Verse. 5815 (AR)

٨١ - ٱلتَّكْوِير

81 - At-Takweer (AR)

فَلَاۗ اُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ۝۱۵ۙ
Fala oqsimu bialkhunnasi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلا أقسم» لا زائدة «بالخُنَّس».

15

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} أي أقسم، و «لا» زائدة، كما تقدّم. {بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} هي الكواكب الخمسة الدَّراريّ: زُحَل والمُشترِي وعُطارِد والمِرّيخُ والزُّهَرة، فيما ذكر أهل التفسير. والله أعلم. وهو مَرويّ عن عليّ كرم الله وجهه. وفي تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم وجهان: أحدهما ـ لأنها تَستقبل الشمس؛ قاله بكر بن عبد الله المُزَني. الثاني ـ لأنها تقطع المجرّة؛ قاله ٱبن عباس. وقال الحسن وقتادة: هي النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت، وقاله عليّ رضي الله عنه، قال: هي النجوم تخنِس بالنهار، وتظهر بالليل؛ وتكنِس في وقت غروبها؛ أي تتأخر عن البَصر لخفائها، فلا تُرَى. وفي الصحاح: و «الخُنَّس»: الكواكب كلها. لأنها تخنِس في المغيب، أو لأنها تخنِس نهاراً. ويقال: هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة. وقال الفراء في قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ}: إنها النجوم الخمسة؛ زُحل والمشترِي والمِرّيخ والزُّهَرة وعطارد؛ لأنها تَخنِس في مجراها، وتَكْنِس، أي تستتر كما تكنِس الظباء في المغار، وهو الكناس. ويقال: سميت خُنَّسا لتأخرها، لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم، يقال: خَنَس عنه يَخْنُس بالضم خنوساً: تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلَّفه ومضى عنه. والخَنَس تأخر الأنف عن الوجه مع ٱرتفاع قليل في الأرنبة، والرجل أخنس، والمرأة خنساء، والبقر كلها خُنْس. وقد روي عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ} هي بقر الوحش. روي هُشَيم عن زكريا عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شُرَحبيل قال قال لي عبد الله ابن مسعود: إنكم قوم عرب فما الخنس؟ قلت: هي بقر الوحش؛ قال: وأنا أرى ذلك. وقاله إبراهيم وجابر بن عبد الله. وروي عن ٱبن عباس: إنما أقسم الله ببقر الوحش. وروي عنه عِكرمة قال: «الخُنَّس»: البقر و «الكنَّس»: هي الظباء، فهي خُنَّس إذا رأين الإنسان خَنَسْنَ وٱنقبضن وتأخرن ودخلن كِناسهنّ. القشيريّ: وقيل على هذا «الخُنَّس» من الخَنَس في الأنف، وهو تأخُر الأرنبة وقصر القَصَبة، وأنوف البقر والظباء خنس. والأصح الحمل على النجوم، لذكر الليل والصبح بعد هذا، فذكر النجوم أليق بذلك. قلت: لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته من حيوان وجماد، وإن لم يعلم وجه الحكمة في ذلك. وقد جاء عن ٱبن مسعود وجابر بن عبد الله وهما صحابيان والنخعي أنها بقر الوحش. وعن ٱبن عباس وسعيد بن جُبير أنها الظباء. وعن الحجاج بن منذر قال: سألت جابر بن زيد عن الجواري الكُنَّس، فقال: الظباء والبقر، فلا يبعد أن يكون المراد النجوم. وقد قيل: إنها الملائكة؛ حكاه الماورديّ. والكُنَّس الغُيَّب؛ مأخوذة من الكِناس، وهو كِناس الوحش الذي يختفي فيه. قال أَوس بن حَجَر: شعر : ألم تر أنَّ اللَّهَ أنزلَ مُزْنَهُ وعُفْرُ الظباءِ في الكِناس تَقَمَّعُ تفسير : وقال طَرَفة: شعر : كأَنْ كِناسَيْ ضالةٍ يَكْنُفانِها وأَطْرَ قِسِيٍّ تحتَ صُلْبٍ مُؤَيَّدِ تفسير : وقيل: الكُنوس أن تأوي إلى مكانسها، وهي المواضع التي تأوي إليها الوحش والظباء. قال الأعشى: شعر : فلمَّا أتينا الحي أَتْلَعَ أنۤسٌ كما أَتلَعَتْ تحتَ المكانِس رَبْربُ تفسير : يقال: تَلَع. النهار ٱرتفع وأتلعتِ الظبية من كِناسها: أي سَمَت بجيدها. وقال ٱمرُؤ القيس: شعر : تَعَشَّى قليلاً ثم أَنحى ظُلُوفه يثِير التراب عن مَبِيتٍ ومَكْنِسِ تفسير : والكُنَّس: جمع كانِس وكانِسة، وكذا الخُنَّس جمع خانِس وخانِسة. والجواري: جمع جارية من جرى يجري. {وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} قال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعسَ أدبَر؛ حكاه الجوهريّ. وقال بعض أصحابنا: إنه دنا من أوله وأظلم وكذلك السحاب إذا دنا من الأرض. المهدويّ. {وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} أدبر بظلامه؛ عن ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما. وروي عنهما أيضاً وعن الحسن وغيره: أقبل بظلامه. زيد بن أسلم: «عسعسَ» ذهب. الفرّاء: العرب تقول عسعس وسَعْسَع إذا لم يبق منه إلا اليسير. الخليل وغيره: عسعس الليل إذا أقبل أو أدبر. المبرد: هو من الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ٱبتداء الظلام في أوّله، وإدباره في آخره؛ وقال علقمة بن قرط: شعر : حتى إذا الصبحُ لها تنفّسا وٱنجابَ عنها ليلُها وعَسْعَسَا تفسير : وقال رُؤْبة: شعر : يا هندُ ما أسرعَ ما تَسَعْسَعَا من بَعْدِ ما كان فَتًى سَرَعْرَعَا تفسير : وهذه حجة الفراء. وقال ٱمرؤ القيس: شعر : عَسْعَسَ حتّى لو يشاءُ ٱدَّنا كانَ لنا مِن نارِهِ مَقْبِسُ تفسير : فهذا يدل على الدنوّ. وقال الحسن ومجاهَد: عَسَعَسَ: أظلم؛ قال الشاعر: شعر : حتى إذا ما ليلُهن عسعسَا رِكبن مِن حد الظلامِ حِندِسَا تفسير : الماورديّ: وأصل العسّ الامتلاء؛ ومنه قيل للقدح الكبير عُسّ لامتلائه بما فيه، فأطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه؛ وأطلق على إدباره لانتهاء ٱمتلائه على ظلامه؛ لاستكمال ٱمتلائه به. وأما قول ٱمرىء القيس: شعر : أَلمَّـا على الربـعِ القديم بِعسْعَسَا تفسير : فموضع بالبادية. وعسعس أيضاً ٱسم رجل؛ قال الرجز: شعر : وعَسْعَسَ نِعْـمَ الفـتى تبيـاه تفسير : أي تعتمده. ويقال للذئب العَسْعَس والعَسْعاس والعَسَّاس؛ لأنه يَعُسُّ بالليل ويطلب. ويقال للقنافذ العَسَاعس لكثرة ترددها بالليل. قال أبو عمرو: والتعسعس الشم، وأنشد: شعر : كمنخـر الذِّئبِ إذا تَعَسْعَسَـا تفسير : والتعسعس أيضاً: طلب الصيد بالليل. قوله تعالى: {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي ٱمتدّ حتى يصير نهاراً واضحاً؛ يقال للنهار إذا زاد: تنفس. وكذلك الموج إذا نضح الماء. ومعنى التنفس: خروج النسيم من الجوف. وقيل: «إِذا تنفس» أي ٱنشق وٱنفلق؛ ومنه تنفست القوس أي تصدعت. {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هذا جواب القسم. والرسول الكريم جبريل؛ قاله الحسن وقتادة والضحاك. والمعنى «إِنه لقول رسولٍ» عن الله «كرِيم» على الله. وأضاف الكلام إلى جبريل عليه السلام، ثم عداه عنه بقوله «تنزيل مِن رب العالمِين» ليعلم أهل التحقيق في التصديق، أن الكلام لله عز وجل. وقيل: هو محمد عليه الصلاة والسلام {ذِي قُوَّةٍ}: من جعله جبريل فقوّته ظاهرة؛ فروى الضحاك عن ٱبن عباس قال: من قوّته قلعه مدائن قوم لُوط بقوادم جناحه. {عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ} أي عند الله جل ثناؤه {مَكِينٍ} أي ذي منزلة ومكانة؛ فُروي عن أبي صالح قال: يدخل سبعين سُرادِقاً بغير إذن. {مُّطَاعٍ ثَمَّ}: أي في السموات؛ قال ٱبن عباس: من طاعة الملائكة جبريل، أنه لما أَسْرِى برسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبريل عليه السلام لرضوان خازن الجنان: ٱفتح له، ففتح، فدخل ورأى ما فيها، وقال لمالك خازن النار: ٱفتح له جهنم حتى ينظر إليها، فأطاعه وفتح له. {أَمِينٍ} أي مؤتمن على الوحي الذي يجيء به. ومن قال: إن المراد محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى «ذِي قوةٍ» على تبليغ الرسالة «مُطاعٍ» أي يطيعه من أطاع الله جلّ وعزّ. {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون حتى يتهم في قوله. وهو جواب القسم. وقيل: أراد النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم أن يرى جبريل في الصورة التي يكون بها عند ربه جلّ وعز فقال: ما ذاك إليّ؛ فأذن له الرب جل ثناؤه، فأتاه وقد سدّ الأفق، فلما نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم خرّ مغشياً عليه، فقال المشركون: إنه مجنون، فنزلت: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} وإنما رأى جبريل على صورته فهابه، وورد عليه ما لم تحتمل بِنيته، فخرّ مغشياً عليه.

ابن كثير

تفسير : روى مسلم في صحيحه والنسائي في تفسيره عند هذه الآية من حديث مسعر بن كدام عن الوليد بن سريع عن عمرو بن حريث قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فسمعته يقرأ: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } ورواه النسائي عن بندار عن غندر عن شعبة عن الحجاج بن عاصم عن أبي الأسود عن عمرو بن حريث به نحوه، قال ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق الثوري: عن أبي إسحاق عن رجل من مراد عن علي: { فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } قال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت علياً، وسئل عن: (لا أقسم بالخنس الجوار الكنس)، فقال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتكنس بالليل. وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن خالد عن علي قال: هي النجوم، وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة، وهو السهمي الكوفي. قال أبو حاتم الرازي: روى عن علي، وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فالله أعلم، وروى يونس عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: أنها النجوم، رواه ابن أبي حاتم. وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم: أنها النجوم. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن بكر بن عبد الله في قوله تعالى: { فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } قال: هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق، وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم: الخنس، أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: كنس، من قول العرب: أوى الظبي إلى كناسه، إذا تغيب فيه. وقال الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله: فلا أقسم بالخنس، قال: بقر الوحش، وكذا قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن عبد الله: فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس، ما هي يا عمرو؟ قلت: البقر، قال: وأنا أرى ذلك، وكذا روى يونس عن أبي إسحاق عن أبيه. وقال أبو داود الطيالسي عن عمرو عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الجوار الكنس، قال: البقر، تكنس إلى الظل، وكذا قال سعيد بن جبير، وقال العوفي عن ابن عباس: هي الظباء، وكذا قال سعيد أيضاً، ومجاهد والضحاك، وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: هي الظباء والبقر، وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة عن إبراهيم ومجاهد: أنهما تذاكرا هذه الآية: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت، قال: فقال مجاهد: كنا نسمع فيها شيئاً، وناس يقولون: إنها النجوم، قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت، قال: فقال مجاهد: كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها، فقال إبراهيم: إنهم يكذبون على عليّ، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى، والأعلى الأسفل، وتوقف ابن جرير في المراد بقوله: { بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } هل هو النجوم، أو الظباء وبقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مراداً. وقوله تعالى: { وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} فيه قولان: أحدهما إقباله بظلامه. وقال مجاهد: أظلم، وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وقال الحسن البصري: إذا غشي الناس، وكذا قال عطية العوفي. وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: {إِذَا عَسْعَسَ}: إذا أدبر، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك، وكذا قال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: {إِذَا عَسْعَسَ} أي: إذا ذهب فتولى. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري سمع أبا عبد الرحمن السلمي قال: خرج علينا علي رضي الله عنه حين ثوب المثوب بصلاة الصبح، فقال: أين السائلون عن الوتر { وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } هذا حين أدبر حسن. وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {إِذَا عَسْعَسَ}: إذا أدبر، قال: لقوله: {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضاً:شعر : حتى إذا الصُّبْحُ لهُ تَنَفَّسا وانجابَ عنها ليلُها وعَسْعَسا تفسير : أي: أدبر، وعندي أن المراد بقوله: {إِذَا عَسْعَسَ} إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضاً، لكن الإقبال ههنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } تفسير : [الليل: 1 ــــ 2] وقال تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } تفسير : [الضحى: 1 ــــ 2] وقال تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً} تفسير : [الأنعام: 96] وغير ذلك من الآيات، وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة عسعس تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم. وقال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن عسعس دنا من أوله وأظلم، وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتاً:شعر : عَسْعَسَ حَتّى لَوْ يَشا إِدَّنا كانَ لهُ من ضَوْئِه مَقْبسُ تفسير : يريد: لو يشاء إذ دنا، أدغم الذال في الدال، قال الفراء: وكانوا يزعمون أن هذا البيت مصنوع. وقوله تعالى: { وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} قال الضحاك: إذا طلع، وقال قتادة، إذا أضاء وأقبل، وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وهو المروي عن علي رضي الله عنه. وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبين. وقوله تعالى: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} يعني: إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم، أي: ملك شريف، حسن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل عليه الصلاة والسلام، قاله ابن عباس والشعبي وميمون بن مهران والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك وغيرهم {ذِى قُوَّةٍ} كقوله تعالى: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ} تفسير : [النجم: 5 ــــ 6] أي: شديد الخلق، شديد البطش والفعل {عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} أي: له مكانة عند الله عز وجل، ومنزلة رفيعة، قال أبو صالح في قوله تعالى: {عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} قال: جبريل، يدخل في سبعين حجاباً من نور بغير إذن {مُّطَـٰعٍ ثَمَّ} أي: له وجاهة، وهو مسموع القول، مطاع في الملأ الأعلى. قال قتادة: {مُّطَـٰعٍ ثَمَّ} أي: في السموات، يعني: ليس هو من أفناد الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، معتنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة. وقوله تعالى: {أَمِينٍ} صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جداً أن الرب عز وجل يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل، كما زكى عبده ورسوله البشري محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: { وَمَا صَـٰحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} قال الشعبي وميمون بن مهران وأبو صالح ومن تقدم ذكرهم: المراد بقوله: { وَمَا صَـٰحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: { وَلَقَدْ رَءَاهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} يعني: ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله عز وجل على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمئة جناح {بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 5 ــــ 10] كما تقدم تفسير ذلك وتقريره، والدليل عليه أن المراد بذلك جبريل عليه السلام، والظاهر والله أعلم أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية، وهي الأولى، وأما الثانية، وهي المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ } تفسير : [النجم: 13 ــــ 16] فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد سورة الإسراء. وقوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ} أي: وما محمد على ما أنزله الله إليه بظنين، أي: بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد. قال سفيان بن عيينة: ظنين وضنين سواء، أي: ما هو بكاذب، وما هو بفاجر. والظنين: المتهم، والضنين: البخيل. وقال قتادة: كان القرآن غيباً، فأنزله الله على محمد، فما ضن به على الناس، بل نشره وبلغه، وبذله لكل من أراده، وكذا قال عكرمة وابن زيد وغير واحد، واختار ابن جرير قراءة الضاد (قلت): وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح كما تقدم، وقوله تعالى: { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ} أي: وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، أي: لا يقدر على حمله، ولا ينبغي له؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } تفسير : [الشعراء: 210 ــــ 212]، وقوله تعالى: {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ}؟ أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه حقاً من عند الله عز وجل؟ كما قال الصديق رضي الله عنه لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين، وأمرهم فتلوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة الكذاب الذي هو في غاية الهذيان والركاكة، فقال: ويحكم أين تذهب عقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي: من إله، وقال قتادة { فَأيْنَ تَذْهَبُونَ}؟ أي: عن كتاب الله، وعن طاعته. وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ} أي: هذا القرآن ذكر لجميع الناس، يتذكرون به ويتعظون { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} أي: من أراد الهداية، فعليه بهذا القرآن؛ فإنه منجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: ليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى، ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين. قال سفيان الثوري عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية: { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. آخر تفسير سورة التكوير. و لله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلآ أُقْسِمُ } لا زائدة {بِٱلْخُنَّسِ}.

الماوردي

تفسير : {فلا أُقسِمُ بالخُنّسِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت، قاله الحسن وقتادة. الثاني: خمسة الأنجم وهي: زحل وعطارد والمشتري والمريخ والزهرة، قاله عليّ. وفي تخصيصها بالذكر وجهان: أحدهما: لأنها لا تستقبل الشمس، قاله بكر بن عبد الله المزني. الثاني: لأنها تقطع المجرة، قاله ابن عباس. الثالث: أن الخنس بقر الوحش، قاله ابن مسعود. الرابع: أنها الظباء، قاله ابن جبير. ويحتمل تأويلاً خامساً: أنها الملائكة لأنها تخنس فلا تُرى، وهذا قَسَمٌ مبتدأ، و "لا" التي في قوله {فلا أقسم بالخنس} فيها الأوجه الثلاثة التي في {لا أقسم بيوم القيامة}. {الجوار الكُنّسِ} فيها التأويلات الخمسة: أحدها: النجوم، قاله الحسن، سميت بالجواري الكنس لأنها تجري في مسيرها. الثاني: أنها النجوم الخمسة، وهو قول عليّ. والكنّس، الغيّب، مأخوذ من الكناس وهو كناس الوحش التي تختفي فيه، قال أوس بن حجر: شعر : ألم تر أن الله أنزل مُزْنَهُ وعُفْرُ الظباءِ في الكِناس تَقَمّعُ تفسير : الثالث: أنها بقر الوحش لاختفائها في كناسها، قاله ابن مسعود. الرابع: الظباء، قاله ابن جبير. الخامس: هي الملائكة. {والليلِ إذا عَسْعَسَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أظلم، قاله ابن مسعود ومجاهد، قال الشاعر: شعر : حتى إذ ما لَيْلُهُنَّ عَسْعَسا رَكِبْنَ مِن حَدِّ الظّلامِ حِنْدساً تفسير : الثاني: إذا ولى، قاله ابن عباس وابن زيد، قال الشاعر: شعر : حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا تفسير : الثالث: إذا أقبل، قاله ابن جبير وقتادة، وأصله العس وهو الامتلاء، ومنه قيل للقدح الكبير عس لامتلائه بما فيه، فانطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه، وانطلق على ظلامه لاستكمال امتلائه، {والصبحِ إذا تَنَفّسَ} فيه تأويلان: أحدهما: طلوع الفجر، قاله عليّ وقتادة. الثاني: طلوع الشمس، قاله الضحاك. وفي " تنفّسَ " وجهان: أحدهما: بان إقباله. الثاني: زاد ضوؤه. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يكون تنفس بمعنى طال، مأخوذ من قولهم قد تنفس النهار إذا طال. {إنه لَقَوْلُ رسولٍ كريمٍ} وهو جواب القسم، يعني القرآن. وفي الرسول الكريم قولان: أحدهما: جبريل، قاله الحسن وقتادة والضحاك. الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عيسى، فإن كان المراد به جبريل فمعناه قول رسول للَّه كريم عن رب العاليمن لأن أصل القول الذي هو القرآن ليس من الرسول، إنما الرسول فيه مبلغ على الوجه الأول، ومبلغ إليه على الوجه الثاني. {مُطاعٍ ثَمَّ أمينٍ} هو جبريل في أصح القولين، يعني مطاعاً فيمن نزل عليه من الأنبياء، أميناً فيما نزل به من الكتب. {وما صاحبكم بمجنونٍ} يعني النبي صلى الله عليه وسلم. {ولقد رآه بالأفق المبين} وفي الذي رآه قولان: أحدهما: أنه رأى ربه بالأفق المبين، وهو معنى قول ابن مسعود. الثاني: رأى جبريل بالأفق المبين على صورته التي هو عليها، وفيها قولان: أحدهما: أنه رآه ببصره، قاله ابن عباس وعائشة. الثاني: بقلبه، ولم يره ببصره، قاله أبو ذر. وفي " الأفق" قولان: أحدهما: أنه مطلع الشمس. الثاني: أقطار السماء ونواحيها، قال الشاعر: شعر : أخَذْنا بآفاقِ السماءِ عليكمُ لنا قَمَراها والنُّجومُ الطّوالعُ تفسير : فعلى هذا فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه رآه في أفق السماء الشرقي، قاله سفيان. والثاني: في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة. الثالث: أنه رآه نحو أجياد، وهو مشرق مكة، قاله مجاهد، {وما هو على الغَيْبِ بضنين} قرأ بالظاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وفيه وجهان: أحدهما: وما محمد على القرآن بمتهم أن يأتي بما لم ينزل عليه، قاله ابن عباس. الثاني: بضعيف عن تأديته، قاله الفراء. وقرأ الباقون بالضاد، وفيه وجهان: أحدهما: وما هو ببخيل أن يعلِّم كما تعلّم. الثاني: وما هو بمتهم أن يؤدي ما لم يؤمر به. {فأيْنَ تَذْهَبون} فيه وجهان: أحدهما: فإلى أين تعدلون عن كتاب الله تعالى وطاعته، قاله قتادة. الثاني: فأي طريق أهدى لكم وأرشد من كتاب الله، حكاه ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: فأين تذهبون عن عذابه وعقابه. {وما تشاؤون إلا أن يشاءَ اللهُ ربُّ العالَمين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما تشاؤون الاستقامة على الحق إلا أن يشاء الله لكم. الثاني: وما تشاؤون الهداية إلا أن يشاء الله بتوفيقه: وقيل إن سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} قال أبو جهل: ذلك إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله ربّ العالمين}.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {فلا} إما أم تكون " لا " زائدة، وإما أن يكون رد القول قريش في تكذيبهم بنبوة محمد عليه السلام، وقولهم إنه ساحر وكاهن ونحو ذلك، ثم أقسم الله تعالى {بالخنس الجوار الكنس} فقال جمهور المفسرين: إن ذلك الدراري السبعة: الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والزهرة والمشتري، وقال علي بن أبي طالب: المراد الخمسة دون الشمس والقمر. وذلك أن هذه الكواكب تخنس في جريها أي تتقهقر فيما ترى العين، وهو جوار في السماء، وأثبت يعقوب الياء في "الجواري" في الوقف وحذفها الباقون وهي تكنس في أبراجها أي تستتر، وقال علي بن أبي طالب أيضاً والحسن وقتادة: المراد النجوم كلها لأنها تخنس بالنهار حين تختفي، وقال عبد الله بن مسعود والنخعي وجابر بن زيد وجماعة من المفسرين: المراد {بالخنس الجوار الكنس}: بقر الوحش لأنها تفعل هذه الأفعال في كناسها وهي المواضع التي تأوي إليها من الشجر والغيران ونحوه، وقال ابن عباس وابن جبير والضحاك: هي الظباء، وذهب هؤلاء في الخنس إلى أنه من صفة الأنوف لأنها يلزمها الخنس، وكذلك هي بقر الوحش أيضاً ومن ذلك قول الشاعر[الطويل] شعر : سوى نار بض أو غزال صريمة أغن من الخنس المناخر توأم تفسير : " وعسعس الليل" في اللغة: إذا كان غير مستحكم الإظلام، وقال الحسن بن أبي الحسن: ذلك في وقت إقباله وبه وقع القسم، وقال زيد بن أسلم وابن عباس ومجاهد وقتادة: ذلك عند إدباره وبه وقع القسم، ويرجح هذا قوله بعد: {والصبح إذا تنفس}، فكأنهما حالان متصلتان ويشهد له قول علقمة بن قرط: [الرجز] شعر : حتى إذا الصبح لها تنفّسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا تفسير : وقال المبرد أبو العباس: أقسم بإقباله وإدباره، قال الخليل: يقال عسعس الليل وسعسع إذا أقبل وأدبر، و "تنفس الصبح": استطار واتسع ضوؤه، وقال علوان بن قس: [الطويل] شعر : وليل دجوجي تنفس فجره لهم بعد أن خالوه لن يتنفسا تفسير : والضمير في {إنه} للقرآن، و "الرسول الكريم" في قول جمهور المتأولين: جبريل عليه السلام، وقال آخرون: هو محمد عليه السلام في الآية، والقول الأول أصح، و {كريم} في هذه الآية يقتضي رفع المذام، ثم وصفه بقوة منحه الله إياها، وختلف الناس في تعليق: {عند ذي العرش}، فذهب بعض المتأولين إلى تعلقه بقوله: {ذي قوة}، وذهب آخرون إلى أن الكلام تم في قوله: {ذي قوة} وتعلق الظرف: بـ {مكين}، و {مكين} معناه: له مكانة ورفعة، وقوله تعالى: {مطاع ثم أمين} أي مقبول القول مصدق بقوله مؤتمن على ما يرسل به، ويؤدي من وحي وامتثال أمر، وقرأ أبو جعفر: " ثُم أمين" بضم الثاء، وذكر الله تعالى نفسه بالإضافة إلى عرشه تنبيهاً على عظم ملكوته، وأجمع المفسرون على أن قوله: {وما صاحبكم} يراد به محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في {رآه} : جبريل عليه السلام، وهذه الرؤية التي كانت بعد أمر غار حراء حين رآه على كرسي بين المساء والأرض، وقيل هذه الرؤيا التي رآه عند سدرة المنتهى في الإسراء، وسمى ذلك الموضع أفقاً مجازاً، وقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رؤية ثانية بالمدينة، وليست هذه، ووصف الأفق بـ {المبين} ، لأنه كان بالشرق من حيث تطلع الشمس، قاله قتادة وأيضاً فكل أفق فهو في غاية البيان، وقوله تعالى {وما هو على الغيب بضنين} بالضاد بمعنى: بخيل أي يشح به، ولا يبلغ ما قيل له، ويبخل كما يفعل الكاهن حتى يعطى حلوانه، وبالضاد هي خطوط المصاحف كلها، فيما قاله الطبري وهي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة وعثمان بن عفان وابن عباس والحسن وأبي رجاء والأعرج وأبي جعفر وشيبة وجماعة وافرة. وقرأ ابن كثير وعمرو والكسائي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وعائشة وعمر بن عبد العزيز وابن جبير وعروة بن الزبير ومسلم وابن جندب ومجاهد وغيرهم: "بظنين"، بالظاء أي بمتهم، وهذا في المعنى نظير وصفه بـ {آمين}، وقيل معناه: بضعف القوة عن التبليغ من قولهم: بئر ظنون إذا كانت قليلة الماء، ورجح أبو عبيد قراءة: الظاء مشالة لأن قريشاً لم تبخل محمداً صلى الله عليه وسلم فيما يأتي به وإنما كذبته، فقيل ما هو بمتهم، ثم نفى تعالى عن القرآن أن يكون كلام شيطان على ما قالت قريش: إن محمداً كاهن، و {رجيم} معناه: مرجوم مبعد بالكواكب واللعنة وغير ذلك، وقوله تعالى: {فأين تذهبون} توقيف وتقرير على معنى: أين المذهب لأحد عن هذه الحقائق، و "الذكر" هنا: مصدر بمعنى التذكرة، ثم خصص تعالى من شاء الاستقامة بالذكر تشريفاً وتنبيهاً وذكراً لتكسبهم أفعال الاستقامة، ثم بين تعالى أن تكسب المرء على العموم في استقامة وغيرها إنما يكون مع خلق الله تعالى واختراعه الإيمان في صدر المرء، وروي أنه نزل قوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} فقال أبو جهل: هذا أمر قد وكل إلينا، فإن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فنزلت {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} يقول الله تعالى: يا ابن آدم تريد وأريد فتتعب فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْخُنَّسِ} النجوم تخنس بالنهار إذا غربت أو خمسة منها زحل وعطارد والمشتري والمريخ والزهرة قاله علي رضي الله تعالى عنه خصّها بالذكر لاستقبالها الشمس أو لقطعها المجرة، أو بقر الوحش أو الظباء.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ} لا إمَّا زائدةٌ وإما أنْ تكونَ رَدّاً لِقَوْلِ قريشٍ في تكذيبِهم نبوةَ نبينا محمدٍ ـــ عليه السلام ـــ، ثُمَّ أَقْسَمَ تعالى بالخُنَّسِ الجوارِ الكنَّسِ، وهي في قولِ الجمهور: الدَّرَارِي السَّبْعَةُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطَارِدُ والمرِّيخُ والزُّهْرَةُ والمُشترِي، وقال عليّ: المرادُ الخمسةُ دونَ الشمسِ والقمر؛ وذلك أنّ هذه الكواكبَ تَخْنِسُ في جَرْيها أي: تَتَقَهْقَرُ فيما تَرى العينُ، وهي جَوارٍ في السماءِ، وهي تَكْنِسُ في أَبراجها أي: تَسْتَتر، الثعلبي: وقال ابن زيدِ تَخْنِسُ؛ أي: تَتَأَخَّرُ عَنْ مَطَالِعِها كلَّ سَنَة، وتَكْنِسُ بالنَّهار، أي: تستترُ فلاَ تُرَى، انتهى، وعَسْعَسَ الليلُ في اللغةِ إذا كَان غَيْرَ مُسْتَحْكَمِ الإظْلاَمِ، قال الخليل: عَسْعَسَ الليلُ: إذا أَقْبَلَ وأَدْبَرَ، وقال الحَسَنُ: وقَعَ القَسَمُ بإقبالهِ، وقال ابن عباسٍ وغيره: بلْ وَقَعَ بإدبارهِ، وقال المبرد: أقسَمَ بإقباله وإدباره معاً، وعبارةُ الثعلبي: قالَ الحسنُ عَسْعَسَ الليلُ: أقْبَلَ بظلامِه، وقال آخرون: أدْبَرَ بظلامِه، ثم قال: والمعنيانِ يَرْجِعَانِ إلى معنًى واحدٍ، وهو ابتداءُ الظلامِ في أوله وإدباره في آخرهِ، انتهى،، وتنفَّسَ الصبحُ، اتَّسَعَ ضوءهُ، والضميرُ في «إنه» للقرآن، والرسولُ الكريمُ في قولِ الجمهور؛ هو جبريلُ ـــ عليه السلام ـــ وقال آخرون: هو النبي صلى الله عليه وسلم في الآيةِ كلِّها، والقولُ الأول أصحُّ، و{كَرِيمٍ} صفةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المذَامِّ، و{مَكِينٍ} معناه: له مكَانَة ورِفْعَة، وقال عياض في «الشفا» في قوله تعالى: {مُّطَـٰعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}: أكثرُ المفسرينَ عَلى أنَّهُ نبيُّنَا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، انتهى، قال * ع *: وأجمعَ المفسرونَ على أن قولَه تعالى: {وَمَا صَـٰحِبُكُمْ} يرادُ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، والضمير في رآه لجبريلَ ـــ عليه السلامُ ـــ وهذه الرؤيةُ التي كانَتْ بعْدَ أمْرِ غارِ حِراءٍ، وقيل: هي الرؤية التي رآه عند سِدْرَةِ المنتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ}، أي: "أقسم"، و "لا" زائدة كما تقدم. "والخُنَّسُ": جمع خانسٍ، والخُنوسُ: الانقباضُ، يقال: خنس بين القوم، وانْخنسَ. وفي الحديث: "فانْخَنَسْتُ"، أي: استخفيت. يقال: خَنَسَ عنه يَخْنسُ - بالضم - خُنُوساً. والخنسُ: تأخر الأنف عن الشَّفة مع ارتفاع الأرنبة قليلاً. ويقال: رجلٌ أخنسُ، وامرأةٌ خنساءُ، ومنه: الخنساءُ الشاعرةُ. والخُنَّسُ في القرآن، قيل: الكواكب السبعة السَّيارة القمران، وزحل، والمشتري والمريخ، والزهرة، وعطارد؛ لأنها تخنس في المغيب أو لأنها تختفي نهاراً. وعن علي رضي الله عنه: هي زُحَل، والمشتري، والمريخ، والزهرة وعطارد. وفي تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم وجهان: أحدهما: لأنَّها تستقبل الشمس، قاله بكر بن عبد الله المزني. الثاني: تقطع المجرة، قاله ابن عباس. وقيل: خُنُوسُهَا: رجوعها، وكُنُوسها: اختفاؤها تحت ضوء الشمس. قال ابن الخطيب: الأظهرُ أنَّ ذلك إشارة إلى رجوعها واستقامتها. وقال الحسن وقتادة: هي النجوم كلها؛ لأنها تخنس بالنهار إذا غربت، وتظهر بالليل، وتكنس في وقت غروبها، أي: تتأخر عن البصر لخفائها، وتكنس أي: تستتر، كما تكنس الظِّباء في المغارة، وهي الكناس، والكنس: الداخلة في الكناس، وهي بيت الوحش، والجواري: جمع جارية. وعن ابن مسعود: هي بقر الوحش؛ لأن هذه صفتها. وروي عن عكرمة قال: الخُنَّسُ: البقر، والكُنسُ: هي الظباء، فهي خنسٌ إذا رأين الإنسان خَنَسْنَ، وانقبضن وتأخرن ودخلن كناسهنّ. قال القرطبيُّ: "والخُنَّسُ" على هذا: من الخنس في الأنف، وهو تأخير الأرنبة، وقصر القصبة، وأنوف البقر والظِّباء خنس، والقول الأول أظهر لذكر الليل والصبح بعده. وحكي الماورديُّ: أنها الملائكة، والكُنَّسُ: الغيبُ، مأخوذة من الكناس، وهو كناس الوحش الذي يختفي فيه، والكُنَّسُ: جمع كانس وكانسة. قوله تعالى: {وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ}. يقال: عَسْعَسَ وسَعْسَع، أي: أقبل. قال العجاج: [الرجز] شعر : 5123- حَتَّى إذَا الصُّبْحُ لهَا تَنفَّسَا وانْجَابَ عَنْهَا ليْلُهَا وعِسْعَسَا تفسير : أي: أدبر. قال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى "عسعس": أدبر حكاه الجوهري. وقيل: دَنَا من أوله وأظلم، وكذلك السحاب إذا دنا من الأرض. وقيل: "أدْبَر" من لغة قريش خاصَّة. وقيل: أقبل ظلامُه، ورجحه مقابلته بقوله تعالى {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}، وهذا قريبٌ من إدباره. وقيل: هو لهما على طريق الاشتراك. قال الخليل وغيره: عسعس الليل: إذا أقبل، أو أدبر. قال المبرد: هو من الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحدٍ، وهو ابتداء الظلام في وله، وإدباره في آخره. قال الماورديُّ: وأصل العسِّ: الامتلاء. ومنه قيل للقدح الكبير: عُسٌّ، لامتلائه بما فيه، فأطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه، وأطلق على إدباره لانتهاء امتلائه، فعلى هذا يكون القسم بإقبال الليل وبإدباره، وهو قوله تعالى: {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} لا يكون فيه تكرار. وعَسْعَس: اسم موضع البادية، وأيضاً: هو اسم رجل. ويقال للذئب: العَسْعَسُ والعَسْعَاس؛ لأنه يعسُّ في الليل ويطلب. ويقال للقنافذ: العَساعِس، لكثرة ترددها بالليل، والتَّعَسْعُس: الشم, والتَّعَسْعُس - أيضاً -: طلب الصيد. قوله تعالى: {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}، أي امتد حتى يصير نهاراً واضحاً. يقال للنهار إذا زاد: تنفس، ومعنى التنفس: خروج النسيم من الجوف. وفي كيفية المجاز قولان: الأول: أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم، فجعل ذلك نفساً له على المجاز، فقيل: تنفس الصبح. الثاني: أنه شبَّه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي خنس بحيث لا يتحرك، فإذا تنفس وجد راحة، فهاهنا لما طلع الصبح، فكأنه تخلص من ذلك الحزن فعبر عنه بالتنفس. وقيل: {إِذَا تَنَفَّسَ} أي إذا انشق وانفلق، ومنه تنَفَّسَتِ القوسُ: أي: تصدعت. [وهذا آخر القسم]. قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}. قال الحسنُ وقتادةُ والضحاكُ: الرسول الكريم: جبريل. والمعنى: إنَّه لقولُ رسولٍ كريمٍ من الله كريمٍ على الله، وأضاف الكلام إلى جبريل، ثم عزاه عنه فقال: {أية : تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الواقعة: 80] ليعلم أهل التحقيق في التصديق أن الكلام لله تعالى. وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم، فمن جعله جبريل، فقوته ظاهرة؛ لما روى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: من قوته قلعه مدائن قوم لوط بقوادمِ جناحه. وقوله تعالى: {عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ} أي: عند الله سبحانه وتعالى. "مكين" أي: ذي منزلةٍ ومكانةٍ. وروى أبو صالح قال: يدخل سبعين سرادقاً بغير إذن. وقيل: المراد: القوة في أداء طاعة الله تعالى، وترك الإخلال بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف. وقوله تعالى: {عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ} هذه العندية ليست عندية الجهة، بل عندية الإشراف، والتكريم، والتعظيم. وقوله تعالى: "أنا عند المنكسرة قلوبهم"، وقوله سبحانه: {مَكِينٍ}: قال الكسائي: يقال: مكنَ فلانٌ عند فلانٍ - بضم الكاف - تمكُّناً ومكانة، فعلى هذا هو ذو الجاه الذي يعطي ما يسأل. قوله تعالى: {مُّطَاعٍ ثَمَّ}؛ أي: في السموات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: من طاعة الملائكة جبريل - عليه السلام - أنَّه لمَّا أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبريلُ لرضوان خازن الجنانِ: افتحْ له ففتحَ، فدخلها، فرأى ما فيها وقال لمالك خازن النار: افتح له ففتح، فدخلها، ورأى ما فيها. وقوله تعالى: {أَمِينٍ}، أي: مؤتمن على الوحي الذي يجيء به. ومن قال: إن المراد محمد صلى الله عليه وسلم فقال: "ذِ قوةٍ" على تبليغ الوحي "مطاع" أي: يطيعه من أطاع الله عز وجل. {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} حتى يتَّهم في قوله، وهو من جواب القسم والضمير في قوله: "إنَّهُ" يعود إلى القرآن الذي نزل به جبريل - عليه السلام - على محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: يعود إلى الذي أخبركم به محمد صلى الله عليه وسلم من أنّ أمر الساعة في هذه السورة ليس بكهانة، ولا ظنَّ، ولا افتعال، إنما هو قول جبريل أتاه به وحياً من الله تعالى. فصل فيمن استدل بالآية على تفضيل جبريل على سيدنا محمد قال ابنُ الخطيب: احتج بهذه الآية من فضل جبريل - عليه الصلاة والسلام - على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: إذا وازنت بين قوله سبحانه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}، وبين قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} ظهر التفاوت العظيم. قوله: "عند ذي": يجوز أن يكون نعتاً لـ "رسولٍ"، وأن يكون حالاً من "مكينٍ"، وأصله الوصف، فلما قدم نصب حالاً. قوله: {ثَمَّ أَمِينٍ}. العامة: على فتح الثَّاء؛ لأنه ظرف مكان للبعد، والعامل فيه "مطاعٍ". وأبو البرهسم، وأبو جعفر وأبو حيوة: بضمها، جعلوها عاطفة، والتراخي هنا في الرتبة؛ لأن الثانية أعظم من الأولى. قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ}، أي: لقد رأى جبريل في صورته في ستمائة جناح {بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} أي: حيث تطلع الشمس من قبل المشرق. وقيل: "بالأفق المبين"؛ أقطار السماء ونواحيها. قال الماورديُّ: فعلى هذا ففيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه رآه في الأفق الشرقيِّ. قاله سفيان. الثاني: في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة. الثالث: أنه رآه نحو "أجياد"، وهو مشرق "مكة"، قاله مجاهد. وقيل: إنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه - عز وجل - بالأفق المبينِ، وهو قول ابن مسعود وقد تقدم ذلك في سورة "والنجم". وفي "المُبينِ" قولان: أحدهما: أنه صفة للأفق، قاله الربيع. الثاني: أنَّه صفة لمن رآه، قاله مجاهد. قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ}. قرأ ابن كثير، وأبو عمر، والكسائي: بالظاء، بمعنى متهم, من ظن بمعنى: اتهم، فيتعدى لواحدٍ. وقيل: معناه بضعيف القوة عن التبليغ من قولهم: "بئر ظنُون" أي: قليلة الماء، والظِّنَّة التهمة، واختاره أبو عبيدة وفي مصحف عبد الله كذلك. والباقون: بالضاد، بمعنى: بخيل بما يأتيه من قبل ربِّه، من ضننت بالشيء أضنُّ ضنًّا، يعني: لا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك، ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلواناً، إلا أنَّ الطبري قال: بالضاد خطوط المصاحف كلها. وليس كذلك لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، وهذا دليل على التمييز بين الحرفين خلافاً لمن يقول: إنه لو وقع أحدهما موقع الآخر بحال لجاز لعسر معرفته، وقد شنَّع الزمخشريُّ على من يقول ذلك، وذكر بعض المخارج، وبعض الصفات بما يطول ذكره. و {عَلَى ٱلْغَيْبِ} متعلق بـ "ظنين"، أو "ضَنِيْنٍ". و "الغيب": القرآن، وخبر السماء هذا صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: صفة جبريل عليه السلام. قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}، أي: مَرْجُومٍ، والضمير في "هو" للقرآن، قالت قريش: إنَّ هذا القرآن يجيء به شيطان، فيلقيه على لسانه، فنفى الله ذلك، يريدون بالشيطان: الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه. فصل في الكلام على الآية قال ابنُ الخطيب: إن قيل: إنَّه حلف على أن القرآن قول جبريل - عليه السلام - فوجب علينا أن نصدقه، فإن لم نقطع بوجوب حمل اللفظ على الظاهر، فلا أقلَّ من الاحتمال، وإن كان كذلك ثبت أن هذا القرآن يحتملُ أن يكون كلام جبريل لا كلام الله تعالى، وبتقدير أن يكون كلام جبريل لا يكون معجزاً، ولا يمكن أن يقال بأن جبريل معصوم؛ لأنَّ عصمته متفرعة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وصدق النبي صلى الله عليه وسلم على كون القرآن معجزاً، وكون القرآن معجزاً متفرع على عصمة جبريل، فيلزم دور. فالجواب: أنَّ الإعجاز ليس في الفصاحة، بل في سلب تلك الدواعي عن القلوب، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلاَّ الله تعالى، لأن سلب القدرة عما هو مقدور لا يقدر عليه إلا الله تعالى. ثم قال في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}: فإن قيل: القول بصحة النبوة موقوف على نفي هذا الاحتمال فكيف يمكن نفيه بالدليل السمعي؟. قلنا: قد بينَّا أنَّه على القول بالصرف لا يتوقف صحة النبوة على نفي هذا الاحتمال بالدليل السمعي.

ابو السعود

تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ} أي الكواكبِ الرواجع مِنْ خَنَسَ إذَا تأخرَ وهيَ ما عَدَا النيرينَ منَ الدَّرارِي الخمسةِ وهيَ بهرامُ وزُحَلُ وعُطَارِدُ والزُّهْرَةُ والمُشتَرى وُصفتْ بقولِه تعالَى: {ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} لأنها تَجْري مع الشمسِ والقمرِ وترجعُ حتَّى تختفي تحتَ ضوءِ الشمسِ فخنُوسها رجوعُها وكنوسُها اختفاؤُها تحتَ ضوئِها من كنسَ الوحشُ إذا دخلَ كُناسَهُ وهو البـيتُ الذي يتخذهُ من أغصانِ الشجرِ وقيل هي جميعُ الكواكبِ تخنِسُ بالنهار فتغيبُ عنِ العُيونِ وتكنسُ بالليل أي تطلعُ في أماكنِها كالوحشِ في كُنُسِها.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} اقسم الله بنيرات عالم الملكوت اذا شاهدت عرائس الصفات فى روازنها ونظرت الى قلوب المشتاقين وجذبتها بنورها الى اعلى عليين فلما بلغت الارواح الى سرادق الدنو تخنس باستشارها بعد تجليها وتكنس باحتجابها بعد انكشاف لذوبان الارواح فى نيران الاشواق وهيجان الاشباح الى عالم الافراح واقسم بظلمة ليلى الهجران فى وقت الاستتار فى قلوب العارفين وبطلوع صبح انوار مشاهدته بنعت الوصال فى فواد المحبين وايضا اقسم بطيران الارواح القدسية بجناح المحبة والمعرفة فى هواء الهوية وهذا كنوسها اذا هامت بوجوهها فى غيب فاذا وصلت الى قاف القدم وتذررت بسطوات الازلية تخنس وتفر من صدمات القيمومية الى عالم الامر والحكم لان الحدوثية تزول عن مازاة القدم وايضا اقسم بتسير هذه الارواح العاشقة فى طرقات العلوم المجهولة فتستفيد منها ما تكون بخلاف العلوم الرسومية.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلا اقسم} لا صلة اورد لكلام سابق اى ليس الامر كما تزعمون ايها الكفرة من ان القرءآن سحر او شعر او أساطير ثم ابتدأ فقال اقسم {بالخنس} جمع خانس وهو المتأخر من خنس الرجل عن القوم خنوسا من باب دخل اذا تأخر واصل الخنوس الرجوع الى خلف والخناس الشيطان لانه يضع خرطومه على قلب العبد فاذا ذكر الله خنس واذا غفل عاد الى الوسوسة والمعنى اقسم بالكواكب الرواجع وهى ما عدا النيرين من الدرارى الخمسة وهى المريخ بالكسر ويسمى بهرام ايضا وزحل ويسمى كيوان ايضا وعطارد ويسمى الكاتب ايضا والزهرة وتسمى انا هيذ ايضا والمشترى ويسمى روايس وبرجيس ايضا وما من نجم يقطع المجرة غير الخمسة فلذا خصها ونظمها بعضهم والنيرين فقال شعر : هفت كوكب كه هست كبتى را كاه از ايشان مدار وكاه خلل قمرست وعطارد وزهره شمس ومريخ ومشترى وزحل تفسير : وهى الكواكب السبعة السيارة كل منها يجرى فى فلك فالقمر فى الاول وما يليه فى الثانى وهكذا على الترتيب.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فلا أُقسم}، "لا" صلة، أي: أُقسم {بالخُنَّس} أي: بالكواكب الرواجع، مِن: خَنَس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراريّ الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل, وعطارد، والزُّهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كرَّ راجعاً إلى أوله، {الجَوَارِ} أي: السيّارة {الكُنَّس} أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أنَّ هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كُنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. {والليلِ إِذا عسعس}؛ أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسَعْسع: إذا أدبر ولم يبقَ منه إلاّ اليسير، قال الشاعر: شعر : حَتَّى إذا الصُّبحُ لها تَنَفَّسَا وانجابَ عنها ليلُها وعَسْعسا تفسير : والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، {والصبح إّذا تنفس}؛ امتدّ ضوؤه وارتفع حتى يصير نهاراً، ولمّا كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفساً له مجازاً، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: {إِنه} أي: القرآن {لقولُ رسولٍ كريم} على ربه، وهو جبريل عليه السلام ـ قاله عن الله ـ عزّ وجل، وإنما أضيف القرآن إليه؛ لأنه هو الذي نزل به. {ذي قوةٍ}؛ ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، {عند ذي العرش مكينٍ} أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولمّا كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: {عند ذي العرش} ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. {مطاعٍ ثَمَّ} أي: في السموات يُطيعه مَن فيها، أو عند ذي العرش تُطيعه ملائكتُه المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنةُ الجنة الجنةَ لمحمدٍ حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. هـ. {أمين} على الوحي. {وما صاحِبُكم} هو الرسول صلى الله عليه وسلم {بمجنونٍ} كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسَم عليه، {ولقد رآه} أي: رآى محمدٌ صلى الله عليه وسلم جبريلَ على صورته التي خلقه اللهُ عليها، {بالأُفق المبين} أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: "حديث : إني أُحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء "تفسير : قال: أتقدر على ذلك؟ قال: "بلى" قال: فأين تشاء؟ قال: "بالأبطح"، قال: لا يسعني، قال: "بمِنىً"، قال: لا يسعني، قال: "فبعرفات" قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم خرّ مغشيًّا عليه، فتحوّل جبريلُ في صورته، فضمّه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإنَّ العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحياناً من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفورـ حتى ما يحمل عرش ربك إلاّ عظمته. هـ. أو: ولقد رأى جبريلَ عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأُفق الأعلى. {وما هو على الغيبِ} أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب {بضنين}؛ ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضنَّ بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحُلْوان، بل يُعلّمه لكل مَن يطلبه ولا يكتم شيئاً منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئاً مما أوحى إليه أو يزيد فيه، {وماهو بقول شيطان رجيم}؛ طريد، وهو كقوله: {أية : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ }تفسير : [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. {فأين تذهبون} وتتركون الحقَّ الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مُثَّلت حالهم في تركهم الحقّ، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمَن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأيُّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بيَّنْتُ لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلاَّ عندنا: هـ. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ {إِن هو إِلاّ ذِكْرٌ للعالَمين} أي: موعظة وتذكير للخلق {لمَن شاء منكم}: بدل من العالمين بإعادة الجار، {إن يستقيم}: مفعول "شاء" أي: القرآن تذكير وموعظة لمَن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، {وما تشاؤون} الاستقامة {إِلاّ أن يشاء الله}. ولمّا نزل قوله تعالى: {لمَن شاء منكم أن يستقيم} قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: {وما تشاؤون إِلاّ أن يشاء الله رب العالمين} أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعاً وثمانين كتاباً مما أنزل الله، فوجدتُ فيها: مَن جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلاّ بمشيئته، ولا تعمل إلاّ بقوته، ولا تطيع إلاّ بفضله، ولا تعصي إلاّ بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. هـ. وقال الطيبي عن الإمام: إنَّ مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله؛ لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف؛ لأنَّا بيَّنَّا أنّ المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. هـ. الإشارة: فلا أُقسم بالخُنَّس؛ الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكُنَّس؛ لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصُبح، أي: صُبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفَّس ثم تطلع شمسه شيئاً فشيئاً، إنه، أي: الوحي الإلهامي لَقَولُ رسول كريم واراد رباني، ذي قوة؛ لأنه يأتي من حضرة قهّار قوي متين، فلا يُصادم شيئاً من المساوىء إلاّ دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تَمَكَّن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقرَّبين السابقين؛ مطاع ثَمَّ أمين؛ لأنّ الوارد الإلهي تجب طاعته؛ لأنه يتجلّى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأُفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يُخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمُتَّهَم، ولا بخيل، بل يجود به على مَن يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبقَ لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين, أي: ما جعله الله في كل زمان إلاّ ليُذَكِّر أهل زمانه، لمَن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شِئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي ورويس "بظنين" بالظاء أي ليس على الغيب بمتهم، والغيب هو القرآن، وما تضمنه من الاحكام وغير ذلك من اخباره عن الله. الباقون - بالضاد - بمعنى انه ليس بخيلا لا يمنع أحداً من تعليمه ولا يكتمه دونه. وفى المصحف بالضاد. قوله {فلا أقسم بالخنس} معناه إقسم و (لا) صلة. وقد بينا نظائره فيما مضى. و {الخنس} جمع خانس، وهو الغائب عن طلوع، خنست الوحشية فى الكناس إذا غابت فيه بعد طلوع. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أن الخنس النجوم لانها تخنس بالنهار وتبدو بالليل. وقيل: تخنس في مغيبها بعد طلوعها، وبه قال الحسن ومجاهد. وقال ابن مسعود وسعيد بن جبير والضحاك: هي الظباء. وقيل: القسم بالنجوم الخنس بهرام وزحل والمشتري وعطارد والزهرة. وقوله "الجوار الكنس" معناه النجوم التى تجري فى مسيرها ثم تغيب فى مغاربها على ما دبّره تعالى فيها ففي طلوعها، ثم جريها فى مسيرها، ثم غيبتها فى مواقفها من الآية العظيمة والدلالة الباهرة المؤدية إلى معرفته تعالى ما لا يخفى على متأمل معرفته وعظيم شأنه، فالجارية النجوم السيارة، والجارية السفن فى البحار، والجارية المرأة الشابة. وقوله {الكنس} نعت لـ {الجوار} وهو جمع (كانس) وهي الغيب فى مثل الكناس، وهو كناس الوحشية بيت تتخذه من الشجرة تختفي فيه، قال طرفة: شعر : كأن كناسي ضالة مكنفانها واطرقسيّ تحت صلب مؤيد تفسير : وقوله {والليل إذا عسعس} قسم آخر، ومعنى {عسعس} أدبر بظلامه - فى قول أمير المؤمنين علي عليه السلام وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد - وقال الحسن ومجاهد في رواية والفضل بن عطية: أقبل بظلامه، وتقول العرب: عسعس الليل إذا أدبر بظلامه. قال علقمة بن قرط: شعر : حتى إذا الصبح لها تنفساً وانجاب عنها ليلها وعسعسا تفسير : وقيل: عسعس دنا من أوله واظلم، والعس طلب الشيء بالليل، عسّ يعس عساً، ومنه أخذ العسس. وقال صاحب العين: العس نقض الليل عن أهل الريبة والعس قدح عظيم من خشب أو غيره، وكأن أصله امتلاء الشيء بما فيه، فقدح اللبن من شأنه أن يمتلئ به، ويمتلىء الليل بما فيه من الظلام، وعسعس أدبر بامتلاء ظلامه. وقال الحسن {والليل إذا عسعس} معناه إذا أظلم والصبح إذا تنفس إذا أسفر. وقوله {والصبح إذا تنفس} قسم آخر بالصبح إذا أضاء وامتد ضوءه يقال: تنفس الصبح وتنفس النهار إذا امتد بضوئه، والتنفس امتداد هواء الجوف بالخروج من الفم والأنف يقال: تنفس الصعداء. وقوله {إنه لقول رسول كريم} جواب الاقسام التى مضت، ومعنى {إنه لقول} يعني القرآن {رسول كريم} وهو جبرائيل عليه السلام - فى قول قتادة والحسن - بمعنى إنه سمعه من جبرائيل، ولم يقله من قبل نفسه. وقال: يجوز أن يراد به محمد صلى الله عليه وآله فانه أتى به من عند الله. وقوله {ذي قوة} معناه قوي على أمر الله. وقيل: معناه قوي في نفسه - في قول من قال: عنى به جبرائيل - لان من قوته قلبه قريات لوط بقوادم اجنحته. وقوله {عند ذي العرش} معناه عند الله صاحب العرش {مكين} أى متمكن عنده، وفي الكلام تعظيم للرسول بأنه كريم، وأنه مكين عند ذي العرش العظيم وأن الله تعالى أكد ذلك اتم التأكيد. وقوله {مطاع ثم أمين} من قال المراد بالرسول جبرائيل، قال معناه إنه مطاع في الملائكة، أمين على وحي الله. ومن قال: عنى به الرسول صلى الله عليه وآله قال: معناه إنه يجب أن يطاع وأن من أطاعه فيما يدعوه اليه كان فائزاً بخير الدنيا والآخرة. ويرجو بطاعته الثواب ويأمن من العقاب، وإنه صلى الله عليه وآله كان يدعى الأمين قبل البعث فالامين هو الحقيق بأن يؤتمن من حيث لا يخون، ولا يقول الزور، ويعمل بالحق في الامور. ثم خاطب تعالى جماعة الكفار فقال {وما صاحبكم بمجنون} أي ليس صاحبكم الذي يدعوكم إلى الله وإخلاص عبادته بمؤف العقل على ما ترمونه به من الجنون. والمجنون المغطى على عقله حتى لا يدرك الامور على ما هي به للافة الغامرة له، فبغمور الآفة يتميز من النائم، لان النوم ليس بآفة ولا عاهة. وقوله {ولقد رآه بالأفق المبين} معناه إن النبي صلى الله عليه وآله رأى جبرائيل عليه السلام على صورته التى خلقه الله عليها بالافق المبين، فالافق ناحية من السماء يقال: هو كالنجم في الافق، وفلان ينظر في أفق السماء. وقوله {مبين} أي هو ظاهر انه في أفاق السماء من غير تخيل لا يرجع إلى يقين. وقال الحسن وقتادة: الافق المبين حيث تطلع الشمس. وقوله {وما هو على الغيب بضنين} قال ابن عباس وسعيد بن جبير وابراهيم والضحاك:، معناه ليس على وحي الله وما يخبر به من الاخبار بمتهم أي ليس ممن ينبغي أن يظن به الريبة، لان أحواله ناطقة بالصدق والامانة. ومن قرأ بالضاد معناه ليس ببخيل على الغيب. وقوله {وما هو بقول شيطان رجيم} معناه أنه ليس هذا القرآن قولا لشيطان رجيم، قال الحسن: معناه رجمه الله باللعنة. وقيل رجيم بالشهب طرداً من السماء، فهو (فعيل) بمعنى (مفعول). وقوله {فأين تذهبون} معناه أين تذهبون عن الحق الذي قد ظهر أمره وبدت أعلامه الى الضلال الذي فيه البوار والهلاك، وهو استبطاء لهم فى القعود عن النبي صلى الله عليه وآله، والعمل بما يوجبه القرآن، فالذهاب هو المصير عن شيء الى شيء بالنفوذ فى الأمر. قال بعض بني عقيل: شعر : تصيح بنا حنفية إذ رأتنا وأي الارض نذهب بالصباح تفسير : يعني إلى أي الارض، وقيل معناه فأي طريق يسلكون أبين من الطريق الذي بينه لكم {إن هو إلا ذكر للعالمين} يمكنكم أن تتوصلوا به إلى الحق. والذكر ضد السهو وعليه يتضاد العلم وأضداده، لأن الذاكر لا يخلو من أن يكون عالماً او جاهلا مقلداً أو شاكا، ولا يصح شيء من ذلك مع السهو الذي يضاد الذكر. وقال الرماني: الذكر إدراك النفس الذى يضاد للمعنى بما يضاد السهو. و "العالمين" جمع عالم. وقد فسرناه فى ما مضى. وقوله {لمن شاء منكم أن يستقيم} على أمر الله ووعظ. وقوله {وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين} قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - وما تشاؤن من الاستقامة إلا وقد شاءها الله، لانه قد جرى ذكرها فرجعت الكناية اليها، ولا يجوز أن يشاء العبد الاستقامة إلا وقد شاءها الله، لانه أمر بها ورغب فيها أتم الترغيب، ومن ترغيبه فيه إرادته له. والثاني - وما تشاؤن شيئاً إلا أن يشاء الله تمكينكم منه، لان الكلام يقتضي الاقتدار على تمكينهم إذا شاء ومنعهم إذا شاء. الثالث - وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ان يلطف لكم فى الاستقامة لما في الكلام من معنى النعمة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال شيبتني (هود) وأخواتها (الواقعة) و {إذا الشمس كورت} وهو جميع ما وعظ الله به عباده. فان قيل: اليس ان أنساً لما سئل هل اختضب رسول الله صلى الله عليه وآله قال ما شأنه الشيب، فقال: أو شين هو يا أبا حمزة. فقال كلكم يكرهه؟ قيل عنه جوابان احدهما - أنه روي أن علياً عليه السلام لما غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وجد فى لحيته شعرات بيضاء، وما لا يظهر إلا بعد التفتيش لا يكون شيباً. الثاني - أنه أراد لو كان أمر يشيب منه إنسان لشبت من قراءة ما فى هذه السورة، وما فيها من الوعيد كما قال {أية : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى}تفسير : وإنما أراد عظم الأهوال على ما بيناه.

الجنابذي

تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ} لا زائدة او جوابيّة او نافية، والمعنى لا اقسم لعدم الحاجة الى القسم لوضوح المقسم عليه {بِٱلْخُنَّسِ} الخنّس الكواكب كلّها او السّيّارة، او النّجوم الخمسة السّيّارة غير النّيّرين، وخنوسها عبارة عن غيبوبتها تحت الافق او تحت ضوء الشّمس.

الأعقم

تفسير : {فلا أقسم بالخُّنَّسِ} قيل: معناه أقسم ولا صلة وزيادة، وقيل: هو كقولهم لا والله لا أفعل، وقيل: أقسم برب الخنس، وقيل: معناه أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلائل في التوحيد، وقيل: الخّنَّس: النجوم، عن أمير المؤمنين: "لأنها تبدو بالليل وتخنس بالنهار" وقيل: هي بقرة الوحش، وقيل: هي الظباء {الكنّس} الغيب من كنس الوحش إذا أدخله كناسة، وقيل: هي الدراري الخمسة: بهرام وزحل وعطارد والزهرة والمشتري، تجري مع الشمس والقمر وترجع حتى تختفي تحت ضوء الشمس، فخنوسها رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس، وقيل: هي جميع الكواكب، تخنس بالنهار فتغيب من العيون وتكنس الليل أي تنقطع في أماكنها كالوحوش في كناسها {والليل إذا عسعس} أدبر ظلامه، وقيل: أقبل بظلامه، وقيل: أظلم {والصبح إذا تنفس} أسفر وأضاء {إنه لقول رسول كريم} قيل: جبريل، وقيل: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {ذي قوة} في العلم والعمل من قوته أنه قلع مدائن قوم لوط بريشة من جناحه {عند ذي العرش مكين} أي عند رب العرش وخالقه رفيع المنزلة {مطاع ثمَّ} قيل: في السماوات وهو جبريل تطيعه الملائكة، وقيل: محمد مطاع في الأرض {وما صاحبكم} يعني محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {بمجنون} كما كانوا يزعمون {ولقد رآه} يعني أن محمداً رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها {بالأفق المبين} مطلع الشمس الأعلى، وعن ابن عباس: "حديث : أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبريل: "إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون عليها في السماء"، فواعده عرفات، فخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا هو جبريل أقبل من جبال عرفات ملأ ما بين المشرق والمغرب فرأسه في السماء ورجلاه في الأرض فخر مغشياً فتحول إلى صورته وضمه إلى صدره"تفسير : ، المبين: الواضح، كأنه رآه عيانا نهاراً {وما هو على الغيب بضنين} بالظاء بمتهم فيما يقول وبالضاد ببخيل فيما يؤدي {وما هو بقول شيطان رجيم} أي ليس بكذب تأتي به الشياطين {فأين تذهبون} أي إلى أين تهربون عن الحق الذي ظهر، وقيل: إلى أين تعدلون عن هذا القرآن وهو الشفاء والهدى {إن هو إلا ذكر للعالمين} للخلق بما يحتاجون {لمن شاء منكم أن يستقيم} على أمر الله، والآية تدل على أن العبد مخيَّرٌ يقدر على الخير والشر {وما تشاؤون} الاستقامة {إلا أن يشاء الله} أن يخبركم {ربّ العالمين}.

اطفيش

تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ} مر ما فيه {بِالخُنَّسِ} بالكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر وهي ما سوى القمرين من السيارات ولذا وصفها بقوله *{الجَوَارِي الكُنَّسِ} أي التي تجري وتختفي تحت ضوء الشمس من كنس الوحش إذا أذخل كناسه وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر أو تختفي بغيوبها في المغرب مثلا وقيل الدراري الخمس زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد تتأخر عن مطالعها في كل عام وأيضا بينما ترى النجم في آخر البرج ذكر راجعا الى أوله وقيل الخنس الجواري الكنس الظبا تأوي الى أماكنها وعليه ابن مسعود وقال الجمهور المراد الدراري السبعة الخمسة المذكورة والشمس والقمر وقيل بقر الوحش وعن الحسن النجوم تخنس ترجع الى مطالعها في الليل القابلة أو الساعة القابلة ولو في غير الليل وهي جمع خانس وجار وكانس.

اطفيش

تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ} إِذا كان الأَمر كذلك فلا تتهاونوا أو فلا تكفروا أو فلا تعملوا سوءاً يحضركم واستأنف أقسم أو لأَنا أقسم أو لا أقسم لظهور الأَمر أو نحو ذلك مما مر وإِذا قيل لا أقسم لظهور الأَمر أشكل بأنَه قد اجاب بأَنه لقول رسول كريم فقد اقسم، الجواب أن المراد لا يليق بكم ألا تؤمنوا إِلا إِن أقسمت. {بِالْخُنَّس} الكواكب كلها فذلك من عموم السلب مع تقدم أداة السلب على أداة العموم وهى أل أو المراد الجنس خنس إِذا انقاد.

الالوسي

تفسير : جمع خانس من الخنوس وهو الانقباض والاستخفاء.

ابن عاشور

تفسير : الفاء لتفريع القسم وجوابه على الكلام السابق للإِشارة إلى ما تقدم من الكلام هو بمنزلة التمهيد لما بعد الفاء فإن الكلام السابق أفاد تحقيق وقوع البعث والجزاء وهم قد أنكروه وكذبوا القرآن الذي أنذرهم به، فلما قُضي حق الإِنذار به وذكر أشراطه فرع عنه تصديق القرآن الذي أنذرهم به وأنه موحى به من عند الله. فالتفريع هنا تفريع معنىً وتفريع ذِكرٍ معاً، وقد جاء تفريع القَسَم لمجرد تفريع ذكر كلام على كلام آخر كقول زهير: شعر : فأقسمتُ بالبيت الذي طاف حوله رجال بَنَوْه من قريش وجُرْهُم تفسير : عَقِب نسيب معلقته الذي لا يتفرع عن معانيه ما بَعْد القَسَم وإنما قصد به أن ما تقدم من الكلام إنما هو للإِقبال على ما بعد الفاء، وبذلك يظهر تفوق التفريع الذي في هذه الآية على تفريع بيت زهير. ومعنى: (لا أقسم): إيقاع القسم، وقد عُدّت (لا) زائدة، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : فلا أقسم بمواقع النجوم } تفسير : في سورة الواقعة (75). والقسم مراد به تأكيد الخبر وتحقيقه، وأدمج فيه أوصاف الأشياء المُقْسَم بها للدلالة على تمام قدرة الله تعالى. و(الخُنّس): جمع خانسة، وهي التي تخنس، أي تختفي، يقال: خنست البقرة والظبية، إذا اختفت في الكناس. و(الجواري): جمع جارية، وهي التي تجري، أي تسير سيراً حثيثاً. و{الكنس}: جمع كانسة، يقال: كَنسَ الظبي، إذا دخل كِناسه (بكسر الكاف) وهو البيت الذي يتخذه للمبيت. وهذه الصفات أريد بها صفات مجازية لأن الجمهور على أن المراد بموصوفاتها الكواكب، وصفن بذلك لأنها تكون في النهار مختفية عن الأنظار فشبهت بالوحشية المختفية في شجر ونحوه، فقيل: الخُنَّس وهو من بديع التشبيه، لأن الخنوس اختفاء الوحش عن أنظار الصيادين ونحوهم دون سكون في كناس، وكذلك الكواكب لأنها لا تُرى في النهار لغلبة شعاع الشمس على أفقها وهي مع ذلك موجودة في مطالعها. وشبه ما يبدو للأنظار من تنقلها في سمت الناظرين للأفق باعتبار اختلاف ما يسامتها من جزء من الكرة الأرضية بخروج الوحش، فشبهت حالة بُدُوّها بعد احتجابها مع كونها كالمتحركة بحالة الوحش تجري بعد خنوسها تشبيه التمثيل. وهو يقتضي أنها صارت مرئية فلذلك عقب بعد ذلك بوصفها بالكُنّس، أي عند غروبها تشبيهاً لغروبها بدخول الظبي أو البقرة الوحشية كِناسها بعد الانتشار والجري. فشبه طلوع الكوكب بخروج الوحشية من كناسها، وشبه تنقل مَرآها للناظر بجري الوحشية عند خروجها من كناسها صباحاً، قال لبيد: شعر : حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت بَكَرَتْ تَزل عن الثرى أزلامُها تفسير : وشبه غروبها بعد سيرها بكنوس الوحشية في كناسها وهو تشبيه بديع فكان قوله: {بالخنس} استعارة وكان {الجوارِ الكنس} ترشيحين للاستعارة. وقد حصل من مجموع الأوصاف الثلاث ما يشبه اللغز يحسب به أن الموصوفات ظباء أو وحوش لأن تلك الصفات حقائقها من أحوال الوحوش، والإِلغاز طريقة مستملحة عند بلغاء العرب وهي عزيزة في كلامهم، قال بعض شعرائهم وهو من شواهد العربية: شعر : فقلت أعيراني القَدوم لعلّني أخُطُّ بها قبْراً لأبيض ماجد تفسير : أراد أنه يصنع بها غِمداً لسيف صقيل مهند. وعن ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن عباس: حمل هذه الأوصاف على حقائقها المشهورة، وأن الله أقسم بالظباء وبقر الوحش. والمعروف في إقسام القرآن أن تكون بالأشياء العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى أو الأشياء المباركة. ثم عطف القسم بـــ {الليل} على القسم بــــ «الكواكب» لمناسبة جريان الكواكب في الليل، ولأن تعاقب الليل والنهار من أجل مظاهر الحكمة الإِلٰهية في هذا العالم. وعسعس الليلُ عَسْعَاساً وعسعسة، قال مجاهد عن ابن عباس: أقبل بظلامه، وقال مجاهد أيضاً عن ابن عباس معناه: أدبر ظلامه، وقاله زيد بن أسلم وجزم به الفراء وحكى عليه الإجماع. وقال المبرد والخليل: هو من الأضداد يقال: عسعس، إذا أقبل ظلامه، وعسعس، إذا أدبر ظلامه. قال ابن عطية: قال المبرد: أقسم الله بإقبال الليل وإدباره معاً ا هــــ. وبذلك يكون إيثار هذا الفعل لإفادته كلا حَالَين صالحين للقسم به فيهما لأنهما من مظاهر القدرة إذ يعقب الظلام الضياء ثم يعقب الضياء الظلام، وهذا إيجاز. وعُطف عليه القسم بالصُبح حين تنفسه، أي انشقاق ضوئه لمناسبة ذكر الليل، ولأن تنفس الصبح من مظاهر بديع النظام الذي جعله الله في هذا العالم. والتنفس: حقيقته خروج النَفس من الحيوان، استعير لظهور الضياء مع بقايا الظلام على تشبيه خروج الضياء بخروج النَفَس على طريقة الاستعارة المصرحة، أو لأنه إذا بدا الصباح أقبل معه نسيم فجُعل ذلك كالتنفس له على طريقة المكنية بتشبيه الصبح بذي نفس مع تشبيه النسيم بالأنفاس. وضمير {إنه} عائد إلى القرآن ولم يسبق له ذكر ولكنه معلوم من المقام في سياق الإخبار بوقوع البعث فإنه مما أخبرهم به القرآن وكذبوا بالقرآن لأجل ذلك. والرسول الكريم يجوز أن يراد به جبريل عليه السلام، وصف جبريل برسول لأنه مرسل من الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن. وإضافة «قول» إلى {رسول} إما لأدنى ملابسة لأن جبريل يبلغ ألفاظ القرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحكيها كما أمره الله تعالى فهو قائلها، أي صادرة منه ألفاظها. وفي التعبير عن جبريل بوصف {رسول} إيماء إلى أن القول الذي يبلغه هو رسالة من الله مأمور بإبلاغها كما هي. قال ابن عطية: وقال آخرون الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم في الآية كلها اهــــ. ولم يُعين اسم أحد ممن قالوا هذا من المفسرين. واستُطرد في خلال الثناء على القرآن الثناءُ على المَلَك المرسل به تنويهاً بالقرآن فإجراء أوصاف الثناء على {رسول} للتنويه به أيضاً، وللكناية على أن ما نزل به صِدق لأن كمال القائل يدل على صدق القول. ووُصِفَ {رسول} بخمسة أوصاف: الأول: {كريم} وهو النفيس في نوعه. والوصفان الثاني والثالث: {ذي قوة عند ذي العرش مكين}. فالقوة حقيقتها مقدرة الذات على الأعمال العظيمة التي لا يَقدر عليها غالباً. ومن أوصافه تعالى: «القوي»، ومنها مقدرة الذات من إنسان أو حيوان على كثير من الأعمال التي لا يقدر عليها أبناء نوعه. وضدها الضعف قال تعالى: { أية : اللَّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة } تفسير : [الروم: 54]. وتطلق القوة مجازاً على ثبات النفس على مرادها والإِقدام ورباطة الجأش، قال تعالى: { أية : يا يحيى خذ الكتاب بقوة } تفسير : [مريم: 12] وقال: { أية : خذوا ما آتيناكم بقوة } تفسير : [البقرة: 63]، فوصف جبريل بــــ {ذي قوة} يجوز أن يكون شدة المقدرة كما وصف بذلك في قوله تعالى: { أية : ذو مِرة } تفسير : [النجم: 6]، ويجوز أن يكونَّ في القوة المجازية وهي الثبات في أداء ما أرسل به كقوله تعالى: { أية : علمه شديد القُوى } تفسير : [النجم: 5] لأنّ المناسب للتعليم هو قوة النفس، وأما إذا كان المراد محمد صلى الله عليه وسلم فوصفه بــــ {ذي قوة عند ذي العرش} يراد بها المعنى المجازي وهو الكرامة والاستجابة له. والمكين: فعيل، صفة مشبهة من مكُن بضم الكاف مكانة، إذا علت رتبته عند غيره، قال تعالى في قصة يوسف مع المِلك: { أية : فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين } تفسير : [يوسف: 54]. وتوسيط قوله: {عند ذي العرش} بين {ذي قوة} و{مكين} ليتنازعه كلا الوصفين على وجه الإيجاز، أي هو ذو قوة عند الله، أي جعل الله مقدرة جبريل تخوِّله أن يقوم بعظيم ما يوكله الله به مما يحتاج إلى قوة القدرة وقوة التدبير، وهو ذو مكانة عند الله وزلفى. ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك على نحو ما تقدم. والعندية عندية تعظيم، وعناية، فــــ(عند) للمكان المجازي الذي هو بمعنى الاختصاص والزُلفى. وعُدل عن اسم الجلالة إلى {ذي العرش} بالنسبة إلى جبريل لتمثيل حال جبريل ومكانته عند الله بحالة الأمير الماضي في تنفيذ أمر الملك وهو بمحل الكرامة لديه. وأما بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فللإِشارة إلى عظيم شأنه إذ كان ذا قوة عند أعظم موجود شأناً. الوصف الرابع: {مُطاع} أن يطيعه من معه من الملائكة كما يطيع الجيش قائدهم، أو النبي صلى الله عليه وسلم مُطاع: أي مأمور الناسُ بطاعة ما يأمرهم به. و{ثَمَّ} بفتح الثاء اسم إشارة إلى المكان، والمشار إليه هو المكان المجازي الذي دلّ عليه قوله: {عند ذي العرش} فيجوز تعلق الظرف بــــ {مطاع} وهو أنسب لإجراء الوصف على جبريل، أي مطاع في الملأ الأعلى فيما يأمر به الملائكة والنبي صلى الله عليه وسلم مطاعٌ في العالم العلوي، أي مقرَّر عند الله أن يطاع فيما يأمر به. ويجوز أن يتعلق بــــ {أمين}، وتقديمه على متعلَّقه للاهتمام بذلك المكان، فوصف جبريل به ظاهر أيضاً، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم به لأنه مقررةٌ أمانته في الملأ الأعلى. والأمين: الذي يحفظ ما عُهد له به حتى يؤدّيه دون نقص ولا تغيير، وهو فعيل إما بمعنى مفعول، أي مأمون من أمنه على كذا. وعلى هذا يقال: امرأة أمين، ولا يقال: أمينة، وإما صِفة مشبهة من أمُن بضم الميم إذا صارت الأمانة سجيته، وعلى هذا الوجه يقال: امرأة أمينة، ومنه قول الفقهاء في المرأة المشتكية أضرار زوجها: يجعلان عند أمينة وأمين.

الشنقيطي

تفسير : ظاهر قوله تعالى: {فَلآَ أُقْسِمُ} نفى القسم، ولكنه قسم قطعاً، بدليل التصريح بجواب القسم في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}. وبهذا يترجح ما تقدم في أول سورة القيامة {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [القيامة: 1]. ومثل الآتي {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}تفسير : [البلد: 1]. تنبيه يجمع المفسرون أن للَّه تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، لأنها دالة على قدرته، وليس للمخلوق أن يحلف إلا بالله تعالى. ولكن هل في المغايرة بما يقسم الله تعالى به معنى مقصود، أم لمجرد الذكر، وتعدد المقسم به؟ وبعد التأمل، ظهر والله تعالى أعلم، أنه سبحانه لا يقسم بشيء في موضع دون غيره، إلا لغرض يتعلق بهذا الموضع، يكون بين المقسم به، والمقسم عليه مناسبة وارتباط، وقد يظهر ذلك جلياً، وقد يكون خفياً. وهذا فعلاً ما تقتضيه الحكمة والإعجاز في القرآن، وإن كنت لم أقف على بحث فيه. ولكنَّ مما يشير إلى هذا الموضوع، ما جاء بالإقسام بمكة مرتين، وفي حالتين متغايرتين. الأولى: قوله تعالى: {أية : لآَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}تفسير : [البلد: 1-4]. والموضع الثاني: قوله تعالى: {أية : وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 1-4]. فالمقسم به في الموضعين: مكة المكرمة، والمقسم عليه في الموضعين خلق الإنسان، ولكن في الموضع الأول كان المقسم عليه مكابدة الإنسان من أول ولادته إلى نشأته، إلى كده في حياته، إلى نهايته ومماته. من ذلك مكابدته صلى الله عليه وسلم منذ ولادته إلى حيث مات أبوه قبله، ولحقت به أمه، وهو في طفولته، وبعد الوحي كابد مع قومه ولقى منهم عنتاً شديداً، حتى تآمروا على قتله، فلكأنه يقول له: اصبر على ذلك، فإن المكابدة لا بد منها، هي ملازمة للإنسان كملازمتك لهذا البلد منذ ولادتك. وفي ذكر {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} إشعار ببدء المكابدة، وبأشدها من حالة الولادة وطبيعة الطفولة، ولذا ذكر هنا هذا البلد بدون أي وصف. أما في الموضع الثاني: فالمقسم عليه، وإن كان هو خلق الإنسان، إلا أنه في أحسن تقويم، وهي أعظم نعمة عليه جاء بالمقسم به عرضاً للنعم، وتعددها من التين والزيتون، سواء كان المراد بهما الفاكهة المذكورة أو أماكنها، وهو بيت المقدس مع طور سينين. فجاء بمكة أيضاً ولكن بوصف مناسب فقال: {أية : وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ}تفسير : [التين: 3] فكأنه يقول: إن من أنعم على تلك البقاع بالخير والبركة والقداسة، أنعم على الإنسان بنعمة حسن خلقته وحسن تقويمه وفضله على سائر مخلوقاته. والله تعالى أعلم. وهنا يقسم بحالات الكواكب على أصح الأقوال، في ظهورها واختفائها وجريانها، وبالليل إذا عسعس: أقبل وأدبر، أو أضاء وأظلم، والصبح إذا تنفس: أي أظهرت وأشرق، وهما أثران من آثار الشمس في غروبها وشروقها. والمقسم عليه: هو أن القرآن قول رسول كريم كأنه يقول: إن القرآن المقسم عليه حاله في الثبوت والظهور، وحال الناس معه. كحال هذه الكواكب الثوابت لديكم في ظهورها تارة، واختفائها أخرى. وكحال الليل والصبح فهو عند أناس موضع ثقة وهداية كالصبح في إسفاره، قلوبهم متفتحة إليه وعقولهم مهتدية به، فهو لهم روح ونور، وعند أناس مظلمة أمامه قلوبهم عمى عنه بصائرهم، وفي آذانهم وقر، وهو عليهم عمى، وأناس تارة وتارة كالنجوم أحياناً، وأحياناً، تارة ينقدح نوره في قلوبهم، فتظهر معالمه فيسيرون معه، وتارة يغيب عنهم نوره فتخنس عنه عقولهم وتكنس دونه قلوبهم، كما قال تعالى عنهم: {أية : كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ}تفسير : [البقرة: 20]. وليس بعيداً أن يقال: إنه من وجه آخر، تعتبر النجوم كالكتب السابقة، مضى عليها الظهور في حينها والخفاء بعدها. والليل إذا عسعس: هو ظلام الجاهلية. والصبح إذا تنفس: يقابله ظهور الإسلام، وأنه سينتشر انتشار ضوء النهار، ولا تقوى قوة قط على حجبه، وسيعم الآفاق كلها، مهما وقفوا دونه {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [الصف: 8]. وقد يكون في هذا الإيراد غرابة على بعض الناس، ولا سيما وأني لم أقف على بحث مستقل فيه، ولا توجيه يشير إليه، ولكن مع التتبع وجدت اطراده في مواضع متعددة، وجدير بأن يفرد برسالة. ومما أطرد فيه هذا التوجيه سورة الضحى، يقول الله تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}تفسير : [الضحى: 1-3]، فإن المقسم عليه عدم تركه صلى الله عليه وسلم ولا التخلي عنه، فجاء بالمقسم به قسمي الزمن ليلاً ونهاراً، كأنه يقول له: ما قلاك ربك ولا تخلى عنك، لا في ضحى النهار حيث تنطلق لسعيك، ولا في ظلمة الليل حين تأوي إلى بيتك. ومعلوم ما كان من عمه أبي طالب حينما كان يجعله ينام مع اولاده ليلاً، حتى إذا أخذ الجميع مضاجعهم يأتي خفية فيقيمه من مكانه. ويضع أحد أولاده محله، حتى لو كان أحد نواه بسوء، وقد رآه في مكانه الأول يصادف ولده، ويسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الضحى: 4]، أي من كل ما طلعت عليه الشمس وسجاه الليل. ومنه أيضاً: وهو أشد ظهوراً في سورة العصر قال تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [العصر: 1-3]، إلى آخر السورة. فإن المقسم عليه هو حالة الإنسان، الغالية عليه من خسر، إلاَّ من استثنى الله تعالى، فكان المقسم به، والعصر المعاصر للإنسان: طيلة حياته وهو محل عمله، الذي به يخسر ويربح. وهو معاصر له وأصدق شاهد عليه. وكنت قد سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: إن العمر وزمن الحياة حجة على الإنسان كالرسالة والنذارة سواء، وذكر قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ}تفسير : [فاطر: 37]، فجعل في الآية التعمير، وهو إشغال العمر موجباً للتذكر والتأمل، ومهلة للعمل، كما تخبر إنساناً بأمر ثم تمهله إلى أن يفعل ما مر به، فهو أمكن في الحجة عليه. فكان القسم في العصر على الربح والخسران، أنسب ما يكون بينهما، إذ جعلت حياة الإنسان كسوق قائمة والسلعة فيه العمل والعامل هو الإنسان. كما قال تعالى: {أية : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}تفسير : [الصف: 10-11]. وفي الحديث الصحيح عند مسلم: "حديث : سبحان الله تملأ الميزان، وفيه كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"تفسير : ، فإن كان يشغل عمره في الخير فقد ربح، وأعتق نفسه وإلاَّ فقد خسر وأهلكها". ويشير لذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ}تفسير : [التوبة: 111]. فصح أن الدنيا سوق، والسلعة فيها عمل الإنسان، والمعاملة فيه مع الله تعالى، فظهر الربط والمناسبة مع المقسم به، والمقسم عليه. قوله تعالى:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}. أجمعوا على أن المراد بالقول هو القرآن، وأما المراد بالرسول الكريم جبريل عليه السلام بدليل قوله تعالى: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 20-22]. فصاحبكم هنا: هو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي صحبهم منذ ولادته وذو القوة عند ذي العرش: هو جبريل عليه السلام، وفي إسناد القول إليه ما قد يثير شبهة أن القول منه، مع أنه كلام الله تعالى. وقد أجاب الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب، بإيراد النصوص الصريحة في أن القرآن كلام الله تعالى، وقال: وإن في نفس هذه الآية ما يرد هذه الشبهة، ويثبت تلك الحقيقة، وهي قوله تعالى: {لَقَوْلُ رَسُولٍ} لأن الرسول لا يأتي بقول من عنده، وإنما القول الذي جاء به هو ما أرسل به من غيره، إلى ما أرسل إليه به. تنيبه في وصف جبريل عليه السلام بتلك الأوصاف. نص في تمكينه من حفظ ما أرسل به، وصيانته عن التغيير والتبديل، لأنه مكين، فلا يصل إليه ما يخل برسالته، ولأنَّه مطاع ثم. والمطاع لا يؤثر عليه غيره، والأمين لا يخون ولا يبدل، فكان القرآن الذي جاء به مصوناً من أن يتسلط أحد عليه فيغيره، ومن أن يغيره الذي جاء به، وهذا كله بمثابة الترجمة لسند تلقي القرآن الكريم. وقوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22] بيان لتتمة السند، حيث قال: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ}تفسير : [التكوير: 23-24]، فنفى عنه صلى الله عليه وسلم نقص التلقي بنفي آفة الجنون، فهو في كمال العقل وقوة الإدراك، ومن قبل أثبت له كمال الخلق {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 4]. وأثبت له اللقيا، فلم يلتبس عليه جبريل بغيره، وهي أعلى درجات السند، فاجتمع له صلى الله عليه وسلم الكمال الخلقي. والكمال الخلقي - بضم الخاء وكسرها - أي الكمال حساً ومعنى، ثم نفى عنه التهمة بأن يضمن بشيء مما أرسل به مع نفاسته وعلو منزلته وجليل علومه، وأنه كلام رب العالمين. وفي الختام إفهامهم: بأنه ليس بقول شيطان رجيم، حيث تقدم {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}تفسير : [الشعراء: 212]. وأن من يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلم يبق لهم موجب للانصراف عنه، وألزموا بالأخذ به حيث أصبح من الثابت أنه كلام الله، جاء به رسول كريم، وبلغة لصاحبكم صاحب الخلق العظيم، وليس بقول شيطان رجيم. فلزمهم الأخذ به، وإلاَّ فأين تذهبون. أين تسيرون عنه، بعد أن ثبت لكم سنده ومصدره؟ ونظير هذا السند في تمجيد القرآن وإثبات إتيانه من الله، قوله تعالى في أول سورة النجم: {أية : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النجم: 2-7].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الخنس: أي التي تخنس بالنهار أي تختفي وتظهر بالليل. الجواري الكنس: أي التي تجري أحيانا وتكنس في مكانسها أحيانا أخرى والمكانس محل إيوائها كمكانس بقر الوحش وهي الدرارى الخمسة عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل. إذا عسعس: أي أقبل أو أدبر لأن عسعس من أسماء الأضداد. تنفس: أي امتد حتى يصير نهاراً بيّناً. إنه: أي القرآن. لقول رسول كريم: أي جبريل كريم على الله تعالى وأضيف إليه القرآن لنزوله به. ذو قوة: أي شديد القوى. عند ذي العرش مكين: أي عند الله تعالى ذي مكانة. مطاع ثم أمين: أي مطاع في السماء تطيعه الملائكة أمين على الوحي. وما صاحبكم بمجنون: أي محمد صلى الله عليه وسلم أي ليس به جنون. ولقد رآه بالأفق المبين: أي ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلق عليها بالأفق الأعلى البيّن من ناحية المشرق. وما هو على الغيب: أي وما محمد صلى الله عليه وسلم على الغيب وهو ما غاب من الوحي وخبر السماء. بضنين: أي ببخيل وفي قراءة بالظاء اي بمتهم فيُنْقِصُ منه ولا يعطيه كلَّه. وما هو بقول شيطان رجيم: أي وليس القرآن بقول شيطان مسترق للسمع مرجوم. فأين تذهبون: أي فأيّ طريق تسلكون في إِنكاركم القرآن وإِعراضكم عنه. ما هو إلا ذكر للعالمين: أي ما القرآن إلا موعظة للإِنس والجن. أن يستقيم: أي يتحرى الحق ويعتقده ويعمل بمقتضاه. وما تشاءون إلا أن يشاء الله: أي ومن شاء الاستقامة منكم فإِنه لم يشأها إلا بعد أن شاءها الله قبله إذ لو لم يشأها الله ما أشاءها عبده. معنى الآيات: لما قرر تعالى عقيدة البعث والجزاء بوصف كامل لأحداثها وكان الوصف من طريق الوحي فافتقر الموضوع إلى صحة الوحي والإِيمان به فإِذا صح الوحي وآمن به العبد آمن بصحة البعث والجزاء. ومن هنا أقسم تعالى بأعظم قسم على أن القرآن نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم وما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله ووحيه وليس هو بمجنون يقول ما لا يدري ويهذر بما لا يعني ولا هو بقول شيطان رجيم ممن يسترقون السمع ويلقونه إلى إخوانهم من الكهان بل هو كلام الله صدقا وحقاً وما يخبر به كما يخبر صدق وحق فقال تعالى {فَلاَ} أي ليس الأمر كما تدعون بأن ما يقوله رسولنا هو من جنس ما تقوله الكهنة. ولا مما يقوله الشعراء، ولا هو بكلام مجانين. ولا هو سحر الساحرين أقسم بالخنس الجواري الكنس أي بكل ما يخنس ويجري ويكنس من الظباء وبقر الوحش والكواكب والدراري الخمسة عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل. والمراد من الخنوس الاختفاء والكنوس إيواءها إلى مكانسها مواضع إيوائها. وقوله {وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} أي أقسم بالليل إذا أقبل أو أدبر إذ لفظ عسعس بمعنى أقبل وأدبر فهو لفظ مشترك بين الإِقبال والإِدبار {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي امتد ضوءه فصار نهاراً بيناً أقسم بكل هذه المذكرات على أن القرآن الذي يصف لكم البعث والجزاء حق الوصف هو قول رسول كريم أي جبريل الكريم على ربّه ذي قوة لا يقادر قدرها فلا يقدر إنس ولا جن على انتزاع ما عنده من الوحي ولا على زيادة فيه أو نقص منه. عند ذي العرش سبحانه وتعالى مكين أي ذي مكانة محترمة مطاع في السماوات أمين على الوحي هذا أولاً وثانياً والله وما صاحبكم محمد صلى الله عليه وسلم {بِمَجْنُونٍ} كما تقولون {وَلَقَدْ رَآهُ} أي رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبرل بالأفق المبين رآه على صورته التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح رآه بالأفق ناحية الشرق وقد سد الأفق كله، والأفق بيّن والنهار طالع. {وَمَا هُوَ} أي محمد صلى الله عليه وسلم {عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ} أي بمظنون فيه التهمة بأن يزيد فيه أو ينقص منه أو يبدل أو يغير كما هو ليس ببخيل فيظن فيه أنه يكتم منه شيئاً أو يخفيه بخلا به أو ينقص منه شحاً به وبخلاً. {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} ممن يسترقون السمع ويلقونه إلى أوليائهم من الإِنس فيخلطون فيه ويكذبون. وقوله تعالى: {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ} ينكر عليهم مسلكهم الشائن في تكذيب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم واتهامه بالسحر، والقرآن بالشعر والكهانة والأساطير. وقوله إن هو إلا ذكر للعالمين أي ما القرآن الكريم إلا ذكر للعالمين من الإِنس والجن يذكرون به خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم وما له عليهم من حق العبادة وواجب الشكر ويتعظون به فيخافون ربهم فلا يعصونه بترك فرائضه عليهم ولا بارتكاب ما حرمه عليهم وقوله تعالى لمن شاء منكم أن يستقيم على منهاج الحق فيتحرى الحق أولا ويؤمن به ويعمل بمقتضاه ثانيا. ولما سمع أبو جهل هذه الآية {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} قال الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم. أنزل تعالى قوله {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} فاكبت اللعين فاعلم أن من شاء الاستقامة من العالمين لم يشأها إلا بعد أن شاءها الله تعالى له ولو لم يشأها الله تعالى والله ما شاءها العبد أبدا إذ مشيئة الله سابقة لمشيئة العبد، وفي كل ما يشاؤه الإِنسان فإِن مشيئة الله سابقة لمشيئته لأن الإِنسان عبد والله رب والرب لا مشيئة تسبق مشيئته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية الإِقسام بالله تعالى وأسمائه وصفاته. 2- تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية. 3- بيان صفات جبريل الكمالية الأمانة، القوة، علو المكانة، الطاعة، الكرم. 4- براءة الرسول مما اتهمه به المشركون. 5- بيان أن مشيئة الله سابقة لمشيئة العبد. فلا يقع في ملك الله تعالى إلا ما يريد.

القطان

تفسير : الخنّس: جمع خانس وخانسة، وهي التي تختفي. الجوارِ الكنّس: جمعُ جارية، والكنس جمع كانس وكانسة، وهي التي تستتر، والمراد بالخنّس والكنس النجوم. اذا عسعس: اذا اقبل بظلامه. اذا تنفّس: اذا اسفر وظهر ضياؤه. رسول كريم: جبريل. عند ذي العرش: عند الله. مكين: صاحب مكانة وجاهٍ عند ربه. ثَمّ: بفتح الثاء، هناك. صاحبكم: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. بالأفق المبين: الأفق الأعلى الواضح، الجهة العليا. ضنين: بخيل. رجيم: مرجوم مطرود من رحمة الله. بعد ان ذكر الله تعالى بعض اهوال يوم القيامة، وكلَّ ما سبق - أقسم هنا بأيمان مؤكدة بالنجوم الخُنّس، والكنَّس، وبالليلِ اذا أقبل ظلامُه، وبالصبحِ اذا أسفَرَ وظهر نورُه. وما أجملَ قوله تعالى {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}! ولا يعرف هذه الحقيقة الا الذي يقوم مبكّرا، ويرى جمالَ إسفارِ الصباح ويشمُّ النسيم العليلَ الذي يُنعش النفوس. لقد اقسم الله تعالى بهذه الأشياء العظيمة، أن القرآنَ الكريم ليس من كلام محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما هو كلامُ الله جاء به جبريلُ، وهو رسولٌ كريم وصاحبُ قوةٍ في أداءِ مهمته، {عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} وذو جاهٍ ومنزلة عند ربه العليّ العظيم، كما أنه مطاع بين الملائكة المقربين. ثم وصف الرسولَ الكريمَ مخاطباً قومه فقال {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} فهو محمد الذي عرفتموه وخبرتموه وكنتم تنعتونه "بالأمين"! لماذا بعد ان جاءته الرسالة قلتم عنه انه مجنون؟ {وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} كيف تقولون هذه الأقوال الكاذبة عنه، وهو الذي رأى جبريلَ بالأفق المبين الواضح، كما جاء في سورة النجم: {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ} تفسير : [النجم: 11-14]. {وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ} ليس محمّد بالمتهَم على القرآن وما فيه، ولا ببخيلٍ يقصّر في تبليغه وتعليمه، بل هو ثقةٌ أمين. {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} ما هذا القرآن الذي يتكلم به النبيّ قولَ شيطانٍ مرجوم مطرودٍ من رحمة الله. ثم بين لهم انهم قومٌ قد ضلّوا طريقَ الهدى، وجهِلوا سبيل الحكمة فقال: {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}. أي طريقٍ أهدَى من هذا الطريق تسلكون!! ليس هذا القرآن العظيم الا تذكرةً للناس جميعا، يأمرهم بالخير، ويزجرُهم عن الشر، وهو هدايةٌ وتذكِرة {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ}. أما من يصرّ على الضلال فلا ينتفع بذِكر، ولا تؤثّر فيه موعظة {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} وكلٌّ اليه راجعون. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي: بظنين بالظاء، وقرأ الباقون بضنين، بالضاد.

د. أسعد حومد

تفسير : (15) - أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى بِالنُّجُومِ التِي تَغِيبُ عَنِ العُيُونِ فِي النَّهَارِ، وَتَخْتَفِي عَنِ الأَبْصَارِ، وَكَأَنَّهَا تَخْنُسُ فِي النَّهَارِ. وَلاَ لِتَوْكِيدِ القَسَمِ، وَقِيلَ إِنَّهَا صِلَةٌ مِثلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (أية : لَئِلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ).

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} فالخُنَّسُ هي النّجومُ تَخنُسُ بالنّهارِ. والجَوَارُ الكُنَّسِ: هي النّجومُ، وهي خَمسةُ كَواكبٍ مرجان وزحل وعطارد وبهرام والزهرةُ. ويقال الجَوَارُ الكُنَّسِ: بقرُ الوَحشِ والظباء.

الجيلاني

تفسير : وبعدما عدَّ سبحانه أحوال القيامة وأهوالها أشار إلى ما يدل على التأكيد والمبالغة في وقوعها فقال: {فَلاَ أُقْسِمُ} أي: لا حاجة إلى القسم؛ لإثبات هذه المذكورات؛ إذ هي في غاية السهولة والظهور عند القدرة الغالبة الإلهية، بل أقسم {بِٱلْخُنَّسِ} [التكوير: 15] أي: بالنفوس الزكية عن لوث الناسوت، الراجعة إلى عالم اللاهوت، وحضرة الرحموت قبل قيام الساعة؛ لصفاء مشربها، ونظافة طينتها. {ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} [التكوير: 16] أي: أقسم أيضاً بنفوس الشطار الطائرين إلى الله، المختفين تحت قباب عزه، وشمس ذاته، بحيث لا يعرفهم أحد سواه سبحانه. {وَ} حق {ٱللَّيْلِ} أي: عالم العماء الإلهي {إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17] أقبل ظلامه واشتد، بحيث اختفى فيه عموم ما ظهر وبطن. {وَ} بحق {ٱلصُّبْحِ} أي: عالم الجلاء المنعكس من ذلك العماء اللاهوتي {إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير: 18] أي: أضاء وأشرق على أهل الفناء الفانين عن الفناء، المتعطشين يزلان البقاء. {إِنَّهُ} يعني: أقسم سبحانه بهذه المقسمات العظيمة أن القرآن {لَقَوْلُ رَسُولٍ} مرسل من قِبَل الله {كَرِيمٍ} [التكوير: 19] متصف بالكرامة والأمانة؛ يعني: العقل الكل المسمّى بجبريل. {ذِي قُوَّةٍ} غالبة على حمل الوحي الإلهي {عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ} العظيم المحيط بعروش عموم المظاهر {مَكِينٍ} [التكوير: 20] ذي مرتبة عظيمة. {مُّطَاعٍ ثَمَّ} أي: في عالم الأسماء والصفات؛ إذ عموم المدارك والقوى تابعة مطيعة للعقل الكلي الذي هو حضرة العلم الإلهي، ولوح قضائه {أَمِينٍ} [التكوير: 21] حفيظ على الوحي الإلهي بالتوفيق الإلهي، بحيث لا يشذ عنه شيء من أوامره ونواهيه. {وَ} أيضاً أقسم سبحانه بتلك المقسمات على أنه {مَا صَاحِبُكُمْ} الذي نزل عليه هذا إلاَّ أمين بهذا الكتاب المبين؛ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم {بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22] ومختل القوى والآلات، كما زعمتم؛ إذ زعمكم هذا بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم إنما هو من غاية انحطاطكم عن رتبته، وجهلكم بمكانته، وإلاَّ فهو صلى الله عليه وسلم في أعلى طبقات الإدراك. {وَ} كيف لا يكون صلى الله عليه وسلم في أعلى طبقات الإدراك والمعرفة {لَقَدْ رَآهُ} يعني: علم وعرف صلى الله عليه وسلم جبريل الذي هو العقل الكل {بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} [التكوير: 23] الذي هو حضرة العلم الإلهي، ولوح قضائه؟! {وَمَا هُوَ} صلى الله عليه وسلم {عَلَى ٱلْغَيْبِ} الذي أطلعه الحق عليه من المعارف والحقائق، والرموز والإشارات المتعلقة بتصفية الظاهر والباطن، وتخلية السر والضمير عن الالتفات إلى الغير مطلقاً {بِضَنِينٍ} [التكوير: 24] بخيل شحيح، سيما بعدما أمره سبحانه بنشرها وتبليغها، وما هو على المغيبات التي نطق بها بمقتضى الوحي الإلهي، وإلهامه بظنين منهم، يتهمه أحد، وينسبه إلى الافتراء المستبعد عن علو شأنه، ورفعة قدره ومكانه صلى الله عليه وسلم بمراحل. {وَ} كذا {مَا هُوَ} يعني: القرآن الذي هو تكلم به، ونزل عيه {بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} [التكوير: 25] أي: ما هو شعر وكهانة ناشئة من شياطين الوهم والخيال، كما زعمه أهل الزيغ والضلال المترددين في أودية الجهل والغفلة، وهاوية العناد و الجدال. وبعدما لاح عظم شأن القرآن، ورفعة قدره، وعلو مكانته {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26] تعدلون وتنصرفون عن جادة العدالة الإلهية أيها الضالون المضلون؟. {إِنْ هُوَ} أي: ما هذا القرآن العظيم {إِلاَّ ذِكْرٌ} عظة كبيرة {لِّلْعَالَمِينَ} [التكوير: 27] أي: لعموم من جُبل على فطرة التذكر، وقابلية الإرشاد والتكميل. {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28] أي: عظة وتذكير لمن قصد الاستقامة على صراط العدالة الإلهية، تذكر به واتعظ؛ لإرشاده وهدايته. {وَ} غاية ما في الباب: إنه {مَا تَشَآءُونَ} وتختارون طريق الهداية والرشاد لأنفسكم {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} هدايتكم، ويوفقكم على الاستقامة والرشاد عنايةً منه وفضلاً؛ إذ عموم أفعالكم إنما هي مستندة إلى الله، صادرة منه سبحانه أصالة؛ إذ هو سبحانه {رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] لا مربي في الوجود سواه، ولا مدِّبر في الشهود إلاَّ هو، ومقتضى تربيته وتكميله: إرشاد عباده وتوفيقهم إلى ماهو أصلح لهم، وأليق بحالهم. وفقنا بفضلك وجودك بما تحب وترضى أنت عنَّا يا مولانا. خاتمة السورة عليك أيها الطالب لتوفيق الحق، وتربيته على الوجه الأصلح الأليق أن تفوِّض عموم أمورك، وأعمالك وأحوالك كلها إلى مشيئة الله، وتسلمها إليه سبحانه طوعاً ورغبةً بلا توهم تخيير واختيار منك، وإرادة جزئية أو كلية؛ إذ ليس لك من الأمر شيء، بل الأمور الجارية كلها لله، وبمقتضى تقديره وقضائه، وليس لك إلاَّ التسليم والرضا بجميع ما جرى عليك من القضاء. وإياك إياك الاغترار بحياة الدنيا، الفرار الفرار، وما فيها من المزخرفات الخداعة المكارة، فإنها دار العتو والاعتبار، لا منزل الإقامة والقرار، واللائق بحال الفطن الذكي ألاَّ يتمكن فيها إلاَّ على وجه الضرورة والاضطرار، ولا على سبيل الرضا والاختيار. جعلنا الله ممن تثبه ببطلان الدنيا الدنيَّة وعموم ما فيها، وعدم ثباتها وقرارها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} [التكوير: 15-16]؛ أي: أقسم بالآيات في ضوء شمس الذات؛ يعني: بالأنوار المودعة في قوة القلبية التي إذا طلعت شمس اللطيفة الأنانية يهلك في ضوئها، وتستر بيضائها، ويرجع إلى أصلها، {وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17]؛ يعني: بالأنوار الجلالية أودعناها في ليل القالب إذا أدبر، {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير: 18]؛ يعني: بالنور الجمالي الذي أودعناه في يوم لدليل بعده إذا تنفس وهو صبح القيامة، {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [التكوير: 19] هذا جواب القسم؛ يعني: هذا التقدير لقول رسول كريم {ذِي قُوَّةٍ} [التكوير: 20] قوي علي وهو أمين {عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} أشار إلى العرش لأنك لا تشك فيما يرد عليك من القوى المخزونة في دماغك أن هذا الوارد يكون مثل ذلك، {مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 21]؛ يعني: يطاوعك لذلك الوارد جميع القوى الروحانية ويقرون بحقيقته، وهو أمين على وحي الحق وإلهامه يبلِّغ صاحبه بلا زيادة ونقصان، {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22]؛ أي: اللطيفة المبلغة بعد ورود الوارد وتبليغها رسالة الحق، ما هو بمجنون فيما تكلم به، ويخاطب معكم ما كنتم تستمعون من أحد قبل. {وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} [التكوير: 23]؛ يعني: صاحب الوارد الإلهي وهو إشارة إلى: أفق محمد صلى الله عليه وسلم خاصة في هذا المقام؛ لأن أفق آدم عليه السلام كان متصلاً بأفق نوح، كان متصلاً بأفق إبراهيم، كان متصلاً بأفق موسى، وأفق موسى كان متصلاً بأفق داود، وأفق داود كان متصلاً بأفق عيسى، وأفق عيسى كان متصلاً بأفق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وأفق محمد صلى الله عليه وسلم كان متصلاً بالحق وهو أفق الأعلى من طرق الخلق؛ يعني: ليس أفق أعلى من أفقه وهو الأفق المبين من طرف الحق، كما أن للمعدن أفقاً إلى حد النبات، وللنبات أفقاً إلى حد الحيوان، وللحيوان أفقاً إلى حد الإنسان، والإنسان صاحب الأفقين العلويين والسفليين ولأجل هذا كان وسطاً وخيراً، فهكذا صارت أمة محمد صلى الله عليه سلم وسطاً كما قال الله تعالى في كتابه: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}تفسير : [البقرة: 143]، وقال الله تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}تفسير : [آل عمران: 110] وفي حقيقة الأفق سر يتعلق بحد القرآن مما لا يجوز إفشاؤه، هذا بساط قد طويناه، {وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24]؛ يعني: وما اللطيفة المبلغة بضنين؛ أي: متهم عن الواردات الغيبية ولا بخيل بإبلاغها، {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} [التكوير: 25] وما هذا الوارد بإلقاء الشيطان الرجيم، {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ}؛ أي: أين تعدلون عن الصراط المستقيم وتشكون في صدق الوارد، ثم تكلم به قبل ورود الوارد وهذه اللطيفة كانت معكم، أفلا تصدقونه فيما يقول من الوارد الغيبي: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [التكوير: 27]؛ أي ليس هذا الوارد إلا ذكراً ووعظاً لجميع العالم إن آمنوا به وعملوا بما فيه، {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28] إزاغته عن الصراط المستقيم بإنكاره الوارد والاستهزاء لصاحب الوارد المبلغ، {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]؛ يعني: ما تشاءون هداية أحد وإضلاله إلا أن يشاء الله هدايته وإضلاله، يضل به من يشاء، ويهدي به من يشاء وهو رب العالمين، يربيهم بلطفه وقهره كما يشاء {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}تفسير : [الأنبياء: 23] من إعطاء التوفيق لأحد والخذلان لأخر ويسألون بحكمه وحكمته. اللهم أعذنا من الخذلان وشرفنا بالتوفيق لقبول الوحي عن الرب بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان على سبيل التحقيق.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أقسم تعالى { بِالْخُنَّسِ } وهي الكواكب التي تخنس أي: تتأخر عن سير الكواكب المعتاد إلى جهة المشرق، وهي النجوم السبعة السيارة: " الشمس "، و " القمر "، و " الزهرة "، و " المشترى "، و " المريخ "، و " زحل "، و " عطارد "، فهذه السبعة لها سيران: سير إلى جهة المغرب مع باقي الكواكب والأفلاك، وسير معاكس لهذا من جهة المشرق تختص به هذه السبعة دون غيرها. فأقسم الله بها في حال خنوسها أي: تأخرها، وفي حال جريانها، وفي حال كنوسها أي: استتارها بالنهار، ويحتمل أن المراد بها جميع النجوم الكواكب السيارة وغيرها. { وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } أي: أدبر وقيل: أقبل، { وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } أي: بانت علائم الصبح، وانشق النور شيئا فشيئا حتى يستكمل وتطلع الشمس، وهذه آيات عظام، أقسم الله بها على علو سند القرآن وجلالته، وحفظه من كل شيطان رجيم فقال: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } وهو: جبريل عليه السلام، نزل به من الله تعالى، كما قال تعالى: { وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ } ووصفه الله بالكريم لكرم أخلاقه، وكثره خصاله الحميدة، فإنه أفضل الملائكة، وأعظمهم رتبة عند ربه، { ذِي قُوَّةٍ } على ما أمره الله به. ومن قوته أنه قلب ديار قوم لوط بهم فأهلكهم. { عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ } أي: جبريل مقرب عند الله، له منزلة رفيعة، وخصيصة من الله اختصه بها، { مَكِينٍ } أي: له مكانة ومنزلة فوق منازل الملائكة كلهم. { مُطَاعٍ ثَمَّ } أي: جبريل مطاع في الملأ الأعلى، لديه من الملائكة المقربين جنود، نافذ فيهم أمره، مطاع رأيه، { أَمِينٍ } أي: ذو أمانة وقيام بما أمر به، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى ما حد له، وهذا [كله] يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الكريم، الموصوف بتلك الصفات الكاملة. والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات، وأشرف الرسائل. ولما ذكر فضل الرسول الملكي الذي جاء بالقرآن، ذكر فضل الرسول البشري الذي نزل عليه القرآن، ودعا إليه الناس فقال: { وَمَا صَاحِبُكُمْ } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { بِمَجْنُونٍ } كما يقوله أعداؤه المكذبون برسالته، المتقولون عليه من الأقوال، التي يريدون أن يطفئوا بها ما جاء به ما شاءوا وقدروا عليه، بل هو أكمل الناس عقلا وأجزلهم رأيا، وأصدقهم لهجة. { وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ } أي: رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام بالأفق البين، الذي هو أعلى ما يلوح للبصر. { وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ } أي: وما هو على ما أوحاه الله إليه بمتهم يزيد فيه أو ينقص أو يكتم بعضه، بل هو صلى الله عليه وسلم أمين أهل السماء وأهل الأرض، الذي بلغ رسالات ربه البلاغ المبين، فلم يشح بشيء منه، عن غني ولا فقير، ولا رئيس ولا مرءوس، ولا ذكر ولا أنثى، ولا حضري ولا بدوي، ولذلك بعثه الله في أمة أمية، جاهلة جهلاء، فلم يمت صلى الله عليه وسلم حتى كانوا علماء ربانيين، وأحبارا متفرسين، إليهم الغاية في العلوم، وإليهم المنتهى في استخراج الدقائق والفهوم، وهم الأساتذة، وغيرهم قصاراه أن يكون من تلاميذهم. { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } لما ذكر جلالة كتابه وفضله بذكر الرسولين الكريمين، اللذين وصل إلى الناس على أيديهما، وأثنى الله عليهما بما أثنى، دفع عنه كل آفة ونقص مما يقدح في صدقه، فقال: { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } أي: في غاية البعد عن الله وعن قربه، { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } أي: كيف يخطر هذا ببالكم، وأين عزبت عنكم أذهانكم؟ حتى جعلتم الحق الذي هو في أعلى درجات الصدق بمنزلة الكذب، الذي هو أنزل ما يكون [وأرذل] وأسفل الباطل؟ هل هذا إلا من انقلاب الحقائق. { إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } يتذكرون به ربهم، وما له من صفات الكمال، وما ينزه عنه من النقائص والرذائل [والأمثال]، ويتذكرون به الأوامر والنواهي وحكمها، ويتذكرون به الأحكام القدرية والشرعية والجزائية، وبالجملة، يتذكرون به مصالح الدارين، وينالون بالعمل به السعادتين. { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ } بعدما تبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال. { وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } أي: فمشيئته نافذة، لا يمكن أن تعارض أو تمانع. وفي هذه الآية وأمثالها رد على فرقتي القدرية النفاة، والقدرية المجبرة كما تقدم مثلها [والله أعلم والحمد لله].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} [15-16] 670 - أنا محمدُ بنُ المُثنى، نا محمدٌ، نا شُعبةُ، عن الحجاجِ ابن عاصمٍ، عن أبي الأسودِ، عن عمرو بن حُريثٍ قال: حديث : صَلَّيتُ خلفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصُّبحَ فَسَمِعْتُهُ يقرأُ {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} .

همام الصنعاني

تفسير : 3516- عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، قال: أخبرني زكريا، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل قال: قال لي ابن مسعود: {بِٱلْخُنَّسِ}: [الآية : 15]، فإنكم قَوْمٌ عَربٌ؟ قال: قلت أظنه بقر الوحش. قال: ابن مسعود: وأنا أظن ذَلِكَ. 3517- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ}: [الآية: 15]، قال: هي النجوم تَخْنِسُ بالنهار قال: {ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ}: [الآية: 16]، قال: سيرهن إذا غِبْنَ. 3518- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال: بعضهم {بِٱلْخُنَّسِ} الجوار {ٱلْكُنَّسِ} هي الظباء.