Verse. 6020 (AR)

٨٩ - ٱلْفَجْر

89 - Al-Fajr (AR)

يٰۗاَيَّتُہَا النَّفْسُ الْمُطْمَىِٕنَّۃُ۝۲۷ۤۖ
Ya ayyatuha alnnafsu almutmainnatu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيتها النفس المطمئنة» الآمنة وهي المؤمنة.

27

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف حال من اطمأن إلى الدنيا، وصف حال من أطمأن إلى معرفته وعبوديته، فقال: {يا أيتها النفس } وفيه مسائل: المسألة الأولى: تقدير هذا الكلام. يقول الله للمؤمن: {يا أيتها النفس } فإما أن يكلمه إكراماً له كما كلم موسى عليه السلام أو على لسان ملك، وقال القفال: هذا وإن كان أمراً في الظاهر لكنه خبر في المعنى، والتقدير أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى الله، وقال الله لها: {أية : فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى * وَٱدْخُلِى جَنَّتِى }تفسير : [الفجر: 30,29] قال: ومجيء الأمر بمعنى الخبر كثير في كلامهم، كقولهم: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. المسألة الثانية: الاطمئنان هو الاستقرار والثبات، وفي كيفية هذا الاستقرار وجوه أحدها: أن تكون متيقنة بالحق، فلا يخالجها شك، وهو المراد من قوله: {أية : وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى }تفسير : [البقرة: 260] وثانيها: النفس الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويشهد لهذا التفسير قراءة أبي بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة، وهذه الخاصة قد تحصل عند الموت عند سماع قوله: {أية : أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ } تفسير : [فصلت: 30] وتحصل عند البعث، وعند دخول الجنة لا محالة وثالثها: وهو تأويل مطابق للحقائق العقلية، فنقول: القرآن والبرهان تطابقا على أن هذا الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر الله، أما القرآن فقوله: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ }تفسير : [الرعد: 28] وأما البرهان فمن وجهين الأول: أن القوة العاقلة إذا أخذت تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات، فكلما وصل إلى سبب يكون هو ممكناً لذاته طلب العقل له سبباً آخر، فلم يقف العقل عنده، بل لا يزال ينتقل من كل شيء إلى ما هو أعلى منه، حتى ينتهي في ذلك الترقي إلى واجب الوجود لذاته مقطع الحاجات. ومنتهى الضرورات، فلما وقفت الحاجة دونه وقف العقل عنده واطمأن إليه، ولم ينتقل عنه إلى غيره، فإذاً كلما كانت القوة العاقلة ناظرة إلى شيء من الممكنات ملتفة إليه استحال أن تستقر عنده، وإذا نظرت إلى جلال واجب الوجود، وعرفت أن الكل منه استحال أن تنتقل عنه، فثبت أن الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر واجب الوجود الثاني: أن حاجات العبد غير متناهية وكل ما سوى الله تعالى فهو متناهي البقاء والقوة إلا بامداد الله، وغير المتناهي لا يصير مجبوراً بالمتناهي، فلا بد في مقابلة حاجة العبد التي لا نهاية لها من كمال الله الذي لا نهاية له، حتى يحصل الاستقرار، فثبت أن كل من آثر معرفة الله لا لشيء غير الله فهو غير مطمئن، وليست نفسه نفساً مطمئنة، أما من آثر معرفة الله لشيء سواه فنفسه هي النفس المطمئنة، وكل من كان كذلك كان أنسه بالله وشوقه إلى الله وبقاؤه بالله وكلامه مع الله، فلا جرم يخاطب عند مفارقته الدنيا بقوله: {ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } وهذا كلام لا ينتفع الإنسان به إلا إذا كان كاملاً في القوة الفكرية الإلهية أو في التجريد والتفريد. المسألة الثالثة: اعلم أن الله تعالى ذكر مطلق النفس في القرآن فقال: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا }تفسير : [الشمس: 7] وقال: {أية : تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ }تفسير : [المائدة: 116] وقال: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُوَّةَ أَعْيُنِ } تفسير : [السجدة: 17] وتارة وصفها بكونها أمارة بالسوء، فقال: {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوء } تفسير : [يوسف: 53] وتارة بكونها لوامة، فقال: {أية : بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ }تفسير : [القيامة: 2] وتارة بكونها مطمئنة كما في هذه الآية. واعلم أن نفس ذاتك وحقيقتك وهي التي تشير إليها بقولك: (أنا) حين تخبر عن نفسك بقولك فعلت ورأيت وسمعت وغضبت واشتهيت وتخيلت وتذكرت، إلا أن المشار إليه بهذه الإشارة ليس هو هذه البنية لوجهين الأول: أن المشار إليه بقولك: (أنا) قد يكون معلوماً حال ما تكون هذه البنية المخصوصة غير معلومة، والمعلوم غير ما هو غير معلوم والثاني: أن هذه البنية متبدلة الأجزاء والمشار إليه بقولك: (أنا) غير متبدل، فإني أعلم بالضرورة أني أنا الذي كنت موجوداً قبل هذا اليوم بعشرين سنة، والمتبدل غير ما هو غير متبدل، فإذاً ليست النفس عبارة عن هذه البنية، وتقول: قال قوم إن النفس ليست بجسم لأنا قد نعقل المشار إليه بقوله: (أنا) حال ما أكون غافلاً عن الجسم الذي حقيقته المختص بالحيز الذاهب في الطول والعرض والعمق. والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، وجواب المعارضة بالنفس مذكور في كتابنا المسمى بلباب الإشارات، وقال آخرون: بل هو جوهر جسماني لطيف صاف بعيد عن مشابهة الأجرام العنصرية نوراني سماوي مخالف بالماهية لهذه الأجسام السفلية، فإذا صارت مشابكة لهذا البدن الكثيف صار البدن حياً وإن فارقته صار البدن ميتاً، وعلى التقدير الأول يكون وصفها بالمجيء والرجوع بمعنى التدبير وتركه، وعلى التقدير الثاني يكون ذلك الوصف حقيقاً. المسألة الرابعة: من القدماء من زعم أن النفوس أزلية، واحتجوا بهذه الآية وهي قوله: {ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ } فإن هذا إنما يقال: لما كان موجوداً قبل هذا البدن. واعلم أن هذا الكلام يتفرع على أن هذا الخطاب متى يوجد؟ وفيه وجهان الأول: أنه إنما يوجد عند الموت، وههنا تقوى حجة القائلين بتقدم الأرواح على الأجساد، إلا أنه لا يلزم من تقدمها عليها قدمها الثاني: أنه إنما يوجد عند البعث والقيامة، والمعنى: ارجعي إلى ثواب ربك، فادخلي في عبادي، أي ادخلي في الجسد الذي خرجت منه. المسألة الخامسة: المجسمة تمسكوا بقوله: {إِلَىٰ رَبّكَ } وكلمة إلى لانتهاء الغاية وجوابه: إلى حكم ربك، أو إلى ثواب ربك أو إلى إحسان ربك والجواب: الحقيقي المفرع على القاعدة العقلية التي قررناها، أن القوة العقلية بسيرها العقلي تترقى من موجود إلى موجود آخر، ومن سبب إلى سبب حتى تنتهي إلى حضرة واجب الوجود، فهناك انتهاء الغايات وانقطاع الحركات، أما قوله تعالى: {رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } فالمعنى راضية بالثواب مرضية عنك في الأعمال التي عملتها في الدنيا، ويدل على صحة هذا التفسير، ما روى أن رجلاً قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات، فقال أبو بكر: ما أحسن هذا! فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أما إن الملك سيقولها لك»تفسير : . ثم قوله تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ } لما ذكر حال من كانت هِمته الدنيا فاتهم الله في إغنائه وإفقاره، ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى الله تعالى، فسلم لأمره، واتكل عليه. وقيل: هو من قول الملائكة لأولياء الله عز وجل. والنفس المطمئنة: الساكنة المُوقنة؛ أيقنت أن الله ربها، فأخبتت لذلك؛ قاله مجاهد وغيره. وقال ابن عباس: أي المطمئنة بثواب الله. وعنه المؤمنة. وقال الحسن: المؤمنة الموقنة. وعن مجاهد أيضاً: الراضية بقضاء الله، التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأنّ ما أصابها لم يكن ليخطئها. وقال مقاتل: الآمنة من عذاب الله. وفي حرف أُبيّ بن كعب «يأيتها النفس الآمنة المطمئنة». وقيل: التي عمِلت على يقين بما وعد الله في كتابه. وقال ابن كَيسان: المطمئنة هنا: المخلصة. وقال ابن عطاء: العارفة التي لا تصبر عنه طرفة عين. وقيل: المطمئنة بذكر الله تعالى؛ بيانه { أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الرعد: 28]. وقيل: المطمئنة بالإيمان، المُصدِّقة بالمبعث والثواب. وقال ابن زيد: المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، ويوم الجمع. وروى عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه قال: يعني نفس حمزة. والصحيح أنها عامة في كل نفسِ مؤمنٍ مخلصٍ طائع. قال الحسن البصرِيّ: إن الله تعالى إذا أراد أن يقبض رُوح عبده المؤمن، اطمأنت النفس إلى الله تعالى، واطمأن الله إليها. وقال عمرو بن العاص: إذا تُوُفِّيَ المؤمن أرسل الله إليه مَلَكين، وأرسل معهما تُحْفة من الجنة، فيقولان لها: اخرُجي أيتَّها النفسُ المطمئنةُ راضية مَرْضِية، ومَرْضِياً عنك، اخرجي إلى رَوْحٍ وريَحْان، ورَبٍّ راضٍ غيرِ غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك وَجَد أحد من أنفه على ظهر الأرض. وذكر الحديث. وقال سعيد بن زايد: « حديث : قرأ رجل عند النبيّ صلى الله عليه وسلم «يٰأيَّتُها النفسُ المُطْمَئِنَّة»، فقال أبو بكر: ما أحسن هذا يا رسول الله! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن المَلَكَ سيقولها لك يا أبا بكر» » تفسير : . وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم يُرَ على خِلقته طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجاً منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شَفِير القبر ـ لا يُدْرَى من تلاها ـ: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً }. وروى الضحاك: أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وقف بئر رُومَة. وقيل: نزلت في خُبَيب بن عدِيّ الذي صَلَبه أهل مكة، وجعلوا وجهه إلى المدينة، فحوّل الله وجهه نحو القِبلة. والله أعلم. معنى {إِلَىٰ رَبِّكِ} أي إلى صاحبك وجسدِك؛ قاله ابن عباس وعِكرمة وعطاء. واختاره الطَّبَريّ؛ ودليله قراءة ابن عباس «فادْخُلِي فِي عَبْدِي» على التوحيد، فيأمر الله تعالى الأرواح غداً أن ترجع إلى الأجساد. وقرأ ابن مسعود «في جسدِ عبدي». وقال الحسن: ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته. وقال أبو صالح: المعنى: ارجعي إلى الله. وهذا عند الموت.{فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي } أي في أجساد عبادي؛ دليله قراءة ابن عباس وابن مسعود. قال ابن عباس: هذا يوم القيامة؛ وقاله الضحاك. والجمهور على أن الجنة هي دار الخلود التي هي مَسْكَن الأبرار، ودار الصالحين والأخيار. ومعنى «فِي عِبادِي» أي في الصالحين من عبادي؛ كما قال: { أية : لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ } تفسير : [العنكبوت: 9]. وقال الأخفش: {فِي عِبَادِي} أي في حِزبي؛ والمعنى واحد. أي انتظمي في سِلْكهم. {وَٱدْخُلِي جَنَّتِي } معهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ } الآمنة وهي المؤمنة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمُطْمَئِنَّةُ} المؤمنة، "ع" أو المخبتة أو الموفية بوعد الله تعالى أو الآمنة أو الراضية أو إذا أراد الله تعالى قبض المؤمن اطمأنت نفسه إلى الله تعالى واطمأن الله تعالى إليها "ح".

ابن عادل

تفسير : قوله: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ}. قرأ العامة: "يا أيَّتُها النَّفسُ" بتاء التأنيث. وقرأ زيد بن علي: "يا أيُّهَا"، كنداء المذكر، ولم يجوز ذلك أحد، إلا صاحب البديع، وهذه شاهدة له، وله وجه: وهو أنها كما لم تطابق صفتها تثنية وجمعاً، جاز ألاَّ يطابقها تأنيثاً، تقول: يا أيها الرجلان، يا أيها الرجل. فصل في الكلام على الآية لما وصف حال من اطمأن إلى الدُّنيا، وصف حال من اطمأنَّ إلى معرفته وعبوديته، وسلم أمره إلى الله - تعالى -. وقيل: هذا كلام الباري تعالى، إكراماً له كما كلَّم موسى عليه السلام. وقيل: هو من قول الملائكة لأولياء الله تعالى. قال مجاهد وغيره: "المُطْمئنَّة": الساكنة الموقنة، أيقنت أن الله تعالى ربها، فأجيبت لذلك. وقال ابنُ عبَّاسٍ: المطمئنة بثواب الله، وعن الحسن - رضي الله عنه -: المؤمنة الموقنة. وعن مجاهدٍ أيضاً: الراضية بقضاءِ الله. وقال مقاتلٌ: الآمنة من عذاب الله تعالى. وفي حرف أبي كعب: "يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة". وقيل: التي عملت على يقين بما وعد الله تعالى، في كتابه. وقال ابن كيسان: المطمئنة - هنا -: المخلصة وقيل: المطمئنة بذكر الله تعالى؛ لقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 28] وقيل: المطمئنة بالإيمان، المصدقة بالبعث والثواب. وقال ابن زيدٍ: المطمئنة، التي بشرت بالجنة، عند الموت، أو عند البعث، ويوم الجمع. قوله: {ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}، أي: ارجعي إلى صاحبك، وجسدك. قاله ابنُ عبَّاسٍ وعكرمةُ وعطاءٌ، واختاره الكلبيُّ، يدل عليه قراءة ابن عباس: "فادخُلِي في عَبْدِي"، على التوحيد. وقال الحسنُ: ارجعي إلى ثواب ربك. وقال أبو صالح: ارجعي إلى الله، وهذا عند الموت. وقوله تعالى: {رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} حالان، أي: جامعة بين الوصفين؛ لأنه لا يلزم من أحدهما الآخر، والمعنى: راضية بالثواب، مرضية عنك في الأعمال، التي عملتها في الدنيا. فصل في مجيء الأمر بمعنى الخبر قال القفَّال: هذا وإن كان أمراً في الظَّاهر، فهو خبر في المعنى، والتقدير: أن النفس إن كانت مطمئنة رجعت إلى الله تعالى، وقال الله تعالى لها: {فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي وَٱدْخُلِي جَنَّتِي}، قال: ويجيء الأمر بمعنى الخبر كثيراً في كلامهم، كقوله: "إذا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَل مَا شِئْت". فصل في فضل هذه الآية قال سعيد بن زيد: حديث : قرأ رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيَّتُها النَّفسُ"، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: مَا أحْسنَ هَذَا يَا رسُولَ اللهِ، فقَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلَّم: "إنَّ المَلكَ سيقُولُهَا لَكَ يَا أبَا بَكرٍ" ". تفسير : وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس بـ "الطائف"، فجاء طائر لم ير على خلقه طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجاً منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر، لا ندري من تلاها: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [روى الضحاك أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وقف بئر رومة]. وقيل: نزلت في خُبيبِ بن عديٍّ، الذي صلبه أهل "مكة"، وجعلوا وجهه إلى "المدينة"، فحوّل الله وجهه للقبلة. قوله: {فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي}، يجوز أن يكون في جسدِ عبادي، ويجوز أن يكون المعنى في زُمرةِ عبادي. وقرأ ابنُ عبًّاسٍ وعكرمةُ وجماعةٌ: "في عَبْدِي"، والمراد: الجِنْس، وتعدَّى الفعل الأول بـ "في"؛ لأنَّ الظرف ليس بحقيقي, نحو: دخلت في غمارِ الناس’ وتعدَّى الثاني بنفسه؛ لأن الظرفية متحققة، كذا قيل، وهذا إنما يتأتّى على أحد الوجهين، وهو أن المراد بالنَّفس: بعض المؤمنين، وأنه أمر بالدخول في زُمْرَة عباده، وأما إذا كان المراد بالنفس: الرُّوح، وأنها مأمورة بدخولها في الأجساد، فالظرفية متحققة فيه أيضاً. فصل في المراد بالجنة هاهنا قال ابنُ عبَّاسٍ: هذا يوم القيامة، وهو قول الضحاك. والجمهور على أنَّ المراد بالجنة: دار الخلود، التي هي سكنُ الأبرار، ودار الصالحين والأخيار. ومعنى "فِي عبَادِي" أي: في الصالحين، كقوله تعالى: {أية : لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [العنكبوت: 9]. قال ابن الخطيب: ولمَّا كانت الجنَّة الروحانية غير متراخية عن الموت في حق السعداء، لا جرم قال تعالى: {فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي}، بفاء التعقيب، ولما كانت الجنة الجسمانية، لا يحصل الكون فيها إلا بعد قيام القيامة الكبرى، لا جرم قال تعالى: {وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} بالواو والله تعالى أعلم. روى الثَّعلبيُّ عن أبيُّ - رضي الله عنه - قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورةَ {وَٱلْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ} غُفِرَ لهُ، ومَنْ قَرَأهَا فِي سَائِرِ الأيَّامِ كانَتْ لَهُ نُوراً يوم القيامة".

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ}[27] قال: هذا خطاب لنفس الروح الذي به حياة نفس الطبع والمطمئنة المصدقة بثواب الله وعقابه.

السلمي

تفسير : قال القاسم فى هذه الآية: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ} يا أيتها الروح المتصلة بالحق اطمأنت ورضيت بما قضى لها وعليها {ٱرْجِعِي} إلى الذى زينك بهذه الزينة العظيمة حتى أصلحك للرجوع منه إليه. وقال الجنيد رحمه الله: النفس المطمئنة ألبسها الحق أوصاف الهداية فصارت نفسًا لوامة. وقال بعضهم فى قوله: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ}، إلى الدنيا {ٱرْجِعِي} إلى الله بتركها، والرجوع إلى الله سلوك سبيل الآخرة. وقال ابن عطاء: المطمئنة هى العارفة بالله التى لا تصبر عن الله طرفة عين.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} هى الرّوح التى صدرت من نور خطاب الاول الذى اوجدها من العدم بنور القدم واطمانت بالحق بخطابه وصله فدعاها الى معدنها الاول وهى التى ما مالت من الاول الى الأخر الى غير مشاهدة الله راضية من الله بالله مرضية عند الله بنعت الاصطفائية الازلية قال القاسم اى يا ايتها الروح المتصلة بالحق اطمانت ورضيت بما قضى لها واليها ارجعى الى الذى زينك بهذه الزينة العظيمة حتى اصلحك للرجوع من اليه قال الحسين النفس المطمئنة هى النفس الواحدة والنفس الشاكرة هى النفس المرحومة والنفس الخاصة هى النفس العارف والنفس العاقلة هى النفس الراضية والنفس الامارة هى النفس الجاهلة قال ابو عبد الله بن خفيف النفس المطمئنة البسها الحق اوصاف الهداية وصارت نفسا لوامة وقال ابن عطا النفس المطمئنة هى العارفة بالله التى لا تصبر عن الله طرفه عين.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايتها النفس المطمئنة} لما ذكر شقاوة النفس الامارة شرع فى بيان سعادة النفس المطمئنة والاطمئنان السكون بعد الانزعاج وسكون النفس انما هو بالوصول الى غاية الغايات فى اليقين والمعرفة والشهود وفى قوله تعالى {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب}تفسير : تنبيه على انه بمعرفته تعالى والاكثار من عبادته يكتب اطمئنان النفس واذا وصلت الى مقام الاطمئنان بذكر الله صار صاحبها فى مقام التلوين فى التمكين آمنا من الرجوع الى الاحكام الطبيعية والآثار البشرية فان الفانى لا يرد الى اوصافه فمن كان متمكنا فى مقام الترقى تخلص من التنزل الى مقام النفس الامارة وفى التعريفات النفس المطمئنة هى التى تنورت بنور القلب حتى تخلت عن صفاتها الذميمة وتحلت بالاخلاق الحميدة (وقال الكاشفى) اى نفس آرام كرفته بذكر من كه شاكر بودى در نعمت وصبر نمودى درمحنت. والمعنى ان الله تعالى يقول بالذات للمؤمن اكراما له كما كلم موسى عليه الصلاة والسلام او على لسان الملك وذلك عند تمام الحساب يا ايتها النفس المطمئنة.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي] معنعناً: عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك يستكره المؤمن على خروج نفسه؟ قال: فقال: لا والله، قال: قلت: وكيف ذاك؟ قال: إنّ المؤمن إذا حضرته الوفاة حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وجميع الأئمة عليهم الصلاة والسلام [والتحية والاكرام. أ] ولكن إلتوا [ب: كنو. ر: اكنوا] عن اسم فاطمة ويحضره جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام قال: فيقول أمير المؤمنين: يا رسول الله إنّه كان ممن يحبنا ويتولانا فأحبه. قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبرئيل إنّه كان ممن يحبّ علياً وذريته فأحبه، قال: فيقول جبرئيل عليه السلام لميكائيل واسرافيل مثل ذلك قال: ثم يقولون جميعاً لملك الموت: إنّه كان يحب محمداً وآله ويتولى علياً وذريته فارفق به. قال: فيقول ملك الموت: والذي اختاركم وكرّمكم واصطفى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة وخصّه بالرسالة لأنا أرفق به من والدٍ رفيق واشفق من أخٍ شفيق. ثم مال إليه ملك الموت فيقول له: يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك؟ أخذت رهان أمانك؟ فيقول: نعم. فيقول: فبماذا؟ فيقول: بحبي محمداً وآله وبولايتي علياً وذريته. فيقول: أما ما كنت تحذر فقد آمنك الله منه وأما ما كنت ترجو فقد أتاك الله به، افتح عينيك فانظر إلى ما عندك. قال: فيفتح عينيه فينظر إليهم واحداً واحداً ويفتح له باب إلى الجنة فينظر إليها فيقول له: هذا ما أعدّ الله لك وهؤلاء رفقاؤك أفتحب اللحاق بهم أو الرجوع إلى الدنيا؟ قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما رأيت شخصته ورفع حاجبيه إلى فوق من قوله: لا حاجة لي إلى الدنيا ولا الرجوع إليها، ويناديه منادٍ من بطنان العرش يسمعه ويسمع من بحضرته: {يا أيتها النفس المطمئنة} إلى محمد ووصيه والأئمة من بعده {ارجعي إلى ربك راضية} بالولاية [ب: بولاية علي] {مرضية} بالثواب فادخلي في عبادي مع محمد [ص. أ] وأهل بيته [عيلهم السلام. ب] {وادخلي جنتي} غير مشوبة. فرات قال: حدثنا محمد بن عيسى بن زكريا الدهقان معنعناً: عن محمد بن سليمان الديلمي قال: حدثنا أبي قال: سمعت الأفريقي: يقول: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المؤمن أيستكره على قبض روحه؟ قال: لا والله. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأنّه إذا حضره ملك الموت [عليه السلام. أ، ب] جزع فيقول له ملك الموت: لا تجزع فوالله لأنا [أ: أنا] أبرّ بك واشفق [عليك. ب] من والد رحيم لو حضرك؛ افتح عينيك فانظر [ر: وانظر]. قال: ويتهلل [ب: يتمثل] له رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] وأمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمة من بعدهم وفاطمة عليهم [الصلاة و. ر] السلام [والتحية والاكرام، قال: فينظر إليهم فيستبشر بهم، فما رأيت شخصته تلك؟ قلت: بلى. قال: فإنما ينظر إليهم. قال: قلت: جعلت فداك قد يشخص المؤمن والكافر؟! قال: ويحك إن الكافر يشخص منقلباً إلى خلفه لأنّ ملك الموت إنّما يأتيه ليحمله من خلفه، والمؤمن ينظر أمامه، و ينادي روحه منادٍ من قبل ربّ العزة من بطنان العرش فوق الأفق الأعلى ويقول: {يا أيّتها النفس المطمئنة} إلى محمد وآله {ارجعي إلى ربّك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}. فيقول ملك الموت: إني أمرت أن أخيّرك الرجوع إلى الدنيا والمضي [قال:] فليس شيءٌ أحب إليه من إسلال [ب: انسلال] روحه. فرات [بن إبراهيم الكوفي. ش] قال: حدثني علي بن محمد الزهري [قال: حدثني إبراهيم بن سليمان عن الحسن بن محبوب عن عبد الرحمان بن سالم. ش]: عن ابي عبد الله [جعفر بن محمد. ش] عليهما السلام في قوله: {يا أيتها النفس المطمئنة} إلى آخره [ش: آخر السورة] قال: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا علي كيف أنت إذا زهد الناس في الآخرة ورغبوا في الدنيا وأكلوا التراث أكلاً لمّا وأحبوا المال حباً جماً واتخذوا دين الله دغلاً! ومال الله دولاً. قال: قلت أتركهم وما اختاروا وأختار الله ورسوله والدار الآخرة وأصبر على مصائب الدنيا ولأوائها حتى ألقاك إن شاء الله. قال: فقال: [هذه.أ] هديت اللهم افعل به ذلك .

اطفيش

تفسير : {يَٰأَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ} الثابتة على الإيمان المصدقة بما قال الله الموقنة الراضية بقضاء الله وقيل الآمنة من عذاب الله وقيل المطمئنة بذكر الله ويذل على الثالث قول أبي بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة، وذلك صفة زائدة على الإيمان وفيل المجيبة إلى الله المترقبة إلى كرمه ورضاه في سلسلة الأسباب أو المرتقية إلى معرفته وأمره ولا تعرفه بكنه وتستغني به عن غيره والآية عامة، وقيل المراد حمزة حين استشهد بأحد وقيل في حبيب بن عدي الأنصاري، وقيل في أبي بكر قال قوم قيل في عثمان حين اشترى بئر رومة وسبلها ويرده أن السورة مكية وكذا يرد على القول بأنها في حمزة رضي الله عنه وقيل نزلت في حبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة فقال اللهم إن كان لي عنك خير فحول وجهي نحو قبلتك فحول وجهه نحوها ولم يستطع أحد أن يرده والجملة مقولة القول محذوف يخلقه الله في الهوى أو في جسم أو بواسطة الملك ويقال لها ذلك عند الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة.

اطفيش

تفسير : استئناف فى ذكر أحوال النفس المطمئنة إلى الله تعالى بعد ذكر الطمئنة إلى الدنيا، والتقدير يقال بعد الفرغ من الحساب يا أيتها النفس.. الخ والقائل الله تعالى بخلق كلام فى الهواءِ أو فى أسماعهم أو القائل الملك والنفس الذات واطمئنانها إخلاصها الإِيمان بالله والعمل له ولم ترتب وذلك فى الدنيا أو اطمئنانها عدم خوفها فى الآخرة لإِيمانها وعملها فى الدنيا وتناسبه قراءَة أبى يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة، إِلاَّ أنه يحتمل أن المعنى الآمنة من الخوف الآن المطمئنة فى الدنيا إِلى الإِيمان وإِخلاص العمل، ولا يجوز أن يفسر الاطمئنان بالإِعراض عن كل ما سوى الله واستغنائها به للتنقل فى المعارف لأن الآية فى عموم السعداءِ وليسوا كلهم بتلك الصفة قال- صلى الله عليه وسلم -"حديث : اللهم إِني أسأَلك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك ".

الالوسي

تفسير : الخ حكاية لأحوال من اطمأن بذكر الله تعالى وطاعته عز وجل إثر حكاية من اطمأن بالدنيا وسكن إليها، وذكر أنه على إرادة القول أي يقول الله تعالى يا أيتها النفس الخ إما بالذات كما كلم سبحانه موسى عليه السلام أو على لسان الملك واستظهر أن ذلك القول عند تمام الحساب ولينظر التفاوت ما بين ذلك الإنسان وهذه النفس ذاك يقول {أية : يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}تفسير : [الفجر: 24] وهذه يقول الله تعالى لها {يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ} الخ وكأنه للإيذان بغاية التباين لم يذكر القول وتعطف الجملة على الجملة السابقة. والنفس قيل بمعنى الذات ووصفت بالاطمئنان بذلك لأنها لترقى بقوتها العاقلة في معارج الأسباب والمسببات إلى المبدأ المؤثر بالذات جلت صفاته وأسماؤه فتضطرب وتقلق قبل الوصول إلى معرفته تعالى فإذا وصلت إليه عز وجل اطمأنت واستغنت به سبحانه عن وجودها وسائر شؤونها ولم تلتفت إلى ما سواه جل وعلا بالكلية. وقيل هي النفس المؤمنة المطمئنة إلى الحق الواصلة إلى ثلج اليقين وبرودته بحيث لا يخالطها شك ما ولا بمازجها سخونة اضطراب القلب في الحق أصلاً وهو وجه حسن والارتباط عليه أن هذه النفس هي المتعظة الذاكرة على خلاف الإنسان الموصوف فيما قبل فإن التذكر على قدر قوة اليقين ألا ترى إلى قوله تعالى {أية : إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [الرعد: 19]. وقيل هي الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن يوم القيامة أعني النفس المؤمنة اليوم المتوفاة على الإيمان وأيد بقراءة أبـي (يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة) وكأنه لأن الوصفين يعتبر تناسبهما في الأكثر وهي على هذا أيضاً تقابل السابق وهو المتحسر المتحزن. وقرأ زيد بن علي (يا أيها) بغير تاء وذكر صاحب «البديع» أن أيا قد تذكَّر مع المنادى المؤنث قيل ولذلك وجه من القياس وذلك أنها كما لن تثن ولم تجمع في نداء المثنى والمجموع فكذلك لم تؤنث في نداء المؤنث، واعتبار النفس هٰهنا مذكرة ثم مؤنثة مما لا تلتفت إليه النفس المطمئنة.

ابن عاشور

تفسير : لما استوعب ما اقتضاه المقام من الوعيد والتهديد والإِنذار ختم الكلام بالبشارة للمؤمنين الذين تذكروا بالقرآن واتَّبعوا هديه على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالبشارة والعكس فإن ذلك مما يزيد رغبة الناس في فعل الخير ورهبتهم من أفعال الشر. واتصالُ هذه الآية بالآيات التي قبلها في التلاوة وكتابة المصحف الأصلُ فيه أن تكون نزلت مع الآيات التي قبلها في نسق واحد. وذلك يقتضي أن هذا الكلام يقال في الآخرة. فيجوز أن يُقَال يومَ الجزاء فهو مقول قولٍ محذوف هو جواب (إذا) { أية : إذا دُكتْ الأرض } تفسير : [الفجر: 21] الآية وما بينهما مستطرد واعتراض. فهذا قول يصدر يوم القيامة من جانب القُدُس من كلام الله تعالى أو من كلام الملائكة: فإن كان من كلام الله تعالى كان قوله: {إلى ربك} إظهاراً في مقام الإِضمار بقرينة تفريع {فادخلي في عبادي} عليه. ونكتةُ هذا الإِظهار ما في وصف {رب} من الولاء والاختصاص. وما في إضافته إلى ضمير النفس المخاطَبة من التشريف لها. وإن كان من قول الملائكة فلفظ {ربك} جرى على مقتضى الظاهر وعطفُ {فادخلي في عبادي} عطف تلقين يصدر من كلام الله تعالى تحقيقاً لقول الملائكة {ارجعي إلى ربك}. والرجوع إلى الله مستعار للكون في نعيم الجنة التي هي دار الكرامة عند الله بمنزلة دار المضيف قال تعالى: { أية : في مقعد صدق عند مليك مقتدر } تفسير : [القمر: 55] بحيث شُبهت الجنة بمنزل للنفس المخاطبة لأنها استحقته بوعد الله على أعمالها الصالحة فكأنها كانت مغتربة عنه في الدنيا فقيل لها: ارجعي إليه، وهذا الرجوع خاصٌّ غير مطلق الحلول في الآخرة. ويجوز أن تكون الآية استئنافاً ابتدائياً جرى على مناسبة ذكر عذاب الإِنسان المشرك فتكون خطاباً من الله تعالى لنفوس المؤمنين المطمئنة. والأمر في {ارجعي إلى ربك} مراد منه تقييده بالحالين بعده وهما {راضية مرضية} وهو من استعمال الأمر في الوعد والرجوع مجاز أيضاً، والإِضمار في قوله: {في عبادي} وقوله: {جنتي} التفات من الغيبة إلى التكلم. وقال بعض أهل التأويل: نزلت في معيَّن. فعن الضحاك: أنها نزلت في عثمان بن عفان لما تصدق ببئرِ رومة. وعن بريدة: أنها نزلت في حمزة حين قُتل. وقيل: نزلت في خُبَيب بن عديّ لما صلبه أهل مكة. وهذه الأقوال تقتضي أن هذه الآية مدنية، والاتفاقُ على أن السورة مكية إلا ما رواه الدَّاني عن بعض العلماء أنها مدنية، وهي على هذا منفصلة عما قبلها كتبت هنا بتوقيف خاص أو نزلت عقب ما قبلها للمناسبة. وعن ابن عباس وزيدِ ابن حارثة وأبيّ بن كعب وابنِ مسعود: أن هذا يقال عند البعث لترجع الأرواح في الأجساد، وعلى هذا فهي متصلة بقوله: { أية : إذا دُكّت الأرض } تفسير : [الفجر: 21] الخ كالوجه الذي قبل هذا، والرجوع على هذا حقيقة والرب مراد به صاحب النفس وهو الجسد. وعن زيد بن حارثة وأبي صالح: يقال هذا للنفس عند الموت. وقد روى الطبري عن سعيد بن جبير قال: قرأ رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} فقال أبو بكر: ما أحسنَ هذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أمَا إنَّ الملَك سيقولها لك عند الموت »تفسير : . وعن زيد بن حارثة أن هذا يقال لنفس المؤمن عند الموت تبشر بالجنة. والنفس: تطلق على الذات كلها كما في قوله تعالى: { أية : أن تقول نفس يا حسرتىٰ على ما فرطت في جنب اللَّه } تفسير : [الزمر: 56] وقوله: { أية : ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق } تفسير : [الأنعام: 151] وتطلق على الروح التي بها حياة الجسد كما في قوله: { أية : إن النفس لأمارة بالسوء } تفسير : [يوسف: 53]. وعلى الإطلاقين توزع المعاني المتقدمة كما لا يخفى. و{المطمئنة}: اسم فاعل من اطمأن إذا كان هادئاً غير مضْطَرِب ولا منزعج، فيجوز أن يكون من سكون النفس بالتصديق لما جاء به القرآن دون تردد ولا اضطراب بالٍ فيكون ثناء على هذه النفس ويجوز أن يكون من هدوء النفس بدون خوف ولا فتنة في الآخرة. وفعله من الرباعي المزيد وهو بوزن أفْعَلَلَّ. والأصح أنه مهموز اللام الأولى وأن الميم عين الكلمة كما يُنطَق به وهذا قول أبي عَمرو. وقال سيبويه: أصل الفعل: طَأْمَنَ فوقع فيه قلب مكاني فقدمت الميم على الهمزة فيكون أصل مطمئنة عنده مُطْأَمِنَّة ومصدره اطئمنان وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : ولكن ليطمئن قلبي } تفسير : في سورة البقرة (260) وقوله: { أية : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } تفسير : في سورة النساء (103). ووصف {النفس} بـــ {المطمئنة} ليس وصفاً للتعريف ولا للتخصيص، أي لتمييز المخاطَبين بالوصف الذي يميزهم عمن عداهم فيعرفون أنهم المخاطبون المأذونون بدخول الجنة لأنهم لا يَعْرفون أنهم مطمئنون إلا بعد الإِذن لهم بدخول الجنة، فالوصف مراد به الثناء والإِيماء إلى وجه بناء الخبر. وتبشير من وُجه الخطاب إليهم بأنهم مطمئنون آمنون. ويجوز أن يكون للتعريف أو التخصيص بأن يجعل الله إلهاماً في قلوبهم يعرفون به أنهم مطمئنون. والاطمئنان: مجاز في طيب النفس وعدم ترددها في مصيرها بالاعتقاد الصحيح فيهم حين أيقنوا في الدنيا بأن ما جاءت به الرسل حق فذلك اطمئنان في الدنيا ومن أثره اطمئنانهم يوم القيامة حين يرون مخائل الرضى والسعادة نحوهم ويرون ضد ذلك نحو أهل الشقاء. وقد فُسر الاطمئنان: بيقين وجود الله ووحدانيته، وفسر باليقين بوعد الله، وبالإخلاص في العمل، ولا جرم أن ذلك كله من مقومات الاطمئنان المقصود فمجموعه مراد وأجزاؤه مقصودة، وفسر بتبشيرهم بالجنة، أي قبل ندائهم ثم نُودُوا بأن يدخلوا الجنة. والرجوع يحتمل الحقيقة والمجاز كما علمت من الوجوه المتقدمة في معنى الآية. والراضية: التي رضت بما أُعطيته من كرامة وهو كناية عن إعطائها كل ما تطمح إليه. والمرضية: اسم مفعول وأصله: مَرضياً عنها، فوقع فيه الحذف والإِيصال فصار نائب فاعل بدون حرف الجر، والمقصود من هذا الوصف زيادة الثناء مع الكناية عن الزيادة في إفاضة الإِنعام لأن المرضي عنه يزيده الراضي عنه من الهبات والعطايا فوق ما رضي به هو. وفرع على هذه البشرى الإِجمالية تفصيل ذلك بقوله: {فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} فهو تفصيل بعد الإِجمال لتكرير إدخال السرور على أهلها. والمعنى: ادخلي في زمرة عبادي. والمراد العباد الصالحون بقرينة مقام الإِضافة مع قرنه بقوله: {جنتي}. ومعنى هذا كقوله تعالى: { أية : لندخلنهم في الصالحين } تفسير : [العنكبوت: 9]. فالظرفية حقيقية وتؤول إلى معنى المعية كقوله تعالى: { أية : فأولئك مع الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً } تفسير : [النساء: 69]. وإضافة (جنة) إلى ضمير الجلالة إضافة تشريف كقوله: { أية : في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر } تفسير : [القمر: 55]. وهذه الإِضافة هي مما يزيد الالتفات إلى ضمير التكلُّم حسناً بعد طريقة الغيبة بقوله: {ارجعي إلى ربك}. وتكرير فعل {وادخلي} فلم يقل: فادخلي جنتي في عبادي للاهتمام بالدخول بخصوصه تحقيقاً للمسرة لهم.

الواحدي

تفسير : {يا أيتها النفس المطمئنة} إلى ما وعد الله سبحانه المصدِّقة بذاك. {ارجعي إلى ربك} يقال لها ذلك عند الموت. {راضية} بما آتاها الله {مرضية} رضي عنها ربُّها. هذا عند خروجها من الدُّنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل: {فادخلي في عبادي} أَيْ: في جملة عبادي الصَّالحين. {وادخلي جنتي}.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيَّتُهَا} (27) - يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ التِي اسْتَيْقَنَتِ الحَقَّ فَلاَ يُخَالِجُهَا شَكٌّ، وَوَقَفَتْ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرْعِ فَلاَ تُزَعْزِعُهَا الشَّهَوَاتُ، فَاطْمَأَنَّتْ وَهَدَأَتْ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ} المطمئنةُ بما قالَ الله المُصدقةُ المُوقنةُ بِالامانِ.

همام الصنعاني

تفسير : 3614- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، والحسن في قوله تعالى: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ}: [الآية: 27]، قالا: المطمئنة إلى ما قال الله، والمُصَدِّقَةُ بما قال الله.