمَرْعَى إلى الجبالِ وهذا كما ترَى يدلُّ بظاهرِه على تأخرِ دَحْوِ الأرضِ عن خلقِ السماءِ وما فيهَا كمَا يُروى عن الحسنِ مِنْ أنَّه تعالَى خلقَ الأرضَ في موضعِ بـيتِ المقدسِ كهيئةِ الفهرِ عليه دُخانٌ ملتزقٌ بها ثمَّ أصعدَ الدخانَ وخلقَ منهُ السمواتِ وأمسكَ الفهرَ في موضعِها وبسطَ منها الأرضَ وذلكَ قولُه تعالى: { أية : كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا} تفسير : [سورة الأنبياء، الآية 30] الآيةَ وقد مرَّ في سورةِ حم السجدةِ أنَّ قولَه تعالَى: {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } تفسير : [سورة فصلت، الآية 9] إلى قولِه تعالى: { أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ} تفسير : [سورة فصلت، الآية 11] الآيةَ إنْ حُملَ ما فيهِ من الخلقِ وما عطفَ عليهِ من الأفعالِ الثلاثةِ على معانيها الظاهرةِ لا على تقديرِها فهُو وما في سورةِ البقرةِ من قولِه تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 29] يدلانِ على تقدم خلقِ الأرضِ وما فيها على خلق السماءِ وما فيها وعليه إطباقُ أكثرِ أهلِ التفسيرِ. وقد رُويَ أنَّ العرشَ كانَ قبلَ خلقِ السمواتِ والأرضِ على الماء ثم إنه تعالَى أحدثَ في الماء اضطراباً فأزبدَ فارتفعَ منه دخانٌ فأما الزبدُ فبقي على وجه الماءِ فخلقَ فيه اليبوسةَ فجعلَهُ أرضاً واحدةً ثم فتقَها فجعلها أَرضينَ وأما الدخانُ فارتفعَ وعلاَ فخلقَ منه السمواتِ ورُويَ أنَّه تعالى خلقَ جرمَ الأرضِ يومَ الأحدِ ويومَ الاثنينِ ودحاهَا وخلقَ ما فيها يومَ الثلاثاءِ ويومَ الأربعاءِ وخلقَ السمواتِ وما فيهن يومَ الخميسِ ويومَ الجمعةِ وخلقَ آدمَ عليه السلامُ في آخرِ ساعةٍ منه وهيَ الساعةُ التي تقومُ فيها القيامةُ فالأقربُ كما قيلَ تأويلُ هذه الآيةِ بأن يُجعلَ ذلكَ إشارةً إلى ذِكرِ ما ذُكِرَ من بناءِ السماءِ ورفعِ سَمكها وتسويتِها وغيرِها لا إلى أنفسِها ويحملُ بعديةُ الدَّحْوِ عنْها عَلى البعديةِ في الذكرِ كما هُو المعهودُ في ألسنة العربِ والعجمِ لا في الوجود لما عرفتَ من أنَّ انتصابَ الأرضِ بمضمرٍ مقدمٍ قد حُذِفَ على شريطةِ التفسيرِ لا بما ذُكِرَ بعدَهُ ليفيدَ القصرَ وتتعينَ البعديةُ في الوجودِ، وفائدةُ تأخيرِه في الذكرِ إما التنبـيهُ على أنَّه قاصرٌ في الدلالة على القدرة القاهرةِ بالنسبةِ إلى أحوالِ السماءِ وإما الإشعارُ بأنَّه أدخلُ في الإلزامِ لما أن المنافعَ المنوطةَ بما في الأرض أكثرُ وتعلقَ مصالحِ الناسِ بذلكَ أظهرُ وإحاطتَهم بتفاصيلِ أحوالِه أكملُ وليسَ ما رُويَ عن الحسنِ نصاً في تأخرِ دحوِ الأرضِ عن خلقِ السماءِ فإن بسطَ الأرضِ معطوفٌ على إصعادِ الدخانِ وخلقِ السماءِ بالواوِ التي هي بمعزلٍ من الدلالةِ على الترتيبِ، هذا على تقديرِ حملِ ما ذكرَ في آياتِ سورةِ السجدةِ من الخلقِ وما عطفَ عليهِ من الأفعالِ الثلاثةِ على معانيها الظاهرةِ وأما إذا حُملتْ على تقديرِها فلا دلالةَ فيها إلا على تقدمِ تقدير الأرضِ وما فيهَا على إيجاد السماءِ كما لا دلالةَ على الترتيب أصلاً إذا حُملتْ كلمةُ ثُمَّ فيها وفيمَا في سورةِ البقرةِ على التراخِي في الرتبةِ وقد سلفَ تفصيلُ الكلامِ في السورةِ المذكورةِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {والارض بعد ذلك دحاها} اى قبل ذلك كقوله تعالى من بعد الذكر اى قبل القرءآن بسطها ومهدها لسكنى اهلها وتقلبهم فى اقطارها وقال بعضهم بعد على معناه الاصلى من التأخر فان الله خلق الارض قبل خلق السماء من غير أن يدحوها ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سموات ثم دحا الارض بعد ذلك وقال فى الارشاد انتصاب الارض بمضمر يفسره دحاها وذلك اشارة الى ما ذكر من بناء السموات ورفع سمكها وتسويتها وغيرها لا الى انفسها وبعدية الدحو عنها محمولة على البعدية فى الذكر كما هو المعهود فى السنة العرب والعجم لا فى الوجود فان اتفاق الاكثر على تقدم خلق الارض وما فيها على خلق السماء وما فيها وتقديم الارض لا يفيد القصر وتعيين البعدية فى الوجود لما عرفت من ان انتصابه بمضمر مقدم قد حذف على شرطية التفسير لا بما ذكر بعده ليفيد ذلك وفائدة تأخيره فى الذكر اما التنبيه عل انه قاصر فى الدلالة على القدرة القاهرة بالنسبة الى احوال السماء واما الاشعار بانه ادخل فى الالزام لما ان المنافع المنوطة بما فى الارض اكثر وتعلق مصالح الناس بذلك اظهر واحاطتهم بتفاصيل احواله اكمل وقد مر ما يتعلق بهذا المقام فى سورة حم السجدة.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} اى بعد بناء السّماء ورفع سمكها واظلامِ ليلها واخراج ضحيها، ودحو الارض عبارة عن بسطها. اعلم، انّه لا تقدّم لسماء العالم الكبير على ارضها، وما ورد فى الآيات والاخبار مشعراً بتقدّم خلق الارض على السّماء او تقدّم السّماء على الارض فمؤّل لانّه ليس بين الارض والسّماء علّيّة لعدم جواز العلّيّة بين الاجسام كما قرّر فى محلّه ولذلك قيل: المراد بقوله تعالى بعد ذلك مع ذلك اى الارض مع بناء السّماء دحاها فليكن المراد بدحو الارض بسطها بتوليد مواليدها، فانّ مرتبة المواليد فى الخلقة بعد مرتبة العناصر والسّماوات، او ليكن بعد بمعنى مع كما قيل: او ليكن المقصود من الارض والسّماء ما فى العالم الصّغير فانّ سماءه بوجهٍ مقدّمة على ارضه وبوجهٍ مؤخّرة.
الأعقم
تفسير : {والأرض بعد ذلك دحاها} قيل: خلق الأولى من غير دحو قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقيل: دحيت الأرض من تحت البيت يعني الكعبة وكان خلق قبل الدنيا بألفي عام، وقيل: بعد بمعنى قبل كقوله: {أية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} تفسير : [الأنبياء: 105] أي من قبل الذكر وهو القرآن {أخرج منها} من الأرض {ماءها} الذي به حياة كل شيء من الحيوانات والأشجار والنبات {ومرعاها} المرعى العشب ونحوه {والجبال أرساها} أثبتها {متاعاً لكم} أي تنتفعون بها وبما يخرج مأكولاً ومشروباً وملبوساً وزينة، وكذلك المنفعة بالجبال لما فيها من المعادن، وما يفجر فيها من العيون يعني منفعة {لأنعامكم} وهو الغيث {فإذا جاءت الطامة الكبرى} وهو القيامة لأنها تطم على كل شيء، أي تغلو وتغلب، وقيل: الطامة النفخة الثانية، وقيل: حين يساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار {يوم يتذكر الإِنسان ما سعى} يعني يتذكر عند قراءة الكتب ما عمل من خير وشر {وبرزت الجحيم} أي أظهرت النار لمن رآها {فأمّا من طغى} جاوز الحد في الطغيان {وآثر الحياة الدنيا} أي اختارها وعمل بها وتمتع بملاذها {فإن الجحيم هي المأوى} أي المرجع {وأما من خاف مقام ربه} قيل: مقامه للعَرض والحساب للجزاء والانتصاف من الظالم للمظلوم {ونهى النفس عن الهوى} أي امتنع عن المعاصي {فإن الجنة هي المأوى} أي مصيره {يسألونك عن الساعة} القيامة {أيان مرساها} أي متى أرساها، أي إقامتها وإنما يسألوك تكذيباً، وقيل: إيهاماً على العوام {فيم أنت من ذكراها} قيل: ليس عندك علم لوقتها ومتى تكون؟ وإنما عليك انها تكون لا محالة، وقيل: فيم تم الكلام أي في ماذا سؤالهم عما لا يعنيهم ثم ابتدأ فقال أنت من ذكراها أي من أعلامها فإنك خاتم الأنبياء {إلى ربك منتهاها} يعني منتهى علمها، أي لا يعلم وقتها إلا هو {إنما أنت منذر من يخشاها} يعني من يخاف القيامة {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاَّ عشية أو ضحاها} قيل: إذا رأوا أهوال يوم القيامة وما دفعوا اليه من العذاب كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة، وقيل: حيث الآخرة يرون الدنيا ساعة، وقيل: أراد لبثهم في القبور، وقوله تعالى: {عشية أو ضحاها} أي آخر ساعتي النهار أما ضحوة أو عشية.
اطفيش
تفسير : {وَالأَرْضَ} مفعول لمحذوف يفسره دحاها واختاره لمكان الجمل الفعلية قيل {بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} بسطها للسكنى وكانت مخلوقة قبل السماء غير مبسوطة ثم خلق السماء ثم بسط الأرض وأجرى فيها الأنهار وأرساها بالجبال وقيل كانت فيها العيون والأشجار قبل البسط وقيل بعد معناه مع كقوله عتل بعد ذلك زنيم على ما مر.
اطفيش
تفسير : {وَالأَرْضَ} منصوب على الاشتغال وقيل منصوب بتذكر أو تدبر أو اذكر محذوفا، {بَعْدَ ذَلِكَ} المذكور من خلق السماء وإِغطاش الليل وإِخراج النهار. {دَحَاهَا} بسطها للسكنى والانتفاع بها من الدحو أو الدحى فأَلفه عن واو أو عن ياء وقيل دحاها سواها والأَكثر على الأَول ودحيها أو تسويتها بعد خلقها أو معه قولان والأَول عن ابن عباس قال الحسن كانت يوم خلقت على هيئة الفهر وحصل الجمع بين هذه الآية وقوله تعالى {أية : ثم استوى إِلى السماء} تفسير : [البقرة: 29] بأَن خلق الأَرض متقدم عن خلق السماء ودحوها متأَخر عن خلق السماء وقيل بعد بمعنى مع كما قيل فى قوله تعالى {أية : عتل بعد ذلك زنيم} تفسير : [القلم: 13] أى مع ذلك والذى يظهر لى أن المراد بالبعدية فى الآية بعدية الإِخبار كما تقول أكل زيد رطل لحم صبحاً وأكل بعده فى ليلته رطلين أى أخبرك بكذا بعد ما سمعت كذا، قال ابن عباس خلق الله تعالى الأَرض ثم السماء ثم دحا الأَرض واعترض بأَنه يستحيل الجسم العظيم أن يكون بلا دحو لظاهره وأُجيب بأَن خلق الأَرض السابق خلق مادتها واعترض كون الأَرض يوم خلقت كالفهر بقوله تعالى: {أية : خلق لكم ما في الأَرض جميعاً ثم استوى إِلى السماء} تفسير : [البقرة: 29] وخلق ما فيها إِنما هو بعد الدحو وأُجيب بأَن خلق بمعنى قدر أو أراد الخلق وقيل ثم للتراخى الرتبى وخلق السماء أعجب من خلق الأَرض، ويروى أن الله تعالى خلق جرم الأَرض يوم الأَحد ويوم الاثنين ودحاها وخلق ما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأَربعاء وخلق السماوات وما فيها فى يوم الخميس والجمعة وفى آخر يوم الجمعة كمل خلق آدم واختار قوم تقدم خلق السماء على الأَرض وخلق ما فيها بعد خلق الأَرض.
الالوسي
تفسير : {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ } الظاهر أنه إشارة إلى ما تقدم من خلق السماء وإغطاش الليل وإخراج النهار دون خلق السماء فقط وانتصاب (الأرض) بمضمر قيل على شريطة التفسير وقيل تقديره تذكر أو تدبر أو اذكر وستعلم ما في ذلك إن شاء الله تعالى. ومعنى قوله تعالى: {دَحَـٰهَا } بسطها ومدها لسكنى أهلها وتقلبهم في أقطارها من الدحو أو الدحي بمعنى البسط وعليه قول أمية بن أبـي الصلت: شعر : وبث الخلق فيها إذ دحاها فهم قطانها حتى التنادي تفسير : وقيل دحاها سواها وأنشدوا قول زيد بن عمرو بن نفيل: شعر : وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالا دحاها فلما استوت شدها بأيد وأرسى عليها الجبالا تفسير : والأكثرون على الأول وأنشد الإمام بيت زيد فيه. والظاهر أن دحوها بعد خلقها وقيل مع خلقها فالمراد خلقها مدحوة وروي الأول عن ابن عباس ودفع به توهم تعارض بين آيتين. أخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم عنه أن رجلاً قال له آيتان في كتاب الله تعالى تخالف إحداهما الأخرى فقال إنما أتيت من قبل رأيك اقرأ: قَال {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ}تفسير : [فصلت: 9] حتى بلغ {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ }تفسير : [فصلت: 11] وقوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } قال خلق الله تعالى الأرض قبل أن يخلق السماء ثم خلق السماء ثم دحا الأرض بعدما خلق السماء وإنما قوله سبحانه {دَحَـٰهَا} بسطها. وتعقبه الإمام بأن الجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي ويستحيل أن يكون هذا الجسم العظيم مخلوقاً ولا يكون ظاهره مدحواً مبسوطاً. وأجيب أنه لعل مراد القائل بخلقها أولاً ثم دحوها ثانياً خلق مادتها أولاً ثم تركيبها وإظهارها على هذه الصورة والشكل مدحوة مبسوطة وهذا كما قيل في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ}تفسير : [فصلت: 11] إن السماء خلقت مادتها أولاً ثم سويت وأظهرت على صورتها اليوم. وعن الحسن ما يدل على أنها كانت يوم خلقت قبل الدحو كهيئة الفهر ويشعر بأنها لم تكن على عظمها اليوم وتعقبه بعضهم بشيء آخر وهو أنه يأبى ذلك قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 29] الآية فإنه يفيد أن خلق ما في الأرض قبل خلق السمٰوات ومن المعلوم أن خلق ما فيها إنما هو بعد الدحو فكيف يكون الدحو بعد خلق السمٰوات. وأجيب بأن {خَلَقَ} في الآية بمعنى قدر أو أراد الخلق ولا يمكن أن يراد به فيها الإيجاد بالفعل ضرورة أن جميع المنافع الأرضية يتجدد إيجادها أولاً فأولاً. سلمنا أن المراد الإيجاد بالفعل لكن يجوز أن يكون المراد خلق مادة ذلك بالفعل. ومن الناس من حمل {ثُمَّ} على التراخي الرتبـي لأن خلق السماء أعجب من خلق الأرض. وقال عصام الدين إن {بَعْدَ ذَلِكَ} هنا كما في قوله تعالى {أية : عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}تفسير : [القلم: 13] يعني فعل بالأرض ما فعل بعدما سمعت في السماء والمراد التأخير في الإخبار فخلق الأرض ودحوها وإخراج مائها ومرعاها وإرساء الجبال عليها عنده قبل خلق السماء كما يقتضيه ظاهر آية البقرة وظاهر آية الدخان وأيد حمل البعدية على ما ذكر بأن حملها على ظاهرها مع حمل الإشارة على الإشارة إلى مجموع ما تقدم مما سمعت يلزم عليه أن إغطاش الليل وإبراز النهار كانا قبل خلق الأرض ودحوها وذلك مما لا يتسنى على تقدير أنها غير مخلوقة أصلاً ومما يبعد على تقدير أنها مخلوقة غير عظيمة وأيضاً قيل لو لم تحمل البعدية ما ذكر، وقيل بنحو ما قال ابن عباس من تأخر الدحو عن خلق السماء مع تقدم خلق الأرض من غير دحو على خلقها لم تنحسم مادة الاشكال إذ آية الدخان ظاهرة في أن جعل الرواسي في الأرض قبل خلق السماء وتسويتها وهذه الآية إلى آخرها ظاهرة في أن جعل الرواسي بعد. وبالجملة إنه قد اختلف أهل التفسير في أن خلق السماء مقدم على خلق الأرض أو مؤخر فقال ابن الطاشكبرى: نقل الواحدي عن مقاتل أن خلق السماء مقدم على خلق الأرض واختاره جمع لكنهم قالوا إن خلق ما فيها مؤخر وأجابوا عما هنا وآية البقرة بأن الخلق فيها بمعنى التقدير أو بمعنى الإيجاد وتقدير الإرادة وأن البعدية هٰهنا لإيجاد الأرض وجميع ما فيها وعما هنا وآية الدخان بنحو ذلك فقدروا الإرادة في قوله تعالى {أية : خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ}تفسير : [فصلت: 9] وكذا في قوله سبحانه {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ}تفسير : [فصلت: 10] وقالوا يؤيد ما ذكر قوله تعالى{ أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11] فإن الظاهر أن المراد ائتيا في الوجود ولو كانت الأرض موجودة سابقة لما صح هذا فكأنه قال سبحانه أئنكم لتكفرون بالذي أراد إيجاد الأرض وما فيها من الرواسي والأقوات في أربعة أيام ثم قصد إلى السماء فتعلقت إرادته بإيجاد السماء والأرض فأطاعا لأمر التكوين فأوجد سبع سمٰوات في يومين وأوجد الأرض وما فيها في أربعة أيام. ونكتة تقديم خلق الأرض وما فيها في الظاهر في سورتي البقرة والدخان على خلق السمٰوات والعكس هٰهنا أن المقام في الأولين مقام الامتنان وتعداد النعم على أهل الكفر والإيمان فمقتضاه تقديم ما هو نعمة بالنظر إلى المخاطبين من الفريقين فكأنه قال سبحانه هو الذي دبر أمركم قبل السماء، ثم خلق السماء والمقام هنا مقام بيان كمال القدرة فمقتضاه تقديم ما هو أدل انتهى. وفي «الكشف» أطبق أهل التفسير أنه تم خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ثم خلق السماء في يومين إلا ما نقل الواحدي في «البسيط» عن مقاتل أن خلق السماء مقدم على إيجاد الأرض فضلاً عن دحوها، والكلام مع من فرق بين الإيجاد والدحو وما قيل إن دحو الأرض متأخر عن خلق السماء لا عن تسويتها يرد عليه {بَعْدَ ذَلِكَ} فإنه إشارة إلى السابق وهو رفع السمك والتسوية. والجواب بتراخي الرتبة لا يتم لما نقل من إطباق المفسرين فالوجه أن يجعل {ٱلأَرْضَ} منصوباً بمضمر نحو تذكر وتدبر واذكر الأرض بعد ذلك وإن جعل مضمراً على شريطة التفسير جعل {بَعْدَ ذَلِكَ} إشارة إلى المذكور سابقاً من ذكر خلق السماء لا خلق السماء نفسه ليدل على أنه متأخر في الذكر عن خلق السماء تنبيهاً على أنه قاصر في الدلالة عن الأول لكنه تتميم كما تقول جملاً ثم تقول بعد ذلك كيت وكيت وهذا كثير في استعمال العرب والعجم وكان {بَعْدَ ذَلِكَ} بهذا / المعنى عكسه إذا استعمل لتراخي الرتبة وقد تستعمل ثم بهذا المعنى وكذا الفاء وهذا لا ينافي قول الحسن إنه تعالى خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق منه السمٰوات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض وذلك قوله تعالى: {أية : كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا }تفسير : [الأنبياء: 30] الآية فإنه يدل على أن كون السماء دخاناً سابق على دحو الأرض وتسويتها وهو كذلك بل ظاهر قوله تعالى {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ}تفسير : [فصلت: 11] يدل على ذلك وإيجاد الجوهرة النورية والنظر إليها بعين الجلال المبطن بالرحمة والجمال وذوبها وامتياز لطيفها عن كثيفها وصعود المادة الدخانية اللطيفة وبقاء الكثيف هذا كله سابق على الأيام الستة وثبت في الخبر الصحيح ولا ينافي الآيات وأما ما نقله الواحدي عن مقاتل واختاره الإمام فلا إشكال فيه ويتعين (ثم) في سورتي البقرة والسجدة على تراخي الرتبة وهو أوفق لمشهور قواعد الحكماء لكن لا يوافق ما روى أنه تعالى خلق جرم الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين ودحاها وخلق ما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق السمٰوات وما فيها في يوم الخميس والجمعة وفي آخر يوم الجمعة ثم خلق آدم عليه السلام انتهى. والذي أميل إليه أن تسوية السماء بما فيها سابقة على تسوية الأرض بما فيها لظهور أمر العلية في الأجرام العلوية وأمر المعلولية في الأجرام السفلية ويعلم تأويل ما ينافي ذلك مما سمعت وأما الخبر الأخير ففي صحته مقال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وقد مر شيء مما يتعلق بهذا المقام وإنما أعدنا الكلام فيه تذكيراً لذوي الأفهام فتأمل والله تعالى الموفق لتحصيل المرام.
ابن عاشور
تفسير : وانتقل الكلام من الاستدلال بخلق السماء إلى الاستدلال بخلق الأرض لأن الأرض أقرب إلى مشاهدتهم وما يوجد على الأرض أقرب إلى علمهم بالتفصيل أو الإِجمال القريب من التفصيل. ولأجل الاهتمام بدلالة خلق الأرض وما تحتوي عليه قُدم اسم {الأرض} على فعله وفاعِله فانتصب على طريقة الاشتغال، والاشتغال يتضمن تأكيداً باعتبار الفعل المقدر العامل في المشتغل عنه الدال عليه الفعلُ الظاهر المشتغل بضمير الاسم المقدم. والدَّحْو والدَّحْيُ يقال: دحَوْت ودحيت. واقتصر الجوهري على الواوي وهو الجاري في كلام المفسرين هو: البسط والمدّ بتسوية. والمعنى: خلقها مدحوَّة، أي مبسوطة مسوّاة. والإِشارة من قوله: {بعد ذلك} إلى ما يفهم من { أية : بناها رفع سمكها فسواها } تفسير : [النازعات: 27، 28]، أي بعد خلق السماء خلق الأرض مدحوَّة. والبعدية ظاهرها: تأخر زمان حصول الفعل، وهذه الآية أظهر في الدلالة على أن الأرض خلقت بعد السماوات وهو قول قتادة ومقاتل والسدّي، وهو الذي تؤيده أدلة علم الهيئة. وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: { أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات } تفسير : في سورة البقرة (29)، وما ورد من الآيات مما ظاهره كظاهر آية سورة البقرة تأويله واضح. ويجوز أن تكون البعدية مجازاً في نزول رتبة ما أضيف إليه {بعد} عن رتبة ما ذُكر قبله كقوله تعالى: { أية : عُتُلٍّ بعد ذلك زنيم } تفسير : [القلم: 13]. وجملة {أخرج منها ماءها ومرعاها} بدل اشتمال من جملة {دحاها} لأن المقصد من دحوها بمقتضى ما يكمل تيسير الانتفاع بها. ولا يصح جعل جملة {أخرج منها ماءها} إلى آخرها بياناً لجملة {دحاها} لاختلاف معنى الفعلين. والمرعى: مَفْعَل من رَعَى يرعَى، وهو هنا مصدر ميمي أطلق على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق، أي أخرج منها ما يُرْعَى. والرعي: حقيقته تناول الماشية الكلأ والحشيش والقصيل. فالاقتصار على المرعى اكتفاء عن ذكر ما تخرجه الأرض من الثمار والحبوب لأن ذكر المرعى يدل على لطف الله بالعجماوات فيعرف منه أن اللطف بالإِنسان أحرى بدلالة فحوى الخطاب، والقرينةُ على الاكتفاء قوله بعده { أية : متاعاً لكم ولأنعامكم } تفسير : [النازعات: 33]. وقد دل بذكر الماء والمرعى على جميع ما تخرجه الأرض قوتاً للناس وللحيوان حتى ما تُعالَج به الأطعمة من حطب للطبخ فإنه مما تنبت الأرض، وحتى الملح فإنه من الماء الذي على الأرض. ونَصب {والجبالَ} يجوز أن يكون على طريقة نصب {والأرضَ بعد ذلك دحاها} ويجوز أن يكون عطفاً على {ماءَها ومرعاها} ويكون المعنى: وأخرج منها جبالها، فتكون (ال) عوضاً عن المضاف إليه مثل { أية : فإن الجنة هي المأوى } تفسير : [النازعات: 41] أي مأوى من خافَ مقام ربه فإن الجبال قطع من الأرض ناتئة على وجه الأرض. وإرساء الجبال: إِثباتُها في الأرض، ويقال: رست السفينة، إذا شُدّت إلى الشاطىء فوقفت على الأَنْجَرِ، ويوصف الجبل بالرسوّ حقيقة كما في «الأساس»، قال السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم يذكر جبلهم: شعر : رسَا أصلُه فوق الثرى وسمَا به إلى النجم فَرع لا يُنال طويل تفسير : وإثبات الجبال: هو رسوخها بتغلْغُل صخورها وعروق أشجارها لأنها خلقت ذات صخور سائخة إلى باطن الأرض ولولا ذلك لزعزعتها الرياح، وخُلقت تتخلّلها الصخور والأشجار ولولا ذلك لتهيلت أتربتها وزادها في ذلك أنها جُعلت أحجامها متناسبة بأن خلقت متسعة القواعد ثم تتصاعد متضائقة. ومن معنى إرسائها: أنها جعلت منحدرة ليتمكن الناس من الصعود فيها بسهولة كما يتمكن الراكب من ركوب السفينة الراسية ولو كانت في داخل البحر ما تمكن الراكب من ركوبها إلا بمشقة.
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآية الكريمة وصف الأرض بأن الله تعالى: دحاها، وجاء في آية أخرى أنه طحاها بالطاء، وجاء في آية أخرى أنه بسطها، وهي قوله تعالى: {أية : وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}تفسير : [الغاشية: 20]. وقد اختلف في تفسير قوله: دحاها، فقال ابن كثير: تفسيره ما بعده {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا} [النازعات: 31-32] وهذا قول ابن جرير عن ابن عباس. وقال القرطبي: دحاها أي بسطها. والعرب تقول: دحا الشيء إذا بسطه. وقال أبو حيان: دحاها بسطها ومهدها للسكنى والاستقرار عليها: ثمَّ فسر ذلك التمهيد بما لا بد منه من إخراج الماء والمرعى، وإرسائها بالجبال. ومما ذكر يتأتَّى السكنى والمعيشة حتى الملح والمأكل والمشرب، وهذا هو كلام الزمخشري بعينه. وقال الفخر الرازي: دحاها بسطها، فترى أن جميع المفسرين تقريباً متفقون على أن دحاها بمعنى بسطها. وقول ابن جرير وابن كثير: إن دحاها فسر بما بعده لا يتعارض مع البسط والتمهيد، كما قال ابو حيان: إنه ذكر لوازم التسكن إلى المعيشة عليها من إخراج مائها ومرعاها لان بهما قوام الحياة. ومما يستأنس به أن الدحو معروف بمعنى البسط، قول ابن الرومي: شعر : ما أنس لا أنس خبازاً مررت به يدحو الرقَاقة وشك اللمح بالبصر ما بين رُؤيتها في كفه كرة وبين رؤيتها قوراء كالقمر إلا بمقدار ما تنداح دَائرة في صفحة المَاء ترمي فيه بالحجر تفسير : وقد أثير حول هذه الآية مبحث شكل الأرض أمبسوطة هي أم كروية مستديرة؟ وإذا رجعنا إلى أمهات كتب اللغة نجد الآتي: أولاً: في مفردات الراغب: قال دحاها، أزالها من موضعها ومقرها. ومنه قولهم: دحا المطر الحصى من وجه الأرض أي جرفها، ومر الفرس يدحو دحواً: إذا جر يده على وجه الأرض فيدحوا ترابها. ومنه أدحى النعام، وقال: الطحو كالدحو، وهو بسط الشيء والذهاب به والأرض وما طحاها، وأنشد قول الشاعر: شعر : طحا بك قلب في الحسان طروب تفسير : أي ذهب بك. وفي معجم مقاييس اللغة، مادة دحو: الدال والحاء والواو أصل واحد يدل على بسط وتمهيد. يقال: دحى الله الأرض يدحوها دحواً إذا بسطها. ويقال: دحا المطر: الحصا عن وجه الأرض، وهذا لأنه إذا كان كذلك فقد مهد الأرض. ويقال للفرس، إذا رمى بيده رمياً لا يرفع سنبكه عن الأرض كثيراً: مر يدحو دحواً، ومن الباب أدحى النعام الموضع الذي يفرخ فيه أفعول من دحوت، لأنه يدحوه برجله ثم يبيض فيه، وليس للنعامة عش. وفي لسان العرب مادة دحا، والدحو: البسط، دحى الارض يدحوها دحواً: بسطها. وقال الفراء في قوله عز وجل: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [30]، قال بسطها، وذكر الأدحى مبيض النعام في الرمل، لأنَّ النعامة تدحوه برجلها، ثم تبيض فيه. وذكر حديث ابن عمر: "فدحا السيل فيه بالبطحاء"، أي رمى وألقى. قال: وسئل ابن المسيب عن الدحو بالحجارة، فقال: لا بأس به، أي المراماة بها والمسابقة. وعن ابن الأعرابي: هو يدحو بالحجر، أي يرمي به ويدفعه، والداحي: الذي يدحو الحجر بيده، وأنشد لأوس بن حجر بمعنى ينزع قوله: شعر : ينْزع جلد الحصا أحسين مبترك كأنه فاحص أو لاعب دَاح؟ تفسير : وفي حديث أبي رافع: "كنت ألاعب الحسن والحسين رضوان الله عليهما بالمداحي"،هي أحجار أمثال القرصة، كانوا يحفرون حفرة يدحون فيها بتلك الحجارة، فإذا وقع الحجر فيها غلب صاحبها، وإن لم يقع غلب. والدحو: هو رمي اللاعب بالحجر والجوز وغيره اهـ. وما ذكره صاحب اللسان عن أبي رافع لا زال موجوداً حتى الآن بالمدينة، ويسمى الدحل باللام، كما وصف تماماً. وبعد إيراد أقوال أصول مراجع اللغة، وما قدم من أقوال المفسرين. فإنَّنا نواجه الجدل القائم بين بعض علماء الهيئة، وبعض العلماء الآخرين، في موضوع شكل الأرض، ولعلّنا نوفق بفضل من الله إلى بيان الحقيقة في ذلك، حتى لا يظن ظانّ تعارض القرآن، وما يثبت من علوم الهيئة أو يغتر جاهل بما يقال في الإسلام. وبتأمل قول المفسرين نجدها متفقة في مجموعها: بأن دحاها مهدها وسهل الحياة عليها، وذكر لوازم التمكين من الحياة عليها من إخراج الماء، والمرعى، ووضع الجبال، وهو المتفق مع نصوص القرآن في قوله: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً}تفسير : [النبأ: 6-7]. وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ}تفسير : [الملك: 15]. وكل ذلك من باب واحد، وهو تمهيدها والتَّمكين للعيش عليها، وليس فيه معنى التَّكوير والاستدارة. وإذا جئنا إلى كتب اللغة نجدها كلها، تنص على أن الدحو: البسط، والرمي، والإزالة، والتمهيد، فالبسط والتمهيد والرمي بالحجر المستدير في الحفرة الصغيرة معانٍ مشتركة؟ وكلَّها تفسر دحاها، بمعنى بسطها ومهدها. وأن الأدحية مبيض النعام لا بيضه، كما يقولون وسمي بذلك لأنها تدحوه بيدها لتبيض فيه، إذ لا عش لها. وعليه، فلا دليل من كتب اللغة على ان الدحو هو التكوير، ولكن ما قول العلماء في شكل الأرض، بصرف النظر عن كون القرآن تعرض له أو لم يتعرض؟ إذا رجعنا إلى كلام من نظر في علم الهيئة من المسلمين، فإنا نجدهم متفقين على أن شكل الأرض مستدير. وقبل إيراد شيء من أقوالهم ننبه على أنه لا علاقة لهذا البحث بموضوع الحركة، سواء للأرض أو غيرها، فذاك بحث مستقل، ليس هذا محله، وإنما البحث في الشكل. أما أقوال العلماء في شكل الأرض، فإن أجمع ما وقفت عليه، وأصرح وأبين، هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة الهلال، جاء فيها: قال في موضع منها قوله، وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من علماء الأمة، أن الأفلاك مستديرة، قال تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ}تفسير : [فصلت: 37] وقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [الأنبياء: 33] وقال تعالى: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [يسۤ: 40]. قال ابن عباس: في فلكة مثل فلكة المغزل. وهكذا هو في لسان العرب: الفلك الشيء المستدير. ومنه يقال: تفلك ثدي الجارية إذا استدار. قال تعالى: {أية : يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ}تفسير : [الزمر: 5]، والتَّكوير هو التدوير. ومنه قيل: كار العمامة وكورها، ولهذا يقال للأفلاك: كروية الشكل. لأن أصل الكرة كورة تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً. وقال: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}تفسير : [الرحمن: 5] مثل حسبان الرحى، وقال: {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ}تفسير : [الملك: 3] وهذا إنما يكون فيما يستدير من أشكال الأجسام دون المضلعات من المثلث أو المربع أو غيرهما، فإنه يتفاوت لأن زواياه مخالفة لقوائمه. والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحي، ليس بعضه مخالفاً لبعض. وجاء فيه قوله أيضاً: وقال الإمام او بالحسين أحمد بن جعفر بن المنادي، من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار والتصانيف الكبار، في متون العلوم الدينية من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد: لا خلاف بين العلماء أن السماء على مثال الكرة، وأنها تدور بجميع ما فيها من الكواكب، كدورة الكرة على قطبين ثابتين غير متحركين، أحدهما في الشمال، والآخر في ناحية الجنوب. قال: ويدل على ذلك أن الكواكب جميعها تدور من المشرق تقع قليلاً على ترتيب واحد في حركتها ومقادير أجزائها، إلى أن تتوسط السماء، ثم تنحدر على ذلك الترتيب، فكأنها ثابتة في كرة تديرها جميعها دوراً واحداً. هذه نبذة من أقوال علماء المسلمين في شكل الأفلاك، ثم قال: وهذا محل القصد بالذات، وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة. قال: ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب، لا يوجد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد، بل على المشرق قبل المغرب. قال: فكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء، كالنقطة في الدائرة، يدل على ذلك أن جرم كل كوكب يرى في جميع نواحي السماء، على قدر واحد، فيدل ذلك على بعد ما بين السماء والأرض من جميع الجهات بقدر واحد، فاضطرار أن تكون الأرض وسط السماء اهـ. بلفظه. فهذا نقل لإجماع الأمة، من إمام جليل في علمي المعقول والمنقول، على أن الأرض على شكل الكرة، وقد ساق الأدلة الاضطرارية من حركة الأفلاك على ذلك. ومن جهة العقل أيضاً يقال: إن أكمل الأجرام هو المستدير كما قال في قوله: {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ}تفسير : [الملك: 3]. وعليه، فلو قدر لسائر على وجه الأرض، وافترضنا الأرض مسطحة كسطح البيت أو القرطاس مثلاً، لكان لهذا السائر من نهاية ينتهي إليها، وهي منتهى التسطيح أو يسقط في هاوية، وباعتبارها كرة، فإنه يكمل دورته، ويكررها ولو سار طيلة عمره لما كان لمسيره منتهى، لأنه يدور على سطحها من جميع جهاتها. والعلم عند الله تعالى. تنبيه كان من الممكن أن نقدم هذه النتيجة من أول الأمر ما دامت متفقة في النهاية مع قول علماء الهيئة. ولا نطيل النقول من هنا وهناك، ولكن قد سقنا ذلك كله لغرض أعم من هذا كله، وقضية أشمل وهي من جهتين: أولاهما: أن علماء المسلمين مدركون ما قال به علماء الهيئة، ولكن لا من طريق النقل أو دلالة خاصة على هذه الجزئية من القرآن، ولكن عن طريق النظر، والاستدلال، إذ علماء المسلمين لم يجهلوا هذه النظرية، ولم تخف عليهم هذه الحقيقة. ثانيتهما: مع علمهم بهذه الحقيقة وإدراكهم لهذه النظرية، لم يعز واحد منهم دلالتها لنصوص الكتاب أو السنة. وبناء عليه نقول: إذا لم تكن النصوص صريحة في نظرية من النظريات الحديثة، لا ينبغي أن نقحمها في مباحثها نفياً أو إثباتاً، وإنما نتطلب العلم من طريقه، فعلوم الهيئة من النظر الاستدلال، وعلوم الطب من التجارب والاستقراء، وهكذا يبقى القرآن مصاناً عن مجال الجدل في نظرية قابلة للثبوت والنفي، أو التغيير والتبديل، كما لا ينبغي لمن لم يعلم حقيقة أمر في فنه أن يبادر بإنكارها ما لم تكن مصادمة لنص صريح. وعليه أن يتثبت أولاً وقد نبهنا سابقاً على ذلك في مثل ذلك في قصة نبي الله سليمان مع بلقيس والهدهد حينما جاءه، فقال: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}تفسير : [النمل: 22] وقصَّ عليه خبرها مع قومها، فلم يبادر عليه السلام بالإنكار. لكون الآتي بالخبر هدهداً، ولم يكن عنده علم به ولم يسارع أيضاً بتصديقه، لأنه ليس لديه مستند عليه، بل أخذ في طريق التثبت بواسطة الطريق الذي جاءه الخبر به قال: {أية : سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ}تفسير : [النمل: 27]، وأرسله بالكتاب إليهم، فإذا كان هذا من نبي الله سليمان ولديه وسائل وإمكانيات كما تعلم. فغيره من باب أولى. تنبيه آخر إذا كان علماء الإسلام يثبتون كروية الأرض، فماذا يقولون في قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}تفسير : [الغاشية: 17] - إلى قوله - {أية : وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}تفسير : [الغاشية: 20]. وجوابهم كجوابهم على قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}تفسير : [الكهف: 86]، أي في نظر العين، لأن الشمس تغرب عن أمة، وتستمر في الأفق على أمة أخرى، حتى تأتي مطعلها من الشرق في صبيحة اليوم الثاني، ويكون بسط الأرض وتمهيدها، نظراً لكل إقليم وجزء منها لسعتها وعظيم جرمها. وهذا لا يتنافى مع حقيقة شكلها، فقد نرى الجبل الشاهق، وإذا تسلقناه ووصلنا قمته وجدنا سطحاً مستوياً، ووجدنا أمة بكامل لوازمها، وقد لا يعلم بعض من فيه عن بقية العالم، وهكذا، والله تعالى أعلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {دَحَاهَا} (30) - وَمَهَّدَ بَعْدَ ذَلِكَ الأَرْضَ، وَبَسَطَهَا لسُكْنَى المَخْلُوقَاتِ. دَحَاهَا - بَسَطَهَا وَمَدَّهَا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} معناه بَسطَها. وبعدَ: بمعنى معَ ذَلكَ دَحَاها. وبعدَ ومعَ سَواءٌ في كَلامِ العَربِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):