٨٢ - ٱلْإِنْفِطَار
82 - Al-Infitar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المراد أنه إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر والنشر، وفي تفسير هذه الآيات مقامات الأول: في تفسير كل واحد من هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة وهي ههنا أربعة، اثنان منها تتعلق بالعلويات، واثنان آخران تتعلق بالسفليات الأول: قوله: {إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } أي انشقت وهو كقوله: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء * بِـٱلْغَمَامِ } تفسير : [الفرقان: 25]، {أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ }تفسير : [الإنشقاق: 1]، {أية : فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدّهَانِ }تفسير : [الرحمن: 37]، {أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوٰباً }تفسير : [النبأ: 19] و{أية : السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ } تفسير : [المزمل: 18] قال الخليل: ولم يأت هذا على الفعل، بل هو كقولهم: مرضع وحائض، ولو كان على الفعل لكان منفطرة كما قال: {إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } أما الثاني وهو قوله: {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ } فالمعنى ظاهر لأن عند انتقاض تركيب السماء لا بد من انتثار الكواكب على الأرض. واعلم أنا ذكرنا في بعض السورة المتقدمة أن الفلاسفة ينكرون إمكان الخرق والالتئام على الأفلاك، ودليلنا على إمكان ذلك أن الأجسام متماثلة في كونها أجساماً، فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر، إنما قلنا: إنها متماثلة لأنه يصح تقسيمها إلى السماوية والأرضية ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فالعلويات والسفليات مشتركة في أنها أجسام، وإنما قلنا: إنه متى كان كذلك وجب أن يصح على العلويات ما يصح على السفليات، لأن المتماثلات حكمها واحد فمتى يصح حكم على واحد منها، وجب أن يصح على الباقي، وأما الإثنان السفليان: فأحدهما: قوله: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجّرَتْ } وفيه وجوه أحدهما: أنه ينفذ بعض البحار في البعض بارتفاع الحاجز الذي جعله الله برزخاً، وحينئذ يصير الكل بحراً واحداً، وإنما يرتفع ذلك الحاجز لتزلزل الأرض وتصدعها. وثانيها: أن مياه البحار الآن راكدة مجتمعة، فإذا فجرت تفرقت وذهب ماؤها وثالثها: قال الحسن: فجرت أي يبست. واعلم أن على الوجوه الثلاثة، فالمراد أنه تتغير البحار عن صورتها الأصلية وصفتها، وهو كما ذكر أنه تغير الأرض عن صفتها في قوله: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [ابراهيم: 48] وتغير الجبال عن صفتها في قوله: {أية : فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً } تفسير : [طه: 106,105] ورابعها: قرأ بعضهم: {فُجّرَتْ } بالتخفيف، وقرأ مجاهد: {فُجّرَتْ } على البناء للفاعل والتخفيف، بمعنى بغت لزوال البرزخ نظراً إلى قوله: {أية : لاَّ يَبْغِيَانِ }تفسير : [الرحمن: 20] لأن البغي والفجور أخوان. وأما الثاني: فقوله: {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } فاعلم أن بعثر وبحثر بمعنى واحد، ومركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما، والمعنى أثيرت وقلب أسفلها أعلاها وباطنها ظاهرها، ثم ههنا وجهان أحدهما: أن القبور تبعثر بأن يخرج ما فيها من الموتى أحياء، كما قال تعالى: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } تفسير : [الزلزلة: 2] والثاني: أنها تبعثر لإخراج ما في بطنها من الذهب والفضة، وذلك لأن من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ذهبها وفضتها، ثم يكون بعد ذلك خروج الموتى، والأول أقرب، لأن دلالة القبور على الأول أتم. المقام الثاني: في فائدة هذا الترتيب، واعلم أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم وفناء الدنيا، وانقطاع التكاليف، والسماء كالسقف، والأرض كالبناء، ومن أراد تخريب دار، فإنه يبدأ أولاً بتخريب السقف، وذلك هو قوله: {إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، وذلك هو قوله: {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ } ثم إنه تعالى بعد تخريب السماء والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض وهو قوله: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجّرَتْ } ثم إنه تعالى يخرب آخر الأمر الأرض التي هي البناء، وذلك هو قوله: {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } فإنه إشارة إلى قلب الأرض ظهراً لبطن، وبطناً لظهر. المقام الثالث: في تفسير قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } وفيه احتمالان الأول: أن المراد بهذه الأمور ذكر يوم القيامة، ثم فيه وجوه أحدها: وهو الأصح أن المقصود منه الزجر عن المعصية، والترغيب في الطاعة، أي يعلم كل أحد في هذا اليوم ماقدم، فلم يقصر فيه وما أخر فقصر فيه، لأن قوله: {مَّا قَدَّمَتْ } يقتضي فعلاً و{مَا أخرت } يقتضي تركاً، فهذا الكلام يقتضي فعلاً وتركاً وتقصيراً وتوفيراً، فإن كان قدم الكبائر وأخر العمل الصالح فمأواه النار، وإن كان قدم العمل الصالح وأخر الكبائر فمأواه الجنة وثانيها: ما قدمت من عمل أدخله في الوجود وماأخرت من سنة يستن بها من بعده من خير أو شر وثالثها: قال الضحاك: ما قدمت من الفرائض وما أخرت أي ما ضيعت ورابعها: قال أبو مسلم: ما قدمت من الأعمال في أول عمرها وما أخرت في آخر عمرها، فإن قيل: وفي أي موقف من مواقف القيامة يحصل هذا العلم؟ قلنا: أما العلم الإجمالي فيحصل في أول زمان الحشر، لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر. وأما العلم التفصيل، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة. الاحتمال الثاني: أن يكون المراد قيل: قيام القيامة بل عند ظهور أشراط الساعة وانقطاع التكاليف، وحين لا ينفع العمل بعد ذلك كما قال: {أية : لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا } تفسير : [الأنعام:158] فيكون ما عمله الإنسان إلى تلك الغاية، هو أول أعماله وآخرها، لأنه لا عمل له بعد ذلك، وهذا القول ذكره القفال.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ } أي تشققت بأمر الله؛ لنزول الملائكة؛ كقوله: { أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً } تفسير : [الفرقان: 25]. وقيل: تفطَّرت لهيبة الله تعالى. والفَطْر: الشَّقُّ؛ يقال: فطرته فٱنفطر، ومنه فَطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطَّر الشيء: شقَّق، وسيفُ فُطار أي فيهُ شقوق؛ قال عنترة: شعر : وسيفي كالعقِيقةِ وهو كِمعِي سِلاحِي لا أَفلَّ ولا فُطَارا تفسير : وقد تقدّم في غير موضع. {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} أي تساقطت؛ نثرتْ الشيء أنثره نثراً، فٱنتثر، والاسم النِّثار. والنُّثار بالضم: ما تناثر من الشيء، ودُرّ مُنثَّر، شدد لكثرة. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} أي فجر بعضها في بعض، فصارت بحراً واحداً، على ما تقدّم. قال الحسن: فُجِّرت: ذهب ماؤها ويبِست؛ وذلك أنها أوّلا راكدة مجتمعة، فإذا فُجِّرت تفرّقت، فذهب ماؤها. وهذه الأشياء بين يدي الساعة، على ما تقدّم في {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ}. {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} أي قُلِبت وأخرج ما فيها من أهلها أحياء؛ يقال: بعثرت المتاع: قلبته ظهراً لبطن، وبعثرت الحوض وبحثرته: إذا هدمته وجعلت أسفله أعلاه. وقال قوم منهم الفرّاء: «بعثِرت»: أخرجت ما في بطنها من الذهب والفضة. وذلك من أشراط الساعة: أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها. {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } مثل: « أية : ينبأُ الإنسان يومئذ بما قدم وأَخر »، تفسير : [القيامة: 13] وتقدّم. وهذا جواب «إذا السماء أنفطرت» لأنه قَسَم في قول الحسن وقع على قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ} يقول: إذا بدت هذه الأمور من أشراط الساعة ختمت الأعمال فعلمت كل نفس ما كسبت، فإنها لا ينفعها عمل بعد ذلك. وقيل: أي إذا كانت هذه الأشياء قامت القيامة، فحوسبت كل نفس بما عملت، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها، فتذكرت عند قراءته جميع أعمالها. وقيل: هو خبر، وليس بقسم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها تسع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا ٱلسَّمَاءُ ٱنفَطَرَتْ } انشقت. {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ } تساقطت متفرقة. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجّرَتْ } فتح بعضها إلى بعض فصار الكل بحراً واحداً. {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } قلب ترابها وأخرج موتاها. وقيل إنه مركب من بعث وراء الإثارة كبسمل ونظيره بحثر لفظاً ومعنى. {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ } من عمل أو صدقة. {وَأَخَّرَتْ } من سيئة أو تركت، ويجوز أن يراد بالتأخير التضييع وهو جواب {إِذَا }. { يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وذكر {ٱلْكَرِيمِ } للمبالغة في المنع عن الاغترار فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام والإِشعار بما به يغره الشيطان، فإنه يقول له افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحداً ولا يعاجل بالعقوبة، والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الانهماك في عصيانه اغتراراً بكرمه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: { إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} أي: انشقت؛ كما قال تعالى: {أية : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} تفسير : [المزمل: 18] { وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} أي: تساقطت، { وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض. وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض، فذهب ماؤها، وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها. وقال الكلبي: ملئت، { وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} قال ابن عباس: بحثت، وقال السدي: تبعثر: تحرك، فيخرج من فيها { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} أي: إذا كان هذا حصل هذا. وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ}؟ هذا تهديد، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب، حيث قال: الكريم، حتى يقول قائلهم: غره كرمه، بل المعنى في هذه الآية: ما غرك يابن آدم بربك الكريم أي: العظيم حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: «حديث : يقول الله تعالى يوم القيامة: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟.»تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان: أن عمر سمع رجلاً يقرأ: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ}؟ فقال عمر: الجهل. وقال أيضاً: حدثنا عمر بن شبَّة، حدثنا أبو خلف، حدثنا يحيى البكاء، سمعت ابن عمر يقول، وقرأ هذه الآية: { يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} قال ابن عمر: غره والله جهله، قال: وروي عن ابن عباس والربيع بن خُثيم والحسن مثل ذلك. وقال قتادة: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} شيء، ما غر ابن آدم غير هذا العدو الشيطان. وقال الفضيل بن عياض: لو قال لي: ما غرك بي؟ لقلت: ستورك المرخاة. وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم. قال البغوي: وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: بربك الكريم، دون سائر أسمائه وصفاته؛ كأنه لقنه الإجابة، وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقد حكى البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعاقب في الحالة الراهنة، فأنزل الله تعالى: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ}؟. وقوله تعالى: { ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} أي: ما غرك بالرب الكريم { ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}؟ أي: جعلك سوياً مستقيماً، معتدل القامة منتصبها، في أحسن الهيئات والأشكال. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا حريز، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير، عن بسر بن جحاش القرشي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوماً في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال: «حديث : قال الله عز وجل: يابن آدم أنى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟» تفسير : وكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حريز بن عثمان به. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وتابعه يحيى بن حمزة عن ثور بن يزيد عن عبد الرحمن بن ميسرة. وقوله تعالى: { فِىۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم أوخال أو عم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا مطهر بن الهيثم، حدثنا موسى بن علي بن رباح، حدثني أبي عن جدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : ما ولد لك؟» تفسير : قال: يا رسول الله ما عسى أن يولد لي؟ إما غلام، وإما جارية. قال: «حديث : فمن يشبه؟» تفسير : قال: يا رسول الله من عسى أن يشبه؟ إما أباه، وإما أمه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندها: «حديث : مهْ، لا تقولن هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم، أحضرها الله تعالى كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت هذه الآية في كتاب الله تعالى: في أي صورة ما شاء ركبك» تفسير : قال: شكلك. وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني من حديث مطهر بن الهيثم به، وهذا الحديث لو صح، لكان فيصلاً في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن موسى بن علي وغيره ما لا يشبه حديث الأثبات، ولكن في الصحيحين عن أبي هريرة: أن رجلاً قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، قال: «حديث : هل لك من إبل؟» تفسير : قال: نعم، قال: «حديث : فما ألوانها؟» تفسير : قال: حمر، قال: «حديث : فهل فيها من أورق؟» تفسير : قال: نعم، قال: «حديث : فأنى أتاها ذلك؟» تفسير : قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: «حديث : وهذا عسى أن يكون نزعة عرق»تفسير : . وقد قال عكرمة في قوله تعالى: { فِىۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ}: إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير، وكذا قال أبو صالح: { فِىۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير. وقال قتادة: { فِىۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} قال: قادر والله ربنا على ذلك، ومعنى هذا القول عند هؤلاء: أن الله عز وجل قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام حسن المنظر والهيئة. وقوله تعالى: { كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ} أي: إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب. وقوله تعالى: { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَاماً كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } يعني: وإن عليكم لملائكة حفظة كراماً، فلا تقابلوهم بالقبائح؛ فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان ومسعر عن علقمة بن مرثد عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكرموا الكرام الكاتبين: الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط، فإذا اغتسل أحدكم، فليستتر بجرم حائط، أو ببعيره، أو ليستره أخوه»تفسير : . وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، فوصله بلفظ آخر فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى عن حفص بن سليمان عن علقمة بن مرثد عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم؛ الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء، فليستتر بثوبه، أو بجرم حائط، أو ببعيره» تفسير : ثم قال حفص بن سليمان: لين الحديث، وقد روي عنه، واحتمل حديثه. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا مبشّر بن إسماعيل الحلبي، حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن، يعني: البصري، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من حافظين يرفعان إلى الله عز وجل ما حفظا في يوم، فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفاراً، إلا قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» تفسير : ثم قال: تفرد به تمام بن نجيح، وهو صالح الحديث (قلت): وثقه ابن معين، وضعفه البخاري وأبو زرعة وابن أبي حاتم والنسائي وابن عدي، ورماه ابن حبان بالوضع، وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوسي، حدثنا بيان بن حمران، حدثنا سلام عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لله ملائكة يعرفون بني آدم ــــ وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم ــــ فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله، ذكروه بينهم، وسموه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله، ذكروه بينهم، وسموه، وقالوا: هلك الليلة فلان»تفسير : ، ثم قال البزار: سلام هذا أحسبه سلام المدائني، وهو لين الحديث.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ } انشقت.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } قال الواحدي: قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً }تفسير : [الفرقان: 25] والفطر: الشق، يقال: فطرته فانفطر، ومنه فطر ناب البعير: إذا طلع، قيل: والمراد: أنها انفطرت هنا لنزول الملائكة منها، وقيل: انفطرت لهيبة الله. {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ } أي: تساقطت متفرقة يقال: نثرت الشيء أنثره نثراً. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجّرَتْ } أي: فجر بعضها في بعض، فصارت بحراً واحداً، واختلط العذب منها بالمالح. وقال الحسن: معنى {فجرت} ذهب ماؤها، ويبست، وهذه الأشياء بين يدي الساعة، كما تقدّم في السورة التي قبل هذه {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } أي: قلب ترابها، وأخرج الموتى الذين هم فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة: إذا قلب التراب، ويقال: بعثر المتاع قلبه ظهراً لبطن، وبعثرت الحوض وبعثرته إذا هدمته، وجعلت أعلاه أسفله. قال الفراء: {بعثرت} أخرج ما في بطنها من الذهب والفضة، وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها. ثم ذكر سبحانه الجواب عما تقدّم فقال: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } والمعنى: أنها علمته عند نشر الصحف لا عند البعث لأنه وقت واحد من عند البعث إلى عند مصير أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، والكلام في إفراد نفس هنا، كما تقدّم في السورة الأولى في قوله: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ }تفسير : [التكوير: 14] ومعنى {مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ }: ما قدّمت من عمل خير أو شرّ، وما أخرت من سنة حسنة أو سيئة لأن لها أجر ما سنته من السنن الحسنة، وأجر من عمل بها، وعليها وزر ما سنته من السنن السيئة، ووزر من عمل بها. وقال قتادة: ما قدّمت من معصية، وأخرت من طاعة، وقيل: ما قدّم من فرض، وأخّر من فرض، وقيل: أوّل عمله وآخره. وقيل: إن النفس تعلم عند البعث بما قدّمت وأخرت علماً إجمالياً لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة، وأما العلم التفصيلي، فإنما يحصل عند نشر الصحف. {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } هذا خطاب الكفار: أي: ما الذي غرّك، وخدعك حتى كفرت بربك الكريم الذي تفضل عليك في الدنيا بإكمال خلقك وحواسك، وجعلك عاقلاً فاهماً، ورزقك وأنعم عليك بنعمه التي لا تقدر على جحد شيء منها. قال قتادة: غرّه شيطانه المسلط عليه. وقال الحسن: غرّه شيطانه الخبيث، وقيل: حمقه وجهله. وقيل: غرّه عفو الله إذ لم يعاجله بالعقوبة أوّل مرّة، كذاقال مقاتل {ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ } أي: خلقك من نطفة، ولم تك شيئًا، فسوّاك رجلاً تسمع وتبصر وتعقل، {فعدلك} جعلك معتدلاً. قال عطاء: جعلك قائماً معتدلاً حسن الصورة. وقال مقاتل: عدّل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين، والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء. قرأ الجمهور: {فعدّلك} مشدّداً، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بالتخفيف، واختار أبو حاتم، وأبو عبيد القراءة الأولى. قال الفراء، وأبو عبيد: يدلّ عليها قوله: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }تفسير : [التين: 4] ومعنى القراءة الأولى: أنه سبحانه جعل أعضاءه متعادلة لا تفاوت فيها، ومعنى القراءة الثانية: أنه صرفه، وأماله إلى أيّ صورة شاء، إما حسناً وإما قبيحاً، وإما طويلاً وإما قصيراً. {في أي صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ } في أيّ صورة متعلق بركبك، و"ما" مزيدة، و{شاء} صفة لصورة، أي: ركّبك في أيّ صورة شاءها من الصور المختلفة، وتكون هذه الجملة كالبيان لقوله: {فَعَدَلَكَ } والتقدير: فعدّلك: ركبك في أيّ صورة شاءها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال أي: ركبك حاصلاً في أيّ صورة. ونقل أبو حيان عن بعض المفسرين أنه متعلق بعدّلك. واعترض عليه بأن "أيّ" لها صدر الكلام، فلا يعمل فيها ما قبلها. قال مقاتل، والكلبي، ومجاهد: في أيّ شبه من أب أو أمّ، أو خال أو عم. وقال مكحول: إن شاء ذكراً، وإن شاء أنثى، وقوله: {كَلاَّ } للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله، وجعله ذريعة إلى الكفر به، والمعاصي له، ويجوز أن يكون بمعنى: حقاً، وقوله: {بَلْ تُكَذّبُونَ بِٱلدّينِ } إضراب عن جملة مقدّرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل: بعد الردع، وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجاوزونه إلى ما هو أعظم منه من التكذيب بالدين وهو الجزاء، أو بدين الإسلام. قال ابن الأنباري: الوقف الجيد على الدين، وعلى ركبك، وعلى {كلاً} قبيح، والمعنى: بل تكذبون يا أهل مكة بالدين، أي: بالحساب، وبل لنفي شيء تقدّم، وتحقيق غيره، وإنكار البعث قد كان معلوماً عندهم، وإن لم يجر له ذكر. قال الفراء: كلا ليس الأمر، كما غررت به. قرأ الجمهور {تكذبون} بالفوقية على الخطاب. وقرأ الحسن، وأبو جعفر، وشيبة بالتحتية على الغيبة. وجملة: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ } في محل نصب على الحال من فاعل تكذبون، أي: تكذبون، والحال أن عليكم من يدفع تكذيبكم، ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان ما يبطل تكذيبهم، والحافظين: الرقباء من الملائكة الذين يحفظون على العباد أعمالهم، ويكتبونها في الصحف. ووصفهم سبحانه بأنهم كرام لديه يكتبون ما يأمرهم به من أعمال العباد، وجملة: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } في محل نصب على الحال من ضمير كاتبين، أو على النعت، أو مستأنفة. قال الرازي: والمعنى التعجيب من حالهم كأنه قال: إنكم تكذبون بيوم الدين، وملائكة الله موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة، ونظيره قوله تعالى: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }تفسير : [قۤ: 17، 18]. ثم بيّن سبحانه حال الفريقين فقال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } والجملة مستأنفة لتقرير هذا المعنى الذي سيقت له، وهي كقوله سبحانه: {أية : فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ }تفسير : [الشورى: 7] وقوله: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدّينِ } صفة لـ {جحيم}؛ ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير في متعلق الجارّ، والمجرور، أو مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل ما حالهم؟ فقيل: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدّينِ } أي: يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به، ومعنى {يصلونها}: أنهم يلزمونها مقاسين لوهجها، وحرّها يومئذ. قرأ الجمهور {يصلونها} مخففاً مبنياً للفاعل، وقرىء بالتشديد مبنياً للمفعول. {وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } أي: لا يفارقونها أبداً، ولا يغيبون عنها، بل هم فيها، وقيل: المعنى: وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا يجدون حرّها في قبورهم. ثم عظم سبحانه ذلك اليوم فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدّينِ } أي: يوم الجزاء، والحساب، وكرّره تعظيماً لقدره، وتفخيماً لشأنه، وتهويلاً لأمره، كما في قوله: {أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ }تفسير : [القارعة: 1 ــ 3] و {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ } تفسير : [الحاقة: 1 - 3] والمعنى: أيّ شيء جعلك دارياً ما يوم الدين. قال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر. ثم أخبر سبحانه عن اليوم فقال: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو برفع: "يوم" على أنه بدل من {يوم الدين}، أو خبر مبتدأ محذوف. وقرأ أبو عمرو في رواية: "يوم" بالتنوين، والقطع عن الإضافة. وقرأ الباقون بفتحه على أنها فتحة إعراب بتقدير: أعني أو اذكر، فيكون مفعولاً به، أو على أنها فتحة بناء لإضافته إلى الجملة على رأي الكوفيين، وهو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه بدل من يوم الدين. قال الزجاج: يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه مبنيّ على الفتح لإضافته إلى قوله: {لاَ تَمْلِكُ } وما أضيف إلى غير المتمكن، فقد يبنى على الفتح، وإن كان في موضع رفع، وهذا الذي ذكره إنما يجوز عند الخليل، وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي، وأما إلى الفعل المستقبل، فلا يجوز عندهما، وقد وافق الزجاج على ذلك أبو علي الفارسي، والفرّاء، وغيرهما، والمعنى: أنها لا تملك نفس من النفوس لنفس أخرى شيئًا من النفع أو الضرّ {وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } وحده لا يملك شيئًا من الأمر غيره كائناً ما كان. قال مقاتل: يعني لنفس كافرة شيئًا من المنفعة. قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا، أو يصنع شيئًا إلا الله ربّ العالمين، والمعنى: أن الله لا يملك أحداً في ذلك اليوم شيئًا من الأمور، كما ملكهم في الدنيا، ومثل هذا قوله: {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ }تفسير : [غافر: 16]. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجّرَتْ } قال: بعضها في بعض، وفي قوله: {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } قال: بحثت. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } قال: ما قدّمت من خير، وما أخّرت من سنة صالحة يعمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، أو سنة سيئة تعمل بعده، فإن عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيئًا. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس نحوه. وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من استنّ خيراً فاستنّ به فله أجره، ومثل أجور من اتبعه من غير منتقص من أجورهم، ومن استن شرّاً فاستنّ به، فعليه وزره، ومثل أوزار من اتبعه من غير منتقص من أوزارهم»تفسير : وتلا حذيفة: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية: {مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } قال: غرّه والله جهله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل، وحافظين في النهار يحفظان عمله ويكتبان أثره.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إذا السماءُ انْفَطَرتْ} فيه وجهان: أحدهما: انشقت. الثاني: سقطت، قال الشاعر: شعر : كانوا سعوداً سماءَ الناس فانفطرت فأصبح الشمل لم ترفع له عُمُد تفسير : {وإذا الكواكب انتَثَرتْ} يعني تساقطت، قال ابن عباس، تسقط سوداء لا ضوء لها. {وإذا البحار فُجِّرَتْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يبست، قاله الحسن. الثاني: خلطت فصارت بحراً واحداً، وهذا معنى قول ابن عباس، قال: وهو سبعة أبحر فتصير بحراً واحداً. الثالث: فجر عذبها في مالحها: ومالحها في عذبها، قاله قتادة. ويحتمل رابعاً: أي فاضت. {وإذا القبور بُعْثِرتْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بحثت وثوّرت، قاله ابن عباس وعكرمة، وقال الفراء: فيخرج ما في بطنها من الذهب والفضة، وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها ثم تخرج الموتى. الثاني: حركت للبعث، قاله السدي. الثالث: بعث من فيها من الأموات، قاله قتادة. {عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قدَّمَتْ وأَخرَتْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما عملت وما تركت، قاله ابو رزين. الثاني: ما قدمت من طاعة، وأخرت من حق الله، قاله ابن عباس. الثالث: ما قدمت من الصدقات وما أخرت من الميراث. ويحتمل ما قدمت من معصية وأخرت من طاعة، لأنه خارج مخرج الوعيد، وهذا جواب {إذا السماء انفطرت} لأنه خبر، وجعلها الحسن قَسَماً وقعت على قوله {علمت نفس} الآية. والأظهر ما عليه الجماعة من أنه خبر وليس بقسم. {يا أيها الإنسان ما غّرَّك بربِّكَ الكريم} في الإنسان ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه إشارة إلى كل كافر. الثاني: أنه أبي بن خلف، قاله عكرمة. الثاث: أنه أبو الأشد بن كلدة بن أسد الجمحي، قاله ابن عباس. وفي الذي غرَّه قولان: أحدهما: عدوه الشيطان، قاله قتادة. الثاني: جهله، وهو قول عمر بن الخطاب. ويحتمل قولاً ثالثاً: إنه إمهاله. " الكريم" الذي يتجاوز ويصفح، وروى الحسن أن عمر بن الخطاب لما قرأ {يا أيها الإنسان}..... الآية، قال: حمقه وجهله. {الذي خَلَقَك فسَوَّاك فَعدَلك} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: فسوى خلقك وعدل خلقتك. الثاني: فسوَّى أعضاءك بحسب الحاجة وعدلها في المماثلة لا تفضل يد على يد، ولا رجل على رجل. الثالث: فسواك إنساناً كريماً وعدل بك عن أن يجعلك حيواناً بهيماً. قال أصحاب الخواطر: سوّاك بالعقل وعدلك بالإيمان. {في أَيِّ صورَةٍ ما شاءَ رَكّبَكَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما شاء ركبك من شبه أم أو أب أو خال أو عم، قاله مجاهد. الثاني: من حسن أو قبح أو طول أو قصر أو ذكر أو أنثى، قاله ابن عيسى. الثالث: في أي صورة من صور الخلق ركبك حتى صرت على صورتك التي أنت عليها أيها الإنسان لا يشبهك شيء من الحيوان. وروى موسى بن علي بن رباح اللخمي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجده:حديث : ما ولِدَ لك؟ تفسير : قال: يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية، قال رسول الله: حديث : ومن عسى أن يشبه؟ تفسير : قال: إما أباه وإما أمه، فقال عليه السلام عندها: حديث : مه لا تقولن هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت في كتاب الله: في أي صورة ما شاء ركبك. تفسير : {كلاّ بَلْ تُكّذِّبونَ بالدِّين} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بالحساب والجزاء، قاله ابن عباس. الثاني: بالعدل و القضاء، قاله عكرمة. الثالث: بالدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، حكاه ابن عيسى. {وإنَّ عليكم لحافِظِينَ} يعني الملائكة، يحفظ كلَّ إنسان ملكان، أحدهما عن يمينه يكتب الخير، والآخر عن شماله يكتب الشر. {كِراماً كاتِبينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كراماً على الله، قاله يحيى بن سلام. الثاني: كراماً بالإيمان، قاله السدي. الثالث: لأنهم لا يفارقون ابن آدم إلا في موطنين عند الغائط وعند الجماع يعرضان عنه ويكتبان ما تكلم به، فلذلك كره الكلام عند الغائط والجماع. ويحتمل رابعاً: كراماً لأداء الأمانة فيما يكتبونه من عمله فلا يزيدون فيه ولا ينقصون منه.
ابن عطية
تفسير : هذه أوصاف يوم القيامة، و "انفطار السماء": تشققها على غير نظام مقصود إنما هو انشقاق لتزول بنيتها وانتثار الكواكب سقوطها من مواضعها التي هي فيها كنظام، و "تفجير البحار": يحتمل أن يكون من امتلائها فتفجر من أعاليها وتفيض على ما وليها، ويحتمل أن يكون تفجير تفريع، ويحتمل أن يكون فيضانها، فيذهب الله ماءها حيث شاء، وقيل: فجر بعضها إلى بعض فاختلط العذب بالملح وصارت واحداً، وهذا نحو الاختلاف في {أية : سجرت} تفسير : [التكوير: 6] في السورة التي قبل، وقرأ مجاهد والربيع بن خيثم: " فجِرت " بتخفيف الجيم، و "بعثرة القبور": نبشها عن الموتى الذين فيها، وقوله تعالى: {علمت نفس} هو جواب {إذا}، و {نفس} هنا اسم الجنس وإفرادها لتبين لذهن السامع حقارتها وقلتها وضعفها عن منفعة ذاتها إلا من رحم الله تعالى، وقال كثير من المفسرين في معنى قوله تعالى: {ما قدمت وأخرت} إنها عبارة عن جميع الأعمال لأن هذا التقسيم يعم الطاعات المعمولة والمتروكة وكذلك المعاصي. وقال ابن عباس والقرظي محمد بن كعب: {ما قدمت} في حياتها وما {أخرت} مما سنته فعمل به بعد موتها، ثم خاطب تعالى جنس ابن آدم على جهة التوبيخ والتنبيه على أي شيء أوجب أن يغتر بربه الكريم فيعصيه ويجعل له نداً وغير ذلك من أنواع الكفر وهو الخالق الموجد بعد العدم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: "جهله" وقاله عمر وقرأ {أية : انه كان ظلوماً جهولاً} تفسير : [الأحزاب:72]، وقال قتادة: عدوه المسلط عليه، وقال بعض العلماء: غره ستر الله عليه، وقال غيره: غره كرم الله، ولفظة الكريم تلقن هذا الجواب، فهذا من لطف الله تعالى لعباده العصاة من المؤمنين، وقرأ ابن جبير والأعمش: "ما أغرك" على وزن أفعلك، والمعنى ما دعاك إلى الاغترار أن يكون المعنى تعجباً محضاً، وقرأ الجمهور: "فعدّلك" بتشديد الدال،حديث : وكان صلى الله عليه وسلم: إذا نظر إلى الهلال، وقال: "آمنت بالذي خلقك فسواك فعدلك" تفسير : لم يختلف الرواة في شد الدال، وقرأ الكوفيون والحسن وأبو جعفر وطلحة والأعمش وأبو رجاء وعيسى بن عبيد: "فعدَلك" بتخفيف الدال، والمعنى عدل أعضاءك بعضها ببعض أي وازن بينها، وقوله تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك}، ذهب الجمهور إلى أن {في} متعلقة بـ {ركبك}، أي في قبيحة أو حسنة أو مشوهة أو سليمة ونحو هذا، وذهب بعض المتأولين أن المعنى {فعدلك} {في أي صورة}: بمعنى إلى أي صورة حتى قال بعضهم: المعنى: لم يجعلك في صورة خنزير ولا حمار، وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى: الوعيد والتهديد، أي الذي إن شاء ركبك في صورة حمار أو خنزير أو غيره، و {ما} في قوله: {ما شاء}، زائدة فيها معنى التأكيد، والتركيب والتأليف وجمع الشيء إلى شيء، وروى خارجة عن نافع: "ركبك كلا" بإدغام الكاف في الكاف، ثم رد على سائر أقوالهم ورد عنها بقوله: {كلا}، ثم أثبت لهم تكذيبهم بالدين، وهذا الخطاب عام ومعناه الخصوص في الكفار، وقرأ جمهور الناس: "تكذبون" بالتاء من فوق، وقرأ الحسن وأبو جعفر: "يكذبون" بالياء، و {الدين} هنا يحتمل أن يريد الشرع، ويحتمل أن يريد الجزاء والحساب. و "الحافظون": هم الملائكة الذين يكتبون أعمال ابن آدم، وقد وصفهم بالكرم الذي هو نفي المذام. و {يعلمون} ما يفعل ابن آدم لمشاهدتهم حاله، وقد روي حديث ذكره سفيان: يقتضي أن العبد إذا عمل سيئة مما لا ترى ولا تسمع، مثل الخواطر المستصحبة ونحوها أن الملك يجد ريح تلك الخطرة الخفية بإدراك قد خلقه الله لهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {انفَطَرَتْ} انشقت أو سقطت.
النسفي
تفسير : مكية وهي تسع عشرة آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {إِذَا ٱلسَّمَاءُ ٱنفَطَرَتْ } انشقت {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ } تساقطت {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ } فتح بعضها إلى بعض وصارت البحار بحراً واحداً {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } بحثت وأخرج موتاها وجواب «إذا» {عَلِمَتْ نَفْسٌ } أي كل نفس برة وفاجرة {مَّا قَدَّمَتْ } ما عملت من طاعة {وَأَخَّرَتْ } وتركت فلم تعمل أو ما قدمت من الصدقات وما أخرت من الميراث {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ } قيل: الخطاب لمنكري البعث {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ * ٱلَّذِى خَلَقَكَ } أي شيء خدعك حتى ضيعت ما وجب عليك مع كرم ربك حيث أنعم عليك بالخلق والتسوية والتعديل؟ وعنه عليه السلام حين تلاها غره جهله. وعن عمر رضي الله عنه: غره حمقه. وعن الحسن: غره شيطانه. وعن الفضيل: لو خوطبت أقول غرتني ستورك المرخاة. وعن يحيـى بن معاذ أقول: غرني برك بي سالفاً وآنفاً {فَسَوَّاكَ } فجعلك مستوي الخلق سالم الأعضاء {فَعَدَلَكَ } فصيّرك معتدلاً متناسب الخلق من غير تفاوت فيه فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، أو جعلك معتدل الخلق تمشي قائماً لا كالبهائم. وبالتخفيف: كوفي وهو بمعنى المشدد أي عدّل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت فكنت معتدل الخلقة متناسباً {فِى أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ } «ما» مزيد للتوكيد أي ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر، ولم تعطف هذه الجملة كما عطف ما قبلها لأنها بيان لـ {عدلك} والجار يتعلق بـ { رَكَّبَكَ } على معنى وضعك في بعض الصور ومكنك فيها، أو بمحذوف أي ركبك حاصلاً في بعض الصور. {كَلاَّ } ردع عن الغفلة عن الله تعالى {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ } أصلاً وهو الجزاء أو دين الإسلام فلا تصدقون ثواباً ولا عقاباً {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ } أعمالكم وأقوالكم من الملائكة {كِرَاماً كَـٰتِبِينَ } يعني أنكم تكذبون بالجزاء والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء وأنه عند الله من جلائل الأمور، وفيه إنذار وتهويل للمجرمين ولطف للمتقين. وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدها من آية على الغافلين! {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ } إن المؤمنين لفي نعيم الجنة {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } وإن الكفار لفي النار {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ } يدخلونها يوم الجزاء. {وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } أي لا يخرجون منها كقوله تعالى: {أية : وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا }تفسير : [المائدة:37] [البقرة:167]. ثم عظم شأن يوم القيامة فقال {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدّينِ } فكرر للتأكيد والتهويل وبينه بقوله {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً } أي لا تستطيع دفعاً عنها ولا نفعاً لها بوجه وإنما تملك الشفاعة بالإذن. {يَوْم} بالرفع: مكي وبصري أي هو يوم، أو بدل من {يَوْم ٱلدّينِ } ومن نصب فبإضمار «اذكر» أو بإضمار يدانون لأن الدين يدل عليه {وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } أي لا أمر إلا لله تعالى وحده فهو القاضي فيه دون غيره.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إذا السّماء انفطرت} أي انشقت {وإذا الكواكب انتثرت} أي تساقطت {وإذا البحار فجرت} أي فجر بعضها في بعض واختلط العذب بالملح، فصارت بحراً واحداً، وقيل معنى فجرت فاضت. {وإذا القبور بعثرت} أي بحثرت، وقلب ترابها وبعث من فيها منه الموتى أحياء. {علمت نفس ما قدمت وأخرت} يعني علمت في ذلك اليوم ما قدمت من عمل صالح، أو سيىء، وأخرت بعدها من حسنة أو سيئة، وقيل ما قدمت من الصّدقات وأخرت من الزّكوات، وهذه أحوال يوم القيامة. قوله عز وجل: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} أي ما خدعك، وسول لك الباطل حتى صنعت ما صنعت، وضيعت ما أوجب عليك، والمعنى ماذا أمنك من عقابه، قيل نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل في أبي الشّريق، واسمه أسيد بن كلدة، وقيل كلدة بن خلف، وكان كافراً ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله وأنزل الله هذه الآية، وقيل الآية عامة في كل كافر وعاص، يقول ما الذي غرك، قيل غره حمقه، وجهله وقيل تسويل الشّيطان له، وقيل غره عفو الله عنه حيث لم يعاجله بالعقوبة في أول مرة بربك الكريم، أي المتجاوز عنك، فهو بكرمه لك لم يعاجلك بعقوبته بل بسط لك المدة لرجاء التّوبة. قال ابن مسعود "ما منكم من أحد إلا سيخلو الله عز وجل به يوم القيامة. فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم! ماذا عملت؟ فيما علمت يا ابن آدم؟ ماذا أجبت المرسلين"، وقيل للفضيل بن عياض لو أقامك الله يوم القيامة فيقول لك يا ابن آدم ما غرك بربك الكريم؛ ماذا كنت تقول. قال: أقول غرني ستورك المرخاة، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، وقال ما غرك بي أقول غرني بربك بي سالفاً وآنفاً، وقال أبو بكر الوراق لو قال لي ما غرك بربك الكريم لقلت غرني كرم الكريم، وقال بعض أهل الإشارة. إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه، وصفاته كأنه لقنه حجته في الإجابة حتى يقول غرني كرم الكريم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {فجرت} بالتخفيف: ابن شنبوذ عن أهل مكة {فعدلك} مخففاً: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل {ركبك كلا} مدغماً: أبو عمرو وقتيبة عنه {يكذبون} عل الغيبة: يزيد {يوم لا} بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الآخرون: بالفتح. الوقوف {انفطرت} ه ك {انتثرت} ه ك {فجرت} ه ك {بعثرت} ه ك {وأخرت} ه ط {الكريم} ه لا {فعدلك} ه ط بناء على أن الظرف بعده متعلق بـ {ركبك} ومن خفف {فعدلك} لم يقف بناء على أنه جعل " في " بمعنى " إلى " أي فعدلك إلى أي صورة ما شاء {ركبك} ه ط بناء على أن " كلا " توكيد لتحقيق بل ومن جعله ردعاً عن الاعتراف لم يقف {بالدين} ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف والوصل أجوز إلا من قرأ {يكذبون} على الغيبة فإنه يقف مطلقاً للعدول {لحافظين} ه لا {كاتبين} ه ك {تفعلون} ه {نعيم} ه ج {جحيم} ه ج لاحتمال أن ما بعده مستأنف أو صفة جحيم {بغائبين} ه ط لابتداء النفي أو الاستفهام {الدين} ه {يوم الدين} ه لا لمن قرأ {يوم} بالنصب أي ذلك في يوم ومن رفعه على أنه بدل من يوم الدين فلا وقف. {شيئاً} ط {لله} ه ط. التفسير: إنه سبحانه يذكر طرفاً آخر من أشراط الساعة في هذه السورة. فأوّلها انفطار السماء أى انشقاقها كقوله في الفرقان {أية : ويوم تشقق السماء بالغمام}تفسير : [الفرقان: 25] وكما يجيء في قوله {أية : إذا السماء انشقت} تفسير : [الانشقاق: 1] وفيه كذا في قوله {وإذا الكواكب انتثرت} إبطال قول من زعم أن الفلكيات لا تنخرق. أما الدليل المعقول الذي ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وهو أن الأجسام متماثلة في الجسمية فيصح على كل واحد منها ما يصح على الباقي لكن السفليات يصح عليها الانخراق فيصح على العلويات أيضاً فغير مفيد ولا مقنع، لأن الخصم لو سلم الصحة فله أن ينازع في الوقوع لمانع كالصورة الفلكية وغيرها. وأما تفجير البحار فقد فسروها بفتح بعضها إلى بعض حتى تصير البحار كلها بحراً واحداً وذلك التزلزل الأرض وتصدعها حتى يرتفع الحاجز الذي بين البحار الشرقية وبين البحار الغربية. وقد فسره في الكشاف بزوال البرزخ بين العذب والمالح حتى يختلطا وهو تصوّر فاسد نشأ من مجرّد سماع لفظ ارتفاع البرزخ. وعن الحسن: إن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية وهو معنى التسجير عنده كما مر في السورة المتقدّمة. قال جار الله: بعثر وبحثر بمعنى وهما من البعث والبحث زيد فيهما الراء والمعنى بحثت القبور وأخرج موتاها. ولأهل التأويل أن يحملوا بعثرة القبور على كشف الأسرار والأحوال الخفية، ومعنى التقديم والتأخير قد سبق في القيامة في قوله {أية : بنبأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخر} تفسير : [القيامة: 13] والمراد جميع أعمالها وإنما يحصل بها العلم الإجمالي عند الموت أو في أوائل أشراطه ثم يزيد شيئاً فشيئاً إلى حين مطالعة صحيفة العمل. ولما أخبر عن وقوع الساعة والحشر بين ما يدل عليه عقلاً فقال {يا أيها الإنسان} هو الكافر المنكر للبعث عند طائفة لقوله بعد ذلك {كلا بل تكذبون} وقد يخص ببعضهم فروي عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. وعن الكلبي ومقاتل في الأشد بن كلدة. وذلك أنه ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله تعالى وأنزل الآية. والأقرب أنها تتناول جميع العصاة وخصوص السبب لا يقدح في العموم، وههنا سؤال وهو أنه تعالى وصف نفسه في هذا المقام بالكرم وهذا الوصف يقتضي الاغترار به حتى قالت العقلاء: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. وسمع الموبذ في مجلس أنوشروان ضحك الخدم فقال: أما يهاب هؤلاء الغلمان. فقال: إنما يهابنا أعداؤنا. وعن علي رضي الله عنه أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه فنظر فإذا هو بالباب فقال لم لم تجبني؟ فقال: لثقتي بتحملك وأمني من عقوبتك فاستحسن جوابه فأعتقه. " قال مؤلف الكتاب": إني في عنفوان الشباب رأيت فيما يرى النائم أن القيامة قد قامت وقد دار في خلدي أن الله تعالى لو خاطبني بقوله {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك} فمادّا أقول؟ ألهمني الله في المنام أن أقول: غرني كرمك يا رب. ثم إني وجدت هذا المعنى قد ذكر في بعض التفاسير. وعن الفضيل بن عياض أنه قال: أقول في الجواب غرتني ستورك المرخاة. وإذا ثبت أن الكرم يقتضي أن يغتر بصاحبه فكيف وقع الإنكار عليه؟ والجواب من وجهين: الأول أن كل كريم فهو حكيم لأن إيصال النعم إلى الغير لو لم يكن مبنياً على داعية الحكمة كان تبذيراً لا كرماً فكأنه سبحانه قال: كيف اغتررت بكرمي وكرمي حقيقي صادر عن الحكمة وهي تقتضي أن لا يهمل وإن أمهل، وأن ينتقم للمظلوم من الظالم ولو بعد حين، وأن يعيد الناس لأجل المجازاة حتى يظهر المحسن من المسيء والبر من الفاجر لا يضيع حقوق الناس؟. والحاصل أن الكرم بالخلق والتسوية وهي انتصاب القامة أو سلامة الأعضاء، وبالتعديل وهو تناسبها أو جعله مستعدّاً لقبول الكمالات لا يقتضي أن لا يعيده إلى الحالة الأولى لأجل المجازاة، بل يجب أن يعيده تتميماً للنعمة وإظهاراً للحكمة. الثاني أن كرمه السابق بالخلق وغيره لا يوجب كرماً لاحقاً بالعفو والغفران لجميع المعاصي لأن غاية الكرم هو أن يبتدىء بالنعم من غير عوض ولا غرض، أما الكريم إذا أمر المنعم عليه بشيء وإنه يتلقاه بالعصيان فليس من الكرم أن يغمض عن جرمه بل قد يعدّ ذلك ضعفاً وذلة ولا سيما إذا كان المأمور به هو معرفة المنعم ولهذا روي عن عمر مرفوعاً " غره جهله ". وعن الحسن: غره والله شيطانه الخبيث حتى طمع في الكرم اللاحق لأجل الكرم السابق. خصوصاً إذا لم يكن ممن حصل له معرفة ربه في الدنيا. قال النحويون: " ما " في {ما شاء} مزيدة قلت: وذلك بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فهي مفيدة للتأكيد أي في كل صورة من الصور شاء كقوله {أية : هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء} تفسير : [آل عمران: 6] وإنما لم يقل " ففي أي صورة " بالفاء العاطفة على نسق ما تقدّمها لأنها كالبيان بعد ذلك. والجارّ متعلق بركب أي ركبك في أي صورة اقتضتها حكمته أو بمحذوف أي حاصلاً في بعض الصور المرادة. وجوّز جار الله أن يتعلق بـ {عدّلك} ويكون في أيّ معنى التعجب أي فعدّلك في صورة عجيبة ثم قال ما شاء أي ركبك ما شاء من التركيب. قال الحسن: منهم من صوّره ليستخلصه له، ومنهم من صوّره ليشغله بغيره. قلت: الأوّلون مظاهر اللطف والجمال، والآخرون مظاهر القهر والجلال. ثم زجرهم عن الاغترار بقوله {كلاً} وهي حرف وضع في اللغة لنفي ما تقدم وتحقيق غيره أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور، ولئن فرض فالله كريم غفار للذنوب، ولئن قدّر أنه معاقب فلعله غير عالم بالجزئيات فكيف يحاسب فنبههم الله تعالى على خطئهم بأن تكذيبهم بالجزاء إنما وقع في حال تسليط الحفظة عليهم، وهذا التكذيب أيضاً من جملة ما يكتبونه. أو نقول: لما ردعهم عن الطمع الفارغ والأمل المنكر أضرب عنه إلى ما هو شر منه وهو إنكار الجزاء أصلاً. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم إشارة إلى أن أمر الجزاء عند الله تعالى من عظائم الأمور والاشغال. قال بعضهم: من لم يزجره عن المعاصي مراقبة الله إياه كيف يردّه عنها الكرام الكاتبون؟ قلت: لا ريب أن الأول أصل والثاني فرع إلا أن المكلف لإلفه بالمحسوسات يزجره ما هو أقرب إلى عالم الحس أكثر ما يزجره ما هو أقرب إلى عالم الأرواح ولهذا تقع الزواجر والروادع في المدينة الفاضلة. ثم ذكر فائدة كتابة الحفظة وغايتها فقال {إن الأبرار} إلى آخره. يحكى أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فقال لأبي حازم: كيف القدوم على الله غداً؟ فقال: أما المحسن فالكغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. قال: فبكى ثم قال: ليت شعري مالنا عند الله فقال أبو حازم: اعرض عملك على كتاب الله قال: في أي مكان؟ قال في قوله{إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} قال جعفر الصادق: النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم ظلمات الشهوات. وقال آخرون: النعيم القناعة والتوكل، والجحيم الطمع والحرص، وقال العارفون: النعيم الاشتغال بالله والجحيم الاشتغال بما سواه. وقوله {وما هم عنها بغائبين} كقوله وما هم بخارجين منها أو أراد ما كانوا يغيبون عنها قبل ذلك أي في قبورهم فيكون قد بين حال البرزخ كما شرح حال المبدأ والمنتهى. ثم نبه بقوله {وما أدراك} مرتين أن يوم الدين مما لا يكتنه كنه شدته، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يعرفه إلا بالوحي. وقيل: للكافر. ثم وصفه مجملاً بقوله {يوم لا تملك} إلى آخره أي لا ملك ولا تصرف في ذلك بظاهر وحقيقة الإله تعالى
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {إِذَا ٱلسَّمَاءُ ٱنفَطَرَتْ} أي: انشقَّتْ، {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} أي: تساقَطَتْ، {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} قيل: فُجِّرَ بعضُها إلى بعضٍ، ويحتملُ أنْ يكونَ تَفَجَّرتْ من أعاليها، ويحتملُ أن يكون تفجيرَ تفريغٍ من قيعَانِها فَيُذْهِبُ اللَّهُ ماءَها حيث شاء، وبكلٍ قيل، وبعثرةُ القبورِ: نبشُها عن الموتى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ}، معناه: إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة يحصل الحشر والنشر، ومعنى "انْفطَرتْ": انشقت لنزول الملائكة، كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ} تفسير : [الفرقان: 25]، {أية : فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} تفسير : [الرحمن: 37] {أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} تفسير : [النبأ: 19]، {أية : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} تفسير : [المزمل: 18]. قال الخليل: ولم يأت هذا على الفعل بل هو كقولهم: مُرضِع، وحَائض، ولو كان على الفعل لكان "منفطر". وقال القرطبيُّ: "تفطرت لهيبة الله تعالى: والفطرُ: الشق، يقال: فطرته فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير إذا طلع، فهو بعير فاطر، وتفطَّر الشيء. تشقَّق، وسيف فطار، أي فيه شقوق". وقد تقدم. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} تساقطت؛ لأن عند انتقاض تركيب السماء تنتثر النجوم على الأرض، يقال: نثرتُ الشيء أنثرهُ نثراً فانتثر. والنُّثار - بالضم - ما تناثر من الشيء. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ}. العامة على بنائه للمفعول مثقلاً. وقرأ مجاهد: مبنياً للفاعل مخففاً من الفجور، نظراً إلى قوله تعالى: {أية : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} تفسير : [الرحمن: 20]، فلما زال البرزخ بغياً. وقرأ مجاهد - أيضاً - والربيع بن خيثم، والزعفراني، والثوري: مبنياً مخففاً. ومعنى "فُجِّرت" أي: دخل بعضها في بعض، واختلط العذبُ بالملحِ، فصار واحداً بارتفاع الحاجز الذي جعله الله تعالى برزخاً بينهما. وقيل: إنَّ مياه البحار الآن راكدة مجتمعة، فإذا انفجرت تفرقت، وذهب ماؤها. وقال الحسن: فجرت: يبست. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}. أي: قلبت: يقال: بَعْثَره وبَحْثَره -بالعين والحاء - قال الزمخشري: وهما مركبان من العبث والبحث، مضموم إليهما راء، يعني أنهما مما اتفق معناهما؛ لأن الراء مزيدة فيهما، إذ ليست من حروف الزيادة وهذا كـ "دَمَثَ" و "دَمْثَرَ" و "بَسَطَ" و "بَسْطَرَ". فصل في المراد ببعثرة القبور والمعنى: قلب أعلاها وأسفلها، وقلب ظاهرها وباطنها, وخرج ما فيها من الموتى أحياء. وقيل: التبعثر: إخراج ما في باطنها من الذهب والفضة ثم يخرج الموتى بعد ذلك. وقوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}: جواب "إذا"، والمعنى: ما قدمت من عمل صالح، أو شيء، أو أخرت من سيئة أو حسنة. وقيل: ما قدمت من الصدقات وأخرت من التركات على ما تقدم في قوله تعالى: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13]. والمقصود منه الزجر عن المعصية، والترغيب في الطاعة. فإن قيل: أيُّ وقت من القيامة يحصل هذا العلم؟. قال ابنُ الخطيب: أمَّا العلم الإجمالي، فيحصل في أول زمان الحشر؛ لأن المطيع يرى آثار السعادة في أول الأمر والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر، وأمَّا العلم التفصيلي، فإنما يحصل عند قراءة الكتب، والمحاسبة.
البقاعي
تفسير : ولما ختمت التكوير بأنه سبحانه لا يخرج عن مشيئته وأنه موجد الخلق ومدبرهم، وكان من الناس من يعتقد أن هذا العالم هكذا بهذا الوصف لا آخر له "أرحام تدفع وأرض تبلع ومن مات فات وصار إلى الرفات ولا عود بعد الفوات" افتتح الله سبحانه هذه بما يكون مقدمة لمقصود التي قبلها من أنه لا بد من نقضه لهذا العالم وإخرابه ليحاسب الناس فيجزي كلاًّ منهم من المحسن والمسيء بما عمل فقال: {إذا السماء} أي على شدة إحكامها واتساقها وانتظامها {انفطرت *} أي انشقت شقوقاً أفهم سياق التهويل أنه صار لبابها أطراف كثيرة فزال ما كان لها من الكرية الجامعة للهواء الذي الناس فيه كالسمك في الماء، فكما أن الماء إذا انكشف عن الحيوانات البحرية هلكت، كذلك يكون الهواء مع الحيوانات البرية، فلا تكون حياة إلا ببعث جديد ونقل عن هذه الأسباب، ليكون الحساب بالثواب والعقاب. ولما كان يلزم من انفطارها وهيها وعدم إمساكها لما أثبت بها ليكون ذلك أشد تخويفاً لمن تحتها بأنهم يترقبون كل وقت سقوطها أو سقوط طائفة منها فوقهم فيكونون بحيث لا يقر لهم قرار، قال: {وإذا الكواكب} أي النجوم الصغار والكبار كلها الغراء الزاهرة المتوقدة توقد النار المرصعة ترصيع المسامير في الأشياء المتماسكة التي دبر الله في دار الأسباب بها الفصول الأربعة والليل والنهار، وغير ذلك من المقاصد الكبار، وكانت محفوظة بانتظام السماء {انتثرت *} أي تساقطت متفرقة كما يتساقط الدر من السلك إذا انقطع تساقطاً كأنه لسرعته لا يحتاج إلى فعل فاعل لقوة تداعيه إلى التساقط. ولما كان إخباره بما دل على وهي السماء مشعراً بوهي الأرض لأنها أتقن منها وأشرف إذ هي للأرض بمنزلة الذكر للأنثى، وكان الانفعال ربما أوهم أن ذلك يكون بغير فاعل، صرح بوهي الأرض معبراً بالبناء للمفعول دلالة على أن الكل بفعله، وأن ذلك عليه يسير، فقال مخبراً بانفطار الأراضي أيضاً ليجمع بين التخويف بالمطل والترويع بالمقل: {وإذا البحار} المتفرقة في الأرض وهي ضابطة لها أتم ضبط لنفع العباد على كثرتها {فجرت *} أي تفجيراً كثيراً بزوال ما بينها من البرازخ الحائلة، وقال الربيع: بفيضها وخروج مائها عن حدوده فاختلط بعضها ببعض من ملحها وعذبها فصارت بحراً واحداً، فصارت الأرض كلها ماء ولا سماء ولا أرض فأين المفر. ولما كان ذلك مقتضياً لغمر القبور فأوهم أن أهلها لا يقومون كما كان العرب يعتقدون أن من مات فات، قال دافعاً لذلك على نمط كلام القادرين إشارة إلى سهولة ذلك عليه: {وإذا القبور} أي مع ذلك كله {بعثرت} أي نبش ترابها على أسهل وجه عن أهلها فقاموا أحياء كما كانوا، فرأوا ما أفظعهم وهالهم وروّعهم. ولما كانت هذه الشروط كلها التي جعلت أشراطاً على الساعة موجبة لعلوم دقيقة، وتكشف كل واحدة منها عن أمور عجيبة، وكانت كلها دالة على الانتقال من هذه الدار إلى دار أخرى لخراب هذه الدار، ناسب أن يجيب "إذ" بقوله: {علمت نفس} أي جميع النفوس بالإنباء بالحساب وبما يجعل لها سبحانه بقوة التركيب من ملكة للاستحضار كما قال تعالى: {فكشفنا عنك غطاءك} والدال على إرادة العموم التعبير بالتنكير في سياق التخويف والتحذير مع العلم بأن النفوس كلها في علم مثل هذا وجهله على حد سواء، فمهما ثبت للبعث ثبت للكل، ولعله نكر إشارة إلى أنه ينبغي لمن وهبه الله عقلاً أن يجوّز أنه هو المراد فيخاف: {ما قدمت} أي من عمل {وأخرت *} أي جميع ما عملت من خير أو شر أو غيرهما، أو ما قدمت قبل الموت وما أخرت من سنة تبقى بعده. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة كأنها من تمام سورة التكوير لاتحاد القصد فاتصالها بها واضح وقد مضى نظير هذا - انتهى. ولما كان ذلك خالعاً للقلوب، وكان الإنسان إذا اعتقد البعث قد يقول تهاوناً ببعض المعاصي: المرجع إلى كريم ولا يفعل بي إلا خيراً، أنتج قوله منادياً بأداة البعد لأن أكثر الخلق مع ذلك معرض، منكراً سبحانه وتعالى على من يقول هذا اغتراراً بخدع الشيطان إنكاراً يهد الأركان: {يا أيها الإنسان} أي البشر الآنس بنفسه الناسي لما يعنيه {ما غرك} أي أدخلك في الغرة، وهي أن ترى فعلك القبيح حسناً أو ترى أنه يعفى عنك لا محالة، وذلك بمعنى قراءة سعيد بن جبير والأعمش: أغرك - بهمزة الإنكار، وتزيد المشهورة معنى التعجب {بربك} أي المحسن إليك الذي أنساك إحسانه ما خلقت له من خلاص نفسك بعمل ما شرعه لك. ولما كان التعبير بالرب مع دلالته على الإحسان يدل على الانتقام عند الإمعان في الإجرام لأن ذلك شأن المربي، فكان ذلك مانعاً من الاغترار لمن تأمل، أتبعه ما هو كذلك أيضاً ظاهره لطف وباطنه جبروت وقهر، فقال للمبالغة في المنع عن الاغترار، {الكريم *} أي الذي له الكمال كله المقتضي لئلا يهمل الظالم بل يمهله، ولا يسوي بين المحسن والمسيء والموالي والمعادي والمطيع والعاصي، المقتضي لأن يبالغ في التقرب إليه بالطاعة شكراً له، وأن لا يعرض أحد عنه لأن بيده كل شيء ولا شيء بيد غيره، فيجب أن يخشى شدة بطشه لأنه كذلك يكون المتصف بالكرم لا يكون إلا عزيزاً، فإنه يكون شديد الحلم عظيم السطوة عند انتهاك حرمته بعد ذلك الحلم فإنه يجد أعواناً كثيرة على مراده، ولا يجد المعاقب عذراً في تقصيره بخلاف اللئيم فإنه لا يجد أعواناً فلا يشتد أخذه، فصار الإنكار بواسطة هذين الوصفين أشد وأغلظ من هذه الجهة، ومن جهة أنه كان ينبغي أن يستحيي من المحسن الذي لا تكدير في إحسانه بوجه، فلا يعصى له أمر ولا يفرط له في حق، ومع ذلك ففي ذكر هذين الوصفين تلقين الحجة، قال أبو بكر الوراق: لو سألني لقلت: غرني كرم الكريم وحلمه، وقال علي رضي الله عنه: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، وقال الإمام الغزالي في شرحه للأسماء: هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجا، ولا يبالي لمن أعطى ولا كم أعطى، وإذا رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفى عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به وإليه التجأ، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء. ولما ذكر هذين الوصفين الدالين على الكمالين، بالجلال، دل عليهما تقريراً لهما بإفاضة الجود في التربية بوصف الجمال بالإكرام لئلا يعتقد الإنسان بما له من الطغيان أنه حر مالك لنفسه يفعل ما يشاء فقال: {الذي خلقك} أي أوجدك من العدم مهيئاً لتقدير الأعضاء {فسوّاك} عقب تلك الأطوار بتصوير الأعضاء والمنافع بالفعل {فعدلك *} أي جعل كل شيء من ذلك سليماً مودعاً فيه قوة المنافع التي خلقه الله لها، وعدل المزاج حتى قبل الصورة، والتعديل جعل البنية متناسبة الخلقة، وكذا العدل في قراءة الكوفيين بالتخفيف أي فأمالك عن تشويه الخلقة وتقبيح الصورة، وجعلك معتدلاً في صورتك، وكل هذا يقتضي غاية الشكر والخوف منه إن عصى، لأنه كما قدر على التسوية يقدر على التشويه وغيره من العذاب.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن المنذر عن السدي {إذا السماء انفطرت} قال: انشقت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس {وإذا البحار فجرت} قال: بعضها في بعض {وإذا القبور بعثرت} قال: بحثت. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن خثيم {وإذا البحار فجرت} قال: فجر بعضها في بعض فذهب ماؤها. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {وإذا القبور بعثرت} خرج ما فيها من الموتى. وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {علمت نفس ما قدمت وأخرت} قال: ما قدمت من خير وأخرت من سنة صالحة يعمل بها بعده، فإن له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً أو سنة سيئة يعمل بها بعده، فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: ما قدمت من عمل خير أو شر وما أخرت من سنة يعمل بها من بعده. وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استن خيراً فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منتقص من أجورهم، ومن استن شراً فاستن به فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منتقص من أوزارهم" تفسير : وتلا حذيفة {علمت نفس ما قدمت وأخرت} . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: {علمت نفس ما قدمت وأخرت} قال: ما أدت إلى الله مما أمرها به وما ضيعت. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {ما قدمت} من خير وما {أخرت} من حق الله تعالى لم تعمل به. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {ما قدمت} من خير {وما أخرت} ما حدث به نفسه لم يعمل به. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد "ما قدمت من خير وما أخرت" ما أمرت أن تعمل فتركت. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء {ما قدمت} بين أيديها وما {أخرت} وراءها من سنة يعمل بها من بعده. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية {يا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم} فقال: غره والله جهله. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة {يا أيها الإِنسان ما غرك} قال: أبيّ بن خلف. وأخرج عبد بن حميد عن صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {يا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم} ثم قال: جهله. وأخرج ابن أبي شيبة عن ربيع بن خيثم {ما غرك} قال: الجهل. وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {فسوّاك فعدلك} مثقل. وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن شاهين وابن قانع والطبراني وابن مردويه من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن جده "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما ولد لك؟ قال يا رسول الله: ما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية. قال: فمن يشبه؟ قال يا رسول الله: ما عسى أن يشبه أباه وإما أمه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عند هامه لا تقولن هذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم فركب خلقه في صورة من تلك الصور، أما قرأت هذه الآية في كتاب الله {في أي صورة ما شاء ركبك} من نسلك ما بينك وبين آدم ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه بسند جيد والبيهقي في الأسماء والصفات عن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أراد الله أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها، فإذا كان اليوم السابع أحضر الله كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ {في أي صورة ما شاء ركبك} . تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الله بن بريدة حديث : أن رجلاً من الأنصار ولدت له امرأته غلاماً أسود فأخذ بيد امرأته فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: والذي بعثك بالحق لقد تزوجني بكراً وما أقعدت مقعده أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدقت إن لك تسعة وتسعين عرقاً وله مثل ذلك، فإذا كان حين الولد اضطربت العروق كلها ليس منها عرق إلا يسأل الله أن يجعل الشبه له" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {في أي صورة ما شاء ركبك} قال: إما قبيحاً وإما حسناً، وشبه أب أو أم أو خال أو عم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والرامهرمزي في الأمثال عن أبي صالح {في أيّ صورة ما شاء ركبك} قال: إن شاء حماراً وإن شاء خنزيراً وإن شاء فرساً وإن شاء إنساناً. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: {في أيّ صورة ما شاء ركبك} قال: إن شاء قرداً، وإن شاء صورة خنزير، والله تعالى أعلم. أخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: {كلا بل تكذبون بالدين} قال: بالحساب {وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين} . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار يحفظان عمله ويكتبان أثره. وأخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حاجات: الغائط والجنابة والغسل ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظهيرة فرأى رجلاً يغتسل بفلاة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فاتقوا الله واكرموا الكرام الكاتبين الذين معكم ليس يفارقونكم إلا عند إحدى منزلتين: حيث يكون الرجل على خلائه، أو يكون مع أهله، لأنهم كرام كما سماهم الله فيستتر أحدكم عند ذلك بجرم حائط أو بعيره فإنهم لا ينظرون إليه" . تفسير : وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وآخرها استغفاراً إلا قال الله: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة ". تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وما أدراك ما يوم الدين} قال: تعظيم يوم القيامة يوم يدان الناس فيه بأعمالهم وفي قوله: {والأمر يومئذ لله} قال: ليس ثم أحد يقضي شيئاً ولا يصنع شيئاً غير رب العالمين.
ابو السعود
تفسير : مكية وآيها تسع عشرة {إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ} أي انشقتْ لنزول الملائكةِ، كقولِه تعالَى: { أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً} تفسير : [سورة الفرقان، الآية 25] وقولُه تعالى: { أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوٰباً} تفسير : [سورة النبأ، الآية 19] والكلامُ في ارتفاع السماءِ كما مرَّ في ارتفاعِ الشمسِ {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} أي تساقطتْ متفرقةً {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجّرَتْ} فُتحَ بعضُها إلى بعضٍ فاختلطَ العذبُ بالأُجاجِ وزالَ ما بـينهما من البرزخ الحاجزِ وصارتِ البحارُ بَحْراً واحِداً ورُويَ أن الأرضَ تنشفُ الماءَ بعد امتلاءِ البحارِ فتصيرُ مستويةً وهو مَعْنى التسجيرِ عند الحسنِ رضيَ الله عنه، وقيلَ: إنَّ مياه البحارِ الآنَ راكدةٌ مجتمعةٌ فإذَا فجرتْ تفرقتْ وذهبتْ وقُرِىءَ فُجِرَتْ بالتخفيفِ مبنياً للمفعولِ وَمبنياً للفاعلِ أيضاً بمْعَنى بغتْ من الفجورِ نظراً إلى قولِه تعالى { أية : لاَّ يَبْغِيَانِ} تفسير : [سورة الرحمن، الآية 20] {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} أي قُلبَ ترابُها وأُخرجَ موتاهَا ونظيرُه بَحْثر لفظاً ومَعْنى وهُما مركبانِ من البعثِ والبحثِ مع راءٍ ضُمَّتْ إليهمَا. وقولُه تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} جوابُ إذا لكنْ لاَ على أنَّها تعلمُه عندَ البعثِ بل عند نشرِ الصحفِ لما عرفتَ من أنَّ المرادَ بها زمانٌ واحدٌ مبدؤُه النفخةُ الأُولى ومنتهاهُ الفصلُ بـينَ الخلائقِ لا أزمنةٌ حسب تعددِ كلمةِ إذَا وإنما كُررتْ لتهويلِ ما في حيزهَا من الدَّواهِي، والكلامُ فيَها كالذي مرَّ تفصيلُه في نظيرِهما ومَعْنى ما قَدَّم وأخَّر ما أسلفَ من عملِ خيرٍ أو شرَ وأخَّر من سُنَّةٍ حسنةٍ أو سيئةٍ يُعملُ بها بعدَهُ قالَه ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ، وعن ابن عباسٍ أيضاً ما قدمَ منْ معصيةٍ وأخَّر من طاعةٍ وهو قولُ قتادةٍ وقيلَ: ما قدمَ من أمواله لنفسه وما أخَّر لورثته، وقبل ما قدَّم من فرض وأخَّر من فرض، وقيل: أولُ عملِه وآخرُهُ ومعنى علمِها بهما علمُها التفصيليُّ حسبما ذُكِرَ فيَما مرَّ مراراً.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ}. أي: انشقت. {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ}. تساقطت وتهافتت. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ}. أي: فُتِحَ بعضها على بعض. {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}. أي: قُلِبَ ترابُها، وبُعِثَ الموتى الذين فيها، وأُخْرِجَ ما فيها من كنوزٍ وموتى. {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}. جوابٌ لهذه الأمور؛ أي إذا كانت هذه الأشياء: عَلِمَتْ كلُّ نَفْس ما قدَّمت من خيرها وشَرِّها. قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ}. أي: ما خَدعَكَ وما سَوَّل لَكَ حتى عَمِلْتَ بمعاصيه؟ ويقال: سَأَلَه وكأنما في نَفْسِ السؤال لقَّنَه الجوابَ يقول: غَرَّني كَرَمُكَ بي، ولولا كََرَمُكَ لَمَا فَعَلْتُ؛ لأنَّك رأيت فَسَتَرْتَ، وقدّرْتَ فأَمْهَلْتَ. ويقال: إن المؤمِنَ وثِقَ بِحُسْنِ إفضالِه فاغتَّر بطولِ إمهالهِ فلم يرتكبْ الزلَّة لاستحلاله، ولكنَّ طولَ حِلمه عنه حَمَله على سوء خصالِه، وكما قلت: شعر : يقول مولاي: أمَا تستحي مما أرى من سوء أفعالِكَ قلت: يا مولاي رفقاً فقد جَرَّأني كثرةُ أفضالِك تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ}. أي: ركَّبَ أعضاءَك على الوجوه الحكميَّة {فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ}، من الحُسْنِ والقُبْح، والطولِ والقِصَر. ويصح أن تكون الصورة هنا بمعنى الصِّفة، و "في" بمعنى "على"؛ فيكون معناه: على أي صفة شاء ركَّبَكَ؛ من السعادة أو الشقاوة، والإيمان أو المعصية...
البقلي
تفسير : اذا ظهر سلطان كبريائه تنشق سماوات القلوب وتناثر نجوم العلوم ويتفجر بحار الارواح والعقول ويجرح ما فى القبور الصدور من معانى الحقائق ولطايف الدقائق علمت النفوس الروحانية ما قدمت من بذل وجودها بنعت الشوق وما اخرت من باقيا رمقاتها لاصطياد طيور التجلى والواردات قال ابو عثمان ما قدمت من خير واخرت من شر وقال بعضهم ما قدمت من حق واخرت من باطل.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذا السماء انفطرت} اى انشقت لنزول الملائكة كقوله تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا او لهيبة الرب وفى فتح الرحمن تشققها على غير نظام مقصود انما هو انشقاق لنزول بنيتها واعرابه كاعراب اذا الشمس كورت فى التأويلات النجمية يعنى سماء الارواح والقلوب والاسرار ارتفعت تعيناتها وزالت تشخصاتها وقال القاشانى اى اذا انفطرت سماء الروح الحيوانى بانفراجها عن الروح الانسانى وزوالها بالموت.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِذا السماءُ انفطرتْ} أي: انشقت لنزول الملائكة، كقوله: {أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} تفسير : [النبأ:19]، {وإِذا الكواكبُ انتثرتْ} أي: تساقطت متفرقة، {وإِذا البحار فُجِّرتْ}؛ فُتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالأُجاج، وزال ما بينها من البرزخ والحاجز، وصارت البحار بحراً واحداً. رُوي: أنَّ الأرض تنشق، فتغور تلك البحار، وتسقط في جهنم، فتصير نيراناً، وهو معنى التسجير المتقدم عند الحسن. {وإِذا القبورُ بُعْثرِتْ} أي: قُلب ترابها، وأُخرج موتاها، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته: إذا جعلت أسفله أعلاه، وجواب "إذا": {عَلِمَتْ نفسٌ ما قدَّمتْ وأخَّرَتْ} أي: إذا كانت هذه الأشياء قرأ كلُّ إنسان كتابه، وجُوزي بعمله، لأنَّ المراد بها زمان واحد، مبدأه: النفخة الأولى، ومنتهاه: الفصل بين الخلائق ونشر الصُحف، لا أزمنة متعددة حسب تعددها، وإنما كررت لتهويل ما في حيّزها من الدواهي، ومعنى "ما قَدَّم وأخَّر": ما سلف مِن عملٍ؛ خير أو شر، من سَنّ سُنة حسنة أو سيئة يُعمل بها بعده، قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضاً: ما قدّم من معصية وأخّر من طاعة، وقيل: ما قدَّم من أمواله لنفسه، وما أخَّر لورثته، وقيل: ما قدَّم من فرض، وأخّر منه عن وقته، وقيل: ما قدمتْ من الأسقاط والأفراط، وأخّرت من الأولاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا سماء المعاني انفطرت، أي: تشققت وظهرت من أصداف الأواني، وإذا نجوم على الرسوم انتثرت عند طلوع شمس العيان، وإذا بحار الأحدية فُجِّرتْ وانطبقت على الكائنات فأفنتها, وإذا القلوب الميتة بُعثت وحييت بالمعرفة، عَلِمَتْ نفسٌ ما قدّمت من المجاهدة, وما أخَّرت منها؛ إذ بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون المشاهدة، وبقدر الشكر يكون الصحو، وبقدر الشُرب يكون الرّي، فعند النهاية يظهر قدر البداية، البدايات مجلاة النهايات "فمَن أشرقت بدايته، أشرقت نهايته". وبالله التوفيق. ثم عاتَبَ تعالى مَن عرَّته نفسُه حتى غفل عن مجاهدتها، فلم تُقَدِّم شيئاً أمامها، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل الكوفة {فعدلك} خفيفاً. الباقون مشدداً. وقرأ ابو جعفر {بل يكذبون} بالياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب. وادغم حمزة والكسائي اللام فى التاء ووافقهم الحلواني عن هشام. هذا خطاب من الله تعالى للمكلفين من عباده، وفيه تهديد ووعيد فانه يقول {إذا السماء انفطرت} يعني انشقت، فالانفطار انقطاع الشيء من الجهات مثل تفطر، ومنه الفطير قطع العجين قبل بلوغه بما هو مناف لاستوائه، فطره يفطره اذا أوجده بما هو لقطع ما يصد عنه. والانفطار والانشقاق والانصداع واحد. وقوله {وإذا الكواكب انتثرت} معناه إذا النجوم تساقطت وتواقعت، فالانتثار تساقط الشيء من الجهات يقال: انتثر ينتثر انتثاراً ونثره ينثره نثراً، واستنثر استنثاراً والنثر من الكلام خلاف النظم {وإذا البحار فجرت} أي خرق بعض مواضع الماء إلى بعض يقال فجر الانهار يفجرها تفجيراً، ومنه الفجر لانفجاره بالضياء، ومنه الفجور لانخراق صاحبه بالخروج إلى كثير من الذنوب. وقال قتادة: معنى فجرت أى تفجر عذبها فى مالحها، ومالحها فى عذبها. وقوله {وإذا القبور بعثرت} معناه بحثرت يقال: بعثر فلان حوضه وبحثره بمعنى واحد إذا جعل اسفله أعلاه، والبحثرة إثارة الشيء بقلب باطنه إلى ظاهره. وقل ابن عباس: بعثرت بحثت. وقوله {علمت نفس ما قدمت وأخرت} جواب الشرط فى قوله {إذا السماء انفطرت} وما بعده من الشروط. ومعنى {ما قدمت وأخرت} ما اخذت وتركت مما يستحق به الجزاء. وقيل: معناه كل ما يستحق به الجزاء مما كان في اول عمره او آخره. وقيل: معناه ما قدمت من عملها وما أخرت من سنة سنتها يعمل بها - ذكره القرطي - وقال ابن عباس وقتادة: معناه ما قدمت من طاعة أو تركت وقيل ما قدمت بعمله. وقوله {يا أيها الإنسان} خطاب لجميع الناس من المكلفين يقول الله لهم لكل واحد منهم {ما غرك بربك الكريم} أي أيّ شيء غرك بخالقك حتى عصيته فيما أمرك به ونهاك عنه، فالغرور ظهور أمر يتوهم به جهل الامان من المحذور تقول: غر يغر غروراً واغتره يغتره اغتراراً قال الحارث ابن حلزة: شعر : لم يغروكم غروراً ولكن رفع الآل جمعهم والضحاء تفسير : والكريم القادر على التكرم من غير مانع، ومن هذه صفته لا يجوز الاغترار به، لأن تكرمه على ما تقتضيه الحكمة من مجازاة المحسن باحسانه والمسيء باساءته. قال قتادة: غر الشيطان غروراً، وقيل: غره بجهله الوجه فى طول الامهال، وقوله {الذي خلقك فسواك} نعت لـ {ربك}، وهو فى موضع الجر. وقوله {فسواك} التسوية التعديل، والمراد - ها هنا - تسوية الله تعالى آلته من اليدين والرجلين والعينين ونحو ذلك {فعدّ لك} فى المزاج على وجه يصح معه وجود الحياة. ومن خفف الدال أراد صرفك إلى أي صورة شاء من حسن أو قبح، ومن ثقل أراد جعلك معدل الخلق معتدلا. واختار الفراء التشديد، لأن (في) مع التعديل أحسن و (الى) مع العدل. قوله {في أيّ صورة ما شاء ركبك} فالصورة البنية التى تميل بالتأليف الى ممايلة الحكاية. وهي من صاره يصوره صوراً إذا ماله، ومنه قوله {أية : فصرهن إليك}تفسير : أى املهن اليك، ولو كانت بنية من غير ممايلة لم يكن صورة. وقال مجاهد: معناه {في أي صورة ما شاء ركبك} من شبه أب او أم او خال او عم. وقال قوم: معناه فى أي صورة ما شاء ركبك من ذكر او أنثى وجسيم او نحيف وطويل او قصير ومستحسن أو مستقبح، ومن قال: الانسان غير هذه الجملة أستدل بقوله {في أي صورة ما شاء ركبك} قالوا لانه بين أنه يركب القابل فى أى صورة شاء، فدل على أنه غير الصورة. وقد بينا القول فى تأويل ذلك، على أن عندهم أن ذلك الحي لا يصح عليه التركب والله تعالى بين أنه يركبه كيف شاء، وفي أي صورة شاء وذلك خلاف مذهبهم. ثم قال {كلا بل تكذبون بالدين} ومعنى {كلا} الردع والزجر أي ارتدعوا وانزجروا، وقيل: معناه حقاً بل تكذبون معاشر الكفار بالدين الذي هو الجزاء من الثواب والعقاب لانكاركم البعث والنشور - ذكره مجاهد وقتادة - وقيل: بل تكذبون بالدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله ثم قال مهدداً لهم {وإن عليكم لحافظين} يعني من الملائكة يحفظون عليكم ما تعملون من الطاعة والمعصية. ثم وصفهم فقال {كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون} أي لا يخفى عليهم شيء من الذي تعملونه فيثبتون ذلك كله. وقيل: إن الملائكة تعلم ما يفعله العبد إما باضطرار كما تعلم أنه يقصد إلى خطابنا وأمرنا ونهينا وإما باستدلال إذا رآه وقد ظهر منه الامور التي لا تكون إلا عن علم وقصد من نحو التحري فى الوزن والكيل، ورد الوديعة وقضاء الدين مما يتعمد فيه أهل الحقوق دون غيرهم، وقال الحسن: يعلمون ما تفعلون من الظاهر دون الباطن. وقيل: بل هو على ظاهر العموم لان الله تعالى يعلمهم إياه.
الجنابذي
تفسير : {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} انشقّت مثل قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ}.
الأعقم
تفسير : {إذا السماء انفطرت} انشقت لنزول الملائكة {وإذا الكواكب انتثرت} تساقطت {وإذا البحار فجّرت} فجّر بعضها في بعض عذبها في مالحها ومالحها في عذبها فصارت بحراً واحداً، وقيل: ذهب ماؤها، وقيل: ملئت {وإذا القبور بعثرت} كشفت عما فيها وأخرجوا منها {علمت} جواب إذا، وقوله: {نفس ما قدّمت وأخّرت} قيل: ما قدَّمت من عمل وأخَّرت من سيئة لسها يعمل بها، وقيل: ما قدمت من طاعة أو تركت، وقيل: ما قدمت من فريضة وأخَّرت أو ما قدَّمت من الأعمال وما أخَّرت من المظالم يجدوا ذلك مكتوباً في الصحائف {يأيها الإِنسان ما غرَّك بربك الكريم} ما الذي جرأك عليه بغروره حتى عصيته، وقيل: ما الذي خدعك، أو ما الذي أدَّاك إلى الاغترار بالله حتى آثرت شهوات الدنيا وعصيت وتبعت الشياطين الإِنس والجن، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تلا هذه الآية فقال: "حديث : غرّه والله جهله، غرّه عدوه الشيطان"تفسير : ، ومنها علماء السوء يزينون له المعاصي بأن الله قدره عليه، أو يغفر له، أو أن النبي يشفع له، وأن مع الإِسلام لا يضر معصيَّة وتقليد الرؤساء والنظر إلى أهل الدنيا {الذي خلقك فسوَّاك} أي كيف تركت طاعته وهو المنعم عليكم بأن خلقك حيّاً وسوّى جميع أعضائك {فعدلك} بالتشديد وبالتخفيف عدل بك عن صورة البهائم وغيرها إلى أحسن الصور، وقيل: من شبه أم أو أب أو خال أو عم، وقيل: من ذكر أو أنثى يعني قدر على خلقك كيف شاء {ركّبك} في الجنس والطول والقصر ذكر أو أنثى.
الهواري
تفسير : تفسير سورة إذا السماء انفطرت، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ} أي: انشقت، وذلك يوم القيامة بعد النفخة الأخيرة. {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ} أي: تساقطت وهو قوله: (أية : انكَدَرَتْ) تفسير : [التكوير:2] {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} أي: فجر ملحها في عذبها وعذبها في ملحها {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} أي: أخرج ما فيها من الأموات. قال: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} أي: (مَّا قَدَّمَتْ) من عمل، خيراً كان أو شراً، (وَمَا أَخَّرَتْ) أي من سنة حسنة فعُمِل بها بعده فله مثل آجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيئاً، أو سنة سيئة فعمل بها بعده فعليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً. قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} ذكروا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية: {يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} فقال غرّه حمقه وجهله. قال: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ} أي سوى خلقك باللحم والشعر {فَعَدَلََكَ} يعني اعتدال الخلق؛ فهذا مقرأ من قرأها بالتخفيف (فَعَدَلَكَ) ومن قرأها بالتثقيل (فَعَدَّلَكَ) قال: جعل عينيك سواء. ورجليك سواء، ويديك سواء، وجنبيك سواء.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} انشقت وذلك يوم القيامة بعد النفخة الآخرة.
اطفيش
تفسير : {إذَا السَّمَاءُ} السماوات كلها فالإفراد بعد بتأويل الجماعة أو السماء الدنيا {انَفَطَرَتْ} مطاوع فطرها أى شقها فانشقت نزول الملائكة يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا.
الالوسي
تفسير : أي انشقت لنزول الملائكة كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً}تفسير : [الفرقان: 25] والكلام في ارتفاع السماء كما مر في ارتفاع {أية : ٱلشَّمْسُ}تفسير : [التكوير: 1].
سيد قطب
تفسير : تتحدث هذه السورة القصيرة عن الانقلاب الكوني الذي تتحدث عنه سورة التكوير. ولكنها تتخذ لها شخصية أخرى، وسمتا خاصاً بها، وتتجه إلى مجالات خاصة بها تطوّف بالقلب البشري فيها؛ وإلى لمسات وإيقاعات من لون جديد. هادئ عميق. لمسات كأنها عتاب. وإن كان في طياته وعيد! ومن ثم فإنها تختصر في مشاهد الانقلاب، فلا تكون هي طابع السورة الغالب ـ كما هو الشأن في سورة التكوير ـ لأن جو العتاب أهدأ، وإيقاع العتاب أبطأ.. وكذلك إيقاع السورة الموسيقي. فهو يحمل هذا الطابع. فيتم التناسق في شخصية السورة والتوافق! إنها تتحدث في المقطع الأول عن انفطار السماء وانتثار الكواكب، وتفجير البحار وبعثرة القبور كحالات مصاحبة لعلم كل نفس بما قدمت وأخرت، في ذلك اليوم الخطير.. وفي المقطع الثاني تبدأ لمسة العتاب المبطنة بالوعيد، لهذا الإنسان الذي يتلقى من ربه فيوض النعمة في ذاته وخلقته، ولكنه لا يعرف للنعمة حقها، ولا يعرف لربه قدره، ولا يشكر على الفضل والنعمة والكرامة: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك؟ في أي صورة ما شاء ركبك}.. وفي المقطع الثالث يقرر علة هذا الجحود والإنكار. فهي التكذيب بالدين ـ أي بالحساب ـ وعن هذا التكذيب ينشأ كل سوء وكل جحود. ومن ثم يؤكد هذا الحساب توكيداً، ويؤكد عاقبته وجزاءه المحتوم: {كلا. بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون. إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم. يصلونها يوم الدين. وما هم عنها بغائبين}.. فأما المقطع الأخير فيصور ضخامة يوم الحساب وهوله، وتجرد النفوس من كل حول فيه، وتفرد الله سبحانه بأمره الجليل: {وما أدراك ما يوم الدين؟ ثم ما أدراك ما يوم الدين؟ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، والأمر يومئذ لله}.. فالسورة في مجموعها حلقة في سلسلة الإيقاعات والطرقات التي يتولاها هذا الجزء كله بشتى الطرق والأساليب. {إذا السمآء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت. علمت نفس ما قدمت وأخرت}.. وقد تحدثنا في السورة الماضية عن الإيحاء الذي يتسرب في الحس من رؤية هذا الكون تتناوله يد القدرة بالتغيير، وتهزه هزة الانقلاب المثير، فلا يبقى شيء على حاله في هذا الكون الكبير. وقلنا: إن هذا الإيحاء يتجه إلى خلع النفس من كل ما تركن إليه في هذا الوجود، إلا الله سبحانه خالق هذا الوجود، الباقي بعد أن يفنى كل موجود. والاتجاه بالقلب إلى الحقيقة الوحيدة الثابتة الدائمة التي لا تحول ولا تزول، ليجد عندها الأمان والاستقرار، في مواجهة الانقلاب والاضطراب والزلزلة والانهيار، في كل ما كان يعهده ثابتاً مستقراً منتظماً انتظاماً يوحي بالخلود! ولا خلود إلا للخالق المعبود! ويذكر هنا من مظاهر الانقلاب انفطار السماء.. أي انشقاقها. وقد ذكر انشقاق السماء في مواضع أخرى: قال في سورة الرحمن: {أية : فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان}.. تفسير : وقال في سورة الحاقة: {أية : وانشقت السماء. فهي يومئذ واهية}.. تفسير : وقال في سورة الانشقاق: {أية : إذا السماء انشقت...}.. تفسير : فانشقاق السماء حقيقة من حقائق ذلك اليوم العصيب. أما المقصود بانشقاق السماء على وجه التحديد فيصعب القول به، كما يصعب القول عن هيئة الانشقاق التي تكون.. وكل ما يستقر في الحس هو مشهد التغير العنيف في هيئة الكون المنظور، وانتهاء نظامه هذا المعهود، وانفراط عقده، الذي يمسك به في هذا النظام الدقيق.. ويشارك في تكوين هذا المشهد ما يذكر عن انتثار الكواكب. بعد تماسكها هذا الذي تجري معه في أفلاكها بسرعات هائلة مرعبة، وهي ممسكة في داخل مداراتها لا تتعداها، ولا تهيم على وجهها في هذا الفضاء الذي لا يعلم أحد له نهاية. ولو انتثرت ـ كما سيقع لها يوم ينتهي أجلها ـ وأفلتت من ذلك الرباط الوثيق ـ غير المنظور ـ الذي يشدها ويحفظها، لذهبت في الفضاء بدداً، كما تذهب الذرة التي تنفلت من عقالها! وتفجير البحار يحتمل أن يكون هو امتلاؤها وغمرها لليابسة وطغيانها على الأنهار. كما يحتمل أن يكون هو تفجير مائها إلى عنصريه: الأكسوجين والهيدروجين؛ فتتحول مياهها إلى هذين الغازين كما كانت قبل أن يأذن الله بتجمعهما وتكوين البحار منهما. كذلك يحتمل أن يكون هو تفجير ذرات هذين الغازين ـ كما يقع في تفجير القنابل الذرية والهيدروجينية اليوم.. فيكون هذا التفجير من الضخامة والهول بحيث تعتبر هذه القنابل الحاضرة المروعة لعب أطفال ساذجة!.. أو أن يكون بهيئة أخرى غير ما يعرف البشر على كل حال.. إنما هو الهول الذي لم تعهده أعصاب البشر في حال من الأحوال! وبعثرة القبور.. إما أن تكون بسبب من هذه الأحداث السابقة. وإما أن تكون حادثاً بذاته يقع في ذلك اليوم الطويل، الكثير المشاهد والأحداث. فتخرج منها الأجساد التي أعاد الله إنشاءها - كما أنشأها أول مرة - لتتلقى حسابها وجزاءها.. يؤيد هذا ويتناسق معه قوله بعد عرض هذه المشاهد والأحداث: {علمت نفس ما قدمت وأخرت}.. أي ما فعلته أولاً وما فعلته أخيراً. أو ما فعلته في الدنيا، وما تركته وراءها من آثار فعلها. أو ما استمتعت به في الدنيا وحدها، وما ادخرته للآخرة بعدها. على أية حال سيكون علم كل نفس بهذا مصاحباً لتلك الأهوال العظام. وواحداً منها مروّعاً لها كترويع هذه المشاهد والأحداث كلها! والتعبير القرآني الفريد يقول: {علمت نفس}.. وهو يفيد من جهة المعنى: كل نفس. ولكنه أرشق وأوقع.. كما أن الأمر لا يقف عند حدود علمها بما قدمت وأخرت. فلهذا العلم وقعه العنيف الذي يشبه عنف تلك المشاهد الكونية المتقلبة. والتعبير يلقي هذا الظل دون أن يذكره نصاً. فإذا هو أرشق كذلك وأوقع! وبعد هذا المطلع الموقظ المنبه للحواس والمشاعر والعقول والضمائر، يلتفت إلى واقع الإنسان الحاضر، فإذا هو غافل لاه سادر.. هنا يلمس قلبه لمسة فيها عتاب رضيّ، وفيها وعيد خفي، وفيها تذكير بنعمة الله الأولى عليه: نعمة خلقه في هذه الصورة السوية على حين يملك ربه أن يركبه في أي صورة تتجه إليها مشيئته. ولكنه اختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة.. وهو لا يشكر ولا يقدر: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك}.. إن هذا الخطاب: {يا أيها الإنسان} ينادي في الإنسان أكرم ما في كيانه، وهو "إنسانيته" التي بها تميز عن سائر الأحياء؛ وارتفع إلى أكرم مكان؛ وتجلى فيها إكرام الله له، وكرمه الفائض عليه. ثم يعقبه ذلك العتاب الجميل الجليل: {ما غرك بربك الكريم؟} يا أيها الإنسان الذي تكرم عليك ربك، راعيك ومربيك، بإنسانيتك الكريمة الواعية الرفيعة.. يا أيها الإنسان ما الذي غرك بربك، فجعلك تقصر في حقه، وتتهاون في أمره، ويسوء أدبك في جانبه؟ وهو ربك الكريم، الذي أغدق عليك من كرمه وفضله وبره؛ ومن هذا الإغداق إنسانيتك التي تميزك عن سائر خلقه، والتي تميز بها وتعقل وتدرك ما ينبغي وما لا ينبغي في جانبه؟ ثم يفصل شيئاً من هذا الكرم الإلهي، الذي أجمله في النداء الموحي العميق الدلالة. المشتمل على الكثير من الإشارات المضمرة في التعبير. يفصل شيئاً من هذا الكرم الإلهي المغدق على الإنسان المتمثل في إنسانيته التي ناداه بها في صدر الآية. فيشير في هذا التفصيل إلى خلقه وتسويته وتعديله؛ وهو القادر على أن يركبه في أي صورة وفق مشيئته. فاختياره هذه الصورة له منبثق من كرمه ومن فضله وحده، ومن فيضه المغدق على هذا الإنسان الذي لا يشكر ولا يقدر. بل يغتر ويسدر! {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك؟}.. إنه خطاب يهز كل ذرة في كيان الإنسان حين تستيقظ إنسانيته، ويبلغ من القلب شغافه وأعماقه، وربه الكريم يعاتبه هذا العتاب الجليل، ويذكره هذا الجميل، بينما هو سادر في التقصير، سيئ الأدب في حق مولاه الذي خلقه فسواه فعدله.. إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة، أمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق، والأدب الجم، والحب لربه الكريم، الذي أكرمه بهذه الخلقة، تفضلاً منه ورعاية ومنة. فقد كان قادراً أن يركبه في أية صورة أخرى يشاؤها. فاختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة. وإن الإنسان لمخلوق جميل التكوين، سوي الخلقة، معتدل التصميم، وإن عجائب الإبداع في خلقه لأضخم من إدراكه هو، وأعجب من كل ما يراه حوله. وإن الجمال والسواء والاعتدال لتبدو في تكوينه الجسدي، وفي تكوينه العقلي، وفي تكوينه الروحي سواء، وهي تتناسق في كيانه في جمال واستواء! وهناك مؤلفات كاملة في وصف كمال التكوين الإنساني العضوي ودقته وإحكامه وليس هنا مجال التوسع الكامل في عرض عجائب هذا التكوين. ولكنا نكتفي بالإشارة إلى بعضها.. هذه الأجهزة العامة لتكوين الإنسان الجسدي.. الجهاز العظمي. والجهاز العضلي. والجهاز الجلدي. والجهاز الهضمي. والجهاز الدموي. والجهاز التنفسي. والجهاز التناسلي. والجهاز اللمفاوي. والجهاز العصبي. والجهاز البولي. وأجهزة الذوق والشم والسمع والبصر.. كل منها عجيبة لا تقاس إليها كل العجائب الصناعية التي يقف الإنسان مدهوشاً أمامها. وينسى عجائب ذاته وهي أضخم وأعمق وأدق بما لا يقاس! "تقول مجلة العلوم الإنجليزية: إن يد الإنسان في مقدمة العجائب الطبيعية الفذة؛ وإنه من الصعب جداً ـ بل من المستحيل ـ أن تبتكر آلة تضارع اليد البشرية من حيث البساطة والقدرة وسرعة التكيف، فحينما تريد قراءة كتاب تتناوله بيدك، ثم تثبته في الوضع الملائم للقراءة. وهذه اليد هي التي تصحح وضعه تلقائياً. وحينما تقلب إحدى صفحاته تضع أصابعك تحت الورقة. وتضغط عليها بالدرجة التي تقلبها بها، ثم يزول الضغط بقلب الورقة. واليد تمسك القلم وتكتب به. وتستعمل كافة الآلات التي تلزم الإنسان من ملعقة، إلى سكين، إلى آلة الكتابة. وتفتح النوافذ وتغلقها، وتحمل كل ما يريده الإنسان.. واليدان تشتملان على سبع وعشرين عظمة وتسع عشرة مجموعة من العضلات لكل منهما". و "إن جزءاً من أذن الإنسان (الأذن الوسطى) هو سلسلة من نحو آلاف حنية (قوس) دقيقة معقدة، متدرجة بنظام بالغ، في الحجم والشكل، ويمكن القول بأن هذه الحنيات تشبه آلة موسيقية. ويبدو أنها معدة بحيث تلتقط وتنقل إلى المخ، بشكل ما، كل وقع صوت أو ضجة، من قصف الرعد إلى حفيف الشجر. فضلاً عن المزيج الرائع من أنغام كل أداة موسيقية في الأركسترا ووحدتها المنسجمة".. "ومركز حاسة الإبصار في العين التي تحتوي على مائة وثلاثين مليوناً من مستقبلات الضوء وهي أطراف الأعصاب، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلاً ونهاراً، والذي تعتبر حركته لا إرادية، الذي يمنع عنها الأتربة والذرات والأجسام الغريبة، كما يكسر من حدة الشمس بما تلقي الأهداب على العين من ظلال. وحركة الجفن علاوة على هذه الوقاية تمنع جفاف العين، أما السائل المحيط بالعين والذي يعرف باسم الدموع، فهو أقوى مطهر...". "وجهاز الذوق في الإنسان هو اللسان، ويرجع عمله إلى مجموعات من الخلايا الذوقية القائمة في حلمات غشائه المخاطي. ولتلك الحلمات أشكال مختلفة، فمنها الخيطية والفطرية والعدسية ويغذي الحلمات فروع من العصب اللساني البلعومي، والعصب الذوقي. وتتأثر عند الأكل الأعصاب الذوقية، فينتقل الأثر إلى المخ. وهذا الجهاز موجود في أول الفم، حتى يمكن للإنسان أن يلفظ ما يحس أنه ضار به، وبه يحس المرء المرارة والحلاوة، والبرودة والسخونة، والحامض والملح، واللاذع ونحوه. ويحتوي اللسان على تسعة آلاف من نتوءات الذوق الدقيقة، يتصل كل نتوء منها بالمخ بأكثر من عصب. فكم عدد الأعصاب؟ وما حجمها؟ وكيف تعمل منفردة، وتتجمع بالإحساس عند المخ"؟. "ويتكون الجهاز العصبي الذي يسيطر على الجسم سيطرة تامة من شعيرات دقيقة تمر في كافة أنحاء الجسم. وتتصل بغيرها أكبر منها. وهذه بالجهاز المركزي العصبي. فإذا ما تأثر جزء من أجزاء الجسم، ولو كان ذلك لتغير بسيط في درجة الحرارة بالجو المحيط، نقلت الشعيرات العصبية هذا الإحساس إلى المراكز المنتشرة في الجسم. وهذه توصل الإحساس إلى المخ حيث يمكنه أن يتصرف. وتبلغ سرعة سريان الإشارات والتنبيهات في الأعصاب مائة متر في الثانية". "ونحن إذا نظرنا إلى الهضم على أنه عملية في معمل كيماوي، وإلى الطعام الذي نأكله على أنه مواد غفل، فإننا ندرك تواً أنه عملية عجيبة. إذ تهضم تقريباً كل شيء يؤكل ما عدا المعدة نفسها!" "فأولاً نضع في هذا المعمل أنواعاً من الطعام كمادة غفل دون أي مراعاة للمعمل نفسه، أو تفكير في كيفية معالجة كيمياء الهضم له! فنحن نأكل شرائح اللحم والكرنب والحنطة والسمك المقلي، وندفعها بأي قدر من الماء".. "ومن بين هذا الخليط تختار المعدة تلك الأشياء التي هي ذات فائدة. وذلك بتحطيم كل صنف من الطعام إلى أجزائه الكيماوية دون مراعاة للفضلات، وتعيد تكوين الباقي إلى بروتينات جديدة، تصبح غذاء لمختلف الخلايا. وتختار أداة الهضم الجير والكبريت واليود والحديد وكل المواد الأخرى الضرورية، وتعنى بعدم ضياع الأجزاء الجوهرية، وبإمكان إنتاج الهرمونات، وبأن تكون جميع الحاجات الحيوية للحياة حاضرة في مقادير منتظمة، ومستعدة لمواجهة كل ضرورة. وهي تخزن الدهن والمواد الاحتياطية الأخرى، للقاء كل حالة طارئة، مثل الجوع، وتفعل ذلك كله بالرغم من تفكير الإنسان أو تعليله. إننا نصب هذه الأنواع التي لا تحصى من المواد في هذا المعمل الكيماوي. وبصرف النظر كلية تقريباً عما نتناوله، معتمدين على ما نحسبه عملية ذاتية (أوتوماتيكية) لإبقائنا على الحياة. وحين تتحلل هذه الأطعمة وتجهز من جديد، تقدم باستمرار إلى كل خلية من بلايين الخلايا، التي تبلغ من العدد أكثر من عدد الجنس البشري كله على وجه الأرض. ويجب أن يكون التوريد إلى كل خلية فردية مستمراً، وألا يورد سوى تلك المواد التي تحتاج إليها تلك الخلية المعينة لتحويلها إلى عظام وأظافر ولحم وشعر وعينين وأسنان، كما تتلقاها الخلية المختصة!" "فها هنا إذن معمل كيماوي ينتج من المواد أكثر مما ينتجه أي معمل ابتكره ذكاء الإنسان! وها هنا نظام للتوريد أعظم من أي نظام للنقل أو التوزيع عرفه العالم! ويتم كل شيء فيه بمنتهى النظام!". وكل جهاز من أجهزة الإنسان الأخرى يقال فيه الشيء الكثير. ولكن هذه الأجهزة ـ على إعجازها الواضح ـ قد يشارك فيها الحيوان في صورة من الصور. إنما تبقى له هو خصائصه العقلية والروحية الفريدة التي هي موضع الامتنان في هذه السورة. بصفة خاصة: {الذي خلقك فسواك فعدلك}. بعد ندائه: {يا أيها الإنسان}.. هذا الإدراك العقلي الخاص، الذي لا ندري كنهه. إذ إن العقل هو أداتنا لإدراك ما ندرك. والعقل لا يدرك ذاته ولا يدرك كيف يدرك!! هذه المدركات.. نفرض أنها كلها تصل إلى المخ عن طريق الجهاز العصبي الدقيق. ولكن أين يختزنها! إنه لو كان هذا المخ شريطاً مسجلاً لاحتاج الإنسان في خلال الستين عاماً التي هي متوسط عمره إلى آلاف الملايين من الأمتار ليسجل عليها هذا الحشد من الصور والكلمات والمعاني والمشاعر والتأثرات، لكي يذكرها بعد ذلك، كما يذكرها فعلاً بعد عشرات السنين! ثم كيف يؤلف بين الكلمات المفردة والمعاني المفردة، والحوادث المفردة، والصور المفردة، ليجعل منها ثقافة مجمعة. ثم ليرتقي من المعلومات إلى العلم؟ ومن المدركات إلى الإدراك؟ ومن التجارب إلى المعرفة؟ هذه هي إحدى خصائص الإنسان المميزة.. وهي مع هذا ليست أكبر خصائصه، وليست أعلى مميزاته. فهنالك ذلك القبس العجيب من روح الله.. هنالك الروح الإنساني الخاص، الذي يصل هذا الكائن بجمال الوجود، وجمال خالق الوجود؛ ويمنحه تلك اللحظات المجنحة الوضيئة من الاتصال بالمطلق الذي ليس له حدود. بعد الاتصال بومضات الجمال في هذا الوجود. هذا الروح الذي لا يعرف الإنسان كنهه ـ وهل هو يعلم ما هو أدنى وهو إدراكه للمدركات الحسية؟! والذي يمتعه بومضات من الفرح والسعادة العلوية حتى وهو على هذه الأرض. ويصله بالملأ الأعلى، ويهيئه للحياة المرسومة بحياة الجنان والخلود. وللنظر إلى الجمال الإلهي في ذلك العالم السعيد! هذا الروح هو هبة الله الكبرى لهذا الإنسان. وهو الذي به صار إنساناً. وهو الذي يخاطبه باسمه: {يا أيها الإنسان}.. ويعاتبه ذلك العتاب المخجل! {ما غرك بربك الكريم؟} هذا العتاب المباشر من الله للإنسان. حيث يناديه ـ سبحانه ـ فيقف أمامه مقصراً مذنباً مغتراً غير مقدر لجلال الله، ولا متأدب في جنابه.. ثم يواجهه بالتذكير بالنعمة الكبرى. ثم بالتقصير وسوء الأدب والغرور! إنه عتاب مذيب.. حين يتصور "الإنسان" حقيقة مصدره، وحقيقة مخبره، وحقيقة الموقف الذي يقفه بين يدي ربه، وهو يناديه النداء، ثم يعاتبه هذا العتاب: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك}.. ثم يكشف عن علة الغرور والتقصير ـ وهي التكذيب ـ بيوم الحساب ـ ويقرر حقيقة الحساب، واختلاف الجزاء، في توكيد وتشديد: {كلا! بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون. إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، وما هم عنها بغائبين}.. وكلا كلمة ردع وزجر عما هم فيه. وبل كلمة إضراب عما مضى من الحديث. ودخول في لون من القول جديد. لون البيان والتقرير والتوكيد. وهو غير العتاب والتذكير والتصوير.. {كلا. بل تكذبون بالدين}.. تكذبون بالحساب والمؤاخذة والجزاء. وهذه هي علة الغرور، وعلة التقصير. فما يكذب القلب بالحساب والجزاء ثم يستقيم على هدى ولا خير ولا طاعة. وقد ترتفع القلوب وتشف، فتطيع ربها وتعبده حباً فيه، لا خوفاً من عقابه، ولا طمعاً في ثوابه. ولكنها تؤمن بيوم الدين وتخشاه، وتتطلع إليه، لتلقى ربها الذي تحبه وتشتاق لقاءه وتتطلع إليه. فأما حين يكذب الإنسان تكذيباً بهذا اليوم، فلن يشتمل على أدب ولا طاعة ولا نور. ولن يحيا فيه قلب، ولن يستيقظ فيه ضمير. تكذبون بيوم الدين.. وأنتم صائرون إليه، وكل ما عملتم محسوب عليكم فيه. لا يضيع منه شيء، ولا ينسى منه شيء: {وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون}.. وهؤلاء الحافظون هم الأرواح الموكلة بالإنسان ـ من الملائكة ـ التي ترافقه، وتراقبه، وتحصي عليه كل ما يصدر عنه.. ونحن لا ندري كيف يقع هذا كله، ولسنا بمكلفين أن نعرف كيفيته. فالله يعلم أننا لم نوهب الاستعداد لإدراكها. وأنه لا خير لنا في إدراكها. لأنها غير داخلة في وظيفتنا وفي غاية وجودنا. فلا ضرورة للخوض فيما وراء المدى الذي كشفه الله لنا من هذا الغيب. ويكفي أن يشعر القلب البشري أنه غير متروك سدى. وأن عليه حفظة كراماً كاتبين يعلمون ما يفعله، ليرتعش ويستيقظ، ويتأدب! وهذا هو المقصود! ولما كان جو السورة جو كرم وكرامة، فإنه يذكر من صفة الحافظين كونهم.. {كراماً}.. ليستجيش في القلوب إحساس الخجل والتجمل بحضرة هؤلاء الكرام. فإن الإنسان ليحتشم ويستحيي وهو بمحضر الكرام من الناس أن يسف أو يتبذل في لفظ أو حركة أو تصرف.. فكيف به حين يشعر ويتصور أنه في كل لحظاته وفي كل حالاته في حضرة حفظة من الملائكة {كرام} لا يليق أن يطلعوا منه إلا على كل كريم من الخصال والفعال؟! إن القرآن ليستجيش في القلب أرفع المشاعر بإقرار هذه الحقيقة فيه بهذا التصور الواقعي الحي القريب إلى الإدراك المألوف.. ثم يقرر مصير الأبرار ومصير الفجار بعد الحساب، القائم على ما يكتبه الكرام الكاتبون: {إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم. يصلونها يوم الدين. وما هم عنها بغائبين}.. فهو مصير مؤكد، وعاقبة مقررة. أن ينتهي الأبرار إلى النعيم. وأن ينتهي الفجار إلى الجحيم. والبرّ هو الذي يأتي أعمال البّر حتى تصبح له عادة وصفة ملازمة. وأعمال البر هي كل خير على الإطلاق. والصفة تتناسق في ظلها مع الكرم والإنسانية. كما أن الصفة التي تقابلها: {الفجار} فيها سوء الأدب والتوقح في مقارفة الإثم والمعصية. والجحيم هي كفء للفجور! ثم يزيد حالهم فيها ظهوراً.. {يصلونها يوم الدين}.. ويزيدها توكيداً وتقريراً: {وما هم عنها بغائبين} لا فراراً ابتداء. ولا خلاصاً بعد الوقوع فيها ولو إلى حين! فيتم التقابل بين الأبرار والفجار. وبين النعيم والجحيم. مع زيادة الإيضاح والتقرير لحالة رواد الجحيم! ولما كان يوم الدين هو موضع التكذيب، فإنه يعود إليه بعد تقرير ما يقع فيه. يعود إليه ليقرر حقيقته الذاتية في تضخيم وتهويل بالتجهيل وبما يصيب النفوس فيه من عجز كامل وتجرد من كل شبهة في عون أو تعاون. وليقرر تفرد الله بالأمر في ذلك اليوم العصيب: {وما أدراك ما يوم الدين؟ ثم ما أدراك ما يوم الدين؟ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، والأمر يومئذ لله}.. والسؤال للتجهيل مألوف في التعبير القرآني. وهو يوقع في الحس أن الأمر أعظم جداً وأهول جداً من أن يحيط به إدراك البشر المحدود. فهو فوق كل تصور وفوق كل توقع وفوق كل مألوف. وتكرار السؤال يزيد في الاستهوال.. ثم يجيء البيان بما يتناسق مع هذا التصوير: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً}.. فهو العجز الشامل. وهو الشلل الكامل. وهو الانحسار والانكماش والانفصال بين النفوس المشغولة بهمها وحملها عن كل من تعرف من النفوس! {والأمر يومئذ لله}.. يتفرد به سبحانه. وهو المتفرد بالأمر في الدنيا والآخرة. ولكن في هذا اليوم ـ يوم الدين ـ تتجلى هذه الحقيقة التي قد يغفل عنها في الدنيا الغافلون المغرورون. فلا يعود بها خفاء، ولا تغيب عن مخدوع ولا مفتون! ويتلاقى هذا الهول الصامت الواجم الجليل في نهاية السورة، مع ذلك الهول المتحرك الهائج المائج في مطلعها. وينحصر الحس بين الهولين.. وكلاهما مذهل مهيب رعيب! وبينهما ذلك العتاب الجليل المخجل المذيب!
ابن عاشور
تفسير : الافتتاح بـــ {إذا} افتتاح مشوِّق لما يرد بعدها من متعلقها الذي هو جواب ما في (إذا) من معنى الشرط كما تقدم في أول سورة إذا الشمس كورت، سوى أن الجمل المتعاطفة المضاف إليها هي هنا أقل من اللآتي في سورة التكوير لأن المقام لم يقتض تطويل الإِطناب كما اقتضاه المقام في سورة التكوير وإن كان في كلتيهما مقتض للإِطناب لكنه متفاوت لأن سورة التكوير من أول السور نزولاً كما علمت آنفاً. وأما سورة الانفطار فبينها وبين سورة التكوير أربع وسبعون سورة تكرر في بعضها إثبات البعث والجزاء والإِنذار وتقرر عند المخاطبين فأغنى عن تطويل الإِطناب والتهويل. و{إذا} ظرف للمستقبل متضمن معنى الشرط. والمعربون يقولون: خافض لشرطه منصوب بجوابه، وهي عبارة حسنة جامعة. والقول في الجمل التي أضيف إليها {إذا} من كونها جملاً مفتتحة بمسند إليه مخبر عنه بمسند فعلي دون أن يؤتى بالجملة الفعلية ودون تقدير أفعال محذوفة قبل الأسماء، لقصد الاهتمام بالمسند إليه وتقوية الخبر. وكذلك القول في تكرير كلمة (إذا) بعد حروف العطف كالقول في جمل { أية : إذا الشمس كورت } تفسير : [التكوير: 1]. و{انفطرت}: مطاوع فطر، إذا جعل الشيء مفطوراً، أي مشقوقاً ذا فطور، وتقدم في سورة الملك. وهذا الانفطار: انفراج يقع فيما يسمى بالسماء وهو ما يشبه القبة في نظر الرائي يراه تسير فيه الكواكب في أسْمات مضبوطة تسمى بالأفلاك تشاهد بالليل، ويعرف سمتها في النهار، ومشاهدتها في صورة متماثلة مع تعاقب القرون تدل على تجانس ما هي مصورة منه فإذا اختلّ ذلك وتخللته أجسام أو عناصر غريبة عن أصل نظامه تفككت تلك الطباق ولاح فيها تشقق فكان علامة على انحلال النظام المتعلق بها كله. والظاهر أن هذا الانفطار هو المعبر عنه بالانشقاق أيضاً في سورة الانشقاق وهو حدث يكون قبل يوم البعث وأنه من أشراط الساعة لأنه يحصل عند إفساد النظام الذي أقام الله عليه حركات الكواكب وحركة الأرض وذلك يقتضيه قرنه بانتثار الكواكب وتفجر البحار وتبعثر القبور. وأما الكشط الذي تقدم في سورة التكوير (11) في قوله: { أية : وإذا السماء كشطت } تفسير : فذلك عرض آخر يعرض للسماوات يوم الحشر فهو من قبيل قوله تعالى: { أية : ويوم تشقق السماء بالغمام ونزّل الملائكة تنزيلاً } تفسير : [الفرقان: 25]. والانتثار: مطاوع النثر ضد الجمع وضد الضم، فالنثر هو رمي أشياء على الأرض بتفرق. وأما التفرق في الهواء فإطلاق النثر عليه مجاز كما في قوله تعالى: { أية : فجعلناه هباء منثوراً } تفسير : [الفرقان: 23]. فانتثار الكواكب مستعار لتفرق هيئات اجتماعها المعروفة في مواقعها، أو مستعار لخروجها من دوائر أفلاكها وسموتها فتبدو مضطربة في الفضاء بعد أن كانت تلوح كأنها قارّة، فانتثارها تبددها وتفرق مجتمعها، وذلك من آثار اختلال قوة الجاذبية التي أقيم عليها نظام العالم الشمسي. وتفجير البحار انطلاق مائها من مستواه وفيضانه على ما حولها من الأرضين كما يتفجر ماء العين حين حفرها لِفساد كرة الهواء التي هي ضاغطة على مياه البحار وبذلك التفجير يعمّ الماء على الأرض فيهلك ما عليها ويختل سطحها. ومعنى: {بعثرت}: انقلبَ باطنها ظاهِرَها، والبعثرة: الانقلاب، يقال: بعثر المتاع إذا قلب بعضه على بعض. قال في «الكشاف»: «بعثر مركب من البعث مع راء ضُمت إليه». وقال البيضاوي قيل: إن بعثر مركب من بعث وراء الإِثارة كبسمل اهــــ، ونُقل مثله عن السهيلي. وأن بعثر منحوت من بَعْث وإثارة مثل: بسمل، وحَوْقل، فيكون في بعثر معنى فعلين بَعَثَ وأثَار، أي أخرج وقلب، فكأنه قلب لأجل إخراج ما في المقلوب. والذي اقتصر عليه أيمة اللغة أن معنى بعثر: قلب بَعض شيء على بعضه. وبعثرة القبور: حالة من حالات الانقلاب الأرضي والخسف خصت بالذكر من بين حالات الأرض لما فيها من الهول باستحضار حالة الأرض وقد ألقت على ظاهرها ما كان في باطن المقابر من جثث كاملة ورفات، فإن كان البعث عن عدم كما مال إليه بعض العلماء أو عن تفريق كما رآه بعض آخر، فإن بعث الأجساد الكاملة يجوز أن يختص بالبعث عن تفريق ويختص بعث الأجساد البالية والرمم بالكون عن عدم. وجملة: {علمت نفس ما قدمت وأخرت} جوابٌ لما في {إذا} من معنى الشرط، ويتنازع التعلق به جميع ما ذكر من كلمات {إذا} الأربع. وهذا العلم كناية عن الحساب على ما قدمت النفوس وأخرت. وعِلم النفوس بما قدمت وأخرت يحصل بعد حصول ما تضمنته جمل الشرط بــــ {إذا} إذ لا يلزم في ربط المشروط بشرطه أن يكون حصوله مقارناً لحصول شرطه لأنّ الشروط اللغوية أسباب وأمارات وليست عِللاً، وقد تقدم بيان ذلك في سورة التكوير. صيغة الماضي في قوله: {انفطرت} وما عطف عليه مستعملة في المستقبل تشبيهاً لتحقيق وقوع المستقبل بحصول الشيء في الماضي. وإثبات العلم للناس بما قدموا وأخروا عند حصول تلك الشروط لعدم الاعتداد بعلمهم بذلك الذي كان في الحياة الدنيا، فنزل منزلة عدم العلم كما تقدم بيانه في قوله: { أية : علمت نفس ما أحضرت } تفسير : في سورة التكوير (14). و{نفس} مراد به العموم على نحو ما تقدم في: { أية : علمت نفس ما أحضرت } تفسير : في سورة التكوير (14). و{ما قدمت وأخرت}: هو العمل الذي قدمتْه النفس، أي عملته مقدماً وهو ما عملته في أول العمر، والعملُ الذي أخرته، أي عملته مؤخراً أي في آخر مدة الحياة، أو المراد بالتقديم المبادرة بالعمل، والمراد بالتأخير مقابله وهو ترك العمل. والمقصود من هذين تعميم التوقيف على جميع ما عملته ومثله قوله تعالى: { أية : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } تفسير : في سورة لا أقسم بيوم القيامة (13). والعلم يتحقق بإدراك ما لم يكن معلوماً من قبل وبتذكر ما نُسي لطول المدة عليه كما تقدم في نظيره في سورة التكوير. وهذا وعيد بالحساب على جميع أعمال المشركين، وهم المقصود بالسورة كما يشير إليه قوله بعد هذا: { أية : بل تُكَذِّبون بالدين } تفسير : [الانفطار: 9]، ووعد للمتقين، ومختلط لمن عملوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
الشنقيطي
تفسير : أي انشقت، كما في سورة الانشقاق {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}تفسير : [الأنشاق: 1]، قيل: هيبة الله. وقيل: لنزول الملائكة، كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً}تفسير : [الفرقان: 25]. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، في سورة الشورى عند الكلام على قوله تعالى في وصف أهوال القيامة {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ}تفسير : [المزمل: 17-18]. ومثل الانفطار والتشقق الانفراج، كقوله: {أية : فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ}تفسير : [المرسلات: 8-9].
الواحدي
تفسير : {إذا السماء انفطرت} انشقَّت. {وإذا الكواكب انتثرت} تساقطت. {وإذا البحار فجِّرت} فُتح بعضها في بعضٍ فصارت بحراً واحداً. {وإذا القبور بعثرت} قُلب ترابها وبُعث الموتى الذين فيها. {علمت نفسٌ ما قدَّمت} من عملٍِ أُمرت به {و} ما {أخرت} منه فلم تعمله. {يا أيها الإِنسان ما غرَّك بربك الكريم} أَي: ما خدعك وسوَّل لك الباطل حتى أضعت ما أوجب عليك. {الذي خلقك فسوَّاك} جعلك مستوي الخلق {فعدلك} قوَّمك وجعلك معتدل الخلق والقامة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- إذا السماء انشقت. 2- وإذا الكواكب تساقطت مُتبعثرة. 3- وإذا البحار فُتِحَ بعضها فى بعض بزوال الحواجز بينها. 4- وإذا القبور بُعثرت، فخرج من فيها من الموتى. 5- علمت كل نفس ما أسلفت من خير أو شر، وما أخرت من ذلك. 6- يا أيها الإنسان: أى شئ خدعك بربك الكريم حتى تجرأت على معصيته؟.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إذا السماء انفطرت: أي انشقت. وإذا الكواكب انتثرت: أي تساقطت. وإذا البحار فجرت: أي اختلطت ببعضها وأصبحت بحراً واحداً الملح والعذب سواء. وإذا القبور بعثرت: قلب ترابها وبعث موتاها. علمت نفس ما قدمت: أي من الأعمال وما أخرت منها فلم تعمله وذلك عند قراءتها كتاب أعمالها. ما غرك بربك: أي أي شيء خدعك وجرّأك على عصيانه. الذي خلقك: أي بعد أن لم تكن. فسواك: أي جعلك مستوى الخلقة سالم الأعضاء. فعدلك: أي جعلك معتدل الخلق متناسب الأعضاء ليست يد أطول أو رجل أطول من الأخرى. كلا بل تكذبون بالدين: ليس الكرم هو الذي غره وإنما جرّأه على المعاصي تكذيبه بالدين الذي هو الجزاء بعد البعث حياً من قبره. وإن عليكم لحافظين كراما: أي وإن عليكم لملائكة كراما على الله تعالى حافظين لأعمالكم. كاتبين: أي لها أي لأعمالكم خيرها وشرها حسنها وقبيحها. معنى الآيات: قوله تعالى {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} أي انشقت {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} أي انفضّت وتساقطت {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} أي اختلط ماؤها بعضه ببعض ملحها بعذبها لانكسار ذلك الحاجز الذي كان يفصلهما عن بعضهما لزلزلة الأرض إيذاناً بخراب العالم، {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} قلبت وأخرج ما فيها من الأموات، إذا حصلت هذه الأحداث الأربعة ثلاثة منها في الدنيا وهي انفطار السماء وانتثار الكواكب وتفجر البحار وهذه تتم بالنفخة الأولى والرابع وهو بعثرة القبور يتم في الآخرة بعد النفخة الثانية، وعندها تعلم نفس ما قدمت وما أخرت وهذا جواب إذا في أول الآيات. ومعنى {عَلِمَتْ نَفْسٌ} أي كل نفس مكلفة ما قدمت من أعمال حسنة أو سيئة، وما أخرت من أعمال لحقتها بعدها وذلك ما سنته من سنن الهدى أو سنن الضلال، لحديث حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عملها لا ينقص من أوزارهم شيءتفسير : ، وهذا العلم يحصل للنفس أولا مجملا وذلك عند ابيضاض الوجوه واسودادها، ويحصل لها مفصلا عندما تقرأ كتاب أعمالها. وقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} يخاطب تعالى الإنسان الكافر والفاجر ليسأله موبخا إياه مقرعا مؤنبا بقوله ما غرك أي أي شيء خدعك وجرأك على الكفر بربك الكريم وعصيانه بالفسق عن أمره والخروج عن طاعته. وهو القادر على مؤاخذتك والضرب على يديك ساعة ما كفرت به أو عصيته أليس هو الذي خلقك فسوى خلقك وعدل أعضاءك وناسب بين أجزائك في أي صورة ما شاء ركبك إن شاء بيضك أو سودك طولك أو قصرك جعلك ذكراً أو انثى إنساناً أو حيواناً قرداً أو خنزيراً هل هناك من يصرفه عما أراد لك والجواب لا أحد إذاً كيف يسوغ لك الكفر به وعصيانه والخروج عن طاعته وبعد هذا التوبيخ والتأنيب قال تعالى {كَلاَّ} أي ما غرك كرم الله ولا حلمه {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ} أي بالبعث والجزاء في الدار الآخرة هو الذي جرأكم على الكفر والظلم والإِجرام وما علمتم والله إن عليكم لحافظين يحفظون عليكم أعمالكم ويحصونها لكم ويكتبونها في صحائفكم. يعلمون ما تفعلون في السر والعلن وسوف تفاجأون يوم تعلم نفس ما قدمت وأخرت بصحائف أعمالكم وقد حوت كل أعمالكم لم تغادر صغيرة منها ولا كبيرة ويتم الجزاء بموجبها. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أحداث تسبق يوم البعث وذلك في نفخة الفناء وأما النفخة الثانية وهي نفخة البعث حيث تجمع الخلائق ويجري الحساب فتعطى الصحف وتوزن الأعمال وينصب الصراط، ثم إلى جنة أو إلى نار. 2- التحذير من السنة السيئة يتركها المرء بعده فإِن أوزارها تكتب عليه وهو في قبره. 3- التحذير من الغرور والانخداع بعامل الشيطان من الإِنس أو الجن. 4- التحذير من التكذيب بالبعث والجزاء فإِنه أكبر عامل من عوامل الشر والفساد في الدنيا وأكبر موجب للعذاب يوم القيامة. 5- تقرير عقيدة كتابة الأعمال حسنها وسيئها والحساب بمقتضاها يوم القيامة بواسطة ملكين كريمين على كل إنسان مكلف لحديث الصحيح حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار تفسير : الحديث.
القطان
تفسير : انفطرت: انشقت. انتثرت: تبعثرت، وتفرقت. فُجرت: فتحت على بعضها وزالت الحواجز التي بينها. بُعثرت: فُرقت وأزيل التراب عن الموتى، واخرجوا منها. ما قدّمت: من اعمال الخير، وما أخرته ولم تعمله. فسوّاك: جعل اعضاءك سوية متناسبة. فعدَلَك: جعلك معتدلا متناسب الخَلق. في أي صورةٍ ما شاء ركّبك: في صورة حسنة هي من أعجب الصور وأحكمها. الدّين: الجزاء يوم القيامة. حافظين: يحصون أعمالكم. يَصْلونها: يدخلونها. تبدأ السورة بعرض اربعة مشاهد من أهوال يوم القيامة: إذا السماءُ انشقّت وتساقطت كواكبُها متبعثرة، واذا فُجّرت البحارُ وزال ما بينها من حواجز، واذا القبورُ فُتحت وبُعثرت وخَرج من فيها من الناس أشتاتاً ليُرَوا أعمالهم - عند ذلك تَعلَم كلُّ نفسٍ ما عملتْ وما لم تعمَل. ثم ينتقل الخطاب الى الانسان في صورة عتاب: يا أيها الانسان، أيُّ شيءٍ خدعَكَ بربك الكريم حتى تجرّأتَ على عصيانه؟ هو الذي أوجدَك من العدَم، وخلقك في هذه الصورةِ المتناسبة الأعضاء مع اعتدال القامة في أحسن تقويم! وبعد كل هذا نجدكم يا بني آدمَ مكذبين بيوم الدين: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ}! ارتَدِعوا عن الاغترار بكرمي لكم، فإنكم محاسَبون ومسئولون. ثم بين لهم ان أعمالَهم مكتوبةٌ يُحصيها عليهم ملائكةٌ كِرام كاتبون {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} من خيرٍ أو شرّ. كما جاء في سورة الزخرف 80 {أية : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}. تفسير : اما كيفية حفظِهم وكتابتهم، وهل عندَهم أوراق وأقلام، او هناك ألواح تُرسَم فيها الأعمال - فلا نعلم عن ذلك شيئا، وإنما نقول: إن قدرة الله كفيلة بأن يخلق من الطرق ما لا يَظلم به عبادَه. ثم ذكر نتيجة الحساب، والثواب والعقاب، وبيّن ان العاملين في ذلك اليوم فريقان: وبيّن مآل كل منهما فقال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ} ان المؤمنين الأبرار، الصادقين في إيمانهم - سينالون جناتِ النعيم؛ أما الذين جحدوا وانشقّوا عن أمر الله وهم الفجار - ففي النار، يدخلونها بعد الحساب. {وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} ذلك أن وعْدَ الله حقٌّ، فهم في جهنم لا محالة. ثم بين الله اهوال ذلك اليوم وشدائده فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ}. إنك أيها الانسان تجهل ذلكَ اليومَ العظيم، فهو فوق ما تتصور بشدائده وأهواله. {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}. لا أحد يملك نفعا ولا ضرا لنفسه ولا لغيره في ذلك اليوم.. وكلّ إنسانٍ مشغولٌ بنفسه.. والأمر في ذلك اليوم لله وحده، فهو المتفرد بالأمر والنهي، فلا شفيع ولا نصير، واليه المرجع والمآب. قراءات: قرأ الجمهور: فعدَّلك بتشديد الدال، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: فعَدَلك بفتح الدال من غير تشديد. وقرأ ابن كثير وابو عمرو يومُ لا تملكُ برفع يوم، والباقون يومَ لا تملِكُ بالنصب.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - إِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ وَتَغَيَّرَ نِظَامُهَا، وَيَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَخَرَابِ العَالَمِ.
الثعلبي
تفسير : {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} انشقت {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} تساقطت {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} أي فجر بعضها في بعض عدنها في ملحها وملحها في عدنها فصارت بحراً واحداً، وقال الحسن: ذهب ماؤها، وقال الكلبي: مليت. {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} بحثت ونثرت وأثيرت فاستخرج ما في الأرض من الكنوز ومن فيها من الموتى أحياء، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته إذا هدمته فجعلت أسفله أعلاه، وهذا من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ذهبها وفضّتها وأموالها {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ} من عمل صالح أو طالح. {وَأَخَّرَتْ} من سنّة حسنة أو سيئة، وقال عكرمة: ما قدّمت من الفرائض التي أدّتها واخّرت من الفرائض التي ضيّعتها، وقيل: ما قدمت من الأعمال وأخّرت من المظالم، وقيل: ما قدّمت من الصدقات وأخرّت من التركات، وقيل ما قدّمت من الاسقاط والإفراط وما أخرت من الأولاد وهذا جواب إذا. {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ}. أخبرنا عبد الله الفتحوي قال: حدّثنا أبو علي المقريء قال: حدّثنا أبو القاسم ابن الفضل المقريء قال: حدّثنا علي بن الحسين قال: حدّثنا المقدّمي وعلي بن هاشم قالا: حدّثنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن برقان قال: حدّثني صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} قال: جهله، وقال قتادة: غرّة شيطانه عدوه المسّلط عليه. وحدّثني الحسن بن محمد بن الحسن قال: حدّثني أبي عن جدّي عن علي بن الحسن الهلالي عن إبراهيم بن الأشعث قال: قيل للفضّيل بن عياض: لو أقامك الله سبحانه وتعالى يوم القيامة بين يديه فقال: ما غرّك بربّك الكريم ماذا كنت تقول؟ قال: أقول غرني ستورك المرخاة، نظمه محمد ابن السماك فقال: شعر : يا كاتم الذنب أما تستحي الله في الخلوة ثانيكا غرك من ربّك إمهاله وستره طول مساويكا تفسير : وقال: مقاتل: غرّه عفو الله حين لم يعجّل عليه بالعقوبة، وتلا [نصر] بن مغلس هذه الآية فقال: غرّه رفق الله به. وسمعت أبا القاسم الحلبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن محمد الورّاق يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: لو أقامني الله سبحانه بين يديه فقال: ما غرّك بي؟ قلت: غرّني بك برّك بي سابقاً وآنفاً. وسمعته يقول: أخبرنا عبد الله بن محمد بن صالح المغافري يقول: سمعت حماد بن بكر يحكي عن بعضهم أنه قال: لو سألني عن هذا ربي لقلت: غرّني حلمك، وسمعته يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن يزيد النسقي يقول: سمعت أبا عبد الله حسن أبي بكر الورّاق يقول: سمعت أبا بكر الورّاق يقول: لو قال لي ما غرّك بربّك الكريم لقلت: غرّني كرم الكريم. قال أهل الإشارة: إنّما قال: {بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} دون سائر أسمائه وصفاته؛ لأنه كان لفتة الإجابة حتى يقول: غرّني كرم الكريم، قال منصور بن عمار لو قيل: ما غرّك بي؟ قلت: يا رب ما غرّني إلاّ ما علمته من فضلك على عبادك وصفحك عنهم، وروى أبو وائل عن ابن مسعود قال: ما منكم من أحد إلاّ سيخلو الله سبحانه وتعالى به يوم القيامة فيقول: يابن آدم ما غرّك بي يابن آدم ماذا عملت فيما علمت يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وسمعت أبا القاسم النيسابوري يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبيد الله الشامي وأبا الحسن محمد بن الحسين القاضي الجرجاني يقولان: سمعنا إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: كم من مغرور تحت الستر وهو لا يشعر. وأنشدني الحسن بن جعفر البابي يقول: أنشدني منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول: أنشدنا أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى: شعر : يا من غلا في الغنى والتيه وغرّه طول تماديه أملى لك الله فبارزته ولم تخف غبّ معاصيه تفسير : {ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} قرأ أهل الكوفة بتخفيف الدال أي صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء قبيحاً أو جميلا وقصيراً أو طويلا، وقرأ الباقون بالتشديد أي قوّمك وجعلك معتدل الخلق، وهو اختيار الفراء وأبي عبيد لقوله سبحانه: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4]. {فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم. وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن العسكري قال: حدّثنا عبد الرحمن بن محمّد بن منصور قال: حدّثنا مطهر بن الهيثم قال: حدّثنا موسى بن علي عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (....): "حديث : وما ولد لك" قال: يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إمّا غلام وإما جارية. قال صلى الله عليه وسلم "من شبه" قال: فمن شبه إمه وأباه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تقل هكذا إنّ النطفة إذا أستقرت في الرحم أحضر الله كلّ نسب بينهم وبين آدم، أما قرأت هذه الآية {فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ}" قال صلى الله عليه وسلم "إن شاء في صورة إنسان وإن شاء في صورة حمار وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة كلب وإن شاء في صورة خنزير ".
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱنفَطَرَتْ} انشقت، والفطرُ: الشقُّ ومنه فطر نابُ البعير {ٱنتَثَرَتْ} تساقطت وتهاوت {بُعْثِرَتْ} قُلبت يقال: بعثرت المتاع قلبته ظهراً لبطن {غَرَّكَ} خدعك {سَوَّاكَ} جعل أعضاءك سليمة سويّة {يَصْلَوْنَهَا} يدخلونها ويذوقون لهبها وحرَّها. التفسِير: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} أي إِذا السماء انشقت بأمر الله لنزول الملائكة كقوله تعالى {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً}تفسير : [الفرقان: 25] {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} أي وإِذا النجوم تساقطت وتناثرت، وزالت عن بروجها وأماكنها {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} أي وإِذا البحار فتح بعضها إِلى بعض، فاختلط عذبها بمالحها، وأصبحت بحراً واحداً {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} أي وإِذا القبور قلبت، ونش ما فيها من الموتى، وصار ما في باطنها ظاهراً على وجهها {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} هذا هو الجواب أي علمت عندئذٍ كل نفس ما أسلفت من خير أو شر، وما قدمت من صالح أو طالح قال الطبري: ما قدمت من عمل صالح، وما أخرت من شيء سنَّه فعمل به بعده ثم بعد ذكر أحوال الآخرة وأهوالها، انتقلت الآيات لتذكير الإِنسان الغافل الجاهل بما أمامه من أهوال وشدائد فقال تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} أيْ أيُّ شيءٍ خدعك برك الحليم الكريم، حتى عصيته وتجرأت على مخالفة أمره، مع إِحسانه إِليك وعطفه عليك؟ وهذا توبيخ وعتاب كأنه قال: كيف قابلتَ إِحسان ربك بالعصيان، ورأفته بك بالتمرد والطغيان {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}تفسير : [الرحمن: 60]؟ ثم عدَّد نعمه عليه فقال {ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ} أي الذي أوجدك من العدم، فجعلك سوياً سالم الأعضاء، تسمع وتعقل وتبصر {فَعَدَلَكَ} أي جعلك معتدل القامة منتصباً في أحسن الهيئات والأشكال {فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} أي ركبك في أي صورة شاءها واختارها لك من الصور الحسنة العجيبة ولم يجعلك في الشكل كالبهيمة كقوله تعالى {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] .. ثم وبَّخ المشركين على تكذيبهم بيوم الدين فقال {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ} أي ارتدعوا يا أهل مكة، ولا تغتروا بحلم الله، بل أنتم تكذبون بيوم الحساب والجزاء {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} أي والحالُ أن عليكم ملائكة حفظة يضبطون أعمالكم ويراقبون تصرفاتكم قال القرطبي: أي عليكم رقباء من الملائكة {كِرَاماً كَاتِبِينَ} أي كراماً على الله، يكتبون أقوالكم وأعمالكم {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} أي يعلمون ما يصدر منكم من خير وشر، ويسجلونه في صحائف أعمالكم، لتجازوا به يوم القيامة.. ثم بيَّن تعالى انقسام الخلق يوم القيامة إِلى أبرار وفجار، وذكر مآل كلٍ من الفريقين فقال {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} أي إِن المؤمنين الذين اتقوا ربهم في الدنيا، لفي بهجة وسرور لا يوصف، يتنعمون في رياض الجنة بما لا عينٌ رأتْ ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم مخلدون في الجنة {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} أي وإِن الكفرة الفجار، الذين عصوا ربهم في الدنيا، لفي نار محرقةٍ، وعذاب دائم مقيم في دار الجحيم {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي يدخلونها ويقاسون حرها يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} أي وليسوا بغائبين عن جهنم، بعيدين عنها لا يرونها، بل هي أمامهم يَصْلَونَ ويذوقون سعيرها ولا يخرجون منها أبداً. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} تعظيمٌ له وتهويل أي ما أعلمك ما هو يوم الدين؟ وأيُّ شيءٍ هو في شدته وهوله؟ {ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ}؟ كرر ذكره تعظيماً لشأنه، وتهويلاً لأمره كقوله {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ}تفسير : [الحاقة: 1-3]؟ كأنه يقول: إِن يوم الجزاء من شدته بحيث لا يدري أحدٌ مقدار هوله وعظمته، فهو فوق الوصف والبيان {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} أي هو ذلك اليوم الرهيب الذي لا يستطيع أحد أن ينفع أحداً بشيء من الأشياء، ولا أن يدفع عنه ضراً {وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} أي والأمر في ذلك اليوم لله وحده لا ينازعه فيه أحد. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {قَدَّمَتْ} و{أَخَّرَتْ} وهو من المحسنات البديعية. 2- المقابلة اللطيفة بين الأبرار والفجار {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} فقد قابل الأبرار بالفجار، والنعيم بالجحيم وفيه أيضاً من المحسنات البديعية ما يسمى بالترصيع. 3- الاستعارة المكنية {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} شبَّه الكواكب بجواهر قطع سلكها فتناثرت متفرقة، وطوى ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو الانتثار على طريق الاستعارة المكنية. 4- الاستفهام للتوبيخ والإِنكار {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ}؟ 5- التنكير في كلٍ من لفظة {نَعِيمٍ} و{جَحِيمٍ} للتعظيم والتهويل. 6- الإِطناب بإِعادة الجملة {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ}؟ لتعظيم هول ذلك اليوم وبيان شدته كأنه فوق الوصف الخيال. 7- السجع المرصَّع وهو من المحسنات البديعية مثل {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ * وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} ومثل {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ} ومثل {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}. لطيفَة: روي أن الخليفة "سليمان بن عبد الملك" قال لأبي حازم المزني: ليت شعري أين مصيرنا يوم القيامة؟ وما لنا عند الله؟ فقال له: اعرضْ عملك على كتاب الله تجد ما لك عند الله! فقال: وأين أجد ذلك في كتاب الله!! قال: عند قوله تعالى {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} قال سليمان: فإين إِذاً هي رحمة الله؟ فأجابه بقوله {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 56].
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} معناه انشَقتْ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} هذه السورة مكية وتقدم الكلام على الإِنفطار. {ٱنتَثَرَتْ} تساقط من مواضعها كالنظام. و{فُجِّرَتْ} أي من امتلائها فتفجر من أعلاها وتفيض على ما يليها أو من أسفلها فيذهب الله تعالى ماءها حيث أراد. و{بُعْثِرَتْ} قال ابن عباس: بحثت وتقدم الكلام على ما قدمت وأخرت في القيامة. {مَا غَرَّكَ} إستفهام على سبيل الإِنكار عليه وغرك بمعنى أدخلك في الغرة وروي أنه عليه السلام قرأ ما غرك بربك الكريم فقال: جهله وقاله عمر وقرأ أنه كان ظلوماً جهولاً. {فَسَوَّاكَ} جعلك سوياً في أعضائك. {فَعَدَلَكَ} صيرك معتدلاً متناسب الخلقة من غير تفاوت والظاهر أن قوله في أي صورة يتعلق بركبك أي وضعك في صورة اقتضتها مشيئته من حسن وطول وذكورة وشبه ببعض الأقارب أو مقابل ذلك وما زائدة وشاء في موضع لصورة ولم يعطف ركبك بالفاء كالذي قبله لأنه بيان لعدلك والتركيب التأليف وجمع شىء إلى شىء. {كَلاَّ} ردع وزجر لما دل عليه ما قبله من اغترارهم بالله تعالى. {بَلْ تُكَذِّبُونَ} خطاب للكفار. {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ} إستئناف أخبار أن عليهم من يحفظ أعمالهم ويضبطها ويظهر أنها جملة حالية والواو واو الحال أي تكذبون بيوم الجزاء والكاتبون الحفظة يضبطون أعمالكم لأن تجازوا عليها وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء. {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} فيكتبون ما تعلق به الجزاء. {وَمَا هُمْ عَنْهَا} أي عن الجحيم أي لا يمكنهم الغيبة لما أخبر عن صليهم يوم القيامة أخبر بانتفاء غيبتهم عنها قبل الصلي أي يرون مقاعدهم من النار. {وَمَآ أَدْرَاكَ} تعظيم لهول ذلك اليوم. {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ} عام في كل نفس. {وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} أي لا يدعي أحد منازعته.
الجيلاني
تفسير : {إِذَا ٱلسَّمَآءُ} المعبرَّر بها عن العلويات والمتأثرات عن الأسماء والصفات الإلهية {ٱنفَطَرَتْ} [الانفطار: 1] انشقت وانخرقت، ولم يبق قابليتها للتأثر والاستعداد من الأسماء والصفات. {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ} التي تعينت عليها بالهويات، وتكثرت بالهياكل والماهيات {ٱنتَثَرَتْ} [الانفطار: 2] وتفرقت أوضاعها، وتلاشت أشكالها وهيئاتها. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ} المستحدثة من صعود الأمواج المتراكمة، المترادمة على بحر الوجود واتصف كل واحد منها بالصفات المتنوعة، مثل الغيب والشهادة، والأولى والأخرى، إلى غير ذلك من العوالم التي لا تُعدّ ولا تُحصى {فُجِّرَتْ} [الانفطار: 3] انفجرت وانفتحت بعضها على بعض، وارتفعت صور الأمواج، واتصل الكل فصار بحراً واحداً وحدانياً على ما كان أزلاً وأبداً. {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ} المندرسة المتنكسة التي لم يبق في أجوافها شيء من أمارات عالم الناسوت {بُعْثِرَتْ} [الانفطار: 4] قلبت وبحثرت، وخرج من مطاوبها ما فيها من حصة عالم اللاهوت. {عَلِمَتْ} يومئذٍ {نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ} في نشأة الاختبار والاعتبار من صوالح الأعمال، ومحاسن الأخلاق والأطوار {وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 5] أهملت وتركت فيها منها. ثمَّ نادى سبحانه مظهر الإنسان، المصور بصورة الرحمن بداءً معاتبةً وتخجيلاً على ما عرض عليه من الغفلة والنيسان، مع أنه جُبل على فطرة التوحيد والعرفان، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ} المنعم عليك بأنواع الإنعام والإحسان {مَا غَرَّكَ} أي: أيّ شيء خدعك ومكر بك حتى جبرك على الكفر والعصيان {بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} [الانفطار: 6]؟! {ٱلَّذِي خَلَقَكَ} أوجدك وصوَّرك في أحسن تقويم {فَسَوَّاكَ} أي: سوَّى أعضاءك وجوارحك سليمة عن مطلق العيوب. {فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 7] أي: جعلك معتدل المزاج، متناسب الأعضاء، مطبوع الهيكل. وبالجملة: {فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8] يعني: في أيّ صورة بديعة عجيبة، ممتازة عن صور عموم الحيوانات تعلَّق بها مشيئته وإرادته ركبك عليها؛ أيك انتخب صورتك من صور جميع المظاهر فركبك عليها. قيل للفضيل بن عياض - قُدِّس سره -: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة، وقال: يا فضيل ما غرَّك بربك الكريم، ماذا كنت تقول؟ فقال: أقول: غرني ستورك المرخاة. وقال يحيى بن معاذ - قُدِّس سره -: لو أقامني سبحانه بين يديه، فقال: يا يحيى ما غرَّك بي؟ قلت: غرَّني برك بي سالفاً وآنفاً. وقال أبو بكر الوراق - قُدِّس سره -: لو قال لي: ما غرَّك بربك الكريم؟ لقلت: كرم ربي الكريم. وأنا الفقير الحقير، خادم الفقراء وتراب أقدامهم، أقول لو قال لي ربي: ما غرَّك بربك؟ لقلت: كفالتك بي، وكونك سمعي وبصري، وعموم قواي ومشاعري، يا ربي.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا مترصد القيامة، تيقن بدخول {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} [الانفطار: 1]؛ يعني: إذا انفطرت سماء الصدر وهو أحد علامات القيامة، {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} [الانفطار: 2] كواكب القوى المخزونة في الدماغ وتحللت، {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الانفطار: 3]؛ أي: بحار عنصرية مائية القالب فجرت بالعرق، {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} [الانفطار: 4]؛ أي: قبور القالب بعثرت وقلبت على صاحبها، وهذه علامات القيامة يشاهد السالك عند غلبة سلطان الذكر اللساني على وجوده، {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 5]؛ أي: علمت قوى النفس ما قدمت من الأعمال الصالحة والفاسدة، وأخرت من التبعات باتباع الهوى ومخالفة المولى. {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} [الانفطار: 6]؛ يعني: أيتها اللطيفة الإنسانية، ما غرك؛ أي: ما خدعك بكرم ربك لأنك اتكأت على سرير رحمته، واشتغلت بمشتيهات نفسك، وتركت الطاعة وركبت المعاصي رجاء مغفرته بتسويل الشيطان الغرور، أما علمت أنه هو {ٱلَّذِي خَلَقَكَ} [الانفطار: 7] من العدم {فَسَوَّاكَ} [الانفطار: 7] في الرحم {فَعَدَلَكَ * فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ} [الانفطار: 7-8] في القدم {رَكَّبَكَ} الانفطار: 8] من المفردات في أعدل مزاج وأحسن تقويم، ما خلقك سدى ولا هزلاً ولا عبثاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: إذا انشقت السماء وانفطرت، وانتثرت نجومها، وزال جمالها، وفجرت البحار فصارت بحرا واحدا، وبعثرت القبور بأن أخرجت ما فيها من الأموات، وحشروا للموقف بين يدي الله للجزاء على الأعمال. فحينئذ ينكشف الغطاء، ويزول ما كان خفيا، وتعلم كل نفس ما معها من الأرباح والخسران، هنالك يعض الظالم على يديه إذا رأى أعماله باطلة، وميزانه قد خف، والمظالم قد تداعت إليه، والسيئات قد حضرت لديه، وأيقن بالشقاء الأبدي والعذاب السرمدي. و [هنالك] يفوز المتقون المقدمون لصالح الأعمال بالفوز العظيم، والنعيم المقيم والسلامة من عذاب الجحيم.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} 672 - أنا محمدُ بنُ قُدامةَ، نا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مُحاربِ بنِ دِثارٍ، عن جابرٍ قال: حديث : قام مُعاذٌ فصلى العِشاءَ الآخرة فطوَّلَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم "أَفَتَّانٌ يا مُعَاذُ!! أين كُنتَ عن سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلَى، وَالضُّحَى وَإذا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ؟ ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):