Verse. 5910 (AR)

٨٥ - ٱلْبُرُوج

85 - Al-Burooj (AR)

وَالسَّمَاۗءِ ذَاتِ الْبُرُوْجِ۝۱ۙ
Waalssamai thati alburooji

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والسماء ذات البروج» الكواكب اثني عشر برجا تقدَّمت في الفرقان.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في البروج ثلاثة أقوال: أحدها: أنها هي البروج الإثنا عشر وهي مشهورة وإنما حسن القسم بها لما فيها من عجيب الحكمة، وذلك لأن سير الشمس فيها ولا شك أن مصالح العالم السفلي مرتبطة بسير الشمس فيدل ذلك على أن لها صانعاً حكيماً، قال الجبائي: وهذه اليمين واقعة على السماء الدنيا لأن البروج فيها، واعلم أن هذا خطأ وتحقيقه ذكرناه في قوله تعالى: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ }تفسير : [الصافات: 6]، وثانيها: أن البروج هي منازل القمر، وإنما حسن القسم بها لما في سير القمر وحركته من الآثار العجيبة وثالثها: أن البروج هي عظام الكواكب سميت بروجاً لظهورها. وأما اليوم الموعود فهو يوم القيامة، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال القفال: يحتمل أن يكون المراد واليوم الموعود لانشقاق السماء وفنائها وبطلان بروجها. وأما الشاهد والمشهود، فقد أضطرب أقاويل المفسرين فيه، والقفال أحسن الناس كلاماً فيه، قال: إن الشاهد يقع على شيئين أحدهما: الشاهد الذي تثبت به الدعاوى والحقوق والثاني: الشاهد الذي هو بمعنى الحاضر، كقوله: {أية : عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } تفسير : [الأنعام: 73] ويقال: فلان شاهد وفلان غائب، وحمل الآية على هذا الاحتمال الثاني أولى، إذ لو كان المراد هو الأول لما خلا لفظ المشهود عن حرف الصلة، فيقال: مشهود عليه، أو مشهود له. هذا هو الظاهر، وقد يجوز أن يكون المشهود معناه المشهود عليه فحذفت الصلة، كما في قوله: {أية : إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَّسْئُولاً } تفسير : [الإسراء: 34] أي مسئولاً عنه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إن حملنا الشهود على الحضور احتملت الآية وجوهاً من التأويل أحدها: أن المشهود هو يوم القيامة، والشاهد هو الجمع الذي يحضرون فيه، وهو مروي عن ابن عباس والضحاك، ويدل على صحة هذا الاحتمال وجوه الأول: أنه لا حضور أعظم من ذلك الحضور، فإن الله تعالى يجمع فيه خلق الأولين والآخرين من الملائكة والأنبياء والجن والإنس، وصرف اللفظ إلى المسمى الأكمل أولى والثاني: أنه تعالى ذكر اليوم الموعود، وهو يوم القيامة، ثم ذكر عقيبة: {وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } وهذا يناسب أن يكون المراد بالشاهد من يحضر في ذلك اليوم من الخلائق، وبالمشهود ما في ذلك اليوم من العجائب الثالث: أن الله تعالى وصف يوم القيامة بكونه مشهوداً في قوله: {أية : فَوْيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } تفسير : [مريم: 37] وقال: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } تفسير : [هود: 103] وقال: {أية : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 52] وقال: {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } تفسير : [يس: 53] وطريق تنكيرهما إما ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } تفسير : [التكوير: 14] كأنه قيل: وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود، وأما الإبهام في الوصف كأنه قيل: وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما، وإنما حسن القسم بيوم القيامة للتنبيه على القدرة إذ كان هو يوم الفصل والجزاء ويوم تفرد الله تعالى فيه بالملك والحكم، وهذا الوجه اختيار ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن بن علي وابن المسيب والضحاك والنخعي والثوري وثانيها: أن يفسر المشهود بيوم الجمعة وهو قول ابن عمر وابن الزبير: وذلك لأنه يوم يشهده المسلمون للصلاة ولذكر الله. ومما يدل على كون هذا اليوم مسمى بالمشهود خبران الأول: ما روى أبو الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة»تفسير : والثاني: ما روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تحضر الملائكة أبواب المسجد فيكتبون الناس فإذا خرج الإمام طويت الصحف»تفسير : وهذه الخاصية غير موجودة إلا في هذا اليوم فيجوز أن يسمى مشهوداً لهذا المعنى، قال الله تعالى: {أية : وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً > }تفسير : [الإسراء: 78] وروى: «حديث : أن ملائكة الليل والنهار يحضرون وقت صلاة الفجر فسميت هذه الصلاة مشهودة لشهادة الملائكة» تفسير : فكذا يوم الجمعة وثالثها: أن يفسر المشهود بيوم عرفة والشاهد من يحضره من الحاج وحسن القسم به تعظيماً لأمر الحج روي أن الله تعالى يقول للملائكة يوم عرفة: «حديث : أنظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أتوني من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع التراب على رأسه لما يرى من ذلك» تفسير : والدليل على أن يوم عرفة مسمى بأنه مشهود قوله تعالى: {أية : وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ * لّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ } تفسير : [الحج: 28,27]، ورابعها: أن يكون المشهود يوم النحر وذلك لأنه أعظم المشاهد في الدنيا فإنه يجتمع أهل الشرق والغرب في ذلك اليوم بمنى والمزدلفة وهو عيد المسلمين، ويكون الغرض من القسم به تعظيم أمر الحج وخامسها: حمل الآية على يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم النحر جميعاً لأنها أيام عظام فأقسم الله بها كما أقسم بالليالي العشر والشفع والوتر، ولعل الآية عامة لكل يوم عظيم من أيام الدنيا ولكل مقام جليل من مقاماتها وليوم القيامة أيضاً لأنه يوم عظيم كما قال: {أية : لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [المطففين: 6,5] وقال: {أية : فَوْيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } تفسير : [مريم: 37] ويدل على صحة هذا التأويل خروج اللفظ في الشاهد والمشهود على النكرة، فيحتمل أن يكون ذلك على معنى أن القصد لم يقع فيه إلى يوم بعينه فيكون معرفاً أما الوجه الأول: وهو أن يحمل الشاهد على من تثبت الدعوى بقوله، فقد ذكروا على هذا التقدير وجوهاً كثيرة أحدها: أن الشاهد هو الله تعالى لقوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ }تفسير : [آل عمران: 18] وقوله: {أية : قُلْ أَيُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱللَّهِ }تفسير : [الأنعام: 19] وقوله: {أية : أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء شَهِيدٌ } تفسير : [فصلت: 53] والمشهود هو التوحيد، لقوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [آل عمران: 18] و النبوة: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } وثانيها: أن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود عليه سائر الأنبياء، لقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً }تفسير : [النساء: 41] ولقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } تفسير : [الفتح: 8] وثالثها: أن يكون الشاهد هو الأنبياء، والمشهود عليه هو الأمم، لقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ }، ورابعها: أن يكون الشاهد هو جميع الممكنات والمحدثات، والمشهود عليه واجب الوجود، وهذا احتمال ذكرته أنا وأخذته من قول الأصوليين هذا الاستدلال بالشاهد على الغائب، وعلى هذا التقدير يكون القسم واقعاً بالخلق والخالق، والصنع والصانع وخامسها: أن يكون الشاهد هو الملك، لقوله تعالى: {وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } والمشهود عليه هم المكلفون وسادسها: أن يكون الشاهد هو الملك، والمشهود عليه هو الإنسان الذي تشهد عليه جوارحه يوم القيامة، قال: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ } تفسير : [النور: 24] {أية : وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} تفسير : [فصلت: 21] وهذا قول عطاء الخراساني. وأما الوجه الثالث: وهو أقوال مبنية على الروايات لا على الاشتقاق فأحدها: أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، روى أبو موسى الأشعري أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة ذخيرة الله لنا»تفسير : وعن أبي هريرة مرفوعاً قال: «حديث : المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل منه فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب له، ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه منه»تفسير : وعن سعيد بن المسيب مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة»تفسير : وهذا قول كثير من أهل العلم كعلي بن أبي طالب عليه السلام، وأبي هريرة وابن المسيب والحسن البصري والربيع بن أنس، قال قتادة: شاهد ومشهود، يومان عظمهما الله من أيام الدنيا، كما يحدث أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وثانيها: أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر وذلك لأنهما يومان عظمهما الله وجعلهما من أيام أركان أيام الحج، فهذان اليومان يشهدان لمن يحضر فيهما بالإيمان واستحقاق الرحمة، وروى أنه عليه السلام ذبح كبشين، وقال في أحدهما: «حديث : هذا عمن يشهد لي بالبلاغ»تفسير : فيحتمل لهذا المعنى أن يكون يوم النحر شاهداً لمن حضره بمثل ذلك لهذا الخبر وثالثها: أن الشاهد هو عيسى لقوله تعالى حكاية عنه: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } تفسير : [المائدة: 117]، ورابعها: الشاهد هو الله والمشهود هو يوم القيامة، قال تعالى: {أية : يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ } تفسير : [يس: 52] وقوله: {أية : ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ } تفسير : [المجادلة: 7]، وخامسها: أن الشاهد هو الإنسان، والمشهود هو التوحيد لقوله تعالى: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] وسادسها: أن الشاهد الإنسان والمشهود هو يوم القيامة، أما كون الإنسان شاهداً فلقوله تعالى: {أية : قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا } تفسير : [الأعراف: 172] وأما كون يوم القيامة مشهوداً فلقوله: {أية : أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 172] فهذه هي الوجوه الملخصة، والله أعلم بحقائق القرآن.

القرطبي

تفسير : قسم أقسم الله به جل وعز. وفي «البروج» أقوال أربعة: أحدها ـ ذات النجوم؛ قاله الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك. الثاني ـ القُصُور، قاله ٱبن عباس وعِكرمة ومجاهد أيضاً. قال عِكرمة: هي قُصور في السماء. مجاهد: البُروج فيها الحرس. الثالث ـ ذات الخَلْق الحسن؛ قال المِنهال بن عمرو. الرابع ـ ذات المنازل؛ قاله أبو عبيدة ويحيى بن سلام. وهي ٱثنا عشر بُرْجاً، وهي منازل الكواكب والشمس والقمر. يسير القمر في كل برج منها يومين وثلث يوم؛ فذلك ثمانية وعشرون يوماً، ثم يستسِرّ ليلتين؛ وتسير الشمس في كل برج منها شهراً. وهي: الحَمَل، والثَّورُ، والجَوزاء، والسَّرَطان، والأسد، والسُّنْبلة، والمِيزان، والعَقْرب، والقَوسُ والجَدْي، والدلو، والحُوت. والبروج في كلام العرب: القصور؛ قال الله تعالى: { أية : وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } تفسير : [النساء: 78]. وقد تقدّم.

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها ثنتان وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } يعني البروج الاثني عشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارات وتكون فيها الثوابت، أو منازل القمر أو عظام الكواكب سميت بروجاً لظهورها، أو أبواب السماء فإن النوازل تخرج منها وأصل التركيب للظهور. {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } يوم القيامة. {وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } ومن يشهد في ذلك اليوم من الخلائق وما أحضر فيه من العجائب، وتنكيرهما للإبهام في الوصف أي {وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } لا يكتنه وصفهما، أو المبالغة في الكثرة كأنه قيل: ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود، أو النبي عليه الصلاة والسلام وأمته، أو أمته وسائر الأمم، أو كل نبي وأمته، أو الخالق والخلق، أو عكسه فإن الخالق مطلع على خقله وهو شاهد على وجوده، أو الملك الحفيظ والمكلف أو يوم النحر، أو عرفة والحجيج، أو يوم الجمعة والجمع فإنه يشهد له أو كل يوم وأهله. {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ} قيل إنه جواب القسم على تقدير لقد {قَتْلَ}، والأظهر أنه دليل جواب محذوف كأنه قيل إنهم ملعونون يعني كفار مكة لعن أصحاب الأخدود، فإن السورة وردت لتثبيت المؤمنين على أذاهم وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم، والأخدود الخد وهو الشق في الأرض ونحوهما بناء ومعنى الحق والأحقوق. روي مرفوعاً: «حديث : أن ملكاً كان له ساحراً فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه، وكان في طريقه راهب فمال قلبه إليه، فرأى في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجراً وقال: اللَّهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها فقتلها، وكان الغلام بَعْدُ يبرىء الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء، وعمي جليس الملك فأبرأه، فسأله الملك عمن أبرأه فقال ربي فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه، فدل على الراهب فقده بالمنشار، وأرسل الغلام إلى جبل ليطرح من ذروته، فدعا فرجف بالقوم فهلكوا ونجا، وأجلسه في سفينة ليغرق فدعا فانكفأت السفينة بمن معه فغرقوا ونجا، فقال للملك لست بقاتلي حتى تجمع الناس وتصلبني وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: بسم الله رب هذا الغلام، ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فمات، فآمن الناس برب الغلام، فأمر بأخاديد وأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت»تفسير : وعن علي رضي الله تعالى عنه. كان بعض ملوك المجوس خطب الناس وقال: إن الله أحل نكاح الأخوات فلم يقبلوه، فأمر بأخاديد النار فطرح فيها من أبى، وقيل لما تنصر نجران غزاهم ذو نواس اليهودي من حمير فأحرق في الأخاديد من لم يرتد.

ابن كثير

تفسير : يقسم تعالى بالسماء وبروجها، وهي النجوم العظام؛ كما تقدم بيان ذلك في قوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} تفسير : [الفرقان: 61] قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة والسدي: البروج: النجوم. وعن مجاهد أيضاً: البروج التي فيها الحرس. وقال يحيى بن رافع: البروج: قصور في السماء، وقال المنهال ابن عمرو: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ}: الخلق الحسن، واختار ابن جرير أنها منازل الشمس والقمر، وهي اثنا عشر برجاً، تسير الشمس في كل واحد منها شهراً، ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثاً، فذلك ثمانية وعشرون منزلة، ويستسر ليلتين. وقوله تعالى: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } اختلف المفسرون في ذلك، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثنا عبيد الله، يعني: ابن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس الأنصاري، عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ}: يوم القيامة، {وَشَـٰهِدٍ}: يوم الجمعة، وما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه، {وَمَشْهُودٍ}: يوم عرفة» تفسير : وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف الحديث، وقد روي موقوفاً على أبي هريرة، وهو أشبه. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة، أما علي، فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما يونس، فلم يعد أبا هريرة: أنه قال في هذه الآية: { وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ} قال: يعني: الشاهد يوم الجمعة، ويوم مشهود يوم القيامة. وقال أحمد أيضاً: حدثنامحمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن يونس، سمعت عماراً مولى بني هاشم يحدث عن أبي هريرة: أنه قال في هذه الآية: { وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ} قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود: يوم القيامة. وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: اليوم الموعود يوم القيامة، وكذلك قال الحسن وقتادة وابن زيد، ولم أرهم يختلفون في ذلك، ولله الحمد، ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اليوم الموعود يوم القيامة، وإن الشاهد يوم الجمعة، وإن المشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة ذخره الله لنا.»تفسير : ثم قال ابن جرير: حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا ابن أبي فديك عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب: أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة»تفسير : . وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب، ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن شعبة عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس قال: الشاهد هو محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} تفسير : [هود: 103] وحدثنا ابن حميد: حدثنا جرير عن مغيرة عن شباك قال: سأل رجل الحسن بن علي عن: { وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ} قال: سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمر وابن الزبير، فقالا: يوم الذبح، ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41] والمشهود يوم القيامة ثم قرأ: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} تفسير : [هود: 103]. وهكذا قال الحسن البصري. وقال سفيان الثوري عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب: ومشهود: يوم القيامة. وقال مجاهد وعكرمة والضحاك: الشاهد: ابن آدم، والمشهود: يوم القيامة. وعن عكرمة أيضاً:الشاهد: محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: يوم الجمعة،وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الشاهد: الله، والمشهود: يوم القيامة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا سفيان عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس: { وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ} قال: الشاهد: الإنسان، والمشهود يوم الجمعة، هكذا رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس: { وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ} الشاهد: يوم عرفة، والمشهود يوم القيامة، وبه عن سفيان الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال: يوم الذبح، ويوم عرفة، يعني: الشاهد والمشهود، قال ابن جرير: وقال آخرون: المشهود يوم الجمعة، ورووا في ذلك ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن: حدثني عمي عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة؛ فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة» تفسير : وعن سعيد بن جبير: الشاهد: الله، وتلا: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}، والمشهود: نحن، حكاه البغوي، وقال الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وقوله تعالى: { قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ} أي: لعن أصحاب الأخدود، وجمعه أخاديد، وهي الحفر في الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله عز وجل، فقهروهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدوداً، وأججوا فيه ناراً، وأعدوا لها وقوداً يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم فيها، ولهذا قال تعالى: { قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أي: مشاهدون لمايفعل بأولئك المؤمنين. قال الله تعالى: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} أي: وما كان لهم عندهم ذنب، إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه، المنيع الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به، فهو العزيز الحميد، وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس. ثم قال تعالى: {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} من تمام الصفة أنه المالك لجميع السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} أي: لا يغيب عنه شيء في جميع السموات والأرض، ولا تخفى عليه خافية. وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم؟ فعن علي: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم، واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم. وعنه أنهم كانوا قوماً باليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا، فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد وأحرقوهم فيها، وعنه: أنهم كانوا من أهل الحبشة، واحدهم حبشي، وقال العوفي عن ابن عباس: { قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } قال: ناس من بني إسرائيل خدوا أخدوداً في الأرض، ثم أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء، فعرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقيل غير ذلك. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان فيمن كان قبلكم ملك، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر، قال للملك: إني قد كبر سني، وحضر أجلي، فادفع إلي غلاماً لأعلمه السحر، فدفع إليه غلاماً، فكان يعلمه السحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب، فأتى الغلام على الراهب، فسمع من كلامه، فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر، ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله، ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك، فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك، فقل: حبسني الساحر، قال: فبينما هو ذات يوم، إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس، فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر؟ قال: فأخذ حجراً، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها، ومضى الناس، فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت، فلا تدل علي، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليس، فعمي، فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: اشفني ولك ما ههنا أجمع، فقال: ما أنا أشفي أحداً، إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت به، دعوت الله فشفاك، فآمن، فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملك، فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال ربي: فقال: أنا؟ قال: لا، ربي وربك الله، قال: ولك رب غيري؟ قال: نعم، ربي وربك الله، فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه فقال: أي بني بلغ من سحرك أن تبرىء الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟ قال: ما أشفي أحداً، إنما يشفي الله عز وجل، قال: أنا؟ قال: لا، قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه أيضاً بالعذاب، فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى بالراهب، فقال: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض. وقال للغلام: ارجع عن دينك، فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه، وإلا فدهدهوه من فوقه، فذهبوا به، فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، فبعث به مع نفر في قرقور، فقال: إذا لججتم به البحر، فإن رجع عن دينه، وإلا فغرقوه في البحر، فلججوا به البحر، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فغرقوا أجمعون. وجاء الغلام حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم قل: باسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال: باسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد والله نزل بك، قد آمن الناس كلهم، فأمر بأفواه السكك، فخدت فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه، وإلا فأقحموه فيها، قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك على الحق»تفسير : وهكذا رواه مسلم في آخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به نحوه، ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان عن عفان عن حماد بن سلمة، ومن طريق حماد بن زيد، كلاهما عن ثابت به، واختصروا أوله، وقد جوده الإمام أبو عيسى الترمذي، فرواه في تفسير هذه السورة عن محمود بن غيلان وعبد بن حميد ــــ المعنى واحد ــــ قالا: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر همس، والهمس في بعض قولهم تحريك شفتيه؛ كأنه يتكلم، فقيل له: إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست، قال: «حديث : إن نبياً من الأنبياء كان أعجب بأمته، فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أسلط عليهم عدوهم، فاختاروا النقمة، فسلط الله عليهم الموت، فمات منهم في يوم سبعون ألفاً» تفسير : قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث، حدث بهذا الحديث الآخر قال: كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يتكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلاماً فهماً أو قال: فطناً لقناً، فأعلمه علمي هذا، فذكر القصة بتمامها، وقال في آخره: يقول الله عز وجل: { قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } ــــ حتى بلغ ــــ {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ}. قال: فأما الغلام، فإنه دفن، فيذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل، ثم قال الترمذي: حسن غريب، وهذا السياق ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى، والله أعلم. وقد أورد محمد بن إسحاق بن يسار هذه القصة في السيرة بسياق آخر فيها مخالفة لما تقدم، فقال: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي، وحدثني أيضاً بعض أهل نجران عن أهلها: أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريباً من نجران ــــ ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد ــــ ساحرٌ يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيمون، ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه، قالوا: نزلها رجل، فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر. فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة، أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم، فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام، حتى إذا فقه فيه، جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه، فكتمه إياه، وقال له: يابن أخي إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه، والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه، وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى أقداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسماً يعلمه إلا كتبه في قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها، أوقد ناراً، ثم جعل يقذفها فيها قدحاً قدحاً، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها، لم يضره شيء، فأخذه، ثم أتى به صاحبه، فأخبره أنّه قد علم الاسم الأعظم الذي قد كتبه، فقال: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا، قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع، فقال: أي ابن أخي قد أصبته، فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحداً به ضر إلا قال له: يا عبد الله أتوحد الله، وتدخل في ديني، وأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم، فيدعو الله له، فيشفى، حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه، فاتبعه على أمره ودعا له، فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك، قال: لا تقدر على ذلك، قال: فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح على رأسه، فيقع إلى الأرض ما به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يلقى فيها شيء إلا هلك، فيلقى به فيها، فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال له عبد الله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلي حتى تؤمن بما آمنت به، وتوحد الله، فإنك إن فعلت، سلطت علي، فقتلتني، قال: فوحد الله ذلك الملك، وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده، فشجه شجة غير كبيرة، فقتله، وهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم عليه السلام من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران. قال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر، فالله أعلم أي ذلك كان، قال: فسار إليهم ذو نواس بجنده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك أو القتل، فاختاروا القتل، فخد الأخدود، فحرق بالنار، وقتل بالسيف، ومثل بهم حتى قتل منهم قريباً من عشرين ألفاً، ففي ذي نواس وجنده أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } هكذا ذكر محمد بن إسحاق في السيرة: أن الذي قتل أصحاب الأخدود هو ذو نواس، واسمه زرعة، ويسمى في زمان مملكته بيوسف، وهو ابن تبان أسعد أبي كرب، وهو تبع الذي غزا المدينة، وكسا الكعبة، واستصحب معه حبرين من يهود المدينة، فكان تهود من تهود من أهل اليمن على يديهما كما ذكره ابن إسحاق مبسوطاً، فقتل ذو نواس في غداة واحدة في الأخدود عشرين ألفاً، ولم ينج منهم سوى رجل واحد يقال له: دوس ذو ثعلبان، ذهب فارساً، وطردوا وراءه، فلم يقدروا عليه، فذهب إلى قيصر ملك الشام، فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة، فأرسل معه جيشاً من نصارى الحبشة يقدمهم أرياط وأبرهة، فاستنقذوا اليمن من أيدي اليهود، وذهب ذو نواس هارباً، فلجج في البحر فغرق، واستمر ملك الحبشة في أيدي النصارى سبعين سنة، ثم استنقذه سيف بن ذي يزن الحميري من أيدي النصارى لما استجاش بكسرى ملك الفرس، فأرسل معه من في السجون، فكانوا قريباً من سبعمئة، ففتح بهم اليمن، ورجع الملك إلى حمير، وسنذكر طرفاً من ذلك إن شاء الله في تفسير سورة: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. وقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنه حدث أن رجلاً من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن فيها قاعداً، واضعاً يده على ضربة في رأسه، ممسكاً عليها بيده، فإذا أخذت يده عنها، تفجرت دماً، وإذا أرسلت يده، ردت عليها، فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه: ربي الله، فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره، فكتب عمر إليهم: أن أقروه على حاله، وردوا عليه الدفن الذي كان عليه، ففعلوا. وقد قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا رحمه الله: حدثنا أبو بلال الأشعري، حدثنا إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، حدثني بعض أهل العلم: أن أبا موسى لما افتتح أصبهان، وجد حائطاً من حيطان المدينة قد سقط، فبناه فسقط، ثم بناه فسقط، فقيل له: إن تحته رجلاً صالحاً، فحفر الأساس، فوجد فيه رجلاً قائماً معه سيف فيه مكتوب: أنا الحارث بن مضاض، نقمت على أصحاب الأخدود، فاستخرجه أبو موسى، وبنى الحائط فثبت. (قلت): هو الحارث بن مضاض بن عمرو بن مضاض بن عمرو الجرهمي، أحد ملوك جرهم الذين ولوا أمر الكعبة بعد ولد ثابت بن إسماعيل بن إبراهيم، وولد الحارث هذا هو عمرو بن الحارث بن مضاض هو آخر ملوك جرهم بمكة لما أخرجتهم خزاعة وأجلوهم إلى اليمن، وهو القائل في شعره الذي قال ابن هشام: إنه أول شعر قالته العرب:شعر : كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرُ بَلى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَها فأَبادَنا صُروف الليالي والجُدودُ العواثِرُ تفسير : وهذا يقتضي أن هذه القصة كانت قديماً بعد زمان إسماعيل عليه السلام بقرب من خمسمئة سنة أو نحوها، وما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن قصتهم كانت في زمن الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما من الله السلام، وهو أشبه، والله أعلم. وقد يحتمل أن ذلك قد وقع في العالم كثيراً؛ كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا صفوان عن عبد الرحمن بن جبير قال: كانت الأخدود في اليمن زمان تبع، وفي القسطنطينية زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، فاتخذوا أتوناً، وألقي فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد، وفي العراق في أرض بابل بختنصر الذي صنع الصنم، وأمر الناس أن يسجدوا له، فامتنع دانيال وصاحباه عزريا وميشائيل، فأوقد لهم أتوناً، وألقى فيه الحطب والنار، ثم ألقاهما فيه، فجعلها الله تعالى عليهما برداً وسلاماً، وأنقذهما منها، وألقى فيها الذين بغوا عليه، وهم تسعة رهط، فأكلتهم النار. وقال أسباط عن السدي في قوله تعالى: { قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ} قال: كانت الأخدود ثلاثة: خد بالعراق، وخد بالشام، وخد باليمن. رواه ابن أبي حاتم، وعن مقاتل قال: كانت الأخدود ثلاثة: واحد بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، حرقوا بالنار، أما التي بالشام، فهو انطنانوس الرومي، وأما التي بفارس، فهو بختنصر، وأما التي بأرض العرب، فهو يوسف ذو نواس، فأما التي بفارس والشام، فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآناً، وأنزل في التي كانت بنجران. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع، هو ابن أنس، في قوله تعالى: { قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ} قال: سمعنا أنهم كانوا قوماً في زمان الفترة، فلما رأوا ما وقع في الناس من الفتنة والشر، وصاروا أحزاباً، كل حزب بما لديهم فرحون، اعتزلوا إلى قرية سكنوها، وأقاموا على عبادة الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فكان هذا أمرهم، حتى سمع بهم جبار من الجبارين، وحدث حديثهم، فأرسل إليهم فأمرهم أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا، وأنهم أبوا عليه كلهم، وقالوا: لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، فقال لهم: إن لم تعبدوا هذه الآلهة التي عبدت، فإني قاتلكم، فأبوا عليه، فخد أخدوداً من نار، وقال لهم الجبار، ووقفهم عليها: اختاروا هذه أو الذي نحن فيه، فقالوا: هذه أحب إلينا، وفيهم نساء وذرية، ففزعت الذرية، فقالوا لهم، أي: آباؤهم: لا نار من بعد اليوم، فوقعوا فيها، فقبضت أرواحهم من قبل أن يمسهم حرها، وخرجت النار من مكانها، فأحاطت بالجبارين، فأحرقهم الله بها، ففي ذلك أنزل الله عز وجل: { قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلآ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } ورواه ابن جرير: حدثت عن عمار عن عبد الله بن أبي جعفر به نحوه. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي: حرقوا، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن أبزى، {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} أي: لم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا، {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} وذلك أن الجزاء من جنس العمل، قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } الكواكب اثنا عشر برجاً تقدمت في الفرقان [61:25].

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } قد تقدّم الكلام في البروج عند تفسير قوله: {أية : جَعَلَ فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجاً } تفسير : [الفرقان: 61] قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك: هي النجوم، والمعنى: والسماء ذات النجوم. وقال عكرمة، ومجاهد أيضاً: هي قصور في السماء. وقال المنهال بن عمرو: ذات الخلق الحسن. وقال أبو عبيدة، ويحيى بن سلام وغيرهما: هي المنازل للكواكب، وهي اثنا عشر برجاً لاثني عشر كوكباً، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. والبروج في كلام العرب: القصور، ومنه قوله: {أية : وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ }تفسير : [النساء: 78] شبهت منازل هذه النجوم بالقصور لكونها تنزل فيها وقيل هي أبواب السماء. وقيل هي منازل القمر، وأصل البرج الظهور، سميت بذلك لظهورها {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } أي: الموعود به، وهو يوم القيامة. قال الواحدي: في قول جميع المفسرين. {وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } المراد: بالشاهد من يشهد في ذلك اليوم من الخلائق أي: يحضر فيه والمراد بالمشهود ما يشاهد في ذلك اليوم من العجائب، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الشاهد يوم الجمعة، وأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، والمشهود يوم عرفة؛ لأنه يشهد الناس فيه موسم الحج، وتحضره الملائكة. قال الواحدي: وهذا قول الأكثر. وحكى القشيري عن ابن عمر، وابن الزبير أن الشاهد يوم الأضحى. وقال سعيد بن المسيب: الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة. وقال النخعي: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر. وقيل: الشاهد هو الله سبحانه. وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، لقوله: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً }تفسير : [الفتح: 166] وقوله: {أية : قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } تفسير : [الأنعام: 19]. وقيل: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً }تفسير : [النساء: 41] وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً }تفسير : [الأحزاب: 45]. وقوله: {أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }تفسير : [البقرة: 143]. وقيل: الشاهد جميع الأنبياء لقوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } وقيل: هو عيسى بن مريم لقوله: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دمت فِيهِمْ } تفسير : [المائدة: 117] والمشهود على هذه الأقوال الثلاثة: إما أمة محمد، أو أمم الأنبياء، أو أمة عيسى. وقيل: الشاهد آدم. والمشهود ذريته. وقال محمد بن كعب: الشاهد الإنسان لقوله: {أية : كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } تفسير : [الإسراء: 14] وقال مقاتل: أعضاؤه لقوله: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [النور: 24] وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم لقوله: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ }تفسير : [البقرة: 143]. وقيل: الشاهد: الحفظة والمشهود بنو آدم. وقيل: الأيام والليالي. وقيل: الشاهد الخلق يشهدون لله عزّ وجلّ بالوحدانية، والمشهود له بالوحدانية هو الله سبحانه، وسيأتي بيان ما ورد في تفسير الشاهد والمشهود، وبيان ما هو الحقّ إن شاء الله. {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأَخْدُودِ } هذا جواب القسم، واللام فيه مضمرة، وهو الظاهر، وبه قال الفراء، وغيره. وقيل تقديره: لقد قتل، فحذفت اللام، وقد، وعلى هذا تكون الجملة خبرية، والظاهر أنها دعائية؛ لأن معنى {قتل} لعن. قال الواحدي: في قول الجميع، والدعائية لا تكون جواباً للقسم، فقيل: الجواب قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقيل: قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ } وبه قال المبرد: واعترض عليه بطول الفصل. وقيل: هو مقدّر يدلّ عليه قوله: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قال أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود. وقيل: تقدير الجواب: لتبعثنّ، واختاره ابن الأنباري. وقال أبو حاتم السجستاني، وابن الأنباري أيضاً: في الكلام تقديم وتأخير، أي: قتل أصحاب الأخدود، والسماء ذات البروج، واعترض عليه بأنه لا يجوز أن يقال: والله قام زيد، والأخدود: الشقّ العظيم المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخدّ لمجاري الدموع، والمخدة لأن الخد يوضع عليها، ويقال تخدد وجه الرجل: إذا صارت فيه أخاديد من خراج، ومنه قول طرفة:شعر : ووجه كأن الشمس ألقتّ رداءها عليه نقيّ اللون لم يتخدّد تفسير : وسيأتي بيان حديث أصحاب الأخدود إن شاء الله. قرأ الجمهور: {النار ذات الوقود} بجر النار على أنها بدل اشتمال من الأخدود؛ لأن الأخدود مشتمل عليها، وذات الوقود وصف لها بأنها نار عظيمة، والوقود: الحطب الذي توقد به. وقيل: هو بدل كل من كل، لا بدل اشتمال. وقيل: إن النار مخفوضة على الجوار، كذا حكى مكي عن الكوفيين. وقرأ الجمهور بفتح الواو من الوقود، وقرأ قتادة، وأبو رجاء، ونصر بن عاصم بضمها. وقرأ أشهب العقيلي، وأبو حيوة، وأبو السماك العدوي، وابن السميفع، وعيسى برفع النار على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي النار، أو على أنها فاعل فعل محذوف، أي: أحرقتهم النار {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } العامل في الظرف قتل، أي: لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين على ما يدنو منها، ويقرب إليها. قال مقاتل: يعني: عند النار قعود يعرضونهم على الكفر. وقال مجاهد: كانوا قعوداً على الكراسي عند الأخدود. {وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أي: الذين خدّوا الأخدود، وهم: الملك وأصحابه، على ما يفعلون بالمؤمنين من عرضهم على النار؛ ليرجعوا إلى دينهم شهود: أي حضور، أو يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه لم يقصر فيما أمر به. وقيل: يشهدون بما فعلوا يوم القيامة، ثم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. وقيل: على بمعنى مع، والتقدير: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود. قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن يحرقوا بالنار في الله {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ } أي: ما أنكروا عليهم، ولا عابوا منهم {إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } أي: إلا أن صدّقوا بالله الغالب المحمود في كل حال. قال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنباً إلا إيمانهم، وهذا كقوله: {أية : هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ }تفسير : [المائدة: 59] وهذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم، كما في قوله:شعر : لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم يسلو عن الأهل والأوطان والحشم تفسير : وقول الآخر:شعر : ولا عيب فيها غير شكلة عينها كذاك عتاق الطير شكلاً عيونها تفسير : قرأ الجمهور: {نقموا} بفتح النون، وقرأ أبو حيوة بكسرها، والفصيح الفتح. ثم وصف سبحانه نفسه بما يدلّ على العظم، والفخامة فقال: {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ومن كان هذا شأنه، فهو حقيق بأن يؤمن به ويوحد. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } من فعلهم بالمؤمنين لا يخفى عليه منه خافية، وفي هذا وعيد شديد لأصحاب الأخدود، ووعد خير لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين. ثم بيّن سبحانه ما أعدّ لأولئك الذين فعلوا بالمؤمنين ما فعلوا من التحريق فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }: أي: حرقوهم بالنار، والعرب تقول: فتنت الشيء، أي: أحرقته، وفتنت الدرهم والدينار: إذا أدخلته النار؛ لتنظر جودته. ويقال دينار مفتون، ويسمى الصائغ الفتان، ومنه قوله: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } تفسير : [الذاريات: 13]، أي: يحرقون. وقيل: معنى فتنوا المؤمنين: محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه، ثم لم يتوبوا من قبيح صنعهم، ويرجعوا عن كفرهم وفتنتهم فلهم عذاب جهنم أي: لهم في الآخرة عذاب جهنم بسبب كفرهم، والجملة في محل رفع على أنها خبر إن، أو الخبر لهم، وعذاب جهنم مرتفع به على الفاعلية، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، ولا يضرّ نسخه بأنّ خلافاً للأخفش، ولهم عذاب الحريق أي: ولهم عذاب آخر زائد على عذاب كفرهم، وهو عذاب الحريق الذي وقع منهم للمؤمنين. وقيل: إن الحريق اسم من أسماء النار كالسعير. وقيل: إنهم يعذبون في جهنم بالزمهرير، ثم يعذبون بعذاب الحريق، فالأوّل عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرّها. وقال الربيع بن أنس: إن عذاب الحريق أصيبوا به في الدنيا، وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه، فأحرقتهم، وبه قال الكلبي. ثم ذكر سبحانه ما أعدّ للمؤمنين الذين أحرقوا بالنار فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } وظاهر الآية العموم، فيدخل في ذلك المحرقون في الأخدود بسبب إيمانهم دخولاً أوّلياً، والمعنى: أن الجامعين بين الإيمان وعمل الصالحات {لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } أي: لهم بسبب الإيمان، والعمل الصالح جنات متصفة بهذه الصفة. وقد تقدّم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات في غير موضع، وأوضحنا أنه إن أريد بالجنات الأشجار، فجري الأنهار من تحتها واضح، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها، فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر، وهو الشجر؛ لأنها ساترة لساحتها، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم ذكره مما أعدّه الله لهم أي: ذلك المذكور {ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذي لا يعدله فوز، ولا يقاربه ولا يدانيه، والفوز الظفر بالمطلوب، وجملة: {إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ } مستأنفة لخطاب النبيّ مبينة لما عند الله سبحانه من الجزاء لمن عصاه، والمغفرة لمن أطاعه أي: أخذه للجبابرة والظلمة شديد، والبطش: الأخذ بعنف، ووصفه بالشدّة يدل على أنه قد تضاعف وتفاقم، ومثل هذا قوله:{أية : إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } تفسير : [هود: 102] {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيدُ } أي: يخلق الخلق أوّلاً في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت. كذا قال الجمهور. وقيل: يبدىء للكفار عذاب الحريق في الدنيا، ثم يعيده لهم في الآخرة، واختار هذا ابن جرير، والأوّل أولى. {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أي: بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه. قال مجاهد: الوادّ لأوليائه، فهو فعول بمعنى فاعل. وقال ابن زيد: معنى الودود الرحيم. وحكى المبرد عن إسماعيل القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد:شعر : وأركب في الروع عريانة ذلول الجناح لقاحاً ودوداً تفسير : أي: لا ولد لها تحنّ إليه. وقيل: الودود بمعنى المودود أي: يودّه عباده الصالحون، ويحبونه، كذا قال الأزهري. قال: ويجوز أن يكون فعول بمعنى فاعل، أي: يكون محباً لهم. قال: وكلتا الصفتين مدح؛ لأنه جلّ ذكره إن أحبّ عباده المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرّر عندهم من كريم إحسانه. قرأ الجمهور: {ذو العرش المجيد} الآية برفع المجيد على أنه نعت لذو، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم قالا: لأن المجد هو: النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه هو المنعوت بذلك. وقرأ الكوفيون إلا عاصماً بالجر على أنه نعت للعرش. وقد وصف سبحانه عرشه بالكرم، كما في آخر سورة المؤمنون. وقيل: هو نعت لربك، ولا يضرّ الفصل بينهما؛ لأنها صفات لله سبحانه. وقال مكي: هو خبر بعد خبر، والأوّل أولى. ومعنى {ذو العرش}: ذو الملك والسلطان، كما يقال: فلان على سرير ملكه، ومنه قول الشاعر:شعر : رأوا عرشى تثلم جانباه فلما أن تثلم أفردوني تفسير : وقول الآخر:شعر : إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم بعتيبة بن الحارث بن شهاب تفسير : وقيل: المراد خالق العرش {فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } أي: من الإبداء والإعادة. قال عطاء: لا يعجز عن شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه، وارتفاع فعال على أنه خبر مبتدأ محذوف. قال الفراء: هو رفع على التكرير والاستئناف؛ لأنه نكرة محضة. قال ابن جرير: رفع فعال، وهو نكرة محضة على وجه الاتباع لإعراب الغفور الودود، وإنما قال: فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. ثم ذكر سبحانه خبر الجموع الكافرة فقال: {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ } والجملة مستأنفة مقرّرة لما تقدّم من شدّة بطشه سبحانه، وكونه فعالاً لما يريده، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: هل أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم المتجندة عليها. ثم بيّنهم فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } وهو بدل من الجنود، والمراد بفرعون هو وقومه، والمراد بثمود: القوم المعروفون، والمراد بحديثهم ما وقع منهم من الكفر والعناد، وما وقع عليهم من العذاب، وقصتهم مشهورة قد تكرّر في الكتاب العزيز ذكرها في غير موضع، واقتصر على الطائفتين لاشتهار أمرهما عند أهل الكتاب، وعند مشركي العرب، ودلّ بهما على أمثالهما. ثم أضرب عن مماثلة هؤلاء الكفار الموجودين في عصره صلى الله عليه وسلم لمن تقدّم ذكره، وبيّن أنهم أشدّ منهم في الكفر والتكذيب فقال: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى تَكْذِيبٍ } أي: بل هؤلاء المشركون من العرب في تكذيب شديد لك، ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار {وَٱللَّهُ مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ } أي: يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بأولئك، والإحاطة بالشيء: الحصر له من جميع جوانبه، فهو تمثيل لعدم نجاتهم بعدم فوت المحاط به على المحيط. ثم ردّ سبحانه تكذيبهم بالقرآن فقال: {بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ } أي: متناه في الشرف والكرم، والبركة لكونه بياناً لما شرعه الله لعباده من أحكام الدين والدنيا، وليس هو كما يقولون إنه شعر وكهانة وسحر {فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } أي: مكتوب في لوح، وهو أمّ الكتاب محفوظ عند الله من وصول الشياطين إليه. قرأ الجمهور محفوظ بالجرّ على أنه نعت للوح، وقرأ نافع برفعه على أنه نعت للقرآن، أي: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح. واتفق القراء على فتح اللام من {لوح} إلا يحيى بن يعمر، وابن السميفع، فإنهما قرآ بضمها. قال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش. قيل: والمراد باللوح بضم اللام: الهواء الذي فوق السماء السابعة. قال أبو الفضل: اللوح بضم اللام: الهواء، وكذا قال ابن خالويه. قال في الصحاح: اللوح بالضم: الهواء بين السماء، والأرض. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال {ٱلْبُرُوجِ } قصور في السماء. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن: {ٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } فقال: الكواكب، وسئل عن قوله: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجاً }تفسير : [الفرقان: 61] قال: "الكواكب". وعن قوله: {أية : فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } تفسير : [النساء: 78] قال: "القصور". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ * وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قال: اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو الحج الأكبر، فيوم الجمعة جعله الله عيداً لمحمد وأمته، وفضله بها على الخلق أجمعين وهو سيد الأيام عند الله، وأحبّ الأعمال فيه إلى الله، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شيء إلا أعاذه منه»تفسير : وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة رفعه: {وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قال: "الشاهد" يوم عرفة ويوم الجمعة، والمشهود هو الموعود يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب قال: اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم النحر، والشاهد يوم الجمعة. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه من طريق شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة»تفسير : وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية: «حديث : الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة»تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، وأبي هريرة مثله موقوفاً. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة»تفسير : وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب. وأخرج ابن ماجه، والطبراني، وابن جرير عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة»تفسير : وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب في الآية قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن الحسن بن علي أنّ رجلاً سأله عن قوله: {وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قال: هل سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم سألت ابن عمر، وابن الزبير فقالا: يوم الذبح، ويوم الجمعة. قال: لا، ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ:{أية : وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً }تفسير : [النساء: 41] والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ }تفسير : [هود: 103]. أخرج عبد بن حميد، والطبراني في الأوسط، والصغير، وابن مردويه عن الحسين بن عليّ في الآية قال: الشاهد جدّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة، ثم تلا: {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } تفسير : [الأحزاب: 45] {ذَلِكَ يَوْمُ مَّشْهُودٌ }. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن أبي الدنيا، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة، ثم تلا: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } تفسير : [هود: 103]. وأخرج ابن جرير عنه قال: الشاهد الله، والمشهود يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الشاهد الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الشاهد الله، والمشهود يوم القيامة. قلت: وهذه التفاسير عن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفت كما ترى، وكذلك اختلفت تفاسير التابعين بعدهم، واستدلّ من استدلّ منهم بآيات ذكر الله فيها أن ذلك الشيء شاهد أو مشهود، فجعله دليلاً على أنه المراد بالشاهد، والمشهود في هذه الآية المطلقة، وليس ذلك بدليل يستدل به على أن الشاهد، والمشهود المذكورين في هذا المقام هو: ذلك الشاهد، والمشهود الذي ذكر في آية أخرى، وإلا لزم أن يكون قوله هنا: {وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } هو جميع ما أطلق عليه في الكتاب العزيز، أو السنة المطهرة أنه يشهد، أو أنه مشهود، وليس بعض ما استدلوا به مع اختلافه بأولى من بعض، ولم يقل قائل بذلك. فإن قلت: هل في المرفوع الذي ذكرته من حديثي أبي هريرة، وحديث أبي مالك، وحديث جبير بن مطعم، ومرسل سعيد بن المسيب ما يعين هذا اليوم الموعود، والشاهد والمشهود؟ قلت: أما اليوم الموعود، فلم تختلف هذه الروايات التي ذكر فيها، بل اتفقت على أنه يوم القيامة، وأما الشاهد ففي حديث أبي هريرة الأوّل أنه يوم الجمعة، وفي حديثه الثاني أنه يوم عرفة، ويوم الجمعة، وفي حديث أبي مالك أنه يوم الجمعة، وفي حديث جبير أنه يوم الجمعة، وفي مرسل سعيد أنه يوم الجمعة، فاتفقت هذه الأحاديث عليه، ولا تضرّ زيادة يوم عرفة عليه في حديث أبي هريرة الثاني؛ وأما المشهود ففي حديث أبي هريرة الأوّل أنه يوم عرفة، وفي حديثه الثاني أنه يوم القيامة، وفي حديث أبي مالك أنه يوم عرفة، وفي حديث جبير بن مطعم أنه يوم عرفة، وكذا في حديث سعيد، فقد تعين في هذه الروايات أنه يوم عرفة، وهي أرجح من تلك الرواية التي صرح فيها بأنه يوم القيامة، فحصل من مجموع هذا رجحان ما ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وأما اليوم الموعود، فقد قدّمنا أنه وقع الإجماع على أنه يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والطبراني عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان ملك من الملوك فيمن كان قبلكم، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له فقال له ذلك الكاهن: انظروا لي غلاماً فهماً أو قال فطناً لقناً، فأعلمه علمي، فإني أخاف أن أموت، فينقطع منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم من يعلمه، قال: فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وأن يختلف إليه، فجعل الغلام يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة، فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مرّ به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله، فجعل الغلام يمكث عند هذا الراهب، ويبطىء على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك أين كنت؟ فقل عند أهلي، وإذا قال لك أهلك أين كنت؟ فأخبرهم أني كنت عند الكاهن، فبينما الغلام على ذلك إذ مرّ بجماعة من الناس كثير قد حبستهم دابة، يقال إنها كانت أسداً، فأخذ الغلام حجراً فقال: اللَّهم إن كان ما يقول ذلك الراهب حقاً، فأسألك أن أقتل هذه الدابة، وإن كان ما يقول الكاهن حقاً، فأسألك أن لا أقتلها، ثم رمى فقتل الدابة، فقال الناس: من قتلها؟ فقالوا الغلام، ففزع الناس، وقالوا: قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد، فسمع أعمى، فجاءه، فقال له: إن أنت رددت عليّ بصري، فلك كذا، وكذا، فقال الغلام: لا أريد منك هذا، ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي ردَّه عليك؟ قال نعم، فدعا الله، فردّ عليه بصره، فآمن الأعمى، فبلغ الملك أمرهم، فبعث إليهم، فأتى بهم، فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى، فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا، وكذا، فألقوه من رأسه، فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل، ويتردّون حتى لم يبق منهم إلا الغلام، ثم رجع الغلام، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر، فيلقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر، فغرّق الله الذين كانوا معه، وأنجاه، فقال الغلام للملك: إنك لن تقتلني حتى تصلبني وترميني، وتقول إذا رميتني: بسم الله ربّ الغلام، فأمر به فصلب، ثم رماه، وقال: بسم الله ربّ الغلام، فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم، ثم مات، فقال الناس: لقد علم هذا الغلام علماً ما علمه أحد، فإنا نؤمن بربّ هذا الغلام، فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة، فهذا العالم كلهم قد خالفوك، قال: فخدّ أخدوداً، ثم ألقي فيه الحطب والنار، ثم جمع الناس، فقال: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار، فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، فقال: يقول الله: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأَخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } - حتى بلغ - {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }. فأما الغلام، فإنه دفن، ثم أخرج، فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب، وأصبعه على صدغه، كما وضعها حين قتل»تفسير : ولهذه القصة ألفاظ فيها بعض اختلاف. وقد رواها مسلم في أواخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمٰن بن أبي ليلى عن صهيب. وأخرجها أحمد من طريق عفان عن حماد به. وأخرجها النسائي عن أحمد بن سليمان عن حماد بن سلمة به. وأخرجها الترمذي عن محمود بن غيلان، وعبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت به. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {أَصْحَـٰبُ ٱلأَخْدُودِ } قال: هم الحبشة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هم ناس من بني إسرائيل خدّوا أخدوداً في الأرض أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء، فعرضوا عليها. وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } إلى قوله: {وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قال: هذا قسم على {إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ } إلى آخرها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيدُ } قال: يبديء العذاب، ويعيده. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الأسماء، والصفات عن ابن عباس في قوله: {ٱلْوَدُودُ } قال: الحبيب، وفي قوله: {ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } قال: الكريم. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } قال: أخبرت أنه لوح الذكر لوح واحد فيه الذكر، وإن ذلك اللوح من نور، وإنه مسيرة ثلثمائة سنة. وأخرج ابن جرير عن أنس قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله في قوله: {بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } في جبهة إسرافيل. وأخرج أبو الشيخ، قال السيوطي بسند جيد عن ابن عباس قال: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق: اكتب علمي في خلقي، فجرى ما هو كائن إلى يوم القيامة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {والسماءِ ذاتِ البُروجِ} هذا قَسَمٌ، وفي البروج أربعة أقاويل: أحدها: ذات النجوم، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك. الثاني: ذات القصور، قاله ابن عباس. الثالث: ذات الخلْق الحسن، قاله المنهال بن عمرو. الرابع: ذات المنازل، قاله يحيى بن سلام وهي اثنا عشر برجاً رصدتها العرب والعجم، وهي منازل الشمس والقمر. {واليومِ الموْعُودِ} روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم القيامة، وسمي بذلك لأنهم وعدوا فيه بالجزاء بعد البعث. {وشاهدٍ ومَشْهودٍ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، روى ذلك أبو عرفة، روى ذلك أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: أن الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم عرفة، قاله إبراهيم. الثالث: أن الشاهد الملائكة، والمشهود الإنسان، قاله سهل بن عبد الله. الرابع: أن الشاهد الجوارح، والمشهود النفس، وهو محتمل. الخامس: أن المشهود يوم القيامة. وفي الشاهد على هذا التأويل خمسة أقاويل: أحدها: هو الله تعالى، حكاه ابن عيسى. الثاني: هو آدم عليه السلام، قاله مجاهد. الثالث: هو عيسى ابن مريم، رواه ابن أبي نجيح. الرابع: هو محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن بن علي وابن عمر وابن الزبير، لقوله تعالى: {فكيفَ إذا جِئْنا من كلِّ أمَّةٍ بشهيد وجئْنَا بِك على هؤلاءِ شَهيداً}. الخامس: هو الإنسان، قاله ابن عباس. {قُتِل أصحابُ الأُخْدُودِ} قال الفراء: هذا جواب القسم، وقال غيره: الجواب {إنّ بَطْشَ ربِّكَ لَشديدٌ} والأخدود: الشق العظيم في الأرض، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجاري الدموع فيه، والمخدّة لأن الخد يوضع عليها، وهي حفائر شقت في الأرض وأوقدت ناراً وألقي فيها مؤمنون امتنعوا من الكفر. واختلف فيهم، فقال عليّ: إنهم من الحبشة، وقال مجاهد: كانوا من أهل نجران، وقال عكرمة كانوا نبطاً، وقال ابن عباس: كانوا من بني إسرائيل، وقال عطية العوفي: هم دانيال وأصحابه، وقال الحسن: هم قوم من أهل اليمن، وقال عبد الرحمن بن الزبير: هم قوم من النصارى كانوا بالقسطنطينية زمان قسطنطين، وقال الضحاك: هم قوم من النصارى كانوا باليمن قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تُبَّع الحميري وكانوا نيفاً وثمانين رجلاً، وحفر لهم أخدوداً أحرقهم فيه، وقال السدي: الأخدود ثلاثة: واحد بالشام وواحد بالعراق، وواحد باليمن. وفي قوله: {قُتِل أصحابُ الأُخْدُودِ} وجهان: أحدهما: أُهلك المؤمنون. الثاني: لُعن الكافرون الفاعلون، وقيل إن النار صعدت إليهم وهم شهود عليها فأحرقتهم، فلذلك قوله تعالى: {فلهُم عذابُ جهنَّمَ ولهْم عذابُ الحريق} يعني في الدنيا. {وهُمْ على ما يَفْعلونَ بالمؤمنينَ شُهودٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن أصحاب الأخدود هم على عذاب المؤمنين فيها شهود، وهو ظاهر من قول قتادة. الثاني: أنهم شهود على المؤمنين بالضلال، قاله مقاتل.

ابن عطية

تفسير : اختلف الناس في {البروج} ، فقال الضحاك وقتادة: هي القصور، ومنه قول الأخطل: [البسيط] شعر : كأنها برج رومي يشيّده لز بجص وآجر وأحجار تفسير : وقال ابن عباس: {البروج} : النجوم، لأنها تتبرج بنورها، والتبرج: التظاهر والتبدي، وقال الجمهور وابن عباس أيضاً: {البروج} هي المنازل التي عرفتها العرب وهي اثنا عشر على ما قسمته العرب وهي التي تقطعها الشمس في سنة، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً، وقال قتادة معناه: ذات الرمل، والسماء يريد أنها مبنية في السماء، وهذا قول ضعيف، {واليوم الموعود} هو يوم القيامة باتفاق، قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: الموعود به، وقوله: {ومشهود}، معناه: عليه أو له أو فيه، وهذا يترتب بحسب الحساب في تعيين المراد بـ "شاهد ومشاهد"، فقد اختلف الناس في المشار إليه بهما فقال ابن عباس: الشاهد الله تعالى، والمشهود يوم القيامة، وقال ابن عباس والحسن بن علي وعكرمة: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة، قال الله تعالى: {أية : إنا أرسلناك شاهداً} تفسير : [الأحزاب: 45، الفتح: 8]، وقال في يوم القيامة {أية : وذلك يوم مشهود} تفسير : [هود: 103]، وقال مجاهد وعكرمة أيضاً: الشاهد آدم وجميع ذريته، والمشهود يوم القيامة، فـ {شاهد} اسم جنس على هذا، وقال بعض من بسط قول مجاهد وعكرمة: {شاهد} أراد به رجل مفرد أو نسمة من النسم، ففي هذا تذكير بحقارة المسكين ابن آدم، والمشهود يوم القيامة، وقال الحسن بن أبي الحسن وابن عباس أيضاً: الشاهد يوم عرفة، ويوم الجمعة، والمشهود يوم القيامة، وقال ابن عباس وعلي وأبو هريرة والحسن وابن المسيب وقتادة: {شاهد} يوم الجمعة، {ومشهود} يوم عرفة، وقال ابن عمر: {شاهد} يوم الجمعة، {ومشهود} يوم النحر، وقال جابر: {شاهد} يوم الجمعة، {ومشهود} الناس، وقال محمد بن كعب: الشاهد أنت يا ابن آدم، والمشهود الله تعالى، وقال ابن جبير بالعكس، وتلا: {أية : وكفى بالله شهيداً} تفسير : [النساء: 79-166، الفتح: 28]، وقال أبو مالك: الشاهد عيسى، والمشهود أمته، قال الله تعالى: {أية : وكنت عليهم شهيداً} تفسير : [المائدة: 117] قال ابن المسيب: {شاهداً} يوم التروية، {ومشهود} يوم عرفة، وقال بعض الناس في كتاب النقاش: الشاهد يوم الأثنين والمشهود يوم الجمعة، وذكره الثعلبي، وقال علي بن أبي طالب: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر، وعنه أيضاً: {شاهد} يوم القيامة {ومشهود} يوم عرفة. حديث : وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: {شاهد} يوم الجمعة {ومشهود} يوم عرفةتفسير : . قاله علي وأبو هريرة والحسن، وقال إبراهيم النخعي: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. قال القاضي أبو محمد: ووصف هذه الأيام بـ {شاهد} لأنها تشهد لحاضريها بالأعمال، والمشهود فيما مضى من الأقوال بمعنى المشاهد بفتح الهاء، وقال الترمذي: الشاهد الملائكة الحفظة، والمشهود عليهم الناس، وقال عبد العزيز بن يحيى عند الثعلبي: الشاهد محمد، والمشهود عليهم أمته نحو قوله تعالى: {أية : وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} تفسير : [النساء:41] أي شاهداً، قال: الشاهد الأنبياء: والمشهود عليهم أممهم، وقال الحسن بن الفضل: الشاهد أمة محمد، والمشهود عليهم قوم نوح، وسائر الأمم حسب الحديث المقصود في ذلك، وقال ابن جبير أيضاً: الشاهد، الجوارح التي تنطق يوم القيامة فتشهد على أصحابها، والمشهود عليهم أصحابها، وقال بعض العلماء: الشاهد الملائكة المتعاقبون في الأمة، والمشهود قرآن الفجر، وتفسيره قول الله تعالى: {أية : إن قرآن الفجر كان مشهوداً} تفسير : [الإسراء: 87] وقال بعض العلماء: الشاهد، النجم، والمشهود عليه الليل والنهار، أي يشهد النجم بإقبال هذا وتمام هذا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم"تفسير : ، وقال بعض العلماء: الشاهد الله تعالى والملائكة وأولو العلم، والمشهود به الوحدانية وأن الدين عند الله الإسلام، وقيل الشاهد: مخلوقات الله تعالى، والمشهود به وحدانيته، وأنشد الثعلبي في هذا المعنى قول الشاعر [أبو العتاهية]: [المتقارب] شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد تفسير : وقيل المعنى: فعل الله بهم ذلك لأنهم أهل له، فهو على جهة الدعاء بحسب البشر، لا أن الله يدعو على أحد، وقيل عن ابن عباس معناه: لعن، وهذا تفسير بالمعنى، وقيل هو إخبار بأن النار قتلتهم، قاله الربيع بن أنس، وسيأتي بيانه، واختلف الناس في {أصحاب الأخدود}، فقيل: هو قوم كانوا على دين كان لهم ملك فزنى بأخته، ثم حمله بعض نسائه على أن يسن في الناس نكاح البنات والأخوات، فحمل الناس على ذلك فأطاعه كثير وعصته فرقة فخَدَّ لهم أخاديد، وهي حفائر طويلة كالخنادق، وأضرم لهم ناراً وطرحهم فيها، ثم استمرت المجوسية في مطيعيه، وقال علي بن أبي طالب: {الأخدود}، ملك حمير، كان بمزارع من اليمن، اقتتل هو والكفار مع المؤمنين، ثم غلب في آخر الأمر فحرقهم على دينهم إذا أبوا دينه، وفيهم كانت المرأة ذات الطفل التي تلكأت، فقال لها الطفل: امضي في النار فإنك على الحق، وحكى النقاش عن علي رضي الله عنه، أن نبيّ {أصحاب الأخدود} كان حبشياً، وأن الحبشة بقية {أصحاب الأخدود} وقيل: {أصحاب الأخدود} ذو نواس في قصة عبد الله بن التامر التي وقعت في السير، وقيل: كان {أصحاب الأخدود} في بني إسرائيل. قال القاضي أبو محمد: ورأيت في بعض الكتب أن {أصحاب الأخدود} هو محرق وآله الذي حرق من بني تميم المائة، ويعترض هذا القول بقوله تعالى: {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود}، فينفصل عن هذا الاعتراض بأن هذا الكلام من قصة {أصحاب الأخدود} ،وأن المراد بقوله: {وهم} قريش الذين كانوا يفتنون المؤمنين والمؤمنات، واختلف الناس في جواب القسم، فقال بعض النحاة: هو محذوف لعلم السامع به، وقال آخرون: هو في قوله تعالى: {قتل} ، والتقدير لقتل، وقال قتادة: هو في قوله: {أية : إن بطش ربك لشديد} تفسير : [البروج: 12] وقال آخرون: هو في قوله: {أية : إن الذين فتنوا المؤمنين} تفسير : [البروج: 10] وقوله تعالى: {النار} ، بدل من {الأخدود} وهو بدل اشتمال، وهي قراءة الجمهور: "النارِ" بخفض الراء، وقرأ قوم "النارُ ذات" بالرفع على معنى: قتلهم النار، و "الوُقود" بالضم مصدر من وقدت النار إذا اضطرمت، و "الوَقود": بفتح الواو, ما توقد به، وقرأ الجمهور: بفتح الواو، وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة: بضمها، وكان من قصة هؤلاء أن الكفار قعدوا وضم المؤمنون، وعرض عليهم الكفر، فمن أبى رمي في أخدود النار فاحترق، فروي أنه أحرق عشرين ألفاً، وقال الربيع بن أنس وأصحابه وابن إسحاق وأبو العالية: بعث الله تعالى على المؤمنين ريحاً فقبضت أرواحهم أو نحو هذا، وخرجت النار فأحرقت الكافرين الذين كانوا على جانبي الأخدود، وعلى هذا يجيء {قتل} خبر الادعاء، وقال قتادة: {إذ هم عليها قعود}، يعني المؤمنين، و {نقموا} معناه: اعتدوا، وقرأ جمهور الناس: "نقَموا" بفتح القاف، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: "نقِموا" بكسر القاف.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْبُرُوجِ} النجوم أو القصور "ع" أو الخلق الحسن أو المنازل اثنا عشر برجاً منازل الشمس والقمر.

النسفي

تفسير : مكية وهي اثنتان وعشرون آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {وَٱلسَّمَاءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } هي البروج الاثنا عشر. وقيل: النجوم أو عظام الكواكب {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } يوم القيامة {وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ } أي وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه ما في ذلك اليوم من عجائبه. وطريق تنكيرهما إما ما ذكرته في قوله {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ }تفسير : [التكوير: 14] كأنه قيل: ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود، وإما للإبهام في الوصف كأنه قيل: وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما. وقد كثرت أقاويل المفسرين فيهما فقيل: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة أو عيسى وأمته لقوله: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ }تفسير : [المائدة: 117]. أو أمة محمد وسائر الأمم، أو الحجر الأسود والحجيج، أو الأيام والليالي وبنو آدم للحديث: «حديث : ما من يوم إلا وينادي أنا يوم جديد وعلى ما يفعل فيّ شهيد فاغتنمني فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة»تفسير : أو الحفظة وبنو آدم، أو الله تعالى والخلق لقوله تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } تفسير : [الفتح:28] [النساء: 79] أو الأنبياء ومحمد عليهم السلام. وجواب القسم محذوف يدل عليه {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ } أي لعن كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إنهم ملعونون يعني كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود، وهو خد أي شق عظيم في الأرض. رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لبعض الملوك ساحر فلما كبر ضموا إليه غلاماً ليعلمه السحر. وكان في طريق الغلام راهب فسمع منه فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس فأخذ حجراً فقال: «حديث : اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها»تفسير : فقتلها فكان الغلام بعد ذلك يبرىء الأكمه والأبرص. وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي. فغضب فعذبه فدل على الغلام، فعذبه فدل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه فقدّ بالمنشار، وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا، فذهب به إلى قرقور فلجّجوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: باسم الله رب الغلام ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه فمات فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر. فخدّ أخدوداً وملأها ناراً فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق فألقي الصبي وأمه فيها {ٱلنَّارِ } بدل اشتمال من الأخدود {ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } وصف لها بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس {إِذْ } ظرف لقتل أي لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين حولها {هُمْ عَلَيْهَا } أي الكفار على ما يدنو منها من حافات الأخدود {قُعُودٌ } جلوس على الكراسي {وَهُمْ } أي الكفار {عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } من الإحراق {شُهُودٌ } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحداً منهم لم يفرط فيما أمر به وفوض إليه من التعذيب، وفيه حث للمؤمنين على الصبر وتحمل أذى أهل مكة {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ } وما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان كقوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم تفسير : وقوله: شعر : ما نقموا من بني أمية إلـ ـلاّ أنهم يحلمون إن غضبوا تفسير : وقرىء {نَقَمُواْ } بالكسر والفصيح هو الفتح {بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } ذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به وهو كونه عزيزاً غالباً قادرا يخشى عقابه حميداً منعماً يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له تقريراً لأن ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل، وأن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب عظيم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } وعيد لهم يعني أنه علم ما فعلوا وهو مجازيهم عليه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {والسّماء ذات البروج} يعني البروج الاثني عشر وإنما حسن القسم بها لما فيها من عجيب حكمة الباري جلّ جلاله، وهو سير الشّمس والقمر الكواكب فيها على قدر معلوم لا يختلف وقيل البروج والكواكب العظام سميت بروجاً لظهورها {واليوم الموعود} يعني يوم القيامة {وشاهد ومشهود} عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشّاهد يوم الجمعة ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه الله منه" تفسير : أخرجه الترمذي وضعف أحد رواته من قبل حفظه وهذا قول ابن عباس والأكثرين أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وقيل الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر وقيل الشاهد يوم التّروية، والمشهود يوم عرفة وإنما حسن القسم بهذه الأيام لعظمها وشرفها، واجتماع المسلمين فيها، وقيل الشاهد هو الله تعالى والمشهود يوم القيامة، وقيل الشّاهد هم الأنبياء والمشهود أي عليهم هم الأمم وقيل الشاهد هو الملك والمشهود أي عليه هو آدم وذريته، وقيل الشّاهد هذه الأمة ونبيها صلى الله عليه وسلم والمشهود عليهم هم الأمم المتقدمة، وقيل الشّاهد الأنبياء والمشهود له هو محمد صلى الله عليه وسلم لأن الأنبياء قبله شهدوا له بالنبوة وقوله، {والسّماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود} أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها، وعظمها. وجواب القسم قوله تعالى: {قتل أصحاب الأخدود} أي لعن وقتل وقيل جوابه {أية : إن بطش ربك لشديد} تفسير : [البروج: 12] والأخدود الشق المستطيل في الأرض. واختلفوا فيهم فروي عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتى السّاحر مر بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى السّاحر ضربه، وإذا رجع من الساحر قعد إلى الراهب وسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا خشيت الساحر، فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال اليوم أعلم الرّاهب أفضل أم الساحر فأخذ حجراً ثم قال اللّهم إن كان أمر الرّاهب أحب إليك من أمر السّاحر، فاقتل هذه الدّابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها فمضى الناس، فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بني أنت أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك مبتلى فإن ابتليت فلا تدل عليّ فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويداوي النّاس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما ها هنالك أجمع إن أنت شفيتني قال إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت بالله دعوت عز وجل فشفاك فآمن به فشفاه الله عز وجل فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك من رد عليك بصرك فقال ربي: فقال أو لك رب غيري قال ربي، وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دله على الغلام فجيء بالغلام، فقال له الملك أي بني إنه قد بلغ من سحرك ما تبرىء الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله عز وجل فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الرّاهب فجيء له بالرّاهب، فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدعا بالميشار فوضع الميشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك، فقيل له ارجع عن دينك فدعا بالميشار فوضع الميشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اللّهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل، فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم الله تعالى فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فقال: وما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع نخل ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل بسم الله رب الغلام ثم ارمني به فإنك إن فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده على صدغه موضع السهم فمات، فقال الناس آمنا برب الغلام ثلاثاً، فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد، والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السّكك فخدت وأضرم النيران وقال من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها ففعلوا ذلك حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أماه اصبري ولا تقاعسي فإنك على الحق"تفسير : . هذا حديث صحيح أخرجه مسلم. وفي هذا الحديث إثبات كرامات الأولياء، وفيه جواز الكذب في مصلحة ترجع إلى الدين، وفيه إنقاذ النفس من الهلاك والأكمه هو الذي خلق أعمى، والميشار بالياء وتخفيف الهمزة وروي بالنون وذروة الجبل بالضم والكسر أعلاه، ورجف تحرك واضطرب والقرقور بضم القاف الأولى السفينة الصغيرة وانكفأت انقلبت، والصّعيد هنا الأرض البارزة والسّكك الطّرق والأخدود الشّق العظيم في الأرض، وأقحموه أي ارموه وتقاعست أي تأخرت وكرهت الدخول في النار. وقال ابن عباس: "كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شرحبيل بن شراحيل في الفترة قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه يسلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام ولم يجد بداً من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم وكان في طريقه راهب حسن القراءة حسن الصوت فأعجبه ذلك". وذكر نحو حديث صهيب وقال وهب بن منبه: إن رجلاً كان قد بقي على دين عيسى، فوقع إلى نجران فأحبوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنوده من حمير وخيرهم بين النّار واليهودية، فأبوا عليه فخدّ الأخدود وحرق اثني عشر ألفاً ثم غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس هارباً، فاقتحم البحر بفرسه فغرق. وقال: محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر إن خربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب، فوجدوا عبد الله بن تامر واضعاً يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده عنها انبعثت دماً، وإذا تركت ارتدت مكانها وفي يده خاتم حديد فيه مكتوب ربي الله فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه. وقال سعيد بن جبير وابن أبزى لما انهزم أهل اسفندهار، قال: عمر بن الخطاب أيُّ شيء يجري على المجوس من الأحكام، فإنهم ليسوا بأهل كتاب، فقال علي بن أبي طالب بلى قد كان لهم كتاب، وكانت الخمر قد أحلّت لهم فتناولها ملك من ملوكهم، فغلبت على عقله فوقع على أخته فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها ويحك ما هذا الذي أتيت وما المخرج منه قالت: المخرج منه أنّك تخطب الناس وتقول إنّ الله قد أحل نكاح الأخوات فإذا ذهب في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته. فقام خطيباً بذلك فقال إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات فقال الناس بأجمعهم معاذ الله أن نؤمن بهذا أو نقر به، ما جاءنا به من نبي، ولا أنزل علينا في كتاب، فبسط فيهم السوط فأبوا أن يقروا، فجرد فيهم السيف فأبوا أن يقروا به فجرد لهم الأخدود، وأوقدوا فيها النيران وعرضهم عليها فمن أبى قذفه في النار ومن أجاب أطلقه. وروي عن علي قال كان أصحاب الأخدود نبيهم حبشي بعث من الحبشة إلى قومه ثم قرأ عليّ {أية : ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك}تفسير : [غافر: 78] الآية، فدعاهم فتابعه أناس فقاتلهم الكفار، فقتل أصحابه وأخذ من انفلت منهم فأوثقوه ثم خدوا له أخدوداً فملؤوها ناراً، فمن تبع ذلك النبي رمي به في النار ومن تابعهم تركوه فجاؤوا بامرأة معها صبي رضيع فجزعت، فقال الصبي يا أماه قعي ولا تقاعسي وقيل كانت الأخدود ثلاثة واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس حرقوا بالنار فأما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي وأما التي بفارس فبختنصر ويزعمون أنهم أصحاب دانيال وأما التي باليمن فذو نواس يوسف؛ فأما التي بالشام وفارس فلم ينزل الله فيهم قرآناً وأنزل في التي بنجران اليمن وذلك أن هذه القصة كانت مشهورة عند أهل مكة، فذكر الله تعالى ذلك لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملهم بذلك على الصبر، وتحمل المكاره في الدين.

القمي النيسابوري

تفسير : القراآت {المجيد} بالجر صفة للعرش: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الآخرون: بالرفع خبراً بعد خبر {محفوظ} بالرفع صفة للقرآن: نافع. الوقوف {البروج} ه لا {ألموعود} ه {ومشهود} ه ط بناء على أن جواب القسم محذوف وأن معنى قتل لعن وأصحاب الأخدود هم أهل الظلم، وإن جعل قتل بمعناه الأصلي وأصحاب الأخدود هم المظلومون صح جواباً للقسم بتقدير: لقد قتل ولا وقف على {الأخدود} لأن النار بدل اشتمال منه {الوقود} ه لا {قعود} ه لا {شهود} ه ط {الحميد} ه لا {والأرض} ط {شهيد} ه ط {الحريق} ه ط {الأنهار} ط {الكبير} ه ط إلا لمن جعل {إن بطش ربك} جواباً للقسم وسائر الوقوف ههنا لا بد منها لطول الكلام {لشديد} ه ك {ويعيد} ه ج لاختلاف الجملتين {الودود} ه لا {المجيد} ه لا {يريد} ه ج لابتداء الاستفهام {الجنود} ه لا لأن ما بعده بدل {وثمود} ه ط للإضراب {تكذيب} ه لا لأن الواو للحال {محيط} ه ج {مجيد} ه لا {محفوظ} ه. التفسير: لما أخبر في خاتمة السورة المتقدمة أن في الأمة مكذبين سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن سائر الأمم السالفة كانوا كذلك كأصحاب الأخدود وكفرعون وثمود. أما البروج فأشهر الأقوال أنها الأقسام الاثنا عشر من الفلك الحمل والثور إلى آخرها. وإنما أقسم بها لشرفها حيث نيط تغيرات العالم السفلي بحلول الكواكب فيها. وقيل: هي منازل القمر الثمانية والعشرون. وقيل: وقت انشقاق السماء وانفطارها وبطلان بروجها. أما الشاهد والمشهود فأقوال المفسرين فيهما كثيرة، وقد ضبطها القفال بأن اشتقاقهما إما من الشهود الحضور، وإما من الشهادة والصلة محذوفة أي مشهود عليه أو به. والاحتمال الأول فيه وجوه الأول: وهو مروي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد والحسن بن عليّ وابن المسيب والنخعي والثوري، أن المشهود يوم القيامة والشاهد الجمع الذي يحضرون فيه من الملائكة والثقلين الأولين والآخرين لقوله {أية : من مشهد يوم عظيم}تفسير : [مريم: 37] {ذلك} {أية : يوم مجموع له الناس}تفسير : [هود: 103] قال جار الله: وطريق تنكيرهما ما مرّ في قوله {أية : علمت نفس ما أحضرت} تفسير : [التكوير: 14] كأنه قيل: وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود. ويجوز أن يكون للتعظيم أي شاهد ومشهود لا يكتنه وضفهما. وإنما حسن القسم بيوم القيامة لأنه يوم الفصل والجزاء وتفرد الله بالحكم والقضاء. الثاني وهو قول ابن عمر وابن الزبير أن المشهود يوم الجمعة وأن الشاهد الملائكة. روى أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " حديث : أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة "تفسير : . الثالث أنّه يوم عرفة والشاهد من يحضرة من الحجاج فقال الله تعالى {أية : يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم} تفسير : [الحج: 27] وحسن القسم به تعظيماً لأمر الحج. يروى أنه تعالى يقول للملائكة يوم عرفة "حديث : انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أتوني من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع التراب على رأسه لما يرى في ذلك اليوم من نزول الرحمة "تفسير : الرابع أنه يوم النحر لأن أهل الدنيا يحضرون في ذلك اليوم بمنى والمزدلفة. الخامس أنهما كل يوم فيه اجتماع عظيم للناس فيتناول الأقوال المذكورة كلها، والدليل عليه تنكيرهما لأن القصد لم يكن فيه إلى يوم بعينه. والاحتمال الثاني فيه أيضاً وجوه أحدها: أن الشاهد هو الله تعالى والمشهود به هو التوحيد لقوله {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو}تفسير : [آل عمران: 18] وثانيها الشاهد هو الأنبياء والمشهود عليه النبي صلى الله عليه وسلم لقوله {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} تفسير : [النساء: 41] وثالثها العكس لقوله {أية : وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : [النساء: 41] ورابعها الشاهد الحفظة والمشهود عليه المكلفون لقوله {أية : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد}تفسير : [ق: 21] {أية : وإن عليكم لحافظين}تفسير : [الانفطار: 11] وخامسها وهو قول عطاء الخراساني: الشاهد الجوارح والمشهود عليه الإنسان {أية : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم} تفسير : [النور: 24] وسادسها الشاهد والمشهود عيسى وأمته كقوله {أية : وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} تفسير : [المائدة: 117] وسابعها أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} تفسير : [البقرة: 43] وثامنها قال الإمام في تفسيره: الشاهد جميع الممكنات والمشهود له واجب الوجود أخذاً من قول الأصوليين إنه استدلال بالشاهد على الغائب. وتاسعها الحجر الأسود والحجيج للحديث "حديث : الحجر الأسود يمين الله في أرضه يؤتى به يوم القيامة له عينان يبصر بهما يشهد على من زاره"تفسير : أو لفظ هذا معناه. وعاشرها الأيام والليالي وأعمال بني آدم كما روي عن الحسن: ما من يوم إلا وينادي إني يوم جديد وإني على ما تعمل فيّ شهيد. أما جواب القسم فعن الأخفش أنه {قتل} واللام مقدّر والكلام على التقديم والتأخير أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. وعن ابن مسعود وقتادة واختاره الزجاج أن الجواب هو قوله {إن بطش ربك لشديد} وقيل: إن الذين فتنوا وما بينهما اعتراض. واختار الزمخشري وطائفة من المتقدمين أنه محذوف. ثم اختلفوا فقال المتقدمون: المحذوف هو إن الأمر حق في الجزاء على الأعمال. وقال في الكشاف: هو ما دل عليه قتل فكأنه أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ويعلموا أن كفارهم أحقاء بأن يقال فيهم قتلت قريش، أي لعنوا كما قتل أصحاب الأخدود وهو الخد أي الشق في الأرض يحفر مستطيلاً ونحوهما بناء. ومعنى الخق والأخقوف بالخاء الفوقانية منه الحديث "حديث : فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان "تفسير : عني به فرس سراقة حين تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروجه من الغار. والمعتمد من قصص أصحاب الأخدود ما جاء في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه السحر. وكان في طريق الغلام راهب يتكلم بالمواعظ لأجل الناس، فمال قلب الغلام إلى حديثه. فرأى في طريقه ذات يوم دابة أوحية قد حبست الناس فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها بهذا الحجر فقتلها. وكان الغلام بعد ذلك يتعلم من الراهب إلى أن صار بحيث يبرىء الأكمه والأبرص ويشفي من الداء، وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله: من ردّ عليك بصرك؟ فقال: ربي. فغضب فعذبه فدل على الغلام، فعذب الغلام حتى دل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه فقدّ بالمنشار، وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا، فذهبوا به إلى قرقور وهي سفينة صغيرة فلججوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا. قوال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام. ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر فأمر بأخاديد في أفواه السكك، وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق، وما هي إلا غميضة فصبرت واقتحمت. وعن علي رضي الله عنه أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس، وكان بعض ملوكهم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم فتناولها فسكر فوقع على أخته، فلما صحا ندم وطلب المخرج فقال: إن المخرج أن تخطب الناس فتقول: إن الله عز وجل أحل لكم نكاح الأخوات ثم تخطبهم إن الله حرمه. فخطب فلم يقبلوا منه قالت له: ابسط فيهم السوط فلم يقبلوا. فقالت: ابسط فيهم السيف فلم يقبلوا. فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها. وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا فأحرق منهم اثني عشر ألفاً في الأخاديد. وقيل: سبعين ألفاً. وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعاً وعرضه اثنا عشر وقد أشار سبحانه إلى عظم النار إشارة مجملة بقوله {ذات الوقود} أي لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس. وهذه الروايات لا تعارض بينها ولا منافاة فيحتمل أن يكون الكل واقعاً والمجموع مراد الله أو بعضه هو أعلم به. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وصل إلى ذكر أصحاب الأخدود قال: نعوذ بالله من جهد البلاء. و {إذ} ظرف لقتل و {هم} عائد إلى الأصحاب و{قعود} جمع قاعد فإن كانوا مقتولين فمعنى قعودهم على النار إما أن يكون هو أن طرحوا عليها وقعدوا حواليها للإحراق وذلك أنهم كانوا يعرضون المؤمنين على النار فكل من ترك دينه تركوه ومن صبر على دينه ألقوه في النار، وإما أن يكون " على " بمعنى " عند " كقوله {ولهم عليّ ذنب} أي عندي فالمراد بالقتل على هذا التفسير اللعن ويعضده قوله {وهم} أي الظالمون {على ما يفعلون بالمؤمنين شهود} أي حضور، وفيه وصفهم بقسوة القلب، ووصف المؤمنين بالصلابة في دينهم حيث لم يلتفتوا إليهم وبقوا مصرين عل الحق، أو هو من الشهادة والمعنى أنهم وكلوا بذلك وجعلوا شهوداً يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحداً منهم لم يفرط فيما أمر به من التعذيب، ويجوز أن يراد شهادة جوارحهم على ذلك يوم القيامة. ثم ذم أولئك الجبابرة بما في ضمنه مدح المؤمنين قائلاً {وما نقموا منه} أي وما عابوا وما أنكروا عليهم {إلا أن يؤمنوا} وإنما اختير بناء الاستقبال رمزاً إلى أنهم كانوا يطلبون منهم ترك الإيمان في المستقبل ولم يعذبوهم على الإيمان في الماضي أي عذبوهم على ثباتهم وصبرهم على إيمانهم بمن يستحق أن يؤمنوا به لكونه إلهاً قادراً لا يغالب بليغاً في الكمال بحيث استأهل الحمد كله مالكاً لجميع المخلوقات. وفيه إشارة إلى أنه لو شاء لمنعهم عن ذلك التعذيب لكنه أخرهم إلى يوم الجزاء ودل عليه بقوله {والله على كل شيء شهيد} ثم عم الوعيد في آيتين أخريين والفتنة البلاء والإيذاء والإحراق. وفي قوله {ثم لم يتوبوا} دلالة على أن توبة القاتل عمداً مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس. وعذاب جهنم وعذاب الحريق أما متلازمان كقوله: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام تفسير : والغرض التأكيد وإما مختلفان في الدركة: الأول لكفرهم، والثاني لأنهم فتنوا أهل الإيمان. وجوز أن يكون الحريق في الدنيا لما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم. ثم رغب ورهب بوجه آخر في آيات والبطش الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدّة كان نهاية. ثم أكده بقوله {إنه هو يبدىء} البطش {ويعيد} أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة. ويجوز أن يدل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدّة بطشه وقوته. وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم كما بدأهم ليبطش بهم إذ كفروا بنعمة الإبداء وكذوبوا بالإعادة. قال ابن عباس: إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحماً ثم يعيدهم خلقاً جديداً فذلك قوله {هو يبدىء ويعيد} والودود بليغ الودادة والمراد به إيصال الثواب لأهل طاعته إلى الوجه الأتم فيكون كقوله {أية : ويحبهم} تفسير : [المائدة:54] وإن شئت قلت: هو بمعنى مفعول فيكون كقوله {أية : ويحبونه}تفسير : [المائدة: 54] وقال القفال: ويكون بمعنى الحليم من قولهم " فرس ودود " وهو المطيع القياد. قال في الكشاف {فعال} خبر مبتدأ محذوف. قلت: الأصل عدم الإضمار فالأولى أن يكون خبراً آخر بعد الأخبار السابقة، ولعله حمله على ذلك كونه نكرة وما قبله معارف والعذر عنه من وجهين: أحدهما قطع النسق بقوله {ذو العرش} ولا سيما عند من يجوّز {المجيد} صفة العرش. والثاني تخصيص {فعال لما يريد} فإنه صيره مضارعاً للمضاف. قال: وإنما قيل {فعال} لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. قلت: ويجوز أن يكون المعنى أن ما يريده فإنه يفعله ألبتة لا يصرفه عنه صارف. ثم ذكرهم وسلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقصة {فرعون وثمود} من متأخري الكفار ومتقدميهم، والمراد بفرعون هو وجنوده. ثم أضرب عن التذكير إلى التصريح بتكذيب كفار قريش والتنبيه على أنه محيط أي عالم بهم فيجازيهم، ويجوز أن يكون مثلاً لغاية اقتداره عليهم وأنهم في قبضة حكمه كالمحاط إذا أحيط به من روائه فسدّ عليه مسلكه بحيث لا يجد مهرباً. ويجوز أن تكون الإحاطة بمعنى الإهلاك {أية : وظنوا أنهم أحيط بهم}تفسير : [يونس: 22] ثم سلى رسول صلى الله عليه وسلم بوجه آخر وهو أن هذا القرآن الذي كذبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه حتى بلغ حد الإعجاز وهو مصون عن التغيير والتحريف بقوله {أية : وإنا له لحافظون}تفسير : [الحجر: 9] قال بعض المتكلمين: اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرأونه وأمثال هذه الحقائق مما يجب به التصديق سمعا الله حسبي.

الثعالبي

تفسير : الجمهورُ: أنَّ «والبروج» هي المنازلُ التي عَرَفَتْهَا العربُ، وقد تقدم الكلامُ عليها، {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ}: هو يومُ القِيَامَةِ باتفاق؛ كما جاء في الحديث، وإنما اختلفَ الناسُ في الشاهِد والمشهودِ اختلافاً كثيراً، فقال ابن عباس: الشاهدُ: اللَّهُ والمشهودُ: يومُ القيامة، وقال الترمذيُّ: الشاهدُ: الملائكةُ الحفظةُ، والمشهود [أي] عليه: الناسُ، وقال أبو هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم: الشاهدُ يوم الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفة، * ت *: ولو صَحّ لوجبَ الوقوفُ عندَه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ}. هذا قسم أقسم الله تعالى به، وفي البروج أقوال: قيل: والسَّماء ذات النجوم. قاله الحسنُ ومجاهدٌ وقتادةُ والضحاكُ. وقال ابنُ عباسٍ وعكرمةُ ومجاهدٌ: هي قصور في السماء. وقال مجاهد أيضاً: هي البروج الاثنا عشر، وهو قول أبي عبيدة ويحيى بن سلام. وقيل: هي منازل القمر. قوله: {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ}: وهو يوم القيامة، وهذا قسم آخر، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه. قال القفال: يحتمل أن يكون المراد: اليوم الموعود لانشقاق السماء وبنائها، وبطلان بروجها، وقوله تعالى: "الموعود" أي: الموعود به. وقال مكيٌّ: "الموعود": نعت لليوم، وثمَّ ضمير محذوف به تتم الصفة، تقديره: الموعود به، ولولا ذلك ما صحَّت الصفة؛ إذ لا ضمير يعود على الموصوف من صفته. انتهى. وكأنه يعني أن اليوم موعود به غيره من الناس، فلا بُدَّ من ضمير يرجع إليه؛ لأنه موعود به، وهذا لا يحتاج إليه، إذ يجوز أن يكون قد تجوز بأن اليوم قد وعد بكذا، فيصح ذلك، ويكون فيه ضمير عائدٌ عليه. قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}. قال علي، وابنُ عباسٍ، وابن عمر، وأبو هريرة -رضي الله عنهم -: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، وهو قول الحسن، ورواه أبو هريرة مرفوعاً -عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : المَوعُودُ: يومُ القيامة، واليَوْمُ المشهودُ: يَوْمَ عَرفةَ، والشَّاهِدُ: يَوْمَ الجُمعةِ"تفسير : . خرَّجه الترمذي في "جامعه". قال القشيري: فيوم الجمعة يشهد على عامله بما يعمل فيه. قال القرطبيُّ: وكذلك سائر الأيام والليالي، لما روى أبو نعيم الحافظ عن معاوية ابن قرة، عن معقل بن يسارٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَيْسَ مِنْ يوْمٍ يَأتِي عَلى العَبْدِ إلا يُنَادي فيه: يا ابْنَ آدمَ أنا خَلقٌ جدِيدٌ، وأنَا فيمَا تَعْمَلُ علَيْكَ شَهِيدٌ، فاعْمَلْ فيَّ خيراً أشْهَد لَكَ فيهِ غداً، فإنِّي لوْ قَدْ مَضيْتُ لَمْ تَرَنِي أبَداً، ويقُول اللَّيْلُ مِثْلَ ذلِكَ"تفسير : . حديث غريب. وحكى القشيريُّ عن ابن عمر وابن الزُّبيرِ: أن الشاهد يوم الأضحى. وقال سعيد بن المسيب الشاهد يوم التروية، والمشهود: يوم عرفة. [وروي عن علي - رضي الله عنه -: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر] وعن ابن عباس والحسين بن علي - رضي الله عنهم -: المشهود: يوم القيامة، لقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} تفسير : [هود: 103] وعلى هذا فقيل: الشاهد هو الله تعالى، وهو مروي عن ابن عباسٍ، والحسن، وسعيد بن جبير لقوله تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 79] وقوله تعالى: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 19]. وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: الشاهد: محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} تفسير : [الأحزاب: 45]، وقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41] وقوله تعالى: {أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143]. وقيل: الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يشهدون على أممهم؛ لقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} تفسير : [النساء: 41]. وقيل: آدم عليه الصلاة والسلام. وقيل: عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - لقوله تعالى: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} تفسير : [المائدة: 117] والمشهود أمته. وعن ابن عباس ومحمد بن كعب: الشاهد: الإنسان، لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24]. وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة، لقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 143]، والمشهود بنو آدم. قوله تعالى: {قُتِلَ}. هذا جواب القسم على المختار، وإنما حذفت اللام، والأصل: "لقتل"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 5153- حَلفْتُ لَهَا باللهِ حَلفَة فَاجرٍ لنَامُوا فمَا إنْ مِنْ حَديثٍ ولا صَالِي تفسير : وإنما حسُن حذفها للطول كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في قوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشمس: 9]. وقيل: تقديره، لقد قتل، فحذف "اللام وقد"، وعلى هذا فقوله "قُتِلَ" خبر، لا دعاء. وقيل: هي دعاءٌ، فلا يكون جواباً. وفي الجواب حينئذ أوجه: أحدها: أنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ} تفسير : [البروج: 10]. الثاني: قوله: {أية : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} تفسير : [البروج: 12] قاله المبرد. الثالث: أنه مقدر، فقال الزمخشري ولم يذكر غيره: هو محذوف يدل عليه قوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} كأنَّه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود ثم قال: "قُتِلَ" دعاءٌ عليهم كقوله تعالى: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} تفسير : [عبس: 17]. وقيل: التقدير: لتبعثن. وقيل: فيه تقديم وتأخير، قتل أصحاب الأخدود والسَّماء ذات البروج، قاله أبو حاتم. قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: والله قام زيد، على معنى: قام زيد والله. وقرأ الحسن وابن مقسم: "قُتِّل" بتشديد التاء مبالغة أو تكثيراً. قوله: {أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ}، أي: لعن أصحاب الأخدود. قال ابن عباس: كل شيء في القرآن "قُتِلَ" فهو: لُعِنَ، والأخدود الشقُّ العظيم المستطيل الغائص في الأرض. قال الزمخشريُّ: والأخدود: الخدُّ في الأرض وهو: الشق، ونحوهما بناء ومعنى: الخق والأخقوق، ومنه: "فَسَاخَتْ قوائمه في أخاقيق جرذان" انتهى. فالخَدُّ: في الأصل مصدر، وقد يقع على المفعول، وهو الشق نفسه، وأمَّا الأخدود فاسم له فقط. وقال الراغب: الخد والأخدود: شق في الأرض مستطيل غائص، وأصل ذلك من خَدَّي الإنسان، وهما ما اكتنفا الأنف عن اليمين والشمال، فالخَدُّ: يستعار للأرض ونحوها كاستعارة الوجه، وتخدد اللحم بزواله عن وجه الجسم، ثم يعبر بالمخدود عن المهزول والخداد: وسم في الخد. وقال غيره: سمي الخدُّ خدَّا؛ لأن الدموع تخُد فيه أخاديدَ، أي: مجاري، وجمع الأخدود: أخاديد، والمخدَّة؛ لأن الخد يوضع عليها، ويقال: تخدَّد وجه [الرجل] إذا صارت فيه أخاديد من جراحٍ. فصل في نزول السورة هذه السورة نزلت في تثبيت المؤمنين، وتصبيرهم على أذى المشركين، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم، فيعلموا أنَّ كفارهم عند الله - تعالى - بمنزلة الأمم السابقة. وكان من حديث أصحاب الأخدود: أنه كان لبعض الملوك ساحرٌ، فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهبٌ، فمال قلب الغلام إلى ذلك الراهب، ثم رأى في طريقه ذات يوم حيَّة قد حبست الناس، فقال: اللَّهم إن كان هذا الراهب أحبَّ إليك من الساحر فقوّني على قتل هذه الحيَّة، وأخذ حجراً فرماها به فقتلها، فأعرض الغلام عن تعلم السحر، واشتغل بطريقة الراهب، ثم صار إلى حيث يبرئُ الأكمه والأبرص، ويشفي من الأذى، فاتفق أن عميَ جليس الملك، وأتاه بهدايا كثيرة، وقال له: إن أنت شفيتني، فهي لك أجمع، فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله - تعالى - دعوته شفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأبرأه فلما رآه الملك، قال: من ردَّ عليك بصرك؟ قال: ربَّي، فغضب الملك وقال: هل لك ربٌّ غيري؟ قال: ربِّي وربُّك الله، فعذبه حتى دلَّ على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: يا بني قد بلغ من سحرك ما يبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟ فقال: إني لا أشفي أحداً، إنَّما يشفي الله تعالى، فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دلَّ على الراهب، فجئ بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقَّه حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبلِ كذا وكذا، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه من ذُروتهِ، فذهبوا به، وصعدوا به الجبل، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فزَحَفَ بهم الجبلُ، فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه، وقال: احملوه في سفينة وتوغّلوا به في البحر، فإن رجع عن دينه وإلاَّ فأغرقوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، وقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيدٍ واحدٍ، وتصلبني على جذعِ نخلةٍ، ثم تأخذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبدِ القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارم به واضرب، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيدٍ واحدٍ، وصلبه على جذعٍ، ثم أخذ سهماً من كنانته، فوضعه في القوسِ، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ورماه به فوقع السهم على صدغه، فمات، فقال الناس: آمنَّا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فأمر بأخاديد في أفواه السكك أوقدتْ فيها النيران، وقال: من لم يرجع منهم طرحته فيها، حتى جاءت امرأة ومعها صبي، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الصبي: يا أمَّاه، اصبري، فإنَّك على الحق، فصبرت على ذلك. وفي رواية: أنَّ الدابة التي حبست الناس كانت أسداً، وأن الغلام دفن، قيل: إنه خرج في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النار ارتفعت من الأخدود، فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعاً فأحرقتهم. وقال الضحاكُ: هم قوم من النصارى باليمن قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، أخذهم يوسفُ بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيِّفاً وثمانين رجلاً، وحفر لهم أخدوداً، وأحرقهم فيه. حكاه الماورديُّ. وروي غير ذلك. قال مقاتلٌ: أصحاب الأخدود ثلاثة: واحدٌ بنجران، والآخر: بالشَّام، والآخر: بفارس، أما الذي بالشام فأنطنيانوس الرومي، وأما الذي بفارس فبختنصّر، والذي بأرض العرب يوسف بن ذي نواس، فلم ينزل الله في الذي بفارس والشام قرآناً، وأنزل قرآناً في الذي كان بنجران. قال الكلبي: هم نصارى نجران، أخذوا بها قوماً مؤمنين، فخذوا لهم سبعة أخاديد، كل أخدود أربعون ذراعاً، وعرضه اثنا عشر ذراعاً، ثم طرحوا فيه النفط، والحطب، ثم عرضوهم عليها فمن أبى قذفوه فيها. فصل في المراد بأصحاب الأخدود قال ابن الخطيب: يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود: القاتلين، ويمكن أن يكون المراد بهم: المقتولين، والمشهور أنَّ المقتولين هم: المؤمنون. وروي أن المقتولين هم الجبابرة، روي أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار عادت النار على الكفَّار فأحرقتهم، ونجَّى الله - تعالى - المؤمنين منها سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنسٍ، والواحدي، وتأولوا قوله تعالى: {أية : فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} تفسير : [البروج: 10] أي: في الآخرة، {أية : وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} تفسير : [البروج: 10] في الدنيا، فإن فسَّرنا أصحاب الأخدود بالقاتلين، فيكون قوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} دعاءٌ عليهم, أي: لعن أصحاب الأخدود, كقوله تعالى: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} تفسير : [عبس: 17]، {أية : قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ} تفسير : [الذاريات: 10]. أو يكون المعنى: قتلوا بالنار كما أرادوا قتل المؤمنين بالنار عادت النار عليهم فقتلتهم. وإن فسَّرنا أصحاب الأخدود بالمقتولين كان المعنى أن المؤمنين قتلوا بالإحراق بالنار، فيكون ذلك خبراً لا دعاء. فصل في المقصود من هذه الآية المقصود من هذ الآية: تثبيت قلوب المؤمنين بإخبارهم بما كان يلقاه من قبلهم من الشدائد، وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلقون من أذى الكفار، ليتأسَّوا بهذا الغلام في صده على الأذى والصلب وبذله نفسه في إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه، وكذلك صبر الراهب على التمسُّك بالحق حتى نشر بالمنشار، وكذلك أكثر الناس لما آمنوا بالله تعالى. قوله: {ٱلنَّارِ}. العامة: على جرها، وفيها أوجه: أحدها: أنه بدل من "الأخدود" بدل اشتمال؛ لأن "الأخدود" مشتمل عليها، وحينئذ فلا بد من الضمير. فقال البصريون: مقدرٌ، تقديره: النار. وقال الكوفيون: "أل" قائمةٌ مقام الضمير، تقديره: ناره، ثم حذف الضمير، وعوِّض عنه "أل" [وتقدم البحث معه في ذلك]. الثاني: أنَّه بدل من كل، ولا بد حينئذ من حذف مضاف، تقديره: أخدود النار. الثالث: أن التقدير: ذي النَّار؛ لأنَّ الأخدود هو الشق في الأرض، حكاه أبو البقاء. وهذا يفهم أنَّ النَّار خفض بالإضافة لتلك الصفة المحذوفة، فما حذف المضاف قام المضاف إليه مقامه في الإعراب، واتفق أن المحذوف كان مجروراً، وقوله: إن الأخدود هو الشق، تعليل بصحة كونه صاحب نار. الرابع: أن النار خفض على الجوار، نقله مكيٌّ عن الكوفيين. وهذا يقتضي أن النار كانت مستحقة لغير الجر، فعدل عنه إلى الجر للجوار، والذي يقتضي الحال أنه عدل عن الرفع، ويدل على ذلك أنه قد قرئ في الشاذ: "النَّارُ" رفعاً، والرفع على أنه خبر ابتداء مضمر، تقديره: هي النار وقيل: بل هي مرفوعة على الفاعلية تقديره قتلهم: أي: أحرقتهم، والمراد حينئذ بأصحاب الأخدود: المؤمنون. وقرأ العامة: "الوَقُودِ" بفتح الواو، والحسنُ، وأبو رجاء، وأبو حيوة، وعيسى: بضمها، وتقدمت القراءتان في أول "البقرة". قوله تعالى: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ}. العامل في "إذ" إما: "قُتِلَ أصحاب"، أي: قتلوا في هذا الوقت. وقيل: اذكر، مقدراً، فيكون مفعولاً به، ومعنى قعودهم عليها أي: على ما يقرب منها كحافتها؛ ومنه قول الأعشى: [الطويل] شعر : 5154- تُشَبُّ لِمقْرُورَيْنِ يَصْطلِيانِهَا وبَاتَ على النَّارِ النَّدَى والمُحلقُ تفسير : وقال القرطبيُّ: ومعنى "عليها" أي: "عندها" و "على" بمعنى: "عند"، والضمير في "هم" يجوز أن يكون للمؤمنين، وأن يكون للكافرين. قوله: {وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}. أي: حضور، يعني: الكفَّار كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبي ألقوهُ في النار. وقيل: "على" بمعنى: "مع" أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود. قال ابن الخطيب: و "على" بمعنى: "عند" كقوله تعالى: {أية : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ} تفسير : [الشعراء: 14] أي: عندي. [وقوله: "شهودٌ" إما حضور قاسية قلوبهم لا يرقون على المؤمنين، أو هم مجدون في ذلك لا يخطر لهم أنه حق. أو يكون المراد وصف المؤمنين بالتصلُّب في دينهم، والثبات عليه، وإن لم يؤثر فيهم حضور هؤلاء، ولا استحيوا من مخالطتهم. وإما أن يكون المراد بشهودهم شهادة الدعوة؛ أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بما فعلوا بالمؤمنين. وإما أنهم متثبّتون في فعلهم متبصرون فيه كما يفعل الشهود، ثم لا يرحمونهم مع ذلك]. قوله: {وَمَا نَقَمُواْ}، العامة، على فتح القاف. وزيدُ بن عليٍّ، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: بكسرها، والفصيح: الفتح. وقد تقدم ذلك في سورة "المائدة" و "براءة". والمعنى: ما نقم الملك وأصحابه من الذين حرَّقوهم {إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ} إلاَّ أن صدقوا بالله؛ كقوله: [الطويل] شعر : 5155- ولا عَيْبَ فِيهَا غَيْرَ شُكلةِ عَيْنهَا كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكلٌ عُيونُهَا تفسير : وكقول ابن الرقيَّات: [المنسرح] شعر : 5156- ما نَقَمُوا من بَنِي أميَّة إلـْ ـلا أنَّهُم يَحْلمُونَ إنْ غَضِبُوا تفسير : يعني أنهم جعلوا أحسن الأشياء قبيحاً وتقدم الكلام على محل "أن" أيضاً في سورة "المائدة". وقوله تعالى: {أَن يُؤْمِنُواْ} أتى بالفعل المستقبل تنبيهاً على أنَّ التعذيب إنما كان لأجل إيمانهم في المستقبل، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى من الإيمان، فكأنه قيل: أن يدوموا على إيمانهم، و "العَزِيز" هو الغالب المنيع، "الحميد": المحمود في كل حال. {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}: لا شريك له فيهما. {وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: عالم بأعمال خلقه لا يخفى عليه خافية، وهذا وعد عظيم للمطيعين، ووعيد للمجرمين.

البقاعي

تفسير : لما ختم تلك بثواب المؤمن وعقاب الكافر والاستهزاء به بعد أن ذكر أنه سبحانه أعلم بما يضمر الأعداء من المكر وما يرومون من الأنكاد للأولياء وتوعدهم بما لا يطيقون، وكانوا قد عذبوا المؤمنين بأنواع العذاب واجتهدوا في فتنة من قدروا عليه منهم، وبالغوا في التضييق عليهم حتى ألجؤوهم إلى شعب أبي طالب وغيره من البروج في البلاد، ومفارقة الأهل والأولاد، ابتدأ هذه بما أوقع بأهل الجبروت ممن تقدمهم على وجه معلم أن ذلك الإيقاع منه سبحانه قطعاً، ومعلم أن الماضين تجاوزوا ما فعل هؤلاء إلى القذف في النار، وأن أهل الإيمان ثبتوا، وذلك لتسلية المؤمنين وتثبيتهم، وتوعيد الكافرين وتوهيتهم وتفتيتهم، فقال مقسماً لأجل إنكارهم وفعلهم في التمادي في عداوة حزب الله فعل المنكر أن الله ينتقم لهم بما يدل على تمام القدرة على القيامة: {والسماء} أي العالية غاية العلو المحكمة غاية الإحكام {ذات البروج *} أي المنازل للكواكب السيارة التي ركبها الله تعالى على أوضاع جعل في بعضها قوة التسبب للإبداء والإعادة بالإنبات وفي بعضها قوة التربية كذلك، وفي الأخرى قوة الاستحصاد بأسباب خفية أقامها سبحانه لا ترونها، غير أنكم لكثرة إلفكم لذلك صرتم تدركون منه بالتجارب أموراً تدلكم على تمام القدرة، فنسبها بعضكم إلى الطبيعة لقصور النظر في أسباب الأسباب وكلال الفكر عن النفوذ إلى نهاية ما تصل إليه الألباب، فاستبدل بالشكر الكفر، واستدل بالآيات على ضد ما تدل عليه لجمود الذهن وانعكاس الفكر، والمراد بها المنازل الاثنا عشر: الحمل - والثور - والجوزاء - والسرطان - والأسد - والسنبلة - والميزان - والعقرب - والقوس - والجدي - والدلو - والحوت - وهي تقطعها الشمس في السنة، أو هي الثمانية والعشرون التي يقطعها القمر في الشهر، وهي منازل الشمس هذه الاثنا عشر بسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثاً، فذلك ثمانية وعشرون يوماً ويستسر ليلتين، فذلك شهر، وهو إشارة إلى أن الذي فصل السماء هذا التفصيل وسخر فيها هذه الكواكب لمصالح الإنسان لا يتركه سدىً، بل لا بد من دينونته على ما يفعله من خير وشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة وتكون فيها الثوابت وعظام الكواكب، سميت بروجاً لظهورها، أو أبواب السماء فإن النوازل تخرج منها، وأصل التركيب للظهور. ولما كانت هذه الجملة من القسم دالة على البعث قال تصريحاً: {واليوم الموعود *} أي يوم القيامة الذي تحقق الوعد به وثبت ثبوتاً لا بد منه بما دل عليه من قدرتنا في مخلوقاتنا وأنا سببنا له أسباباً هي عتيدة لديكم وأنتم لا ترونها ولا تحسون شيئاً منها ولم تبينها لكم الرسل لقصور عقولكم عنها بأكثر من الدلالة بالأسباب التي ألفتموها على مثلها من غير فرق غير أنه وإن كان العقل لا يستقل به ولا يفقه منه غير السماء للوعد به من الرسل فهو لا يحيله بعد سماعه. ولما كان الجمع لأجل العرض، وكان العرض لا بد فيه من شهود ومشهود عليهم وجدال على عهود، قال منكّراً للإبهام للتعظيم والتعميم مثل {علمت نفس ما أحضرت} [التكوير:14]: {وشاهد} أي كريم من الأولياء {ومشهود *} أي في نفسه من الأعيان والآثار الهائلة، أو عليه فإنه يوم تشهده جميع الخلائق، ويحضر فيه من العجائب أمور يكل عنها الوصف، ويحضره الأنبياء الشاهدون وأممهم المشهود عليهم، ولا تبقى صغيرة من الأعمال ولا كبيرة إلاّ أحصيت، وفي ذلك أشد وعيد لجميع العبيد. ولما كان جواب القسم على ما دل عليه مقصود السورة وسوابقها ولواحقها: لنثوبن الفريقين الأولياء والأعداء، ولندينن كلاًّ بما عمل، دل عليه بأفعاله في الدنيا ببعض الجبابرة فيما مضى، وفيما يفعل بجبابرة من كذب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بادئاً بمن عذب بعذاب الله في القيامة للبداءة في آخر الانشقاق بقسم المكذبين وهم المحدث عنهم، معبراً بما يصلح للدعاء والحقيقة تسلية للمؤمنين وتثبيتاً لهم بما وقع لأمثالهم، وتحذيراً مما كان لأشكالهم: {قتل} أي لعن بأيسر أمر وأسهله من كل لاعن لعناً لا فلاح معه، ووقع في الدنيا أنه قتل حقيقة {أصحاب الأخدود *} أي الخد العظيم، وهو الشق المستطيل في الأرض كالنهر، روي أن ملكاً من الكفار - وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان من حمير - من ملوك اليمن، وكان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة، آمن في زمانه ناس كثير، فخدّ لهم أخدوداً في الأرض وسجره ناراً وعرض من آمن عليه، فمن رجع عن دينه تركه، ومن ثبت - وهم الأغلب - قذفه في ذلك الأخدود فأحرقه. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وردت هذه السورة في معرض الالتفات والعدول إلى إخبار نبي الله صلى الله عليه وسلم بما تضمنته هذه السورة من قصة أصحاب الأخدود، وقد تقدم هذا الضرب في سورة المجادلة وسورة النبأ، وبينا وقوعه في أنفس السور ومتونها وهو أقرب فيما بين السورتين وأوضح - أنتهى. ولما ذمهم سبحانه وتعالى، بين وجه ذمهم ببدل اشتمال من أخدودهم فقال: {النار} أي العظيمة التي صنعوها لعذاب أوليائنا، وزاد في تعظيمها بقوله: {ذات الوقود *} أي الشيء الذي نوقد به من كل ما يصلح لذلك من الحطب وغيره، وعلق بـ"قتل" قوله: {إذ هم} أي بظواهرهم وضمائرهم {عليها} أي على جوانب أخدودها {قعود *} أي يحفظونها ويفعلون مما يأمرهم ملكهم في أمرها من إلقاء الناس وغيره فعل القاعد المطمئن الذي ليس له شغل غيرها {وهم على ما يفعلون} أي خاصة بقوة دواعيهم إلى فعله ورغبتهم فيه من الفتنة بالعرض على النار وغيره مكررين ذلك الفعل {بالمؤمنين} أي الراسخين في الإيمان الذي لم يثنهم العذاب عنه {شهود *} أي يشهد بعضهم لبعض عند الملك أنه لم يقصر فيما أمره به ويشهدون يوم القيامة بما تشهد به عليهم أيديهم وأرجلهم على أنفسهم بهذا الظلم، ويشهد بعضهم على بعض ويعادي بعضهم بعضاً، ويحيل كل على الآخر طمعاً في النجاة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ البروج قصور في السماء‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الأعمش قال‏:‏ كان أصحاب عبد الله يقولون في قوله‏:‏ ‏{‏والسماء ذات البروج‏} ‏ ذات القصور‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله‏:‏ ‏ {‏ذات البروج‏}‏ قال‏:‏ النجوم العظام‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ‏{و‏السماء ذات البروج‏} ‏ فقال‏: الكواكب، وسئل عن ‏{‏الذي جعل في السماء بروجا‏ً}‏ فقال‏:‏ الكواكب‏. قيل‏:‏ فبروج مشيدة فقال‏: قصور‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏والسماء ذات البروج‏}‏ قال‏:‏ بروجها نجومها ‏ {‏واليوم الموعود‏} ‏ قال‏:‏ يوم القيامة ‏{‏وشاهد ومشهود‏}‏ قال‏:‏ يومان عظيمان عظمهما الله من أيام الدنيا كنا نحدث أن الشاهد يوم القيامة والمشهود يوم عرفة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏والسماء ذات البروج‏} ‏ قال‏:‏ حبكت بالخلق الحسن، ثم حبكت بالنجوم ‏ {‏واليوم الموعود‏} ‏ قال‏:‏ يوم القيامة ‏ {‏وشاهد ومشهود‏}‏ قال‏:‏ الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم القيامة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏والسماء ذات البروج‏} ‏ قال‏:‏ ذات النجوم ‏{‏وشاهد ومشهود‏} ‏ قال‏:‏ الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قول الله‏:‏ ‏{‏واليوم الموعود وشاهد ومشهود‏} ‏ قال‏:‏ اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو الحج الأكبر، فيوم الجمعة جعله الله عيداً لمحمد وأمته، وفضّلهم بها على الخلق أجمعين، وهو سيد الأيام عند الله، وأحب الأعمال فيه إلى الله، وفيه ساعة لا يوافقها عبد قائم يصلي يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه‏. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن أبي الدنيا في الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:حديث : ‏ اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، وما طلعت الشمس، ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ بشيء إلا أعاذه الله منه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه ابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة رفعه ‏ {‏وشاهد ومشهود‏}‏ قال‏:‏ الشاهد يوم عرفة ويوم الجمعة، والمشهود هو الموعود يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طريق شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة دخره الله لنا، والصلاة الوسطى صلاة العصر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن شريح بن عبيد مرسلا‏ً.‏ وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن جبير بن مطعم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏وشاهد ومشهود‏}‏ قال‏:‏ ‏"حديث : ‏الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وأبي هريرة موقوفاً مثله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وعبد بن حميد وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد والمشهود يوم عرفة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب في قوله‏:‏ ‏{‏وشاهد ومشهود‏}‏ قال‏:‏ الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن الحسن بن علي أن رجلاً سأله عن قوله‏:‏ ‏ {‏وشاهد ومشهود‏}‏ قال‏:‏ هل سألت أحداً قبلي‏؟‏ قال‏:‏ نعم، سألت ابن عمرو وابن الزبير فقالا‏:‏ يوم الريح ويوم الجمعة، فقال‏:‏ لا، ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ ‏{أية : إنا أرسلناك شاهداً ومبشرا‏ً}‏ تفسير : ‏[الأحزاب: 45‏]‏ ‏{أية : ‏وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} تفسير : [النحل: 89‏]‏ والمشهود يوم القيامة ثم قرأ ‏{أية : ‏ذلك يوم مجموع له الناس‏}تفسير : ‏ [هود: 103‏] {أية : ‏وذلك يوم مشهود} تفسير : ‏[هود: 103‏]. وأخرج الطبراني في الأوسط وعبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن ابن عباس ‏{‏واليوم الموعود‏} ‏ يوم القيامة {‏وشاهد ومشهود‏} ‏ قال‏:‏ الشاهد محمد والمشهود يوم القيامة، وتلا ‏{أية : ‏ذلك يوم مجموع له الناس‏} تفسير : [هود: 103‏] {أية : ‏وذلك يوم مشهود‏}تفسير : [هود: 103‏]‏. وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس قال‏:‏ الشاهد الله والمشهود يوم القيامة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ الشاهد الذي يشهد على الإِنسان بعمله والمشهود يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن نجي عن عليّ بن أبي طالب قال‏:‏ كان نبي أصحاب الأخدود حبشيا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق الحسن عن علي بن أبي طالب في قوله‏:‏ ‏{‏أصحاب الأخدود‏}‏ قال‏:‏ هم الحبشة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ‏ {‏قتل أصحاب الأخدود‏} ‏ قال‏:‏ كانوا من النبط‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏قتل أصحاب الأخدود‏} ‏ قال‏:‏ هم ناس من بني إسرائيل خددوا أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء فعرضوا عليها‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ الأخدود شق بنجران كانوا يعذبون الناس فيه‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن نفير قال‏:‏ كانت الأخدود زمان تبع‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏قتل أصحاب الأخدود‏} ‏ قال‏:‏ هم قوم خددوا في الأرض، ثم أوقدوا فيه ناراً ثم جاؤوا بأهل الإِسلام فقالوا‏:‏ اكفروا بالله واتبعوا ديننا، وإلا ألقيناكم في هذه النار، فاختاروا النار على الكفر فألقوا فيها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏قتل أصحاب الأخدود‏} ‏ قال‏:‏ حدثنا أن علي بن أبي طالب كان يقول‏:‏ هم أناس بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوهم وكفارهم فظهر مؤمنوهم على كفارهم، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق لا يغدر بعضهم ببعض، فغدرهم الكفار فأخذوهم، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال‏:‏ هل لكم إلى خير، توقدون ناراً ثم تعرضوننا عليه فمن بايعكم على دينكم، فذلك الذي تشتهون، ومن لا اقتحم فاسترحتم منه، فأججوا لهم ناراً وعرضوهم عليها، فجعلوا يقتحمونها حتى بقيت عجوز فكأنها تلكأت، فقال طفل في حجرها‏:‏ امضي ولا تقاعسي، فقص الله عليكم نبأهم وحديثهم فقال‏:‏ ‏ {‏النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود‏} ‏ قال‏:‏ يعني بذلك المؤمنين ‏ {‏وهم على ما يفعلون بالمؤمنين‏}‏ يعني بذلك الكفار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏{‏إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات‏}‏ قال‏:‏ حرقوا‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏{‏إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات‏} ‏ قال‏:‏ عذبوا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ كان بعض الجبابرة خد أخدوداً في الأرض، وجعل فيها النيران، وعرض المؤمنين على ذلك فمن تابعه على كفره خلى عنه، ومن أبى ألقاه في النار، فجعل يلقي حتى أتى على امرأة ومعها بني لها صغير، فكأنها أنفت النار فكلمها الصبيّ فقال‏:‏ يا أمه قعي في النار ولا تقاعسي، فألقيت في النار، والله ما كانت إلا نقطة من نار حتى أفضوا إلى رحمة الله تعالى‏.‏ قال‏:‏ الحسن‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏فما ذكرت أصحاب الأخدود إلا تعوذت بالله من جهد البلاء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن نجي قال‏:‏ شهدت علياً وأتاه أسقف نجران فسأله عن أصحاب الأخدود، فقص عليه القصة، فقال عليّ‏:‏ أنا أعلم بهم منك بعث نبي من الحبشة إلى قومه ثم قرأ علي ‏{أية : ‏ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك‏} تفسير : [غافر: 78‏]‏ فدعاهم فتابعه الناس فقاتلهم فقتل أصحابه، وأخذ فأوثق، فانفلت فأنس إليه رجال، يقول‏:‏ اجتمع إليه رجال فقاتلهم فقتلوا وأخذ فأوثق فخدوا أخدوداً في الأرض وجعلوا فيه النيران، فجعلوا يعرضون الناس فمن تبع النبي رمي به فيها، ومن تابعهم ترك، وجاءت امرأة في آخر من جاء معها صبي لها، فجزعت، فقال الصبي‏:‏ يا أمه اطمري ولا تماري فوقعت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سلمة بن كهيل قال‏:‏ ذكروا أصحاب الأخدود عند عليّ فقال‏:‏ أما إن فيكم مثلهم فلا تكونن أعجز من قوم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ كان المجوس أهل كتاب، وكانوا مستمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناول منها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله، فتناول أخته أو ابنته فوقع عليها، فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها‏:‏ ويحك ما هذا الذي أتيت‏؟‏ وما المخرج منه‏؟‏ قالت‏:‏ المخرج منه أن تخطب الناس فتقول أيها الناس إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات والبنات، فإذا ذهب ذا في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام خطيباً فقال‏:‏ يا أيها الناس إن الله أحل لكم نكاح الأخوات أو البنات، فقال الناس جماعتهم‏:‏ معاذ الله أن نؤمن بهذا أو نقر به، أو جاءنا به نبي، أو نزل علينا في كتاب، فرجع إلى صاحبته فقال‏:‏ ويحك إن الناس قد أبوا عليّ ذلك‏.‏ قالت‏:‏ إذا أبوا عليك ذلك فابسط فيهم السوط، فبسط فيهم السوط، فأبوا أن يقروا، فرجع إليها فقال‏:‏ قد بسطت فيهم السوط فأبوا أن يقروا‏.‏ قالت‏:‏ فجرد فيهم السيف، فجرد فيهم السيف، فأبوا أن يقروا‏.‏ قالت‏:‏ خدّ لهم الأخدود، ثم أوقد فيه النيران فمن تابعك فخلّ عنه‏.‏ فخدَّ لهم أخدوداً وأوقد فيه النيران، وعرض أهل مملكته على ذلك، فمن أبى قذفه في النار، ومن لم يأب خلّى عنه، فأنزل الله فيهم ‏ {‏قتل أصحاب الأخدود‏} ‏ إلىقوله‏:‏ ‏ {‏ولهم عذاب الحريق‏}‏‏ .‏ أخرج ابن أبي شيبة عن عوف قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والنسائي والترمذي عن صهيب قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر همس، فقيل له‏:‏ إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست، فقال‏:‏ ‏"‏حديث : إن نبياً من الأنبياء كان أعجب بأمته، فقال‏:‏ من يقوم لهؤلاء فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن ينتقم منهم، وبين أن يسلط عليهم عدوهم، فاختاروا النقمة، فسلط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفاً قال‏:‏ وكان إذا حدث بهذا الحديث الآخر قال: كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال له ذلك الكاهن‏:‏ انظروا إلى غلاماً فهماً أو قال‏:‏ فطناً لقناً فأعلمه علمي هذا، فإني أخاف أن أموت فينقطع هذا العلم منكم، ولا يكون فيكم من يعلمه قال‏:‏ فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وإن يختلف إليه، فجعل الغلام يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعته، فجعل الغلام يسأل الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال‏:‏ إنما أعبد الله، فجعل الغلام يمكث عند الراهب ويبطيء على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب‏:‏ إذا قال لك‏:‏ أين كنت‏؟‏ فقل‏:‏ عند أهلي، وإذا قال لك أهلك‏:‏ أين كنت‏؟‏ فقل‏:‏ عند الكاهن‏.‏ فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثيرة قد حبستهم دابة يقال كانت أسداً، فأخذ الغلام حجراً فقال‏:‏ اللهم إن كان ما يقول الراهب حقاً فأسألك أن أقتل هذه الدابة، وإن كان ما يقوله‏ الكاهن حقاً فأسألك أن لا أقتلها، ثم رمى فقتل الدابة فقال الناس‏:‏ من قتلها‏؟‏ فقالوا‏:‏ الغلام‏.‏ ففزع الناس وقالوا‏:‏ قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد، فسمع أعمى فجاءه، فقال له‏:‏ إن أنت رددت بصري فلك كذا وكذا، فقال الغلام‏:‏ لا أريد منك هذا ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فدعا الله فرد عليه بصره فآمن الأعمى فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم، فأتى بهم فقال‏:‏ لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى ثم أمر بالغلام فقال‏:‏ انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه‏.‏ فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام، ثم رجع الغلام فأمر الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، فانطلق به إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه، وأنجاه الله‏.‏ فقال الغلام للملك‏:‏ إنك لا تقتلني إلا أن تصلبني وترميني وتقول‏:‏ بسم الله رب الغلام، فأمر به فصلب ثم رماه وقال‏:‏ بسم الله رب الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثم مات‏.‏ فقال الناس‏:‏ لقد علم هذا الغلام علماً ما علمه أحد فإنا نؤمن برب هذا الغلام، فقيل للملك‏:‏ أجزعت أن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد خالفوك‏؟‏ قال‏:‏ فخدّ أخدوداً ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس فقال‏:‏ من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار‏.‏ فجعل يلقيهم في تلك الأخدود فقال‏:‏ يقول الله‏:‏ ‏{‏قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود‏}‏ حتى بلغ ‏{‏العزيز الحميد‏}‏ فأما الغلام فإنه دفن ثم أخرجتفسير : ، فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب واصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏كان ملك ممن كان قبلكم، وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك‏:‏ إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إليّ غلاماً أعلمه السحر‏.‏ فدفع إليه غلاماً فكان يعلمه السحر‏.‏ وكان بين الساحر وبين الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، فكان إذا أتى على الساحر ضربه وقال‏:‏ ما حبسك‏؟‏ فإذا أتى أهله جلس عند الراهب فيبطىء فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا‏:‏ ما حبسك‏؟‏ فشكا ذلك إلى الراهب فقال‏:‏ إذا أراد الساحر أن يضربك فقل‏:‏ حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل‏:‏ حبسني الساحر‏.‏ فبينما هو كذلك إذ أتى ذات يوم على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال الغلام‏:‏ اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر‏.‏ فأخذ حجراً فقال‏:‏ اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى لك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يجوز الناس‏.‏ فرماها فقتلها، ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك، فقال‏:‏ أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ‏.‏ وكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان جليس الملك قد عمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة، فقال له‏:‏ اشفني ولك ما ههنا أجمع، فقال‏:‏ ما أشفي أنا أحداً إنما يشفي الله، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن فدعا له فشفاه‏.‏ ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك‏:‏ يا فلان من رد عليك بصرك‏؟‏ قال‏:‏ ربي، قال‏:‏ أنا‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ أو لك رب غيري‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فلم يزل به يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه الملك فقال‏:‏ أي بني قد بلغ من سحرك أن تبرىء الأكمه والأبرص وهذه الأدواء‏؟‏ قال‏:‏ ما أشفي أنا أحداً ما يشفي غير الله‏.‏ قال‏:‏ أنا‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ وإن لك رباً غيري‏؟‏ قال‏:‏ نعم ربي وربك الله‏.‏ فأخذه أيضاً بالعذاب، فلم يزل به حتى دل على الراهب‏.‏ فقال له‏:‏ ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرقه حتى وقع شقاه على الأرض، وقال للغلام‏:‏ ارجع عن دينك فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال‏:‏ إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه من فوقه‏،‏ فذهبوا به، فلما علوا به الجبل قال‏:‏ اللهم اكفنيهم بما شئت‏.‏ فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعين‏.‏ وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال‏:‏ ما فعل أصحابك‏؟‏ قال‏:‏ كفانيهم الله‏.‏ فبعث به في قرقور مع نفر فقال‏:‏ إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فأغرقوه‏.‏ فلجوا به البحر فقال الغلام‏:‏ اللهم أكفنيهم بما شئت‏‏ فغرقوا أجمعين‏.‏ وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك‏.‏ فقال‏:‏ ما فعل أصحابك‏؟‏ قال‏:‏ كفانيهم الله‏.‏ ثم قال للملك‏:‏ إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لن تستطيع قتلي‏.‏ قال‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ تجمع الناس في صعيد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم قل بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني‏.‏ ففعل ووضع السهم في كبد القوس ثم رماه، وقال‏:‏ بسم الله رب الغلام‏.‏ فوقع السهم في صدغه‏.‏ فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات‏.‏ فقال الناس‏:‏ آمنا برب الغلام‏.‏ فقيل للملك‏:‏ أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك هذا من ‏‏الناس كلهم‏‏ فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخدود، وأضرمت فيها النيران وقال‏:‏ من رجع عن دينه فدعوه وإلا فاقحموه فيها‏.‏ فكانوا يتقارعون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها صغير فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي‏:‏ يا أمه اصبري فإنك على الحق ‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها ثنتان وعشرون {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} هيَ البروجُ الاثنَا عشرَ شبهتْ بالقصورِ لأنَّها تنزلُها السياراتُ ويكونُ فيِها الثوابتُ، أو منازلُ القمرِ أو عظامُ الكواكبِ سميتْ بروجاً لظهورِها أو أبوابِ السماءِ فإنَّ النوازلَ تخرجُ منها، وأصلُ التركيبِ للظهورِ {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ} أي يومُ القيامةِ {وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ} أيْ ومَنْ يشهدُ في ذلكَ اليومِ من الخلائقِ وما يحضرُ فيهِ من العجائبُ، وتنكيرُهُمَا للإبهامِ في الوصفِ أي وشاهدٍ ومشهودٍ لا يُكتنهُ وصفُهُمَا أو للمبالغةِ في الكثرةِ وقيلَ: الشاهدُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم والمشهودُ يومُ القيامةِ، وقيلَ: عيسَى عليهِ السلامُ وأمتهُ لقولِه تعالى: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } تفسير : [سورة المائدة، الآية 117] الخ، وقيلَ: أمةُ محمدٍ وسائرُ الأممِ، وقيلَ: يومُ الترويةِ ويومُ عرفةٍ، وقيلَ: يومُ عرفةَ ويومُ الجمعةِ، وقيلَ: الحجرُ الأسودُ والحجيجُ، وقيلَ: الأيامُ والليالي وبنُو آدمَ. وعن الحسنِ مَا منْ يومٍ إلا ويُنادي إني يومٌ جديدٌ وإنِّي عَلى ما يعملُ فيَّ شهيدٌ فاغتنمني فَلَوْ غَابَتْ شَمْسِي لَمْ تُدركِني إلى يومِ القيامةِ. وقيلَ: الحفظةُ وبنُو آدمَ، وقيلَ: الأنبـياءُ ومحمدُ عليهم الصلاةُ السلامُ {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ} قيلَ: هوَ جوابُ القسمِ عَلَى حذفِ اللامِ منهُ للطولِ، والأصلُ لقتلَ كَمَا في قولِ مَنْ قالَ: شعر : حَلَفتُ لَها بالله حِلْفَةَ فَاجِر لَنَامُوا فَمَا إنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلاَ صَالِ تفسير : وقيلَ: تقديرُهُ لَقدْ قتلَ وأياً ما كانَ فالجملةُ خبريةٌ والأظهرُ أنَّها دعائيةٌ دالةٌ على الجوابِ كأنَّها قيلَ: أقسمُ بهذهِ الأشياءِ أنهمْ أيْ كفارَ مكةَ ملعونونَ كما لعنَ أصحابُ الأخدودِ لَمَّا أنَّ السورةَ وردتْ لتثبـيتِ المؤمنينِ عَلى ما هُمْ عليه من الإيمانِ وتصبـيرِهم على أذية الكفرةِ وتذكيرهم بما جرى عَلى من تقدمهُم من التعذيبِ على الإيمانِ وصبرُهُم عَلى ذلكَ حَتَّى يأنسوا بِهمْ ويصبُروا على ما كانُوا يلقونَ من قومِهم ويعلُموا أنَّ هؤلاءِ عندَ الله عزَّ وجلَّ بمنزلةِ أولئكِ المُعذِّبـينِ ملعونونَ مثلُهم أحقاءُ بأنْ يقالَ فيهمْ ما قَدْ قيلَ فيهمْ وقُرِىءَ قُتِّلَ بالتشديدِ والأخدودُ الخَدُّ في الأرضِ وهو الشقُّ ونحوهِما بناء ومعنى الحق والأحقوق. رُويَ عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كانَ لبعضِ الملوكِ ساحرٌ فلما كبرَ ضَمَّ إليهِ غلاماً ليعلِّمهُ السحرَ وكانَ في طريقِ الغلامِ راهبٌ فسمعَ منْهُ فرأى في طريقهِ ذاتَ يومٍ دابةً قدْ حبستِ النَّاسَ، قيلَ: كانتِ الدابةُ أسداً فأخذَ حَجَراً فقالَ: اللهمّ إنْ كانَ الراهبُ أحبَّ إليكَ منَ الساحرِ فاقتلْهَا فكانَ الغلامُ بعدَ ذلكَ يبرىءُ الأكمه والأبرصَ ويَشفيَ من الأدواءِ وعمي جليسٌ للمكِ فأبرأَهُ فأبصرَهُ الملكُ فسألهُ منْ ردَّ عليكَ بصركَ؟ فقالَ: ربِّـي فغضبَ فعذَّبه فدلَّ علَى الغلامِ فعذَّبه فدلَّ على الراهبِ فلم يرجعِ الراهبُ عن دينِه فقدَّ بالمنشارِ وأبى الغلامُ فذهبَ بهِ إلى جبلٍ ليطرحَ من ذروته فدعا فرجفَ بالقومِ فطاحُوا ونجَا فذهبَ به إلى قُرْقُورٍ فلججُوا بِه ليغرقُوه فدعا فانكفأتْ بهم السفينةُ فغرقُوا ونجَا فقالَ للملكِ: لستَ بقاتِلي حَتَّى تجمعَ النَّاسَ في صعيدٍ وتصلبني عَلى جذْعٍ وتأخذَ سَهْماً من كنانتي وتقولَ باسمِ الله ربِّ الغُلامِ ثمَّ ترميني بهِ فرماهُ فوقعَ في صُدغِه فوضَعَ يَدَهُ عليهِ وماتَ فقالَ النَّاسُ: آمنَّا بربِّ الغلامِ قيلَ للمكِ: نزلَ بكَ ما كنتَ تحذرُ فأمرَ بأخاديدَ في أفواهِ السككِ وأوقدتْ فيها النيرانُ فمنْ لَمْ يرجعْ منهمْ طرحَهُ فيها حتَّى جاءت امرأةٌ معها صبـيٌّ فتقاعستْ فقالَ الصبـيُّ: يا أماهُ اصبري فإنَّكِ على الحق فاقتحمتْ. وقيلَ: قال لها: قعي ولا تنافقي ما هي إلا غميضةٌ فصبرتْ. قيلَ: أُخرجَ الغلامُ منْ قبرهِ في خلافةِ عمر بْنِ الخطابِ رضيَ الله عنهُ وأصبعُهُ على صُدْغِه كَما وضعها حينَ قتلَ، وعنْ عليَ رضيَ الله عنهُ: أنَّ بعضَ ملوكِ المجوسِ وقعَ عَلىَ أختهِ وهو سكرانُ فلما صحا ندمَ وطلبَ المخرجَ فقالتْ لَهُ: المخرجُ أن تخطبَ بالنَّاسِ فتقولَ: إنَّ الله قدْ أحلَّ نكاحَ الأخواتِ ثمَّ تخطبُهم بعدَ ذلكَ أنَّ الله قد حرَمَهُ فخطبَ فلم يقبلُوا مِنْهُ، فقالتْ لَهُ: ابسطْ فيهمْ السوطَ ففعلَ فلم يقبلُوا، فقالتْ: ابسطْ فيهم السيفَ ففعلَ فلم يقبلُوا، فأمرَ بالأخاديدِ وإيقادِ النارِ وطرحَ منْ أَبَى فيها فهمْ الذينَ أرادهُم الله تعالى بقولِه: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ}. وقيلَ: وقعَ إلى نجرانَ رجلٌ ممنْ كانَ على دينِ عيسى عليه السلامُ فدعاهُم فأجابوُه فسارَ إليهم ذُو نواسٍ اليهوديُّ بجنودٍ من حِمْيرٍ فخيرهُمْ بـينَ النارِ واليهوديةِ فأبوَا فأحرقَ منهمْ اثني عشرَ ألفاً في الأخاديدِ وقيلَ: سبعينَ ألفاً وذكرَ أنَّ طولَ الأخدودِ أربعونَ ذراعاً وعرضَهُ اثنا عشرَ ذِراعاً.

السلمي

تفسير : قال سهل رحمه الله: الشاهد الملائكة، والمشهود الإنسان وقال: الشاهد نفس الروح، والمشهود نفس الطبع. وقال الواسطى رحمه الله: الشاهد هو، والمشهود الكون، لا يقال متى شهدهم، ولا اتخذت لله شهادة، فحيث كانت الربوبية كانت العبودية، وتصريفًا فى الإيجاد والإبقاء، والإفتاء لهم يحدث لله فى شواهدهم مشاهدة، ولم تحدث له فى أحداث الخلق أحداث، لأنه لا فصل، ولا وصل، والموجود معدوم، والمعدوم موجود، لم يحضرهم آباد وقته، وأحضرهم أحداث أوقاتهم، ولما ثبت المشهود بالشاهد وجب أنه لم يكن عنده مفقودًا أبدًا، ويستحيل أن يكون البارى مفقودًا. قال ابن عطاء: فى قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} قال: هو الذى يشهد له بأحواله على أحواله لما كان الحق تولاها فى أزليته قبل أن خلقها ويسرها بتقديره حتى أخرجها إلى الكون بتدبيره كذلك فى صفاته، وأحواله. قال فارس: كلاهما عائد عليه أى - هو الناظر والمنظور وهو الشاهد لخلقه، والمشاهد لهم بوجود الإيمان وحقائقه. وقال الواسطى رحمه الله: الشاهد والمشهود أنت كما يقال متى شهد، ولا تحدث لله شهادة. وقال الخلق مشهودون بما شاهدتم به فى الأزل وبظهورهن ظهر عليهم. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: سمعت ابن عطاء يقول: هو الذى شهد له بأحواله على أحواله. وقال: الشاهد الحق والمشهود الكون أعدمهم ثم أوجدهم على قوله: {أية : وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} تفسير : [المؤمنون: 17]. قال ابن عطاء: هو الذى يشهد بأحواله على أحواله لما كان تولاها فى أزليته قبل أن خلقها ويسرها بتقديره حتى أخرجها إلى الكون بتدبيره كذلك فى صفاتها وأحوالها فى العرصة والقيامة فيسوقها إلى محشرها كما ساقها فى الأزل والأبد دون غيره فأنطق من شاء فى نيسيره فى الدارين وأخرس من شاء عما شاء بتدبيره فما مضى فى الأزل أجرى فى الأبد، وما أجرى فى الأبد هو ما أمضى فى الأزل عباده والحقيقة لا يقارنها شىء ولا يثبت بإزائها شىء. وقال الحسين فى قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} قال: الشاهد العبد، والمشهود عليه أفعاله. وقيل: الشاهد: أفعال العبد، والمشهود عليه: العبد. وقيل فى قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} أن الخلق مشهودون لما شهدهم به قبل خلقهم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ}. أراد البروج الاثني عشر. {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ}. يوم القيامة. وجوابُ القَسَم قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}. قوله جلّ ذكره: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}. يقال: الشاهدُ اللَّهُ، والمشهودُ الخَلْقُ. ويقال: الشاهدُ الخَلْقُ، والمشهودُ اللَّهُ؛ يشهدونه اليومَ بقلوبهم، وغداً بأبصارهم. ويقال: الشاهدُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم، والمشهودُ القيامة، قال تعالى: {أية : وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 41]، وقال في القيامة: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ}تفسير : [هود: 103]. وقيل: الشاهد يومُ الجمعة، والمشهود يومُ عَرَفة. ويقال: الشاهدُ المَلَكُ الذي يكتب العمل، والشاهدُ الإنسانُ يشهد على نفسه، وأعضاؤه تشهد عليه؛ فهو شاهد وهو مشهود. ويقال: الشاهدُ يومُ القيامة، والمشهودُ الناس. ويقال: المشهودُ هم الأمة لأنه صلى الله عليه وسلم يشهد لهم وعليهم. ويقال: الشاهدُ هذه الأمة، والمشهودُ سائر الامم. ويقال: الشاهدُ الحجرُ الأسود لأنَّ فيه كتابَ العهد. ويقال: الشاهدُ جميعُ الخَلْق؛ يشهدون لله بالوحدانية، والمشهود الله. ويقال: الشاهدُ الله؛ شهد لنفسه بالوحدانية، والمشهودُ هو لأنه شهد لنفسه.

البقلي

تفسير : {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} السماء ذات البروج سماء قلوب العارفين ذات الابراج من العلوم والحكم والحقائق تسرى فيها الارواح والعقول لوجد ان انوار وجود الحق ولتربية عجائب الخلق والخلق {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ} يوم اللقاء والكشف {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} الشاهد هو المشهود وهو يرى نفسه بنفسه اذ لا يراه احد بالحقيقة وايضا الشاهد هو اذا تجلى بتجلى الجمال والحسن والمشهود كله مستحسن جميل بجماله وايضا الشاهد هو المشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف وايضا الشاهد قلوب المحبين ومشهود لقائه هو شاهدهم وهم مشهودهم هو شاهد العارف والعارف شاهده قال الواسطى الشاهد هو المشهود الكون لا يقال متى شهدهم ولا يحدث لله شهادة فحيث كانت الربوبية كانت العبودية لانه شهدهم قبل خلقهم علما وقدرة ورؤية وتصريف الى الايجاد والابقاء والافناء لم يحدث له فى احداث الخلق احداث لانه لا فصل ولا وصل والوجود معدوم المعدوم موجود لم يخض اباد وقته واحضرهم احداث اوقاته ولما ثبت الشهود بالمشاهدة وجب انه لم يكن عنده مفقود ابدا ويستحيل ان يكون البارى مفقود قال الفارس كلاهما عابد عليه هو الناظر علامة انه ما انفصل الكون عن المكون ولاقاربه سهل الشاهد نفس الروح والمشهود نفس الطبع وقد وقعت الى نكتة فى التوحيد انه تعالى لم يزل شاهدا فلو ثبت مشهود غير نفسه من الحدثان فاذا تقول بقدم الحادث والعلم بوجود المحدثات على الحقيقة كان مشهود الحق اذا كان فى علمه علم كينونية المكونات وكيفية وجودها فاذاً وجودها وعدمها سواء فى شهود الحق.

اسماعيل حقي

تفسير : {والسماء} كل جرم علوى فهو سماء فدخل فيه العرش {ذات البروج} جمع برج بمعنى القصر بالفارسية كوشك. والمراد البروج الاثنا عشر التى فى الفلك الاعلى فالمراد بالسماء فلك الافلاك قال سعدى المفتى لكن المعهود فى لسان الشرع اطلاق العرش عليه دون السماء ويجوز أن يراد الفلك الاقرب الينا فالآية كقوله تعالى {أية : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح}تفسير : انتهى وجوابه ما أشرنا اليه فى عنوان السماء ثم انها شبهت بروج السماء بالقصور التى تنزل فيها الاكابر والاشراف لانها منازل السيارات ومقر الثوابت قال الامام السهيلى رحمه الله اسماء البروج الحمل وبه يبدأ لان استدارة الافلاك كان مبدأها من برج الحمل فيما ذكروا وفى شهر هذا البرج نيسان حيث تم العشرون منه كان مولد النبى عليه السلام وكان مولده عند طلوع الغفر وهو بفتح الغين المعجمة وسكون الفاء منزل للقمر ثلاثة أنجم صغار والغفر يطلع فى ظاهر الشهر اول الليل لان وقته النطح وهو الشرطان بالمعجمة وبفتحتين وهما نجمان من الحمل هما قرناه والى جنب الجنوبى منهما وفى القاموس والى جانب الشمالى منهما كوكب صغير ومنهم من يعده معهما فيقول هذا المنزل ثلاثة كواكب ويسميها الاشراط والى الحمل أيضا يضاف البطين وهو كزبير منزل للقمر ثلاثة كواكب صغار كأنها اثا فى وهو بطن الحمل وبعد الحمل الثور ثم الجوزآء ويقال لها النسر والجبار والتوأمان قال فى القاموس التوأم منزل للجوزآء انتهى وهامة الجوزآء الهقعة وهى ثلاثة كواكب فوق منكبى الجوزآء كمالا نافى اذا طلعت مع الفجر اشتد حر الصيف ثم السرطان المهملة ثم الأسد ثم السنبلة ثم الميزان ثم العقرب وبين الزبانيين من العقرب وهما قرناها وكوكبان نيران فى قرنى العقرب كما فى القاموس وبين وركى الأسد ورجليه وهما السماك ككتاب يطلع الغفر الذى به مولد الانبياءعليهم السلام وفيه قالوا شعر : خير المنازل فى الأبد بين الزبانى والأسد. تفسير : لانه يليه من الأسد ذنبه ولا ضرر فيه ومن العقرب زبانياها ولا ضرر فيهما وانما تضر بذنبها اذا شالته اى رفعته وهو الشولة فى المنازل اى ما تشول العقرب من ذنبها وكوكبان نيران ينزلهما القمر يقال لهما حمة العقرب ثم القوس ثم الجدى ثم الدلو ثم رشا الدلو وهو منزل للقمر وهو الحوت يحسب فى البروج وفى المنازل وجعل الله الشهور على عدد هذه البروج فقال تعالى {أية : ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا}تفسير : قال فى كشف الاسرار واين برجها برجهار فصل است يك فصل از ان وقت بهار است سه ماه وآفتاب اندرين سه ماه در حمل وثور وجوزا باشد وفصل دوم روزكار صيف است تابستان كرم سه ماه وآفتاب اندرين سه ماه درسرطان واسد وسنبله باشد وفصل سوم روزكار خريف است سه ماه وآفتاب اندرين سه ماه در ميزان وعقرب وقوس باشد وفصل جهارم روزكار زمستانست سه ماه وآفتاب اندرين سه ماه درجدى ودلو وحوت باشد وهر فصلى راطبعى ديكرست وكردش اوديكر. يقول الفقير أيده الله القدير الفصل الربيعى عبارة عن ثلاثة اشهر يعبر عن اولها بأذار وعن الثانى بنيسان وعن الثالث بأيار فاذا مضت سبع عشرة ليلة من الشهر الاول استوى الليل والنهار بأن يكون كل منهما ثنتى عشرة ساعة ثم يأخذ النهار من الليل كل يوم شعيرة حتى اذا مضت سبعة عشر يوما من حزيران وهو اول فصل الصيف وبعده تموز ثم اغستوس يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ويكون اليوم اطول الايام كما ان الليلة تكون أقصر الليالى ثم يأخذ الليل من النهار على عكس ما سبق فينتقص من النهار كل يوم شعيرة حتى اذا مضت سبعة عشر يوما من ايلول وهو اول فصل الخريف وبعده تشرين الاول الذى هو اوسط الخريف ثم تشرين الثانى الذى هو آخره استوى الليل والنهار ايضا ثم يتزايد الليل كل يوم شعيرة حتى اذا كان سبعة عشرة يوما من كانون الاول وهو أول فصل الشتاء وبعده كانون الثانى ثم شباط ينتهى طول الليل بان يكون خمس عشرة ساعة وقصر النهار بأن يكون تسع ساعات فهذا الحساب يعود ويدور أبدا الى ساعة القيام فالله تعالى يولج الليل فى النهار اى يدخله فيه بأن ينقص من ساعات الليل ويزيد فى ساعات النهار وذلك اذا مضى من كانون الاول سبعة عشر يوما الى ان يمضى من حزيران هذا العدد وذلك ستة اشهر وهى كانون الاول وكانون الثانىوشباط وأذار ونيسان وأيار ويولج النهار فى الليل اى يدخله فيه بأن ينقص من ساعات النهار ويزيد فى ساعات الليل وذلك ستة اشهر أيضا وهى حزيران وتموز واغستوس وايلول وتشرين الاول وتشرين الثانى وهذا كله بتقدير العزيز العليم واداراته الاجزام العلوية على نهج مستقيم ويقال المراد بالبروج هى النجوم التى هى منزل القمر وهى ثمانية وعشرون نجما ينزل القمر كل ليلة فى واحد منها لا يتخطاها ولا يتقصر عنها واذا صار القمر الى آخر منازله دق واستقوس ويستتر ليلتين ان كان الشهر ثلاثين يوما وان كان تسعة وعشرين فليلة واحدة واطلاق البروج على هذه النجوم مبنى على تشبهها بالقصور من حيث ان القمر ينزل فيها ولظهورها ايضا بالنسبة الى بعض الناس كالعرب لان البرج ينبئ عن الظهور مع الاشتمال على المحاسن يقال تبرجت المرأة اى تشبهت بالبرج فى اظهار المحاسن واما البروج الاثنا عشر فليس لها ظهور حيث لا تدرك حسا والبروج الاثناعشر منقسمة الى هذه المنازل الثمانية والعشرين والشمس تسير فى تمام هذه البروج الاثنى عشر فى كل سنة والقمر فى كل شهر وقد تعلقت بها منافع ومصالح للعباد فاقسم الله تعالى بها اظهارا لقدرها وشرفها وفيه اشارة الى الروح الانسانى ذات المقامات فى الترقى والدرجات.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والسماءِ ذات البروج} الأثني عشر، وهي الحَمَل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شُبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عُظْم الكواكب، سُميت بروجاً لظهورها، من: التبرُّج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإنَّ النوازل تخرج منها، {واليومِ الموعودِ} أي: يوم القيامة. {وشاهدٍ ومشهودٍ} أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: مَن يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أُريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيُقَدّر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم؛ لأنه يشهدون عليهم كما تقدّم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: { أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } تفسير : [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: { أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ }تفسير : [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " حديث : لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد "تفسير : أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمَن قَبّله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأنَّ يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله عليّ رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " حديث : ما من يوم إلاَّ وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يُفعل بي شهيد، فاغتنمني "تفسير : وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: شعر : مضى أمْسُـك الماضي شهيداً معدّلاً وخُلّفتَ في يوم عليك شهيدُ فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فَثَنهْ بإحسانٍ وأنت حميدُ ولا تُرْج فعْل الخير يوماً إلى غدٍ لعل غداً يأتي وأنت فقيدُ فيومُك إن أتعبتَه نفعه غدا عليك وماضي العَيْش ليس يعودُ تفسير : وجواب القسم إمّا محذوف يدلّ عليه: {قُتل...} الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أنّ كفار قريش ملعونون كما لُعن {أصحابُ الأخدود} أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قُتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على مَن تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أنَّ هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. رُوي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : كان لبعض الملوك ساحر، فلمّا كبر، قال للملك: قد كبرتُ فابعث إليّ غلاماً أعلّمه السحر، فضمّ إليه غلاماً ليعلّمه، وكان في طريق الغلام راهبٌ، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحرُ، فقال له الراهبُ: إذا خشيت الساحرَ، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيتَ أهلك، فقل: حبسني الساحرُ، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسداً، وقيل: ثُعباناً، فأخذ حجراً، وقال: اللهم إن كان الراهب أحبّ إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلَّم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يُبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملكُ فأبراه، وأبصره الملكُ، فقال: مَن ردَّ عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذّبه، فدلّ على الغلام، فعذّبه، فدلّ على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقدّ بالمنشار، وأبى الغلامُ، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قُرْقُورة ـ وهي السفينة ـ فلجَجوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأتْ بهم السفينةُ، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لستَ بقاتلي حتى تجمع الناسَ في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، وتقول: بسم الله ربّ الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا بربّ الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخدّ أخدوداً، فملأها ناراً، فمَن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبيٌّ، فتقاعست، فقال الصبيّ: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلاّ غميضةتفسير : . والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأُصْبعه على صُدْغِه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. هـ. وقوله تعالى: {النارِ}؛ بدل اشتمال من " الأخدود" فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و {ذات الوقود} وصَفٌ لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، {إِذ هم عليها قعودٌ}؛ ظرف لقُتل، أي: لُعنوا حين حرّقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين} من الإحراق {شُهودٌ} يشهد بعضهم لبعض عند الملك أنَّ أحداً منهم لم يُقَصِّر فيما أمر به، وفوّض إليه من التعذيب، أو:: إنهم {شهود} يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتُهم، وقيل: "على" بمعنى "مع" أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يَرقّون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد رُوي أنَّ الجبابرة لمّا ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجّا اللهُ المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيعُ بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: {ولهم عذاب الحريق}. {وما نَقَمُوا منهم} أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم ـ بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم {إِلاَّ أن يؤمنوا بالله} وهذا كقول الشاعر: شعر : ولا عَيْبَ فيهم غير أنَّ سيوفهم بهن فُلولٌ من قِرَاع الكتائبِ تفسير : وكقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ }تفسير : [الحج:40] وعبّر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلاَّ أن آمنوا، مع أنَّ القصة قد وقعت، لإفادة أنَّ التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: {العزيزِ الحميدِ}، ذكر الأوصاف الذي يستحقّ بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزاً غالباً قادراً، يُخشى عقابه، حميداً منعماً، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أنَّ وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيمٌ، له جلالة، وأنَّ مَن رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلاً مبالغاً في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يُقادر قدره. {الذي له ملك السمواتِ والأرض} فكل مَن فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، {واللهُ على كل شيءٍ شهيدٌ} وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى عَلِمَ بما فعلوا وسيجازيهم عليه. {إِنَّ الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إمّا أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإمّا الذين بَلوْهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولاً أولياً. قال ابن عطية: الأشبه أنَّ المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يُعَذَّبون مَن أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: {ثم لم يتوبوا} لأنه رُوي: أنّ أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأمّا قريش فكان منهم مَن تاب بعد نزول الآية. هـ. مختصراً. {فلهم عذابُ جهنَّمَ} في الآخرة لكفرهم، {ولهم عذابُ الحريق} في الدنيا لِما تقدّم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر "إن" ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضَرَرَ في نسخة بـ"إنَّ" وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقِّبه إليها، مَن أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكُّل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكوِّن، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عياناً، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضاً: الشاهد هو، إذا تجلّى بتجلِّي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهَدَها بنعت الكشف، وأيضاً: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. هـ. قُتل أصحابُ الأخدود، وهم الصادُّون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذِّبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلاّ طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إنّ الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البُعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}.

الطوسي

تفسير : قوله: {والسماء ذات البروج} قسم من الله تعالى بالسماء، ومنهم من قال تقديره برب السماء. وقد بينا ما فى ذلك فى غير موضع. ثم وصف السماء بأنها ذات البروج. فالبروج المنازل العالية. والمراد - ها هنا - منازل الشمس والقمر - في قول المفسرين - ومثل ذلك قوله {أية : ولو كنتم في بروج مشيدة}تفسير : أى فى منازل عالية. وقيل: السماء اثنى عشر برجاً يسير القمر فى كل برج منها يومين وثلثاً، فذلك ثمانية وعشرون منزلا. ثم يستتر ليلتين، ومسير الشمس فى كل برج منها شهر. وقيل: البروج النجوم التي هي منازل الشمس والقمر. وقوله {واليوم الموعود} قسم آخر بهذا اليوم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه اليوم الذى يجازى فيه ويفصل فيه القضاء، وهو يوم القيامة - وهو قول الحسن وقتادة وابن زيذ -. قوله {وشاهد ومشهود} قسم آخر بالشاهد والمشهود، فالشاهد النبي صلى الله عليه وآله والمشهود يوم القيامة - في قول الحسن بن علي عليه السلام وتلا قوله {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : وقال {أية : ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود}،تفسير : وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، وفي رواية اخرى عن ابن عباس إن الشاهد هو الله، والمشهود يوم القيامة. وقال قتادة: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وقال الجبائي: الشاهد هم الذين يشهدون على الخلائق، والمشهود هم الذين يشهدون عليهم، قال: ويجوز أن يكون المراد المدركين والمدركات. وجواب القسم محذوف، وتقديره الأمر حق فى الجزاء على الاعمال. وقيل الجواب قوله {قتل أصحاب الأخدود} وقال الأخفش: يجوز أن يكون على التقديم والتأخير، وتقديره {قتل أصحاب الأخدود.. والسماء ذات البروج} وقوله {قتل أصحاب الأخدود} معناه لعن. وقيل لعنوا بتحريقهم فى الدنيا قبل الآخرة. وقال الجبائي: يحتمل أن يكون المعنى بذلك القاتلين، ويحتمل أن يكون المقتولين، فاذا حمل على القاتلين، فمعناه لعنوا بما فعلوه من قتل المؤمنين وإن حمل على المقتولين، فالمعنى انهم قتلوا بالاحراق بالنار. وذكر الله هؤلاء. المؤمنين بحسن بصيرتهم فى الصبر على دينهم حتى أحرقوا بالنار، لا يعطون التقية بالرجوع عن الايمان. والاخدود هو الشق العظيم في الارض، ومنه ما روي في معجزة النبي صلى الله عليه وآله أن الشجرة دعاها النبي صلى الله عليه وآله فجعلت تخد الأرض خداً، حتى اتته. ومنه الخد لمجاري الدموع. والمخدة لوضع الخد عليها، وتخدد لحمه إذا صار فيه طرائق كالشقوق. وقوله {النار ذات الوقود} فجرّ النار على البدل من الاخدود، وهو بدل الاشتمال، ووصفها بأنها ذات الوقود، فالوقود - بفتح الواو - ما يشعل من الحطب وغيره - وبضم الواو - الايقاد. وإنما وصفها بأنها ذات الوقود مع ان كل نار ذات وقود لامرين: أحدهما - انه قد يكون نار ليست ذات وقود كنار الحجر ونار الكبد. والثاني - انه أراد بذلك وقوداً مخصوصاً، لانه معروف، فكأنه أراد الوقود بأبدان الناس، كما قال {أية : وقودها الناس والحجارة} تفسير : وقوله {إذ هم عليها قعود} أي حين هم قعود عليها أي بالقرب منها، وقال الربيع بن أنس: الكفار الذين كانوا قعوداً على النار خرج لسان منها فأحرقهم عن آخرهم. وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام (أنهم كانوا من المجوس) وقال الضحاك: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: كانوا من اليمين. ومعناه هم عليها قعود حين كان أولئك الكفار قعوداً عند النار. والقعود جمع قاعد كقولك: شاهد وشهود، وراكع وركوع، والقعود أيضاً مصدر قعد يقعد قعوداً. وقوله {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود} أي حضور على مشاهدتهم لهم، فكل حاضر على ما شاهده إما بسمع أو بصر، فهو شاهد. والمشاهد هو المدرك بحاسة. وقوله {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} معناه انه لم ينقم هؤلاء الكفار من أولئك المؤمنين الذين أحرقوهم بالنار إلا لايمانهم بالله تعالى القاهر الذى لا يُقهر {الحميد} فى جميع أفعاله، فالنقمة ايجاب مضرة على حال مذمومة. ونقيض النقمة النعمة، فهؤلاء الجهال نقموا حال الايمان، لانهم جعلوها بجهلهم حالا مذمومة قال الشاعر: شعر : ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا تفسير : والداعي لهم إلى ان ينقموا من الايمان الجهل والخلاف، لأن ما سبقوا اليه من الجهل يدعوهم إلى عداوة من خالفهم وسخف آرائهم، وإن ذلك يفسد عليهم ملكهم. ويصرف الوجوه عنهم. وقوله {الذي له ملك السماوات والأرض} صفة {العزيز الحميد} والمعنى إن هؤلاء الكفار نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله تعالى العزيز، ومعناه القاهر الذي لا يغالب الحميد ومعناه المستحق للحمد على جميع أفعاله {الذي له ملك السماوات والأرض} ومعناه له التصرف فى السموات والارض ولا اعتراض لاحد عليه. ثم قال {والله على كل شيء شهيد} أي عالم بجميعه لا يخفى عليه شيء من ذلك. وقوله {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} قال ابن عباس وقتادة والضحاك: حرقوهم بالنار {ثم لم يتوبوا} إنما شرط عدم التوبة، لانهم لو تابوا لما توجه اليهم الوعيد، وإن لم يتوبوا توجه اليهم الوعيد بقوله {فلهم عذاب جهنم} يعني في الآخرة {ولهم عذاب الحريق} في الدنيا - في قول الربيع - قال الفراء: لما خدّدوا للمؤمنين الاخاديد وطرحوا فيها النار وطرحوا فيها المؤمنين أرتفعت النار عليهم، فاحرقتهم فرق الاخاديد ونجا المؤمنون. وقال قوم {إن الذين فتنوا المؤمنين} جواب القسم في أول السورة، وهذا غير صحيح، لان الكلام قد طال وانقطع بالاخبار ما بينها، وقال الزجاج: لهم عذاب بكفرهم، وعذاب باحراقهم المؤمنين.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} الاثنى عشر، او المراد سماء روح الانسان الّتى هى ذات مراتب ودرجاتٍ.

الأعقم

تفسير : {والسماء ذات البروج} قيل: أقسم بالسماء، وقيل: برب السماء، قيل: هي منازل الكواكب والشمس والقمر وهي اثنى عشر برجاً {واليوم الموعود} قيل: يوم القيامة الذي وعد الله به الجزاء {وشاهد ومشهود} قيل: الشاهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمشهود يوم القيامة، وقيل: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، وقيل: الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة، وقيل: الشاهد هو آدم والمشهود القيامة، وقيل: الشاهد عيسى والمشهود أمته، وقيل: محمد وأمته، وقيل: الشاهد الملائكة وأعضاء بني آدم والمشهود بنو آدم، وقيل: الشاهد الحفظة والمشهود بنو آدم {قتل أصحاب الأخدود} قيل: لعن أصحاب البئر وهم الكفار، وقيل: بل هو كفاية عن المؤمنين الذين ألقوا في الأخدود، أي قتلوا ظلماً وأخبر الله أنهم قتلوا بالإحراق، وقيل: قاتلهم وعذبهم، وأصحاب الأخدود قوم من الكفار حفروا حفراً وأوقدوا فيها ناراً، وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعاً وعرضه اثنى عشر ذراعاً، وعرضوا عليه المؤمنين وقالوا: لتتركن دينكم أو لنحرقنكم، فأبوا فألقوا فيها وأحرقوهم، قيل: لما ألقوا في النار نجَّى الله المؤمنين بأن أخذ أرواحهم فلم تمسهم النار فخرجت من الحفرة نار فأحرقت الكفار الذين كانوا {قعود} على النار فقيل: كانوا من المجوس، وعن علي (عليه السلام): "أن نبيّاً من الحبشة بعث إلى قومه فدعاهم فتابعه قوم وخالفه قوم، فخدّ بعض الملوك أخدوداً وأجج فيها ناراً عظيمة وامتحنوا، فأحرق من آمن بالنبي"، وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى (عليه السلام) فدعاهم فأجابوه، فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا، فأحرق منهم اثنى عشر ألفاً في الأخاديد، وقيل: سبعون ألفاً، وقيل: كانوا من المجوس وكان لهم ملك وقع على أخته فأنكروا عليه، فدعا الناس إلى جواز نكاح الأخوات فأبوا فضربهم، فخدّ الأخدود وأضرم فيها النار وعرض ذلك على أهل مملكته فمن امتثل خلا سبيله ومن أبى أحرقه، وقيل: امرأة معها صبي فأبت فقال الطفل: امضي ولا تنافقي، فاقتحمت النار {وما نقموا منهم} ما فعلوا بهم ذلك العذاب {إلاَّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} المستحق للحمد {والله على كل شهيد} أي شاهد.

الهواري

تفسير : تفسير سورة {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج}، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} ذكروا عن ابن عباس قال: ذات النجوم. قال تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} قال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اليوم الموعود يوم القيامة . تفسير : قال تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وَشاهد) يوم الجمعة (وَمشهود) يوم عرفة. قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}. قال الحسن: كان أصحاب الأخدود ثمانين بين رجل وامرأة. فأخذهم المشركون وحفروا لهم أخدوداً في الأرض، ثم أوقدوا لهم ناراً ضخمة، ثم امتحنوهم فجعلوا يقولون للرجل والمرأة منهم: إما أن تترك دينك وإما أن نقذفك في النار. فيقول: ما أنا بتارك ديني لشيء، فيقذف فيها، فيحترق، حتى أتوا على آخرهم. فبقيت امرأة ومعها صبي لها فتهيّبت. فقال لها الصبي: يا أمّاه، امضي ولا تنافقي، فمضت واحترقت. [قال يحيى: كان صغيراً لم يتلكم قبل ذلك] وقال مجاهد: وذلك بنجران. قال تعالى: {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} أي: من تحريقهم إياهم بالنار.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ} الإثني عشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارات ولأنها تظهر وعن ابن عباس ذات النجوم وقيل ذات الكواكب العظام لظهورها وقيل منازل القمر وقيل البروج النوازل على حذف مضاف أي وأبواب السماء ذات النوازل وكم من أمور تنزل من السماء، والتبرج الظهور.

اطفيش

تفسير : الأثنى عشر المعروفة فى فن الفلك المشبهة بالقصور لظهورها ولنزول النجوم فيها كما ينزل الإنسان فى قصره وأصل البرج الظهور كما سميت التى تظهر زينتها متبرجة فالبروج فى الآية استعارة تصريحية ولا مكنية معها أو شبه السماءِ بالمدينة أو سورها ورمز إلى ذلك بذكر لازم المدينة أوالسور وهو البروج فذلك استعارة مكنية وإثبات البروج تخييل باق على أصله أو لفظ البروج استعارة وتلك البروج منازل القمر إذ قسمت إلى ثمانٍ وعشرين منزلة والبروج الاثنا عشر: الحمل وهو الكبش والثور والجوزاءِ والسرطان والأَسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدى والدلو والحوت كل برج ثلاثون درجة والدرجة ستون دقيقة والدقيقة ستون ثانية والثانية ستون ثالثة وكذا إلى العاشرة ولكل برج منزلتان وثلث وأيامه ثلاثون وعشر ساعات ونصف؛ وفلك البروج هو الثامن وعليه الكواكب الثوابت وهو فلك الأفلاك السبعة تحته فلك زحل ثم فلك المشترى ثم فلك القمر ثم فلك الشمس ثم فلك الزهرة ثم فلك عطارد ثم فلك القمر وكل ما كان فوق الشمس فهو أبطأ من الشمس وكل ما تحتها أسرع منها وهى الوسطى فوقها ثلاثة وتحتها ثلاثة وأسرع الكواكب القمر وأسرع سير زحل تسع دقائق فى كل يوم وليلة وأوسطه خمس وأقله أربع ويكون مستقيم السير ثمانية أشهر وثمانية أيام يقطع فى هذه المدة تسع عشرة درجة ويكون راجعاً أربعة أشهر وثمانية وعشرين يوماً، ويقطع فى كل رجوعه سبع درجات يقيم فى برج ثلاثين شهراً وقيل أحداً وثلاثين وأسرع سير المشترى فى اليوم والليلة ثلاث عشرة دقيقة وأوسطه إحدى عشرة دقيقة وأقله تسع ويكون مستقيم السر سبعة اشهر ويومين ويقطع فى استقامته عشر درجات ويسير راجعاً أربعة أشهر يقطع فيها درجتين يقيم فى كل برج سنة وأسرع سير المريخ ثلاث وعشرون دقيقة وأوسطه خمس عشرة دقيقة وأقله عشر دقائق ويكون مستقيم السير أحد عشر شهراً يقطع فيها ثلاث عشرة درجة ثم يسير راجعاً شهرين ونصفاً ويقطع فى رجوعه ثمانى عشرة درجة يقيم فى كل برج خمسة عشر يوماً وأسرع سير الشمس درجة وأربع دقائق وأوسطها تسع عشرة دقيقة وأقله سبع عشرة دقيقة ولا رجوع لها ولا استقامة ويقال رجعت بمعنى انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، وليس ذلك رجوعاً وتقيم فى كل برج شهراً، وأسرع سير الزهرة درجة وأربع دقائق وأوسطه درجة ودقيقتان والأَقل درجة وتكون مستقيمة سنة ونصف سنة وتقطع من الدرج ثلاثاً وسيرها راجعة يومان وتقطع فيه خمس عشرة درجة وتقيم فى كل برج سبعة عشر يوماً مستقيمة وإذا رجعت أقامت فى البرج الذى رجعت إليه خمسة أشهر وإذا ظهرت فى المغرب فهى مستقيمة وإذا ظهرت فى المشرق فراجعة وأسرع سير عطارد درجة وخمس عشرة دقيقة وأوسطه درجة ونصف وربع وأقله درجة ونصف ويستقيم ثمانية أشهر ويقطع فيها ثلاثين درجة وإن كان سيره بطيئاً كان مائة وعشرين درجة ويقيم فى كل برج تسعة أيام، وأسرع سير القمر خمس عشرة درجة أو عشرا ونصفا ويقيم فى كل برج يومين والأَقل إحدى عشرة درجة أو عشرا ونصفا ويقيم فى كل برج يومين وثلثا وعن جابر بن عبدالله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البروج الكواكب أى كلها ولو تفاوت الظهور كما قال مجاهد وقتادة والحسن وعكرمة وعن أبى صالح النجوم العظيمة الضوءِ وقيل البروج أبواب السماءِ لأن النوازل تخرج مع الملائكة كقصور العظماءِ النازلة أوامرهم بها، أو لأنها مبدأ الظهور والأَفلاك غير السماوات وغير العرش والكرسى.

الالوسي

تفسير : أي القصور كما قال ابن عباس وغيره والمراد بها عند جمع البروج الإثنا عشر المعروفة وأصل البرج الأمر الظاهر ثم صار حقيقة للقصر العالي لأنه ظاهر للناظرين ويقال لما ارتفع من سور المدينة برج أيضاً وبروج. والسماء بالمعنى المعروف وإن التحقت بالحقيقة فهي في الأصل استعارة فإنها شبهت بالقصور لعلوها ولأن النجوم نازلة فيها كسكانها فهناك استعارة مصرحة تتبعها مكنية وقيل شبهت السماء بسور المدينة فأثبت لها البروج. وقيل هي منازل القمر وهذا راجع إلى القول الأول لأن البروج منقسمة إلى ثمانية وعشرين منزلاً وقد تقدم الكلام فيها. وقال مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة هي النجوم وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه فيه حديثاً مرفوعاً بلفظ الكواكب بدل النجوم والله تعالى أعلم بصحته. وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن أبـي صالح أنه قال هي النجوم العظام وعليه إنما سميت بروجاً لظهورها وكذا على ما قبله وإن اختلف الظهور ولم يظهر شموله جميع النجوم. وقيل هي أبواب السماء وسميت بذلك لأن النوازل تخرج من الملائكة عليهم السلام منها فجعلت مشبهة بقصور العظماء النازلة أو أمرهم منها أو لأنها لكونها مبدأ للظهور وصفت به مجازاً في الطرف وقيل في النسبة. والبروج الإثنا عشر في الحقيقة على ما ذكره محققو أهل الهيئة معتبرة في الفلك الأعلى المسمى بفلك الأفلاك والفلك الأطلس وزعموا، أنه العرش بلسان الشرع لكنها لما لم تكن ظاهرة حساً دلوا عليها بما سامتها وقت تقسيم الفلك الأعلى من الصور المعروفة كالحمل والثور وغيرهما التي هي في الفلك الثامن المسمى عندهم بفلك الثوابت وبالكرسي في لسان الشرع على ما زعموا فبرج الحمل مثلاً ليس إلا جزءاً من اثني عشر جزءاً من الفلك الأعلى سامتته صورة الحمل من الثوابت وقت التقسيم وبرج الثور ليس إلا جزءاً من ذلك سامتته صورة الثور منها ذلك الوقت أيضاً وهكذا. وإنما قيل وقت التقسيم لأن كل صورة قد خرجت لحركتها وإن كانت بطيئة عما كانت مسامتة له من تلك البروج حتى كاد يسامت الحمل اليوم برج الثور والثور برج الجوزاء وهكذا فعلى هذا وكون المراد بالبروج البروج الإثني عشر أو المنازل قيل المراد بالسماء الفلك الأعلى وقيل الفلك الثامن لظهور الصور الدالة على البروج فيه ولذا يسمى فلك البروج وقيل السماء الدنيا لأنها ترى فيها بظاهر الحس نظير ما قيل في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}تفسير : [الملك: 5] وقيل الجنس الشامل لكل سماء لأن السماوات شفافة فيشارك العليا فيما فيها السفلى لأنه يرى فيها ظاهراً وإذا أريد بالبروج النجوم فقيل المراد بالسماء الفلك الثامن لأنها فيه حقيقة وقيل السماء الدنيا وقيل الجنس على نحو ما مر ولا يراد على ما قيل الفلك الأطلس أعني الفلك الأعلى لأنه كاسمه غير مكوكب وإذا أريد بها الأبواب فقيل المراد بالسماء ما عدا فلك الأفلاك المسمى بلسان الشرع بالعرش فإنه لم يرد أن له أبواباً. هذا وأنت تعلم أن أكثر ما ذكر مبني على كلام أهل الهيئة المتقدمين وهو لا يصح له مستند شرعاً ولا يكاد تسمع فيه إطلاق السماء على العرش أو الكرسي لكن لما سمع بعض الإسلاميين / من الفلاسفة أفلاكاً تسعة وأراد تطبيق ذلك على ما روي في الشرع زعم أن سبعة منها هي السمٰوات السبع والإثنين الباقيين هما الكرسي والعرش ولم يدر أن في الأخبار ما يأبى ذلك وكون الدليل العقلي يقتضيه محل بحث كما لا يخفى ومن رجع إلى كلام أهل الهيئة المحدثين ونظر في أدلتهم على ما قالوه في أمر الأجرام العلوية وكيفية ترتيبها قوي عنده وهن ما ذهب إليه المتقدمون في ذلك، فالذي ينبغي أن يقال البروج هي المنازل للكواكب مطلقاً التي يشاهدها الخواص والعوام وما علينا في أي سماء كانت أو الكواكب أنفسها أينما كانت أو أبواب السماء الواردة في لسان الشرع والأحاديث الصحيحة وهي لكل سماء ولم يثبت للعرش ولا للكرسي منها شيء. ويراد بالسماء جنسها أو السماء الدنيا في غير القول الأخير على ما سمعت فيما تقدم فلا تغفل.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة القصيرة تعرض، حقائق العقيدة، وقواعد التصور الإيماني.. أموراً عظيمة وتشع حولها أضواء قوية بعيدة المدى، وراء المعاني والحقائق المباشرة التي تعبر عنها نصوصها حتى لتكاد كل آية ـ وأحياناً كل كلمة في الآية ـ أن تفتح كوة على عالم مترامي الأطراف من الحقيقة.. والموضوع المباشر الذي تتحدث عنه السورة هو حادث أصحاب الأخدود.. والموضوع هو أن فئة من المؤمنين السابقين على الإسلام ـ قيل إنهم من النصارى الموحدين ـ ابتلوا بأعداء لهم طغاة قساة شريرين، أرادوهم على ترك عقيدتهم والارتداد عن دينهم، فأبوا وتمنعوا بعقيدتهم. فشق الطغاة لهم شقاً في الأرض، وأوقدوا فيه النار، وكبوا فيه جماعة المؤمنين فماتوا حرقاً، على مرأى من الجموع التي حشدها المتسلطون لتشهد مصرع الفئة المؤمنة بهذه الطريقة البشعة، ولكي يتلهى الطغاة بمشهد الحريق. حريق الآدميين المؤمنين: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد}.. تبدأ السورة بقسم: {والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود، قتل أصحاب الأخدود..} فتربط بين السماء وما فيها من بروج هائلة، واليوم الموعود وأحداثه الضخام، والحشود التي تشهده والأحداث المشهودة فيه.. تربط بين هذا كله وبين الحادث ونقمة السماء على أصحابه البغاة. ثم تعرض المشهد المفجع في لمحات خاطفة، تودع المشاعر بشاعة الحادث بدون تفصيل ولا تطويل.. مع التلميح إلى عظمة العقيدة التي تعالت على فتنة الناس مع شدتها، وانتصرت على النار وعلى الحياة ذاتها، وارتفعت إلى الأوج الذي يشرف الإنسان في أجياله جميعاً. والتلميح إلى بشاعة الفعلة، وما يكمن فيها من بغي وشر وتسفل، إلى جانب ذلك الارتفاع والبراءة والتطهر من جانب المؤمنين: {النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود}.. بعد ذلك تجيء التعقيبات المتوالية القصيرة متضمنة تلك الأمور العظيمة في شأن الدعوة والعقيدة والتصور الإيماني الأصيل: إشارة إلى ملك الله في السماوات والأرض وشهادته وحضوره تعالى لكل ما يقع في السماوات والأرض: الله {الذي له ملك السماوات والأرض. والله على كل شيء شهيد}.. وإشارة إلى عذاب جهنم وعذاب الحريق الذي ينتظر الطغاة الفجرة السفلة؛ وإلى نعيم الجنة.. ذلك الفوز الكبير.. الذي ينتظر المؤمنين الذين اختاروا عقيدتهم على الحياة، وارتفعوا على فتنة النار والحريق: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ـ ثم لم يتوبوا ـ فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار. ذلك الفوز الكبير}.. وتلويح ببطش الله الشديد، الذي يبدئ ويعيد: {إن بطش ربك لشديد. إنه هو يبدئ ويعيد}.. وهي حقيقة تتصل اتصالاً مباشراً بالحياة التي أزهقت في الحادث، وتلقي وراء الحادث إشعاعات بعيدة.. وبعد ذلك بعض صفات الله تعالى. وكل صفة منها تعني أمراً.. {وهو الغفور الودود} الغفور للتائبين من الإثم مهما عظم وبشع. الودود لعباده الذين يختارونه على كل شيء. والود هنا هو البلسم المريح لمثل تلك القروح! {ذو العرش المجيد. فعال لما يريد}.. وهي صفات تصور الهيمنة المطلقة، والقدرة المطلقة. والإرادة المطلقة.. وكلها ذات اتصال بالحادث.. كما أنها تطلق وراءه إشعاعات بعيدة الآماد. ثم إشارة سريعة إلى سوابق من أخذه للطغاة، وهم مدججون بالسلاح.. {هل أتاك حديث الجنود. فرعون وثمود؟} وهما مصرعان متنوعان في طبيعتهما وآثارهما. وورءاهما ـ مع حادث الأخدود ـ إشعاعات كثيرة. وفي الختام يقرر شأن الذين كفروا وإحاطة الله بهم وهم لا يشعرون: {بل الذين كفروا في تكذيب. والله من ورائهم محيط}.. ويقرر حقيقة القرآن، وثبات أصله وحياطته: {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ}.. مما يوحي بأن ما يقرره هو القول الفصل والمرجع الأخير، في كل الأمور. هذه لمحات مجملة عن إشعاعات السورة ومجالها الواسع البعيد. تمهد لاستعراض هذه الإشعاعات بالتفصيل: {والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود}.. تبدأ السورة ـ قبل الإشارة إلى حادث الأخدود ـ بهذا القسم: بالسماء ذات البروج، وهي إما أن تكون أجرام النجوم الهائلة وكأنها بروج السماء الضخمة أي قصورها المبنية، كما قال: {أية : والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون}.. تفسير : وكما قال: {أية : أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها}.. تفسير : وإما أن تكون هي المنازل التي تنتقل فيها تلك الأجرام في أثناء دورانها، وهي مجالاتها التي لا تتعداها في جريانها في السماء. والإشارة إليها يوحي بالضخامة. وهو الظل المراد إلقاؤه في هذا الجو. {واليوم الموعود}.. وهو يوم الفصل في أحداث الدنيا، وتصفية حساب الأرض وما كان فيها. وهو الموعود الذي وعد الله بمجيئه، ووعد بالحساب والجزاء فيه؛ وأمهل المتخاصمين والمتقاضين إليه. وهو اليوم العظيم الذي تتطلع إليه الخلائق، وتترقبه لترى كيف تصير الأمور. {وشاهد ومشهود}.. في ذلك اليوم الذي تعرض فيه الأعمال، وتعرض فيه الخلائق، فتصبح كلها مشهودة، ويصبح الجميع شاهدين.. ويعلم كل شيء. ويظهر مكشوفاً لا يستره ساتر عن القلوب والعيون.. وتلتقي السماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود.. تلتقي جميعاً في إلقاء ظلال الاهتمام والاحتفال والاحتشاد والضخامة على الجو الذي يعرض فيه بعد ذلك حادث الأخدود.. كما توحي بالمجال الواسع الشامل الذي يوضع فيه هذا الحادث. وتوزن فيه حقيقته ويصفى فيه حسابه.. وهو أكبر من مجال الأرض، وأبعد من مدى الحياة الدنيا وأجلها المحدود.. وبعد رسم هذا الجو، وفتح هذا المجال، تجيء الإشارة إلى الحادث في لمسات قلائل: {قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. الذي له ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء شهيد}.. وتبدأ الإشارة إلى الحادث بإعلان النقمة على أصحاب الأخدود: {قتل أصحاب الأخدود}.. وهي كلمة تدل على الغضب. غضب الله على الفعلة وفاعليها. كما تدل على شناعة الذنب الذي يثير غضب الحليم، ونقمته، ووعيده بالقتل لفاعليه. ثم يجيء تفسير الأخدود: {النار ذات الوقود} والأخدود: الشق في الأرض. وكان أصحابه قد شقوه وأوقدوا فيه النار حتى ملأوه ناراً، فصارت النار بدلاً في التعبير من الأخدود للإيحاء بتلهب النار فيه كله وتوقدها. قتل أصحاب الأخدود، واستحقوا هذه النقمة وهذا الغضب، في الحالة التي كانوا عليها وهم يرتكبون ذلك الإثم، ويزاولون تلك الجريمة: {إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود}.. وهو تعبير يصور موقفهم ومشهدهم، وهم يوقدون النار، ويلقون بالمؤمنين والمؤمنات فيها وهم قعود على النار، قريبون من عملية التعذيب البشعة، يشاهدون أطوار التعذيب، وفعل النار في الأجسام في لذة وسعار، كأنما يثبتون في حسهم هذا المشهد البشع الشنيع! وما كان للمؤمنين من ذنب عندهم ولا ثأر: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. الذي له ملك السماوات والأرض. والله على كل شيء شهيد}.. فهذه جريمتهم أنهم آمنوا بالله، العزيز: القادر على ما يريد، الحميد: المستحق للحمد في كل حال، والمحمود بذاته ولو لم يحمده الجهال! وهو الحقيق بالإيمان وبالعبودية له. وهو وحده الذي له ملك السماوات والأرض وهو يشهد كل شيء وتتعلق به إرادته تعلق الحضور. ثم هو الشهيد على ما كان من أمر المؤمنين وأصحاب الأخدود.. وهذه لمسة تطمئن قلوب المؤمنين، وتهدد العتاة المتجبرين. فالله كان شهيداً. وكفى بالله شهيداً. وتنتهي رواية الحادث في هذه الآيات القصار، التي تملأ القلب بشحنة من الكراهية لبشاعة الفعلة وفاعليها، كما تستجيش فيه التأمل فيما وراء الحادث ووزنه عند الله وما استحقه من نقمته وغضبه. فهو أمر لم ينته بعد عند هذا الحد، ووراءه في حساب الله ما وراءه. كذلك تنتهي رواية الحادث وقد ملأت القلب بالروعة. روعة الإيمان المستعلي على الفتنة، والعقيدة المنتصرة على الحياة، والانطلاق المتجرد من أوهاق الجسم وجاذبية الأرض. فقد كان مكنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم. ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد! إنه معنى كريم جداً ومعنى كبير جداً هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض. ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار؟ وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب، ولأعدائهم الطاغين حساب.. يعقب به السياق.. {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ـ ثم لم يتوبوا ـ فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار. ذلك الفوز الكبير}.. إن الذي حدث في الأرض وفي الحياة الدنيا ليس خاتمة الحادث وليس نهاية المطاف. فالبقية آتية هناك. والجزاء الذي يضع الأمر في نصابه، ويفصل فيما كان بين المؤمنين والطاغين آت. وهو مقرر مؤكد، وواقع كما يقول عنه الله: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات}.. ومضوا في ضلالتهم سادرين، لم يندموا على ما فعلوا {ثم لم يتوبوا}.. {فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق}.. وينص على {الحريق}.. وهو مفهوم من عذاب جهنم. ولكنه ينطق به وينص عليه ليكون مقابلاً للحريق في الأخدود. وبنفس اللفظ الذي يدل على الحدث. ولكن أين حريق من حريق؟ في شدته أو في مدته! وحريق الدنيا بنار يوقدها الخلق. وحريق الآخرة بنار يوقدها الخالق! وحريق الدنيا لحظات وتنتهي، وحريق الاخرة آباد لا يعلمها إلا الله! ومع حريق الدنيا رضى الله عن المؤمنين وانتصار لذلك المعنى الإنساني الكريم. ومع حريق الآخرة غضب الله، والارتكاس الهابط الذميم! ويتمثل رضى الله وإنعامه على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار}.. وهذه هي النجاة الحقيقية: {ذلك الفوز الكبير}.. والفوز: النجاة والنجاح. والنجاة من عذاب الآخرة فوز. فكيف بالجنات تجري من تحتها الأنهار؟ بهذه الخاتمة يستقر الأمر في نصابه. وهي الخاتمة الحقيقية للموقف. فلم يكن ما وقع منه في الأرض إلا طرفاً من أطرافه، لا يتم به تمامه.. وهذه هي الحقيقة التي يهدف إليها هذا التعقيب الأول على الحادث لتستقر في قلوب القلة المؤمنة في مكة، وفي قلوب كل فئة مؤمنة تتعرض للفتنة على مدار القرون. ثم تتوالى التعقيبات.. {إن بطش ربك لشديد}.. وإظهار حقيقة البطش وشدته في هذا الموضع هو الذي يناسب ما مر في الحادث من مظهر البطش الصغير الهزيل الذي يحسبه أصحابه ويحسبه الناس في الأرض كبيراً شديداً. فالبطش الشديد هو بطش الجبار. الذي له ملك السماوات والأرض. لا بطش الضعاف المهازيل الذين يتسلطون على رقعة من الأرض محدودة، في رقعة من الزمان محدودة.. ويظهر التعبير العلاقة بين المخاطب ـ وهو الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقائل وهو الله عز وجل. وهو يقول له: {إن بطش ربك..} ربك الذي تنتسب إلى ربوبيته، وسندك الذي تركن إلى معونته.. ولهذه النسبة قيمتها في هذا المجال الذي يبطش فيه الفجار بالمؤمنين! {إنه هو يبدئ ويعيد}.. والبدء والإعادة وإن اتجه معناهما الكلي إلى النشأة الأولى والنشأة الآخرة.. إلا أنهما حدثان دائبان في كل لحظة من ليل أو نهار. ففي كل لحظة بدء وإنشاء، وفي كل لحظة إعادة لما بلي ومات. والكون كله في تجدد مستمر.. وفي بلى مستمر.. وفي ظل هذه الحركة الدائبة الشاملة من البدء والإعادة يبدو حادث الأخدود ونتائجه الظاهرة مسألة عابرة في واقع الأمر وحقيقة التقدير. فهو بدء لإعادة. أو إعادة لبدء. في هذه الحركة الدائبة الدائرة.. {وهو الغفور الودود}.. والمغفرة تتصل بقوله من قبل: {ثم لم يتوبوا}.. فهي من الرحمة والفضل الفائض بلا حدود ولا قيود. وهي الباب المفتوح الذي لا يغلق في وجه عائد تائب. ولو عظم الذنب وكبرت المعصية.. أما الود.. فيتصل بموقف المؤمنين، الذين اختاروا ربهم على كل شيء. وهو الإيناس اللطيف الحلو الكريم. حين يرفع الله عباده الذين يؤثرونه ويحبونه إلى مرتبة، يتحرج القلم من وصفها لولا أن فضل الله يجود بها.. مرتبة الصداقة.. الصداقة بين الرب والعبد.. ودرجة الود من الله لأودائه وأحبائه المقربين.. فماذا تكون الحياة التي ضحوا بها وهي ذاهبة. وماذا يكون العذاب الذي احتملوه وهو موقوت؟ ماذا يكون هذا إلى جانب قطرة من هذا الود الحلو. وإلى جانب لمحة من هذا الإيناس الحبيب؟ إن عبيداً من رقيق هذه الأرض. عبيد الواحد من البشر، ليلقون بأنفسهم إلى التهلكة لكلمة تشجيع تصدر من فمه، أو لمحة رضاء تبدو في وجهه.. وهو عبد وهم عبيد.. فكيف بعباد الله. الذين يؤنسهم الله بوده الكريم الجليل، الله {ذو العرش المجيد} العالي المهيمن الماجد الكريم؟ ألا هانت الحياة. وهان الألم. وهان العذاب. وهان كل غال عزيز، في سبيل لمحة رضى يجود بها المولى الودود ذو العرش المجيد.. {فعال لما يريد}.. هذه صفته الكثيرة التحقق، الدائبة العمل.. فعال لما يريد.. فهو مطلق الإرادة، يختار ما يشاء؛ ويفعل ما يريده ويختاره، دائماً أبداً، فتلك صفته سبحانه. يريد مرة أن ينتصر المؤمنون به في هذه الأرض لحكمة يريدها. ويريد مرة أن ينتصر الإيمان على الفتنة وتذهب الأجسام الفانية لحكمة يريدها.. يريد مرة أن يأخذ الجبارين في الأرض. ويريد مرة أن يمهلهم لليوم الموعود.. لحكمة تتحقق هنا وتتحقق هناك، في قدره المرسوم.. فهذا طرف من فعله لما يريد. يناسب الحادث ويناسب ما سيأتي من حديث فرعون وثمود. وتبقى حقيقة الإرادة الطليقة والقدرة المطلقة وراء الأحداث ووراء الحياة والكون تفعل فعلها في الوجود. فعال لما يريد.. وهاك نموذجاً من فعله لما يريد: {هل أتاك حديث الجنود: فرعون وثمود؟}. وهي إشارة إلى قصتين طويلتين، ارتكاناً إلى المعلوم من أمرهما للمخاطبين، بعدما ورد ذكرهما كثيراً في القرآن الكريم. ويسميهم الجنود. إشارة إلى قوتهم واستعدادهم.. هل أتاك حديثهم؟ وكيف فعل ربك بهم ما يريد؟ وهما حديثان مختلفان في طبعتهما وفي نتائجهما.. فأما حديث فرعون، فقد أهلكه الله وجنده ونجى بني إسرائيل، ومكن لهم في الأرض فترة، ليحقق بهم قدراً من قدره، وإرادة من إرادته. وأما حديث ثمود فقد أهلكهم الله عن بكرة أبيهم وأنجى صالحاً والقلة معه حيث لم يكن بعد ذلك ملك ولا تمكين. إنما هي مجرد النجاة من القوم الفاسقين. وهما نموذجان لفعل الإرادة، وتوجه المشيئة. وصورتان من صور الدعوة إلى الله واحتمالاتها المتوقعة، إلى جانب الاحتمال الثالث الذي وقع في حادث الأخدود.. وكلها يعرضها القرآن للقلة المؤمنة في مكة، ولكل جيل من أجيال المؤمنين.. وفي الختام يجيء إيقاعان قويان جازمان. في كل منهما تقرير، وكلمة فصل وحكم أخير: {بل الذين كفروا في تكذيب، والله من ورائهم محيط}.. فشأن الكفار وحقيقة حالهم أنهم في تكذيب يمسون به ويصبحون. {والله من ورائهم محيط}.. وهم غافلون عما يحيط بهم من قهر الله وعلمه. فهم أضعف من الفيران المحصورة في الطوفان العميم! {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ}.. والمجيد الرفيع الكريم العريق.. وهل أمجد وأرفع وأعرق من قول الله العظيم؟ وهو في لوح محفوظ. لا ندرك نحن طبيعته، لأنه من أمر الغيب الذي تفرد الله بعلمه. إنما ننتفع نحن بالظل الذي يلقيه التعبير، والإيحاء الذي يتركه في القلوب. وهو أن هذا القرآن مصون ثابت، قوله هو المرجع الأخير، في كل ما يتناوله من الأمور. يذهب كل قول، وقوله هو المرعي المحفوظ.. ولقد قال القرآن قوله في حادث الأخدود، وفي الحقيقة التي وراءه.. وهو القول الأخير..

ابن عاشور

تفسير : في افتتاح السورة بهذا القسم تشويق إلى ما يرد بعده وإشعار بأهمية المقسم عليه، وهو مع ذلك يَلفت ألبابَ السّامعين إلى الأمور المقسم بها، لأن بعضها من دلائل عظيم القدرة الإِلٰهية المقتضية تفرد الله تعالى بالإِلٰهية وإبطالَ الشريك، وبعضها مذكِّر بيوم البعث الموعود، ورمز إلى تحقيق وقوعه، إذ القسم لا يكون إلا بشيء ثابت الوقوع وبعضها بما فيه من الإِبهام يوجِّه أنفُس السامعين إلى تطلب بيانه. ومناسبةُ القسم لما أقسم عليه أن المقسم عليه تضمن العبرة بقصة أصحاب الأخدود ولما كانت الأخاديد خُطوطاً مجعولة في الأرض مستَعِرَة بالنار أقسم على ما تضمنها بالسماء بقيد صفة من صفاتها التي يلوح فيها للناظرين في نجومها ما سماه العرب بروجاً وهي تشبه دارات متلألئة بأنوار النجوم اللامعة الشبيهة بتلهب النار. والقسم بالسماء بوصف ذات البروج يتضمن قسماً بالأمرين معاً لتلتفت أفكارُ المتدبرين إلى ما في هذه المخلوقات وهذه الأحوال من دلالة على عظيم القدرة وسعة العلم الإِلٰهي إذ خلقها على تلك المقادير المضبوطة لينتفع بها الناس في مواقيت الأشهر والفصل. كما قال تعالى في نحو هذا: { أية : ذلك لتعلموا أن اللَّه يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن اللَّه بكل شيء عليم } تفسير : [المائدة: 97]. وأما مناسبة القسم باليوم الموعود فلأنه يوم القيامة باتفاق أهل التأويل لأن الله وعد بوقوعه قال تعالى: { أية : ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون } تفسير : [المعارج: 44] مع ما في القَسم به من إدماج الإِيماء إلى وعيد أصحاب القصة المقسَم على مضمونها، ووعيد أمثالهم المعرَّض بهم. ومناسبة القسم بــــ {شاهد ومشهود} على اختلاف تأويلاته، ستُذكر عند ذكر التأويلات وهي قريبة من مناسبة القَسم باليوم الموعود، ويقابله في المقسم عليه قوله: {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود}. والبروج: تطلق على علامات من قبة الجَو يتراءى للناظر أن الشمس تكون في سمتها مدة شهر من أشهر السنة الشمسية، فالبرج: اسم منقول من اسم البُرج بمعنى القصر لأن الشمس تنزله أو منقول من البرج بمعنى الحصن. والبرج السماوي يتألف من مجمُوعة نجوم قريب بعضها من بعض لا تختلف أبعادها أبداً، وإنما سُمِّي بُرجاً لأن المصطلحين تخيلوا أن الشمس تحلّ فيه مُدّة فهو كالبرج، أي القصر، أو الحصن، ولما وجدوا كل مجموعة منها يُخَال منها شكلٌ لو أحيط بإطار لخط مفروض لأشبَهَ محيطُها محيط صورة تخيلية لبعض الذوات من حيوان أو نبات أو آلات، ميّزوا بعض تلك البروج من بعض بإضافته إلى اسم ما تشبهه تلك الصورة تقريباً فقالوا: برج الثَّور، برج الدلو، برج السنبلة مثلاً. وهذه البروج هي في التّحقيق: سُموت تقابلها الشمس في فلكها مدة شهر كامل من أشهُر السنة الشمسية يوقتون بها الأشهر والفصول بموقع الشمس نهاراً في المكان الذي تطلع فيه نجوم تلك البروج ليلاً، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : تبارك الذي جعل في السماء بروجاً } تفسير : في سورة الفرقان (61). و{شاهد ومشهود} مراد بهما النوع. فالشاهد: الرائي، أو المخبر بحق لإِلزام منكره. والمشهود: المَرئي أو المشهود عليه بحق. وحذف متعلق الوصفين لدلالة الكلام عليه فيجوز أن يكون الشاهد حاضرَ ذلك اليوم الموعود من الملائكة قال تعالى: { أية : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } تفسير : [ق: 21]. ويجوز أن يكون الشاهد الله تعالى ويؤيده قوله: {واللَّه على كل شيء شهيد} أو الرسل والملائكة. والمشهود: الناس المحشورون للحساب وهم أصحاب الأعمال المعرَّضون للحساب لأن العرف في المجامع أن الشاهد فيها: هو السالم من مشقتها وهم النظارة الذين يطَّلِعون على ما يجري في المجمع، وأن المشهود: هو الذي يطَّلعُ الناسُ على ما يجري عليه. ويجوز أن يكون الشاهد: الشاهدين من الملائكة، وهم الحفظة الشاهدون على الأعمال. والمشهود: أصحاب الأعمال. وأن يكون الشاهد الرسل المبلغين للأمم حين يقول الكفار: ما جاءنا من بشير ولا نذير ومحمد صلى الله عليه وسلم يشهد على جميعهم وهو ما في قوله تعالى: { أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } تفسير : [النساء: 41]. وعلى مختلف الوجوه فالمناسبة ظاهرة بين {شاهد ومشهود} وبين ما في المقسم عليه من قوله: {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود}، وقوله: {إذ هم عليها قعود} أي حضور. وروى الترمذي من طريق موسى بن عبيدة إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة »تفسير : . أي فالتقدير: ويومٍ شاهد ويومٍ مشهود. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وغيره من قِبَل حفظه اهــــ. ووصف «يوم» بأنه «شاهد» مجاز عقلي، ومحمل هذا الحديث على أن هذا مما يراد في الآية من وصف {شاهد} ووصف {مشهود} فهو من حَمْل الآية على ما يحتمله اللفظ في حقيقة ومجاز كما تقدم في المقدمة التاسعة. وجواب القسم قيل محذوف لدلالة قوله: {قتل أصحاب الأخدود} عليه والتقدير أنهم ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود. وقيل: تقديره: أن الأمر لحق في الجزاء على الأعمال: أو لتبعثن. وقيل: الجواب مذكور فيما يلي فقال الزجاج: هو { أية : إن بطش ربك لشديد } تفسير : [البروج: 12] (أي والكلام الذي بينهما اعتراض قصد به التوطئة للمقسم عليه وتوكيد التحقيق الذي أفاده القسم بتحقيق ذكر النظير). وقال الفراء: الجواب: {قُتل أصحاب الأخدود} (أي فيكون قُتِلَ خَبَراً لادعاء وَلا شتماً ولا يلزم ذكر (قد) في الجواب مع كون الجواب ماضياً لأن (قد) تحذف بناء على أن حذفها ليس مشروطاً بالضرورة). ويتعين على قول الفراء أن يكون الخبر مستعملاً في لازم معناه من الإِنذار للذين يَفتنون المؤمنين بأن يحلّ بهم ما حلّ بفاتني أصحاب الأخدود، وإلا فإن الخبر عن أصحاب الأخدود لا يحتاج إلى التوكيد بالقسم إذ لا ينكره أحد فهو قصة معلومة للعرب. وانتساق ضمائر جمع الغائب المرفوعة من قوله: {إذ هم عليها قعود} إلى قوله: {وما نقموا} يقتضي أن يكون أصحاب الأخدود وَاضعيه لتعذيب المؤمنين. وقيل: الجواب هو جملة: { أية : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } تفسير : [البروج: 10] فيكون الكلام الذي بينهما اعتراضاً وتوطئة على نحو ما قررناه في كلام الزجاج. وقوله: {قتل أصحاب الأخدود} صيغته تشعر بأنه إنشاء شتم لهم شتم خزي وغضب وهؤلاء لم يُقتلوا ففعل قُتِل ليس بخبر بل شتم نحو قوله تعالى: { أية : قُتل الخرّاصون } تفسير : [الذاريات: 10]. وقولِهم قاتله الله، وصدوره من الله يفيد معنى اللعن ويدل على الوعيد لأن الغضب واللعن يستلزمان العقاب على الفعل الملعون لأجله. وقيل: هو دعاء على أصحاب الأخدود بالقتل كقوله تعالى: { أية : قتل الإنسان ما أكفره } تفسير : [عبس: 17] والقَتل مستعار لأشد العذاب كما يقال: أهلكه الله، أي أوقعه في أشد العناء، وأيَّاً مَّا كان فجملة {قتل أصحاب الأخدود} على هذا معترضة بين القسم وما بعده. ومَن جَعل {قُتِل أصحاب الأخدود} جواب القسم جعل الكلام خبراً وقدَّره لقد قتل أصحاب الأخدود، فيكون المراد من أصحاب الأخدود الذين أُلقوا فيه وعُذبوا به ويكون لفظ أصحاب مستعملاً في معنى مجرد المقارنة والملازمة كقوله تعالى: { أية : يا صاحبي السجن } تفسير : [يوسف: 39] وقد علمتَ آنفاً تَعيُّن تأويل هذا القول بأن الخبر مستعمل في لازم معناه. ولفظ {أصحاب} يُعمّ الآمرين بجعل الأخدود والمباشرين لِحفره وتسعيره، والقائمين على إلقاء المؤمنين فيه. وهذه قصة اختلف الرواة في تعيينها وفي تعيين المراد منها في هذه الآية. والروايات كلها تقتضي أن المفتونين بالأخدود قوم اتبَعوا النصرانية في بلاد اليمن على أكثر الروايات، أو في بلاد الحبشة على بعض الروايات، وذُكرتْ فيها روايات متقاربة تختلف بالإِجمال والتفصيل، والترتيب، والزيادة، والتعيين وأصحّها ما رواه مسلم والترمذي عن صُهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قصَّ هذه القصة على أصحابه. وليس فيما رُوي تصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم ساقها تفسيراً لهذه الآية والترمذي ساق حديثها في تفسير سورة البروج. وعن مقاتل كان الذين اتخذوا الأخاديد في ثلاث من البلاد بنجران، وبالشام، وبفارس، أما الذي بالشام فــــ (انطانيوس) الرومي وأما الذي بفارس فهو (بختنصر) والذي بنجران فيوسف ذو نواس ولنذكر القصة التي أشار إليها القرآن تؤخذ من «سيرة ابن إسحاق» على أنها جرت في نجران من بلاد اليمن، وأنه كان مَلِكٌ وهو ذو نواس له كاهن أو ساحر. وكان للساحر تلميذ اسمه عبد الله بن الثامر وكان يَجِد في طريقه إذا مشى إلى الكاهن صومعة فيها راهب كان يعبد الله على دين عيسى عليه السّلام ويقرأ الإنجيل اسمه (فَيْمِيُون) بفاء، فتحتية، فميم، فتحتية (وضبط في الطبعة الأوروبية من «سيرة ابن إسحاق» ــــ التي يلوح أن أصلها المطبوعة عليه أصل صحيح، بفتح فسكون فكسر فضم) قال السهيلي: ووقع للطبري بقاف عوض الفاء. وقد يحرف فيقال ميمون بميم في أوله وبتحتية واحدة، أصله من غسان من الشام ثم سَاح فاستقر بنجران، وكان منعزلاً عن الناس مختفياً في صومعته وظهرت لعبد الله في قومه كرامات. وكان كلما ظهرت له كرامة دعا من ظهرتْ لهم إلى أن يتبعوا النصرانية، فكثر المتنصرون في نجران وبلغ ذلك المَلكَ ذا نُواس وكان يهودياً وكان أهل نجران مشركين يعبدون نخلة طويلة، فقتل الملك الغلامَ وقَتَل الراهب وأمر بأخاديد وجُمع فيها حَطب وأُشعلت، وعُرض أهل نجران عليها فمن رجع عن التوحيد تركه ومن ثبت على الدين الحق قذفه في النار. فكان أصحاب الأخدود ممن عُذِّب من أهلِ دين المسيحية في بلاد العرب. وقِصص الأخاديد كثيرة في التاريخ، والتعذيب بالحرق طريقة قديمة، ومنها: نار إبراهيم عليه السلام. وأما تحريق عَمرو بن هند مائةً من بني تميم وتلقيبُه بالمحرق فلا أعرف أن ذلك كان باتخاذ أخدود. وقال ابن عطية: رأيت في بعض الكتب أن أصحاب الأخدود هو مُحرق وآله الذي حَرق من بني تميم مائةً. و{الأخدود}: بوزن أُفعول وهو صيغة قليلة الدوران غيرُ مقيسة، ومنها قولهم: أفحوص مشتق من فحصت القطاة والدجاجةُ إذا بحثت في التراب موضعاً تَبيض فيه، وقولُهم أسلوب اسم لطريقة، ولسطر النّخل، وأقنوم اسم لأصل الشيء. وقد يكون هذا الوزن مع هاء تأنيث مثل أكرومة، وأعجوبة، وأُطروحة وأضحوكة. وقوله: {النار} بدل من الأخدود بدلَ اشتمال أو بعضٍ من كل لأن المراد بالأخدود الحفير بما فيه. و{الوقود}: بفتح الواو اسم ما تُوقد به النار من حطب ونفط ونحوه. ومعنى {ذات الوقود}: أنها لا يخمد لهبها لأن لها وقوداً يُلقى فيها كلّما خبت. ويتعلق: {إذ هم عليها قعود} بفعل قُتل، أي لعنوا وغضب الله عليهم حين قعدوا على الأخدود. وضمير {هم} عائد إلى أصحاب الأخدود فإن الملك يحضر تنفيذ أمره ومعه ملأه، أو أريد بهم المأمورون من الملك. فعلى احتمال أنهم أعوان الملك فالقُعود الجلوس كني به عن الملازمة للأخدود لئلا يتهاون الذين يحشون النار بتسعيرها، و(على) للاستعلاء المجازي لأنهم لا يقعدون فوق النار ولكن حولها. وإنما عبر عن القرب والمراقبة بالاستعلاء كقول الأعشى: شعر : وبات على النار الندى والمحلق تفسير : ومثله قوله تعالى: { أية : وجد عليه أمة من الناس يسقون } تفسير : [القصص: 23]، أي عنده. وعلى احتمال أن يكون المراد بـــ {أصحاب الأخدود} المؤمنين المعذَّبين فيه، فالقُعود حقيقة و(على) للاستعلاء الحقيقي، أي قاعدون على النار بأن كانوا يحرقونهم مربوطين بهيئة القعود لأن ذلك أشد تعذيباً وتمثيلاً، أي بعد أن يقعدوهم في الأخاديد يوقدون النار فيها وذلك أروع وأطول تعذيباً. وأعيد ضمير {هم} في قوله: {وهم على ما يفعلون} ليتعيّن أن يكون عائداً إلى بعض أصحاب الأخدود. وضمير {يفعلون} يجوز أن يعود إلى {أصحاب الأخدود}، فمعنى كونهم شهوداً على ما يفعلونه: أن بعضهم يشهد لبعض عند الملك بأن أحداً لم يفرط فيما وكّل به من تحريق المؤمنين، فضمائر الجمع وصيغته موزعة. ويجوز أن يعود الضمير إلى ما تقتضيه دلالة الاقتضاء من تقسيم أصحاب الأخدود إلى أمراء ومأمورين شأن الأعمال العظيمة، فلمّا أخبر عن أصحاب الأخدود بأنهم قعود على النار عُلم أنهم الموكلون بمراقبة العمال. فعُلم أن لهم أتباعاً من سَعَّارين ووزَعَة فهم معاد ضمير يفعلون. وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون شهود جمع شاهد بمعنى مخبر بحق، وأن يكون بمعنى حاضر ومراقب لظهور أن أحداً لا يشهد على فعل نفسه. وجملة {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود} في موضع الحال من ضمير {إذ هم عليها قعود} كأنه قيل: قعود شاهدين على فِعلهم بالمؤمنين على الوجهين المتقدّمين في معاد ضمير {يفعلون}، وفائدة هذه الحال تفظيع ذلك القعود وتعظيمُ جُرمه إذ كانوا يشاهدون تعذيب المؤمنين لا يرأفون في ذلك ولا يشمئزون، وبذلك فارقَ مضمون هذه الجملة مضمون جملة: {إذ هم عليها قعود} باعتبار تعلق قوله: {بالمؤمنين شهود}. وفي الإِتيان بالموصول في قوله: {ما يفعلون بالمؤمنين} من الإِبْهام ما يفيد أن لِمُوقِدِي النارِ من الوزَعَة والعملة ومن يباشرون إلقاء المؤمنين فيها غلظةً وقسوة في تعذيب المؤمنين وإهانتهم والتمثيل بهم، وذلك زائد على الإِحراق. وجملة {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللَّه} في موضع الحال والواو واو الحال أو عاطفة على الحال التي قبلها. والمقصود التعجيب من ظلم أهل الأخدود أنهم يأتون بمثل هذه الفظاعة لا لجرم من شأنه أن يُنقَم من فاعله فإن كان الذين خددوا الأخدود يهوداً كما كان غالب أهل اليمن يومئذ فالكلام من تأكيد الشيء بما يشبه ضده أي ما نقموا منهم شيئاً ينقم بل لأنهم آمنوا بالله وحده كما آمن به الذين عذبوهم. ومحل التعجيب أن المَلك ذا نواس وأهل اليمن كانوا متهودين فهم يؤمنون بالله وحده ولا يشركون به فكيف يعذِّبون قوماً آمنوا بالله وحده مثلهم وهذا مثل قوله تعالى: { أية : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل } تفسير : [المائدة: 59] وإن كان الذين خدّدوا الأخدود مشركين (فإن عرب اليمن بقي فيهم من يعبد الشمس) فليس الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده لأنّ شأن تأكيد الشيء بما يشبه ضده أن يكون ما يشبه ضد المقصود هو في الواقع من نوع المقصود فلذلك يؤكد به المقصود وما هنا ليس كذلك لأن الملك وجنده نقموا منهم الإِيمان بالله حقيقة إن كان الملك مشركاً. وإجراء الصفات الثلاث على اسم الجلالة وهي: {العزيز. الحميد. الذي له ملك السماوات والأرض} لزيادة تقرير أن ما نقموه منهم ليس من شأنه أن ينقم بل هو حقيق بأن يُمدحُوا به لأنهم آمنوا بربّ حقيق بأن يؤمن به لأجل صفاته التي تقتضي عبادته ونبذَ ما عداه لأنه ينصُر مواليه ويثيبهم ولأنه يَمْلِكهم، وما عداه ضعيف العزة لا يضر ولا ينفع ولا يَملك منهم شيئاً فيقوى التعجيب منهم بهذا. وجملة: {واللَّه على كل شيء شهيد} تذييل بوعيد للذين اتخذوا الأخدود وبوعد الذين عُذبوا في جنب الله، ووعيد لأمثال أولئك من كفار قريش وغيرهم من كل من تصدَّوْا لأذى المؤمنين ووعد المسلمين الذين عذبهم المشركون مثل بلالٍ وعمار وصُهيب وسُمَيَّةَ.

الشنقيطي

تفسير : البروج: جمع برج، واختلف فى المعنى المراد به هنا هل هى المنازل أو الكواكب أو قصور في السماء عليها حراسها؟ وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك في سورة الحجر، عند الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} تفسير : [الحجر: 16]، وفي سورة الفرقان عند قوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} تفسير : [الفرقان: 61]. وقيل: إن أصل هذه المادة من الظهور، ومنه تبرج المرأة، وساق بيان المعنى المقصود من بروج السماء وعدد المنازل المذكورة. وبمناسبة ارتباط السور بعضها ببعض، فإن بعض المفسرين يقول: لما ذكر مآل الفريقين وتطاير الصحف فى السورة الأولى، ذكر هنا عملا من أشد أعمال الكفار مع المؤمنين في قصة الأخدود. والذي يظهر أقوى من هذا، هو والله تعالى أعلم: أنه لما ذكر سابقاً انفطار السماء وتناثر النجوم وانشقاق السماء، وإذنها لربها حق لها ذلك، جاء هنا بيان كنه هذه السماء أنها عظيمة البنية بأبراجها الضخمة أو بروجها الكبيرة، فهي مع ذلك تأذن لربها وتطيع وتنشق لهول ذلك اليوم وتنفطر، فأولى بك أيها الإنسان، والله تعالى أعلم.

الواحدي

تفسير : {والسماء ذات البروج} يعني: بروج الكواكب، وهي اثنا عشر برجاً. {واليوم الموعود} يوم القيامة. {وشاهد} يوم الجمعة {ومشهود} يعني: يوم عرفة. {قتل} لُعن {أصحاب الأخدود} وهو الشَّقُّ يحفر في الأرض طولاً، وهم قومٌ كفرةٌ كانوا يعبدون الصنم، وكان قومٌ من المؤمنين بين أظهرهم يكتمون إيمانهم، فاطَّلعوا على ذلك منهم فشقُّوا أخدوداً في الأرض، وملؤوه ناراً وعرضوهم على النَّار، فمن لم يرجع عن دينه قذفوه فيها. {النار ذات الوقود} ذات الالتهاب. {إذ هم عليها قعود} وذلك أنَّهم قعدوا عند تلك النَّار.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أقسم بالسماء ذات المنازل التى تنزلها الكواكب أثناء سيرها. 2- وباليوم الموعود للحساب والجزاء. 3- وبحاضر من الخلائق فى هذا اليوم، وما يحضر فيه من الأهوال والعجائب. 4- لقد لعن الله أصحاب الشق المستطيل فى الأرض.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ذات البروج: أي منازل الشمس والقمر الاثنى عشر برجا. واليوم الموعود: أي يوم القيامة إذ وعدت لله تعالى عباده أن يجمعهم فيه لفصل القضاء. وشاهد: أي يوم الجمعة. ومشهود: أي يوم عرفة. قُتل أصحاب الأخدود: أي لُعن أصحاب الأخدود. الأخدود: أي الحفر تحفر في الأرض وهو مفرد وجمعه أخاديد. إذ هم عليها قعود: أي على حافتها وشفيرها. وما نقموا منهم: أي ما عابوا أي شيء سوى إيمانهم بالله تعالى. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} هذا قسم من أعظم الأقسام إذ أقسم تعالى فيه بالسماء ذات البروج وهي منازل الشمس والقمر الأثنا عشر برجا، وباليوم الموعود وهو يوم القيامة إذ وعد الربّ تعالى عباده أن يجمعهم فيه ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون وبالشاهد وهو يوم الجمعة وبالمشهود وهو يوم عرفة وجواب القسم أو المقسم عليه محذوف قد يكون تقديره لتبعثن ثم لتنبؤن لأن السورة مكية والسور المكية تعالج العقيدة بأنواعها الثلاثة التوحيد والنبوّة والبعث والجزاء، وجائز أن يكون الجواب قتل بتقدير اللام وقد نحو لقد قتل أي لعن أصحاب الأخدود وهي حفر حفرها الكفار وأججوا فيها ناراً وأتوا بالمؤمنين المخالفين لدينهم وعرضوا عليهم الكفر أو الإِلقاء في النار فاختاروا الإِلقاء في النار مع بقاء إيمانهم حتى إن امرأة كانت ترضع صبياً فأحجمت عن إلقاء نفسها مع طفلها في النار فأنطق الله الصبي فقال لها: أماه امضي فإِنك على الحق فاقتحمت النار. وقوله {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} بيان للحال التي كانوا يفتنون فيها المؤمنين والمؤمنات إذ كانوا على شفير النار وحافتها قاعدين، وقوله تعالى {وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} من الإِلقاء في النار والارتداد عن الإِسلام {شُهُودٌ} أي حضور، ولم يغيروا منكراً ولم يأمروا بمعروف. وقوله تعالى {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ} أي وما عابوا عنهم شيئا سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض، فحسب العبد من الله هذه الصفات فإِنها توجب الإِيمان بالله وطاعته ومحبته وخشيته وهي كونه سبحانه وتعالى عزيزاً في انتقامه لأوليائه حميداً يحمده لآلائه ونعمه سائر خلقه مالكاً لكل ما في السماوات والأرض ليس لغيره ملك في شيء معه وعلمه الذي أحاط بكل شيء دل عليه قوله وهو على كل شيء شهيد. فكيف ينكر على المؤمن إيمانه بربّه ذي الصفات العلا. والجلال والجمال والكمال. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك. وقوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي فتنوهم عن دينهم فأحرقوهم بالنار {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} بعد فتنتهم للمؤمنين والمؤمنات {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} جزاء لهم. {وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} عذاب جهنم في الدار الآخرة وعذاب الحريق في الدنيا. فقد روي أنهم لما فرغوا من إلقاء المؤمنين في النار والمؤمنون كانت تفيض أرواحهم قبل وصولهم إلى النار فلم يحسوا بعذاب النار والكافرون خرجت لهم النار من الأخاديد وأحرقتهم فذاقوا عذاب الحريق في الدنيا، وسيذوقون عذاب جهنم في الآخرة هذا بالنسبة إلى أبدانهم أما أرواحهم فإِنها بمجرد مفارقة الجسد تلقى في سجين مع أرواح الشياطين والكافرين وقوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وعملوا الصالحات أي آمنوا بالله ربّاً وإلهاً وعبدوه بأداء فرائضه وترك محارمه {لَهُمْ جَنَّاتٌ} أي بساتين {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من تحت أشجارها وقصورها. وقوله تعالى {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ} حقا هو فوز كبير، لأنه نجاة من النار أولاً ودخول الجنة ثانياً. كما قال تعالى {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} تفسير : [آل عمران: 185]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- فضل يومي الجمعة وعرفة. 3- بيان ما يُبتلى به المؤمنون في هذه الحياة ويصبرون فيكون جزاؤهم الجنة. 4- الترهيب والترغيب في ذكر جزاء الكافرين والمؤمنين الصالحين.

القطان

تفسير : البروج: واحدها بُرج بضم الباء، ومن معانيه: القصر العالي، والحصن، وبروجُ السماء الاثنا عشر، وهي تضم منازلَ القمر الثمانية والعشرين، وسيأتي تفصيلها. اليوم الموعود: يوم القيامة. شاهد ومشهود: جميع ما خلق الله في هذا العالم. الأخدود: الشق المستطيل في الأرض، جمعُه أخاديد. وأصحاب الأخدود: قومٌ من الكافرين، كان لهم قوة وسلطان. ما نقموا منهم: ما أنكروا عليهم، وعابوهم. فتنوا المؤمنين: ابتلوهم، وحرقوهم بالنار، يقال: فتن المعدنَ: صهره في النار. عذاب الحريق: عذاب النار في جهنم. البطش: الأخذُ بالعنف والشدة. يُبدئ ويعيد: يبدأ الخلق ثم يفنيهم، ثم يعيدهم أحياء. الودود: الذي يحب أولياءه وعباده الصالحين، ودَّهُ يودّه ودّا بكسر الواو وفتحها وضمّها ووِدادا، وودَادة، ومودّةً: أحبّه. الودود: كثير الحب، وهو ايضا اسم من أسماء الله الحسنى. ذو العرش: صاحب الملك والسلطان، والقدرة النافذة. المجيد: السامي القدر، المتناهي في الجود والكرم، يقال: مجُد مجادة، فهو مجيد. محيطٌ: بهم، فهم في قبضته. محفوظ: مصون من التحريف والتغيير والتبديل. {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} أقسَم الله تعالى بالسماءِ البديعة وما فيها من نجوم لِينبِّهَنا الى ما فيها من دقة الصنع، وبالغ الحكمة، لِنعلمَ ان الذي خلَقها أجلُّ وأعظم. والبروج اثنا عشر وهي: الحمَل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسُنبلة، والميزان، والعقرب، والدَّلو، والجَدي، والحوت، والقوس. وتحلُّ الشمس كل شهرٍ في واحد من هذه البروج، وكلٌّ منها يضمُّ منزلَين وثلُثاً من منازل القمر، وعددها ثمانية وعشرون منزلا، ينزل القمر كل يوم في واحد منها ويستتر ليلتين يغيب فيهما. ومنازل القمر هي: الشرطان، والبطين، والثريا، والدَّبَران، والهَقْعَة، والهَنْعة، والذِراع، والنثرة، والطَرْف، والجَبْهة، والزّبرة، والصرفة، والعَوّاء، والسِّماك الأعزل، والغفر، والزُّبانى، والإكليل، والقلب، والشَّولة، والنعائم، والبلدة، وسعدُ الذابح، وسعد بَلَعَ، وسعدُ سُعود، وسعدُ الأخبية، والفرغُ الأول، والفرغُ الثاني، وبطنُ الحوت. ونرى في السماء ستة بروج، والستة الاخرى تكون في سماء نصفِ الأرض المغيَّبة عنّا. ونرى في المنازل اربعة عشر منزلا، والبقية في النصف المغيّب عنّا. والبروج الاثنا عشر، منها ستة في شمال خط الاستواء، وستة اخرى في جنوبه. فاما التي في شماله فهي: الحمل، والثور، والجوزاء. وهذه الثلاثة تقطعها الشمس في ثلاثة اشهر هي فصل الربيع، ثم السرطان، والاسد، والسنبلة، وهذه هي فصل الصيف. والستة التي في جنوب خط الاستواء هي: الميزان، والعقرب، والقوس، وفيها يكون فصل الخريف. ثم الجدي، والدلو، والحوت، وفيها يكون فصل الشتاء. هكذا قسّم القدماء البروج والمنازل. ولقد اقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من نجوم لا تُعدُّ ولا تحصى، ومن جملتها هذه البروج، لأننا نراها ونشاهدُها دائما، ولما فيها من مصالح ومنافع للناس في هذه الحياة. وقد اهتم العربُ اهتماماً كبيرا بمعرفة هذه النجوم، ومن قبلِهم اهتمت الأمم التي سبقتهم. وكانوا احوجَ الناس الى معرفتها، ومواقع طلوعها وغروبها، لأنهم يحتاجون اليها في السفَر برّاً وبحراً، إذ يهتدون ليلاً بهذه الدراري اللامعة، فلولاها لضلّت قوافلُهم وهلكت تجارتُهم ومواشيهم، وهذا ما أشار الله تعالى اليه بقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} تفسير : [الأنعام: 97]. وقال: {أية : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} تفسير : [الحجر: 16]. وقال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} تفسير : [يونس: 5]. ولذلك اهتم العرب بهذه السماء العجيبة، وعرفوا عدة من الكواكب الثابتة وسمّوها بأسماء مخصوصة، وذكروا في أشعارهم بعضها، مثل الفَرْقَدَين والدَّبَران، والعَيُّوق، والثريا، والسِّماكَين، والشِّعْرَيَيْن، وغيرهما مما ذكر في كتب الفلك والأدب والتفسير والتاريخ.... وقد صور العلامة ابو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي جميع أسماء الكواكب المستعملة عند العرب في كتابه البديع: صور الكواكب الثمانية والاربعين، والذي حوى نحو مئتين وخمسين كوكبا.... فالقَسم بهذه السماء البديعة الصنع، العجيبة التركيب، وما فيها من نجوم ومجرات، ومجموعات لا نعلم منها الا القليل القليل - قَسَمٌ عظيم، والذي أقسَمَ أجَلُّ أعظمُ. {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ} هو يوم القيامة الذي وعَدَ اللهُ أنه لا بدّ آتٍ للحساب والجزاء. {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} وبجميع ما خلق اللهُ في هذا الكون العجيب، مما يشهده الناس ويرونه رأيَ العين. وبهذا يوجه الله تعالى انظارنا الى ما في هذا الكون الواسع الكبير من العظمة والفخامة والحكمة، لنعتبر ونتعظ، ونعلم أن الله الذي خلق هذا الكون هو الذي يستحق أن يعبد. {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} قاتلَ اللهُ أصحابَ الأخدود ولعنهم، فهم الذين شقّوا في الأرض شقاً مستطيلا كالخندق، وملأوه بالنيران، وحرقوا بها المؤمنين بالله. ثم بيَّنَ من هُم أصحابُ الأخدود فقال: {ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ} إنهم أصحابُ النار المتأججة التي أوقدوا فيها الحطب الكثير، فارتفع لهبها. ثم بيّن إجرامَهم وقسوةَ قلوبهم بقوله: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} قُتل هؤلاء المجرمون ولُعنوا حين أحرقوا المؤمنين بالنار، وهم جلوسٌ حولَها، يشهدون العذابَ، ويتشَفَّون بإحراقهم. {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وما كان للمؤمنين من ذنْبٍ عندهم، ولا انتقموا منهم، إلا لأنهم آمنوا بالله العزيزِ، الغالبِ الذي لا يُضام مَنْ لاذَ به، الحميدِ في جميع اقواله وافعاله. ثم بين الله تعالى انه مطلع على ما فعلوا بالمؤمنين، وأوعدهم بانهم سيلاقون جزاء ما فعلوا فقال: {وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} إنه تعالى مطَّلع على اعمال عباده، لا تخفى عليه خافية من شئونهم، فهو عليم بما يكون من خلقه ومجازيهم عليه. وبعد أن ذكر قصةَ أصحابِ الأُخدود، وما فعلوه من العذاب الكبير بالمؤمنين - شدَّد النكير على أولئك المجرمين الذي عذّبوهم، بأنه أعدَّ لهم عذاباً أليما في نار جهنم، وانه إن أمهَلَهم فإنه لا يُهمِلُهم، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ}. ان الذين امتحنوا المؤمنين والمؤمنات في دِينهم بالأذى والتعذيبِ بالنار ولم يتوبوا الى الله من ذلك الجرم الكبير، بل ظلّوا مصرّين على كفرهم وعنادهم - لهم في الآخرة عذابُ جهنم وحريقُها كما أحرقوا المؤمنين. وقد اختلف المفسرون في حقيقة أصحاب الأخدود، وأين كان موضعهم ومن هم، وأوردوا أقوالا كثيرة لا فائدة منها فأضربنا عنها وتركناها..... وبعد ان ذَكر اللهُ تعالى ما أعدّ لأولئك المجرمين من العذاب، بين هنا ما يكون لأوليائه المؤمنين من النعيم المقيم، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ}. بهذا القول الكريم يتمثل رضى الله وإنعامُه على الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، حيث تكون خاتمتُهم في جناتِ النعيم التي تجري من تحتِ أشجارها الانهارُ، وهذا هو الفوزُ الكبير، جزاء صبرهم وإيمانهم وعملهم الصالح. ثم اخبر تعالى عن انتقامهِ الشديد من أعدائه وأعداء رسُله والمؤمنين فقال: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}. ان انتقام الله من الجبابرة والظَلَمة، وأخْذَه إياهم بالعقوبة، بالغُ الغايةِ في الشدة، والنهايةِ في الأذى، فهو الخالقُ القادر الذي يبدأ الخَلْق من العدم، ثم يعيدُهم أحياءً بعد الموت. فإذا كان قادراً على البدءِ والإعادة، فهو قادرٌ على البطش بهم... لأنهم في قبضتِه وخاضعون لسلطانه. ثم ذكر سبحانه أنه يغفر دائماً، وانه رحيمٌ لعباده، كثيرُ المحبّة لمن اطاعه، فبين في ذلك خمسةَ أوصافٍ من صفات الرحمةِ والجَلال فقال: 1- {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ} وهو كثير المغفرة لمن يتوب ويرجع اليه، فيا أيها الناس لا تقنَطوا من رحمة الله، فإن رحمته وسِعت كلَّ شيء. 2- {ٱلْوَدُودُ} المحبّ لأوليائه المخلِصين، اللطيف المحسِن اليهم. وأي صفة أعظمُ من هذه الصفة؟ 3- {ذُو ٱلْعَرْشِ} صاحبُ الملك والعظمة، والسلطان والقدرة النافذة، والأمر الذي لا يُرَدّ. 4- {ٱلْمَجِيدُ} العظيم الكرم والفضل، العالي على جميع الخلائق، المتصف بجميع صفات الجلال والكمال. 5- {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقّب لحُكمه ولا رادَّ لقضائه. روي ان ابا بكر الصدّيق رضي الله عنه، قيل له وهو في مرض الموت: هل نظرتَ الى طبيب؟ فقال: نعم، قالوا: فماذا قال لك؟ قال: قال لي إني فعّال لما أريد. {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ}. بعد ان ذكر قصّة اصحاب الأخدود وبيّن حالَهم، وما فعلوا بالمؤمنين - ذكر هنا ان حال الكفار في كل عصر، ومع كل نبيٍّ وشِيعته، جارٍ على هذا المنهج، فهم دائما يؤذون المؤمنين ويعادونهم، ولم يرسِل اللهُ نبياً إلا واجَه من قومه مثلَ ما لقي هؤلاء من اقوامهم. والغرضُ من هذا كله تسليةُ النبيّ الكريم وصحبه، وشدُّ عزائمهم على التذرع بالصبر. هل بلغك يا محمد ما صَدَرَ من تلك الجموع الطاغية من التمادي في الكفر والضلال وما حلّ بهم؟ إنهم فرعونُ وقومه، وثمود. والكفّار في كل عصر متشابهون، فقومك أيها الرسول ليسوا ببدْع في الأمم، فقد سبقهم أمم قبلهم وحلّ بهم النَّكال، وكذلك سيكون مآل الجاحدين من قومك، {أية : فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [هود: 49]. إنّ الكفّار في كل عصرٍ غارقون في شَهوة التكذيب، فلا تجزَعْ. إنك لمن المنتصِرين. {وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} لا يفلتون من قبضته، ولا يُعجِزونه. ثم رد على تماديهم في تكذيب القرآن، وادّعائهم أنه أساطيرُ الأولين فقال: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} إن ما جئتهم به يا محمد من قرآن عظيم، وكذّبوا به - هو من عند الله واضحُ الدلالة على صِدقك، وهو محفوظٌ من الزيادة والنقص، والتحريف والتبديل. قراءات قرأ حمزة والكسائي: ذو العرش المجيدِ بكسر الدال، وقرأ الباقون: المجيدُ بالرفع، وقرأ نافع: في لوح محفوظٌ بالرفع، والباقون: محفوظٍ بالجر.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِالسَّمَاءِ وَبُرُوجِهَا. (وَالبُرُوجُ هِيَ مَنَازِلُ الشَّمْسِ، وَقِيلَ إِنَّ البُرُوجَ هِيَ النُّجُومُ العِظَامُ).

الثعلبي

تفسير : {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ * وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن الطيّب قال: أخبرنا أبو سعيد عمرو بن منصور قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن سليمان بن الحسن قال: حدّثنا عبد الله بن موسى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن بهلويه قال: حدّثنا محمّد بن الصباح قال: أخبرنا مروان بن معاوية قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد الأنصاري عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها بخير إلاّ استجاب له ولا يستعيذه من سوء إلا أعاذه منه ". تفسير : وأخبرنا أبو العباس سهل بن محمد بن سعيد قال: حدّثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حليم قال: أخبرنا أبو الموحة قال: أخبرنا عيدان قال: حدّثنا عبد الوارث عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم القيامة، ثم تلا هذه الآية: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41] ثم قال: ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود. وأخبرني الحسين قال: حدّثنا محمد بن الحسن القطيني قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثني سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : شاهد يوم الجمعة ومشهود يوم عرفة ". تفسير : وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا الكندي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن النعمان قال: حدثنا أبو طاهر سهل بن عبد الله قال: حدّثنا عمرو بن سواد بن الأسود قال: حدّثنا ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي الهلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فأنَّه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإنَّ أحداً لا يصلّي عليَّ إلاّ عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها". قال: قلت: وبعد الموت قال: "إنَّ الله سبحانه حرّم على الأرض أن يأكل أجساد الأنبياء فنبيَّ الله حيّ يرزق ". تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا أبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم النورقي قال: حدّثنا أبو غسان مالك بن ضيغم الراسبي قال: حدّثنا أبو سهل المنذراني عن خبّاب عن رجل قال: دخلت مسجد المدينة فأذا أنا برجل يحّدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس حوله فقلت: أخبرني عن شاهد ومشهود قال: نعم أمّا الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم عرفة، فجزته الى آخر يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أخبرني عن شاهد ومشهود. قال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر، فجزتهما الى غلام كأنّ وجهه الدنيار وهو يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أخبرني عن شاهد ومشهود قال: نعم أما الشاهد فمحمد صلى الله عليه وسلم وأمّا المشهود فيوم القيامة أما سمعته يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} تفسير : [الأحزاب: 45] وقال عز وجل: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} تفسير : [هود: 103] فسألت عن الأول فقالوا: ابن عباس، وسألت عن الثاني فقالوا: ابن عمر، وسألت الثالث فقالوا: الحسن بن علي. وأخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن علي الدورقي بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسن الشرقي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر العبّدي قال: حدّثنا يزيد ابن هارون قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن ابن أبي نجح عن مجاهد في قوله سبحانه {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} قال: الشاهد آدم والمشهود يوم القيامة. ليث عنه: الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة. وقال الوالي عن ابن عباس: الشاهد الله والمشهود يوم القيامة، عكرمة: الشاهد الإنسان والمشهود يوم القيامة وعنه أيضاً: الشاهد الملك يشهد على آدم والمشهود يوم القيامة وتلا هاتين الآيتين {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تفسير : [ق: 21]، جابر بن عبد الله: الشاهد يوم القيامة والمشهود الناس. محمد بن كعب: الشاهد أنت والمشهود هو الله، عطاء بن يسار: الشاهد آدم وذريته والمشهود يوم القيامة، الحسن: الشاهد الجمعة والمشهود يوم القيامة يشهده الأولون والآخرون، أبو ملك: الشاهد عيسى والمشهود أمّته، بيانه قوله سبحانه: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} تفسير : [المائدة: 117] عبد العزيز بن يحيى: الشاهد محمّد والمشهود أمّته، بيانه قوله سبحانه: {أية : وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41]. الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم، بيانه قوله: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 143]. سعيد بن المسيب: الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة، وقال سالم بن عبد الله: سألت سعيد بن حسن عن قوله سبحانه {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}، فقال: الشاهد هو الله والمشهود محمد بيانه قوله سبحانه: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 79]، وقوله سبحانه: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 19]، وقيل: الشاهد أعضاء ابن آدم والمشهود ابن آدم بيانه قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ}تفسير : الآية [النور: 24]، وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن نحيد القطان البلخي يقول: الشاهد الحجر الأسود والمشهود الحجاج، وقيل: الشاهد الليالي والأيام والمشهود بنو آدم، دليله الخبر المروي: "ما من يوم إلاّ وينادي إني يوم جديد وإنّي على ما تفعل منّي شهيد فأغتنمني فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة". وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق يقول: سمعت أبا وائلة عبد الرحمن الحسيني المزني يقول: سمعت مطرفاً يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: خبّرت عن الحسن بن علي إنّه قال: شعر : مضى أمسك الماضي شهيداً معدلا وأصبحت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنِّ بأحسان وأنت حميد ولا تُرج فعل الخير يوماً إلى غد لعل غداً يأتي وأنت فقيدُ فيومك إن أعتبته عاد نفعه عليك وماضي الأمس ليس يعود تفسير : محمد بن علي الترمذي: الشاهد الحفظة والمشهود بني آدم، أنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي، قال: أنشدنا أبو بكر بن الأنباري ببغداد في كتاب الزاهر: شعر : إنّ من يركب الفواحش سراً حين يخلو بذنبه غير خالي كيف يخلوا وعنده كاتباه حافظاه وربه ذو المحال تفسير : وقيل: الشاهد الأنبياء والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم بيانه قوله سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} تفسير : [آل عمران: 81] إلى قوله: {أية : فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81]، وقيل: الشاهد الله عزّ وجل والملائكة وأولوا العلم والمشهود {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الصافات: 35] بيان قوله سبحانه {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران: 18]، وقيل: الشاهد الخلق والمشهود الحق وفيه يقول الشاعر: شعر : أيا عجباً كيف يعصى الاله أم كيف يجحده الجاحدُ ولله في كل تحريكة وفي كل تسكينة شاهد وفي كل شيء له آية تدل على أنّه واحدُ تفسير : وقيل: الشاهد يوم الأثنين والمشهود يوم الجمعة، وقيل: الشاهد الحق والمشهود الخلق، وقيل: الشاهد أفعال العبد والمشهود العبد.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا محمد بن طلحة، عن زيد الايامي، عن مجاهد في قوله: {وَٱلسَّمَآءِ} [الآية: 1]. قال: السماءُ موج مكفوف. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شريك عن أَبي اسحاق، عن الحارث، عن علي بن أَبي طالب قال: {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ} [الآية: 2]: يوم القيامة. "والشاهد" [الآية: 3]: يوم الجمعة. و"الْمَشْهُودُ" [الآية: 3]: يوم النحر يوم الحج الأَكبر. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن المغيرة، عن شباك، قال: حدثني من سمع ابن عمر وابن الزبير يقولان: "الشاهد": [الآية: 3]: يوم الجمعة، و"المشهود" [الآية: 3]: يوم الذبح. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن المغيرة، عن إِبراهيم قال: كان أًصحابنا يقولون: "الشاهد" [الآية: 3]: يوم الجمعة، و"المشهود": يوم الذبح. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ، عن المغيرة عن شباك قال: حدثني من سمع الحسين بن علي بن أَبي طالب، عليهما السلام، يقول: "الشاهد: [الآية: 3] محمد، صلى الله عليه وسلم. و"المشهود": يوم القيامة. ثم قرأَ: {أية : وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 41]. ثم قرأَ: {أية : وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ}تفسير : [هود: 103]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الشاهد: [الآية: 3]: عيسى، عليه السلام. ويقال أَيضاً "الشاهد": الإِنسان و"المشهود": يوم القيامة.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلأُخْدُودِ} الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد {قُتِلَ} لُعن أشدَّ اللعن {نَقَمُواْ} عابوا وكرهوا {بَطْشَ} البطش: الأخذ بشدة {يُبْدِىءُ} يخلق ابتداءً بقدرته {ٱلْمَجِيدُ} العظيم الجليل المتعالي. التفسِير: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} أي وأُقسم بالسماء البديعة ذات المنازل الرفيعة، التي تنزلها الكواكب أثناء سيرها قال المفسرون: سميت هذه المنازل بروجاً لظهورها، وشبهت بالقصور لعلوها وارتفاعها لأنها منازل للكواكب السيارة {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ} أي وأُقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة، الذي وعد الله به الخلائق بقوله {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [النساء: 87] {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} أي وأُقسم بمحمد والأنبياء الذين يشهدون على أممهم يوم القيامة، وبجميع الأمم والخلائق الذين يجتمعون في أرض المحشر للحساب كقوله تعالى {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 41] وقيل: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم ودليله {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}تفسير : [البقرة: 143] {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} هذا هو جواب القسم، والجملة دعائية أي قاتل الله ولعن أصحاب الأخدود، الذين شقوا الأرض طولاً وجعلوها أخاديد، وأضرموا فيها النار ليحرقوا بها المؤمنين قال القرطبي: الأخدودُ الشقُّ العظيم المستطيل في الأرض كالخندق وجمعه أخاديد، ومعنى {قُتِلَ} أي لعن، قال ابن عباس: كل شيءٍ في القرآن {قُتِلَ} لهو لعن.. ثم فصَّل تعالى المراد من الأخدود فقال {ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ} أي النار العظيمة المتأججة، ذات الحطب واللهب، التي أضرمها الكفار في تلك الأخاديد لإِحراق المؤمنين قال أبو السعود: وهذا وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما فيها من الحطب، والقصدُ وصف النار بالشدة والهول.. ثم بالغ تعالى في وصف المجرمين فقال {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} أي حين هم جلوس حول النار، يتشفون بإِحراق المؤمنين فيها، ويشهدون ذلك الفعل الشنيع والغرضُ تخويف كفار قريش، فقد كانوا يعذبون من أسلم من قومهم، ليرجعوا عن الإِسلام، فذكر الله تعالى قصة "أصحاب الأخدود" وعيداً للكفار، وتسليةً للمؤمنين المعذبين، ثم قال تعالى {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} أي وما كان لهم ذنب ولا انتقموا منهم، إِلا لأنهم آمنوا بالله العزيز الحميد الغالب الذي لا يُضام من لاذَ بجنابه، الحميد في جميع أقواله وأفعاله، والغرضُ أن سبب البطش بهم، وتحريقهم بالنار، لم يكن إِلا إيمانهم بالله الواحد الأحد، وهذا ليس بذنب يستحقون به العقوبة، ولكنه الطغيان والإِجرام {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي هذا الإله الجليل المالك لجميع الكائنات، المستحق للمجد والثناء قال في البحر: وإِنما ذكر الأوصاف التي يستحق بها تعالى أن يؤمن به، وهي كونه تعالى {عَزِيزاً} أي غالباً قادراً يُخشى عقابه {حَمِيداً} أي منعماً يجب له الحمد على نعمه {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي وكل من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له، إِنما ذكر ذلك تقريراً لأن ما نقموه منهم هو الحقُّ الذي لا ينقمه إِلا مبطلٌ منهمك في الغيّ {وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي هو تعالى مطلَّع على أعمال عباده، لا تخفى عليه خافية من شئونهم، وفيه وعدٌ للمؤمنين، ووعيدٌ للمجرمين.. ثم شدَّد تعالى النكير على المجرمين الذين عذبوا المؤمنين فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي عذبوا وأحرقوا المؤمنين والمؤمنات بالنار ليفتنوهم عن دينهم {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} أي ثم لم يرجعوا عن كفرهم وطغيانهم {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} أي فلهم عذاب جهنم المخزي بكفرهم، ولهم العذاب المحرق بإِحراقهم المؤمنين.. ولما ذكر مصير المجرمين أعقبه بذكر مصير المؤمنين فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي الذين جمعوا بين الإِيمان الصادق والعمل الصالح {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي لهم البساتين والحدائق الزاهرة، التي تجري من تحت قصورها أنهار الجنة قال الطبري: هي أنهار الخمر واللبن والعسل {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ} أي ذلك هو الظفر العظيم بغاية المطلوب، الذي لا سعادة ولا فوز بعده.. ثم أخبر تعالى عن انتقامه الشديد من أعداء رسله وأوليائه فقال {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} أي إِن انتقام الله وأخذه الجبابرة والظلمة، بالغ الغاية في الشدة قال أبو السعود: البطش الأخذ بعنف، وحيث وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، وهو بطشه بالجبابرة والظلمة وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} أي هو جل وعلا الخالق القادر، الذي يبدأ الخلق من العدم، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ} أي وهو الساتر لذنوب عباده المؤمنين، اللطيف المحسن إِلى أوليائه، المحبُّ لهم قال ابن عباس: يودُّ أولياءه كما يودُّ أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة {ذُو ٱلْعَرْشِ} أي صاحب العرش العظيم، وإِنما أضاف العرش إِلى الله وخصَّه بالذكر، لأن العرش أعظم المخلوقات، وأوسعُ من السماواتِ السبع، وخلقُه بهذا الوصف يدل على عظمة خالقه {ٱلْمَجِيدُ} أي هو تعالى المجيدُ، العالي على جميع الخلائق، المتصف بجميع صفات الجلال والكمال {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} أي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه ولا رادَّ لقضائه قال القرطبي: أي لا يمتنع عليه شيء يريده. روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إِليك الطبيبُ؟ قال: نعم، قالوا: فماذا قال لك؟ قال قال لي: (إِني فعَّالٌ لما أريد) {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ }؟ استفهامٌ للتشويق أي هل بلغك يا محمد خبر الجموع الكافرة، الذين تجنَّدوا لحرب الرسل والأنبياء؟ هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وما أنزل عليهم من النقمة والعذاب؟ قال القرطبي: يؤنسه بذلك ويسليه، ثم بيَّن تعالى من هم فقال {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} أي هم فرعون وثمود، أولي البأس والشدة، فقد كانوا أشد بأساً، وأقوى مراساً من قومك، ومع ذلك فقد أخذهم الله تعالى بذنوبهم {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ} أي لم يعتبر كفار قريش بما حلَّ بأولئك الكفرة المكذبين، بل هم مستمرون في التكذيب فهم أشد منهم كفراً وطغياناً {وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} أي والله تعالى قادرٌ عليهم، لا يفوتونه ولا يعجزونه، لأنهم في قبضته في كل حينٍ وزمان {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} أي بل هذا الذي كذبوا به، كتابٌ عظيم شريف، متناهٍ في الشرف والمكانة، قد سما على سائر الكتب السماوية، في إِعجازه ونظمه وصحة معانيه {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} أي هو في اللوح المحفوظ الذي في السماء، محفوظٍ من الزيادة والنقص، والتحريف والتبديل. البَلاَغَة: تضمنت السورة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بي {يُبْدِىءُ .. وَيُعِيدُ}. 2- جناس الاشتقاق {وَشَاهِدٍ .. وَمَشْهُودٍ}. 3- تأكيد المدح بما يشبه الذم {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} كأنه يقول: ليس لهم جريمة إِلا إِيمانهم بالله، وهذا من أعظم المفاخر والمآثر. 4- المقابلة بين مصير المؤمنين ومصير المجرمين {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} الآية قابله قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ..} الخ. 5- أسلوب التشويق لاستماع القصة {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ}؟ 6- صيغة المبالغة مثل {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} وأمثال ذلك. 7- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ..} الخ وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع والله أعلم.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} البُروجُ: هي النجوم. ويقال: قُصورٌ في السّماءِ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر أنه أعلم بما يجمعون للرسول والمؤمنين من المكر والخداع وإذاية من أسلم بأنواع من الأذى كالضرب والقتل والصلب والحرق بإِحماء الصخر بالشمس ووضع أجساد من يريدون أن يفتنوه عليه ذكر أن هذه الشنشنة كانت فيمن تقدّم من الأمم يعذبون بالنار وأن أولئك الذين أعرضوا على النار كان لهم من الثبات في الإِيمان ما منعهم أن يرجعوا عن دينهم أو يحرفوا وان أولئك الذين عذبوا عباد الله ملعونون فكذلك الذين عذبوا المؤمنين من كفار قريش ملعونون فهذه السورة عظة لقريش وتثبيت لمن يعذب. ذات البروج قال ابن عباس هي المنازل التي عرفتها العرب وهي اثنا عشر على ما قسمته وهي التي تقطعها الشمس في سنة والقمر في ثمانية وعشرين يوماً. {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ} هي يوم القيامة أي الموعود به. {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} هذان منكران وينبغي حملهما على العموم كقوله: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ}تفسير : [التكوير: 14] وجواب القسم قيل محذوف وقيل انبعثن ونحوه وقيل وهذا الذي نختاره وحذفت اللام أي لقتل وحسن حذفها كما حسن في قوله: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا}تفسير : [الشمس: 1] ثم قال: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}تفسير : [الشمس: 9] أي لقد أفلح ويكون الجواب دليلاً على لعنة من فعل ذلك وطرده من رحمة الله تعالى وتنبيهاً لكفار قريش الذين يؤذون المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم على أنهم ملعونون بجامع ما اشتركا فيه من تعذيب المؤمنين وذكر المفسرون في أصحاب الأخدود أقوالاً كثيرة ومضمنها أن ناساً من الكفار خدوا أخدوداً في الأرض وسجروه ناراً وعرضوا المؤمنين عليها فمن رجع عن دينه تركوه ومن أصر على الإِيمان أحرقوه وأصحاب الأخدود هم المحرقون للمؤمنين وقال الربيع وأبو العالية بعث الله على المؤمنين ريحاً فقبضت أرواحهم وخرجت النار فأحرقت الكافرين الذين كانوا على حافتي الأخدود. {وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} وعيد لهم أي أنه علم ما فعلوا فهو مجازيهم والظاهر أن الذين فتنوا عام في كل من ابتلى المؤمنين والمؤمنات بتعذيب وأذى وأن لهم عذابين عذاباً لكفرهم وعذاباً لفتنتهم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} المراد به العموم لا المطروحون في النار والبطش الأخذ بقوة. {يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} قال ابن عباس: عام في جميع الأشياء أي كل ما يبدأ وكل ما يعاد ولما ذكر شدة بطشه ذكر كونه غفورا ساتر الذنوب عباده ودوداً لطيفاً بهم محسناً إليهم وهاتان صفتا فعل والودود مبالغة في الواد. {ذُو ٱلْعَرْشِ} خصص العرش بإِضافته إلى نفسه تشريفاً للعرش وتنبيهاً على أنه أعظم المخلوقات وقرىء المجيد بالضم صفة لذو وبالخفض صفة للعرش. {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ} تقرير لحال الكفرة أي قد أتاك حديثهم وما جرى لهم مع أنبيائهم وما حل بهم من العقوبات بسبب تكذيبهم فكذلك يحل بقريش من العذاب مثل ما حل بهم والجنود الجموع المعدة للقتال. {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} بدل من الجنود وكأنه على حذف مضاف أي جنود فرعون. {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي من قومك. {فِي تَكْذِيبٍ} حسداً لك لم يعتبروا بما جرى لمن قبلهم حين كذبوا أنبياءهم. {وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} أي هو قادر على أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون وثمود ومن كان محاطاً به فهو محصور في غاية لا يستطيع دفعاً والمعنى دنو هلاكهم ولما ذكر أنهم في تكذيب وأن التكذيب عمهم حتى صار كالوعاء وكانوا قد كذبوه صلى الله عليه وسلم وكذبوا ما جاء به وهو القرآن أخبر تعالى عن الذي جاء به وكذبوا به فقالوا: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} أي بل الذي كذبوا به قرآن مجيد ومجادته شرفه على سائر الكتب بإِعجازه في نظمه وصحة معانيه وإخباره بالمغيبات وغير ذلك من محاسنه وقرىء مجيد صفة لقرآن ومحفوظ صفة للوح كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9] أي هو محفوظ في القلوب لا يلحقه خطأ ولا تبديل.

الجيلاني

تفسير : {وَٱلسَّمَآءِ} أي: وحق سماء الأسماء والصفات المتشعشعة المتجلية في عالم اللاهوت {ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} [البروج: 1] من النفوس القدسية القابلة لانعكاسها وتشعشعها، المستعدة لفيضان أنوارها الذاتية. 1-9 والانكشاف التام المنعكس عن عالم العماء عند ارتفاع سدل الأسماء والصفات عن البين. {وَ} اتحاد {شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3] في العين، إنكم أيها المحجوبون عن الله، المطرودون عن ساحة عز حضوره، المعلونون مردودون عن كنف قربه وجواره، يعني: كفار مكة - لعنهم الله - لأن السورة نازلة في تثبيت المؤمنين على أذاهم. كما {قُتِلَ} ولُعن {أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} [البروج: 4] الخد: الشق في الأرض وغيرها. رُوي أنه كان لملك ساحر فكبر، فضم إليه غلاماً؛ ليعلمه، وكان في طريق الغلام را هب يستمع منه كلاماً، فرأى في طريقه يوماً حية حبست الناس، فأخذ الغلام حجراً فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان بعد ذلك يبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي المريض، فعمي جليس للملك، فابرأه، فأسلم، فسأله الملك: من أبرأك؟ فقال: ربي. فغضب الملك عليه، فعذبه فدل على الغلام، فعذبه فدل على الراهب، فقده بالمنشار، وذهب بالغلام إلى جبل؛ ليُطرح من أعلاه، فرجف بالقوم، فطاحوا ونجا الغلام، فذهب به إلى سفينة؛ ليغرق، فكفأت السفينة بمن معه ونجا. وقال الغلام للملك: لست بقاتلي حتى تأخذ سهماً من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثمَّ ترميني به، فرماه فقال: بسم الله رب الغلام، فأصاب صدغه، فوضع عليه يده فمات، فآمن الناس. وقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فأمر بحفر أخاديد، فأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جات امرأة مع صبي رضيع، فتقاعست فقال الرضع بإلهام الله إياه، مع أنه في غير أوان تكلمه، مثل عيسى النبي - صلوت الله عليه -: يا أماه اصبري، فإنك على الحق، فأقتُحمت في {ٱلنَّارِ} بدل من لفظه: الأخدود، بدل الاشتمال {ذَاتِ ٱلْوَقُودِ} [البروج: 5] والحطب الكثير تهويلاً عليهم بشدة التهابها وسورتها؛ لينزجروا عما اختاروا، ويعودوا عن الإسلام والتوحيد. ثمَّ لمَّا طُرح المؤمنون فيها التهبت النار التهاباً شديداً، وخرجت على أطرافها فأحرقت كثيراً من صناديد أولئك الظلمة {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا} وفي أطرافها {قُعُودٌ} [البروج: 6] قاعدون على الكراسي حول النار. {وَهُمْ} أي: رؤساؤهم {عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} أي: الموكلون {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} من الأخذ والإفناء {شُهُودٌ} [البروج: 7] عدول مشرفون من قِبَل الملك، أمناء من جانبه، أقعدهم حولها؛ لئلا يتهاون الأعونة في إهلاك المؤمنين، وطرحهم في النار. {وَ} بالجملة: {مَا نَقَمُواْ} وانتقموا أولئك الظالمون المنهمكون في بحر الغي والعدوان {مِنْهُمْ} أي: من المؤمنين بهذا الانتقام الصعب الهائل {إِلاَّ} أنهم كرهوا منهم، واستكرهوا عليهم {أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، الحي القوم، الحقيق بالإيمان والإطاعة {ٱلْعَزِيزِ} الغالب القاهر على من دونه من السّوى والأغيار مطلقاً {ٱلْحَمِيدِ} [البروج: 8] المستحق لأصناف الأثنية والمحامد استحقاقاً ذاتياً ووصفياً. وكيف لا يكون سبحانه عزيزاً حميداً، مع أنه القادر {ٱلَّذِي لَهُ} وفي حيطة قدرته وإرادته {مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي: مظاهر العلويات والسفليات، وما بينهما من الممتزجات؟! {وَ} كيف لا، هو {ٱللَّهُ} المستقل بالألوهية والوجود {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} لمع عليه برق وجوده {شَهِيدٌ} [البروج: 9] حاضر غير مغيب؟!

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : سورة يا شاهد شاهد الحق، ويا شهود مشهودك، ويا مشهود شاهدك تبين لك في اليوم الموعود، وحقيقة الشاهد والمشهود، واعلم أن الله تعالى خلق لوح العقل وكتب عليه كل شيء أراد إظهاره في الوقت المقدر والأجل المعلوم المعين؛ وهو أول خلق خلقه في مقام القلبية وجعل له مظهراً في العالم الجسماني؛ وهو سماء الدنيا التي زينها الله بمصابيح النجوم والبروج، ورتب عليها أمور عالم الكون الفاسد الذي هو المسمى بالدنيا؛ وهي سماء صدرك في عالم الأنفس وأقسم بها في كتابه وقال: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} [البروج: 1]؛ أي: بحق الوديعة التي أودعت في قابليتها بصفة ربوبيتي، {وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ} [البروج: 2]؛ أي: بالسر الذي أظهره في اليوم الموعود، وهو إذا دخل نجوم كل برزخ آخر وتتبدل الأشكال التي أظهرناها على ذلك الثوب الذي سميته ذات البروج والسماء الدنيا، فبعد التبديل يظهر السر الذي أودعه الله في اليوم الموعود وهو يوم القيامة. {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3]؛ أي: بحق اللطيفة الكاملة الأنانية المستحقة المرائية، والعكس الذي ظهر في المرآة من جمال الشاهد، فالمرآة مشهودة لجمال الشاهد، والشاهد هو الله، والمشهود مرآة، فإذا صارت المرآة واحدة عكس الجمال تصير مشاهدة والجمال يكون مشهوداً وهذا سر مخصوص بمرآة بني آدم، ولأجل هذا صار أشرف الخلائق وأكرمهم عند خالقه حتى أمر الملائكة بسجوده، وفي تحقيقه أسرار تتعلق بحد القرآن ولا رخصة في إظهارها إلا في بسم الله الرحمن الرحيم، فإني مرخص أن أبين حده ومأذون في بيان مطلع النقطة الواقعة تحت الباء التي في أول البسملة، فإن ساعدني القدر وأخرني الأجل كتبتُ بعد الفراغ في تفسير بطن القرآن حد البسملة ومطلع نقطة الباء إن شاء الله تعالى. {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ} [البروج: 4-5] جواب القسم؛ يعني: أن أصحاب اللطيفة النفسية المكذبة للطيفتها، المنذرة الداعية إلى ربهم، والمنكرة لها بعد اطلاعها على الآيات البينات الأنفسية الملكوتية، لعنوا وطردوا وأُبعدوا من رحمة الله تعالى بإنكارهم الآيات البينات وتكذيبهم اللطيفة في دعوتها لهم إلى خالق السماوات، الذين اشتعلوا بنيران الغضب والبغض في أخاديد وجودهم؛ ليحرقوا اللطيفة الداعية لهم إلى الحق فتخرج النار الموقدة من شفير أخاديدهم عناصر وأحرقتهم كقوله تعالى: {ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ} [البروج: 5]؛ وهي بدل الأخدود. {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} [البروج: 6]؛ يعني: أصحاب الأخدود كانوا على شفير أخاديد لهم قاعدين لتعذيبهم اللطيفة الداعية والقوى المؤمنة بها، {وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} [البروج: 7]؛ يعني: النفس الأمارة وقواها الكافرة كانوا حاضرين فلما شاهدوا خروج النار من شفير الأخدود، وإحراق الكافرين ونجاة المؤمنين منها، ندموا وما نفعهم الندم بعد نزول البلاء وظهور الآيات، {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [البروج: 8-9]؛ يعني: ما كرهوا الإيمان وما عابوا المؤمنين وما تبينوا إلا أن يؤمنوا بالله الغالب على أمره {ٱلْحَمِيدِ} المحمود بكل موجود عين لسانه، الذي يسبح به خالقه {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}؛ يعني: بحكمة النار والريح أمر الريح؛ ليخرج النار من قعر الأخدود وإحراق الكافرين الذين كانوا على شفير الأخدود، وأنجى المؤمنين الذين كانوا في قعر الأخدود، {وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}؛ يعني: حاضراً معهم شاهداً لأحوالهم، ماكرا بالذين مكروا بالمؤمنين. {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} [البروج: 10]؛ أي: عذبوا وأرادوا أن يحرقوهم {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} [البروج: 10] ولهم؛ أي: عذاب الأجل يكفرهم وإصرارهم على الكفر بعد اطلاعهم على الآيات البينات {وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} [البروج: 10]؛ أي: العذاب الأجل بنصرة عدوهم عليهم؛ وتسلط القوى المؤمنة على القوى الكافرة، وتذليلهم وأسرهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ } أي: [ذات] المنازل المشتملة على منازل الشمس والقمر، والكواكب المنتظمة في سيرها، على أكمل ترتيب ونظام دال على كمال قدرة الله تعالى ورحمته، وسعة علمه وحكمته. { وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ } وهو يوم القيامة، الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه، ويضم فيه أولهم وآخرهم، وقاصيهم ودانيهم، الذي لا يمكن أن يتغير، ولا يخلف الله الميعاد. { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } وشمل هذا كل من اتصف بهذا الوصف أي: مبصر ومبصر، وحاضر ومحضور، وراء ومرئي. والمقسم عليه، ما تضمنه هذا القسم من آيات الله الباهرة، وحكمه الظاهرة، ورحمته الواسعة. وقيل: إن المقسم عليه قوله { قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ } وهذا دعاء عليهم بالهلاك. و { الأخدود } الحفر التي تحفر في الأرض. وكان أصحاب الأخدود هؤلاء قومًا كافرين، ولديهم قوم مؤمنون، فراودوهم للدخول في دينهم، فامتنع المؤمنون من ذلك، فشق الكافرون أخدودًا [في الأرض]، وقذفوا فيها النار، وقعدوا حولها، وفتنوا المؤمنين، وعرضوهم عليها، فمن استجاب لهم أطلقوه، ومن استمر على الإيمان قذفوه في النار، وهذا في غاية المحاربة لله ولحزبه المؤمنين، ولهذا لعنهم الله وأهلكهم وتوعدهم فقال: { قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ } ثم فسر الأخدود بقوله: { النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } وهذا من أعظم ما يكون من التجبر وقساوة القلب، لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله ومعاندتها، ومحاربة أهلها وتعذيبهم بهذا العذاب، الذي تنفطر منه القلوب، وحضورهم إياهم عند إلقائهم فيها، والحال أنهم ما نقموا من المؤمنين إلا خصلة يمدحون عليها، وبها سعادتهم، وهي أنهم كانوا يؤمنون بالله العزيز الحميد أي: الذي له العزة التي قهر بها كل شيء، وهو حميد في أقواله وأوصافه وأفعاله. { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } خلقًا وعبيدًا، يتصرف فيهم تصرف المالك بملكه، { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } علمًا وسمعًا وبصرًا، أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله، أن يبطش بهم العزيز المقتدر، أو ما علموا أنهم جميعهم مماليك لله، ليس لأحد على أحد سلطة، من دون إذن المالك؟ أو خفي عليهم أن الله محيط بأعمالهم، مجاز لهم على فعالهم؟ كلا إن الكافر في غرور، والظالم في جهل وعمى عن سواء السبيل. ثم وعدهم، وأوعدهم، وعرض عليهم التوبة، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } أي: العذاب الشديد المحرق. قال الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، هم قتلوا أولياءه وأهل طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة. ولما ذكر عقوبة الظالمين، ذكر ثواب المؤمنين، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بجوارحهم { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ } الذي حصل به الفوز برضا الله ودار كرامته. { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } أي: إن عقوبته لأهل الجرائم والذنوب العظام [لقوية] شديدة، وهو بالمرصاد للظالمين كما قال الله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }. تفسير : { إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ } أي: هو المنفرد بإبداء الخلق وإعادته، فلا مشارك له في ذلك، { وَهُوَ الْغَفُورُ } الذي يغفر الذنوب جميعها لمن تاب، ويعفو عن السيئات لمن استغفره وأناب. { الْوَدُودُ } الذي يحبه أحبابه محبة لا يشبهها شيء فكما أنه لا يشابهه شيء في صفات الجلال والجمال، والمعاني والأفعال، فمحبته في قلوب خواص خلقه، التابعة لذلك، لا يشبهها شيء من أنواع المحاب، ولهذا كانت محبته أصل العبودية، وهي المحبة التي تتقدم جميع المحاب وتغلبها، وإن لم يكن غيرها تبعًا لها، كانت عذابًا على أهلها، وهو تعالى الودود، الواد لأحبابه، كما قال تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } تفسير : والمودة هي المحبة الصافية، وفي هذا سر لطيف، حيث قرن { الودود } بالغفور، ليدل ذلك على أن أهل الذنوب إذا تابوا إلى الله وأنابوا، غفر لهم ذنوبهم وأحبهم، فلا يقال: بل تغفر ذنوبهم، ولا يرجع إليهم الود، كما قاله بعض الغالطين. بل الله أفرح بتوبة عبده حين يتوب، من رجل له راحلة، عليها طعامه وشرابه وما يصلحه، فأضلها في أرض فلاة مهلكة، فأيس منها، فاضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو على تلك الحال، إذا راحلته على رأسه، فأخذ بخطامها، فالله أعظم فرحًا بتوبة العبد من هذا براحلته، وهذا أعظم فرح يقدر. فلله الحمد والثناء، وصفو الوداد، ما أعظم بره، وأكثر خيره، وأغزر إحسانه، وأوسع امتنانه". { ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ } أي: صاحب العرش العظيم، الذي من عظمته، أنه وسع السماوات والأرض والكرسي، فهي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة، بالنسبة لسائر الأرض، وخص الله العرش بالذكر، لعظمته، ولأنه أخص المخلوقات بالقرب منه تعالى، وهذا على قراءة الجر، يكون { المجيد } نعتا للعرش، وأما على قراءة الرفع، فإن المجيد نعت لله، والمجد سعة الأوصاف وعظمتها. { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } أي: مهما أراد شيئًا فعله، إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، وليس أحد فعالا لما يريد إلا الله. فإن المخلوقات، ولو أرادت شيئًا، فإنه لا بد لإرادتها من معاون وممانع، والله لا معاون لإرادته، ولا ممانع له مما أراد. ثم ذكر من أفعاله الدالة على صدق ما جاءت به رسله، فقال: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُود } وكيف كذبوا المرسلين، فجعلهم الله من المهلكين. { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ } أي: لا يزالون مستمرين على التكذيب والعناد، لا تنفع فيهم الآيات، ولا تجدي لديهم العظات. { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } أي: قد أحاط بهم علمًا وقدرة، كقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } تفسير : ففيه الوعيد الشديد للكافرين، من عقوبة من هم في قبضته، وتحت تدبيره. { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ } أي: وسيع المعاني عظيمها، كثير الخير والعلم. { فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } من التغيير والزيادة والنقص، ومحفوظ من الشياطين، وهو: اللوح المحفوظ الذي قد أثبت الله فيه كل شيء. وهذا يدل على جلالة القرآن وجزالته، ورفعة قدره عند الله تعالى، والله أعلم. تم تفسير السورة

همام الصنعاني

تفسير : 3563- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ}: [الآية: 1]، قال: النجوم.