Verse. 5900 (AR)

٨٤ - ٱلْإِنْشِقَاق

84 - Al-Inshiqaq (AR)

فَلَاۗ اُقْسِمُ بِالشَّفَقِ۝۱۶ۙ
Fala oqsimu bialshshafaqi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلا أقسم» لا زائدة «بالشفق» هو الحمرة في الأفق بعد غروب الشمس.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ } فيه مسائل: المسألة الأولى: أن هذا قسم، وأما حرف لا فقد تكلمنا فيه في قوله تعالى: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [القيامة: 1] ومن جملة الوجوه المذكورة هناك أن لا نفي ورد لكلام قبل القسم وتوجيه هذا الوجه ههنا ظاهر، لأنه تعالى حكى ههنا عن المشرك أنه ظن أن لن يحور فقوله لا رد لذلك القول وإبطال لذلك الظن ثم قال بعده أقسم بالشفق. المسألة الثانية: قد عرفت اختلاف العلماء في أن القسم واقع بهذه الأشياء أو يخالفها، وعرفت أن المتكلمين زعموا أن القسم واقع برب الشفق وإن كان محذوفاً، لأن ذلك معلوم من حيث ورد الحظر بأن يقسم الإنسان بغير الله تعالى. المسألة الثالثة: تركيب لفظ الشفق في أصل اللغة لرقة الشيء، ومنه يقال: ثوب شفق كأنه لا تماسك لرقته، ويقال: للرديء من الأشياء شفق، وأشفق عليه إذا رق قلبه عليه والشفقة رقة القلب ثم اتفق العلماء على أنه اسم للأثر الباقي من الشمس في الأفق بعد غروبها إلا ما يحكى عن مجاهد أنه قال: الشفق هو النهار، ولعله إنما ذهب إلى هذا لأنه تعالى عطف عليه الليل فيجب أن يكون المذكور أولاً هو النهار فالقسم على هذا الوجه واقع بالليل والنهار اللذين أحدهما معاش والثاني سكن وبهما قوام أمور العالم، ثم اختلفوا بعد ذلك فذهب عامة العلماء إلى أنه هو الحمرة وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل، ومن أهل اللغة قول الليث والفراء والزجاج. قال صاحب «الكشاف»: وهو قول عامة العلماء إلا ما يروى عن أبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه أنه البياض وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه. واحتجوا عليه بوجوه أحدها: قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر، قال: فدل ذلك على أن الشفق هو الحمرة وثانيها: أنه جعل الشفق وقتاً للعشاء الأخيرة فوجب أن يكون المعتبر هو الحمرة لا البياض لأن البياض يمتد وقته ويطول لبثه، والحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس ثم بعدت الشمس عن الأفق ذهبت الحمرة وثالثها: أن اشتقاق الشفق لما كان من الرقة، ولا شك أن الضوء يأخذ في الرقة والضعف من عند غيبة الشمس فتكون الحمرة شفقاً. أما قوله: {وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } فقال أهل اللغة: وسق أي جمع ومنه الوسق وهو الطعام المجتمع الذي يكال ويوزن ثم صار اسماً للحمل واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت والراعي يسقها أي يجمعها قال صاحب «الكشاف»: يقال وسقه فاتسق واستوسق ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع. وأما المعنى فقال القفال: مجموع أقاويل المفسرين يدل على أنهم فسروا قوله تعالى: {وَمَا وَسَقَ } على جميع ما يجمعه الليل من النجوم ورجوع الحيوان عن الانتشار وتحرك ما يتحرك فيه الهوام، ثم هذا يحتمل أن يكون إشارة إلى الأشياء كلها لاشتمال الليل عليها فكأنه تعالى أقسم بجميع المخلوقات كما قال: {أية : فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ } تفسير : [الحاقة: 38] وقال سعيد بن جبير ما عمل فيه، قال القفال: يحتمل أن يكون ذلك هو تهجد العباد فقد مدح الله تعالى بها المستغفرين بالأسحار فيجوز أن يحلف بهم وإنما قلنا: إن الليل جمع هذه الأشياء كلها لأن ظلمته كأنها تجلل الجبال والبحار والشجر والحيوانات، فلا جرم صح أن يقال: وسق جميع هذه الأشياء، أما قوله: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ } فاعلم أن أصل الكلمة من الاجتماع يقال: وسقته فاتسق كما يقال: وصلته فاتصل، أي جمعته فاجتمع ويقال: أمور فلان متسقة أي مجتمعة على الصلاح كما يقال: منتظمة، وأما أهل المعاني فقال ابن عباس إذا اتسق أي استوى واجتمع وتكامل وتم واستدار وذلك ليلة ثلاثة عشر إلى ستة عشر، ثم إنه سبحانه وتعالى بعد أن ذكر ما به أقسم أتبعه بذكر ما عليه أقسم فقال: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عن طَبقٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء: {لَتَرْكَبُنَّ } على خطاب الإنسان في يا أيها الإنسان: {ولتركبن} بالضم على خطاب الجنس لأن النداء في قوله: {أية : يأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ }تفسير : [الإنشقاق: 6] للجنس {ولتركبن} بالكسر على خطاب النفس، وليركبن بالياء على المغايبة أي ليركبن الإنسان. المسألة الثانية: الطبق ما طابق غيره يقال: ما هذا يطبق كذا أي لا يطابقه، ومنه قيل: للغطاء الطبق وطباق الثرى ما يطابق منه، قيل: للحال المطابقة لغيرها طبق، ومنه قوله تعالى: {طَبَقاً عَن طَبقٍ } أي حالاً بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول، ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة من قولهم هو على طبقات والمعنى لتركبن أحوالاً بعد أحوال هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من أهوال القيامة، ولنذكر الآن وجوه المفسرين فنقول: أما القراءة برفع الياء وهو خطاب الجمع فتحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المعنى لتركبن أيها الإنسان أموراً وأحوالاً أمراً بعد أمر وحالاً بعد حال ومنزلاً بعد منزل إلى أن يستقر الأمر على ما يقضي به على الإنسان أول من جنة أو نار فحينئذ يحصل الدوام والخلود، إما في دار الثواب أو في دار العقاب ويدخل في هذه الجملة أحوال الإنسان من يكون نطفة إلى أن يصير شخصاً ثم يموت فيكون في البرزخ، ثم يحشر ثم ينقل، إما إلى جنة وإما إلى نار وثانيها: أن معنى الآية أن الناس يلقون يوم القيامة أحوالاً وشدائد حالاً بعد حال وشدة بعد شدة كأنهم لما أنكروا البعث أقسم الله أن البعث كائن وأن الناس يلقون فيها الشدائد والأهوال إلى أن يفرغ من حسابهم فيصير كل أحد إلى أعدله من جنة أو نار وهو نحو قوله: {أية : بَلى وَرَبّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} تفسير : [التغابن: 7] وقوله: {أية : يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ }تفسير : [القلم: 42] وقوله: {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } تفسير : [المزمل: 17]، وثالثها: أن يكون المعنى أن الناس تنتقل أحوالهم يوم القيامة عما كانوا عليه في الدنيا فمن وضيع في الدنيا يصير رفيعاً في الآخرة، ومن رفيع يتضع، ومن متنعم يشقى، ومن شقي يتنعم، وهو كقوله: {أية : خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } تفسير : [الواقعة: 3] وهذا التأويل مناسب لما قبل هذه الآية لأنه تعالى لما ذكر حال من يؤتى كتابه وراء ظهره، أنه كان في أهله مسروراً، وكان يظن أن لن يحور أخبر الله أنه يحور، ثم أقسم على الناس أنهم يركبون في الآخرة طبقاً عن طبق أي حالاً بعد حالهم في الدنيا ورابعها: أن يكون المعنى لتركبن سنة الأولين ممن كان قبلكم في التكذيب بالنبوة والقيامة، وأما القراءة بنصب الياء ففيها قولان: الأول: قول من قال: إنه خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا التقدير ذكروا وجهين أحدهما: أن يكون ذلك بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر والغلبة على المشركين المكذبين بالبعث، كأنه يقول: أقسم يا محمد لنركبن حالاً بعد حال حتى يختم لك بجميل العافية فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهم. وفي هذا الوجه احتمال آخر يقرب مما ذكرنا، وهو أن يكون المعنى أنه يركب حال ظفر وغلبة بعد حال خوف وشدة. واحتمال ثالث: وهو يكون المعنى أن الله تعالى يبدله بالمشركين أنصاراً من المسلمين، ويكون مجاز ذلك من قولهم طبقات الناس، وقد يصلح هذا التأويل على قراءة من قرأ بضم الباء، كأنه خطاب للمسلمين بتعريف تنقل الأحوال بهم وتصييرهم إلى الظفر بعدوهم بعد الشدة التي يلقونها منهم، كما قال: {أية : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 186] الآية وثانيهما: أن يكون ذلك بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بصعوده إلى السماء لمشاهدة ملكوتها، وإجلال الملائكة إياه فيها، والمعنى لتركبن يا محمد السموات طبقاً عن طبق، وقد قال تعالى: {أية : سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ طِبَاقاً }تفسير : [الملك: 3] وقد فعل الله ذلك ليلة الإسراء، وهذا الوجه مروي عن ابن عباس وابن مسعود وثالثها: لتركبن يا محمد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى. القول الثاني: في هذه القراءة، أن هذه الآية في السماء وتغيرها من حال إلى حال، والمعنى لتركبن السماء يوم القيامة حالة بعد حالة، وذلك لأنها أولاً تنشق كما قال: {أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ } تفسير : [الإنشقاق: 1] ثم تنفطر كما قال: {أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ }تفسير : [الإنفطار: 1] ثم تصير: {أية : وَرْدَةً كَٱلدّهَانِ }تفسير : [الرحمن: 37] وتارة: {أية : كَٱلْمُهْلِ } تفسير : [المعارج: 8] على ما ذكر الله تعالى هذه الأشياء في آيات من القرآن فكأنه تعالى لما ذكر في أول السورة أنها تنشق أقسم في آخر السورة أنها تنتقل من أحوال إلى أحوال، وهذا الوجه مروي عن ابن مسعود. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {عَن طَبقٍ } أي بعد طبق كقول الشاعر:شعر : ما زلت أقطع منهلا عن منهل حتى أنخت بباب عبدالواحد تفسير : ووجه هذا أن الإنسان إذا صار من شيء إلى شيء آخر فقد صار إلى الثاني بعد الأول فصلحت بعد وعن معاقبة، وأيضاً فلفظة عن تفيد البعد والمجاوزة فكانت مشابهة للفظة بعد. أما قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الأقرب أن المراد {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بصحة البعث والقيامة لأنه تعالى حكى عن الكافر: {أية : إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } تفسير : [الإنشقاق: 14] ثم أفتى سبحانه بأنه يحور فلما قال بعد ذلك: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } دل على أن المراد: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بالبعث والقيامة، ثم اعلم أن قوله: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } استفهام بمعنى الإنكار، وهذا إنما يحسن عند ظهور الحجة وزوال الشبهات، الأمر ههنا كذلك، وذلك لأنه سبحانه أقسم بتغييرات واقعة في الأفلاك والعناصر، فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها وهو ضوء النهار، ولما بعدها وهو ظلمة الليل، وكذا قوله: {وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } فإنه يدل على حدوث ظلمة بعد نور، وعلى تغير أحوال الحيوانات من اليقظة إلى النوم، وكذا قوله: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ } فأنه يدل على حصول كمال القمر بعد أن كان ناقصاً، إنه تعالى أقسم بهذه الأحوال المتغيرة على تغير أحوال الخلق، وهذا يدل قطعاً على صحة القول بالبعث، لأن القادر على تغيير الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى حال وصفة إلى صفة بحسب المصالح، لا بد وأن يكون في نفسه قادراً على جميع الممكنات عالماً بجميع المعلومات. ومن كان كذلك كان لا محالة قادراً على البعث والقيامة، فلما كان ما قبل هذه الآية كالدلالة العقلية القاطعة على صحة البعث والقيامة لا جرم قال على سبيل الاستبعاد: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }. المسألة الثانية: قال القاضي: لا يجوز أن يقول الحكيم فيمن كان عاجزاً عن الإيمان {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } فلما قال ذلك دل على كونهم قادرين، وهذا يقتضي أن تكون الاستطاعة قبل الفعل، وأن يكونوا موجدين لأفعالهم، وأن لا يكون تعالى خالقاً للكفر فيهم. فهذه الآية من المحكمات التي لا احتمال فيها البتة، وجوابه قد مر غير مرة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} أي فأقسم و «لا» صلة. {بِٱلشَّفَقِ} أي بالحمرة التي تكون عند مغيب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة. قال أشهب وعبد الله بن الحكم ويحيى بن يحيى وغيرهم، كثير عددهم، عن مالك: الشَّفَق الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة فقد خرجتُ من وقت المغرب ووجبتْ صلاة العشاء. وروى ٱبن وهب قال: أخبرني غير واحد عن عليّ بن أبي طالب ومُعاذ بن جبل وعُبادة ابن الصامت وشدّاد بن أوس وأبي هريرة: أن الشفَق الحمرة، وبه قال مالك بن أنس. وذكر غير ٱبن وهب من الصحابة: عمر وٱبن عمر وٱبن مسعود وٱبن عباس وأنَساً وأبا قتادة وجابر بن عبد الله وٱبن الزبير، ومن التابعين: سعيد بن جبير، وٱبن المسيب وطاوس، وعبد الله بن دينار، والزهريّ، وقال به من الفقهاء الأوزاعيّ ومالك والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وأبو عبيد وأحمد وإسحاق. وقيل: هو البياض؛ رُوي ذلك عن ٱبن عباس وأبي هريرة أيضاً وعمر بن عبد العزيز والأوزاعيّ وأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه. وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه. ورُوِي عن ٱبن عمر أيضاً أنه البياض والاختيار الأوّل؛ لأن أكثر الصحابة والتابعين والفقهاء عليه؛ ولأن شواهد كلام العرب والاشتقاق والسنة تشهد له. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول لثوب عليه مصبوغ: كأنه الشفق وكان أحمر، فهذا شاهد للحمرة؛ وقال الشاعر: شعر : وأحمر اللون كمحمرّ الشفق تفسير : وقال آخر: شعر : قم يا غلام أعِني غير مرتبكٍ على الزمانِ بِكأسِ حَشْوُها شَفَقُ تفسير : ويقال للمَغْرة الشفق. وفي الصحاح: الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أوّل الليل إلى قريب من العَتَمة. قال الخليل: الشفق: الحمرة، من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، إذا ذهب قيل: غاب الشفق. ثم قيل: أصل الكلمة من رقة الشيء؛ يقال: شيء شَفِق أي لا تماسك له لرقته. وأشفق عليه: أي رق قلبه عليه، والشفقة: الاسم من الإشفاق، وهو رِقة القلب، وكذلك الشَّفَق؛ قال الشاعر: شعر : تهوَى حَياتِي وأهوى موتها شَفَقاً والموتُ أَكرم نَزَّالٍ على الحُرَمِ تفسير : فالشفَق: بقية ضوء الشمس وحمرتها فكأن تلك الرّقة عن ضوء الشمس. وزعم الحكماء أن البياض لا يغيب أصلاً. وقال الخليل: صعدت منارة الإسكندرية فرمقت البياض، فرأيته يتردّد من أفق إلى أفق ولم أره يغيب. وقال ٱبن أبي أويس: رأيته يتمادى إلى طلوع الفجر قال علماؤنا: فلما لم يتحدد وقته سقط ٱعتباره. وفي سُنَن أبي داود عن النعمان بن بَشير قال: أنا أعلمكم بوقت صلاة العشاء الآخرة؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة. وهذا تحديد، ثم الحكم معلق بأوّل الاسم. لا يقال: فينقض عليكم بالفجر الأوّل، فإنا نقول الفجر الأوّل لا يتعلق به حكم من صلاة ولا إمساك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين الفجر بقوله وفعله فقال: « حديث : وليس الفجر أن تقول هكذا ـ فرفع يده إلى فوق ـ ولكن الفجر أن تقول هكذا وبسطها » تفسير : وقد مضى بيانه في آية الصيام من سورة «البقرة»، فلا معنى للإعادة. وقال مجاهد: الشفق: النهار كله ألا تراه قال «والليلِ وما وَسَق». وقال عِكرمة: ما بقي من النهار. والشفق أيضاً: الرديء من الأشياء؛ يقال: عطاء مُشفَّق أي مقلل قال الكُميت: شعر : ملكَ أغَر مِن الملوك تحلَّبَتْ للسائلين يداه غيرَ مُشفِّقِ تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} أي جمع وضم ولف، وأصله من سَوْرة السلطان وغضبه؛ فلولا أنه خرج إلى العباد من باب الرحمة ما تمالك العباد لمجيئه، ولكن خرج من باب الرحمة فمزح بها، فسكن الخلق إليه ثم ٱبذَعَرُّوا وٱلتفُّوا وٱنقبضوا، ورجع كل إلى مأواه فسكن فيه من هَوْلِه وحشا، وهو قوله تعالى: { أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } تفسير : [القصص: 73] أي بالليل { أية : وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [القصص: 73] أي بالنهار على ما تقدم. فالليل يجمع ويضم ما كان منتشراً بالنهار في تَصَرّفه. هذا معنى قول ٱبن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم؛ قال ضابيء ٱبن الحارث البرجُمِيّ: شعر : فإني وإِياكُمْ وشوقاً إِليكُمْ كقابِضِ ماءٍ لم تَسِقْه أناملُهْ تفسير : يقول: ليس في يدهِ من ذلك شيء كما أنه ليس في يد القابض على الماء شيء؛ فإذا جلل الليل الجبال والأشجار والبحار والأرض فاجتمعت له، فقد وَسَقَها. والوسْق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، تقول: وَسَقْتُه أَسِقُه وَسْقاً. ومنه قيل للطعام الكثير المجتمع: وَسْقٌ، وهو ستون صاعاً. وطعام مُوسَق: أي مجموع، وإبل مُسْتَوْسِقة أي مجتمعة؛ قال الراجز: شعر : إنَّ لَنَا قِلائِصاً حقائِقاً مُسْتَوْسقاتٍ لو يَجِدْنَ سائِقاً تفسير : وقال عِكرمة: «وما وَسَق» أي وما ساق من شيء إلى حيث يأوِي، فالوَسْق بمعنى الطْرد، ومنه قيل للطريدة من الإبل والغنم والحمر: وسِيقة، قال الشاعر: شعر : كما قافَ آثارَ الوسِيقةِ قائِفُ تفسير : وعن ٱبن عباس: «وما وَسَق» أي وما جنّ وستر. وعنه أيضاً: وما حَمَل، وكل شيء حملته فقد وَسَقْته، والعرب تقول: لا أفعله ما وَسَقَتْ عيني الماء، أي حملته. ووسَقَت الناقةُ تَسِق وَسْقاً: أي حملت وأغلقت رحمها على الماء، فهي ناقة واسق، ونوق وِسَاق مثلَ نائِم ونيام، وصاحِب وصحِاب، قال بشر بن أبي خازم: شعر : أَلَظَّ بِهِن يحدوهُنّ حتى تبينتِ الحِيالُ مِن الوِساقِ تفسير : ومَواسيق أيضاً. وأوسقت البعير: حَمَّلتة حملَه، وأوسَقَتِ النخلة: كثر حملها. وقال بمان الضحاك ومقاتل ابن سليمان: حمل من الظلمة. قال مقاتل: أو حمل من الكواكب. القشيريّ: ومعنى حَمَل: ضم وجمع، والليل يجلل بظلمته كل شيء فإذا جللها فقد وسقها. ويكون هذا القَسَم قسماً بجميع المخلوقات، لاشتمال الليل عليها، كقوله تعالى: { أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ }. تفسير : [الحاقة: 38-39] وقال ٱبن جُبير: «وما وَسَق» أي وما عمل فيه، يعني التهجد والاستغفار بالأسحار، قال الشاعر: شعر : ويوماً ترانا صالحين وتارةً تقومُ بِنا كالواسِق المتلَبِّب تفسير : أي كالعامل. قوله تعالى: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ} أي تم وأجتمع وٱستوى. قال الحسن: ٱتسق: أي ٱمتلأ واجتمع. ابن عباس: استوى. قتادة: استدار. الفراء: اتساقه: امتلاؤه واستواؤه ليالِيَ البدر، وهو افتعال من لوسْق الذي هو الجمع، يقال: وسقته فاتسق، كما يقال: وصلته فاتصل، ويقال: أمر فلان مُتَّسِق: أي مجتمع على الصلاح منتظم. ويقال: اتسق الشيء: إذا تتابع: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قرأ أبو عمر وابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومسروق وأبو وائل ومجاهد والنخَعيّ والشعبيّ وابن كثير وحمزة الكسائي «لَتَرَكَبَنَّ» بفتح الباء خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، أي لتركَبنَّ يا محمد حالاً بعد حال، قاله ابن عباس. الشعبي: لتركَبَنَّ يا محمد سماء بعد سماء، ودرجة بعد درجة، ورُتبه بعد رتبة، في القربة من الله تعالى. ٱبن مسعود: لتركَبن السماء حالاً بعد حال، يعني حالاتها التي وصفها الله تعالى بها من الانِشقاق والطيّ وكونها مرة كالمُهلِ ومرة كالدِّهانِ. وعن إبراهيم عن عبد الأعلى: «طبقاً عن طبقٍ» قال: السماء تَقَلَّبُ حالاً بعد حال. قال: تكون وردة كالدهان، وتكون كالمهل؛ وقيل: أي لتركَبَن أيها الإنسان حالاً بعد حال، من كونك نطفة ثم علقه ثم مضغة ثم حياً وميتاً وغنياً وفقيراً. فالخطاب للإنسان المذكور في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ} هو ٱسم للجنس، ومعناه الناس. وقرأ الباقون «لتركَبُنّ» بضم الباء، خطاباً للناس، واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم، قال: لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، لما ذكر قبل هذه الآية فمن أوتي كتابه بيمينه ومن أوتي كتابه بشماله. أي لتركبن حالاً بعد حال من شدائد القيامة، أو لتركَبُن سُنَّة من كان قبلكم في التكذيب وٱختلاق على الأنبياء. قلت: وكله مراد، وقد جاءت بذلك أحاديث، فروى أبو نعيم الحافظ عن جعفر بن محمد بن علي عن جابر رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إن ٱبن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل؛ إن الله لا إله غيره إذا أراد خَلْقه قال للملك أكتب رزقه وأثره وأجله، وأكتب شقياً أو سعيداً، ثم يرتفع ذلك الملك، ويبعث الله ملكاً آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا جاءه الموت ارتفع ذانك الملكان، ثم جاءه ملك الموت عليه السلام فيقبض روحه، فإذا أدخِل حفرته رُدّ الروح في جسده، ثم يرتفع ملك الموت، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة ٱنحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات، فأنشطا كتاباً معقوداً في عنقه، ثم حضرا معه، واحد سائق والآخر شهيد » تفسير : ثم قال الله عز وجل «لقد كنت فيِ غفلة مِن هذا فكشفنا عنك غِطاءك، فبصرك اليوم حَدِيد» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قال: «حالاً بعد حال» » تفسير : ثم قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن قُدَّامَكُمْ أمراً عظيماً فاستعينوا بالله العظيم » تفسير : فقد ٱشتمل هذا الحديث على أحوال تعتري الإنسان، من حين يُخْلق إلى حين يُبعث، وكله شدّة بعد شدة، حياة ثم موت، ثم بعث ثم جزاء، وفي كل حال من هذه شدائد. وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : لتركبُن سَنَن من قبلكم شبراً بشبراً، وذراعاً بذارع، حتى لو دخلوا جُحر ضَبّ لدخلتموه» قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فَمَنْ» » تفسير : ؟ خرجه البخاريّ: وأما أقوال المفسرين، فقال عكرمة: حالاً بعد حال، فطيما بعد رضيع، وشيخاً بعد شَباب، قال الشاعر: شعر : كذلِك المرءُ إِن يُنْسَأْلَهُ أَجلٌ يَرْكَب على طَبقٍ مِن بعدِهِ طَبَقُ تفسير : وعن مكحول: كلَّ عشرين عاماً تجدون أمراً لم تكونوا عليه: وقال الحسن: أمراً بعد أمر، رخَاء بعد شدّة، وشدّة بعد رَخاء، وغنًى بعد فقر، وفقراً بعد غنًى، وصحة بعد سُقْم، وسقماً بعد صحة: سعيد بن جبير: منزلة بعد منزلة، قوم كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا في الدنيا مرتفعين فاتضعوا في الآخرة: وقيل: منزلة عن منزلة، وطبَقاً عن طبق، وذلك أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح فوقه، ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فوقه، لأن كل شيء يجري إلى شكله: ٱبن زيد: ولتصيرُن من طَبَق الدنيا إلى طَبَق الآخرة: وقال ابن عباس: الشدائد والأهوال: الموت، ثم البعث، ثم العَرْض، والعرب تقول لمن وقع في أمر شديد: وقَع في بَناتِ طَبَق، وإحدى بنات طَبَق، ومنه قيل للداهية الشديدة: أم طَبَق، وإحدى بناتِ طَبَق: وأصلها من الحَيّات، إذ يقُال للحية أم طَبَق لتحوِّيها: والطبق في اللغة: الحال كما وصفنا، قال الأقرع بن حابس التميميّ: شعر : إني امرؤ قد حَلَبْتُ الدهرَ أَشْطُرَهُ وساقني طَبَقٌ منه إلى طَبَقِ تفسير : وهذا أدل دليل على حدوث العالم، وإثبات الصانع، قالت الحكماء: من كان اليوم على حالة، وغداً على حالة أخرى فليعلم أن تدبيره إلى سواه: وقيل لأبي بكر الورَّاق: ما الدليل على أن لهذا العالم صانعاً؟ فقال: تحويل الحالات، وعجز القوة، وضعف الأركان، وقهر النية: ونسخ العزيمة: ويقال: أتانا طَبَقٌ من الناس وطبق من الجراد: أي جماعة: وقول العباس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: شعر : تَنْقُل مِن صالبٍ إلى رَحِمٍ إِذا مضَى عالَمٌ بدا طَبَقُ تفسير : أي قرن من الناس. يكون طباقَ الأرض أي ملأها. والطَّبَق أيضاً: عظم رقيق يفصل بين الفَقارين. ويقال: مضى طبق من الليل، وطَبَق من النهار: أي معظم منه. والطبق: واحد الأطباق، فهو مشترك. وقرىء «لتركبِن» بكسر الباء، على خطاب النفس و «لَيَرْكَبَن» بالياء على ليركبن الإنسان. و «عن طبقٍ» في محل نصب على أنه صفة لـ «ـطبقاً» أي طبقاً مجاوزاً لطبق. أو حال من الضمير في «لتركبن» أي لتركبن طبقاً مجاوِزِين لطبق، أو مجاوزاً أو مجاوزة على حسب القراءة. قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يعني أي شيء يمنعهم من الإيمان بعد ما وضحت لهم الآيات وقامت الدلالات. وهذا ٱستفهام إنكار. وقيل: تعجب أي ٱعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات. قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ} أي لا يُصَلُّون. وفي الصحيح: إن أبا هريرة قرأ {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} فسجد فيها، فلما ٱنصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. وقد قال مالك: إنها ليست من عزائم السجود؛ لأن المعنى لا يُذْعِنون ولا يطيعون في العمل بواجباته. ٱبن العربي: والصحيح أنها منه، وهي رواية المَدَنيين عنه، وقد ٱعتضد فيها القرآن والسنة. قال ٱبن العربيّ: لما أَمَمْت بالناس تركت قراءتها؛ لأني إن سجدت أنكروه، وإِن تركتها كان تقصيراً مني، فاجتنبتها إلا إذا صليت وحدي. وهذا تحقيق وعدِ الصادق بأن يكون المعروف منكراً، والمنكر معروفاً؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة: « حديث : لولا حِدْثان قومِك بالكفر لهدمتُ البيت، ولرددته على قواعد إبراهيم » تفسير : . ولقد كان شيخنا أبو بكر الفِهْريّ يرفع يديه عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو مذهب مالك والشافعي ويفعله الشِّيعة، فحضر عندي يوماً في مَحْرَس ٱبن الشَّواء بالثغر ـ موضع تدريسي ـ عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المَحْرس المذكور، فتقدم إلى الصف وأنا في مؤخره قاعداً على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعي في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر وقائده، مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، ويتطلع على مراكب تَخْت المِيناء، فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقيّ كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه وٱرموا به إلى البحر، فلا يراكم أحد. فطار قلبي من بين جوانحي وقلت: سبحان الله هذا الطُّرطُوشيّ فقيه الوقت. فقالوا لي: ولَم يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، وهذا مذهب مالك، في رواية أهل المدينة عنه. وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكَن من المحرس، ورأى تغير وجهي، فأنكره، وسألني فأعلمته، فضحك وقال: ومن أين لي أن أُقتل على سنةٍ؟ فقلت له: ولا يحل لك هذا، فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك وربما ذهب دمك. فقال: دع هذا الكلام، وخذ في غيره.

ابن كثير

تفسير : روي عن علي وابن عباس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وشداد بن أوس وابن عمر ومحمد بن علي بن الحسين ومكحول وبكر بن عبد الله المزني وبكير بن الأشج ومالك وابن أبي ذئب وعبد العزيز ابن أبي سلمة الماجشون أنهم قالوا: الشفق: الحمرة، وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن ابن لبيبة عن أبي هريرة قال: الشفق: البياض، فالشفق هو حمرة الأفق، إما قبل طلوع الشمس؛ كما قاله مجاهد، وإما بعد غروبها؛ كما هو معروف عند أهل اللغة. قال الخليل بن أحمد: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب، قيل: غاب الشفق. وقال الجوهري: الشفق: بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة، وكذا قال عكرمة: الشفق: الذي يكون بين المغرب والعشاء. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : وقت المغرب ما لم يغب الشفق» تفسير : ففي هذا كله دليل على أن الشفق هو كما قاله الجوهري والخليل. ولكن صح عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: { فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ}: هو النهار كله، وفي رواية عنه أيضاً أنه قال: الشفق: الشمس، رواهما ابن أبي حاتم، وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: { وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} أي: جمع، كأنه أقسم بالضياء والظلام. وقال ابن جرير: أقسم الله بالنهار مدبراً، وبالليل مقبلاً. وقال ابن جرير: وقال آخرون: الشفق: اسم للحمرة والبياض، وقالوا: هو من الأضداد. قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: {وَمَا وَسَقَ}: وما جمع، قال قتادة: وما جمع من نجم ودابة، واستشهد ابن عباس بقول الشاعر:شعر : مُسْتَوْسِقاتٍ لَوْ يَجِدْنَ سائِقاً تفسير : وقد قال عكرمة: {وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} يقول: ما ساق من ظلمة، إذا كان الليل، ذهب كل شيء إلى مأواه، وقوله تعالى: { وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ} قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى، وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد ابن جبير ومسروق وأبو صالح والضحاك وابن زيد: { وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ}: إذا استوى. وقال الحسن: إذا اجتمع إذا امتلأ، وقال قتادة: إذا استدار. ومعنى كلامهم أنه إذا تكامل نوره وأبدر، جعله مقابلاً لليل وما وسق، وقوله تعالى: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قال البخاري: أخبرنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال: قال ابن عباس: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} حالاً بعد حال، قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم، هكذا رواه البخاري بهذا اللفظ. وهو محتمل أن يكون ابن عباس أسند هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كأنه قال: سمعت هذا من نبيكم صلى الله عليه وسلم، فيكون قوله: نبيكم، مرفوعاً على الفاعلية من قال، وهو الأظهر، والله أعلم؛ كما قال أنس: لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر عن مجاهد: أن ابن عباس كان يقول: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قال: يعني: نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول:حالاً بعد حال، وهذا لفظه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {طَبَقاً عَن طَبقٍ} حالاً بعد حال. وكذا قال عكرمة ومرة الطيب ومجاهد والحسن والضحاك ومسروق وأبو صالح: ويحتمل أن يكون المراد { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} حالاً بعد حال، قال: هذا يعني: المراد بهذا: نبيكم صلى الله عليه وسلم، فيكون مرفوعاً على أن هذا، ونبيكم، يكونان مبتدأ وخبراً، والله أعلم، ولعل هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة؛ كما قال أبو داود الطيالسي وغندر: حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قال: محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيد هذا المعنى قراءة عمر وابن مسعود وابن عباس وعامة أهل مكة والكوفة: (لتركبن) بفتح التاء والباء. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن الشعبي: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قال: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. وهكذا روي عن ابن مسعود ومسروق وأبي العالية: {طَبَقاً عَن طَبقٍ}: سماء بعد سماء (قلت): يعنون: ليلة الإسراء؟ وقال أبو إسحاق والسدي عن رجل عن ابن عباس: {طَبَقاً عَن طَبقٍ} منزلاً على منزل، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس مثله، وزاد: ويقال: أمراً بعد أمر، وحالاً بعد حال، وقال السدي نفسه: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} أعمال من قبلكم منزلاً بعد منزل (قلت): كأنه أراد معنى الحديث الصحيح: «حديث : لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب، لدخلتموه» تفسير : قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «حديث : فمن؟» تفسير : وهذا محتمل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا ابن جابر: أنه سمع مكحولاً يقول في قول الله: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قال: في كل عشرين سنة تحدثون أمراً لم تكونوا عليه. وقال الأعمش: حدثنا إبراهيم قال: قال عبد الله: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ}، قال: السماء تتشقق ثم تحمر، ثم تكون لوناً بعد لون. وقال الثوري عن قيس بن وهب عن مرة عن ابن مسعود: {طَبَقاً عَن طَبقٍ} قال: السماء مرة كالدهان، ومرة تنشق. وروى البزار من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} يا محمد يعني: حالاً بعد حال، ثم قال: ورواه جابر عن مجاهد عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قال: قوم كانوا في الدنيا خسيس أمرهم، فارتفعوا في الآخرة، وآخرون كانوا أشرافاً في الدنيا، فاتضعوا في الآخرة. وقال عكرمة: {طَبَقاً عَن طَبقٍ} حالاً بعد حال؛ فطيماً بعد ما كان رضيعاً، وشيخاً بعد ما كان شاباً. وقال الحسن البصري: {طَبَقاً عَن طَبقٍ} يقول: حالاً بعد حال، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقراً بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقماً بعد صحة. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عبد الله بن زاهر: حدثني أبي عن عمرو بن شمر عن جابر، هو الجعفي، عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن ابن آدم لفي غفلة مما خلق له، إن الله تعالى إذا أراد خلقه، قال للملك اكتب رزقه، اكتب أجله، اكتب أثره، اكتب شقياً أو سعيداً، ثم يرتفع ذلك الملك، ويبعث الله إليه ملكاً آخر، فيحفظه حتى يدرك، ثم يرتفع ذلك الملك، ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره الموت، ارتفع ذانك الملكان، وجاءه ملك الموت، فقبض روحه، فإذا دخل قبره، رد الروح في جسده، ثم ارتفع ملك الموت، وجاء ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة، انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات، فانتشطا كتاباً معقوداً في عنقه، ثم حضرا معه؛ واحداً سائقاً، وآخر شهيداً، ثم قال الله تعالى: {لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا}» تفسير : [ق: 22] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قال: «حديث : حالاً بعد حال» تفسير : ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن قدّامكم لأمراً عظيماً لا تقدرونه، فاستعينوا بالله العظيم» تفسير : هذا حديث منكر، وإسناده فيه ضعفاء، ولكن معناه صحيح، والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم قال ابن جرير بعد ما حكى أقوال الناس في هذه الآية من القراء والمفسرين: والصواب من التأويل قول من قال: لتركبن أنت يا محمد حالاً بعد حال، وأمراً بعد أمر من الشدائد، والمراد بذلك، وإن كان الخطاب موجهاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، جميع الناس، وأنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأحواله أهوالاً. وقوله تعالى: { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ لاَ يَسْجُدُونَ } أي: فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر؟ ومالهم إذا قرئت عليهم آيات الله وكلامه، وهو هذا القرآن، لا يسجدون إعظاماً وإكراماً واحتراماً؟ وقوله تعالى: { بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ} أي: من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق، { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} قال مجاهد وقتادة: يكتمون في صدورهم، {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: فأخبرهم يا محمد بأن الله عز وجل قد أعد لهم عذاباً أليماً. وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} هذا استثناء منقطع، يعني: لكن الذين آمنوا، أي: بقلوبهم، وعملوا الصالحات، أي: بجوارحهم، {لَهُمْ أَجْرٌ} أي: في الدار الآخرة {غَيْرُ مَمْنُونٍ} قال ابن عباس: غير منقوص، وقال مجاهد والضحاك: غير محسوب. وحاصل قولهما أنه غير مقطوع؛ كما قال تعالى: {أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تفسير : [هود: 108] وقال السدي: قال بعضهم: غير ممنون: غير منقوص، وقال بعضهم: غير ممنون عليهم، وهذا القول الأخير عن بعضهم قد أنكره غير واحد، فإن الله عز وجل له المنة على أهل الجنة في كل حال وآن ولحظة، وإنما دخلوها بفضله ورحمته، لا بأعمالهم، فله عليهم المنة دائماً سرمداً، والحمد لله وحده أبداً، ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. آخر تفسير سورة الانشقاق. و لله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلآَ أُقْسِمُ } «لا» زائدة {بِٱلشَّفَقِ } هو الحمرة في الأفق بعد غروب الشمس.

الماوردي

تفسير : {فلا أُقْسِمُ بالشّفَقِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه شفق الليل وهو الحمرة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه بقية ضوء الشمس، قاله مجاهد. الثالث: أنه ما بقي من النهار، قاله عكرمة. الرابع: أنه النهار، رواه ابن ابي نجيح. {واللّيلِ وما وَسقَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: وماجمع، قاله مجاهد، قال الراجز: شعر : إن لنا قلائصاً حقائقا مستوسقات أو يجدن سائقا تفسير : الثاني: وما جَنّ وستر، قاله ابن عباس. الثالث: وما ساق، لأن ظلمة الليل تسوق كل شيء إلى مأواه، قاله عكرمة. الرابع: وما عمل فيه، قاله ابن جبير، وقال الشاعر: شعر : ويوماً ترانا صالحين وتارةً تقوم بنا كالواسق المتَلَبّبِ تفسير : أي كالعامل. {والقَمَرِ إذا اتّسَق} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: إذا استوى، قاله ابن عباس، وقولهم اتسق الأمر إذا انتظم واستوى. قال الضحاك: ليلة أربع عشرة هي ليلة السواء. الثاني: والقمر إذا استدار، قاله عكرمة. الثالث: إذا اجتمع، قاله مجاهد، ومعانيها متقاربة. ويحتمل رابعاً: إذا طلع مضيئاً. {لَتَرْكَبُنَّ طُبقاً عَنِ طَبَقٍ} فيه سبعة تأويلات: أحدها: سماء بعد سماء، قاله ابن مسعود والشعبي. الثاني: حالاً بعد حال، فطيماً بعد رضيع وشيخاً بعد شاب، قاله عكرمة، ومنه قول الشاعر: شعر : كذلك المرءُ إن يُنْسَأ له أجَلٌ يَرْكبْ على طَبَقٍ مِن بَعْده طَبَقٌ تفسير : الثالث: أمراً بعد أمر، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقراً بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقماً بعد صحة، قاله الحسن. الرابع: منزلة بعد منزلة، قوم كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا مرتفعين في الدنيا فاتضعوافي الآخرة، قاله سعيد بن جبير. الخامس: عملاً بعد عمل، يعمل الآخر عمل الأول، قاله السدي. السادس: الآخرة بعد الأولى، قاله ابن زيد. السابع: شدة بعد شدة، حياة ثم موت ثم بعث ثم جزاء، وفي كل حال من هذه شدة، وقد روى معناه جابر مرفوعاً. {واللهُ أعْلَمُ بما يُوعُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بما يُسِرون في قلوبهم، قاله ابن عباس. الثاني: بما يكتمون من أفعالهم، قاله مجاهد. الثالث: بما يجمعون من سيئاتهم، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه وهو معنى قول ابن زيد. {فلهم أَجْرٌ غيرُ ممنون} فيه أربعة تأويلات: أحدها: غير محسوب،قاله مجاهد. الثاني: غير منقوص، قاله السدي. الثالث: غير مقطوع، قاله ابن عباس. الرابع: غير مكدّر بالمن والأذى، وهو معنى قول الحسن.

ابن عطية

تفسير : "لا" زائدة، والتقدير فأقسم، وقيل: "لا" راد على أقوال الكفار وابتداء القول {أقسم}، وقسم الله تعالى بمخلوقاته هو على جهة التشريف لها، وتعريضها للعبرة، إذ القسم بها منبه منها, و {الشفق}، الحمرة التي تعقب غيبوبة الشمس مع البياض التابع لها في الأغلب، وقيل {الشفق} هنا النهار كله قاله مجاهد، وهذا قول ضعيف، وقال أبو هريرة وعمر بن عبد العزيز: {الشفق}: البياض الذي تتلوه الحمرة، و {وسق} : معناه جمع وضم، ومنه الوسق أي الأصوع المجموعة، والليل يسق الحيوان جملة أي يجمعها في نفسه ويضمها، وكذلك جميع المخلوقات التي في أرض والهواء من البحار والجبال والرياح وغير ذلك، و "اتساق القمر": كماله وتمامه بدراً، فالمعنى امتلأ من النور، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وابن عباس وعمر بخلاف عنهما، وأبو جعفر والحسن والأعمش وقتادة وابن جبير: "لتركبُن" بضم الباء على مخاطبة الناس، والمعنى "لتركبن" الشدائد: الموت والبعث والحساب حالاً بعد حال أو تكون من النطفة إلى الهرم كما تقول طبقة بعد طبقة و {عن} تجيء في معنى بعد كما يقال: ورث المجد كابراً عن كابر وقيل المعنى "لتركبن" هذه الأحوال أمة بعد أمة، ومنه قول العباس بن عبد المطلب عن النبي عليه السلام: شعر : وأنت لما بعثت أشرقت الأ رض وضاءت بنورك الطرق تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى علم بدا طبق تفسير : أي قرن من الناس لأنه طبق الأرض، وقال الأقرع بن حابس: [البسيط] شعر : إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره وساقني طبق منه إلى طبق تفسير : أي حال بعد حال، وقيل المعنى: "لتركبن" الآخرة بعد الأولى، وقرأ عمر بن الخطاب أيضاً: "ليركبن" على أنهم غيب، والمعنى على نحو ما تقدم، وقال ابو عبيدة ومكحول: المعنى "لتركبن" سنن من قبلكم. قال القاضي أبو محمد: كما جاء في الحديث: "حديث : شبراً بشبر، وذراعاً بذراع"تفسير : ، فهذا هو {طبق عن طبق}، ويلتئم هذا المعنى مع هذه القراءة التي ذكرنا عن عمر بن الخطاب، ويحسن مع القراءة الأولى، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وعمرو بن مسعود ومجاهد والأسود وابن جبير ومسروق والشعبي وأبو العالية وابن وثاب وعيسى: " لتركبَن"، بفتح الباء على معنى: أنت يا محمد، وقيل المعنى: حال بعد حال من معالجة الكفار، وقال ابن عباس المعنى: سماء بعد سماء في الإسراء، وقيل هي عدة بالنصر، أي "لتركَبن" العرب قبيلاً بعد قبيل، وفتحاً بعد فتح كما كان ووجد بعد ذلك، قال ابن مسعود: المعنى: "لتبركبَن" السماء في أهوال القيامة، حالاً بعد حال تكون كالمهل وكالدهان وتتفطر وتتشقق، فالسماء هي الفاعلة، وقرأ ابن عباس أيضاً وعمر رضي الله عنهما: "ليركبن" بالياء على ذكر الغائب، فإما أن يراد محمد صلى الله عليه وسلم على المعاني المتقدمة، وقاله ابن عباس يعني: نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإما ما قال الناس في كتاب النقاش من أن المراد: القمر، لأنه يتغير أحوالاً من سرار واستهلال وإبدار، ثم وقف تعالى نبيه، والمراد أولئك الكفار بقوله: {فما لهم لا يؤمنون}، أي من حجتهم مع هذه البراهين الساطعة، وقرأ الجمهور: "يُكذّبون" بضم الياء وشد الذال، وقرأ الضحاك: بفتح الباء وتخفيف الذال وإسكان الكاف، و {يوعون} معناه: يجمعون من الأعمال والتكذيب والكفر، كأنهم يجعلونها في أوعية، تقول: وعيت العلم وأوعيت المتاع، وجعل البشارة في العذاب لما صرح له، وإذا جاءت مطلقة، فإنما هي من الخبر، ثم استثنى تعالى من كفار قريش القوم الذين كان سبق لهم الإيمان في قضائه، و {ممنون} معناه: مقطوع من قولهم: حبل منين أي مقطوع، ومنه قول الحارث بن حلّزة اليشكري: [الخفيف] شعر : فترى خلفهن من شدة الرجع منيناً كأنني أهباء تفسير : يريد غباراً متقطعاً، وقال ابن عباس: {ممنون} بمعنى: معدود عليهم محسوب منغص بالمن.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالشَّفَقِ} شفق الليل الأحمر "ع" أو الشمس أو ما بقي من النهار أو النهار كله.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ} «لا» زائِدةٌ وقيلَ: «لا» ردٌّ عَلى أقوالِ الكفار، و{ٱلشَّفَقِ} الحُمْرَةُ التي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشمسِ مع البياضِ التابعِ لها في الأغلب، و{وَسَقَ} معناه: جُمِعَ وَضُمَّ ومنه الوَسْقُ أي: الأَصْوُعُ المجموعةُ، والليل يَسِق الحيوانَ جملة أي: يجمَعَها وَيَضُمُّها، وكذلك جميعُ المخلوقاتِ التي في الأرض والهواء من البحار والجبال والرياح وغير ذلك، واتساقُ القمر كمالُه وتمامُه بدراً، والمعنى امتلأَ من النور، وقرأ نافع وأبو عَمْرٍو وابن عامر: «لَتَرْكَبُنَّ» ـــ بضم الباءِ ـــ والمعنى: لتركبُنَّ الشدائِدَ: الموتَ والبعثَ والحسابَ حالاً بعد حالٍ، و«عن» تجيءُ بمعنى «بعد» كما يقال: ورثَ المجدَ كَابِراً عن كابرٍ، وقيلَ: غير هذا، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: «لَتَرْكَبَنَّ» ـــ بفَتْحِ الباءِ ـــ على معنى أنتَ يا محمد، فقيلَ: المعنى حالاً بعد حالٍ من معالَجةِ الكفارِ، وقال ابن عباس: سماءً بعد سماءٍ في الإسراء، وقيل: هي عِدَةٌ بالنَّصْرِ أي لتركبَنَّ أمْرَ العربِ قَبِيلاً بعد قَبِيل؛ كما كان، وفي البخاري عن ابن عبَّاس: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} حَالاً بَعْدَ حَالٍ؛ هَكَذَا قَالَ نِبِيُّكُمْ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، انتهى، ثم قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، أي: ما حجتُهم مع هذهِ البراهين الساطعةِ، و{يُوعُونَ} معناه: يَجْمَعُونَ من الأعمالِ والتكذيبِ كأنهم يجعلونَها أوعيةٍ، تقول وَعَيْتُ العلم، وأَوْعَيْتُ المتاع، و{مَمْنُونٍ} معناه: مقطوع.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فلا أقسم بالشفق} "لا": صلة: "بالشَّفَقِ" أي: بالحمرة التي تكون عند غروب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة. قال الراغب: الشَّفَقُ: هو اختلاط ضوء النَّهار بسواد الليل عند غروب الشمس، والإشفاقُ: عناية مختلطة بخوف؛ لأن المُشفق يحب المشفق عليه، ويخاف ما يلحقه، فإذا عُدّي بـ "من" فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي بـ "على" فمعنى العناية فيه أظهر. وقال الزمخشري: "الشفق" الحُمْرة التي ترى في الغروب بعد سقوط الشمس، وبسقوطه يخرج وقت المغرب، ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء، إلا ما روي عن أبي حنيفة في إحدى الروايتين: أنه البياض. وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه، سمي شفقاً لرقته، ومنه الشفقة على الإنسان، رقة القلب عليه انتهى. والشَّفَقُ: شفقان، الشَّفَقُ الأحمر، والآخر: الأبيض، والشفقُ والشفقةُ: اسمان للإشفاق؛ وقال الشاعر: [البسيط] شعر : 5141- تَهْوَى حَياتِي وأهْوَى مَوْتَهَا شَفقاً والمَوْتُ أكْرَمُ نَزَّالٍ على الحُرمِ تفسير : تقدم اختلاف العلماء في القسم بهذه الأشياء، هل هو قسم بها أو بخالقها؟ وأن المتقدمين ذهبوا إلى أن القسم واقع برب الشفق، وإن كان محذوفاً؛ لأن ذلك معلوم من ورود الحظر بأن يقسم بغير الله تعالى. واعلم أن الصحيح في الشفق: أنَّه الحمرة؛ لأن أكثر الصحابة، والتابعين، والفقهاء عليه، وشواهد [كلام العرب]، والاشتقاق، والسنة تشهد له. وقال الفراء: "وسمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ أحمر كأنه الشفق". وقال الشاعر: [الرجز] شعر : 5142- وأحْمَــرُ اللَّــوْنِ كحُمَــرِّ الشَّفــقْ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 5143- قُمْ يا غُلامُ أعنِّي غَيْرَ مُرتَبِكٍ على الزَّمانِ بكأسٍ حَشوُهَا شَفَقُ تفسير : ويقال للمغرة: الشَّفقة. وفي "الصِّحاح": الشَّفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قرب من العتمة. وقال الخليل: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة إذا ذهب قيل: غاب الشفق. وأصل الكلمة من رقّة الشيء، يقال: شيء شفق، أي: لا تماسك له لرقته، وأشفق عليه أي: رق قلبه عليه، والشفقة: الاسم من الإشفاق، وهو رقة القلب، وكذلك الشفق، فكأن تلك الرقة من ضوء الشمس. وزعم بعض الحكماء: أن البياض لا يغيب أصلاً. وقال الخليل: صعدت منارة الإسكندرية، فرمقت البياض، فرأيته يتردد من أفق إلى أفق، ولم أره يغيب. وقال ابن أبي أويس: رأيته يتمادى إلى طلوع الفجر، وكل ما يتجدّد وقته سقط اعتباره. وروى النعمانُ بن بشيرٍ، قال: أنا أعلمكم بوقت صلاة العشاء الآخرة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة. وهذا تحديد. وقال مجاهد: الشفق النهار كله؛ لأنه عطف عليه {وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ}، فوجب أن يكون الأول هو النهار، فعلى هذا يكون القسم واقع بالليل والنهار اللذين أحدهما معاش، والثاني: سكن، والشفقُ أيضاً: الرديء من الأشياء، يقال: عطاء مشفق، أي: مقلل؛ قال الكميتُ: [الكامل] شعر : 5144- مَلِكٌ أغَرُّ مِن المُلُوكِ تَحلَّبَتْ للسَّائلينَ يَداهُ غَيْرُ مُشفِّقِ تفسير : قوله: {وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ}، أي: جمع وضم ولف، ومنه: الوسْقُ، وهو الطعام المجتمع الذي يكال أو يوزن، وهو ستُّون صاعاً، ثم صار اسماً، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي وسقها، أي: جمعها؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 5145- إنَّ لَنَا قَلائصاً حقَائِقَا مُستوسِقَاتٍ لوْ يَجِدْنَ سَائِقَا تفسير : والوِسْقُ - بالكسر-: الاسم: وبالفتح: المصدر، وطعام موسق: أي: مجموع، ويقال: وسقهُ فاتَّسقَ، واسْتوسَقَ، ونظير وقوع "افتعل، واستفعل" مطاوعين: اتسع واستوسع، ومنه قولهم: وقيل: وسق، أي: عمل فيه؛ قال: [الطويل] شعر : 5146- ويَوْماً تَرَانَا صَالحينَ وتَارَةً تَقُومُ بِنَا كالواسِقِ المُتلبِّبِ تفسير : فصل في معنى الآية قال عكرمة - رضي الله عنه -: "ومَا وسقَ"، أي: وما ساق من شيء إلى حيث يأوي فالوسقُ، بمعنى الطرد، ومنه قيل للطَّريد من الإبل والغنم: وسيقه. وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: "وما وسق" أي: وما جنَّ وستر. وعنه أيضاً: وما حمل، ووسَقَتِ الناقة تَسِقُ وسْقاً: أي: حملت وأغلقت رحمها على الماء فهي ناقة واسق، ونوق وساق، مثل: نائم ونيام، وصاحب وصحاب، ومواسيق أيضاً، وأوسقتُ البعير: حملته حمله، وأوسقت النخلة: كثر حملها. وقال يمانٌ والضحاك ومقاتلُ بن سليمان: حمل من الظلمة. وقال مقاتلٌ: حمل من الكواكب. وقال ابنُ جبيرٍ: "وما وسق" أي: وما حمل فيه من التهجد والاستغفار بالأسحار. قوله: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ}. أي: امتلأ. قال الفراء: وهو امتلاؤه واستواؤه ليالي البدر. وهو "افتعل" من "الوسق" وهو الضم والجمع كما تقدم، وأمر فلان متسقٌّ: أي: مجتمع على الصلاح منتظم، ويقال: اتسق الشيء إذا تتابع. وعن ابن عباس - رضي الله عنه - "إذا اتَّسَقَ" أي: استوى واجتمع وتكامل وتمَّ واستدار. قوله: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} هذا جواب القسم. وقرأ الأخوان، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومسروق، وأبو وائل، ومجاهدٌ والنخعيُّ، والشعبيُّ، وابن جبيرٍ: بفتح الباء على الخطاب للواحد. والباقون: بضمها على خطاب الجمع. فالقراءة الأولى: رُوعي فيها إمَّا خطاب الإنسان المتقدم ذكره في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ} تفسير : [الانشقاق: 6]، وإما خطاب غيره. فقيل: خطابٌ للرسول - عليه الصلاة والسلام - أي: لتركبن يا محمد مع الكفار وجهادهم، أو لتبدلن أنصاراً مسلمين، من قولهم: النَّاس طبقات ولتركبن سماء [بعد سماء]، ودرجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى. وقيل: التاء للتأنيث، والفعل مسندٌ لضمير السماء. قال ابن مسعود: لتركبن السماء حالاً بعد حالٍ تكون كالمهل وكالدخان، وتنفطر وتنشق. والقراءة الثانية: رُوي فيها معنى الإنسان؛ إذ المراد به: الجنس، أي: لتركبنَّ أيُّها الإنسان حالاً بعد حال من كونه نطفة، ثم مضغة، ثم حياً، ثم ميتاً وغنياً وفقيراً. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قال: لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكره قبل هذه الآية فيمن يؤتى كتابه بيمينه، ومن يؤتى كتابه وراء ظهره، وقوله بعد ذلك "فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ" أي: لتركبن حالاً بعد حال من شدائد يوم القيامة، أو لتركبن سُنَّة من كان قبلكم في التكذيب، والاختلاف على الأنبياء. وقال مقاتلٌ: يعني الموت ثم الحياة. وعن ابن عباسٍ: يعني: الشدائد والأهوال والموت، ثم البعث، ثم العرض. وقال عكرمة: رضيع، ثم فطيم [ثم غلام،] ثم شابٌّ، ثم شيخ. قال ابن الخطيب: ويصلح أن يكون هذا خطاباً للمسلمين بتعريف نقل أحوالهم بنصرهم، ومصيرهم إلى الظفر بعدوهم بعد الشدة التي تلقونها منهم كما قال تعالى: {أية : لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 186]. وقرأ عمرُ - رضي الله عنه -: "ليركبُنَّ" بياء الغيبة وضم الباء على الإخبار عن الكفار. وقرأ عمر - أيضاً - وابن عباس - رضي الله عنهما - بالغيبة، وفتح الباء، أي: ليركبنَّ الإنسان. وقيل: ليركبنَّ القمر أحوالاً من إسرارٍ والاستهلالِ. وقرأ عبد الله وابنُ عباسٍ: "لتركبُنَّ" بكسر حرف المضارعة، وقد تقدم في "الفاتحة". وقرأ بعضهم: بفتح المضارعة وكسر الباء، على إسناد الفعل للنفس، أي: لتركبن يا نفس. قوله: "طبقاً": مفعول به أو حال. والطبق قال الزمخشريُّ: الطَّبق: ما طابق غيره، يقال: ما هذا بطبق كذا: أي: لا يطابقه، ومنه قيل للغطاء: الطَّبقُ، وأطباقُ الثَّرى ما تطابق منه، ثم قيل للحال المُطابقَة لغيرها طبق، ومنه قوله - عز وجل-: {طَبَقاً عَن طَبَقٍ} أي: حالاً بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول، ويجوز أن يكون جمع طبقة، وهي المرتبة، من قولهم: هو على طبقاتٍ، ومنه طبقات الظهر لفقاره، الواحدة: طبقة على معنى: لتركبن أحوالاً بعد أحوال، هي طبقات في الشدة، بعضها أرفع من بعض وهي الموت، وما بعده من مواطن القيامة انتهى. وقيل: المعنى: لتركبن هذه الأحوال أمَّة بعد أمَّة؛ ومنه قول العباس فيه صلى الله عليه وسلم: [المنسرح] شعر : 5147- تُنقَلُ مِنْ صالبٍ إلى رحِمٍ وإذَا مَضَى عالمٌ بَدَا طَبَقُ تفسير : فعلى هذا التفسير، يكون "طبقاً" حالاً، كأنه قيل: أمة بعد أمة. وأما قول الأقرع: [البسيط] شعر : 5148- إنِّي امرؤٌ قَدْ حَلبْتُ الدَّهْرَ أشْطرَهُ وسَاقَنِي طَبَقٌ منهُ إلى طَبقٍ تفسير : فيحتمل الأمرين، أي: ساقني من حالة إلى أخرى، أو ساقني من أمَّة ناس إلى أمَّة ناسٍ آخرين، ويكون نصب "طبقاً" على المعنيين على التشبيه بالظرف أو الحال، أي: متنقلاً، والطبقُ أيضاً: ما طابق الشيء أي: ساواه: [ومنه دلالة المطابقة. قال امرؤ القيس: شعر : 5149- ديــمـــــة هــطـــــــــلاً تفسير : والطبق من الجراد أي الجماعة]. قوله: "عَنْ طَبقٍ": في "عن" هذه وجهان: أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل "تركبن". والثاني: أنَّها صفة لـ "طبقاً". وقال الزمخشري: فإن قلت: ما محل "عن طبق"؟ قلت: النصب على أنه صفة لـ "طبقاً"، أي: طبقاً مجاوزاً لطبقٍ، [أو حال من الضمير في "لتركبن"، أي: لتركبن طبقاً مجاوزين لطبقٍ، أو مجاوراً]، أو مجاورة على حسب القراءة. وقال أبو البقاء: و "عن" بمعنى: "بعد"؛ قال: [الكامل] شعر : 5150- مَا زِلْتُ أقْطَعُ مُنْهَلاً عَنْ مَنْهَلٍ حَتَّى أنَخْتُ بِبَابِ عَبْدِ الوَاحدِ تفسير : لأن الإنسان إذا صار من شيء إلى شيء، يكون الثاني بعد الأول فصلحت "بعد" و "عن" للمجاوزة، والصحيح أنها على بابها، وهي صفة، أي: طبقاً حاصلاً عن طبق، أي: حالاً عن حالٍ. وقيل: جيلاً عن جيل. انتهى. يعني الخلاف المتقدم في الطبق ما المراد به، هل هو الحال، أو الجيل، أو الأمة كما تقدم نقله؟ وحينئذ فلا نعرب طبقاً مفعولاً به، بل حالاً، كما تقدم، لكنه لم يذكر في طبق غير المفعول به، وفيه نظر، لما تقدم من استحالته، يعني إذ يصير التقدير: لتركبن طبقة أمَّةٍ عن أمَّةٍ، فتكون الأمة مركوبة لهم، وإن كان يصح على تأويل بعيدٍ جداً وهو حذف مضاف، أي: لتركبن سنن، أو طريقة طبق بعد طبق. فصل في حدوث العالم هذا أدلُّ على "حدوث العالم" وإثبات الصانع. قالت: الحكماء: من كان اليوم على حاله، فليعلم أن تدبيره إلى سواه. وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل على أنَّ لهذا العالم صانعاً؟ فقال: تحويل الحالات، وعجز القوَّة، وضعف الأركان وقهر النية ونسخ العزيمة. قوله: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. يعني: أي شيء يمنعهم من الإيمان بعد ما وضَّحت لهم الآيات والدِّلالات، وهذا استفهام إنكارٍ. وقيل: تعجب أي: اعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات. وقوله تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ} حال. قال ابنُ الخطيب: فما لهم لا يؤمنون بالبعث والقيامة، وهو استفهام إنكارٍ، وإنَّما يحسن عند ظهور الحُجَّة، وذلك أنه - تعالى - أقسم بتغييرات واقعة في الأفلاك والعناصر، فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها، وهو ضوء النهار، ولما بعدها وهو ظلمة الليل، وكذا قوله: {وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} فإنه يدل على حدوث ظلمةٍ بعد نورٍ، وعلى تغييرات أحوال الحيوانات من اليقظة إلى النَّومِ، وكذا قوله تعالى: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ} فإنه يدل على حصول كمال القمر بعد نقصانه, ثم إنه أقسم - تعالى - بهذه الأحوال المتغيرة على تغيير أحوال الخلق، وهذا يدل قطعاً على صحة القول بالبعث، لأن القادر على تغيير الأحوال العلوية والسفلية من حال إلى حال بحسب المصالح، لا بد وان يكون قادراً، ومن كان كذلك لا محالة قادر على البعث والقيامة، فلما كانت هذه الآية كالدلالة العقلية القاطعة بصحة البعث، لا جرم قال تعالى على سبيل الاستبعاد: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون}. فصل في الكلام على الآية قال القاضي: "لا يجوز أن يقول الحكيم لمن كان عاجزاً عن الإيمان: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون}، وهذا يدل على كونهم قادرين، وهذا يقتضي أن تكون الاستطاعة قبل الفعل، وأن يكونوا موجدين لأفعالهم، وأن لا يكون تعالى خالقاً للكفر فيهم, فهذه الآية من المحكمات التي لا احتمال فيها ألبتة". وجوابه تقدم. قوله: {وَإِذَا قُرِىءَ} شرط، جوابه {لاَ يَسْجُدُونَ}، وهذه الجملة الشرطية في محل نصب على الحال نسفاً على ما قبلها، أي: فما لهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون، أي: لا يصلون قاله ابن عباس: وعطاء، والكلبي، ومقاتل [وقال أبو مسلم: المراد الخضوع والاستكانة. وقيل: المراد نفس السجود لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. وقال مالك: إنها ليست من عزائم السجود؛ لأن المعنى لا يدعون ولا يطيعون]. قوله تعالى: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ}. العامّة: على ضمِّ الياء من "يكذبون" وفتح الكاف وتشديد الذَّال. والضحاكُ وابنُ أبي عبلة: بالفتح والإسكان والتخفيف [وتقدمت هاتان القراءتان أول البقرة]. والمعنى: يُكذِّبُون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. قال مقاتل: نزلت في بني عمرو بن عمير، وكانوا أربعة، فأسلم اثنان منهم. وقيل: هو في جميع الكفار. قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ}. هذه هي قراءة العامة، من أوعى يُوعِي، أي: بما يضمرون في أنفسهم من التكذيب، رواه الضحاك عن ابن عباسٍ. وقال مجاهدٌ: يكتمون من أفعالهم. وقال ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع فيه، يقال: وعيت الزَّاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 5151- ألخَيْرُ أبْقَى وإنْ طَال الزَّمانُ بِهِ والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوعَيْتَ مِنْ زَادِ تفسير : وقرأ أبو رجاءٍ: "يَعُونَ" من "وَعَى يَعِي"، يقال: وعاهُ إذا حفظهُ، يقال: وعيتُ الحديثَ، أعيهُ، وعياً، وأذنٌ واعيةٌ، وقد تقدم. قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، أي: مُؤلمٍ في جهنَّم على تكذيبهم وكفرهم، أي: جعل ذلك بمنزلة البشارة. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: يجوز أن يكون متصلاً، وأن يكون منقطعاً، هذا إذا كانت الجملة من قوله: "لَهُمْ أجْرٌ": مستأنفة أو حالية، أمَّا إذا كان الموصول مبتدأ والجملة خبره، فالاستثناء ليس من قبيل استثناء المفردات، ويكون من قسم المنقطعِ، أي: لكن الذين آمنوا لهم كيت وكيت. وتقدم معنى الممنُون في: "حم" السجدة، وأنَّ معناه: غير منقوص لا مقطوع، يقال: مننت الحبل: إذا قطعته. وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس - رضي الله عنهما - عن قوله: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} فقال: غير مقطوع، فقال: هل تعرف ذلك العرب؟ قال: نعم، قد عرفه أخو يشكر؛ حيث يقول: [الخفيف] شعر : 5152- فَتَرَى خَلفَهُنَّ مِنْ سُرْعَةِ الرَّجْـ ـعِ مَنِيناً كأنَّهُ أهْبَاءُ تفسير : قال المبرد: المنين: الغبار؛ لأنه يقطعه وراءها، وكل ضعيف مَنِين ومَمْنُون. وقال بعضهم: ليس هنا استثناء، وإنما هو بمعنى الواو، كأنه قال: والذين آمنوا. وقد مضى القول فيه في سورة البقرة، والله تعالى أعلم. روى الثعلبي عن أبيٍّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَة {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} أعاذهُ اللهُ - تَعَالَى- أن يُعْطيهُ كِتابهُ وَراءَ ظَهْرهِ"تفسير : . وحسبنا الله ونعم الوكيل.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر سبحانه بإنكاره لما أتاه به الرسل من الحشر على وجه موضح للدليل على بطلان إنكاره ولم يرجع، سبب عنه الإقسام على صحة ذلك لأنه ليس عند النذير الناصح الشفوق بعد إقامة الأدلة إلاّ بالإيمان على صحة ما قال نظراً منه للمنصوح وشفقة عليه، وكان ترك الحلف على ما هو ظاهر أبلغ من الحلف لما في ذلك الترك من تنبيه المخاطب على النظر والتأمل فقال: {فلا أقسم} أي أحلف حلفاً عظيماً هو كقاموس البحر بهذه الأمور التي سأذكرها لما لها من الدلالة على القدرة على الإبداء والإعادة، لا أقسم بها وإن كانت في غاية العظم بما لها من الدلالات الواضحة لأن المقسم عليه أجل منها وأظهر فهو غني عن الإقسام {بالشفق *} أي الضياء الذي يكون في المغرب عقب غروب الشمس أطباقاً حمرة ثم صفرة ثم كدرة إلى بياض ثم سواد، وكذلك الليل أوله بياض بغبرة ثم تتزايد غبرته قليلاً إلى أن يسود مرباداً فيوسق كل شيء ظلاماً، سمي شفقاً لرقته ومنه الشفقة لرقة القلب {والّيل} أي الذي يغلبه فيذهبه {وما وسق *} أي جمع في بطنه وطرد وساق من ذلك الشفق ومن النهار الذي كان قبله والنجوم التي أظهرها وغير ذلك من الغرائب التي تدل على أن موجده بعد أن لم يكن ومذهب ما كان به قادر على الإبداء والإعادة وكل ما يريد {والقمر} أي الذي هو آيته {إذا اتسق *} أي انتظم واستوى واجتمع كماله وتم أمره ليلة إبداره بعد أن كان قد غاب أصلاً ثم بدأ هلالاً خفياً ضئيلاً دقيقاً ولم يزل يزداد حتى يتم ثم ينقص إلى أن يخفى ثم يعود إلى حاله دليلاً أظهر من الشمس على قدرة موجده كذلك على كل أمر من الإبداء والإعادة. ولما كانت هذه الأمور عظيمة جداً لا يقدر عليها إلا الله تعالى ولها من المنافع ما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه وتعالى، وكل منها مع ذلك دال على تمام قدرته تعالى على الذي يراد تقريره في العقول وإيضاحه من القدرة التامة على إعادة الشيء كما كان سواء، ونفي الإقسام بها دليلاً على أن ذلك في غاية الظهور، فالأمر فيه غني عن الإقسام، قال في موضع جواب القسم مقروناً باللام الدالة على القسم ذاكراً ما هو في الظهور والبداهة بحيث لا يحتاج إلى تنبيه عليه بغيره ذكره: {لتركبن} أي أيها المكلفون - هذا على قراءة الجماعة بضم الباء دلالة على حذف واو الجمع، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتحها على أن الخطاب للانسان باعتبار اللفظ {طبقاً} مجاوزاً {عن طبق *} أي حالاً بعد حال من أطوار الحياة وأدوار العيش وغمرات الموت ثم من أمور البرزخ وشؤون البعث ودواهي الحشر بدليل ما كان لكم قبل ذلك سواء بتلك القدرة التي كونت تلك الكوائن وأوجدت تلك العجائب سواء، فتكونون في تمكن الوجود في كل طبق بحال التمكن على الشيء بالركوب، وكل حال منها مطابق للآخر في ذلك فإن الطبق ما يطابق غيره، ومنه قيل للغطاء: طبق - لمطابقته المغطى، والطبق كل ما ساوى شيئاً ووجه الأرض والقرن من الزمان أو عشرون سنة، وكلها واضح الإرادة هنا وهو بديهي الكون، فأول أطباق الإنسان جنين، ثم وليد، ثم رضيع ثم فطيم، ثم يافع، ثم رجل، ثم شاب، ثم كهل، ثم شيخ، ثم ميت، وبعده نشر ثم حشر ثم حساب ثم وزن ثم صراط ثم مقرّ، ومثل هذه الأطباق المحسوسة أطباق معنوية من الفضائل والرذائل.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ}. بالحُمْرَةِ التي تعقب غروبَ الشمس. {وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ}. وما جَمَعَ وضمَّ. {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ}. تَمَّ واستوى واجتمع. ويقال: الشَّفَقُ حين غربت شمسُ وصالهم، وأُذيقوا الفراقَ في بعض أحوالهم، وذلك زمانُ قبضٍ بعد بَسْطٍ، وأوانُ فَرْقٍ عُقَيْبَ جَمْعٍ. {وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ}: ليالي غيبتهم وهم بوصف الاستياقِ؛ أو ليالي وصالهم وهم في روح التلاقي، أو ليالي طَلَبِهم وهم بنعتِ القَلَبِ والاحتراقِ. {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ}: إذا ظَهَرَ سلطانُ العرفان على القلوب فلا بَخْسَ ولا نُقْصان.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ} اقسم الله سبحانه بما بقى من عكس انوار شمس جماله على قلوب المحبين والعارفين دليل الاستتار بعد غيبوبة شمس تجليه وما يضمه من هموم متفرقة فى مقام القبض وقمر مشاهدته اذا استوى فى سماء القلوب حين طلع من الغيوب بلا يبقى فيها اثار ظلمة ازلياته وابدياته ففى كل نفس لهم منزل وحال وكشف ومشاهدة ووجد وصال الى الابد وذلك قوله {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلا} كلمة لا صلة للتوكيد كما مر مرارا {أقسم بالشفق} هى الحمرة التى تشاهد فى أفق المغرب بعد الغروب وبغيبوبتها يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء عند عامة العلماء او البياض الذى يليها ولا يدخل وقت العشاء الا بزواله. وجمعى برآنندكه آن بياض اصلا غائب نمى شودبلكه متردداست از أفقى بافقى. وقد سبق تحقيق المقام فى المزمل وهى احدى روايتين عن ابى حنيفة رضى الله عنه ويروى انه رجع عن هذا القول ومن ثمة كان يفتى بالاول الذى هو قول الامامين وغيرهما سمى به يعنى على كل من المعنين لرقته لكن مناسبته لمعنى البياض اكثر وهو من الشفقة التى هى عبارة عن رقة القلب ولا شك ان الشمس أعنى ضوءها يأخذ فى الرقة والضعف من غيبة الشمس الى ان يستولى سواد الليل على الآفاق كلها وعن عكرمة ومجاهد الشفق هو النهار بناء على ان الشفق هو اثر الشمس وهو كوكب نهارى واثره هو النهار فعلى هذا يقع القسم بالليل والنهار اللذين احدهما معاش والآخر سكن وبهما قوام امور العالم وفى المفردات الشفق اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس. قال القاشانى فلا اقسم بالشق اى النورية الباقية من الفطرة الانسانية بعد غروبها واحتجابها فى أفق البدن الممزوجة بظلمة النفس عظمها بالاقسام بها لا مكان كسب الكمال والترقى فى الدرجات بها وفى التأويلات النجمية يشير الى أن الله تعالى أقسم بالشفق لكونه مظهر الوحدة الحقيقة الذاتية والكثرة النسبية الاسمائية وذلك لان الشفق حقيقة برزخية بين سواد ليل الوحدة وبياض نهار الكثرة والبرزخ بين الشيئين لا بد له من قوة كل واحد منهما فيكون جامعا لحكم الوحدة والكثرة فحق له أن يقسم به وانما جعل الليل مظهر الوحدة لاستهلاك الاشياء المحسوسة فيه استهلاك التعينات فى حقيقة الوحدة ويدل عليه قوله {أية : وجعلنا الليل لباسا}تفسير : لاستتار الاشياء بظلمته {أية : وجعلنا النهار معاشا}تفسير : مظهر الكثرة لظهور الاشياء فيه ولاشتمال المعاش على الامور الكثيرة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فلا أُقسم بالشفقِ} وهي الحُمرة التي تُشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقَّته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. {والليلِ وما وَسَقَ}؛ وما جمع وضمَّ، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، {والقمرِ إِذا اتَّسَقَ} أي: اجتمع ضوؤه وتمّ نوره ليلة أربع عشرة. {لتَرْكَبُنَّ طبقاً عن طبق}؛ لتُلاقُن حالاً بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدّة والفظاعة, كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالاً بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفاً إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يَهرم على نيف وثلاثين اسماً: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ثم خلقاً آخر، ثم جنيناً، ثم وليداً، ثم رضيعاً، ثم فطيماً، ثم يافعاً، ثم ناشئاً، ثم مترعرعاً، ثم مزوِّراً، ثم مراهقاً، ثم محتلماً، ثم بالغاً، ثم حَمَلاً، ثم ملتحياً، ثم مستوفياً، ثم مصعَداً، ثم مجتمعاً ـ والشباب يجمع ذلك ـ ثم مَلْهوراً، ثم كهلاً، ثم أشمط، ثم شيخاً، ثم أشيب، ثم حَوْقلاً، ثم مُقتاتاً، ثم هما، ثم هرماً، ثم ميتاً. وهذا معنى قوله: {لتَرْكَبُنَّ طبقاً عن طبق}. هـ. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن مَن قبلكم، حالاً بعد حال. هذا على مَن قرأ بضم الباء، وأمّا مَن قرأ بفتحها فالخطاب إمّا للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدّم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبَن مكابدة الكفار حالاً بعد حال، أو: لتركبَن فتح البلاد شيئاً بعد شيء، أو: لتركبَن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبَن أحوال أيامك، حالاً بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يُطلق على الحال، كما قال الشاعر: شعر : الصبر أجمل والدنيا مفجعة ٌ مَن ذا الذي لم يزوّر عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا_@ تفسير : ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: شعر : تَنقَّل من صَالبٍ إلى رَحمٍ إذا مَضَى عَالمٌ بَدَا طَبَقُ تفسير : ومحل (عن طبق): النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقاً مجاوزاً لطبق، أو: حال من الضمير في "لتركبن" أي: مجاوزين لطبق. {فما لهم لا يؤمنون}، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأيّ شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أيّ شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ {وإِذا قُرىءَ عليهم القرآنُ لا يسجدون} ولا يخضعون، وهي أيضاً جملة حالية، نسقاً على ما قبلها، أي: أيّ: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: { أية : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب } تفسير : [العلق:19] فسجد هو ومَن معه من المؤمنين، وقريش تُصَفِّق فوق رؤوسهم وتُصفِّر، فنزلت. وبه احتجّ أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: "ليس في المفصل سجدة"، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: "والله ما سجدت إلاّ بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها"، وعن أنس رضي الله عنه: " صليتُ خلف أبي بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ فسجدوا". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. {بل الذين كفروا يُكذّبون} بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقُّق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته {واللهُ أعلم بما يُوعدون}؛ بما يُضمرون في قلوبهم، ويُخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدّخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، {فبشَّرهم بعذابٍ أليمٍ}؛ أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، {إِلاَّ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات}، استثناء منقطع، {لهم أجرٌ غيرُ ممنونٍ}؛ غير مقطوع، أو غير ممنونٍ به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العُمال، فقال تعالى "فلا أُقسم بالشفق"؛ بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، "والليل وما وسق"؛ وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العُبّاد والزُهّاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقَوِيَ دليله "لتَركبُن" أيها السالكون، طبقاً عن طبق؛ حالاً بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقِّي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قُرىء عليهم القرآن الدالّ على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يُكّبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار, فبشِّرهم بعذاب البُعد والحجاب، إلاَّ الذين آمنوا وصدّقوا بطريق الخصوص، وسَلَكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون؛ غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا مِنّة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء من {لتركبن} ومعناه لتركبن أنت يا محمد. الباقون بضم الباء على أن يكون خطاباً للجميع. يقول الله تعالى مقسماً بالشفق، وقد بينا أن (لا) صلة في مثل هذا، والتقدير أقسم، وقد بينا أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لاحد أن يقسم إلا بالله. وقال بعضهم: أقسم برب الشفق، والشفق هو الحمرة التي تبقى عند المغرب في الافق، وقال الحسن وقتادة: الشفق الحمرة بين المغرب والعشاء الآخرة. وقال قوم: هو البياض. والصحيح أن الشفق هو الحمرة الرقيقة في المغرب بعد مغيب الشمس وأصله الشفق في العمل، وهو الرقة على خلل فيه، وأشفق على كذا إذا رق عليه وخاف هلاكه. واشفق إذا رق بالخوف من وقوعه. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليّ ثوب كأنه الشفق يريد حمرة. والاعتبار بالشفق أنه علامة لوقت بعينه لا يختلف اقتضى اثبات عالم به. وقوله {والليل وما وسق} قسم آخر بالليل وإتساقه. وقيل: معنى وسق جمع إلى مسكنه ما كان منتشراً بالنهار في تصرفه، يقال: وسقته أسقه وسقاً إذا جمعته، وطعام موسوق أى مجموع في الغرائر والاوعية. والوسق الطعام المجتمع وقدره ستون صاعاً. وقوله {والقمر إذا اتسق} قسم آخر بالقمر واتساقه أى اجتماعه على تمام وهو افتعال من الوسق، فاذا تم نور القمر واستمر في ضيائه، فذلك الاتساق له. وقال قتادة: معناه إذا استدار. وقال مجاهد: إذا استوى. وقوله {لتركبن طبقاً عن طبق} جواب القسم، ومعناه منزلة عن منزلة وطبقة عن طبقة وذلك أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح فوقه، ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فوقه، لان كل شيء يحن الى شكله. وقيل: معنى {طبقاً عن طبق} جزاء عن عمل. وقيل: معناه شدة عن شدة. وقيل: طبقات السماء بعروج الارواح. وقيل: معناه حالا عن حال من أحياء وإماتة، ثم أحياء. وقيل: معناه لتصيرن الى الآخرة عن الدنيا. وقال ابو عبيدة: معناه لتركبن سنة الاولين ومن كان قبلكم. ثم قال على وجه التبكيت لهم والتفريع {فما لهم لا يؤمنون} أى أىّ شيء لهم لأجله لا يصدقون بالله واليوم الآخر ولا يعترفون بالثواب والعقاب. وقيل: معناه ما لهم لا يؤمنون أى ما وجه الارتياب الذى يصرفهم عن الايمان. وقوله {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} عطف على قوله {لا يؤمنون} والمعنى ما الذى يصرفهم عن الايمان وعن السجود لله والخضوع له والاعتراف بوحدانيته إذا بلي عليهم القرآن الذى أنزلته على محمد صلى الله عليه وآله الذى يلين القلب للعمل من الوعظ والوعد والوعيد يميز به بين الحق والباطل، وهو مع ذلك معتذر عليهم الاتيان بمثله، فهو معجز له صلى الله عليه وآله. ثم قال تعالى {بل الذين كفروا يكذبون} معناه إن الذى يمنعهم من السجود عند تلاوة القرآن تكذيبهم جهلا بما عليهم وعدولا عن الحق. وفي ذلك التحذير من الجهل والحث على طلب العلم. وقيل: معناه ما لهم لا يؤمنون، ولا بد من الجزاء على الاعمال ثم قال: تكذيبهم عن جهل منهم يصرفهم عن ذلك. وقوله {والله أعلم بما يوعون} قال قتادة ومجاهد: معناه بما يوعون في صدورهم وإنما قال: يوعون، لأنهم يحملون الآثام في قلوبهم، فشبه ذلك بالوعاء، يقال: أوعيت المتاع ووعيت العلم، قال الفراء: الاصل جعل الشيء في وعاء، والقلوب شبه أوعية لما يحصل فيها من معرفة او جهل. ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله {فبشرهم} يا محمد جزاء على كفرهم {بعذاب أليم} أي مؤلم. ثم استثنى من جملة من يخاطبه فقال {إلا الذين آمنوا} بالله {وعملوا} الاعمال {الصالحات لهم أجراً غير ممنون} أي غير منقوص، فى قول ابن عباس وقال غيره: غير مقطوع، وقيل: غير منغص بالمن الذى يؤذي. وإنما قيل له: منّ، لانه قطع له عن شكر النعمة. قال الزجاج: تقول العرب: مننت الحبل إذا قطعته قال لبيد: شعر : لمعفر قهد تنازع شلوه غبس كواسب ما يمنّ طعامها تفسير : أى ما ينقص، وقيل ما يكدر، وكان ابن مجاهد ومحمد بن القاسم الانبارى يقفان على قوله {فبشرهم بعذاب أليم} ويبتدؤن بقوله {إلا الذين آمنوا} قال ابن خالويه: فسألتهما عن ذلك فقالا: الاستثناء منقطع ومعناه (لكن).

الجنابذي

تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ} قد مضى بيانٌ للا اقسم، والشّفق الحمرة فى الافق من الغروب الى العشاء الآخرة، او المراد به النّوريّة الباقية من النّفس لانسانيّة بعد غروبها فى البدن، او فى المرتبة الحيوانيّة.

الأعقم

تفسير : {فلا أقسم} قيل: معناه أقسم ولا زائدة عن أبي علي، وقيل: هو قولهم والله لا أفعل كذا قيل: القسم بهذه الأشياء لما يظهر من دلائل التوحيد، وقيل: برب هذه الأشياء {بالشفق} حمرة في الأفق ما بين المغرب والعشاء، وقيل: البياض {والليل وما وسق} قيل: ما جمع في مساكنه مما كان منشرا بالنهار نحو الدواب والحشرات، وقيل: ما ساق من ظلمته {والقمر إذا اتَّسق} إذا اجتمع واستوى وتم نوره {لتركبنّ طبقاً عن طبق}، قيل: من شدة إلى شدة من موت إلى الحشر وحساب {فما لهم لا يؤمنون} أي ما الذي يمنعهم من الإِيمان بالله ورسوله مع ظهور الحجَّة {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} قيل: لا يخضعون، وقيل: ما لهم لا يصلون {بل الذين كفروا يكذّبون} {والله أعلم بما يوعون} يكتمون في صدورهم {فبشّرهم بعذاب أليم} {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} قيل: غير منقوص، وقيل: هو الجنة، ومعنى أجر جزاء.

اطفيش

تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} حمرة المغرب بعد سقوط الشمس وبذهابها يدخل وقت العشاء عند عامة العلماء وهو رواية عن أبي حنيفة، والمشهور عنه أنه يدخل بذهاب البياض وروى عنه أسد بن عمر وأنه رجع عن هذا، وقد روي عن الخليل أنه راقبه في منارة الإسكندرية فما رأه غاب بل ينتقل من أفق إلى أفق، وقد فسر أبو حنيفة الشفق في الآية بالبياض وإنما سمي الشفق شفقا لرقته كما تسمى رقة القلب وعطفه شفقا، وعن مجاهد الشفق النهار بدليل عطف الليل عليه فذلك قسم بالليل والنهار الذين فيهما تحرك العالم وسكونه وقيل هو ما بقي من النهار والمشهور الأول وعليه ابن عباس.

اطفيش

تفسير : الحمرة فى أفق المغرب عند الغروب وذلك قول الجمهور وأصله الرقة فيما قيل كما يقال فيمن رق قلبه شفق وقيل البياض الذى يلى تلك الحمرة بعد سقوطها وبه قال أبو حنيفة والجمهور على أنه لا يسمى ذلك البياض شفقاً، وجاءَ عنه - صلى الله عليه وسلم - الشفق الحمرة، وعن مجاهد الشفق النهار كله ونسب أيضاً للضحاك وعكرمة ولعلهم تأَنسوا له بعطف الليل فيكون قد أقسم بالليل والنهار اللذين فيهما معاش الحيوان وحركته وسكونه وفيه إطلاق الشفق على البياض، وكذا فى رواية عن عكرمة أنه بقية النهار والفاء عاطفة، وقيل فى جواب شرط أى إِذا تحققت الحور بالبعث أو إِذا عرفت هذا فى أقسم بالشفق.

الالوسي

تفسير : هي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب وأصله من رقة الشيء يقال شيء شفق أي لا يتماسك لرقته ومنه أشفق عليه رق قلبه والشفقة من الإشفاق وكذلك الشفق قال الشاعر:شعر : تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً والموت أكرم نَزَّال على الحُرَمِ تفسير : وقيل البياض الذي يلي تلك الحمرة ويرى بعد سقوطها. وفي تسمية ذلك شفقاً خلاف فالجمهور على أنه لا يسمى به وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وأبوحنيفة رضي الله تعالى عنهم على أنه يسمى وروى أسد بن عمرو عن أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه رجع عن ذلك إلى ما عليه الجمهور وتمام الكلام عليه في «شروح الهداية» وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة أنه هنا النهار كله. وروي ذلك عن الضحاك وابن أبـي نجيح وكأنه شجعهم على ذلك عطف الليل عليه وعن عكرمة أيضاً أنه ما بقي من النهار. والفاء في جواب شرط مقدر أي إذا عرفت هذا أو إذا تحققت الحور بالبعث فلا أقسم بالشفق.

ابن عاشور

تفسير : الفاء لتفريع القسم وجوابه، على التفصيل الذي في قوله: { أية : فأما من أوتى كتابه بيمينه } تفسير : [الانشقاق: 7] إلى هنا: فإنه اقتضى أن ثمة حساباً وجزاء بخير وشر فكان هذا التفريع فذلكة وحوصلة لما فصل من الأحوال وكان أيضاً جمعاً إجمالياً لما يعترض في ذلك من الأهوال. وتقدم أن: «لا أقسم» يراد منه أُقسم، وتقدم وجه القسم بهذه الأحوال والمخلوقات عند قوله: { أية : فلا أقسم بالخنس } تفسير : في سورة التكوير (15). ومناسبة الأمور المقسم بها هنا للمقسَم عليه لأنّ الشفق والليل والقمر تخالط أحوالاً بين الظلمة وظهور النور معها، أو في خلالها، وذلك مناسب لما في قوله: {لتركبن طبقاً عن طبق} من تفاوت الأحوال التي يختبط فيها الناس يومَ القيامة أو في حياتهم الدنيا، أو من ظهور أحوال خير من خلال أحوال شَرّ أو انتظار تغير الأحوال إلى ما يرضيهم إن كان الخطاب للمسلمين خاصة كما سيأتي. ولعل ذِكر الشفق إيماء إلى أنه يشبه حالة انتهاء الدنيا لأن غروب الشمس مِثْل حالة الموت، وأن ذكر الليل إيماء إلى شدة الهول يوم الحساب وذكر القمر إيماء إلى حصول الرحمة للمؤمنين. والشفق: اسم للحمرة التي تظهر في أفق مغرب الشمس أثر غروبها وهو ضياء من شعاع الشمس إذا حجبها عن عيون الناس بعضُ جرم الأرض، واختلف في تسمية البياض الذي يكون عقب الاحمرار شفقاً. و{ما وَسَق} (مَا) فيه مصدرية، ويجوز أن يكون موصولة على طريقة حذف العائد المنصوب. والوسْق: جمع الأشياء بعضها إلى بعض فيجوز أن يكون المعنى وما جمع مما كان منتشراً في النهار من ناس وحيوان فإنها تأوي في الليل إلى مآويها وذلك مما جعل الله في الجبلة من طلب الأحياء السكون في الليل قال تعالى: { أية : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } تفسير : [القصص: 73]، وذلك من بديع التكوين فلذلك أقْسم به قسماً أدمجت فيه منّة. وقيل: ما وسقه الليل: النجوم، لأنها تظهر في الليل، فشبه ظهورها فيه بوسق الواسِق أشياء متفرقة. وهذا أنسب بعطف القمر عليه. واتساق القمر: اجتماع ضيائه وهو افتعال من الوَسْق بمعنى الجمع كما تقدم آنفاً وذلك في ليلة البدر، وتقييد القسم به بتلك الحالة لأنها مظهر نعمة الله على الناس بضيائه. وأصل فعل اتّسق: اوِتَسَق قلبت الواو تاء فوقية طلباً لإِدغامها في تاء الافتعال وهو قلب مطرد. وجملة: {لتركبن طبقاً عن طبق} نسج نظمها نسجاً مجملاً لتوفير المعاني التي تذهب إليْها أفهام السامعين، فجاءت على أبدع ما يُنسج عليه الكلام الذي يُرسل إرسال الأمثال من الكلام الجامع البديع النسْج الوافر المعنى ولذلك كثرت تأويلات المفسرين لها. فلمعاني الركوب المجازية، ولمعاني الطبَق من حقيقي ومجازي، مُتَّسَع لما تفيده الآية من المعاني، وذلك ما جعَل لإِيثار هذين اللفظين في هذه الآية خصوصية من أفنان الإِعجاز القرآني. فأما فعل {لتركبن} فحقيقته متعذرة هنا وله من المعاني المجازية المستعملة في الكلام أو التي يصح أن تراد في الآية عدةٌ، منها الغلَب والمتابعة، والسلوك، والاقتحام، والملازمة، والرفعة. وأصل تلك المعاني إما استعارة وإما تمثيل يقال: رَكب أمراً صعباً وارتكب خطَأ. وأما كلمة {طَبَق} فحقيقتها أنها اسم مفرد للشيء المساوي شيئاً آخر في حجمه وقدره، وظاهر كلام «الأساس» و«الصحاح» أن المساواة بقيد كون الطبق أعلى من الشّيء لمُسَاويه فهو حقيقة في الغِطاء فيكون من الألفاظ الموضوعة لمعنى مقيَّد كالخِوان والكأس، وظاهر «الكشاف» أن حقيقته مطلق المساواة فيكون قَيد الاعتلاء عارضاً بغلبة الاستعمال، يقال: طابَق النعل النعل. وأيّامَّا كان فهو اسم على وزن فَعَل إما مشتق من المطابقة كاشتقاق الصفة المشبهة ثم عومل معاملة الأسماء وتنوسي منه الاشتقاق. وإما أن يكون أصله اسمَ الطبَق وهو الغطاء لُوحظ فيه التشبيه ثم تنوسي ذلك فجاءت منه مادة المطابقة بمعنى المُساواة فيكون من المشتقات من الأسماء الجامدة. ويطلق اسماً مفرداً للغطاء الذي يغطى به، ومنه قولهم في المثل: «وافَقَ شنّ طبَقه» أي غِطآءَه وهذا من الحقيقة لأن الغطاء مساوٍ لما يغطّيه. ويطلق الطبق على الحالة لأنها ملابسة لصاحبها كملابسة الطبق لما طُبق عليه. ويطلق اسماً مفرداً أيضاً على شيء متخذ من أدم أوْ عود ويؤكل عليه وتوضع فيه الفواكه ونحوها، وكأنه سمي طبقاً لأن أصله أن يستعمل غِطَاءَ الآنية فتوضع فيه أشياء. ويطلق اسمَ جمعٍ لطبقة: وهي مكان فوق مكان آخر معتبر مثلَه في المقدار إلا أنه مرتفع عليه. وهذا من المجاز يقال: أتانا طَبق من الناس، أي جماعة. ويقارن اختلاف معاني اللفظين اختلاف معنى {عن} من مجاوزة وهي معنى حقيقي، أو من مرادفةِ كلمة (بعد) وهو معنى مجازي. وكذلك اختلاف وجه النصب للفظ طبقاً بين المفعول به والحال، وتزداد هذه المحامل إذا لم تُقْصَر الجمل على ما له مناسبة بسياق الكلام من موقع الجملة عقب آية: { أية : يا أيها الإنسان إنك كادح } تفسير : [الانشقاق: 6] الآيات. ومن وقوعها بعد القسم المشعر بالتأكيد، ومن اقتضاء فعل المضارعة بعد القسم أنه للمستقبل. فتتركب من هذه المحامل معانٍ كثيرة صالحة لتأويل الآية. فقيل المعنى: لتركُبن حالاً بعد حال، رواه البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم والأظهرُ أنه تهديد بأهوال القيامة فتنوين «طبق» في الموضعين للتعظيم والتهويل و{عن} بمعنى (بعد) والبعدية اعتبارية، وهي بعدية ارتقاء، أي لَتُلاقُنَّ هَوْلاً أعظم من هول، كقوله تعالى: { أية : زدناهم عذاباً فوق العذاب } تفسير : [النحل: 88]. وإطلاق الطبق على الحالة على هذا التأويل لأن الحالة مطابقة لعمل صاحبها. وروى أبو نعيم عن جابر بن عبد الله تفسير الأحوال بأنها أحوال موت وإحياء، وحشر، وسعادة أو شقاوة، ونعيم أو جحيم، كما كتب الله لكل أحد عند تكوينه رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن كثير هو حديث مُنْكَر وفي إسناده ضعفاء، أو حالاً بعد حال من شدائد القيامة وروي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن مع اختلاف في تعيين الحال. وقيل: {لتركبن} منزلة بعد منزلة على أن طبقاً اسم للمنزلة، وروي عن ابن زيد وسعيد بن جبير أي لتَصِيرُنَّ من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة، أو إن قوماً كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة، فالتنوين فيهما للتنويع. وقيل: من كان على صلاح دعاه إلى صلاح آخر ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فَوقه، لأن كل شيء يجرُّ إلى شكله، أي فتكون الجملة اعتراضاً بالموعظة وتكون {عن} على هذا على حقيقتها للمجاوزة، والتنوين للتعظيم. ويحتمل أن يكون الركوب مجازاً في السير بعلاقة الإِطلاق، أي لتحضُرن للحساب جماعات بعد جماعات على معنى قوله تعالى: { أية : إلى ربك يومئذ المساق } تفسير : [القيامة: 30] وهذا تهديد لمنكريه، وأن يكون الركوب مستعملاً في المتابعة، أي لتَتَّبِعُنَّ. وحذف مفعول: «تركبن» بتقدير: ليَتبعن بعضُكم بعضاً، أي في تصميمكم على إنكار البعث. ودليل المحذوف هو قوله: {طبقاً عن طبق} ويَكون {طبقاً} مفعولاً به وانتصاب {طبقاً} إما على الحال من ضمير {تركبُنّ}. وإما على المفعولية به على حسب ما يليق بمعاني ألفاظ الآية. وموقع {عن طبق} موقع النعت لــــ {طبقاً}. ومعنى {عن} إما المجاوزة، وإما مرادفة معنى (بعد) وهو مجاز ناشىء عن معنى المجاوزة، ولذلك لما ضمَّن النابغة معنى قولهم: «ورثوا المجد كابراً عن كابر» غيَّر حرف (عن) إلى كلمة (بعد) فقال: شعر : لآلِ الجُلاَحِ كَابِراً بعدَ كابِر تفسير : وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر {لتركَبُن} بضم الموحدة على خطاب الناس. وقرأه الباقون بفتح الموحدة على أنه خطاب للإنسان من قوله تعالى: { أية : يا أيها الإنسان إنك كادح } تفسير : [الانشقاق: 6]. وحُمل أيضاً على أن التاء الفوقية تاء المؤنثة الغائبة وأن الضمير عائد إلى السماء، أي تعتريها أحوال متعاقبة من الانشقاق والطيّ وكونها مرة كالدِّهان ومرة كالمُهل. وقيل: خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم قال ابن عطية: قيل: هي عِدة بالنَّصر، أي لتركبن أمر العرب قبيلاً بعد قبيل وفتحاً بعد فتح كما وجد بعد ذلك (أي بعد نزول الآية حين قويَ جانبُ المسلمين) فيكون بشارة للمسلمين، وتكون الجملة معترضة بالفاء بين جملة: { أية : إنه ظن أن لن يحور } تفسير : [الانشقاق: 14] وجملة: { أية : فما لهم لا يؤمنون } تفسير : [الانشقاق: 20]. وهذا الوجه يجري على كلتا القراءتين.

الشنقيطي

تفسير : الشفق: لغة: رقة الشيء. قال القرطبي: يقال شيء شفيق، أي لا تماسك له لرقته، وأشفق عليه أي رق قلبه عليه، والشفقة الاسم من الإشفاق وهو رقة القلب، وكذلك الشفق. قال الشاعر: شعر : تهوى حَياتي وأهوى موتها شفقاً والموت أكرم نزال على الحرم تفسير : فالشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها، فكأن تلك الرقة من ضوء الشمس. ونقل عن الخليل: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة إذا ذهب، قيل: غاب الشفق. اهـ. وهذا ما عليه الأئمة الثلاثة في توقيت وقت المغرب من غروب الشمس إلى غياب الشفق، وهو الحمرة بعد الغروب، كما قال الخليل. وعند أبي حنيفة رحمه الله: أن الشفق هو البياض الذي بعده. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في بيان أوقات الصلوات الخمس عند قوله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} تفسير : [الروم: 17-18]، ورجح أن الشفق: الحمرة. ونقل القرطبي قولاً، قال: وزعم الحكماء أن البياض لا يغيب أصلاً. وقال الخليل: صعدت منارة الإسكندرية فرمقت البياض فرأيته يتردد من أفق إلى أفق ولم أره يغيب. وقال ابن أويس: رأيته يتمادى إلى طلوع الفجر، ثم قال: قال علماؤنا: فلما لم يتجدد وقته سقط اعتباره. ا هـ. فهو بهذا يرجح مذهب الجمهور في معنى الشفق، والنصوص في ذلك من السنة فيها مقال. فقد روى الدارقطني حديثاً مرفوعاً: "حديث : الشفق الحمرة " تفسير : وتكلم عليه الشوكاني ثم ذكر من يقول به من الصحابة وهم ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وعبادة. ومن الأئمة: الشافعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو سيف ومحمد، من الفقهاء، والخليل والفراء من أهل اللغة. فأنت ترى أن أبا يوسف ومحمداً من أصحاب أبي حنيفة وافقا الجمهور. وفي شرح الهداية أيضاً: رواية عن أبي حنيفة. أما ما ذكره القرطبي ففيه نظر، أي من جهة عدم غياب البياض، فإن المعروف عند علماء الفلك أن بين الأحمر والأبيض مقدار درجتين، والدرجة تعادل أربع دقائق، وعليه فالفرق بسيط، والله تعالى أعلم. وقوله: {وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} [الانشقاق: 17]، هو الجمع والضم للشيء الكثير، ومنه سمي الوسق بمقدار معين من مكيل الحب، وهو ستون صاعاً. وقيل: فيه معان أخرى، ولكن هذا أرجحها. والمعنى هنا: والليل وما جمعه من المخلوقات. قيل: كأنه أقسم بكل شيء كقوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الحاقة: 38- 39]. وقوله: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ}، أي اتسع أي تكامل نوره، وهو افتعل من وسق، والقاعدة الصرفية أن فاء الفعل المثالي، أي الذي فؤه واو، إذا بني على افتعل تقلب الواو تاء وتدغم التاء في التاء، كما في: وصلته فاتصل ووزنته فاتزن، أو تصل أو تزن، وهكذا هنا أو تسق. وقوله: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ}. قال ابن جرير: اختلف القراء في قراءته، فقرأه عمر بن الخطاب وابن مسعود وأصحابه وابن عباس وعامة قراء مكة والكوفة لتركبن بفتح التاء والباء، واختلف قارئوا ذلك في معناه، فقال بعضهم: يعني يا محمد، ويعني حالات الترقي والعلو والشدائد مع القوم، وهذا المعنى عن مجاهد وابن عباس. وقيل: طبقاً عن طبق: يعني سماء بعد سماء، أى طباق السماء، وهو عن الحسن وأبي العالية ومسروق. وعن ابن مسعود: أنها السماء تتغير أحوالها تتشقق بالغمام، ثم تحمر كالمهل، إلى غير ذلك. وقد رجح القراءة الأولى والمعنى الأول. وقرأ عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين: لتركبن بالتاء وبضم الباء على وجه الخطاب للناس كافة. وذكر المفسرون لمعناه حالاً بعد معان حال معان عديدة طفولة وشباباً وشيخوخة، فقراً وغنى، وقوة وضعفاً، حياة وموتاً وبعثاً، رخاء وشدة، إلى كل ما تحتمله الكلمة. وقال القرطبى: الكل محتمل، وكله مراد، والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن ذلك إنما هو بعامة الناس ويكون يوم القيامة، إذ السياق في أصول البعث، إذا السماء انشقت، وإذا الأرض مدت، فأما من أوتي كتابه بيمينه وذكر الحساب المنقلب، ثم التعبير بالمستقبل،لتركبن، ولو كان لأمر الدنيا من تغير الأحوال لكان أولى به الحاضر أو الماضي، وإن كان من المستقبل ما سيأتي من الزمن لكنه ليس بجديد، إذ تقلب الأحوال في شأن الحياة أمر مستقر فى الأذهان، ولا يحتاج إلى هذا الأسلوب. أما أمور الآخرة من بعث، وحشر، وعرض، وميزان وصراط وتطاير كتب، واختلاف أحوال الناس باختلاف المواقف، فى عرصات القيامة فهى الحرية بالتنبيه عليها وبالتحذير منها والعمل لأجلها فى كدحه إلى ربه، فلذا جاء بذلك وهو مشعر باستمرار حالة اللإنسان بعد الكدح إلى حالات متعددة ودرجات متفاوتة. ولو اعتبرنا حال المقسم به من حيث تطور الحال من شفق أو آخر ضوء الشمس ثم ليل، وما جمع وغطى بظلامه، ثم قمر يبدأ هلالاً إلى اتساق نوره، لكان انتقالاً من تغير حركات الزمن الى تغير أحوال الإنسان قطعاً، وأن القادر على ذلك في الدنيا قادر على ذلك في الآخرة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بالشفق: أي بالحمرة في الأفق بعد غروب الشمس. وما وسق: أي دخل عليه من الدواب وغيرها. إذا اتسق: اجتمع وتم نوره وذلك في الليالي البيض. طبقا عن طبق: أي حالا بعد حال الموت، ثم الحياة، ثم ما بعدها من أحوال القيامة. فما لهم لا يؤمنون: أي أيٌ مانع لهم من الإِيمان بالله ورسوله ولقاء ربهم والحجج كثيرة تتلى عليهم. وإذا قرئ عليهم القرآن: أي تُلي عليهم وسمعوه. لا يسجدون: أي لا يخضعون فيؤمنوا ويسلموا. بما يوعون: أي يجمعون في صحفهم من الكفر والتكذيب. لهم أجر غير ممنون: أي غير مقطوع. معنى الآيات: قوله تعالى {فَلاَ أُقْسِمُ} أي فليس الأمر كما تدعون من أنه لا بعث ولا جزاء أقسم بالشفق وهي حمرة الأفق بعد غروب الشمس والليل وما وسق أي وما جمع من كل ذي روح من سابح في الماء وطائر في السماء وسارح في الغبراء والقمر إذا اتسق أي اجتمع وتم نوره وذلك في الليالي البيض. وجواب القسم قوله تعالى {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} أي حالاً بعد حال الموت ثم الحياة، ثم العرض، ثم الحساب، ثم الجزاء فهي أحوال وأهوال فليس الأمر كما تتصورون من أنه موت ولا غير. وقوله تعالى {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ} أي ما للناس لا يؤمنون أي شيء منعهم من الإِيمان بالله ورسوله والدار الآخرة مع كثرة الآيات وقوة الحجج وسطوع البراهين. وما لهم أيضا إذ تلي عليهم القرآن وسمعوه لا يخضعون ولا يخشعون ولا يخرون ساجدين مع ما يحمل من أنواع الحجج والبراهين وقوله تعالى {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بدل أن يؤمنوا ويسلموا يكذبون {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} في قلوبهم من الكفر والتكذيب وفي نفوسهم من الحسد والكبر والغل والبغض وبناء على ذلك فبشرهم يا رسولنا أي أخبرهم بما يسوءهم بعذاب أليم عاجلاً وآجلاً {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي منهم آمنوا بالله ورسوله وآيات الله ولقائه وعملوا الصالحات فأدوا الفرائض واجتنبوا المحارم فهؤلاء {لَهُمْ أَجْرٌ} أي ثواب عند الله إلى يوم يلقونه {غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي غير منقوص ولا مقطوع في الجنة دار السلام. اللهم اجعلنا من أهلها برحمتك يا أرحم الراحمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن الإِنسان مقبل على أحوال وأهوال حالا بعد حال وهولا بعد هول إلى أن ينتهي إلى جنة أو نار. 2- بيان أن عدم إيمان الإِنسان بربه أمر يستدعي العجب إذ لا مانع للعبد من الإِيمان بخالقه وهو يعلم أنه مخلوق وقد تعرف إليه فأنزل كتبه وبعث رسله وأقام الأدلة على ذلك. 3- مشروعية السجود عند تلاوة هذه الآية وهي وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون. 4- علم الله تعالى بما يعي الإِنسان في قلبه وما يحمل في نفسه فذكره للعبد بأن يراقب ربه فلا يعي في قلبه إلا الإِيمان ولا يحمل في نفسه إلا الخير فلا غل ولا حسد ولا شك ولا عداء ولا بغضاء.

القطان

تفسير : الشفق: الحمرة التي تشاهَد في الأفق الغربي بعد الغروب، ويستمر الى قبيل العشاء، والشفقُ: الشفقة. وسَقَ الليل الأشياء: جلّلها وجمعها، وسقت النخلة: حملت. اتّسَق: اكتمل وتم نوره وصار بدرا. لتركبنّ طبقا عن طبق: لَتُلاَقُنَّ حالاً بعد حال، بعضها أشدّ من بعض وهي الحياة، والموت، والبعث، وأهوال القيامة. بما يوعون: بما يُضمِرون في نفوسهم من الإعراض والجحود والحسد والبغي. غير ممنون: غير مقطوع. بعد هذه الجولة العميقة الأثر بمشاهدِها، لتأكيد أن الانسانَ راجع الى ربه يوم القيامة، حيث يحاسَب حساباً يَسيرا أو عسيرا حسب أعماله - يُقسِم الله تعالى بآياتٍ له في الكائنات أنّ بعثَ الناس يوم القيامة كائن لا محالة. {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ.....} تتكرر هذه العبارة في القرآنِ، وهو أسلوبٌ يأتي عندما يكون الشيءُ الذي أقسَمَ الله عليه جليلَ القدر، فيقول سبحانه: لا أُقسِم بهذه الأشياءِ على إثباتِ ما أريد لأن أمره ظاهر، واثباته أعظمُ وأجلُّ من أن يقسَم عليه. وأول هذه الأمور الشفَق.. ثم يأتي: فباللّيلِ وما وسَق، أي ما جمعه من الكائنات التي تسكن فيه عن الحركة، والقمرِ عندما يتم نوره ويصير بدراً كاملا.. بحق هذه الأمور الثلاثة، والتي لا يخفَى على الناس ما فيها من المنافع، وما فيها من الآيات الناطقة بحكمة واضعِ نظامها - {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} وهنا جواب القسم: لتلاقُنَّ ايها الناس حالاً بعد حال، رخاءً بعد شدة، وسُقماً بعد صحة، وغنًى بعد فقر، منذ خَلْقِكم الى طفولتكم، وشبابكم وشيخوختكم، ثم موتكم، ثم بعثكم يوم تُحشَرون إلى ربكم للحساب. ثم بعد ان ذكر الأدلة القاطعة على صحة البعث والحساب والجزاء أتى باسلوب فيه استفهام يقصد به التوبيخ. {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. ما لهؤلاء الجاحدين لا يؤمنون بالله، ولا يصدّقون بالبعث بعد وضوح الدلائل وقيام البراهين على وقوعه! {وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ}.. خضوعاً لربّ هذا الكون البديع! وهنا موضع سجدة. لقد منعهم العنادُ والاستكبار من الإيمان، فهم يفعلون ذلك تعالياً عن الحق، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} والله أعلمُ بما يكنّون في نفوسهم، ويُضمرون في جوانحِهم من شر وإصرارٍ على الشرك. ثم يتجه الخطاب الى الرسول الكريم فيقول تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أيْ أخبِرْهم يا محمد عمّا ينتظرهم من عذاب. والتعبير بقوله: {فَبَشِّرْهُمْ} فيه تهكّم لاذع حيث استعمل البشارةَ مكان الإنذار. ثم يختم السورة الكريمة بما أعد للمؤمنين من أجرٍ دائم غير منقطع، فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} بل هو دائم غير مقطوع عنهم في دار البقاء، ولَنِعم دار المتقين. قراءات قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، لتركبَن بفتح الباء والخطاب الى النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ الباقون، لتركبُنّ بضم الباء والخطاب للجميع.

د. أسعد حومد

تفسير : (16) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ لاَ يُرِيدُ أَنْ يُقْسِمَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الأَشْيَاءِ التِي ذَكَرَهَا عَلَى إِثْبَاتِ مَا سَيَذْكُرُهُ، لأَِنَّهُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ لاَ يَحْتَاجُ ثُبُوتُهُ إِلَى حَلْفٍ. (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ أُقسِمُ قَسَماً مُؤَكَّداً بِحُمْرَةِ الأُفُق بَعْدَ الغُرُوبِ أَوْ قَبْلَ طَلُوعِ الشَّمْسِ). وَلاَ لِتَوْكِيدِ القَسَمِ. وَقِيلَ إِنَّهَا صِلَةٌ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (أية : لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ). تفسير : الشَّفَقُ - الحُمْرَةُ فِي السَّمَاءِ بَعْدَ الغُرُوبِ أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ} أي بالنهار {وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} يعني مالف ويقال: ما حوى {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ} إذا تَمَّ واستوى واعتدلَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أقسم في هذا الموضع بآيات الليل، فأقسم بالشفق الذي هو بقية نور الشمس، الذي هو مفتتح الليل. { وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } أي: احتوى عليه من حيوانات وغيرها، { وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ } أي: امتلأ نورًا بإبداره، وذلك أحسن ما يكون وأكثر منافع، والمقسم عليه قوله: { لَتَرْكَبُنَّ } [أي:] أيها الناس { طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ } أي: أطوارا متعددة وأحوالا متباينة، من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة، إلى نفخ الروح، ثم يكون وليدًا وطفلا ثم مميزًا، ثم يجري عليه قلم التكليف، والأمر والنهي، ثم يموت بعد ذلك، ثم يبعث ويجازى بأعماله، فهذه الطبقات المختلفة الجارية على العبد، دالة على أن الله وحده هو المعبود، الموحد، المدبر لعباده بحكمته ورحمته، وأن العبد فقير عاجز، تحت تدبير العزيز الرحيم، ومع هذا، فكثير من الناس لا يؤمنون. { وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ } أي: لا يخضعون للقرآن، ولا ينقادون لأوامره ونواهيه، { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ } أي: يعاندون الحق بعدما تبين، فلا يستغرب عدم إيمانهم وعدم انقيادهم للقرآن، فإن المكذب بالحق عنادًا، لا حيلة فيه، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } أي: بما يعملونه وينوونه سرًا، فالله يعلم سرهم وجهرهم، وسيجازيهم بأعمالهم، ولهذا قال { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وسميت البشارة بشارة، لأنها تؤثر في البشرة سرورًا أو غمًا. فهذه حال أكثر الناس، التكذيب بالقرآن، وعدم الإيمان [به]. ومن الناس فريق هداهم الله، فآمنوا بالله، وقبلوا ما جاءتهم به الرسل، فآمنوا وعملوا الصالحات. فهؤلاء لهم أجر غير ممنون أي: غير مقطوع بل هو أجر دائم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. تم تفسير السورة ولله الحمد

همام الصنعاني

تفسير : 3553- عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خثيم، عن ابن لبيبة، عن أبي هريرة قال: {بِٱلشَّفَقِ}: [الآية: 16]، البياض. 3554- عبد الرزاق، عن معمر، عن جعفر بن برقان، عن عمر بن عبد العزيز قال: {بِٱلشَّفَقِ}: البياض. 3555- عبد الرزاق، عن محمد بن راشد أنه سمع مكحولاً يَقُول: {بِٱلشَّفَقِ}: الحمرة.