٨٦ - ٱلطَّارِق
86 - At-Tariq (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى أكثر في كتابه ذكر السماء والشمس والقمر لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة، وأما الطارق فهو كل ما أتاك ليلاً سواء كان كوكباً أو غيره فلا يكون الطارق نهاراً، والدليل عليه قول المسلمين في دعائهم: نعوذ بالله من طوارق الليل وروي أنه عليه السلام: «حديث : نهى عن أن يأتي الرجل أهله طروقاً» تفسير : والعرب تستعمل الطروق في صفة الخيال لأن تلك الحالة إنما تحصل في الأكثر في الليل، ثم إنه تعالى لما قال: {وَٱلطَّارِقِ } كان هذا مما لايستغنى سامعه عن معرفة المراد منه، فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ } قال سفيان بن عيينة: كل شيء في القرآن ما أدراك فقد أخبر الرسول به وكل شيء فيه ما يدريك لم يخبر به كقوله: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } تفسير : [الشورى: 17] ثم قال: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } أي هو طارق عظيم الشأن، رفيع القدر وهو النجم الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر ويوقف به على أوقات الأمطار، وههنا مسائل: المسألة الأولى: إنما وصف النجم بكونه ثاقباً لوجوه أحدها: أنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل: درىء لأنه يدرؤه أي يدفعه وثانيها: أنه يطلع من المشرق نافذاً في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء وثالثها: أنه الذي يرى به الشيطان فيثقبه أي ينفذ فيه ويحرقه ورابعها: قال الفراء: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } هو النجم المرتفع على النجوم، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعاً: قد ثقب. المسألة الثانية: إنما وصف النجم بكونه طارقاً، لأنه يبدو بالليل، وقد عرفت أن ذلك يسمى طارقاً، أو لأنه يطرق الجني، أي صكه. المسألة الثالثة: اختلفوا في قوله: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } قال بعضهم: أشير به إلى جماعة النحو فقيل الطارق، كما قيل: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِي خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 2] وقال آخرون: إنه نجم بعينه، ثم قال ابن زيد: إنه الثريا، وقال الفراء: إنه زحل، لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات، وقال آخرون: إنه الشهب التي يرجم بها الشياطين، لقوله تعالى: {أية : فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ }تفسير : [الصافات: 10]. المسألة الرابعة: روي أن أبا طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذ انحط نجم فامتلأ ماء ثم ناراً، ففزع أبو طالب، وقال: أي شيء هذا؟ فقال: هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله، فعجب أبو طالب، ونزلت السورة. واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {لَّمّاً } قراءتان إحداهما: قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع والكسائي، وهي بتخفيف الميم والثانية: قراءة عاصم وحمزة والنخعي بتشديد الميم. قال أبو علي الفاسي: من خفف كانت {إن } عنده المخففة من الثقيلة، واللام في {لَّمّاً } هي التي تدخل مع هذه المخففة لتخلصها من إن النافية، وما صلة كالتي في قوله: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 159] {أية : وعما قليل } تفسير : [المؤمنون: 40] وتكون {إن } متلقية للقسم، كما تتلقاه مثقلة. وأما من ثقل فتكون {إن } عنده النافية، كالتي في قوله: {أية : فيما إِن مكنـاكم } تفسير : [الأحقاف: 26] و{لَّمّاً } في معنى ألا، قال: وتستعمل {لَّمّاً } بمعنى ألا في موضعين أحدهما: هذا والآخر: في باب القسم، تقول: سألتك بالله لما فعلت، بمعنى ألا فعلت. وروى عن الأخفش والكسائي وأبي عبيدة أنهم قالوا: لم توجد لما بمعنى ألا في كلام العرب. قال ابن عون: قرأت عند ابن سيرين لما بالتشديد، فأنكره وقال: سبحان الله، سبحان الله، وزعم العتبي أن {لَّمّاً } بمعنى ألا، مع أن الخفيفة التي تكون بمعنى ما موجودة في لغة هذيل. المسألة الثانية: ليس في الآية بيان أن هذا الحافظ من هو، وليس فيها أيضاً بيان أن الحافظ يحفظ النفس عماذا. أما الأول: ففيه قولان: الأول: قول بعض المفسرين: أن ذلك الحافظ هو الله تعالى. أما في التحقيق فلأن كل وجود سوى الله ممكن، وكل ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح وينتهي ذلك إلى الواجب لذاته، فهو سبحانه القيوم الذي بحفظه وإبقائه تبقى الموجودات، ثم إنه تعالى بين هذا المعنى في السموات والأرض على العموم في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } تفسير : [فاطر:41] وبينه في هذه الآية في حق الإنسان على الخصوص وحقيقة الكلام ترجع إلى أنه تعالى أقسم أن كل ما سواه، فإنه ممكن الوجود محدث محتاج مخلوق مربوب هذا إذا حملنا النفس على مطلق الذات، أما إذا حملناها على النفس المتنفسة وهي النفس الحيوانية أمكن أن يكون المراد من كونه تعالى حافظاً لها كونه تعالى عالماً بأحوالها وموصلاً إليها جميع منافعها ودافعاً عنها جميع مضارها. والقول الثاني: أن ذلك الحافظ هم الملائكة كما قال:{أية : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً }تفسير : [الأنعام:61] وقال: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }تفسير : [ق: 18,17] وقال: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ * كِرَاماً كَـٰتِبِينَ } تفسير : [الإنفطار: 11,10] وقال: {أية : لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ }تفسير : [الرعد: 11]. وأما البحث الثاني: وهو أنه ما الذي يحفظه هذا الحافظ؟ ففيه وجوه أحدها: أن هؤلاء الحفظة يكتبون عليه أعماله دقيقها وجليلها حتى تخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً وثانيها: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } يحفظ عملها ورزقها وأجلها، فإذا استوفى الإنسان أجله ورزقه قبضه إلى ربه، وحاصله يرجع إلى وعيد الكفار وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: {أية : فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نعد لهم عداً} تفسير : [مريم: 84] ثم ينصرفون عن قريب إلى الآخرة فيجازون بما يستحقونه وثالثها: إن كل نفس لما عليها حافظ، يحفظها من المعاطب والمهالك فلا يصيبها إلا ما قدر الله عليها ورابعها: قال الفراء: إن كل نفس لما عليها حافظ يحفظها حتى يسلمها إلى المقابر، وهذا قول الكلبي. واعلم أنه تعالى لما أقسم على أن لكل نفس حافظاً يراقبها ويعد عليها أعمالها، فحينئذ يحق لكل أحد أن يجتهد ويسعى في تحصيل أهم المهمات، وقد تطابقت الشرائع والعقول على أن أهم المهمات معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، واتفقوا على أن معرفة المبدأ مقدمة على معرفة المعاد، فلهذا السبب بدأ الله تعالى بعد ذلك بما يدل على المبدأ.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ } قَسَمان: «السماء» قَسَم، و«الطارق» قَسَم. والطارق: النجم. وقد بينه الله تعالى بقوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ * ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ }. واختلف فيه؛ فقيل: هو زُحَل: الكوكب الذي في السماء السابعة؛ ذكره محمد بن الحسن في تفسيره، وذكر له أخباراً، الله أعلم بصحتها. وقال ابن زيد: إنه الثُّريا. وعنه أيضاً أنه زُحَل؛ وقاله الفراء. ابن عباس: هو الجَدْي. وعنه أيضاً وعن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهما ـ والفراء: «النجم الثاقِب»: نجم في السماء السابعة، لا يسكنها غيره من النجوم؛ فإذا أخَذَت النجوم أمكنتها من السماء، هبط فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زُحَل؛ فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد. وحكى الفراء: ثَقُبَ الطائر: إذا ارتفع وعلا. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: « حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً مع أبي طالب، فانحط نجم، فامتلأت الأرض نوراً، ففزِع أبو طالب، وقال: أي شيء هذا؟ فقال: «هذا نجم رُميَ به، وهو آية من آيات الله» فعجِب أبو طالب، ونزل: {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} » تفسير : . وروي عن ابن عباس أيضاً «والسماءِ والطارِقِ» قال: السماء وما يطْرُق فيها. وعن ابن عباس وعطاء: «الثاقب»: الذي تُرْمَى به الشياطين. قتادة: هو عام في سائر النجوم؛ لأن طلوعها بليلٍ، وكل من أتاك ليلاً فهو طارق. قال: شعر : ومِثلك حبلى قد طرقت ومرضِعاً فألهيتها عن ذِي تمائم مُغْيِل تفسير : وقال: شعر : ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تَطَيَّبِ تفسير : فالطارق: النجم، اسم جنس، سمي بذلك لأنه يطرق ليلاً، ومنه الحديث: « حديث : نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرُق المسافر أهلَه ليلاً، كي تستحِدّ المُغِيبة، وتمتشط الشعِثة » تفسير : . والعرب تسمي كل قاصدٍ في الليل طارقاً. يقال: طرق فلان إذا جاء بليل. وقد طرُق يطرق طروقاً، فهو طارق. ولابن الرومِي: شعر : يا راقدَ الليل مسروراً بأوّلهِ إن الحوادث قد يطرُقن أسحارا لاتفرحَنَّ بليل طاب أوّله فرب آخرِ ليلٍ أجج النارا تفسير : وفي الصحاح: والطارق: النجم الذي يقال له كوكب الصبح. ومنه قول هند: شعر : نحنُ بناتِ طارِقٍ نمشي على النمارقِ تفسير : أي إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء. الماورديّ: وأصل الطَّرْق: الدّق، ومنه سميت المِطرقة، فسمي قاصدُ الليلِ طارقاً، لاحتياجه في الوصول إلى الدق. وقال قوم: إنه قد يكون نهاراً. والعرب تقول؛ أتيتك اليوم طَرْقَتين: أي مرتين. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أعوذ بك من شر طوارِقِ الليل والنهار، إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن » تفسير : . وقال جرير في الطروق: شعر : طَرَقَتْكَ صائدةُ القلوب وليس ذا حينَ الزيارة فارجِعِي بسلامِ تفسير : ثم بين فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ * ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } والثاقب: المضيء. ومنه { أية : شِهَابٌ ثَاقِبٌ } تفسير : [الصافات: 10]. يقال: ثقُب يثْقُب ثُقُوباً وثقابة: إذا أضاء. وثُقوبُه: ضوءه. والعرب تقول: أثقِب نارك؛ أي أضئها. قال: شعر : أذاعَ به في الناسِ حتّى كأَنه بعلياءَ نارٌ أوقدتْ بثَقُوبِ تفسير : الثَّقوب: ما تشعل به النار من دُقاق العِيدان. وقال مجاهد: الثاقب: المتوهِّج. القشيري: والمعظَم على أن الطارق والثاقب اسم جنس أريد به العُموم، كما ذكرنا عن مجاهد. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ } تفخيماً لشأن هذا المقسَمِ به. وقال سفيان: كل ما في القرآن «وما أدراك؟» فقد أخبره به. وكل شيء قال فيه «وما يدريك»: لم يخبره به.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها سبع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلسَّمَاءِ وَٱلطَّارِقِ } والكوكب البادي بالليل وهو في الأصل لسالك الطريق، واختص عرفاً بالآتي ليلاً ثم استعمل للبادي فيه. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٱلطَّارِقُ ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، أو الأفلاك والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل، عبر عنه أولاً بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيماً لشأنه. {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا } أي إن الشان كل نفس لعليها. {حَافِظٌ } رقيب فإن هي المخففة واللام الفاصلة وما مزيدة. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة لما على أنها بمعنى الأوان نافية، والجملة على الوجهين جواب القسم. {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ } لما ذكر أن كل نفس عليها حافظ اتبعه توصية الإنسان بالنظر في مبدئه ليعلم صحة إعادته فلا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته. {خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ } جواب الاستفهام و {مَاء } بمعنى ذي دفق، وهو صعب فيه دفع والمراد الممتزج من الماءين في الرحم لقوله: {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَائِبِ } من بين صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها، ولو صح أن النطفة تتولد من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء، ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين، فلا شك أن الدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها، ولذلك تشبهه، ويسرع الإِفراط في الجماع بالضعف فيه وله خليفة وهو النخاع! وهو في الصلب وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصّا بالذكر. وقرىء «ٱلصُّلْبِ» بفتحتين و « ٱلصُّلْبُ» بضمتين وفيه لغة رابعة وهي «صالب». {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } والضمير للخالق ويدل عليه {خُلِقَ }. {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ } تتعرف ويميز بين ما طاب من الضمائر وما خفي من الأعمال وما خبث منها، وهو ظرف لـ {رَجْعِهِ }.
ابن كثير
تفسير : يقسم تبارك وتعالى بالسماء، وما جعل فيها من الكواكب النيرة، ولهذا قال تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} ثم قال: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ} ثم فسره بقوله: { ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} قال قتادة وغيره: إنما سمي النجم طارقاً؛ لأنه إنما يرى بالليل، ويختفي بالنهار، ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح: نهى أن يطرق الرجل أهله طروقاً، أي: يأتيهم فجأة بالليل، وفي الحديث الآخر المشتمل على الدعاء: «حديث : إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن»تفسير : . وقوله تعالى: {ٱلثَّاقِبُ} قال ابن عباس: المضيء. وقال السدي: يثقب الشياطين إذا أرسل عليها. وقال عكرمة: هو مضيء ومحرق للشيطان. وقوله تعالى: { إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} أي: كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات؛ كما قال تعالى: {أية : لَهُ مُعَقِّبَـٰتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 11]. وقوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ}؟ تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه، وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد؛ لأن من قدر على البداءة، فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] وقوله تعالى: {خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ } يعني: المني، يخرج دفقاً من الرجل والمرأة، فيتولد منهما الولد، بإذن الله عز وجل، ولهذا قال: { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} يعني: صلب الرجل، وترائب المرأة، وهو صدرها. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} صلب الرجل، وترائب المرأة، أصفر رقيق لا يكون الولد إلا منهما، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن مسعر، سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس: { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} قال: هذه الترائب، ووضع يده على صدره. وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: تريبة المرأة: موضع القلاده، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الترائب: بين ثدييها، وعن مجاهد: الترائب: ما بين المنكبين إلى الصدر، وعنه أيضاً: الترائب: أسفل من التراقي، وقال سفيان الثوري: فوق الثديين، وعن سعيد بن جبير: الترائب: أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل. وعن الضحاك: الترائب: بين الثديين والرجلين والعينين، وقال الليث بن سعد عن معمر بن أبي حبيبة المدني: أنه بلغه في قول الله عز وجل: { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} قال: هو عصارة القلب، من هناك يكون الولد، وعن قتادة: { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} من بين صلبه ونحره. وقوله تعالى: { إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} فيه قولان: (أحدهما) على رجع هذا الماء الدافق، إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك. قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما. (والقول الثاني) إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق، أي: إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر؛ لأن من قدر على البداءة، قدر على الإعادة، وقد ذكر الله عز وجل هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع، وهذا القول قال به الضحاك، واختاره ابن جرير، ولهذا قال تعالى: { يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} أي: يوم القيامة تبلى فيه السرائر، أي: تظهر وتبدو، ويبقى السر علانية، والمكنون مشهوراً، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يرفع لكل غادر لواء عند استه، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان» تفسير : وقوله تعالى: {فَمَا لَهُ} أي: الإنسان يوم القيامة {مِّن قُوَّةٍ} أي: في نفسه، {وَلاَ نَاصِرٍ} أي: من خارج منه، أي: لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله، ولا يستطيع له أحد ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلسَّمَاءِ وَٱلطَّارِقِ } أصله كل آت ليلاً ومنه النجوم لطلوعها ليلاً.
الشوكاني
تفسير : أقسم سبحانه بالسماء والطارق، وهو: النجم الثاقب، كما صرّح به التنزيل. قال الواحدي: قال المفسرون: أقسم الله بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار. قال الفرّاء: الطارق النجم؛ لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلاً فهو طارق. وكذا قال الزجاج، والمبرد: ومنه قول امرىء القيس:شعر : ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول تفسير : وقوله أيضاً:شعر : ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها طيباً وإن لم تطيب تفسير : وقد اختلف في الطارق هل هو نجم معين، أو جنس النجم؟ فقيل: هو زحل. وقيل: الثريا. وقيل: هو الذي ترمى به الشياطين. وقيل: هو جنس النجم. قال في الصحاح: {والطارق}: النجم الذي يقال له كوكب الصبح، ومنه قول هند بنت عتبة:شعر : نحن بنات طارق نمشي على النمارق تفسير : أي: إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء، وأصل الطروق: الدقّ، فسمي قاصد الليل طارقاً لاحتياجه في الوصول إلى الدق. وقال قوم: إن الطروق قد يكون نهاراً، والعرب تقول: أتيتك اليوم طرقتين أي: مرتين، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعوذ بك من شرّ طوارق الليل والنهار إلاَّ طارقاً يطرق بخير»تفسير : ثم بيّن سبحانه ما هو الطارق، تفخيماً لشأنه بعد تعظيمه بالإقسام به فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ * ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } الثاقب: المضيء، ومنه يقال: ثقب النجم ثقوباً، وثقابة: إذا أضاء، وثقوبه ضوؤه، ومنه قول الشاعر:شعر : أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب تفسير : قال الواحدي: الطارق يقع على كل ما طرق ليلاً، ولم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } قال مجاهد: الثاقب المتوهج. قال سفيان: كل ما في القرآن {وَمَا أَدْرَاكَ }، فقد أخبره، وكل شيء قال: {وَمَا يُدْرِيكَ } لم يخبره به، وارتفاع قوله: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر نشأ مما قبله، كأنه قيل: ما هو؟ فقيل: هو النجم الثاقب. {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } هذا جواب القسم، وما بينهما اعتراض، وقد تقدّم في سورة هود اختلاف القرّاء في: "لما"، فمن قرأ بتخفيفها كانت إن هنا هي المخففة من الثقيلة فيها ضمير الشأن المقدّر، وهو اسمها، واللام هي الفارقة، وما مزيدة، أي: إن الشأن كل نفس لعليها حافظ، ومن قرأ بالتشديد، فإن نافية، ولما بمعنى إلا، أي: ما كل نفس إلاّ عليها حافظ، وقد قرأ هنا بالتشديد ابن عامر، وعاصم، وحمزة. وقرأ الباقون بالتخفيف. قيل: والحافظ هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها، وقولها وفعلها، ويحصون ما تكسب من خير وشرّ وقيل: الحافظ هو الله عزّ وجلّ. وقيل: هو العقل يرشدهم إلى المصالح، ويكفهم عن المفاسد، والأوّل أولى لقوله: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ }تفسير : [الانفطار: 10] وقوله: {أية : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } تفسير : [الأنعام: 61] وقوله: {أية : لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ } تفسير : [الرعد: 11] والحافظ على الحقيقة هو الله عزّ وجلّ، كما في قوله: {أية : فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا }تفسير : [يوسف: 64] وحفظ الملائكة من حفظه؛ لأنهم بأمره. {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ } الفاء للدلالة على أن كون على كل نفس حافظ يوجب على الإنسان أن يتفكر في مبتدأ خلقه؛ ليعلم قدرة الله على ما هو دون ذلك من البعث. قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث {مِمَّ خُلِقَ } من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر، والاستدلال حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته. ثم بيّن سبحانه ذلك فقال: {خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ } والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، والماء: هو المنيّ، والدفق: الصب، يقال دفقت الماء، أي: صببته، يقال ماء دافق أي: مدفوق، مثل: {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [القارعة: 7] أي: مرضية. قال الفرّاء، والأخفش: {ماء دافق}، أي: مصبوب في الرحم. قال الفرّاء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم كقولهم: سرّ كاتم أي: مكتوم، وهمّ ناصب: أي منصوب، وليل نائم، ونحو ذلك. قال الزجاج: من ماء ذي اندفاق، يقال دارع، وقايس، ونابل: أي ذو درع، وقوس، ونبل، وأراد سبحانه ماء الرجل والمرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحداً لامتزاجهما. ثم وصف هذا الماء، فقال: {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَائِبِ } أي: صلب الرجل، وترائب المرأة، والترائب جمع تريبة، وهي: موضع القلادة من الصدر، والولد لا يكون إلا من الماءين. قرأ الجمهور: {يخرج} مبنياً للفاعل. وقرأ ابن أبي عبلة، وابن مقسم مبنياً للمفعول، وفي الصلب وهو الظهر لغات. قرأ الجمهور بضم الصاد وسكون اللام، وقرأ أهل مكة بضم الصاد واللام. وقرأ اليماني بفتحهما. ويقال صالب على وزن قالب، ومنه قول العباس بن عبد المطلب:شعر : تنقل من صلب إلى رحم تفسير : في أبياته المشهورة في مدح النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد تقدّم كلام في هذا عند تفسير قوله: {أية : ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ }تفسير : [النساء: 23] وقيل: الترائب ما بين الثديين. وقال الضحاك: ترائب المرأة: اليدين، والرجلين، والعينين. وقال سعيد بن جبير: هي الجيد. وقال مجاهد: هي ما بين المنكبين والصدر. وروي عنه أيضاً أنه قال: هي الصدر. وروي عنه أيضاً أنه قال: هي التراقي. وحكى الزجاج: أن الترائب عصارة القلب، ومنه يكون الولد، والمشهور في اللغة أنها عظام الصدر، والنحر، ومنه قول دريد بن الصمة:شعر : فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم وإن تقبلوا نأخذكم في الترائب تفسير : قال عكرمة: الترائب الصدر، وأنشد:شعر : نظام درّ على ترائبها تفسير : قال في الصحاح: التريبة واحدة الترائب. وهي: عظام الصدر. قال أبو عبيدة: جمع التريبة تريب، ومنه قول المثقب العبدي:شعر : ومن ذهب يبين على تريب كلون العاج ليس بذي غضون تفسير : وقول امرىء القيس:شعر : ترائبها مصقولة كالسجنجل تفسير : وحكى الزجاج: أن الترائب أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع أضلاع من يسرة الصدر. قال قتادة، والحسن: المعنى، ويخرج من صلب الرجل، وترائب المرأة. وحكى الفرّاء أن مثل هذا يأتي عن العرب يكون معنى {من بين الصلب}. من الصلب. وقيل: إن ماء الرجل ينزل من الدماغ، ولا يخالف هذا ما في الآية؛ لأنه إذا نزل من الدماغ نزل من بين الصلب والترائب. وقيل: إن المعنى: يخرج من جميع أجزاء البدن، ولا يخالف هذا ما في الآية؛ لأن نسبة خروجه إلى بين الصلب والترائب، باعتبار أن أكثر أجزاء البدن هي: الصلب والترائب، وما يجاورها، وما فوقها مما يكون تنزله منها {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } الضمير في {إنه} يرجع إلى الله سبحانه لدلالة قوله: {خُلِقَ } عليه، فإن الذي خلقه هو الله سبحانه، والضمير في {رجعه} عائد إلى الإنسان. والمعنى: أن الله سبحانه على رجع الإنسان، أي: إعادته بالبعث بعد الموت: {لَقَادِرٌ } هكذا قال جماعة من المفسرين: وقال مجاهد: على أن يردّ الماء في الإحليل. وقال عكرمة، والضحاك: على أن يردّ الماء في الصلب. وقال مقاتل بن حيان يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج لقادر. والأوّل أظهر، ورجحه ابن جرير، والثعلبي، والقرطبي. {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ } العامل في الظرف على التفسير الأوّل، هو {رجعه}. وقيل: {لقادر}. واعترض عليه بأنه يلزم تخصيص القدرة بهذا اليوم، وقيل: العامل فيه مقدّر أي: يرجعه يوم تبلى السرائر، وقيل: العامل فيه مقدّر، وهو اذكر، فيكون مفعولاً به، وأما على قول من قال: إن المراد رجع الماء، فالعامل في الظرف مقدّر، وهو اذكر، ومعنى {تبلى السرائر}: تختبر، وتعرف، ومنه قول الراجز:شعر : قد كنت قبل اليوم تزدريني فاليوم أبلوك وتبتليني تفسير : أي: أختبرك وتختبرني، وأمتحنك وتمتحنني، والسرائر: ما يسرّ في القلوب من العقائد والنيات، وغيرها، والمراد هنا عرض الأعمال، ونشر الصحف، فعند ذلك يتميز الحسن منها من القبيح، والغثّ من السمين {فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ } أي: فما للإنسان من قوّة في نفسه يمتنع بها عن عذاب الله، ولا ناصر ينصره مما نزل به، وقال عكرمة: هؤلاء الملوك ما لهم يوم القيامة من قوّة ولا ناصر. قال سفيان: القوة العشيرة، والناصر الحليف، والأوّل أولى. {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلرَّجْعِ } الرجع: المطر. قال الزجاج: الرجع: المطر؛ لأنه يجيء ويرجع ويتكرر. قال الخليل: الرجع المطر نفسه، والرجع نبات الربيع. قال أهل اللغة: الرجع المطر. قال المتنخل يصف سيفاً له:شعر : أبيض كالرجع رسوب إذا ما باح في محتفل يختلي تفسير : قال الواحدي: الرجع المطر في قول جميع المفسرين، وفي هذا الذي حكاه عن جميع المفسرين نظر، فإن ابن زيد قال: الرجع الشمس، والقمر، والنجوم يرجعن في السماء تطلع من ناحية، وتغيب في أخرى. وقال بعض المفسرين: {ذات الرجع}: ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد. وقال بعضهم: معنى ذات الرجع: ذات النفع، ووجه تسمية المطر رجعاً ما قاله القفال إنه مأخوذ من ترجيع الصوت، وهو إعادته، وكذا المطر لكونه يعود مرّة بعد أخرى سمي رجعاً. وقيل: إن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض. وقيل: سمته العرب رجعاً لأجل التفاؤل ليرجع عليهم. وقيل: لأن الله يرجعه وقتاً بعد وقت. {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات، والثمار والشجر. والصدع: الشقّ؛ لأنه يصدع الأرض، فتنصدع له. قال أبو عبيدة، والفرّاء: تتصدّع بالنبات. قال مجاهد: والأرض ذات الطرق التي تصدعها المياه. وقيل: ذات الحرث لأنه يصدعها. وقيل: ذات الأموات لانصداعها عنهم عند البعث. والحاصل أن الصدع إن كان اسماً للنبات فكأنه قال: والأرض ذات النبات؛ وإن كان المراد به الشق، فكأنه قال: والأرض ذات الشق الذي يخرج منه النبات ونحوه، وجواب القسم قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } أي: إن القرآن لقول يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ } أي: لم ينزل باللعب، فهو جدّ ليس بالهزل، والهزل ضدّ الجدّ. قال الكميت:شعر : تجدّ بنا في كل يوم وتهزل تفسير : {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً } أي: يمكرون في إبطال ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدين الحق. قال الزجاج: يخاتلون النبيّ، ويظهرون ما هم على خلافه. {وَأَكِيدُ كَيْداً } أي: أستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأجازيهم جزاء كيدهم. قيل: هو ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل والأسر {فَمَهّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي: أخرهم، ولا تسأل الله سبحانه تعجيل هلاكهم، وارض بما يدبره لك في أمورهم، وقوله: {أَمْهِلْهُمْ } بدل من مهل، ومهل وأمهل بمعنى: مثل نزل وأنزل، والإمهال: الإنظار، وتمهل في الأمر، اتأد، وانتصاب {رُوَيْداً } على أنه مصدر مؤكد للفعل المذكور، أو نعت لمصدر محذوف، أي: أمهلهم إمهالاً رويداً أي: قريباً أو قليلاً. قال أبو عبيدة: والرويد في كلام العرب تصغيراً الرود، وأنشد:شعر : كأنها تمشي على رود تفسير : أي: على مهل. وقيل: تصغير أرواد مصدر رود تصغير الترخيم، ويأتي اسم فعل نحو رويد زيداً، أي: أمهله، ويأتي حالاً نحو سار القوم رويداً، أي: متمهلين، ذكر معنى هذا الجوهريّ، والبحث مستوفى في علم النحو. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَٱلسَّمَاء وَٱلطَّارِقِ } قال: أقسم ربك بالطارق: وكل شيء طرقك بالليل فهو طارق. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } قال: كل نفس عليها حفظة من الملائكة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } قال: النجم المضيء {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } قال: إلاّ عليها حافظ. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه: {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَائِبِ } قال: ما بين الجيد والنحر. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: تريبة المرأة، وهي موضع القلادة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً قال: الترائب بين ثديي المرأة. وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضاً قال: الترائب أربعة أضلاع من كلّ جانب من أسفل الأضلاع. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه أيضاً: {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } قال: على أن يجعل الشيخ شاباً، والشابّ شيخاً. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلرَّجْعِ } قال: المطر بعد المطر {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } قال: صدعها عن النبات. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } تصدّع الأودية. وأخرج ابن منده، والديلمي عن معاذ بن أنس مرفوعاً {وَٱلاَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } قال: تصدع بإذن الله عن الأموال والنبات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } قال: حقّ، {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ } قال: بالباطل، وفي قوله: {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } قال: قريباً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {والسماءِ والطارقِ} هما قسمَان: " والسماءِ" قَسَمٌ، " والطارقِ" قَسَمٌ. " الطارق" نجم، وقد بيّنه الله تعالى بقوله: {وما أدْراكَ ما الطارقُ * النجْمُ الثّاقبُ} ومنه قول هند بنت عتبة: شعر : نحْنُ بنــات طــارِق نـمْشـي علـى النمــارق تفسير : تقول: نحن بنات النجم افتخاراً بشرفها، وإنما سمي النجم طارقاً لاختصاصه بالليل، والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقاً، قال الشاعر: شعر : ألا طَرَقَتْ بالليلِ ما هجَعوا هندُ وهندٌ أَتى مِن، دُونها النأيُ والصَّدّ تفسير : وأصل الطرق الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمي قاصد الليل طارقاً لاحتياجه في الوصول إلى الدق. وفي قوله " النجم الثاقب" ستة أوجه: أحدها: المضيء، قاله ابن عباس. الثاني: المتوهج، قاله مجاهد. الثالث: المنقصّ، قاله عكرمة. الرابع: أن الثاقب الذي قد ارتفع على النجوم كلها، قاله الفراء. الخامس: الثاقب: الشياطين حين ترمى، قاله السدي. السادس: الثاقب في مسيره ومجراه، قاله الضحاك. وفي هذا النجم الثاقب قولان: أحدهما: أنه زُحل، قاله عليّ. الثاني: الثريّا، قاله ابن زيد. {إن كُلُّ نفْسٍ لّما عليها حافِظٌ} فيه وجهان: أحدهما: " لّما" بمعنى إلاّ، وتقديره: إنْ كل نفس إلاَّ عليها حافظ، قاله قتادة. الثاني: أن " ما" التي بعد اللام صله زائدة، وتقديره: إن كل نفس لعليها حافظ، قاله الأخفش. وفي الحافظ قولان: أحدهما: حافظ من الله يحفظ عليه أجله ورزقه، قاله ابن جبير. الثاني: من الملائكة يحفظون عليه عمله من خير أو شر، قاله قتادة. ويحتمل ثالثاً: أن يكون الحافظ الذي عليه عقله، لأنه يرشده إلى مصالحه، ويكفّه عن مضاره. {يَخْرُجُ مِنْ بَيْن الصُّلْبِ والتّرائِب} فيه قولان: أحدهما: من بين صلب الرجل وترائبه، قاله الحسن وقتادة. الثاني: بمعنى أصلاب الرجال وترائب النساء. وفي الترائب ستة أقاويل: أحدها: أنه الصدر، قاله ابن عياض، ومنه قول دريد بن الصمة. شعر : فإنَّ تُدْبروا نأخذكُم في ظهوركم وإنْ تُقْبِلُوا نأخذكُم في الترائب تفسير : الثاني: ما بين المنكبين إلى الصدر، قاله مجاهد. الثالث: موضع القلادة، قاله ابن عباس، قال الشاعر: شعر : والزعفران على ترائبها شرق به اللّباتُ والنحْرُ تفسير : الرابع: أنها أربعة أضلاع من الجانب الأسفل، قاله ابن جبير، وحكى الزجاج أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر. الخامس: أنها بين اليدين والرجلين والعينين، قاله الضحاك. السادس: هي عصارة القلب، قاله معمر بن أبي حبيبة. {إنّه على رَجْعِهِ لقادرٌ} فيه خمسة أوجه: أحدها: على أن يرد المني في الإحليل، قاله مجاهد. الثاني: على أن يرد الماء في الصلب، قاله عكرمة. الثالث: على أن يرد الإنسان من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة، قاله الضحاك. الرابع: على أن يعيده حيّاً بعد موته، قاله الحسن وعكرمة وقتادة. الخامس: على أن يحبس الماء فلا يخرج. ويحتمل سادساً: على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة لأن الكفار يسألون الله فيها الرجعة. {يومَ تُبْلَى السّرائرُ} أي تَظْهَر. ويحتمل ثانياً: أن تبتلى بظهور السرائر في الآخرة بعد استتارها في الدنيا. وفيها قولان: أحدهما: كل ما استتر به الإنسان من خير وشر، وأضمره من إيمان أو كفر، كما قال الأحوص: شعر : ستُبلَى لكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحشَا سَريرةُ ودٍّ يومَ تُبلَى السرائرُ. تفسير : الثاني: هو ما رواه خالد عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الأمانات ثلاث: الصلاة والصوم والجنابة، استأمن الله ابن آدم على الصلاة، فإن شاء قال: قد صليت ولم يُصلّ، استأمن الله ابن آدم على الصوم، فإن شاء قال: قد صمت ولم يصم، استأمن الله ابن آدم على الجنابة، فإن شاء قال: قد اغتسلت ولم يغتسل، اقرؤوا إن شئتم: " يوم تُبْلى السّرائرُ ". تفسير : {فما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصَرٍ} فيه قولان: أحدهما: أن القوة العشيرة، والناصر: الحليف، قاله سفيان. الثاني: فما له من قوة في بدنه، ولا ناصر من غيره يمتنع به من الله، أو ينتصر به على الله، وهو معنى قول قتادة. ويحتمل ثالثاً: فما له من قوة في الامتناع، ولا ناصر في الاحتجاج.
ابن عطية
تفسير : أقسم الله تعالى بـ {السماء} المعروفة في قول جمهور المتأولين، وقال قوم: {السماء} هنا، المطر، والعرب تسميه سماء، لما كان من السماء، وتسمي السحاب سماء، ومن ذلك قول الشاعر [جرير]: [الوافر] شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : وقول النابغة: [الكامل] شعر : كالأقحوان غداة غب سمائه تفسير : {والطارق} الذي يأتي ليلاً، وهو اسم جنس لكل ما يظهر ويأتي ليلاً، ومنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس من أسفارهم أن يأتي الرجل أهله طروقاً، ومنه طروق الخيال، وقال الشاعر: [البسيط] شعر : يا نائم الليل مغتراً بأوله إن الحوادث قد تطرقن أسحاراً تفسير : ثم بين الله تعالى الجنس المذكور بأنه {النجم الثاقب} ، وقيل بل معنى الآية: {والسماء} وجميع ما يطرق فيها من الأمور والمخلوقات، ثم ذكر تعالى بعد ذلك على جهة التنبيه أجل الطارقات قدراً وهو {النجم الثاقب}، فكأنه قال: {وما أدراك ما الطارق}، وحق الطارق، واختلف المتأولون في {النجم الثاقب}، فقال الحسن بن أبي الحسن ما معناه: إنه اسم للجنس، لأنها كلها ثاقبة، أي ظاهرة الضوء، يقال ثقب النجم إذا أضاء، وثقبت النار، كذلك، وثقبت الرائحة إذا سطعت، ويقال للموقد اثقب نارك، أي اضئها، وقال ابن زيد: أراد نجماً مخصوصاً: وهو زحل، ووصفه بالثقوب، لأنه مبرز على الكواكب في ذلك، وقال ابن عباس: أراد الجدي، وقال بعض هؤلاء يقال: ثقب النجم، إذا ارتفع فإنما وصف زحلاً بالثقوب لأنه أرفع الكواكب مكاناً. وقال ابن زيد وغيره: {النجم الثاقب}: الثريا، وهو الذي يطلق عليه اسم النجم معرفاً، وجواب القسم في قوله: {إن كل نفس} الآية، وقرأ جمهور الناس: "لما" مخففة الميم، قال الحذاق من النحويين وهم البصريون: مخففة من الثقيلة، واللام: لام التأكيد الداخلة على الخبر، وقال الكوفيون: {إن}، بمعنى: ما النافية، واللام بمعنى: إلا، فالتقدير ما كان نفس إلا {عليها حافظ}، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن والأعرج وأبو عمرو ونافع بخلاف عنهما وقتادة: "لمّا" بتشديد الميم، وقال أبو الحسن الأخفش: "لمّا" بمعنى: إلا، لغة مشهورة في هذيل وغيرهم، يقال: أقسمت عليك لمّا فعلت كذا، أي إلا فعلت كذا، ومعنى هذه الآية فيما قال قتادة وابن سيرين وغيرهما: إن كل نفس مكلفة فعليها حافظ يحصي أعمالها ويعدها للجزاء عليها، وبهذا الوجه تدخل الآية في الوعيد الزاجر، وقال الفراء، المعنى: {عليها حافظ} يحفظها حتى يسلمها إلى القدر، وهذا قول فاسد المعنى لأن مدة الحفظ إنما هي بقدر، وقال أبو أمامة: قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية حديث : إن لكل نفس حفظة من الله تعالى يذبون عنها كما يذب عن العسل، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الطير والشياطين، تفسير : وقوله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق}، توقيف لمنكري البعث على أصل الخلقة، أي أن البعث جائز ممكن، ثم بادر اللفظ إلى الجواب اقتضاباً وإسراعاً إلى إقامة الحجة، إذ لا جواب لأحد إلا هذا، و {دافق}، قال كثير: هو بمعنى: مدفوق، وقال الخليل وسيبويه: هو على النسب أي ذي دفق، والدفق: دفق الماء بعضه إلى بعض، تدفق الوادي والسيل، إذا جاء يركب بعضه بعضاً، ويصح أن يكون الماء دافقاً، لأن بعضه يدفع بعضاً، فمنه {دافق} ومنه مدفوق. وقوله تعالى: {يخرج من بين الصلب والترائب} ، قال قتادة والحسن وغيره: معناه من بين صلب كل واحد من الرجل والمرأة وترائبه، وقال سفيان وقتادة أيضاً وجماعة: من بين صلب الرجل وترائب المرأة، والضمير في {يخرج} يحتمل أن يكون للإنسان، ويحتمل أن يكون للماء، وقرأ الجمهور: " الصلب"، وقرأ أهل مكة وعيسى: " الصلُب" بضم اللام على الجميع، والتريبة من الإنسان: ما بين الترقوة إلى الثدي، وقال أبو عبيدة، معلق الحلي على الصدر، وجمع ذلك: ترائب ومنه قول الشاعر [المثقب العبدي]: [الوافر] شعر : ومن ذهب يسن على تريب كلوان العاج ليس بذي غضون تفسير : وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : ترائبها مصقولة كالسجنجل تفسير : فجمع التريبة وما حولها فجعل ذلك ترائب، وقال مكي عن ابن عباس: إن الترب أطراف المرء ورجلاه ويداه وعيناه، وقال معمر: {الترائب}، جمع تريبة، وهي عصارة القلب، ومنه يكون الولد، وفي هذه الأقوال تحكم على اللغة، وقال ابن عباس: {الترائب} موضع القلادة، وقال أيضاً: هي ما بين ثدي المرأة، وقال ابن جبير: هي أضلاع الرجل التي أسفل الصلب، وقال مجاهد: هي الصدر، وقال هي التراقي، وقيل هي ما بين المنكبين والصدر. وقوله تعالى: {إنه على رجعه لقادر} الضمير في {إنه} لله تعالى، واختلف المفسرون في الضمير في {رجعه} : فقال قتادة وابن عباس: هو على {الإنسان} أي على رده حياً بعد موته، وقال الضحاك: هو عائد على {الإنسان} لكن المعنى يرجعه ماء كما كان أولاً، وقال الضحاك أيضاً: يرد من الكبر إلى الشباب، وقال عكرمة ومجاهد: هو عائد على الماء، أي يرده في الإحليل، وقيل في الصلب، والعامل في {يوم} على هذين القولين الأخيرين فعل مضمر تقديره اذكر {يوم تبلى السرائر} ، وعلى القول الأول، وهو أظهر الأقوال وأبينها، اختلفوا في العامل في {يوم} ، فقيل: العامل {ناصر}، من قوله تعالى: {ولا ناصر}، وقيل العامل الرجع في قوله تعالى: {على رجعه}، قالوا وفي المصدر من القوة بحيث يعمل وإن حال خبر ان بينه وبين معموله، وقال الحذاق العامل فعل مضمر تقديره: {إنه على رجعه لقادر}، فرجعه {يوم تبلى السرائر}، وكل هذه الفرق فسرت من أن يكون العامل " قادر"، لأن ذلك يظهر منه تخصيص القدرة في ذلك اليوم وحده، وإذا تؤمل المعنى وما يقتضيه فصيح كلام العرب، جاز أن يكون العامل "قادر"، وذلك أنه قال: {إنه على رجعه لقادر}، أي على الإطلاق أولاً وآخراً وفي كل وقت، ثم ذكر تعالى وخصص من الأوقات الوقت الأهم على الكفار لأنه وقت الجزاء والوصل إلى العذاب ليجتمع الناس إلى حذره والخوف منه، و {تبلى السرائر} معناه: تختبر وتكشف بواطنها، وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن {السرائر} التي يبتليها الله تعالى من العباد: التوحيد والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة. قال القاضي أبو محمد: هذه عظم الأمر، وقال قتادة: الوجه في الآية، العموم في جميع السرائر، وليس يمتنع في الدنيا من المكاره إلا بأحد الوجهين: إما بقوة في ذات الإنسان، وإما بناصر خارج عن ذاته، فأخبره الله تعالى عن الإنسان أنه يعدمها يوم القيامة، فلا يعصمه من أمر الله شيء.
ابن عبد السلام
تفسير : {الطَّارِقُ} سمي النجم طارقاً لاختصاصه بالليل وكل قاصد في الليل طارق وأصل الطرق الدق ومنه المطرقة وقاصد الليل طارق لاحتياجه في وصوله إلى الدق.
النسفي
تفسير : مكية وهي سبع عشرة آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {وَٱلسَّمَاء وَٱلطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ * ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } عظم قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة فأقسم بها وبالطارق والمراد جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها لعظم منفعتها، ثم فسره بالنجم الثاقب أي المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل كما يقال للآتي ليلاً طارق، أو لأنه يطرق الجني أي يصكه. وجواب القسم {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } لأن {لَّمّاً } إن كانت مشددة بمعنى «إلا» كقراءة عاصم وحمزة وابن عامر فتكون «إن» نافية أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، وإن كانت مخففة كقراءة غيرهم فتكون «إن» مخففة من الثقيلة أي إن كل نفس لعليها حافظ يحفظها من الآفات، أو يحفظ عملها ورزقها وأجلها، فإذا استوفى ذلك مات. وقيل: هو كاتب الأعمال فـ «ما» زائدة واللام فارقة بين الثقيلة والخفيفة، و {حَافِظٌ } مبتدأ و {عَلَيْهَا } الخبر، والجملة خبر {كُلٌّ } وأيتهما كانت فهي مما يتلقى به القسم. {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ } لما ذكر أن على كل نفس حافظاً أمره بالنظر في أول أمره ليعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه فيعمل ليوم الجزاء ولا يملي على حافظه إلا ما يسرّه في عاقبته. و {مِمَّ خُلِقَ } استفهام أي من أي شيء خلق جوابه {خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ } والدفق: صب فيه دفع. والدفق في الحقيقة لصاحبه والإسناد إلى الماء مجاز. وعن بعض أهل اللغة: دفقت الماء دفقاً: صببته ودفق الماء بنفسه أي انصب. ولم يقل من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما حين ابتدىء في خلقه {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَائِبِ } من صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة. وقيل: العظم والعصب من الرجل واللحم والدم من المرأة {إِنَّهُ} إن الخالق لدلالة خلق عليه ومعناه إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة {عَلَىٰ رَجْعِهِ } على إعادته خصوصاً {لَقَادِرٌ } لبيّن القدرة لا يعجز عنه كقوله: إنني لفقير أي لبيّن الفقر. ونصب {يَوْمَ تُبْلَىٰ } أي تكشف برجعه أو بمضمر دل عليه قوله {رَجْعِهِ } أي يبعثه يوم تبلى {ٱلسَّرَائِرُ } ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيات وما أخفى من الأعمال {فَمَا لَهُ } فما للإنسان {مِن قُوَّةٍ } في نفسه على دفع ما حل به {وَلاَ نَاصِرٍ } يعينه ويدفع عنه. {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلرَّجْعِ } أي المطر وسمي به لعوده كل حين {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات {إِنَّهُ} إن القرآن {لَقَوْلٌ فَصْلٌ } فاصل بين الحق والباطل كما قيل له فرقان {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ } باللعب والباطل يعني أنه جد كله ومن حقه، وقد وصفه الله بذلك أن يكون مهيباً في الصدور معظماً في القلوب، يرتفع به قارئه وسامعه أن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح {أَنَّهُمْ } يعني مشركي مكة {يَكِيدُونَ كَيْداً } يعملون المكايد في إبطال أمر الله وأطفاء نور الحق {وَأَكِيدُ كَيْداً } وأجازيهم جزاء كيدهم باستدراجي لهم من حيث لا يعلمون فسمي جزاء الكيد كيداً كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة وإن لم يكن اعتداء وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه الجزاء كقوله: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } تفسير : [التوبة: 67] ـ {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء: 142] ـ {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } تفسير : [البقرة: 15] {فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به {أَمْهِلْهُمْ } أنظرهم فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين والتصبير {رُوَيْداً } مهلاً يسيراً ولا يتكلم بها إلا مصغّرة وهي من رادت الريح ترود روداً تحركت حركة ضعيفة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والسماء والطارق} قيل نزلت في أبي طالب وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن فبينما هو جالس يأكل إذ انحط نجم فامتلأ ماء ثم ناراً ففزع أبو طالب، وقال: أي شيء هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات اللهتفسير : ، فعجب أبو طالب فأنزل الله والسماء والطارق يعني النجم يظهر بالليل، وكل ما أتاك بالليل فهو طارق، ولا يسمى ذلك بالنهار، وسمي النجم طارقاً لأنه يطرق بالليل قالت هند: شعر : نحن بنات طارق نمشي على النمارق تفسير : تريد أن أباها نجم في علوه وشرفه. {وما أدراك ما الطارق} قيل لم يكن صلى الله عليه وسلم يعرفه، حتى بينه الله له بقوله {النجم الثاقب}، أي المضيء المنير، وقيل المتوهج، وقيل المرتفع العالي، وقيل هو الذي يرمى به الشيطان فيثقبه أي ينفذه، وقيل النجم الثاقب هو الثريا لأن العرب تسميها النجم، وقيل هو زحل سمي بذلك لارتفاعه، وقيل هو كل نجم يرمى به الشيطان لأنه يثقبه فينفذه، وهذه أقسام أقسم الله بها، وقيل تقديره ورب هذه الأشياء وجواب القسم قوله تعالى {إن كل نفس لما عليها حافظ...}.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لما} بالتشديد: ابن عامر وعاصم وحمزة ويزيد. الوقوف {الطارق} ه لا {الطارق} ه ك {الثاقب} ه ك {حافظ} ه ط {مم خلق} ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار {دافق} ه لا {والترائب} ه ط {لقادر} ه ك بناء على أن الظرف مفعول " اذكر " ومن جعل {يوم} ظرفاً للرجع وهو أولى لم يقف. {السرائر} ه لا {ولا ناصر} ه ط {الرجع} ه {الصدع} ه ك {فصل} ه ك {بالهزل} ه ط {كيداً} ه لا {كيداً} ج ه {رويداً} ه. التفسير: إنه سبحانه أكثر في كتابه الكريم الأقسام بالسمويات لأن أحوالها في مطالعها ومغاربها ومسيراتها عجيبة. أما الطارق فهو كل ما ينزل بالليل ولهذا جاء في الحديث التعوّذ من طوارق الليل. وذكر طروق الخيال في أشعار العرب كثير لأن تلك الحالة تحصل في الأغلب ليلاً، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي الرجل أهله طروقاً. ثم إنه تعالى بين أنه أراد بالطارق في الآية {النجم الثاقب} أي هو طارق عظيم الشأن رفيع القدر وهو جنس النجم الذي يهتدى به في ظلمات البحر والبر. قال علماء اللغة: سمي ثاقباً لأنه يثقب الظلام بضوئه كما سمي درياً لأن يدرأوه أي يدفعه، أو لأنه يطلع من المشرق نافذاً في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء، أو لأنه إذا رمي به الشيطان ثقبه أي نفذ فيه وأحرقه. وقد خصه بعضهم بزحل لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات. وقال ابن زيد: هو الثريا. وروى أن أبا طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأ ما ثم نوراً ففزع أبو طالب وقال: أيّ شيء هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله فعجب أبو طالب ونزلت السورة. من قرأ {لما} مشدّدة بمعنى " إلا " فـ " إن " نافية. ومن قرأها مخففة على أن " ما " صلة كالتي في قوله {أية : فبما رحمة} تفسير : [آل عمران: 159] فـ " إن " مخففة من المثقلة. والآية على التقديرين جواب القسم. والحافظ هو الله أو الملك الذي يحصي أعمال العباد كقوله {أية : وإن عليكم لحافظين}تفسير : [الانفطار: 10] أو الذي يحفظ الإنسان من المكاره حتى يسلمه إلى القبر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : وكل بالمؤمن مائة وستون ملكاً يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين" تفسير : أو الذي يحفظ عليه رزقه وأجله حتى يستوفيهما. وحين ذكر أن على كل نفس حافظاً أتبعه بوصيته للإنسان بالنظر في مبدئه ومعاده. والدفق صب فيه دفع، ولا شك أن الصب فعل الشخص فهو من الإسناد المجازي أو على النسبة أي ماء ذي دفق كما مر في {أية : عيشة راضية} تفسير : [الحاقة: 21] ومعنى خروجه من بين الصلب والترائب أن أكثره ينفصل من هذين الموضعين لإحاطتهما بسور البدن، والذي ينفصل من اليدين ومن الدماغ يمر عليهما أيضاً. وطالما أعطى للأكثر حكم الكل وهذا المعنى يشمل ماء الرجل وماء المرأة، ويحتمل أن يقال: أريد به ماء الرجل فقط إما بناء على حكم التغليب وإما بناء على مذهب من لا يرى للمرأة ماء ولا سيما دافقاً. وذهب جم غفير إلى أن الذي يخرج من بين الصلب ومادّته من النخاع الآتي من الدماغ هو ماء الرجل، والذي يخرج من الترائب وهي عظام الصدر الواحدة تريبة هو ماء المرأة. وإنما لم يقل من ماءين لاختلاطهما في الرحم واتحادهما عند ابتداء خلق الجنين. وقد يقال: العظم والعصب من ماء الرجل، واللحم والدم من ماء المرأة، وقد ورد في الخبر أن أيّ الماءين علا وغلب فإن الشبه يكون منه. ثم بين قدرته على الإعادة بقوله {إنه على رجعه} أي على إعادة الإنسان {لقادر} يعني بعد ثبوت قدرته على تكوين الإنسان ابتداء من نطفة حقيرة وجب الحكم بأنه قادرعلى رجعه. وعن مجاهد أن الضمير في {رجعه} يعود إلى الماء والمراد إنه قادر على ردّ الماء إلى الإحليل. وقيل: إلى الصلب والترائب وهذا قول عكرمة والضحاك. وقال مقاتل بن حيان: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. والقول هو الأول بدليل قوله {يوم تبلى السرائر} أي يمتحن ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وما أخفى من الأعمال الحسنة أو القبيحة، وحقيقة البلاء في حقه تعالى ترجع إلى الكشف والإظهار كقوله {أية : ونبلو أخباركم}تفسير : [محمد: 31] ويحتمل أن يعود البلاء إلى المكلف كقوله {أية : هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت}تفسير : [يونس: 30] ومثله قول ابن عمر: يبدي الله يوم القيامة كل سرّ منها فيكون زيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه. يعني من أدّاها كان وجهه مشرقاً ومن ضيعها كان وجهه مغبراً. ثم نفى القوة الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن الإنسان يومئذ بقوله {فما له من قوّة ولا ناصر} ثم أكد حقية القرآن الذي فيه هذه البيانات الشافية والمواعظ الوافية فقال {والسماء ذات الرجع} أي المطر لأن الله يرجعه وقتاً فوقتاً على سبيل التفاؤل أو زعماً منهم أن السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعها إليها. والصدع ما تتصدع عنه الأرض من النبات. وقيل: الرجع الشمس والقمر يرجعان بعد مغيبهما، والصدع الجبلان بينهما شق وطريق. والضمير في {إنه} للقرآن والفصل الفاصل بين الحق والباطل كما قيل له " فرقان ". وقال القفال: أراد إن هذا الذي أخبرتكم به من قدرتي على الرجع كقدرتي على الإبداء قول حق. ثم أكد حقيته بقوله {وما هو بالهزل} لأن اليبان الفصل لا يذكر إلا على سبيل الجد والاهتمام بشأنه وأعلاها أن يكون خاشعاً باكياً كقوله {أية : إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً} تفسير : [مريم: 58] ثم سلى نبيه وحثه على الصبر الجميل فقال {إنهم} يعنى أشراف مكة {يكيدون كيداً} في إطفاء نور الحق وذلك بإلقاء الشبهات والطعن في النبوّة والتشاور في قتل النبي صلى الله عليه وسلم كقوله {أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا} تفسير : [الأنفال: 30] {وأكيد كيداً} سمي جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة الإثم الموجبة لشدّة العذاب كيداً. ثم أنتج من ذلك قوله {فمهل الكافرين} أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به. ثم كرر ذلك المعنى للمبالغة ووصف الإمهال بقوله {رويداً} أي سهلاً يسيراً. والتركيب يدل على الرفق والتأني ومنه قولهم في باب أسماء الأفعال " رويد زيداً " أي أروده إرواداً وأرفق به فكأنه سبحانه قال: مهل مهل مهل ثلاث مرات بثلاث عبارات وهذه نهاية الإعجاز. وأجل الإمهال يوم بدر أو يوم القيامة وهذا أولى ليعم التحذير عن مثل سيرتهم ويتم الترغيب في خلاف طريقهم والله المستعان على ما تصفون.
الثعالبي
تفسير : أقسم اللَّهُ تعالى بالسماءِ المعروفةِ في قول الجمهور، وقِيل: السماءُ هنا هو المطرُ، {وَٱلطَّارِقِ}: الذي يأتي ليلاً، ثم فسَّر تعالى هذا الطارقَ بأنَّه: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} واخْتُلِفَ في {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} فقال الحسنُ بن أبي الحسن ما معناه؛ أنه اسمُ جنسٍ؛ لأنها كلَّها ثاقِبة، أي: ظاهرة الضوء، يقال: ثَقُبَ النجمُ إذا أضاء، وقال ابن زيد: أرادَ نَجماً مخصوصاً؛ وهو زُحَلُ، وقال ابن عباس: أراد الجَدْيَ، وقال ابن زيد أيضاً: هو الثُّرَيّا، وجَوابُ القسم في قوله: {إِن كُلُّ نَفْسٍ...} الآية، و«إنْ» هي المخففةُ من الثقيلةِ، واللامُ في «لَمَّا» لامُ التأكيدِ الداخلةِ على الخبرِ؛ هذا مذهبُ حُذَّاقِ البصريين، وقال الكوفيون «إنْ» بمعنى «ما» النافيةِ، واللامُ بمعنى «إلا» فالتقديرُ: ما كلُّ نفسٍ إلا عليها حافظٌ، ومعنى الآيةِ فيما قال قتادة وغيره: إنَّ على كل نفسٍ مكلَّفَةٍ حافظاً يُحْصِي أعمالَها ويُعِدُّهَا للجزاءِ عليها، وقال أبو أمامة قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: «حديث : إنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ حَفَظَةً مِنَ اللَّهِ يَذُبُّونَ عَنْهَا كَمَا يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ العَسَلِ الذُّبَابُ، وَلَوْ وُكِلَ المَرْءُ إلَىٰ نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِينُ».
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ}، "السَّماءِ": قسم، و "الطَّارقِ": قسم، والطَّارقُ: هو النَّجم الثاقب، كما بينهُ الله تعالى بقوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ}. والطارق في الأصل: اسم فاعل من: طرق يطرق طروقاً: أي: جاء ليلاً؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 5160- فَمِثْلكِ حُبْلَى قَدْ طَرقتُ ومُرضعٍ فألْهَيْتُهَا عَنِ ذِي تَمائِمَ مُحْولِ تفسير : وأصله من الضرب، والطَّارقُ بالحصى: الضارب به؛ قال: [الطويل] شعر : 5161- لعَمْرُكَ، ما تَدْرِي الطَّوارِقُ بالحَصَى ولا زَاجِراتُ الطَّيْرِ ما اللهُ صَانِعُ تفسير : ثم اتُّسعَ فقيل لكل من أتى ليلاً: طارق، سواء كان كوكباً، أو غيره، ولا يكون الطارقُ نهاراً. وروي أنه صلى الله عليه وسلم: حديث : نهى أن يأتي الرجل أهله طروقاً . تفسير : وقوله: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ}، قال محمد بن الحسين: هو زُحَل. وقال ابن زيد: هو الثُّريَّا - أيضاً -: أنه زُحَل. وعن ابن عباس: هو الجديُ، وعن عليٍّ بن أبي طالب والفرَّاء، "النَّجْمُ الثَّاقبُ": نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط، فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل، فهو طارق حين ينزل، وحين يهبط. وفي "الصحاح": "الطَّارقُ: النجم الذي يقال له: كوكب الصبح". ومنه قول هند: [الرجز] شعر : 5162- نَحْــنُ بَنــاتُ طَـارق نَمْشِــي عَلــى النَمــارِق تفسير : وقيل: هو اسم جنس، فيدخل فيه سائر الكواكب، وسمي ثاقباً؛ لأنه يثقب الظَّلام بضوئه، أي: ينفذ فيه. أي يرمي الشيطان فيحرقه. قال الماورديُّ: وأصل الطرقِ، الدَّق، ومنه سميت المطرقة، فسمي قاصد الليل: طارقاً، لاحتياجه في الوصول إلى الدق. ورُوِيَ حديث : أنَّ أبا طالبٍ أتى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذ انحطَّ نجم فامتلأت الأرض نوراً، ففزع أبو طالب، وقال: أيُّ شيءٍ هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَذَا نجمٌ رُمِي بِهِ، وإنَّهُ مِنْ آياتِ اللهِ" فعجب أبو طالب، ونزلت السورة . تفسير : وقال مجاهد: "الثاقب": المتوهِّج. قوله تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ} تفخيم لشأن هذا المقسم به. قوله: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}. قد تقدم في سورة "هود": التخفيف والتشديد في "لما"، فمن خففها - هنا - كانت "إنْ": مخففة من الثقيلة، و "كل": مبتدأ، و "عليها": خبر مقدم، و "حافظ": مبتدأ مؤخر، والجملة خبر "كل"، و "ما": مزيدة بعد اللام الفارقة، ويجوز أن يكون "عليها": هو الخبر وحده، و "حافظ": فاعل به، وهو أحسن، ويجوز أن يكون "كل": مبتدأ، و "حافظ": خبره، و "عليها" متعلق به، و "ما": مزيدة أيضاً، هذا كله تفريع على قول البصريين. وقال الكوفيون: "إنْ" هنا: نافية، واللام بمعنى "إلاّ" إيجاباً بعد النفي، و "ما": مزيدة وتقدم الكلام في هذا مستوفى. قال الفارسي: ويستعمل "لما" بمعنى: "إلاَّ" في موضعين: أحدهما: هذا، والآخر: في باب القسم، تقول: سألتك لما فعلت. ورُوِيَ عن الكسائيِّ والخفش وأبو عبيدة أنهم قالوا: لم نجد "لما" بمعنى: "إلا" في كلام العرب. وأما قراءة التشديد: فـ "إن" نافية، و "لمَّا" بمعنى: "إلا" وتقدمت شواهد ذلك في سورة "هود". وحكى هارون: أنه قرئ "إنَّ" بالتشديد، "كُلَّ" بالنصب على أنه اسمها، واللام: هي الدالخة في الخبر، و "ما": مزيدة، و "حافظ": خبرها. وعلى كل تقدير فـ "إن" وما في خبرها: جواب القسم سواء جعلها مخففة أو نافية. وقيل: الجواب: {أية : إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ} تفسير : [الطارق: 8] وما بينهما اعتراض؛ وفيه بعد. فصل في المراد بالحافظ قال قتادةُ: "حافظ" أي: حفظة يحفظون عليك رزقك وعملك وأجلك، قال تعالى: {أية : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} تفسير : [الأنعام: 61]، وقال تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ} تفسير : [الانفطار: 10، 11]، وقال تعالى: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 11]. وقيل: الحافظ: هو الله تعالى. وقيل: الحافظ: هو العقل يرشد الإنسان إلى مصالحه، ويكفّه عن مضارِّه. قال القرطبي: العقل وغيره وسائط، والحافظ في الحقيقة هو الله تعالى، قال الله تعالى: {أية : فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً} تفسير : [يوسف: 64]، وقال تعالى: {أية : قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الأنبياء: 42] وما كان مثله. قال ابن الخطيب: المعنى: لما كانت كل نفس عليها حافظ، وجب أن يجتهد كل واحد، ويشتغل بالمهم، وأهم الأشياء معرفة المبدأ والمعاد والمبدأ يقدم.
البقاعي
تفسير : لما تقدم في آخر البروج أن القرآن في لوح محفوظ لأن منزله محيط بالجنود من المعاندين وبكل شيء، أخبر أن من إحاطته حفظ كل فرد من جميع الخلائق المخالفين والموافقين والمؤالفين، ليجازى على أعماله يوم إحقاق الحقائق وقطع العلائق، فقال مقسماً على ذلك لإنكارهم له: {والسماء} أي ذات الأنجم الموضوعة لحفظها من المردة لأجل حفظ القرآن المجيد الحافظ لطريق الحق، قال الملوي: والمراد بها هنا ذات الأفلاك الدائرة لا السماوات العلى بما جعل فيها من ليل ونهار ودورتهما ثلاثمائة وستين درجة لا تتغير أبداً في هذه الدار بنقص ولا زيادة بنصف درجة ولا دقيقة ولا ثانية ولا ما دون ذلك، بل كلما زاد أحدهما شيئاً نقص من الآخر بحسابه عرف ذلك من العقل والنقل والتجربة فعرف أنه يحفظ حفيظ حي لا يموت، قيوم لا يغفل ولا ينام - انتهى. ولما أقسم بالسماء لما لها من الشرف والمجد تنبيهاً على ما فيها من بدائع الصنع الدالة على القدرة الباهرة. أقسم بأعجب ما فيها وهو جنس النجوم ثم بأعربه وهو المعد للحراسة تنبيهاً على ما في ذلك من غرائب القدرة فقال: {والطارق} أي جنس الكواكب الذي يبدو ليلاً ويخفى نهاراً، ويطرق مسترقي السمع فيبدد شملهم ويهلك من أراد الله منهم لأجل هداية الناس بالقرآن في الطرق المعنوية وظهوره وإشراقه في السماء لهدايتهم في الطرق الحسية وهو في الأصل لسالك الطريق، واختص عرفاً بالآتي ليلاً لأنه يجد الأبواب مغلقة فيحتاج إلى طرقها، ثم استعمل للبادي فيه كالنجم. ولما كان الطارق يطلق على غير النجم أبهمه أولاً ثم عظم المقسم به بقوله: {وما أدراك} أي عرفك يا أشرف خلقنا عليه الصلاة والسلام وإن حاولت معرفة ذلك وبالغت في الفحص عنه {ما الطارق *} ثم زاده تهويلاً بتفسيره بعد إبهامه مرة أخرى بقوله تعالى: {النجم الثاقب *} أي المتوهج العالي المضيء كأنه يثقب الظلام بنوره فينفذ فيه، يقال: أثقب نارك للموقد، أو يثقب بضوئه الأفلاك فتشف عنه، أو يثقب الشيطان بناره إذا استرق السمع، والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل، عبر عنه أولاً بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيماً لشأنه لعلو مكانه. ولما ذكر الذي دل به على حفظ القرآن عن التلبيس وعلى حفظ الإنسان، ذكر جوابه في حفظ النفوس التي جعل فيها قابلية لحفظ القرآن في الصدور، ودل على حفظ ما خلق لأجلها من هذه الأشياء المقسم بها على حفظ الإنسان لأنها إذا كانت محفوظة عن أدنى زيغ وهي مخلوقة لتدبير مصالحه فما الظن به؟ فقال مؤكداً غاية التأكيد لما للكفرة من إنكار ذلك والطعن فيه {إن} بالتخفيف من الثقيلة في قراءة الجمهور أي أن الشأن {كل نفس} أي من الأنفس مطلقاً لا سيما نفوس الناس {لما عليها} أي بخصوصها لا مشارك لها في ذاتها {حافظ *} أي رقيب عتيد لا يفارقها، والمراد به الجنس من الملائكة، فبعضهم لحفظها من الآفات، وبعضهم لحفظها من الوساوس، وبعضهم لحفظ أعمالها وإحصائها بالكتابة، وبعضهم لحفظ ما كتب لها من رزق وأجل وشقاوة أو سعادة ومشي؟ ونكاح وسفر وإقامة، فلا يتعدى شيئاً من ذلك نحن قسمنا نحن قدرنا، فإن قلت: إن الحافظ الملائكة، صدقت، وإن قلت: إنه الله، صدقت، لأنه الآمر لهم والمقدر على الحفظ، والحافظ لهم من الوهن والزيغ، فهو الحافظ الحقيقي، واللام في هذه القراءة هي الفارقة بين المخففة والنافية "وما" مؤكدة بنفي صدر ما أثبتته الجملة، "وحافظ" خبر "إن" ويجوز أن يكون الظرف الخبر، و "حافظ" مرتفع به، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد "لما" على أنها بمعنى "إلا" و"إن" نافية بمعنى "ما"، والمستثنى منه "كل نفس" وخبر النافية محذوف تقديره: كائنة أو موجودة أو نحوهما، والمستثنى "نفس" موصوفة بـ"عليها حافظ" ويحتمل أن يكون حالاً فمحله يحتمل الرفع بأنه خبر النافي في هذا الاستثناء المفرغ عند بني نميم، والنصب بأنه خبر عند غيرهم، أو حال من "نفس"، لأنها عامة، والتقدير: ما كل نفس موجودة إلا نفس كائناً أو كائن عليها حافظ، والنسبة بين مفهومي القراءتين أن المشدد أخص لأنها دائمة مطلقة، والمخففة مطلقة عامة، ولا يظن أن المشددة غير مساوية للمخففة، فضلاً عن أن تكون أخص لأن حرف النفي دخل على "كل" وهو من أسوار السلب الجزئي كما تقرر في موضعه فينحل إلى أن بعض النفوس ليس إلا عليها حافظ وإنما كان لا يظن ذلك لأنها تنحل لما فيها من الحصر المتضمن للنفي والإثبات إلى جملتين، إحداهما إثبات الحفظ للنفس الموصوفة والأخرى سلب نقيضه عنها، لأنه من قصر الموصوف على الصفة. ونقيض الكلية الموجبة الجزئية السالبة أي ليس كل نفس عليها حافظ والسالبة الجزئية أعم من السالبة الكلية، فإذا نفيتها قلت: ليس ليس كل نفس عليها حافظ فهو سلب السلب الجزئي، وإذا سلب السلب الجزئي سلب الكلي لما تبين أنه أخف. وإذا انتفى الأعم انتفى الأخص فلا شيء من الأنفس ليس عليها حافظ، فانحل الكلام إلى: لا نفس كائنة إلا نفس عليها حافظ، وإن كان لفظ "ليس كل" من أسوار الجزئية لما مضى، فصارت الآية على قراءة التشديد مركبة من مطلقة عامة هي "كل نفس عليها حافظ" بالفعل. ومن سلب نقيضها وهو الدائمة المطلقة الذي هو "دائماً ليس كل نفس عليها حافظ" ورفعه بأن يقال: ليس دائماً ليس كل نفس ليس عليها حافظ، أي ليس دائماً كل نفس ليس عليها حافظ، وذلك على سبيل الحصر وقصر الموصوف على الصفة، معناه أن الموصوف لا يتعدى صفته التي قصر عليها، فأقل الأمور أن لا يتجاوزها إلى عدم الحفظ، وذلك معنى الدائمة المطلقة وهو الحكم بثبوت المحمول للموضوع ما دام ذات الموضوع موجودة، وهي على قراءة التخفيف مطلقة عامة أي حكم فيها بثبوت المحمول للموضوع بالفعل وهو الجزء الأول مما انحلت إليه قراءة التشديد، فمفهوم الآية في قراءة التشديد أخص منه في قراءة التخفيف، لأن كل دائم كائن بالفعل، ولا ينعكس - هذا إذا نظرنا إلى نفس المفهوم من اللفظ مع قطع النظر عن الدلالة الخارجية، وأما بالنظر إلى نفس الأمر فالجهة الدوام فلا فرق، غير أنه دل عليها باللفظ في قراءة التشديد دون قراءة التخفيف والله تعالى أعلم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى: لما قال الله سبحانه وتعالى في سورة البروج {أية : والله على كل شيء شهيد} تفسير : [البروج: 9] {أية : والله من ورائهم محيط} تفسير : [البروج: 20] وكان في ذلك تعريف العباد بأنه سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء ولا يفوته شيء ولا ينجو منه هارب، أردف ذلك بتفصيل يزيد إيضاح ذلك التعريف الجملي من شهادته سبحانه وتعالى على كل شيء وإحاطته به فقال تعالى {إن كل نفس لما عليها حافظ} [الطارق: 4] فأعلم الله سبحانه وتعالى بخصوص كل نفس ممن يحفظ أنفاسها "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" ليعلم العبد أنه ليس بمهمل ولا مضيع، وهو سبحانه وتعالى الغني عن كتب الحفظة وإحصائهم وشهادة الشهود من الأعضاء وغيرهم، وإنما كان ذلك لإظهار عدله سبحانه وتعالى {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة}تفسير : [النساء: 40] ولا أقل من المثقال، ولكن هي سنته حتى لا يبقى لأحد حجة ولا تعلق، وأقسم سبحانه وتعالى على ذلك تحقيقاً وتأكيداً يناسب القصد المذكور - انتهى. ولما كان التقدير: لأنه لا بد له من العرض على الخالق سبحانه وتعالى لأن التوكيل بالإنسان لا يكون إلا لعرضه على الملك الديان صاحب الأمر والبرهان ومحاسبته له على ما كان، كان التقدير: يحفظ أعمالها ويكتبها ليحاسبها الملك على ذلك، فتسبب عنه قوله تعالى: {فلينظر} أي بالبصيرة {الإنسان} أي الآنس بنفسه الناظر في عطفه إن كان يسلك في ذلك {مم} أي من أي شيء، وبنى للمفعول العامل في من أمر بالنظر وهو قوله: {خلق *} إعلاماً بأن الدال هو مطلق الخلق، وتنبيهاً على تعظيم الفاعل بأن العلم به غير محتاج إلى ذكره باللفظ لأنه لا يقدر على صنعة من صنائعه غيره، وأمر الإنسان بهذا النظر ليعلم بأمر مبدئه أمر معاده، فإن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة قطعاً، فإذا صح عنده ذلك اجتهد في أن لا يملي على حافظيه إلا ما يرضي الله تعالى يوم عرضه على الملك الديان ليسره وقت حسابه. ولما نبه بالاستفهام على أن هذا أمر جداً ينبغي لكل أحد أن يترك جميع مهماته ويتفرغ للنظر فيه فإنه يكسبه السعادة الأبدية الدائمة، وكان الإنسان - مع كونه ضعيفاً عاجزاً - لا ينفك عن شاغل ومفتر، فلا يكاد يصح له نظر، تولى سبحانه وتعالى شرح ذلك عنه فأجاب الاستفهام بقوله: {خلق} أي الإنسان على أيسر وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم عليه الصلاة والسلام من تراب، وأمه حواء عليها السلام من ضلعه {من ماء دافق *} أي هو - لقوة دفق الطبيعة له - كأنه يدفق بنفسه فهو إسناد مجازي، والدفق لصاحبه، أو هو مثل "لابن" أي ذي دفق، والدفق صب فيه دفع، ولم يقل: ماءين - إشارة إلى أنهما يجتمعان في الرحم ويمتزجان أشد امتزاج بحيث يصيران ماءً واحداً. ولما كان المراد به ماء الرجل وماء المرأة قال: {يخرج} وبعض بإثبات الجار فأفهم الخروج عن مقره بقوله: {من بين الصلب} أي صلب الرجل وهو عظم مجتمع من عظام مفلكة أحكم ربطها غاية الإحكام من لدن الكاهل إلى عجب الذنب {والترائب *} أي ترائب المرأة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة، وصوبه ابن جرير، أو ما ولي الترقوتين منه، أو ما بين الثديين والترقوتين أو أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة من يسرته، أو اليدان والرجلان والعينان، وعلى كل تقدير شهوتها من أمامها وشهوة الرجل فيما غاب عنه من ورائه، ولو نزع الخافض لأفهم أن الماء يملأ البين المذكور ولم يفهم أنه يخرج عن صاحبي البين، قال البيضاوي: ولو صح أن النطفة تتولد من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء، ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند الأنثيين، فلا شك أن الدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها، ولذلك تشبهه ويسرع الإفراط في الجماع بالضعف فيه وله خليفة وهو النخاع وهو في الصلب، وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصا بالذكر. وقال الملوي: فالذي أخرجه من ظروف عظام الصلب والترائب إلى أن صيره في محله من الأنثيين إلى أن دفق واعتنى بعد ذلك بنقله من خلق إلى خلق بعد كل أربعين يوماً إلى أن صيره إنساناً يعقل ويتكلم ويبني القصور، ويهدم الصخور، قادر على بعثه. ولما علم بالحفظ والخلق في الأطوار المشار إليها أنه خلق لأمر عظيم وهو الحساب، وثبت بالقدرة على ابتدائه من هذا الماء وبتطويره في الحالات المشار إليها بذكر الماء، المعلومة لكل أحد القدرة على الإعادة بلا فرق إلا كون الإعادة على ما نعرف أسهل، وكان العرب ينكرونها، قال مؤكداً استئنافاً لمن يقول: قد نظرت في ذلك فمه: {إنه} أي خالقه القادر على ما ذكر من شؤونه المدلول على عظمه ببناء "خلق" للمفعول {على رجعه} أي رجع الإنسان بالعبث ورده إلى حالته الأولى وخلقه الأول كما كان قبل الموت وعلى رد هذا الماء الدافق إلى مجاريه التي خرج منها وحله إلى المائية بعد انعقاده عظماً ولحماً ودماً {لقادر *} أي لثابتة قدرته على ذلك أتم ثبات، فمن أيسر ما يكون عنده سبحانه وتعالى رده بعد شيخوخته على عقبه بأن يجعله كهلاً ثم شاباً ثم طفلاً ثم مضغة ثم علقة ثم نطفة ثم يدفعه إلى ذكر الرجل ورحم المرأة ثم إلى صلبه وترائبها وهو أهون عليه، وذلك كقدرته على رده بالبعث، وعبر بـ"أنه" ولم يقل: إن الله - مثلاً لأنه أقعد لأنه يقال لكل إنسان: من أخرجك على هذه الهيئة فصيرك على هذه الصفة؟ فإذا قال: القادر على كل شيء بقدرته الكاملة، قيل له: وبتلك القدرة بعينها يعيدك، ولو سمى له اسم غير الضمير لكان ربما قال: ليس هو خالقي.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت {والسماء والطارق} بمكة. وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ وابن مردويه والطبراني عن خالد العدواني أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ثقيف، وهو قائم على قوس أو عصا حين أتاهم يبتغي النصر عندهم، فسمعه يقرأ {والسماء والطارق} حتى ختمها. قال: فوعيتها في الجاهلية ثم قرأتها في الإِسلام. وأخرج النسائي عن جابر قال: صلى معاذ المغرب فقرأ البقرة والنساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أفتان أنت يا معاذ، أما يكفيك أن تقرأ {والسماء والطارق} {والشمس وضحاها} [الشمس: 1] ونحو هذا؟ ". تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {والسماء والطارق} قال: أقسم ربك بالطارق وكل شيء طرقك بالليل فهو طارق. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس {والسماء والطارق} فقال: {وما أدراك ما الطارق} فقلت: {أية : فلا أقسم بالخنس}تفسير : [التكوير: 15] فقال: {أية : الجوار الكنس} تفسير : [التكوير: 15] فقلت: {أية : والمحصنات من النساء}تفسير : [النساء: 24] فقال: {أية : إلا ما ملكت أيمانكم}تفسير : [النساء: 24] فقلت: ما هذا؟ فقال: ما أعلم منها إلا ما تسمع. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {والسماء والطارق} قال: وما يطرق فيها {إن كل نفس لما عليها حافظ} قال: كل نفس عليها حفظة من الملائكة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: {النجم الثاقب} قال: النجم المضيء {إن كل نفس لما عليها حافظ} قال: إلا عليها حافظ. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {والسماء والطارق} قال: النجم يخفى بالنهار ويبدو بالليل {إن كل نفس لما عليها حافظ} قال: حفظ كل نفس عمله وأجله ورزقه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {والسماء والطارق} قال: هو ظهور النجم بالليل، يقول: يطرقك بالليل {النجم الثاقب} قال: المضيء {إن كل نفس لما عليها حافظ} قال: ما كل نفس إلا عليها حافظ. قال: وهم حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك، فإذا توفيته يا ابن آدم قبضت إلى ربك. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {النجم الثاقب} قال: الذي يتوهج. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: {النجم الثاقب} الثريا. وأخرج ابن المنذر عن خصيف {النجم الثاقب} قال: مم يثقب من يسترق السمع. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {إن كل نفس لما عليها حافظ} مثقلة منصوبه اللام. أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {فلينظر الإِنسان مم خلق} قال: هو أبو الأشدين كان يقوم على الأديم فيقول: يا معشر قريش من أزالني عنه فله كذا وكذا، ويقول: إن محمداً يزعم أن خزنة جهنم تسعة عشر، فأنا أكفيكم وحدي عشرة واكفوني أنتم تسعة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يخرج من بين الصلب والترائب} قال: صلب الرجل، وترائب المرأة لا يكون الولد إلا منهما. وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبزى قال: الصلب من الرجل والترائب من المرأة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس {يخرج من بين الصلب والترائب} قال: ما بين الجيد والنحر. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الترائب أسفل من التراقي. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {والترائب} قال: تريبة المرأة، وهو موضع القلادة. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {يخرج من بين الصلب والترائب} قال: الترائب موضع القلادة من المرأة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت قول الشاعر: شعر : والزعفران على ترائبها شرفا به اللبات والنحر تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه سئل عن قوله: {يخرج من بين الصلب والترائب} قال: صلب الرجل وترائب المرأة أما سمعت قول الشاعر: شعر : نظام اللؤلؤ على ترائبها شرفاً به اللبات والنحر تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الترائب الصدر. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وعطية وأبي عياض مثله. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: الترائب أربعة أضلاع من كل جانب من أسفل الأضلاع. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: يخلق العظام والعصب من ماء الرجل، ويخلق اللحم والدم من ماء المرأة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {يخرج من بين الصلب والترائب} قال: يخرج من بين صلبه ونحره {إنه على رجعه لقادر} قال: إن الله على بعثه وإعادته لقادر {يوم تبلى السرائر} قال: إن هذه السرائر مختبرة فأسروا خيراً وأعلنوه {فما له من قوة} يمتنع بها {ولا ناصر} ينصره من الله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {إنه على رجعه لقادر} قال: على أن يجعل الشيخ شاباً والشاب شيخاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {إنه على رجعه لقادر} قال: على رجع النطفة في الإِحليل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة {إنه على رجعه لقادر} قال: على أن يرجعه في صلبه. وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبزى قال: على أن يرده نطفة في صلب أبيه. وأخرج ابن المنذر عن الحسن {إنه على رجعه لقادر} قال: على إحيائه. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن خيثم {يوم تبلى السرائر} قال: السرائر التي تخفين من الناس، وهن لله بواد داووهن بدوائهن، قيل: وما بدوائهن؟ قال: أن تتوب ثم لا تعود. وأخرج ابن المنذر عن عطاء في قوله: {تبلى السرائر} قال: الصوم والصلاة وغسل الجنابة. وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير مثله. وأخرج ابن البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ضمن الله خلقه أربعة: الصلاة والزكاة وصوم رمضان والغسل من الجنابة، وهن السرائر التي قال الله {يوم تبلى السرائر} ".
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها سبع عشرة {وَٱلسَّمَاء وَٱلطَّارِقِ} الطارقُ في الأصلِ اسمُ فاعلٍ منْ طرقَ طَرْقاً وطروقاً إذَا جاءَ ليلاً قالَ المَاوِرْدِيُّ: "وأصلُ الطرقِ الدقُّ ومنه سميتِ المطرقةُ وإنما سميَ قاصدُ الليلِ طارقاً لاحتياجِه إلى طرقِ البابِ غالباً" ثم اتُّسعَ في كلِّ ما ظهرَ بالليلِ كائناً ما كانَ ثم أشبعَ في التوسعِ حتى أطلقَ على الصورِ الخياليةِ الباديةِ بالليلِ قال: شعر : طرقَ الخيالُ ولا كليلةِ مدلج سدكاً بأرجلنَا ولم يتبرجِ تفسير : والمرادُ ههنا الكوكبُ البادِي بالليلِ أما عَلى أنَّه اسمُ جنسٍ أو كوكبٌ معهودٌ وقيلَ: الطارقُ النجمُ الذي يقالُ له كوكبُ الصبحِ وقولُه تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ} تنويهٌ بشأنِه إثرَ تفخيمِه بالإقسامِ به وتنبـيهٌ على أنَّ رفعةَ قدرِه بحيثُ لا ينالُها إدراكُ الخلقِ فلا بُدَّ من تلقِّيها من الخلاَّقِ العليمِ فما الأُولى مبتدأٌ وأدراكَ خبرٌ، والثانيةُ خبرٌ والطارقُ مبتدأٌ حسبما بـينَ في نظائرِه أيْ وأيُّ شيءٍ أعلمكَ ما الطارقُ وقولُه تعالى: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ والجملةُ استئنافٌ وقعَ جواباً عن استفهامٍ نشأَ مما قبلَه كأنَّه قيلَ: ما هو فقيلَ النجمُ المضيءُ في الغايةِ كأنه يثقبُ الظلامُ أو الأفلاكُ بضوئِه وينفذُ فيَها والمرادُ بهِ إما الجنسُ فإنَّ لكلِّ كوكبٍ ضوءاً ثاقباً لا محالةَ وإما كوكبٌ معهودٌ قيلَ هو زُحَلُ وقيلَ: هو الثُّريَّا وقيلَ: هو الجَديُ وقيل: النجمُ الثاقبُ نجمٌ في السماءِ السابعةِ لا يسكُنها غيرُه فإذا أخذتِ النجومُ أمكنتَها من السماءِ هبط فكانَ معها ثم يرجعُ إلى مكانِه من السماءِ السابعةِ وهو زُحل فهو طارقٌ حينَ ينزلُ وحينَ يصعدُ وفي إيرادِه عندَ الإقسامِ به بوصفٍ مشتركٍ بـينه وبـين غيرِه ثم الإشارةِ إلى أنَّ ذلكَ الوصفَ غيرُ كاشفٍ عن كنِه أمرِه وأن ذلكَ مما لاتبلغُه أفكارُ الخلائقِ ثم تفسيرِه بالنجمِ الثاقبِ من تفخيمِ شأنِه وإجلالِ محلِّه بما لا يَخْفى. وقولُه تعالى: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} جوابٌ للقسمِ وما بـينهما اعتراضٌ جيءَ بهِ لما ذكرَ من تأكيدِ فخامةِ المقسمِ بهِ المستتبعِ لتأكيدِ مضمونِ الجملةِ المقسمِ عليها، وإنْ نافيةٌ، ولَمَّا بمَعْنى إلاَّ ما كلُّ نفسٍ إلا عليها حافظٌ مهيمنٌ رقيبٌ وهو الله عزَّ وجلَّ كما في قولِه تعالَى: { أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء رَّقِيباً} تفسير : [سورة الأحزاب، الآية 52] وقيلَ: هو من يحفظُ عملَها ويُحصي عليها ما تكسبُ من خيرٍ وشرَ كما في قولِه تعالى: { أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ * كِراماً} تفسير : [سورة الانفطار، الآية 10] الآيةَ وقولُه تعالى: { أية : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} تفسير : [سورة الأنعام، الآية 61] وقولُه تعالى: { أية : لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ} تفسير : [سورة الرعد، الآية 11] وقُرِىءَ لَمَا مخففةٌ على أنَّ إنْ مخففةٌ من الثقيلةِ واسمُها الذي هُو ضميرُ الشأنِ محذوفٌ واللامُ هي الفارقةُ وما مزيدةٌ أي أنَّ الشأنَ كلُّ نفسٍ لعليها حافظٌ والفاءُ في قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ} للتنبـيهِ على أنَّ مَا بُـينَ مِنْ أن كلَّ نفسٍ عليها حافظٌ يُحصي عليها كلَّ ما يصدرُ عنها من قولٍ وفعلٍ مستوجبٌ على الإنسانِ أنْ يتفكرَ في مبدأِ فطرتِه حقَّ التفكير حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من موادّ لم تشمّ رائحة الحياة قط فهو قادرٌ على إعادتِه بل أقدرُ على قياسِ العقلِ فيعملَ ليومِ الإعادةِ والجزاءِ ما ينفعُه يومئذٍ ويجديهِ ولا يملى على حافظِه ما يرديهِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ}[1] قال: السماء في اللغة السمو والعلو، فباطنها روح محمد صلى الله عليه وسلم قائم عند رب العزة والطارق.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ}. أقسم بالسماءِ، وبالنجمِ الذي يَطْرُق ليلاً. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ}. استفهامٌ يراد منه تفخيم شأن هذا النجم. {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ}. المضيءُ العالي. وقيل: الذي ترمى به الشياطين. ويقال: هي نجوم المعرفة التي تدل على التوحيد يستضيءُ بنورها ويهتدي بها أولو البصائر. {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}. ما مِنْ نَفْسٍ إلا عليها حافِظٌ من الملائكة، يحفظ عليه عملَه ورزقَه وأجلَه، ويحمله على دوامِ التيقُّظ وجميلِ التحفُّظ. قوله جلّ ذكره: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ}. يخرج من صُلْبِ الأب، وتربيةِ الأم. وهو بذلك يحثُّه على النَّظَرِ والاستدلال حتى يعرف كمال قدرته وعلمه وإرادته - سبحانه. {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}. إنه على بَعْثِه، وخَلْقِه مرةً أخرى لقادِرٌ؛ لأنه قادر على الكمال - والقدرةُ على الشيءِ تقتضي القدرةَ على مِثْلِه، والإعادة في معنى الابتداء.
البقلي
تفسير : اقسم بسماء قلوب الصديقين وما يطرق فيها من نجوم تجلى الذات والصفات قال سهل ما طرق على قلب محمد صلى الله عليه وسلم من زائد البيان والانعام.
اسماعيل حقي
تفسير : {والسماء والطارق} الطارق فى الاصل اسم فاعل من طرق طرقا وطروقا اذا جاء ليلا قال الماوردى واصل الطرق الدق ومنه سميت المطرقة لانه يطرق بها الحديد وسمى الطريق طريقا لانه يضرب بالرجل وسمى قاصد الليل ثم اتسع فى كل ما ظهر بالليل كائنا ما كان ثم اتسع فى التوسع حتى اطلق على الصور الخيالية البادية بالليل والمراد هنا الكوكب البادى بالليل قال الراغب عبر عن النجم بالطارق لاختصاص ظهوره بالليل قاتل هند بنت عتبة يوم أحد نحن بنات طارق نمشى على النمارق اى أبونا كالنجم شرفا وعلوا وقال الشاعر شعر : يا راقد الليل مسرورا بأوله ان الحوادث قد يطرقن اسحارا لا تفرحن بليل طاب اوله فرب آخر ليل أجج النار تفسير : قال سهل رحمه الله وما طرق على قلب محمد من زوآئد البيان والانعام وفى التأويلات النجمية يشير الى سماء القلب وطروق كواكب الواردات القلبية والالهامات الغيبية العظيمة الشأن القوية البرهان ولفخامة امره وشهامة قدره عقبه بقوله {وما أدراك ما الطارق} اى اى شئ أعلمك بالطارق فانه لا يناله ادراك الخلق الا بالتلقى من الخلاق العليم كأنه قيل ما هو فقيل هو {النجم الثاقب} النجم الكوكب الطالع والثقب بالفارسية سوارخ كردن والثقوب والثقابة افروخته شدن آتش. يقال ثقبه ثقبا جعل فيه منفذا ومسلكا ونفذ فيه وثقبت النار تثقب ثقوبا اتقدت واشتعلت وثقب النجم اضاء وشهاب ثاقب اى مضيئ وعبر عن الطارق اولا بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيما لشأنه والمعنى النجم المضيئ فى الغاية يعنى ستارء رخشنده وفروزان جون شعلهء آتش. لانه يثقب بنوره واضاءته ما يقع عليه من الظلام والافلاك وينفذ فيها والمراد الجنس وهو قول الحسن رحمه الله لان لكل كوكب ضوأ ثاقبا لا محالة اى فى نفسه وان حصل التفاوت بالنسبة اقسم الله بالسماء وبكواكبها لدلالتهما على قدرته وحكمته او المعهود بالثقب فهو من باب ركب السلطان وهو زحل الذىفى السماء السابعة لانه يثقب بنوره سمك سبع سموات او كوكب الصبحٍ الثريا لان العرب تسميه النجم او الشهاب جنانجه آورده اندكه شى حضرت رسول صلى الله عليه وسلم نشسته بود باعم خود ابو طالب ناكاه ستاره بدر خشيد وشعلهء آتش عظيم از وظاهر شد ابو طالب بترسيد وكفت اين جه جيزست حضرت بيغمبر عليه السلام فرمود كه اين ستاره ايست كه ديورا از آسمان مى راند ونشانه ايست از قدرتهاى الهى فى الحال جبريل نازل شد بدين آيت كه والسماء والطارق. وفيه اشارة الى كوكب اسم الجمال الثاقب الطارق وكوكب اسم الجلال وقال القاشانى اى الروح الانسانى والعقل الذى يظهر فى ظلمة النفس وهو النجم الذى يثقب ظلمتها وينفذ فيها ويبصر بنوره ويهتدى به كما قال وبالنجم هم يهتدون.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والسماءِ والطارقِ}، عظّم تعالى قَدْر السماءِ في أعين الخلق؛ لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنّة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهُب التي يُرجم بها، لعِظم منفعتها، ثم عظَّمه ونوّه به، فقال: {وما أدراك ما الطارقُ} بعد أن فخّمه بالإقسام به، تنبيهاً على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقَّيه من الخلاّق العليم، أي: أيّ شيء أعلمك بالطارق، ثم فسّره بقوله: {النجمُ الثاقبُ}؛ المضيء، فكأنّه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يُقال للآتي ليلاً: طارق، أو: لأنه يطرق الجنِّيَّ، أي: يُصكّه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زُحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسَم عليه، فقال: {إِن كُلُّ نفسٍ لمَّا عليها حافظٌ}، "إن" نافية، و"لمّا" بمعنى "إلاّ" في قراءة مَن شدّدها، وهي لغة هذيل, يقولون: "نشدتك الله لمّا قمت" أي: إلاّ قمت، أي: ما كل نفس إلاّ عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عزّ وجل، كما في قوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً }تفسير : [الأحزاب:52] أو: مَن يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر, كما في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } تفسير : [الانفطار:10] أو: مَن يحفظها من الآفات، ويذب عنها, كما في قوله تعالى: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : وكِّل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يُقدّر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذبابَ، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين "تفسير : ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: {إن كل نَفْس..} الخ. و"ما": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. {فلينظر الإنسانُ مِمَّ خُلق}، لمّا ذكر أنَّ على كل نفسٍ حافظاً، أمره بالنظر في أوّل نشأته، وبالتفكُّر فيها حق التفكُّر، حتى يتضح له أنَّ مَن قَدَر على إنشائه من موادٍ لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذٍ ويُجزى به، ولا يملي على حافظه ما يُرديه، فالفاء فصيحة تُنبىء عن هذه الجُمل، أي: إذا علم أنَّ على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يُخلَق عبثاً، ولم يُترك سُدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أنَّ له صانعاً، فيعبده ولا يشرك به شيئاً، ثم فسَّر أصل نشأته فقال: {خُلق من ماء دافقٍ}، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مِمَّ خُلق؟ فقال: خُلق من ماء دافق، والدفق: صبٌّ فيه دفعٌ وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين؛ لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. {يَخرج من بين الصُلب والترائب} أي: صُلب الرجل وترائب المرأة، وهي عِظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرَجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إنَّ النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأنّ يتولّد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق مُلتف بعضها على بعض عند البيضتيْن، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يُورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شُعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المَني، فلذا خُصّا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. {إِنه} أي: الخالق، لدلالة "خُلِق" عليه، أي: إنَّ الذي خلق الإنسانَ ابتداء من نُطفة، {على رَجْعِه}؛ على إعادته بعد موته {لقادرٌ} بيّن القدرة. وجِيء بـ "إنّ" واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على مَن يدّعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلاَّ بإعادة الأرواح إلى الأجساد، {يومَ تُبلى السرائرُ} أي: تكشف ويُتصفَّح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف لـ "رَجْعِه"، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تُفضح فيه السرائر، {فما له مِن قوةٍ} في نفسه يمتنع بها {ولا ناصرٍ} ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولمّا كان رفع المكان في الدنيا إمّا بقوة الأنسان، وإمّا بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماءٌ لشمس العرفان وقمرِ الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية, ثم نوّه بذلك الطارق، فقال: {وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب} أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إمّا جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كُلُّ نفس لمّا عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهراً وباطناً. فلينظر الإنسانُ مِمَّ خُلق في عالم الحكمة من جهة بشريته, خُلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عِزُّه وشرفُه، مَن تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكّاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين "مَن عرف نفسه عرف ربه" فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحُكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيًّا سماويًّا، بعد أن كان بشريًّا أرضيًّا، وذلك يوم تُبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمَن لم يَفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوةٍ على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلاّ بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلاَّ مِن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقيَّة كتابه المحفوظ، فقال: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ {لما} بالتشديد عاصم وحمزة وابن عامر بمعنى {إلا} وقد جاء {لما} مشدداً بمعنى (إلا) في موضعين: إن، والقسم، كقولهم سئلتك لما فعلت بمعنى إلا فعلت قال قوم: تقديره لمما، فحذفت إحدى الميمات كراهة اجتماع الأمثال. وقرأ الباقون بالتخفيف جعلوا (ما) صلة مؤكدة. وتقديره لعليها حافظ، واللام لام الابتداء التي يدخل في خبر (إن) و (أن) مخففة من الثقيلة. هذا قسم من الله تعالى بالسماء وبالطارق، وقد بينا القول فيه فالطارق هو الذي يجيء ليلا وقد فسره الله تعالى وبينه بأنه {النجم الثاقب} فالنجم هو الكوكب قال الحسن: المراد بالنجم جميع النجوم. وقال ابن زيد: هو زحل. وقوله {وما أدراك} معناه أنه لم تدر حتى أعلمتك، وكل ما يعلمه الانسان فالله أعلمه بالضرورة أو بالدليل. قال قتادة: طروق النجم ظهورها بالليل وخفاؤها بالنهار. وقوله {والطارق} تبيين عن معنى وصفه بالطارق. وقوله {النجم الثاقب} تبيين عن ماهيته نفسه يقال: طرقني فلان إذا أتاني ليلا وأصل الطرق الدق، ومنه المطرقة، لأنه يدق بها، والطريق لان المارة تدقه بارجلها، والطارق لأنه يحتاج إلى الدق للتنبيه، والنجم هو الكوكب الطالع فى السماء، يقال لكل طالع ناجم تشبيهاً به، ونجم النجم إذا طلع، وكذلك السن والقرن. ويوصف بالطالع والغارب، لأنه إذا طلع من المشرق غاب رقيبه من المغرب، والثاقب المضيء المنير، وثقوبه توقده وتنوره، تقول العرب: اثقب نارك أي اشعلها حتى تضيء. وثقب لسانها بخروج الشعاع منها والثاقب أيضاً العالي الشديد العلو، تقول: العرب للطائر اذا ارتفع ارتفاعاً شديداً قد ثقب. كله كأنه ثقب الجو الأعلى. وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: الثاقب المضيء. وقال ابن زيد: هو العالي وهو زحل. وقوله {إن كل نفس لما عليها حافظ} جواب القسم و (إن) ها هنا المخففة من الثقيلة التي يتلقى بها القسم، والمعنى إن كل نفس لعليها حافظ - فيمن خفف - ومن شدد قال: (ان) بمعنى (ما) وتقديره ليس كل نفس إلا عليها حافظ. وقال قتادة: حافظ من الملائكة يحفظون عمله ورزقه وأجله، فالحافظ المانع من هلاك الشيء حفظه يحفظه حفظاً واحتفظ به احتفاظاً فأما أحفظه فمعناه أغضبه، وتحفظ من الامر إذا أمتنع بحفظ نفسه منه وحافظ عليه إذا واظب عليه بالحفظ. وقوله {فلينظر الإنسان مم خلق} أمر من الله تعالى للمكلفين من الناس أن يفكروا ويعتبروا مماذا خلقهم الله. ثم بين تعالى مماذا خلقهم فقال {خلق من ماء دافق} فالدفق هو صب الماء الكثير باعتماد قوي، ومثله الدفع، فالماء الذي يكون منه الولد يكون دفقاً وهي النطفة التي يخلق الله منها الولد إنساناً أو غيره، وماء دافق معناه مدفوق، ومثله شرّ كاتم، وعيشة راضية. ثم بين ذلك من أي موضع يخرج هذا الماء، فقال {يخرج من بين الصلب والترائب} فالصلب هو الظهر، والترائب جمع تريبة وهو موضع القلادة من صدر المرأة - في قول ابن عباس - وهو مأخوذ من تذليل حركتها كالتراب. قال المثقب. شعر : ومن ذهب يشن إلى تريب كلون العاج ليس بذي غصون تفسير : وقال آخر: شعر : والزعفران على ترائبها شرقاً به اللبات والنحر تفسير : وقيل: إن نطفة الرجل تخرج من ظهره، ونطفة المرأة من صدرها، فاذا غلب ماء الرجل خرج الولد إلى شبه أهل بيت أبيه وإذا غلب ماء المرأة خرج إلى شبه أهل بيت أمه. وقوله {إنه على رجعه لقادر} قال عكرمة ومجاهد: معناه إنه تعالى على رد الماء فى الصلب قادر. وقال الضحاك: إنه على رد الانسان ماء كما كان قادر، والرجع الماء وأنشد ابو عبيدة للمنخل فى صفة سيف: شعر : ابيض كالرجع رسوب إذا ما ثلخ فى محتفل يختلي تفسير : ومعنى الآية إن الذي ابتدأ الخلق من ماء دافق أخرجه من بين الصلب والترائب حياً قادر على اعادته {يوم تبلى السرائر} لان الاعادة أهون من ابتداء النشأة، وقال الحسن وقتادة معناه أنه على رجع الانسان بالاحياء بعد الممات قادر. وقوله {يوم تبلى السرائر} معناه تختبر باظهارها وإظهار موجبها لان الابتلاء والاختبار والاعتبار كله إنما هو باظهار موجب المعنى، ففي الطاعة الحمد والثواب وفى المعصية الذم والعقاب، وواحد السرائر سريرة وهي الطوية فى النفس، وهو اسرار المعنى فى النفس، وقد يكون الاسرار من واحد بعينه مع إطلاع غيره عليه فلا يكون سريرة. وقيل: إن الله يفضح العاصي بما كان يستر من معاصيه ويجلّ المؤمن باظهار ما كان يسره من طاعته ليكرمه الناس بذلك ويجلوه. ثم بين تعالى أنه لا قدرة لهذا الانسان الذي يعيده الله - على معاصيه - ويعاقبه على دفع ذلك عن نفسه ولا ناصر له يدفعه فالقدرة هي القوة بعينها.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لما فيها من الشواهد الجليّة والخفيّة على معرفة ذاته وصفاته، ولهذا عظّم الله أمر السماء والنجوم في كتابه المجيد، فأقسم بهما في كثير من الآيات كقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} تفسير : [البروج:1] وقوله: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا}تفسير : [الشمس:1 - 2] وقوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} تفسير : [التكوير:15 - 16] وقوله: {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} تفسير : [النجم:1] وقوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة:75 - 76] كلّ ذلك تنبيها على أنّها صومعة القدّوسين، ومعبد الروحانيّين، ودلائل صُنع خالق السموات والأرضين، وآيات عظمة أوّل الأولين، هو الذي نوَّرها وصوَّرها، ودوَّرها ورقَّصها في دوام إشراقاته عليها، وشوقها إلى مزيد إفاضاته ورسالاته إليها، وحرّكها بالتسبيح والتهليل، وهداها التوسّل إلى الربّ الجليل. فما من شخص من أشخاص السماء إلاّ وله نفس وعقل يحرّكانه شوقاً وطرباً إلى حضرة الباري ربّ الملأ الأعلى، وما من جرم كُريّ نوراني إلاّ وفيه شواهد وآيات عظيمة دالّة على عظمة مبدعها ومُنْشِئها، ولهذا كرّر الله ذكرها، وأشار إلى شواهدها وآياتها الدالّة عليه سبحانه في مثل قوله: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة:164] - الآية -، وقد مدح الناظرين فيها، وأثنى على المتفكّرين في خلقها بقوله: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [آل عمران:191]. وقال رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ويل لمن قرأ هذه الآية ثمّ مسح به سبلته"تفسير : . أي تجاوزها عن غير فكر وذكر. وذمّ المعرضين عن التدبّر فيها فقال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [الأنبياء:32]. وقال: {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ} تفسير : [الأعراف:185]. ولا يتوهّمنّ أحد أنّ معنى النظر إلى عالم ملكوت السماء بأن يمتّد البصر إليه فيرى زرقة السماء وضوء الكواكب وصور البروج، فإنّ البهائم تشارك الإنسان في هذا النظر، فإن كان هذا هو المراد فلِمَ مَدح الله به إبراهيم - على نبيّنا وأله وعليه السلام - في قوله: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ} تفسير : [الأنعام:75]. بل المقصود منه التفطّن لما فيها من الدلائل والآيات العجيبة الشأن، والشواهد العظيمة البرهان المنبئة عن أزليّة الحقّ الأول، ووجوب وُجُوده، وكمال قدرته وإرادته، وتمام حكمته وَجُودِهِ. فصل وجوه دلالات وجود السماء على وجود الباري جلّ مجده أمّا دلالتها على وجود الباري جلّ اسمه، فمن وجوه: من حيث الوجود، والإمكان، والجسميّة، وطلوع الكواكب وأفولها - إلى غير ذلك - وككونها مركّبات الوجود من مادّة وصورة، وككونها ذوات نفوس لها إرادة وعلم وصلاة وتسبيح. أمّا الأوّل: فلأنّ وجودها الممكن هو المحوج إلى السبب، إذ الإمكان - لكون معناه سلب ضرورة طرفي الوجود والعدم بالنظر إلى الذات المتّصفة به - هو علّة الحاجة إلى المؤثّر، لأنّها لمّا استوى طرفاها امتنع وجودها إلاّ لمرجّح - وهو الله تعالى -. أمّا أنّ الممكن ما يستوي طرفاه، فلاستحالة أن يكون طرفيه أوْلى به لذاته، لأنّه حينئذ إن أمكن طريان الطرف الآخر، فهو إمّا بسبب، أو لا بسبب، فإن كان الأوّل، فتفتقر الأوّليّة إلى عدم ذلك السبب، وإن كان الثاني، فيلزم إمكان ترجيح المرجوح من غير مرجّح - وهو باطل -. وإن لم يمكن طريان الطرف الآخر، كان ذلك الطرف ممتنعا، وهذا الطرف واجباً، فيقدح في إمكانه - وهو خلق الفرض -. وإذ قد علم استواء طرفي الممكن، فلا بدّ من مرجّح يرجّح وجوده على عدمه، وهو الله سبحانه، دفعاً للدور والتسلسل. وأمّا الوجه الثاني: فلأنّ الممكن ما لم يتعيّن وجوده عن وجود مؤثّر لم يوجد وهو الوجوب السابق، وإذا وُجد، فحال وجوده لا يمكن عدمه، وهو الوجوب اللاحق، وكلّ ممكن محفوف لا محالة بالوجوبين السباق واللاحق، وهما صفتان عَرَضيّتان له - لا من ذاته بل من غيره -، وهو الصانع جلَّ اسمه، ولأنّ الممكن يستصحب الاحتياج إلى المؤثّر حال البقاء لبقاء الإمكان المقتضي للحاجة إلى المؤثّر، فلا بدّ له من علّة مبقية تحفظه ولا يؤودها حفظه وادامته وهو الحقّ تعالى، فظهر أنّ إمكان السماء يدلّ على وجود الحقّ تعالى، ولولا إرادة الاختصار لأطنبنا الكلام فيه. وأمّا الدليل على إمكانها، فجسميّتها الباعثة للتركيب عن مادّة وصورة، أو عن جسميّة مطلقة وأمر يخصّه ولعدم خلّوها عن الإنفعال والحركات. وأمّا الوجه الثالث: وهو من حيث جسميّتها، فلأنّه قد دلّ البرهان عندنا على أنّ الأجسام من حيث جسميّتها حادثة، أي واقعة في هوّيتها الشخصيّة تحت جنس الحركة والزمان، لأنّ الزمان من جملة مشخّصاتها، وهو - أي الزمان - اتّصال التجدّد والتقضّي، وعدد التغيرّات بأجزائه المنفصلة عند الوهم كالأيّام، والشهور والسنين والسماء بهوّيتها الشخصيّة الواقعة تحت الحركة والحدوث تحتاج إلى محدث غير حادث ولا متجدّد يحدثها، وإلاّ ننقل الكلام إلى علّة حدوث ذلك المحدث وتجدّده، ويفضي إمّا إلى التسلسل أو الدور - وهما باطلان -، وإمّا إلى علّة قديمة لا تكون متغيرّة أصلا - وهو الواجب جلّ ذكره -. فالله سبحانه هو قيّوم السماوات والأرض، وإليه تنتهي سلسلة الأسباب والمسبّبات، وليس لغيره رتبة الإفاضة والايجاد، بل التهييئة والإعداد. لا يقال: الأفلاك والكواكب أحياء ناطقون بأدلّة القرآن والعقل، وهي مؤثّرة في أحوال العنصريّات بدليل ارتباط الحوادث العنصريّة بالحركات السماويّة والاتّصالات الكوكبيّة. لأنّا نقول: هذا تمسّك بالدوران، وهو لا يفيد الظنّ فكيف البرهان - وانَّ الْظَنَّ لا يُغْني مِنَ الْحَقّ شَيْئاً -، والمتّبع هو البرهان النيّر الوارد من الحقّ في القلب، على أنّ لنا دلائل قطعيّة على أن لا مؤثّر في الوجود إلاّ الله، وما زعمتم فذلك مبنيّ على علم الهيئة والنجوم، وهو لا يدلّ على الربط العقلي بين الأشياء بل على الارتباطات الوضعيّة، والتأثير أمر عقليّ لا يستنبط إلاّ بالبرهان {أية : قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [البقرة:111]. فإن قيل: إسناد الحوادث إليها كفر أم لا؟ قلت: نعم، كفر، لكن لو قيل: إنّ المؤثّر هو الله سبحانه، وهو قد أجرى حكمته على هذا النظم والترتيب، وربط هذه الآثار بهذه الأسباب، فلا بأس إذ نسبة الآثار إليها كنسبة القطع إلى السكّين، والكتابة إلى القلم، لأنّها بمنزلة الصحائف المكتوبة فيها آجال الخلق وأرزاقهم، وعقولها ونفوسها المحرّكة إيّاها بمنزلة أقلام الحقّ الأوّل، والقدرة بمنزلة يد الرحمن، والكاتب هو الله. ومن انكشف له أمر العالَم كما هو، علِمَ أنّ الأفلاك والكواكب لا تتحرّك ما لم تُحرَّك، وكذلك محرِّكها، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرّك الأوّل الذي لا محرّك له ولا هو متحرّك في نفسه، فهي كلّها مسخّرات بيده كتسخير القلم والقرطاس بيد الكاتب. فالتفات العبد في النجاة إلى السماء والكواكب، يضاهي التفات من أخذ للحبس أو القتل فكتب الملك توقيعاً بالعفو عنه، فيرى نجاته من القلم والقرطاس. لا من محرّك القلم عليه، فأخذ يشتغل بالحمد والشكر لهما، وهذا غاية الجهل، ومن علم أنّ القلم - بما هو قلم - لا حكم له في نفسه، وإنّما هو مسخّر في يد الكاتب، لم يلتفت إليه، ولم يشكر إلاّ الكاتب، فالشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر كلّها مسخّرات في قبضة القدرة كتسخير القلم والقرطاس في يد الكاتب، والمفتاح في يد مفتّح الأبواب، كما في الأدعية السجّاديّة في الصحيفة الكاملة حيث قال الداعي بها (ع) في مخاطباته للقمر وقت الهلال: "جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث". وإذا انكشف لك أنّ جميع ما في السموات والأرض مسخّر له تعالى كما أشار إليه بقوله: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الرعد:15] - الآية - انصرف عنك الشيطان خائباً، وأيس عن مزج توحيده الأفعالي بهذا الشرك المستكنّ في طبع المنجّم والطبيب، فيأتيك لكي يوقعك في المهلكة الأخرى - وهو الشرك في الوجود والبقاء لغير الله -، فتحتاج إلى سلوك طريق الموحّدين لتنجو منها، ولنا بفضل الله وملكوته طريقة خاصّة لوّحنا إليها في مواضع تليق به. وأمّا الوجه الرابع: وهو من حيث طلوعها وأفولها - فلأنّ التغيّر والحركة من خواصّ الأجسام ولواحقها، ممّا يستدعي مؤثّراً غير الجسميّة المشتركة يخصّ بعض الأجسام بها دون بعض، إذ لو كانت الحركة مثلا من مقتضيات الجسميّة بما هي جسميّة، لم يوجد جسم إلاّ متحرّكا، وكذلك نخصّصها بوجوه مخصوصة وأنحاء مختلفة من السرعة والبطؤ والتشرّق والتغرّب وغيرها تحتاج إلى صانع يخصّها بها. لا يقال: لكلّ واحد منها طبيعة خاصّة تحرّكها على الوجه المخصوص. لأنّا نقول: الطبيعة المختصّة غير كافية في إفادة الحركة وتعيينها على هذا الوجه كما سنشير إليه، بل تحتاج إلى مؤثّر غير متناهي القوّة والتأثير - وهو الله سبحانه -. كيف وكلّ مَن أنصف مِن نفسه، يعلم أنّ التغيّر والحركة - ولو باعتبار المادّة والمحلّ والمتعلّق به بوجه، يناديان عليه بالإمكان والحدوث والحاجة إلى مؤثّر مقدّس عن التغيّر والتجدّد. ولهذا أعرض إبراهيم على نبيّنا وعليه السلام عن الأجسام النيّرة وطبايعها المختصّة لمّا ظنّ فيها الربوبيّة وقال فيها: {أية : لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} تفسير : [الأنعام:76] بصيغة الجمع بالياء والنون الدالّة على كونها من ذوي العقول، فإنّه (ع) مع علمه بأنّ لكلّ منها باطنا ملكوتيّا له قوّة نفسانيّة، وأُخرى عقليّة - نفى عنهم الإلهيّة، وحكم بأنّ درجتهم لكونهم واقعين في هوى الحدوث وأُفول الإمكان منحطّة عن استحقاق نسبة الإلهيّة إليهم، فتوجّه بوجه قلبه إلى فاطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً من غير إشراك كما حكى الله عنه بقوله: {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام:79]. وأمّا الوجه الخامس: فهو أنّ الهيولى لا فعل لها، وإلاّ لزمها في ذاتها جهتا قبول وفعل، ثمّ ننقل الكلام - على تقدير عدم بساطتها - إلى هيولى الهيولى، وهكذا إلى، لا نهاية - هذا محال -، والصورة دون الهيولى لا تفعل، بل تختصّ آثارها بمالها معه علاقة وضعيّة، فلا بدّ من توسّط الهيولى في فعلها، بل في تعيّنها، ومع ذلك لكلّ منهما حاجة إلى الأخرى من غير استقلال كما علمت. أمّا الهيولى ففي وجودها وبقائها، وأمّا الصورة ففي تشخّصها وتشكّلها، فهما متلازمان في الوجود معانٍ في التحقّق، فلا بدّ لهما من مقيم يقيم كلاّ منهما بالأخرى، وهو غير جسم ولا جسماني، فيكون هو الواجب الوجوذ، أم ملَكا مقرّبا عقلانيّاً يديم كلاّ منهما بالأخرى بإذن الله تعالى، دفعاً للدور والتسلسل. وأمّا الوجه السادس: فهو أنّ لكلّ من السماويّات محرّكاً نفسانيّا له قوّة عقليّة، وذلك لأنّ حركة السماء والكواكب ليست طبيعيّة لوجوه ثلاثة: أحدها: أنّ الحركة الطبيعيّة تصدر عنها عند حالة غير طبيعيّة، فهي مؤديّة إلى حالة طبيعيّة هي سكونها، وذلك عند ارتفاع الحالة الغير الطبيعية، والأفلاك وما فيها دائمة الحركات ما دام وجودها بإذن الله. وثانيها: أنّ الحركة الطبيعيّة تطلب أمراً تسكن عنده طلباً على أقرب الطرق، فهي إذن مستقيمة وحركاتها مستديرات - كما يشاهد -، ولأنّ المستقيمة لا تصلح لأن يحفظ بها وجود الزمان المتّصل الذي يستحيل أن تنفصل أجزاؤه في الوجود، اللهمّ إلاّ في الوهم - كما قرّر في موضعه -. وثالثها: إنّ الطبيعة لا تقتضي مهروبا عنه مطلوباً، ولا تهرب عن مطلوبها، والمستدير بخلاف ذلك. فهي إذن غير طبيعيّة ولا قسريّة - إذ القسر خلاف مقتضى الطبع - فهي نفسانيّة حيوانيّة، وليست مجرّد الحيوانيّة المطلقة منشؤها، إذ مطلوب الحيوان - بما هو حيوان - في حركته الإراديّة إمّا جلب منفعة - وهو الشهوة - أو دفع مضرّة - وهو الغضب - وهما مختصّان بالأبدان القابلة للنموّ والذبول، وجسميّة الأفلاك لم تحصل من استكملات الأجسام الناقصة الخلقة العنصريّة الفطرة كالمني والبذور ونحوهما، بل هي كظلام الأنوار العالية الحاصلة من بعض الجهات للمبادي الفاعليّة - كالإمكان ونحوه -، على طريق الإقتضاء لا الاستعداد، ولهذا موضع تأمّل يغفل عنه الأكثرون. لأنّها لو كانت حسّية من باب الشهوة أو الغضب، فلا محالة تسكن عنده، وإذ ليس فليس. فهي إذن ليست إراديّة حسّية، فلا يخلو إمّا أن يكون غرضها شيئا واقعا فيما طلبته بالحركة، أو مطلوباً دفعيّ الحصول فسكنت إن نالت، أو قنطت إن لم تنله في مدد متطاولة، فلها مطلب كلّي، فيلزمها إرادة كليّة موجبة لعلم كلّي دالّ على نفس ناطقة محرّكة لها، مبطلة لجحود الجاحدين المنكرين لإرادتها وعلمها. فالنفس الناطقة علّة دورانها، وحافظة زمانها من زيادتها ونقصانها، وممسكة عنانها في جادّة الحقّ ومُجرية سفينتها باسم الله في بحر الحقيقية. ثمّ ليس غرضها أمراً مظنونا من الثناء والمدح، فإنّ الحركات الكليّة الدائمة لا بدّ وأن تكون لأمر مقطوع به واجب الدوام - وليس المظنون كذا -، فمبدأ حركاتها ليس أمراً وهميًّا. ثمّ هذا العالَم الذي هو موطن الأوهام وما ينبعث عنها، أحقر بالنسبة إلى تلك الأجرام الشريفة النوريّة من أن تتحرّك لأجلها، وصاحب الحدس الصحيح يحكم بهذا قبل الرجوع إلى البرهان. فحركتها المعشوق، إمّا لينال ذاته، أو لتشّبهٍ بصفة رفيعة أو لتشبّه تجدّديّ، والأوّلان يوجبان ما سبق من الوقفة، فتعيّن الثالث، وليس المتشبّه به جرما فلكيّا وإلاّ لكانت الحركات متّفقة، ولا نفسها وإلا لتشابهت التحريكات، ولا شيئاً واحداً وإلاّ لاتّفقت، بل المتشبّه به إمّا الواجب سبحانه بواسطة أمور عقليّة صادرة عنه مكثّرة لجهات التحريكات والتشبيهات كما قال تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} تفسير : [فصلت:12] وإمّا تلك الأمور العقليّة، ولا بدّ من انتهائها إلى الله تعالى - كما علمت -، ولأنّها لمّا اشتركت في دوريّة الحركات فلها معشوق واحد هو مبدأ الكلّ وغاية الكلّ، وهو الموجود المطلق والوجود الحقّ. وإذا اختلفت في الجهات والسرعة والبطؤ، فلكلّ منها ذات عقليّة هي بالفعل من جميع الوجوه تتشبّه بها، وبواسطتها تتشبّه بالحقّ الأوّل، فعدد حركاتها بعدد محرّكاتها العقليّة، ثمّ النفسيّة، لأنّ في الحركة لا بدّ من إدراكات جزئيّة بقوّة نفسانيّة تتخيّل الحدود المسافيّة، لأنّ نسبة المراد العقليّ إلى جميع الحدود والمرادات الجزئيّة نسبة واحدة، فلا يقتضي تقديم بعضها على بعض، فلكلّ سماء وكوكب، محرّك مزاول متشوّق منفعل هو نفسه، ومحرّك غير متحرّك بل مفارق ومعشوق غير منفعل بل فاعل، هو عقله، وللكلّ محرّك واحد ومعشوق واحد هو إله الكلّ ومبدأ الكلّ وغاية الكلّ. فثبت أنّ الأفلاك وما فيها متقرّبات إلى الله تعالى بوسيلة الحركات، إذ بها تحصل الاستكمالات اللائقة بها، والكمال ممّا يوجب قرب المستكمل به من الكامل بالفعل في جميع الوجوه. فإن قلت: لِمَ صارت الحركات منشأ استكمالاتها دون شيء غير الحركة؟ قلت: لأنّ الفلكيّات في جواهرها وصورها وكيفيّاتها وكمّياتها اللائقة بها، وسائر الأمور الممكنة في حقّها بالامكان العامّ، كانت بالفعل بحسب أوّل فطرتها ولم يبق فيها شيء بالقوّة إلاّ أمر ضعيف الوجود، سهل الحصول من باب النِسَب والاضافات وهي أوضاعها، فيقصر وجودها عن الجمع بينها، فلو دامت على واحد لدامت الباقيات على القوّة العدميّة، والقاصر عن استبقاء الذات بالعدد يسعى في استبقائها النوعي، فأخرجت أشخاصها إلى الفعل بما أمكنها من التبادل التعاقبي الجالب لإضافة الأنوار من العوالي، الراشح للخير الدائم على السوافل، قصداً إلى تحصيل هذا الكمال الموجب لضرب من التقرّب إلى المبدأ الفعّال، والتشبّه به مهما تيسّر من الأحوال والأفعال، لا قصداً إلى نفع السوافل إلاّ على نحو التَبَع والاستجرار، وإلاّ لزم كون المعلول علّة لكمال الفاعل. ومن ظنّ أنّ المتشبّه به واحد ولكن الأفلاك جمعت بين غرضها ونفع السوافل عند استواء الجهات، كرجل خيِّر اختار سلوك أحد الطريقين المتساويين له لنفع محتاج، فما درى أنّه لو صحّ هذا في اختيار الجهة، لصحّ في اختيار أصل الحركة على السكون، فيقال تساويا عندها، فاختارت الحركة لنفع السافل، فلمّا لم يجز ذلك في أصل الحركة لتعاليها عليه، لم يجز لتعيين الجهة، وليس علينا أن نعلم كنه ذلك التشبّه إلاّ بقدر ما نرى من أنفسنا عند اهتزازنا وابتهاجنا بأمور روحانيّة عند سماع آيات قرآنيّة قراءتها مشيرة إلى أحوال العاكفين حول جناب الحقّ، كيف يستتبع ذلك تغيّراً واحمراراً في وجوهنا، وقياماً في شعورنا، وقُشعريرة في جلودنا، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر:23]. فهي أيضاً في حركاتها كالمناجي مع ربّه بأمور عقليّة يتحرّك شيء من أعضائه بحسب ما يتفكّر فيه، فحركاتها إذن عبادة ما فلكيّة، وصلاة ما ملكيّة، لاستجلاب شوارق النور بوارق الحضور. لمعة إشراقية المراد من السماء يمكن أن يراد بقوله: "والسماء والطارق"، سماء العالَم الصغير، أو سماء العالَم الكبير، لصحّة إطلاقهما عليها بحسب المفهوم - وهو الفوقيّة والإحاطة -، فإن كان الأوّل، فيكون إشارة إلى رأس الإنسان بما فيه من أنوار القوى الظاهرة، والطارق، إشارة إلى النفس الناطقة. أو تكون السماء إشارة إلى النفس الناطقة، لأنّها محلّ الواردات الغيبيّة الإلهيّة، كما أنّ السماء محلّ عجائب صنع الله في سير الكواكب وحركاتها المختلفة سرعة وبطؤاً، ورجوعاً واقامة واستقامة، ونسبة بعضها إلى بعض بالمقارنة والمقابلة والتثليث والتربيع والتسديس والخسف والكسف، وساير أوضاعها وحالاتها، على شبه أحوال الصور الإدراكيّة للنفس، والأحكام العلميّة لها، كاقتران بعضها مع بعض، ومقابلة بعضها البعض، والتعاكس بينهما، والتباعد والتقارب في المقدّمات القياسيّة، وانتقاض بعضها ببعض واحتجابه بذلك، فيكون "الطارق" إشارة إلى ما يرد عليها من العالم الإلهي والفيض القدسي من السوانح الملكوتيّة والمواهب الربّانيّة. وإن كان الثاني، فيكون المراد من السماء مجموع الأفلاك بما فيها، ومن "الطارق" إمّا جنس الكواكب، وإمّا المفارقات النوريّة المتعلّقة بها تصريفاً وتدبيراً، أو تشويقا وإفاضة وتنويراً.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} اقسم بالسّماء وبالكواكب او بكوكب الصّبح وعظّم شأن الكوكب فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ}.
الأعقم
تفسير : قال: "نجم رمى به وهو من آيات الله"، فعجب أبو طالب فأنزل الله: {والسماء والطارق} قسم برب السماء وقيل: بالسماء {وما أدراك ما الطارق} ففسر ذلك فقال سبحانه: {النجم الثاقب} أي هو النجم الثاقب مثل المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه، وقيل: الثاقب الذي يرمي الشيطان، وقيل: العالي على النجوم وهو زحل، وطروق النجوم ظهورها بالليل وخفاؤها بالنهار {إن كل نفس لمَّا عليها حافظ} هذا جواب القسم حافظ من الملائكة يحفظون عمله ورزقه وأجله، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : وكل بالمؤمن مائة وستون ملكاً يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد الى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين" تفسير : {فلينظر الإِنسان ممّ خلق} أي الذين ينكرون البعث لينظروا في أنفسهم كيف خلقهم وماذا خلقهم {خلق من ماء دافق} أي مدفوق مصبوب بالرحم {يخرج من بين الصلب والترائب} قيل: يخرج من الرجل من الصلب ومن المرأة من الترائب والله يخلق الولد منهما، وقيل: الترائب موضع القلادة، وقيل: بين ثدي المرأة، وقيل: عنى به اليدين والرجلين والعينين {إنه على رجعه لقادر} يعني هذا الذي خلقه ابتداء من هذا الماء يقدر على رجعه حيّاً بعد الموت، وقيل: رد الماء في الصلب {يوم تبلى السرائر} يعني يوم القيامة تبلى تكشف الأسرار فيظهر ما كان يخفيه {فما له من قوةٍ ولا ناصر} ينصره فيدفع عنه العذاب {والسماء} قيل: قسم بنفس السماء، وقيل: برب السماء {ذات الرجع} قيل: ذات المطر والذي يرجع به حالاً بعد حال، وقيل: شمسها وقمرها ونجومها تغيب ثم تطلع {والأرض ذات الصدع} أي تصدع بالنبات {إنه لقول فصل} هذا جواب القسم ومعناه أن الاحياء بعد الموت والوعد بالبعث قول فصل، وقيل: أنه يعني القرآن وما فيه من الوعد والوعيد والأحكام قول حق وهو الوحي {وما هو بالهزل} أي أنه جدّ ليس بلعب، والهزل نقيض الجدّ ويصيره اللهو واللعب هزل يهزل هزلاً {إنهم} يعني الكفار {يكيدون كيداً} أي يحتالون في الايقاع بك وبمن معك ويريدون إطفاء نورك {وأكيد كيداً} أي أريد أمراً آخر على ضد ما يريدون أو أريد ما ينقص تدابيرهم وهو الدفع عنك وإتمام أمرك وإظهار دينك {فمهّل الكافرين أملهم رويداً} فمهّل الكفارين أي انظرهم ولا تعاجلهم وارضَ بتدبير الله فيهم رويداً، أي امهالاً قليلاً لأن ما هو كائن قريب، قيل: أراد يوم بدر، وقيل: يوم القيامة.
الهواري
تفسير : تفسير سورة والطارق وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالسَّمَآءِ وَالطَّارِقِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ} أي: المضيء، كقوله: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي مضيء. وقال مجاهد: يتوهّج. والنجم في هذا الموضع جماعة النجوم، يعني النجوم المضيئة. وهذا قسم. {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} وهي تقرأ على وجهين: (لَمَا) مخففه و (لَمَّا) مثقلة فمن قرأها بالتخفيف فهو يقول لعليها حافظ [وما صلة] ومن قرأها بالتثقيل فهو يقول إلا عليها حافظ وتفسير حافظ يعني حافظاً من الملائكة يحفظ عليها عملها. قال: {فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} يعني النطفة {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ} أي: من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهو نحرها.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَالسَّمَاءِ} المعروفة وقيل المطر *{وَالطَّارِقِ} أي النجم الذي يبدو بالليل شبه ظهوره بالليل بعد خفائه بالنهار بحدوث المرء عليك ليلا وأصل الطارق سالك الطريق ثم خص عرفا بالآتي ليلا ثم استعمل للبادي فيه هنا كما رأيت، وقيل سمي طارقا لأنه يطرق الجني أي يصقه والمراد جنس النجوم وإن جعل بمعنى الشهب التي يرجم بها فالطارق بمعنى الحادث ليلا فإنه يطرق المستمع ويحدث عليه، "حديث : وروي أن أبى طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن فبينما هو يأكل إذا انحط نجم فامتلأ ما ثم نورا ففزع فقال ما هذا فقال صلى الله عليه وسلم هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله فعجب أبو طالب فنزلت *{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقِ النَّجْمُ}" تفسير : أي هو النجم. *{الثَّاقِبُ} المضيء كأنه يثقب الظلام بضوءه فينفد فيه كما قيل دري لأنه يدفعه أقسم الله أولا بالنجم باسمه العام وهو الطارق فأنه مشترك في كل طارق ليلا ثم بين أن هذا الطارق هو النجم الثاقب وذلك تفخيم لشأنه لما فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة وفي قوله {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقِ} تفخيم أعظم من ذلك، وقد قيل المراد بالنجم الطارق الثاقب النجم المعهود بالثقب وهو زحل وعليه ابن زيد وعنه أيضا أنه الثريا لأنه المعروف عند العرب بالنجم، وقال ابن عباس الجدي وعن الحسن أن المراد النجوم لأنها كلها ثاقبة أي ظاهرة الضوء وقيل الثاقب المتوهج قيل المرتفع وقيل ما يرمي به الشيطان فيثقبه أي ينفذه وقيل المراد في الآية الإفلاك.
اطفيش
تفسير : {وَالسَّمَاءِ} السماءِ الدنيا أو جنس السماءِ أو السماوات كلها ويضعف ما قيل من أن المراد هنا المطر كقوله: شعر : إذا نزل السماء بأَرض قوم رعيناه وان كانوا غضابا تفسير : أرادوا المطرود إليه الضمير على معنى النبات {وَالطَّارِق} اسم فاعل طرقه أى ضربه بشدة ضرباً يسمع له صوت ومنه المطرقة والطريق لأَن الماشى يضربها بقدميه أعنى يمشى عليها مشياً يشبه الضرب فغلب الطارق على السالك فيها حتى صار حقيقة فيه ثم نقل إلى الآتى ليلاً لأَنه يجد الأَبواب مغلقة فيطرقها ثم استعمل فى كل ما يأتى ليلاً ولو رؤيا أو خيالاً أو سحاباً أو نجماً.
الالوسي
تفسير : {وَٱلسَّمَاء } هي المعروفة على ما عليه الجمهور، وقيل المطر هنا وهو أحد استعمالاتها ومنه قوله:شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضاباً تفسير : ولا يخفى حاله {وَٱلطَّارِقِ } وهو في الأصل اسم فاعل من الطرق بمعنى الضرب بوقع وشدة يسمع لها صوت ومنه المطرقة والطريق لأن السابلة تطرقها ثم صار في عرف اللغة اسماً لسالك الطريق لتصور أنه يطرقها بقدمه واشتهر فيه حتى صار حقيقة ثم اختص بالآتي ليلاً لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقة فيطرقها ثم اتسع في كل ما يظهر بالليل كائناً ما كان حتى الصور الخيالية البادية فيه والعرب تصفها بالطروق كما في قوله: شعر : طَرَقَ الخَيَالُ ولا كَلَيْلَةِ مَدْلِجِ سَدِكاً بِأَرْحُلِنَا ولم يَتَعَرَّجِ تفسير : والمراد به هٰهنا عند الجمهور الكوكب البادي بالليل إما على أنه اسم جنس أو كوكب معهود كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ}.
سيد قطب
تفسير : جاء في مقدمة هذا الجزء أن سوره تمثل طرقات متوالية على الحس. طرقات عنيفة قوية عالية، وصيحات بنوّم غارقين في النوم.. تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات بإيقاع واحد، ونذير واحد. "اصحوا. تيقظوا. انظروا. تلفتوا. تفكروا. تدبروا. إن هنالك إلهاً. وإن هنالك تدبيراً. وإن هنالك تقديراً. وإن هنالك ابتلاء. وإن هنالك تبعة. وإن هنالك حساباً وجزاء. وإن هنالك عذاباً شديداً ونعيماً كبيراً..".. وهذه السورة نموذج واضح لهذه الخصائص. ففي إيقاعاتها حدة يشارك فيها نوع المشاهد، ونوع الإيقاع الموسيقي، وجرس الألفاظ، وإيحاء المعاني. ومن مشاهدها: الطارق. والثاقب. والدافق. والرجع. والصدع. ومن معانيها: الرقابة على كل نفس: {إن كل نفس لما عليها حافظ}.. ونفي القوة والناصر: {يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر}.. والجد الصارم: {إنه لقول فصل وما هو بالهزل}.. والوعيد فيها يحمل الطابع ذاته: {إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً. فمهل الكافرين أمهلهم رويداً!}! وتكاد تتضمن تلك الموضوعات التي أشير إليها في مقدمة الجزء: "إن هنالك إلهاً. وإن هنالك تدبيراً. وإن هنالك تقديراً. وإن هنالك ابتلاء. وإن هنالك تبعة. وإن هنالك حساباً وجزاء.. الخ". وبين المشاهد الكونية والحقائق الموضوعية في السورة تناسق مطلق دقيق ملحوظ يتضح من استعراض السورة في سياقها القرآني الجميل.. {والسماء والطارق. وما أدراك ما الطارق؟ النجم الثاقب. إن كل نفس لما عليها حافظ}.. هذا القسم يتضمن مشهداً كونياً وحقيقة إيمانية. وهو يبدأ بذكر السماء والطارق ويثني بالاستفهام المعهود في التعبير القرآني: {وما أدراك ما الطارق؟}.. وكأنه أمر وراء الإدراك والعلم. ثم يحدده ويبينه بشكله وصورته: {النجم الثاقب} الذي يثقب الظلام بشعاعه النافذ. وهذا الوصف ينطبق على جنس النجم. ولا سبيل إلى تحديد نجم بذاته من هذا النص، ولا ضرورة لهذا التحديد. بل إن الإطلاق أولى. ليكون المعنى: والسماء ونجومها الثاقبة للظلام، النافذة من هذا الحجاب الذي يستر الأشياء. ويكون لهذه الإشارة إيحاؤها حول حقائق السورة وحول مشاهدها الأخرى.. كما سيأتي.. يقسم بالسماء ونجمها الثاقب: أن كل نفس عليها من أمر الله رقيب: {إن كل نفس لما عليها حافظ}.. وفي التعبير بصيغته هذه معنى التوكيد الشديد.. ما من نفس إلا عليها حافظ. يراقبها، ويحصى عليها، ويحفظ عنها، وهو موكل بها بأمر الله. ويعين النفس لأنها مستودع الأسرار والأفكار. وهي التي يناط بها العمل والجزاء. ليست هنالك فوضى إذن ولا هيصة! والناس ليسوا مطلقين في الأرض هكذا بلا حارس. ولا مهملين في شعابها بلا حافظ، ولا متروكين يفعلون كيف شاءوا بلا رقيب. إنما هو الإحصاء الدقيق المباشر، والحساب المبني على هذا الإحصاء الدقيق المباشر. ويلقي النص إيحاءه الرهيب حيث تحس النفس أنها ليست أبداً في خلوة ـ وإن خلت ـ فهناك الحافظ الرقيب عليها حين تنفرد من كل رقيب، وتتخفى عن كل عين، وتأمن من كل طارق. هنالك الحافظ الذي يشق كل غطاء وينفذ إلى كل مستور. كما يطرق النجم الثاقب حجاب الليل الساتر.. وصنعة الله واحدة متناسقة في الأنفس وفي الآفاق. ويخلص من هذه اللمسة التي تصل النفس بالكون، إلى لمسة أخرى تؤكد التقدير والتدبير، التي أقسم عليها بالسماء والطارق. فهذه نشأة الإنسان الأولى تدل على هذه الحقيقة؛ وتوحي بأن الإنسان ليس متروكاً سدى، ولا مهملاً ضياعاً: {فلينظر الإنسان ممّ خلق. خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب}.. فلينظر الإنسان من أي شيء خلق وإلى أي شيء صار.. إنه خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، خلق من هذا الماء الذي يجتمع من صلب الرجل وهو عظام ظهره الفقارية ومن ترائب المرأة وهي عظام صدرها العلوية.. ولقد كان هذا سراً مكنوناً في علم الله لا يعلمه البشر. حتى كان نصف القرن الأخير حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته؛ وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية يتكون ماء الرجل، وفي عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة. حيث يلتقيان في قرار مكين فينشأ منهما الإنسان! والمسافة الهائلة بين المنشأ والمصير.. بين الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب وبين الإنسان المدرك العاقل المعقد التركيب العضوي والعصبي والعقلي والنفسي.. هذه المسافة الهائلة التي يعبرها الماء الدافق إلى الإنسان الناطق توحي بأن هنالك يداً خارج ذات الإنسان هي التي تدفع بهذا الشيء المائع الذي لا قوام له ولا إرادة ولا قدرة، في طريق الرحلة الطويلة العجيبة الهائلة، حتى تنتهي به إلى هذه النهاية الماثلة. وتشي بأن هنالك حافظاً من أمر الله يرعى هذه النطفة المجردة من الشكل والعقل، ومن الإرادة والقدرة، في رحلتها الطويلة العجيبة. وهي تحوي من العجائب أضعاف ما يعرض للإنسان من العجائب من مولده إلى مماته! هذه الخلية الواحدة الملقحة لا تكاد ترى بالمجهر، إذ أن هنالك ملايين منها في الدفقة الواحدة.. هذه الخليقة التي لا قوام لها ولا عقل ولا قدرة ولا إرادة، تبدأ في الحال بمجرد استقرارها في الرحم في عملية بحث عن الغذاء. حيث تزودها اليد الحافظة بخاصية أكالة تحوّل بها جدار الرحم حولها إلى بركة من الدم السائل المعد للغذاء الطازج! وبمجرد اطمئنانها على غذائها تبدأ في عملية جديدة. عملية انقسام مستمرة تنشأ عنها خلايا.. وتعرف هذه الخليقة الساذجة التي لا قوام لها ولا عقل ولا قدرة ولا إرادة.. تعرف ماذا هي فاعلة وماذا هي تريد.. حيث تزودها اليد الحافظة بالهدى والمعرفة والقدرة والإرادة التي تعرف بها الطريق! إنها مكلفة أن تخصص كل مجموعة من هذه الخلايا الجديدة لبناء ركن من أركان هذه العمارة الهائلة.. عمارة الجسم الإنساني.. فهذه المجموعة تنطلق لتنشئ الهيكل العظمي. وهذه المجموعة تنطلق لتنشئ الجهاز العضلي. وهذه المجموعة تنطلق لتنشئ الجهاز العصبي. وهذه المجموعة تنطلق لتنشئ الجهاز للمفاوي.. إلى آخر هذه الأركان الأساسية في العمارة الإنسانية!.. ولكن العمل ليس بمثل هذه البساطة.. إن هنالك تخصصاً أدق. فكل عظم من العظام. وكل عضلة من العضلات. وكل عصب من الأعصاب.. لا يشبه الآخر. لأن العمارة دقيقة الصنع، عجيبة التكوين، متنوعة الوظائف.. ومن ثم تتعلم كل مجموعة من الخلايا المنطلقة لبناء ركن من العمارة، أن تتفرق طوائف متخصصة، تقوم كل طائفة منها بنوع معين من العمل في الركن المخصص لها من العمارة، الكبيرة!.. إن كل خلية صغيرة تنطلق وهي تعرف طريقها. تعرف إلى أين هي ذاهبة، وماذا هو مطلوب منها! ولا تخطئ واحدة منها طريقها في هذه المتاهة الهائلة. فالخلايا المكلفة أن تصنع العين تعرف أن العين ينبغي أن تكون في الوجه، ولا يجوز أبداً أن تكون في البطن أو القدم أو الذراع. مع أن كل موضع من هذه المواضع يمكن أن تنمو فيه عين. ولو أخذت الخلية الأولى المكلفة بصنع العين وزرعت في أي من هذه المواضع لصنعت عيناً هنالك! ولكنها هي بذاتها حين تنطلق لا تذهب إلا للمكان المخصص للعين في هذا الجهاز الإنساني المعقد.. فمن ترى قال لها: إن هذا الجهاز يحتاج إلى عين في هذا المكان دون سواه؟ إنه الله. إنه الحافظ الأعلى الذي يرعاها ويوجهها ويهديها إلى طريقها في المتاهة التي لا هادي فيها إلا الله! وكل تلك الخلايا فرادى ومجتمعة تعمل في نطاق ترسمه لها مجموعة معينة من الوحدات كامنة فيها. هي وحدات الوراثة، الحافظة لسجل النوع ولخصائص الأجداد. فخلية العين وهي تنقسم وتتكاثر لكي تكوّن العين، تحاول أن تحافظ في أثناء العمل على شكل معين للعين وخصائص محددة تجعلها عين إنسان لا عين أي حيوان آخر. وإنسان لأجداده شكل معين للعين وخصائص معينة.. وأقل انحراف في تصميم هذه العين من ناحية الشكل أو ناحية الخصائص يحيد بها عن الخط المرسوم. فمن ذا الذي أودعها هذه القدرة؟ وعلمها ذلك التعليم؟ وهي الخلية الساذجة التي لا عقل لها ولا إدراك، ولا إرادة لها ولا قوة؟ إنه الله. علمها ما يعجز الإنسان كله عن تصميمه لو وكل إليه تصميم عين أو جزء من عين. بينما خلية واحدة منه أو عدة خلايا ساذجة، تقوم بهذا العمل العظيم! ووراء هذا اللمحة الخاطفة عن صور الرحلة الطويلة العجيبة بين الماء الدافق والإنسان الناطق، حشود لا تحصى من العجائب والغرائب، في خصائص الأجهزة والأعضاء،لا نملك تقصيها في هذه الظلال.. تشهد كلها بالتقدير والتدبير. وتشي باليد الحافظة الهادية المعينة. وتؤكد الحقيقة الأولى التي أقسم عليها بالسماء والطارق. كما تمهد للحقيقة التالية. حقيقة النشأة الآخرة التي لا يصدقها المشركون، المخاطبون أول مرة بهذه السورة.. {إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر. فما له من قوة ولا ناصر}.. إنه ـ الله الذي أنشأه ورعاه ـ إنه لقادر على رجعة إلى الحياة بعد الموت، وإلى التجدد بعد البلى، تشهد النشأة الأولى بقدرته، كما تشهد بتقديره وتدبيره. فهذه النشأة البالغة الدقة والحكمة تذهب كلها عبثاً إذا لم تكن هناك رجعة لتختبر السرائر وتجزى جزاءها العادل: {يوم تبلى السرائر}.. السرائر المكنونة، المطوية على الأسرار المحجوبة.. يوم تبلى وتختبر، وتتكشف وتظهر كما ينفذ الطارق من خلال الظلام الساتر؛ وكما ينفذ الحافظ إلى النفس الملفعة بالسواتر! كذلك تبلى السرائر يوم يتجرد الإنسان من كل قوة ومن كل ناصر: {فما له من قوة ولا ناصر}.. ما له من قوة في ذاته، وما له من ناصر خارج ذاته.. والتكشف من كل ستر، مع التجرد من كل قوة، يضاعف شدة الموقف؛ ويلمس الحس لمسة عميقة التأثير. وهو ينتقل من الكون والنفس، إلى نشأة الإنسان ورحلته العجيبة، إلى نهاية المطاف هناك، حيث يتكشف ستره ويكشف سره، ويتجرد من القوة والنصير.. ولعل طائفاً من شك، أو بقية من ريب، تكون باقية في النفس، في أن هذا لا بد كائن.. فمن ثم يجزم جزماً بأن هذا القول هو القول الفصل، ويربط بين هذا القول وبين مشاهد الكون، كما صنع في مطلع السورة: {والسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، إنه لقول فصل، وما هو بالهزل}.. والرجع المطر ترجع به السماء مرة بعد مرة، والصدع النبت يشق الأرض وينبثق.. وهما يمثلان مشهداً للحياة في صورة من صورها. حياة النبات ونشأته الأولى: ماء يتدفق من السماء، ونبت ينبثق من الأرض.. أشبه شيء بالماء الدافق من الصلب والترائب؛ والجنين المنبثق من ظلمات الرحم. الحياة هي الحياة. والمشهد هو المشهد. والحركة هي الحركة.. نظام ثابت، وصنعة مُعلمة، تدل على الصانع. الذي لا يشبهه أحد لا في حقيقة الصنعة ولا في شكلها الظاهر! وهو مشهد قريب الشبه بالطارق. النجم الثاقب. وهو يشق الحجب والستائر. كما أنه قريب الشبه بابتلاء السرائر وكشف السواتر.. صنعة واحدة تشير إلى الصانع! يقسم الله بهذين الكائنين وهذين الحدثين: السماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع.. حيث يوقع مشهدهما وإيحاؤهما، كما يوحي جرس التعبير ذاته، بالشدة والنفاذ والجزم.. يقسم بأن هذا القول الذي يقرر الرجعة والابتلاء ـ أو بأن هذا القرآن عامة ـ هو القول الفصل الذي لا يتلبس به الهزل. القول الفصل الذي ينهي كل قول وكل جدل وكل شك وكل ريب. القول الذي ليس بعده قول. تشهد بهذا السماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع! وفي ظل هذا القول الفصل بالرجعة والابتلاء يتجه الخطاب إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو ومن معه من القلة المؤمنة في مكة يعانون من كيد المشركين ومؤامراتهم على الدعوة والمؤمنين بها ـ وقد كانوا في هم مقعد مقيم للكيد لها والتدبير ضدها وأخذ الطرق عليها وابتكار الوسائل في حربها ـ يتجه الخطاب إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتثبيت والتطمين وبالتهوين من أمر الكيد والكائدين. وأنه إلى حين. وأن المعركة بيده هو ـ سبحانه وقيادته. فليصبر الرسول وليطمئن هو والمؤمنون: {إنهم يكيدون كيداً، وأكيد كيداً، فمهل الكافرين، أمهلهم رويداً}.. إنهم ـ هؤلاء الذين خلقوا من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ـ بلا حول ولا قوة ولا قدرة ولا إرادة، ولا معرفة ولا هداية. والذين تولتهم يد القدرة في رحلتهم الطويلة. والذين هم صائرون إلى رجعة تبلى فيها السرائر، حيث لا قوة لهم ولا ناصر.. إنهم هؤلاء يكيدون كيداً.. وأنا ـ أنا المنشئ.. الهادي. الحافظ. الموجه. المعيد. المبتلي. القادر. القاهر. خالق السماء والطارق. وخالق الماء الدافق، والإنسان الناطق، وخالق السماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع.. أنا الله.. أكيد كيداً.. فهذا كيد. وهذا كيد. وهذه هي المعركة.. ذات طرف واحد في الحقيقة.. وإن صورت ذات طرفين لمجرد السخرية والهزاء! {فمهل الكافرين}.. {أمهلهم رويداً}.. لا تعجل. ولا تستبطئ نهاية المعركة. وقد رأيت طبيعتها وحقيقتها.. فإنما الحكمة وراء الإمهال. الإمهال قليلاً.. وهو قليل حتى لو استغرق عمر الحياة الدنيا. فما هو عمر الحياة الدنيا إلى جانب تلك الآباد المجهولة المدى؟ ونلحظ في التعبير الإيناس الإلهي للرسول: {فمهل الكافرين أمهلهم رويداً}.. كأنه هو ـ صلى الله عليه وسلم ـ صاحب الأمر، وصاحب الإذن، وكأنه هو الذي يأذن بإمهالهم. أو يوافق على إمهالهم. وليس من هذا كله شيء للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما هو الإيناس والود في هذا الموضع الذي تنسم نسائم الرحمة على قلبه - صلى الله عليه وسلم - الإيناس الذي يخلط بين رغبة نفسه وإرادة ربه. ويشركه في الأمر كأن له فيه شيئاً. ويرفع الفوارق والحواجز بينه وبين الساحة الإلهية التي يقضي فيها الأمر ويبرم.. وكأنما يقول له ربه: إنك مأذون فيهم. ولكن أمهلهم. أمهلهم رويداً.. فهو الود العطوف والإيناس اللطيف. يمسح على الكرب والشدة والعناء والكيد، فتنمحي كلها وتذوب.. ويبقى العطف الودود..
ابن عاشور
تفسير : افتتاح السورة بالقسم تحقيق لما يقسم عليه وتشويق إليه كما تقدم في سوابقها. ووقع القسم بمخلوقَين عظيمين فيهما دلالة على عظيم قدرة خالقهما هما: السماء، والنجوم، أو نجم منها عظيم منها معروف، أو ما يبدو انقضاضه من الشهب كما سيأتي. و{الطارق}: وصف مشتق من الطروق، وهو المجيء ليلاً لأن عادة العرب أن النازل بالحي ليلاً يطرق شيئاً من حجر أو وتد إشعاراً لرب البيت أن نزيلاً نزل به لأن نزوله يقضي بأن يضيفوه، فأطلق الطروق على النزول ليلاً مجازاً مرسلاً فغلب الطروق على القدوم ليلاً. وأبهم الموصوف بالطارق ابتداء، ثم زيد إبهاماً مشوباً بتعظيم أمره بقوله: {وما أدراك ما الطارق} ثم بُين بأنه: {النجم الثاقب} ليحصل من ذلك مزيد تقرر للمراد بالمقسم به وهو أنه من جنس النجوم، شُبه طلوع النجم ليلاً بطروق المسافر الطارق بيتاً بجامع كونه ظهوراً في الليل. و{ما أدراك} استفهام مستعمل في تعظيم الأمر، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : وما يدريك لعل الساعة قريب } تفسير : في سورة الشورى (17)، وعند قوله: { أية : وما أدراك ما الحاقة } تفسير : [الحاقة: 3] وتقدم الفرق بين: ما يدريك، وما أدراك. وقوله: {النجم} خبر عن ضمير محذوف تقديره: هو، أي الطارق النجم الثاقب. والثقب: خرق شيء ملتئم، وهو هنا مستعار لظهور النور في خلال ظلمة الليل. شبه النجم بمسمار أو نحوه، وظهورُ ضوئه بظهور ما يبدو من المسمار من خلال الجسم الذي يثقبه مثل لَوح أو ثَوب. وأحسب أن استعارة الثقب لبروز شعاع النجم في ظلمة الليل من مبتكرات القرآن ولم يرد في كلام العرب قبل القرآن. وقد سبق قوله تعالى: { أية : فأتبعه شهاب ثاقب } تفسير : في سورة الصافات (10)، ووقع في تفسير القرطبي: والعرب تقول اثقُب نارك، أي أضئها، وساق بيتاً شاهداً على ذلك ولم يعزه إلى قائل. والتعريف في {النجم} يجوز أن يكون تعريف الجنس كقول النابغة: شعر : أقول والنجمُ قد مَالت أواخِره... البيت تفسير : فيستغرق جميع النجوم استغراقاً حقيقياً وكلها ثاقب فكأنه قِيلَ، والنجوم، إلا أن صيغة الإفراد في قوله: {الثاقب} ظاهر في إرادة فرد معيّن من النجوم، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إشارة إلى نجم معروف يطلق عليه اسم النجم غالباً، أي والنجم الذي هو طارق. ويناسب أن يكون نجماً يَطلع في أوائل ظلمة الليل وهي الوقت المعهود لِطروق الطارقين من السائرين. ولعل الطارق هو النجم الذي يسمى الشاهد، وهو نجم يظهر عقب غروب الشمس، وبه سميت صلاة المغرب «صلاةَ الشاهد». روى النسائي: « حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن هذه الصلاة (أي العصر) فرضت على من كان قبلكم فضيعوها » تفسير : إلى قوله: « حديث : ولا صلاة بعدَها حتى يطلع الشاهد » تفسير : . وقيل: أريد بــــ {الطارق} نوع الشهب، روي عن جابر بن زيد: أن النجم الطارق هو كوكب زُحل (لأنه مبرز على الكواكب بقوة شعاعه). وعنه: أنه الثريا (لأن العرب تطلق عليها النجم علماً بالغَلبة)، وعن ابن عباس: أنه نجوم برج الجَدي، ولعل ذلك النجم كان معهوداً عند العرب واشتهر في ذلك في نجم الثريا. وقيل: أريد بالطارق نوع الشهب (أي لأن الشهاب ينقضّ فيلوح كأنه يَجري في السماء كما يسير السائر إذا أدركه الليل). فالتعريف في لفظ {النجم} للاستغراق، وخص عمومه بوقوعه خبراً عن ضمير {الطارق} أي أن الشهاب عند انقضاضه يرى سائراً بسرعة ثم يغيب عن النظر فيلوح كأنه استقر فأشبه إسراع السائر ليلاً ليبلغ إلى الأحياء المعمورة فإذا بلغها وقف سيره. وجواب القسم هو قوله: {إنْ كل نفس لمَا عليها حافظ} جُعل كناية تلويحية رمزية عن المقصود. وهو إثبات البعث فهو كالدليل على إثباته، فإن إقامة الحافظ تستلزم شيئاً يحفظه وهو الأعمال خيرُها وشرُّها، وذلك يستلزم إرادة المحاسبة عليها والجزاء بما تقتضيه جزاء مُؤخراً بعد الحياة الدنيا لئلا تذهب أعمال العاملين سدى وذلك يستلزم أن الجزاء مؤخر إلى ما بعد هذه الحياة إذ المُشَاهَدُ تخلُّف الجزاء في هذه الحياة بكثرة، فلو أهمل الجزاء لكان إهماله منافياً لحكمة الإِلٰه الحكيم مبدع هذا الكون كما قال: { أية : أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً } تفسير : [المؤمنون: 115] وهذا الجزاء المؤخر يستلزم إعادة حياة للذوات الصادرة منها الأعمالُ. فهذه لوازم أربعة بها كانت الكناية تلويحية رمزية. وقد حصل مع هذا الاستدلال إفادةُ أن على الأنفس حفظةً فهو إدماج. والحافظ: هو الذي يحفظ أمراً ولا يهمله ليترتب عليه غرض مقصود. وقرأ الجمهور: {لَمَا} بتخفيف الميم، وقرأه ابن عامر وحمزة وأبو جعفر وخلَف بتشديد الميم. فعلى قراءة تخفيف الميم تكون (إنْ) مخففة من الثقيلة و{لَمَا} مركبة من اللام الفارقة بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففةِ من الثقيلة ومعها (مَا) الزائدة بعد اللام للتأكيد وأصل الكلام: إن كل نفس لَعَليْها حافظ. وعلى قراءة تشديد الميم تكون (إنْ) نافية و{لمَّا} حرف بمعنى (إلاّ) فإن (لَمَّا) ترد بمعنى (إلاّ) في النفي وفي القَسم، تقول: سألتُك لَمَّا فعلت كذا أي إلاّ فعلت، على تقدير: ما أسألك إلاّ فعل كذا فآلت إلى النفي وكلٌ من (إنْ) المخففة و(إنْ) النافية يُتلقَّى بها القسم. وقد تضمن هذا الجواب زيادةً على إفادته تحقيق الجزاء إنذاراً للمشركين بأن الله يعلم اعتقادهم وأفعالهم وأنه سيجازيهم على ذلك.
الشنقيطي
تفسير : أصل الطرق في اللغة: الدق، ومنه المطرقة، ولذا قالوا للآتي ليلاً: طارق، لأنه يحتاج إلى طرق الباب. وعليه قول امرئ القيس: شعر : فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول تفسير : أي جئتها ليلاً، وقول الآخر: شعر : ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تطيب تفسير : وقول جرير: شعر : طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وَقت الزيارة فارجعي بسلام تفسير : وفي الحديث: "حديث : أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن"تفسير : ، فهو لفظ عم في كل ما يأتي شيئة المفاجئ، ولكأنه يأتي في حالة غير متوقعة، ولكنه هنا خص بما فسر به بعده قي قوله تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ * ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} [الطارق: 2-3]. فقيل: ما يثقب الشياطين عند استراق السمع، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} تفسير : [الجن: 9]، فيكون عاماً في كل نجم. وقيل: خاص، فقيل: زحل وقيل: المريخ، وقيل الثريا، لأنه إذا أطلق النجم عند العرب، كان مراداً به الثريا. وتقدم هذا للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في أول سورة النجم. وقيل: الثاقب المضيء، يثقب الظلام بضوئه، وعليه فهو للجنس عامة، لأن النجوم كلها مضيئة. قال القرطبي، وقال سفيان: كل ما في القرآن وما أدراك فقد أخبره به، وكل شيء قال فيه: وما فيه يدريك، لم يخبره به. والواقع أنه الغالب، فقد جاءت: "وما أدراك" ثلاث عشرة مرة، كلها أخبره إلاَّ واحدة، وهي في الحاقة {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} تفسير : [الحاقة: 3] وما عداها، فقد أخبره بها، وهي: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} تفسير : [المدثر: 27-28]. وفي المرسلات {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} تفسير : [المرسلات: 14]. وفي الانفطار: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} تفسير : [الانفطار: 17]، إلى قوله {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} تفسير : [الانفطار: 19]. وفي المطففين: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} تفسير : [المطففين: 8-9]. وفي البلد: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ} تفسير : [البلد: 12-13]. وفي القدر: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} تفسير : [القدر: 2-3]. وفي القارعة: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} تفسير : [القارعة: 3]. وأيضاً: {أية : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ} تفسير : [القارعة: 9-10]، وفي هذه السورة {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ * ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} [الطارق: 2-3]، فكلها أخبره عنها إلاّ في الحاقة. تنبيه يلاحظ أنها كلها في قصار السور من الحاقة وما بعدها، أما ما يدريك، فقد جاءت ثلاث مرات فقط، {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} تفسير : [الأحزاب: 63]، في الأحزاب، {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى: 17]، في الشورى، {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} تفسير : [عبس: 3] في عبس وتولى، فلم يخبره فيبها صراحة، إلاّ أنه في الثالثة قد يكون أخبره لأنه قال {لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} فهو وإن لم يصرِّح هل هو تزكى أم لا، إلاّ أن لعل من الله تعالى للتحقيق، كما هو معلوم. تنبيه آخر قال كثير من المفسرين: أقسم الله بالسماء، وبالنجم الطارق لعظم أمرها، وكبر خلقهما كما في قوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 75-76]، ولأنه أقسم بالنجم إذا هوى. وفيما تقدم للشيخ رحمه الله تعالى علينا وعليه ترجيح كون مواقع النجوم، {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} تفسير : [النجم: 1]: إنما هو نجوم القرآن وتنزيله منجماً وهو به نزول الملك به على النَّبي صلى الله عليه وسلم.
الواحدي
تفسير : {والسماء والطارق} يعني: النُّجوم كلَّها؛ لأنَّ طلوعها باللَّيل، وكلُّ ما أتى ليلاً فهو طارق، وقد فسَّر الله تعالى ذلك بقوله: {النجم الثاقب} المضيء النَّيِّرُ. {إن كلُّ نفسٍ لَّمَّا عليها} لَعَليها، و {ما} صلة {حافظ} من ربِّها يحفظ عملها. {فَلْيَنْظُرِ الإِنسان ممَّ خلق} من أيِّ شيءٍ خلقه ربُّه، ثمَّ بيَّن فقال: {خلق من ماءٍ دافق} مدفوقٍ مصبوبٍ في الرَّحم. يعني: النُّطفة. {يخرج من بين الصلب} وهو ماء الرَّجل {والترائب} عظام الصَّدر، وهو ماء المرأة. {إنَّه} إنَّ الله {على رجعه} على بعث الإِنسان وإِعادته بعد الموت {لقادر}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- أقسم بالسماء وبالنجم الذى يظهر ليلاً. 2، 3- وأى شئ أعلمك ما حقيقة هذا النجم؟ هو الذى ينفذ ضوؤه فى الظلام. 4- ما كل نفس إلا عليها حافظ يرقبها ويحصى عليها أعمالها. 5- فليفكر الإنسان من أى شئ خلق؟. 6- خلق الإنسان من ماء متدفق. 7- يخرج هذا الماء من بين الصلب وعظام الصدر من الرجل والمرأة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والطارق: أي كل ما يطرق ويأتي ليلا وسمي النجم طارقا لطلوعه ليلا. النجم الثاقب: أي الثريّا والثاقب المضيء الذي يثقب الظلام بنوره. لما عليها حافظ: أي إلاّ عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها. خلق من ماء دافق: أي ماء ذي اندفاق وهو بمعنى مدفوق أي مصبوب في الرحم. من بين الصلب والترائب: الصلب: عظم الظهر من الرجل، والترائب عظام الصدر والواحدة تريبة. يوم تُبلى السرائر: أي تختبر ضمائر القلوب في العقائد والنيات. والسرائر جمع سريرة كالسّرّ. ذات الرجع: أي ذات المطر لرجوعه كل حين والرجع من أسماء المطر. ذات الصدع: أي التصدع والتشقق بالنبات. لقول فصل: أي يفصل بين الباطل وفي الخصومات يقطعها بالحكم الجازم. وما هو بالهزل: أي باللعب والباطل بل هو الجد كل الجد. يكيدون كيداً: أي يعملون المكائد للنبي صلى الله عليه وسلم. وأكيد كيدا: أي أستدرجهم من حيث لا يعلمون لأوقعهم في المكروه. أمهلهم رويدا: أي زمنا قليلا وقد أخذهم في بدر. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} هذا قسم إلهي حيث أقسم تعالى بالسماء والطارق ولما كان لفظ الطارق يشمل كل طارق آت بليل، وأراد طارقاً معينا فخم من شأنه بالاستفهام عنه الدال على تهويله فقال {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ} ثم بيّنه بقوله {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} وكل نجم هو ثاقب للظلام بضوئه. والمراد به هنا الثريّا لتعارف العرب على إطلاق النجم على الثريا. هذا هو القسم والمقسم عليه هو قوله تعالى {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}. وهنا قراءتان سبعيتان الأولى بتخفيف ميم لما وحينئذ تصبح زائدة لتقوية الكلام لا غير واللام للفرق بين إن النافية والمؤكدة الداخلة على الأسم وهو هنا ضمير شأن محذوف والتقدير أنه أي الحال والشأن كل نفس عليها حافظ. والثانية بتشديد لمّا وحينئذ تكون إن نافية بمعنى ما ولما بمعنى إلاّ ويصير الكلام هكذا. ما كل نفس إلاّ عليها حافظ من ربها يحفظ عملها ويُحصي عليها ما تكسب من خير وشر. وقوله تعالى {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ} أي الكافر المكذب بالبعث والجزاء {مِمَّ خُلِقَ} أي من أي شيء خلق. وبين تعالى مما خلقه بقوله {خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} أي ذي اندفاق وهو المنيّ يصب في الرحم يخرج من بين الصلب والترائب أي يخرج الماء من صلب الرجل وهو عظام ظهره وترائب المرأة وهي محل القلادة من صدرها، وقد اختلف في تقدير فهم هذا الخبر عن الله تعالى وجاء العلم الحديث فشرح الموضوع وأثبت أن ماء الرجل يخرج حقا مما ذكر الله تعالى في هذه الآية وأن ماء المرأة كذلك يخرج مما وصف عز وجل وصدق الله العظيم. وقوله تعالى {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} أي الذي خلقه مما ذكر من ماء دافق فجعله بشراً سوياً ثم أماته بعد أن كان حياً قادر على إرجاعه حياً كما كان وأعظم مما كان. وذلك يوم تبلى السرائر أي تختبر الضمائر وتكشف الأسرار وتعرف العقائد والنيات الصالحة من الفاسدة والسليمة من المعيبة ويومها {فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} ليس لهذا الكافر والمكذب بالبعث والحياة الثانية ماله قوة يدفع بها عن نفسه عذاب ربّه ولا ناصر ينصره فيخلصه من العذاب. وقوله تعالى {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} أقسم تعالى بالسماء ذات السحب والغيوم والأمطار، والأرض ذات التشقق عن النباتات والزروع المختلفة على أن القرآن الكريم قول فصل وحكم عدل في كل مختلف فيه من الحق والباطل فما أخبر به وحكم فيه من أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها هو الحق الذي لا مرية فيه والصدق الذي لا كذب معه وقوله تعالى وما هو بالهزل أي وليس القرآن باللعب الباطل بل هو الحق من الله الذي لا باطل معه. وقوله تعالى {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً} أي إن كفار قريش يمكرون بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبدعوته مكرا ويكيدون لهما كيدا. وقوله {وَأَكِيدُ كَيْداً} أي وأنا أمكر بهم وأكيد لهم كيدا فمن يغلب مكره وكيده الخالق المالك أم المخلوق المملوك؟ فمهل الكافرين يا رسولنا أمهلهم قليلا، فقد كتبنا في كتاب عندنا {أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21] وقد أنجز الله وعده لرسوله والمؤمنين فلم يمض إلاّ سنيات قلائل، ولم يبق في مكة من سلطان إلا الله، ولا من معبود يعبد إلا الله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير المعاد والبعث والجزاء. 2- تقرير أن أعمال العباد محصية محفوظة وأن الحساب يجري بحسبها. 3- بيان مادة تكوين الإِنسان ومصدر تكوين تلك المادة. 4- التحذير من إسرار الشر وإخفاء الباطل، وإظهار خلاف ما في الضمائر، فإِن الله تعالى عليم بذلك، وسيختبر عباده في كل ما يسرون ويخفون. 5- إثبات أن القرآن قول فصل ليس فيه من الباطل شيء وقد تأكد هذا بمرور الزمان فقد صدقت أنباؤه ونجحت في تحقيق الأمن والاستقرار أحكامه.
القطان
تفسير : طَرَق طَرْقا وطروقا: أتاهم ليلا، وطَرَقَ النجم طروقا: طلع ليلا. النجم الثاقب: النجم المضيء، ثقب الكوكب: أضاءَ فهو ثاقب. حافظ: رقيب. ماء دافق: ماء مندفع بسرعة. الصلب: فقار الظهر، منطقة العمود الفقري، يقال: من صُلب فلان يعني من ذريته. الترائب: عظام الصدر. تُبلى: تختبر وتمتحن. السرائر: الضمائر، وما يُسِره الانسان في نفسه. الرجع: إعادة الشيء الى ما كان عليه، والمراد هنا المطر. الصدع: الشق، الارض التي تنشق عن النبات. فصل: فاصلٌ بين الحق والباطل. يكيدون: يمكرون، ويدبّرون المضرة خفية. وأكيدُ كيدا: الكيد من الله التدبيرُ بالحق لمجازاة اعمالهم. رويدا: قريبا. لقد أقسَم الله تعالى في مطلع هذه السورة بالسماء ونجومها اللامعة المضيئة، انّ النفوسَ لم تُترك سُدى، ولن تبقى مهمَلة، بل تكفَّل بها مَنْ يحفظها ويحصي أعمالَها، وهو اللهُ تعالى. وفي هذه تسليةٌ للرسول الكريم وأصحابِه، ووعيدٌ للكافرين الجاحدين. {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} أُقسِم بالسماء وبالنجم الطالع ليلا. ولقد اقسَم الله تعالى بالسماء والشمس وبالقمر والليل، لأن في أحوالِها وأشكالها وسَيْرِها ومطالِعها ومغاربها عجائبَ وأيَّ عجائب. ثم فسّر الطارقَ بقوله: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} هذه النجوم المضيئة التي لا تحصى ولا نعلم من أكثرها شيئا، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ} استفهام للتفخيم والتعظيم. ما الذي أعلمكَ يا محمد ما حقيقةُ هذه النجوم. ثم بين الذي حلف عليه فقال: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} أي إن كلَّ نفس عليها رقيبٌ يحفظها ويدير شئونها في جميع أطوارها، ويُحصي عليها أعمالها. لَمَّا، هنا بمعنى إلاّ، يعني أن كل نفس عليها حافظ. وفي قراءة من قرأها بالتخفيف انّ كل نفس لَما عليها حافظ، يعني: ان كل نفس لَعَلَيْها حافظ، وهما قراءتان سَبْعِيَّتان. وهذا المعنى كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [الإنفطار: 10-12]. ثم امر الله تعالى الانسانَ أن ينظر ويتفكر في بدءِ خَلْقه ومنشئه، وانه خُلق من ماءٍ دافق فيه ملايين الحُوينات التي لا تُرى بالعين المجردة، فالذي خلقه على هذه الأوضاع قادرٌ على أن يُعيدَه إلى الحياة الأخرى. {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} فلينظر الانسانُ ويفكّر في مبدأ خلْقه. لقد خلقه الله من ماءٍ متدفق، من مَنِيٍّ فيه ملايينُ المخلوقات التي لا تُرى بالعين المجردة، {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} أيْ من الصُّلب وعظم الصدر من الرجل والمرأة، فاذا دخَل المنيُّ رحِمَ المرأة وكانت مهيَّأةً للحمل التقى بالبيضة التي في الرحم، وكوّنت معه جرثومة الجَنين. وقد بينت الدراسات الحديثة ان نواةَ الجهاز التناسلي والجهاز البولي في الجَنين تظهر بين الخلايا الغضروفية المكوِّنةِ لعظام العَمودِ الفَقري وبين الخلايا المكونةِ لعظام الصدر. وتبقَى الكُلى في مكانها وتنزل الخَصيةُ إلى مكانها الطبيعي في الصَفَنِ عند الولادة. كما ان العصب الذي ينقل الإحساسَ اليها ويساعدها على إنتاج الحيوانات المنوية وما يصاحب ذلك من سوائل - متفرعٌ من العصَب الصدريّ العاشر الذي يغادر النخاعَ الشوكيَّ بين الضِلعَين العاشر والحادي عشر. وواضح من ذلك ان الاعضاءَ التناسلية وما يغذّيها من أعصابٍ وأوعية تنشأ من موضع في الجسم بين الصُّلب والترائب، "العمود الفقري والقفص الصدري". وهذه الأمور الدقيقة لم يكتشِفها العِلم الا حديثاً بعد هذه القرون الطويلة. ومن هذه يتبين بوضوحٍ أن الانسانَ يُخْلَق وينشأ من ماءِ الرجل الدافق، وأهمُّ ما فيه الحيوانُ المنوي؛ وماء المرأة وأهم ما فيه البُوَيضة. ونشوؤهما وغذاؤهما وأعصابُهما كلُّها من بين الصلب والترائب. {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} ان الله تعالى الذي قَدَّر خَلْق الإنسان ابتداءً من هذه الموادّ التي لا تُرى بالعين المجردة، بتلك العملية الدقيقة - قادرٌ بكل سهولة على إعادة حياته مرةً أخرى بعدَ أن يموت. {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27]. ثم بيَّن وقتَ الرجع، ذلك اليوم العظيم فقال: {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} إنه يوم القيامة، يوم يعيدُ الله الخَلْقَ فتنكشف السرائر، وتتّضح الضمائر، وتُمتحَن القلوبُ وتختبر. {فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} فليس للإنسانِ في ذلك اليوم قُوّةٌ تدفع عنه العذابَ ولا ناصرٌ ينصره ويجيرُه، فلا قوةَ له في نفسه، ولا أحدَ ينصره، الا ما قدّمه أمامه من عمل صالح. وبعد أن بين الله تعالى امر المبدأ والمعاد، وانه قادر على اعادة الحياة، ووجّه الانظار الى التدبر في برهان هذه القدرة - شرع يثبت صحةَ رسالة النبي الكريم الى الناس كافّة، وصحةَ ما يأتيهم به من عند الله، وهو القرآن الكريم، ذلك الكتابُ الذي لا ريبَ فيه، فأَقسم على صدق هذا الكتاب فقال: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} أُقسِم بالسماء ذاتِ المطر (وهو أنفعُ شيء ينتظره الخلْق، الذي يرجع حينا بعد حين، ولولاه لهلَك الناسُ، وهلَك الخلق، هذا الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي..) كما أُقْسِم بالأرض التي تتصدّع وتنشق، فيخرج منها النباتُ والأشجار والزهر وكل ما يفيد الناس ويقيتهم - إن ما جاء به محمد {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ} أيْ إن هذا القرآن لهو قولٌ فاصل بين الحق والباطل، قد بلغ الغايةَ في بيانه وتشريعِه وإعجازه، وهو جِدٌّ ليس فيه شيء من الهزل والعبث، لأنه كلامُ أحكَمِ الحاكمين. ثم بين ما يدبره الكافرون للمؤمنين، وما تحويه صدورُهم من غلٍّ ومكرٍ فقال: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً} ويمكرون بالمؤمنين، ويحاولون صَرْفَ الناس عن الدِّين القويم، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30]. ثم ذَكَرَ ما قابلَهم ربُّهم به، وما جازاهم عليه، وطلبَ من رسوله الكريم ان يتأنّى عليهم ليرى أخْذَه لهم فقال: {وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}. ان هؤلاء المشركين يعملون المكايد لإطفاء نور الله، وصدِّ الناس عن شريعته، وأنا أُجازيهم على كيدهم بالإمهال ثم النَّكال، حيث آخذُهم أخذَ عزيزٍ مقتدر.. لكن بعد أن أمهلهم قليلاً. وقد صدق وعده، ووعدُه الحق. قراءات قرأ عاصم وحمزة وابن عامر: ان كل نفسٍ لمّا عليها حافظ، بتشديد لمّا، وهي بمعنى إلاّ. وقرأ الباقون: لما بغير تشديد وهي بمعنى اللام: لَعليها حافظ.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِالسَّمَاءِ وَنُجُومِهَا الثَّاقِبَةِ الضَّوْءِ، التِي تَظْهَرُ لَيْلاً. (الطَّارِقُ هُوَ الذِي يَطْرُقُ البَابَ لَيْلاً، وَسُمِّي النَّجْمُ طَارِقاً لأَِنَّهُ يَظْهَرُ فِي اللَّيْلِ).
الثعلبي
تفسير : {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ}. نزلت في أبي طالب وذلك حديث : لأنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن فبينما هو جالس يأكل إذا بخط نجم فامتلأ ماءً ثمّ ناراً ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا، فقال رسول الله (عليه السلام): "هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله تعالى". فعجب أبو طالب، فأنزل الله سبحانه وتعالى {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ}تفسير : ، والمعنى: يعني النجم يظهر ليلا ويخفى نهاراً، أو كل ماجاء ليلا فقد طرق. ومنه حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله وقال: "حديث : تستعد المغيبة وتمتشط الشعثة"تفسير : ، وقالت هند بنت عتبة يوم أحد: شعر : نحن بنات طارق نمشي على النمارق تفسير : تريد أن أبانا نجم في شرفه وعلوه. وأنشدنا أبو القاسم المفسّر قال: أنشدني أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الرومي قال: شعر : يا راقد الليل مسروراً بأوّله إنّ الحوادث قد يطرقن أسحاراً لا تفرحن بليل طاب أوّله فرب آخر ليل أجج النارا تفسير : {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ} ثم فسره فقال عزّ من قائل: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} أي المضيء المنير، يقول العرب: أثقب نارك أي أضئها. مجاهد: المتوهج، عطا: الثاقب الذي يرمي به الشياطين فيثقبهم: قال ابن زيد: كانت العرب تسمّي الثريا النجم، وقيل: هو زحل سُمي بذلك لإرتفاعه، وتقول العرب للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعاً: قد ثقب. وروى أبو الحوراء عن ابن عباس قال: الطارق: نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ثم رجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل فهو طارق حين ينزل وطارق حين يصعد. {إِن كُلُّ نَفْسٍ} جواب القسم {لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} قرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وعاصم وحمزة {لَّمَّا} بتشديد الميم، يعنون ما كل نفس إلاّ عليها حافظ، وهي لغة هذيل يقولون: يسديك الله لما قمت، يعنون: إلاّ قمت، وقرأ الآخرون: بالتخفيف جعلوا (ما) صلة مجازه: إنّ كل نفس لعليها حافظ. أخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا الحسن بن أيوب قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا معاذ عن ابن عون قال: قرأت عند ابن سيرين: (إنّ كلَّ نفس لما) فانكره وقال: سبحان الله سبحان الله فتأويل الآية كلُّ نفس عليها حافظ من ربِّها يحفظ عملها ويُحصي عليها ما يكتسب من خير وشر. قال ابن عباس: هم الحفظة من الملائكة، وقال قتادة: هم حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا ابن آدم قبضت إلى ربّك، وقال الكلبي [وحصين]: حافظ من الله يحفظ قولها وفعلها ويحفظ حتى يدفعها ويسلمها إلى المقادير ثم تخلى عنها. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الحطاب قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل قال: حدّثنا سلمة بن شبيب قال: حدّثنا يحيى بن صالح قال: حدّثنا عمر بن معدان عن سلم بن عامر عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وكّل بالمؤمن ستون ومائة ملك يذبّون عنه مالم يقدر عليه من ذلك للبصر سبعة أملاك يذبّون عنه كما يذّب عن قصعة العسل الذباب [في اليوم الصائف ومالو بدا لكم لرأيتمونه على جبل وسهل كلهم باسط يديه فاغرفاه وما] لو وكّل العبد إلى نفسه طرقه عين لاختطفته الشياطين ".
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱلطَّارِقُ} مأخوذ من الطرق بمعنى الضرب بشدة ومنه المطرقة، وكل ما جاء بليل يسمى طارقاً {دَافِقٍ} مصبوب بقوة وشدة يقال: دفق الماء دفقاً إِذا انصبَّ بدفع وشدة {ٱلتَّرَآئِبِ} عظام الصدر جمع تريبة مثل فصيلة وفصائل قال امرؤ القيس: شعر : "تَرائبُها مصقولةٌ كالسجنجل" تفسير : {ٱلرَّجْعِ} المطر سمي به لرجوعه إِلى الأرض مراراً {ٱلصَّدْعِ} النبات الذي تنشق عنه الأرض {رُوَيْداً} قليلاً أو قريباً. التفسِير: {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} أي أٌقسم بالسماءِ وبالكواكب النيرة، التي تظهر ليلاً وتختفي نهاراً قال المفسرون: سُمي النجم طارقاً لأنه إِنما يظهر بالليل ويختفي بالنهار، وكلُّ ما يجيء ليلاً فهو طارق {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ} استفهام للتفخيم والتعظيم أي وما الذي أعلمك يا محمد ما حقيقة هذا النجم؟ ثم فسره بقوله {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} أي النجم المضيء الذي يثقب الظلام بضيائه قال الصاوي: قد كثر منه تعالى في كتابه المجيد ذكرُ الشمس والقمر والنجوم، لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها، ومغاربها عجيبة دالة على انفراد خالقها بالكمالات، لأن الصّنعة تدل على الصانع {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} هذا جواب القسم أي ما كلُّ نفسٍ إِلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خيرٍ وشر كقوله {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ}تفسير : [الانفطار: 10-11] قال ابن كثير: أي كلُّ نفسٍ عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات.. ثم أمر تعالى بالنظر والتفكر في خلق الإِنسان، تنبيهاً على إِمكان البعث والحشر فقال {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}؟ أي فلينظر الإِنسان في أول نشأته نظرة تفكرٍ واعتبار، من أي شيءٍ خلقه الله؟ {خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} أي خلق من المنيّ المتدفق، الذي ينصب بقوةٍ وشدة، يتدفق من الرجل والمرأة فيتكون منه الولد بإِذن الله {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} أي يخرج هذا الماء من بين الصلب وعظم الصدر، من الرجل والمرأة {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} أي إِن الله تعالى الذي خلق الإِنسان ابتداءً، قادر على إِعادته بعد موته قال ابن كثير: نبه تعالى الإِنسان على ضعف أصله الذي خلق منه، وأرشده إِلى الاعتراف بالمعاد، لأن من قدر على البداءة، فهو قادر على الإِعادة بطريق الأولى {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} أي يوم تمتحن القلوب وتختبر، ويُعرف ما بها من العقائد والنيات، ويميز بين ما طاب منها وما خبث {فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} أي فليس للإِنسان في ذلك الوقت قوة تدفع عنه العذاب، ولا ناصر ينصره ويجيره، قال في التسهيل: لما كان دفع المكاره في الدنيا إِما بقوة الإِنسان، أو بنصرة غيره له، أخبره الله تعالى أنه يعدمها يوم القيامة، فلا قوة له في نفسه، ولا أحد ينصره من الله.. ولما ذكر تعالى أمر المبدأ والمعاد، عاد فأقسم على صدق هذا الكتاب المعجز فقال {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} أي أُقسم بالسماء ذات المطر، الذي يرجع على العباد حيناً بعد حين قال ابن عباس: الرَّجع المطرُ ولولاه لهلك الناس وهلكت مواشيهم {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} أي وأُقسم بالأرض التي تتصدع وتنشق، فيخرج منها النبات والأشجار والأزهار قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات والثمار.. أقسم سبحانه وتعالى بالسماء التي تفيض علينا الماء، وبالأرض التي تخرج لنا الثمار والنبات، والسماء للخلق كالأب، والأرض لهم كالأم، ومن بينهما تتولد النعم العظيمة، والخيرات العميمة، التي بها بقاء الإِنسان والحيوان {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} أي إِن هذا القرآن لقولٌ فاصل بين الحق والباطل، قد بلغ الغاية في بيانه وتشريعه وإِعجازه {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ} أي ليس فيه شيءٌ من اللهو والباطل والعبث، بل هو جدٌّ كله، لأنه كلام أحكم الحاكمين، فجديرٌ بقارئه أن يتعظ بآياته، ويستنير بتوجيهاته وإِرشاداته {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً} أي إِن هؤلاء المشركين - كفار مكة - يعملون المكايد لإِطفاء نور الله، وإِبطال شريعة محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَكِيدُ كَيْداً} أي وأجازيهم على كيدهم بالإِمهال ثم النكال، حيث آخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر كقوله تعالى {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 182] قال أبو السعود: أي أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده حيث استدرجهم من حيث لا يعلمون {فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} أي لا تستعجل في هلاكهم والانتقام منهم، وأمهلهم قليلاً فسوف ترى ما أصنع بهم، وهذا منتهى الوعيد والتهديد. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام للتفخيم والتعظيم {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ}؟ 2- الطباق بين {ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} وبين {الفصل والهزل}. 3- جناس الاشتقاق {يَكِيدُونَ كَيْداً}. 4- الإِطناب بتكرار الفعل مبالغة في الوعيد {فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}. 5- الكناية اللطيفة {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} كنَّى بالصلب عن الرجل، وبالترائب عن المرأة، وهذا من لطيف الكنايات. 6- السجع الرصين الذي يزيد في جمال الأسلوب ورشاقته ونضارته مثل {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} ومثل {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ} وهو من المحسنات البديعية.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} الآية، هذه السورة مكية ولما ذكر فيها قبلها تكذيب الكفار للقرآن نبه هنا على حقارة الإِنسان ثم استطرد منه إلى أن هذا القرآن قول فصل جد لا هزل فيه ولا باطل يأتيه ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإِمهال أولئك الكفرة المكذبين وهي آية موادعة منسوخة بآية السيف والسماء هي السماء المعروفة والطارق هو الآتي ليلاً أي يظهر بالليل أتى بالطارق مقسماً به وهي صفة مشتركة بين النجم الثاقب وغيره ثم فسره بقوله النجم الثاقب إظهاراً لفخامة ما أقسم به، والنجم الثاقب قال ابن عباس: هو الجدي. {إِن كُلُّ نَفْسٍ} إن هي المخففة من الثقيلة وما زائدة وحافظ خبر كل وعليها متعلق به وعند الكوفيين ان نافية واللام بمعنى الا وما زائدة وكل حافظ مبتدأ وخبر والظاهر عموم كل نفس ولما ذكر أن كل نفس عليها حافظ أتبع ذلك بوصية الإِنسان بالنظر في أول نشأته الأولى حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه فيعمل لذلك ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته ومم خلق استفهام ومن متعلقة بخلق والجملة في موضع نصب بفلينظر وهي معلقة وجواب الاستفهام وما بعده وهو خلق من ماء دافق وهو مني الرجل والمرأة لما امتزجا في الرحم واتحدا عبر عنهما وهو مفرد ودافق بمعنى مدفوق. {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} أي تحتبر والسرائر ما أكنته القلوب من العقائد والنيات وما أخفته الجوارح من الأعمال والظاهر عموم السرائر ولما كان الامتناع في الدنيا إما بقوة في الإِنسان وإما بناصر خارج عن نفسه نفي عنه تعالى ما يمتنع به وأتى بمن الدالة على العموم في نفي القوة والناصر. {وَٱلسَّمَآءِ} أقسم ثانياً بالسماء وهي المظلة. {ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} قال ابن عباس: الرجع السحاب فيه المطر والصدع ما تنصدع عنه الأرض من النبات والضمير في أنه عائد على الكلام الذي أخبر فيه يبعث الإِنسان يوم القيامة وابتلاء سرائره أي أن ذلك لقول جزم مطابق للواقع لا هزل فيه فيكون الضمير قد عاد على مذكور وهو الكلام الذي تضمن الإِخبار عن البعث وليس من الإِخبار التي فيها هزل بل هو جد كله. {إِنَّهُمْ} أي الكافرين. {يَكِيدُونَ} أي من ابطال أمر الله تعالى وإطفاء نور الحق. {وَأَكِيدُ} أي أجازيهم على كيدهم فسمي الجزاء كيداً على سبيل المقابلة نحو قوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 54] ثم أمره عليه السلام فقال: {فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ} أي انتظر عقوبتهم ولا تستعجل ذلك ثم أكد أمره فقال: {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} مصدر أرود يرود مصغر تصغير الترقيم أذ أصله أرواداً وقيل هو تصغير رود من قول الشاعر: شعر : يكاد لا تلثم البطحاء وطأته كأنه ثمل يمشي على رود تفسير : أي على مهل ويستعمل مصدراً نحو رويد عمرو بالإِضافة أي إمهال عمرو ونعتاً لمصدر نحو ساروا سيراً رويداً وحالاً نحو سار القوم رويداً ويكون إسم فعل بمعنى أمهل قال الشاعر: شعر : رويداً بني شيبان بعض وعيدكم تلاقوا غداً خيلي على سفوان تفسير : سفوان موضع ونصب بعض برويد إسم الفعل فسيحيط بهم العذاب كما كان في يوم بدر وغيره لما كرر الأمر توكيداً خالف بين اللفظين على أن الأول مطلق والثاني: مقيد بقوله: رويداً.
الجيلاني
تفسير : {وَٱلسَّمَآءِ} أي: وحق سماء الأسماء اللاهوتية، المصونة عن مطلق التغيير والزوال، المتعالية عن مدارك الوهم ومشاعر الخيال {وَ} بحق {ٱلطَّارِقِ} [الطارق: 1] الذي يتخطف منها على آحاد الرجال بعدما هاجروا عن بقعة الناسوت متشمرين بالعزيمة الخالصة نحو فضاء اللاهوت بمقتضى الجذب الجبلي، والميل الفطري المعنوي. ثمَّ أبهمه سبحانه على حبيبه تعظماً وتفخيماً فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ} أيها المظهر الكامل اللائق لفيضان الطوارق اللاهوتية {مَا ٱلطَّارِقُ} [الطارق: 2] حين كانت مقيداً في عالم الناسوت، وبعدما أطلقك الحق عن قيود عالم الناسوت عرفت أن الطارق الذي يطرقك من عالم اللاهوت والجبروت. {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} [الطارق: 3] أي: الجذبة المضيئة الأحدية، اللامعة المتشعشعة، الناشئة من عالم العماء الذي هو محل كمال الجلاء والانجلاء الذاتي، والجذوة المشتعلة الساقطة من نار العشق والمحبة المفرطة الإلهية إلى شجرة ناسوتك، القائلة لك بعدما أمرك بالانخلاع عن كسوة ناسوتك: {أية : إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ}تفسير : [طه: 12]. واطرح لوازم نشأتك بعدما سمعت ما سمعت يا أكمل الرسل، فاسترح في مقعد صدقك عند ربك {أية : إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ}تفسير : [طه: 12-13] لمظهرية المعارف والحقائق {أية : فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ}تفسير : [طه: 13] إليك الآيات البينات لمراسم التوحيد واليقين. وبالجملة: وحق هذين القسمين العظيمين {إِن كُلُّ نَفْسٍ} أي: ما كل نفس من النفوس الزكية والخبيثة {لَّمَّا} أي: إلاَّ {عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] من قِبَل الحق، يحفظ لها أقوالها وأفعالها وأحوالها، وحالاتها ومقاماتها؛ حتى لا يدفعها ويسلمها إلى المقادير التي حصل منها، وصدر على طبقها حتى جوزيت على مقتضاها. وبعدما سمع الإنسان ما سمع من الحكمة العليَّة الإلهية {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ} المركب من الجهل والنسيان، وليتأمل في منشئة {مِمَّ خُلِقَ} [الطارق: 5] يعني: فليراجع وجدانه، ولينظر مبدأه ومنشأه؛ حتى يظهر له من أيّ شيء قدر وجوده، فعرف قدره، ولم يتعد طوره. {خُلِقَ مِن مَّآءٍ} مهين مسترذل {دَافِقٍ} [الطارق: 6] مدفوق مصبوب في الرحم على وجه التلذذ والاضطراب من كلا الجانبين. مع أنه {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} [الطارق: 7] أي: من ظهر الرجل وصدر المرأة. وبعدما تأمل الإنسان في مبدئه، وعرف أصل منشئه تفطن منه أن وفقه الحق إلى قدرة الصانع العليم، الحكيم الذي خلقه من هاتين الفضلتين الخبيثتين، وربَّاه إلى أن صار بشراً سوياً، قابلاً لفيضان أنواع المعارف والحقائق، لائقاً للخلافة الإلهية، مهبطاً للوحي والإلهام. وتفطن أيضاً، بل جزم وتيقن أن من قدر على خلقه وإيجاده ابتداءً {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ} وإعادته وبعثه من القبور {لَقَادِرٌ} [الطارق: 8] ألبتة، فكيف ينكر قدرته سبحانه على البعث والحشر، مع أن الإعادة أهون عنده من الإبداء؟! تأملوا أيها المجبولون على فطرة العبرة والتكليف {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} [الطارق: 9] وتكشف الساتر، ويظهر ما خفي في الضمائر من الإنكار والإصرار، وفواسد النيات والأعمال. {فَمَا لَهُ} أي: للإنسان حينئذٍ {مِن قُوَّةٍ} يدفع عن نفسه ما يترتب على أعماله وأحواله من العذاب والعقاب على وجه الجزاء {وَلاَ نَاصِرٍ} [الطارق: 10] يدفعه عنه وينصره؛ إذ كل نفس يومئذٍ رهينة بما كسبت، مشغولة بجزاء ما جرت خيراً كان أو شراً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : أيها الطارق في ليل القالب من سماء الصدر الطالب، محبوب القلب الكاسب، مطلوب الرب في سوق القدر، اعلم أن الله أقسم بالسماء والطارق في كتابه بقوله: {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ * ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ} [الطارق: 1-3]؛ يعني: النجم المضيء من نور العرش الذي هو مستوى الرحمن، يطرق من السماء إلى عالم البشرية في ظلمة ليل القالب، {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] جواب القسم؛ يعني: ليس كل نفس لما عليها منا حافظ، وحفظتك من هذا القبيل يحفظونك من العاهات الجسمانية والآفات الروحانية، وأنت غافل عن نفسك وعن حفظك وتحسب أنك خلقت للأكل والشرب، والجماع كالبهائم ولا تتفكر في خلقك {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} [الطارق: 5-7] النازل من سماء صدرك، أما تعلم أن الله خلق لطيفتك الإرادية من ماء الرحمن المصبوب في رحم قالبك مما كان مودعاً في صلب روحك، ومن ماء التربية المستودع في ترائب قالبك وقت التخمير؟ {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} [الطارق: 8]؛ يعني: أن الله قادر على رجعه {لَقَادِرٌ} إلى أصله إن لم يعطه حقه، فالواجب عليك أيها المريد، أن تغتنم نزول اللطيفة الإرادية في قلبك وتربيها أحسن مما يربي أحد ولده العزيز؛ لأن ذلك الولد عدو لك وفتنة لك، وهذا الولد مبارك عليك حبيب لك يوصلك إلى حضرة ربك {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} [الطارق: 9] يظهر لكل أحد في ذلك اليوم سر هذا الولد العزيز ويندم على تقصيره في تربيته ولا ينفعه الندم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول [الله] تعالى: { وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ }. ثم فسر الطارق بقوله: { النَّجْمُ الثَّاقِبُ } أي: المضيء، الذي يثقب نوره، فيخرق السماوات [فينفذ حتى يرى في الأرض]، والصحيح أنه اسم جنس يشمل سائر النجوم الثواقب. وقد قيل: إنه " زحل " الذي يخرق السماوات السبع وينفذ فيها فيرى منها. وسمي طارقًا، لأنه يطرق ليلا. والمقسم عليه قوله: { إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } يحفظ عليها أعمالها الصالحة والسيئة، وستجازى بعملها المحفوظ عليها. { فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ } أي: فليتدبر خلقته ومبدأه، فإنه مخلوق { مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ } وهو: المني الذي { يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ } يحتمل أنه من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي ثدياها. ويحتمل أن المراد المني الدافق، وهو مني الرجل، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه، ولعل هذا أولى، فإنه إنما وصف الله به الماء الدافق، والذي يحس [به] ويشاهد دفقه، هو مني الرجل، وكذلك لفظ الترائب فإنها تستعمل في الرجل، فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريدت الأنثى لقال: " من بين الصلب والثديين " ونحو ذلك، والله أعلم. فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق، يخرج من هذا الموضع الصعب، قادر على رجعه في الآخرة، وإعادته للبعث، والنشور [والجزاء] ، وقد قيل: إن معناه، أن الله على رجع الماء المدفوق في الصلب لقادر، وهذا - وإن كان المعنى صحيحًا - فليس هو المراد من الآية، ولهذا قال بعده: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } أي: تختبر سرائر الصدور، ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر على صفحات الوجوه قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } تفسير : ففي الدنيا، تنكتم كثير من الأمور، ولا تظهر عيانًا للناس، وأما في القيامة، فيظهر بر الأبرار، وفجور الفجار، وتصير الأمور علانية. { فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ } يدفع بها عن نفسه { وَلا نَاصِرٍ } خارجي ينتصر به، فهذا القسم على حالة العاملين وقت عملهم وعند جزائهم. ثم أقسم قسمًا ثانيًا على صحة القرآن، فقال: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } أي: ترجع السماء بالمطر كل عام، وتنصدع الأرض للنبات، فيعيش بذلك الآدميون والبهائم، وترجع السماء أيضًا بالأقدار والشئون الإلهية كل وقت، وتنصدع الأرض عن الأموات، { إِنَّه } أي: القرآن { لَقَوْلٌ فَصْلٌ } أي: حق وصدق بين واضح. { وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ } أي: جد ليس بالهزل، وهو القول الذي يفصل بين الطوائف والمقالات، وتنفصل به الخصومات. { إِنَّهُمْ } أي: المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم، وللقرآن { يَكِيدُونَ كَيْدًا } ليدفعوا بكيدهم الحق، ويؤيدوا الباطل. { وَأَكِيدُ كَيْدًا } لإظهار الحق، ولو كره الكافرون، ولدفع ما جاءوا به من الباطل، ويعلم بهذا من الغالب، فإن الآدمي أضعف وأحقر من أن يغالب القوي العليم في كيده. { فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا } أي: قليلا فسيعلمون عاقبة أمرهم، حين ينزل بهم العقاب. تم تفسير سورة الطارق، والحمد لله رب العالمين
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} 684 - أنا عمرو بنُ منصورٍ، نا أبُو نُعيمٍ، عن مسعرٍ، عن مُحارب بن دِثارٍ، عن جابرٍ قال:حديث : صَلَّى مُعاذٌ المغربَ فقرأ البقرة والنِّساء، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم "أَفَتَّانٌ يا معاذ، ما كان يكفيكَ أن تقرأ بالسَّماءِ والطَّارقِ، والشمسِ وضُحَاهَا ".
همام الصنعاني
تفسير : 3572- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال في قوله تعالى: {وَٱلطَّارِقِ}: [الآية: 1]، هو ظهور النجم بالليل يقول: يطرقُكَ بِاللَّيْلِ: {ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ}: [الآية: 3]، المضيء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):