٧٩ - ٱلنَّازِعَات
79 - An-Nazi'at (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في جواب قوله: {أية : فَإِذَا جَاءتِ ٱلطَّامَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ } تفسير : [النازعات: 34] وجهان الأول: قال الواحدي: إنه محذوف على تقدير إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة، ودل على هذا المحذوف، ما ذكر في بيان مأوى الفريقين، ولهذا كان يقول مالك بن معول في تفسير الطامة الكبرى، قال: إنها إذا سبق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار والثاني: أن جوابه قوله: {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ } وكأنه جزاء مركب على شرطين نظيره إذا جاء الغد، فمن جاءني سائلاً أعطيته، كذا ههنا أي إذا جاءت الطامة الكبرى فمن جاء طاغياً فإن الجحيم مأواه. المسألة الثانية: منهم من قال: المراد بقوله: {طَغَىٰ * وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } النضر وأبوه الحارث فإن كان المراد أن هذه الآية نزلت عند صدور بعض المنكرات منه فجيد وإن كان المراد تخصيصها به، فبعيد لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لا سيما إذا عرف بضرورة العقل أن الموجب لذلك الحكم هو الوصف المذكور. المسألة الثالثة: قوله صغى، إشارة إلى فساد حال القوة النظرية، لأن كل من عرف الله عرف حقارة نفسه، وعرف استيلاء قدرة الله عليه، فلا يكون له طغيان وتكبر، وقوله: {وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } إشارة إلى فساد حال القوة العملية، وإنما ذكر ذلك لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة» تفسير : ومتى كان الإنسان والعياذ بالله موصوفاً بهذين الأمرين، كان بالغاً في الفساد إلى أقصى الغايات، وهو الكافر الذي يكون عقابه مخلداً، وتخصيصه بهذه الحالة يدل على أن الفاسق الذي لا يكون كذلك، لا تكون الجحيم مأوى له. المسألة الرابعة: تقدير الآية: فإن الجحيم هي المأوى له، ثم حذفت الصلة لوضوح المعنى كقولك للرجل غض الطرف أي غض طرفك، وعندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون التقدير: فأن الجحيم هي المأوى، اللائق بمن كان موصوفاً بهذه الصفات والأخلاق. ثم ذكر تعالى حال السعداء فقال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أي تجاوز الحد في العِصيان. قيل: نزلت في النضْر وٱبنه الحارث، وهي عامة في كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة. وروي عن يحيى بن أبي كثير قال: من ٱتخذ من طعام واحد ثلاثة ألوان فقد طَغى. وروى جُوَيبر عن الضحّاك قال حذيفة: أخوف ما أخاف على هذه الأمة أن يؤثروا ما يَرَوْن على ما يَعلَمون. ويروي أنه وجد في الكتب: إن الله جل ثناؤه قال «لا يؤثِرُ عبدٌ لي دنياه على آخرته، إلا بثثت عليه همومه وضيعته، ثم لا أبالي في أيِّها هلك». {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} أي مأواه. والألف واللام بدل من الهاء. {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي حَذِر مقامه بين يدي ربه. وقال الربيع: مقامه يوم الحساب. وكان قتادة يقول: إن للَّهِ عز وجل مَقاماً قد خافه المؤمنون. وقال مجاهد: هو خوفه في الدنيا من الله عز وجل عند مواقعة الذنب فيقلع. نظيره: «ولمِن خاف مَقامَ ربهِ جنتانِ». {وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أي زجرها عن المعاصي والمحارم. وقال سهل: ترك الهوى مِفتاح الجنة؛ لقوله عز وجل: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} قال عبد الله بن مسعود: أنتم في زمان يقود الحقُّ الهوى، وسيأتي زمان يقود الهَوَى الحقَّ، فنعوذ بالله من ذلك الزمان. {فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} أي المنزل. والآيتان نزلتا في مصْعَب بن عُمير وأخيه عامر بن عمير؛ فروَى الضحاك عن ٱبن عباس قال: أما من طغى فهو أخ لمصعب بن عمير أُسِر يوم بدر، فأخذته الأنصار فقالوا: من أنت؟ قال: أنا أخو مُصْعَب بن عُمير، فلم يشدُّوه في الوَثاق، وأكرموه، وبيتوه عندهم، فلما أصبحوا حدّثوا مصعَب بن عُمَير حديثه؛ فقال: ما هو لي بأخٍ، شدّوا أسيركم، فإن أمه أكثر أهل البطحاء حلياً ومالاً. فأوثقوه حتى بعثت أمّه في فِدائه. «وأما من خاف مقام ربه» فمصْعَب بن عمير، وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أُحد حين تفرّق الناس عنه، حتى نفذت المشاقص في جوفه. وهي السهام، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم متشحِّطاً في دمه قال: « حديث : عندَ الله أحتسبك» وقال لأصحابه: «لقد رأيته وعليه بُردان ما تعرف قيمتهما وإن شراك نعليه من ذَهب » تفسير : . وقيل: إن مصعب بن عمير قتل أخاه عامِراً يوم بدر. وعن ٱبن عباس أيضاً قال: نزلت هذه الآية في رجلين: أبي جهل بن هشام المخزوميّ ومصعب بن عمير العبدريّ. وقال السُّدِّي: نزلت هذه الآية «وأما من خاف مقام ربهِ» في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وذلك أن أبا بكر كان له غلام يأتيه بطعام، وكان يسأله من أين أتيت بهذا، فأتاه يوماً بطعام فلم يسأله وأكله؛ فقال له غلامه: لمِ لا تسألني اليوم؟ فقال: نسيت، فمن أين لك هذا الطعام. فقال: تكهنت لقوم في الجاهلية فأعطَوْنيه. فتقايأه من ساعته وقال: يا رب ما بقي في العروق فأنت حبَسته فنزلت: «وأما من خاف مقام ربهِ». وقال الكلبيّ: نزلت في من هَمّ بمعصية وقدر عليها في خَلْوة ثم تركها من خوف الله. ونحوه عن ٱبن عباس. يعني من خاف عند المعصية مَقامه بين يدَي الله، فانتهى عنها. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ } كفر.
ابن عطية
تفسير : {طغى} معناه: تجاوز الحدود التي ينبغي للإنسان أن يقف عندها بأن كفر وآثر الحياة الدنيا على الآخرة لتكذيبه بالآخرة و {المأوى} والمسكن حيث يأوي المرء ويلازم، و {مقام ربه} هو القيامة، وإنما المراد مقامه بين يدي ربه، فأضاف المقام إلى الله عز وجل من حيث بين يديه وفي ذلك تفخيم للمقام وتعظيم لهوله وموقعه من النفوس، قال ابن عباس: المعنى خافه عند المعصية فانتهى عنها، و {الهوى} هو شهوات النفس وما جرى مجراها، وأكثر استعماله إنما هو في غير المحمود، قال سهل التستري: لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين، وقال بعض الحكماء: إذا أردت الصواب فانظر هواك فخالفه، وقال الفضيل: أفضل الأعمال خلاف الهوى، وقوله تعالى: {يسألونك عن الساعة} الآية نزلت بسبب أن قريشاً كانت تلح في البعث عن وقت الساعة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم بها ويتوعدهم بها ويكثر من ذلك، و: {أيان مرساها} معناه: متى ثبوتها ووقت رسوها أي ثبوتها كأنه يسر إلى غاية ما ثم يقف كما تفعل السفينة التي ترسو، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: " إيان " بكسر الألف، ثم قال لنبيه عليه السلام على جهة التوقيف {فيم أنت من ذكراها} أي من ذكر تحديدها ووقتها أي لست من ذلك في شيء {إنما أنت منذر}، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة كثيراُ، فلما نزلت هذه الآية انتهى. وقرأ أبو جعفر وعمر بن عبد العزيز وأبو عمرو بخلاف، وابن محيصن والأعرج وطلحة وعيسى: " منذرٌ " بتنوين الراء، وقرأ جمهور القراء: " منذرُ " بإضافة " منذر" إلى {من} ، ثم قرب تعالى أمر الساعة بإخباره أن الانسان عن رؤيته إياها لم يلبث إلا عشية يوم أو بكرته، فأضاف الضحى إلى العشية من حيث هما طرفان للنهار، وقد بدأ بذكر أحدهما فأضاف الآخر إليه تجوزاً وإيجازاً. نجز تفسير سورة {النازعات} والحمد لله كثيراً.
الثعالبي
تفسير : {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ} أي تجاوزَ الحَدَّ، {وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} على الآخرةِ لتكذيبه [بالآخرةِ]، و{مَقَامَ رَبِّهِ} هو يومُ القِيَامَةِ، وإنما المرادُ مَقَامُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، و{ٱلْهَوَىٰ} هو شَهَواتُ النفسِ؛ وما جرى مَجْرَاها المذمومة.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}[37-38] أي قال: جحد حقوق الله وكفر نعمته، وآثر الحياة الدنيا اتباعاً في طلب الشهوات ومتابعة المراد، ثم قال: ما طلعت شمس ولا غربت على أحد إلا وهو جاهل، إلا من يؤثر الله تعالى على نفسه وروحه ودنياه وآخرته. قيل: ما علامة بغض الدنيا؟ قال: أن تهون عليه المصائب، حتى نفسه وولده، كما قال مسلم بن يسار حين مات ولده: يا بني، شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، اللهم إني قد جعلت ثوابك لي عليه له، والثاني يهون عليه نعيم الدنيا ولو روحه، والثالث لا يكون شيء أقرب إليه من الله عزَّ وجلَّ، كقول عامر بن عبد القيس: ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله أقرب إليه مني.
السلمي
تفسير : قال سهل: جحد حقوق الله وكفر نعمه وآثر الحياة الدنيا اتباعاً فى طلب الشهوات ومتابعة المراد. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: الطغيان تعدى الحقوق. وقال أبو عثمان: الطغيان الإعراض عن الآخرة والإقبال على الدنيا قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاما من طغى} الخ جواب فاذا جاءت على طريقة قوله فاما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى الخ يقال ان جئتنى فان قدرت احسنت اليك ويقال اذا كانت الدعوة فاما من كان جاهلا فهناك مقامه واما من كان عالما فههنا مقامه اى فاما من عتا وتمرد عن الطاعة وجاوز الحد فى العصيان كالنضر وأبيه الحارث المشهورين باللغو فى الكفر والطغيان.
الجنابذي
تفسير : {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ} طغى يطغو من باب نصر وطغى يطغى من باب منع خرج من الطّاعة.
اطفيش
تفسير : {فَأَمَّا} الخ أو محذوف دل عليه يوم يتذكر *{مَنْ طَغَى} كفر وجاوز الحد.
اطفيش
تفسير : الخ جواب إِذا كقولك إِذا جاء القوم فمن أحسن منهم فأكرمه ومن أساء فعاقبه وإِذا جاء زيد فإِن أذعن فأَكرمه وإِلا فأَهنه وغير ذلك مما فيه جواب للشرط شرط آخر وجوابه ولا إِشكال فى ذلك وقيل جواب إِذا محذوف أى وقع مالا يضبطه كلام بتفصيل وأشار إِليه بإِجماله بقوله فأَما من طغى وقيل تقديره ظهرت الأَعمال بالصحف ولا حاجة إِلى تقديره انقسموا قسمين فأَما من طغى لأَن قوله فأَما من طغى إِلخ. يغنى عنه ومعنى طغى تمرد وجاوز الحد.
الالوسي
تفسير : الخ جواب {أية : إِذَا}تفسير : [النازعات: 34] على أنها شرطية لا ظرفية كما جوز على طريقة قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدىً }تفسير : [البقرة: 38] الآية وقولك إذا جاءك بنو تميم فأما العاصي فأهنه وأما الطائع فأكرمه واختاره أبو حيان. وقيل جوابها محذوف كأنه قيل فإذا جاءت وقع ما لا يدخل تحت الوصف وقوله سبحانه: {فَأَمَّا } الخ تفصيل لذلك المحذوف وفي جعله جواباً غموض وهو وجه وجيه بيد أنه لا غموض في ذاك بعد تحقق استقامة أن يقال فإذا جاءت فإن الطاغي الجحيم مأواه وغيره في الجنة مثواه وزيادة (أما) لم تفد إلا زيادة المبالغة وتحقيق الترتب والثبوت على كل تقدير وقيل هو محذوف لدلالة ما قبل والتقدير ظهرت الأعمال ونشرت الصحف أو يتذكر الإنسان ما سعى أو لدلالة ما بعد والتقدير انقسم الراؤن قسمين وليس بذاك أي فأما من عتا وتمرد عن الطاعة وجاوز الحد في العصيان حتى كفر.
د. أسعد حومد
تفسير : (37) - فَأَمَّا مَنْ تَكَبَّرَ وَتَجَاوَزَ الحَدَّ بِكُفْرِهِ وَعِصْيَانِهِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ} معناه من عَصى
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قسم الناس حينئذٍ قسمين: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ} [النازعات: 37] في النشأة الأولى. {وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} [النازعات: 38] أي: اختار الحياة المستعارة، الدنيَّة الدنيوية ولوازمها من اللذات والشهوات الفانية على الحياة الأخروية، وما يترتب عليها من اللذات اللدنيَّة الباقية. {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ} المسعرة بنيران غضبهم وشهواتهم {هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} [النازعات: 39] لهم، مقصورة عليهم، لا مأوى لهم سواها. {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي: خاف عن قيامه بين يدي الله، ووقوعه في المحشر؛ للحساب، وعرض الأعمال عليه سبحانه والجزاء عليها {وَ} مع خوفه وخشيته {نَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} [النازعات: 40] أي: كف نفسه عن مقتضياتها التي هي ترديها وتغويها. {فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} [النازعات: 41] أي: مأواهم مقصورة على الجنة، وهم فيها أبداً خالدون لا يتحولون إلاَّ إلى ما هو أولى منها، وأعلى درجة ومقاماً. ثمَّ قال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ} يا أكمل الرسل {عَنِ ٱلسَّاعَةِ} وقيامها التي هي من جملة الغيوب التي لا نطلع عن درجاتها ومقاماتها أحداً عليها: {أَيَّانَ مُرْسَٰهَا} [النازعات: 42] أي: متى إرساؤها وإقامتها، وفي أيّ آن إتيانها وقيامها، عيِّن لناوقتها؟. {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا} [النازعات: 43] أي: أنت في أيّ شيء وشأن منها أن تذكر لهم وقتها، أو تعينها، مع أنَّا لا نطلعك على وقتها، سوى أنَّا أوحينا لك آنيتها وثبوتها، وتحقق قيامها، فما لك إلاَّ تبليغ ما يُوحى إليك؟! بل {إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَٰهَآ} [النازعات: 44] أي: منتهى علمها، وتعيين وقتها إنما هو مفوّض إلى حضرة علم الله، موكول إلى لوح قضائه. {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا} [النازعات: 45] أي: أنت ما تُبعث إلاَّ؛ لإنذار الخائفين الموفقين على الخوف من أهوالها وأفزاعها، لا من المقدِّرين المعيِّنين لوقتها، كيف يسع لك هذا التعيين التقدير؛ إذ هي من جملة الغيوب التي استأثر الله بها، ولم يطلع أحداً عليها؟! ثمَّ قال سبحانه تهويلاً على المنكرين: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا} ويعاينون قيامها تيقنوا حينئذٍ على سبيل الجزم أنهم {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ} ولم يمكثوا في دار الدنيا {إِلاَّ عَشِيَّةً} أي: يوم {أَوْ ضُحَٰهَا} [النازعات: 46] أي: ضحى تلك المعيشة؛ يعني: يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا بالنسبة إلى هو يوم القيامة وطولها. نعوذ بك من النار وما قرب إليها يا غفَّار. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المحقق، الموقِن بقيام الساعة وما فيها من الثواب والعقاب والجنة والنار أن تزرع في محرثك هذا ما ستحصده هناك من بذور الأعمال الصالحة، والأخلاق المرضية، والأطوار المحمودة، وسائر السنن والآداب المقبولة المأثورة من النبي المختار، وعترته الأخيار الأطهار، لا بدَّ لك أن تكون على ذكر من قيامها وأهوالها في عموم أحوالك. وإياك إياك الاغترار بالحياة المستعارة، والالتفات إلى مزخرفات الدنيا الغدارة المكارة، فإنها تمكر بك وتغويك، وتضلك عن طريق الحق وترديك. فعليك ألاَّ تتبع بغوائلها، ولا تنخدع بمخائلها؛ حتى لا تكون من زمرة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة {أية : أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}تفسير : [الزمر: 15]. جعلنا الله من زمة الآمنين الفائزين، المستبشرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ} [النازعات: 37] بآيات أمر اللطيفة {وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} [النازعات: 38]؛ أي: اختار اللذة العاجلة على اللذة الآجلة {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} [النازعات: 39]؛ لأنه آوى في الدنيا وسط جحيم الهوى، فاليوم أيضاً إذا برزت الجحيم وكشف أستارها شاهد نفسه في وسطها، وطالع جزاء الأعمال الفاسدة فيها المدخرة فيها، {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} [النازعات: 40] في الدنيا {وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} [النازعات: 40] ومنع نفسه عن التورط في جحيم الهوى، {فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} [النازعات: 41]؛ لأنه كان في الدنيا آوى نفسه في جنة القلب بتركه ما اشتهت على وفق الهوى. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} [النازعات: 42] وهي قيامة القلب {أَيَّانَ مُرْسَٰهَا} [النازعات: 42]؛ يعني: متى ظهورها؟ {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَٰهَآ} [النازعات: 43-44]؛ أي: منتهى الساعة إلى الرب؛ يعني: منتهي إلى الرب تلك الساعة الممدود سويعاتها من أسرار مطلع القرآن؛ يعني: انتهاؤها إلى ربها؛ أي: لا تعلمها والله أخفاها لحكمة إظهارها لا يجوز قبل أوانها، وهي أيضاً تتعلق بحد القرآن، {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا} [النازعات: 45]؛ يعني: لست أنت مطلعاً على علم الساعة بل أنت منذر من يخشى الساعة {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا} [النازعات: 46]؛ أي: كأن السائلين {يَوْمَ يَرَوْنَهَا} [النازعات: 46] يوم يشاهدون تلك الساعة {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ} [النازعات: 46] في الدنيا {إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا} [النازعات: 46]؛ يعني: عشية استراحة القوى أو ضحى الكسب بها. فيا أيها المنتظر للساعة لو تشاهدها لم تلبث ساعة في قالبك للاستراحة أو الكسب، وتسارع إلى حضرة الرب فلا ينفع للسالك في هذا المقام إلا التوجه الكلي، ولو لم يكن توجهه إلى الحق في الأعمال بل كان توجهه إلى جنة مشتهيات النفس في دار البقاء لا ينخرط في تلك الساعة في سلك إلا بالهمة. اللهم ارفع همتنا واصرف توجهنا من أعمالنا إليك بمحمد صلى الله عليه وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):