٩٦ - ٱلْعَلَق
96 - Al-Alaq (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: أكثر المفسرين على أن المراد من الإنسان ههنا إنسان واحد وهو أبو جهل، ثم منهم من قال: نزلت السورة من ههنا إلى آخرها في أبي جهل. وقيل: نزلت من قوله: {أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ * عَبْداً } تفسير : [العلق: 9] إلى آخر السورة في أبي جهل. قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا؟ فزجره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: والله إنك لتعلم أني أكثر أهل الوادي نادياً، فأنزل الله تعالى: {أية : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } تفسير : [العلق:17، 18] قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله، فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق من علق فلا يليق به التكبر، فهو عند ذلك ازداد طغياناً وتعززاً بماله ورياسته في مكة. ويروى أنه قال: ليس بمكة أكرم مني. ولعله لعنه الله قال ذلك رداً لقوله: {أية : وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ } تفسير : [العلق: 3] ثم القائلون بهذا القول منهم من زعم أنه ليست هذه السورة من أوائل ما نزل. ومنهم من قال: يحتمل أن يكون خمس آيات من أول السورة نزلت أولاً، ثم نزلت البقية بعد ذلك في شأن أبي جهل، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضم ذلك إلى أول السورة، لأن تأليف الآيات إنما كان يأمر الله تعالى، ألا ترى أن قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 281] آخر ما نزل عند المفسرين ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل القول الثاني: أن المراد من الإنسان المذكور في هذه الآية جملة الإنسان، والقول الأول وإن كان أظهر بحسب الروايات، إلا أن هذا القول أقرب بحسب الظاهر، لأنه تعالى بين أن الله سبحانه مع أنه خلقه من علقة، وأنعم عليه بالنعم التي قدمنا ذكرها، إذ أغناه، وزاد في النعمة عليه فإنه يطغى ويتجاوز الحد في المعاصي واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة، ثم إنه تعالى أكد هذا الزجر بقوله: {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلرُّجْعَىٰ } تفسير : [العلق: 8] أي إلى حيث لا مالك سواه، فتقع المحاسبة على ما كان منه من العمل والمؤاخذة بحسب ذلك. المسألة الثانية: قوله: {كَلاَّ } فيه وجوه أحدها: أنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه وثانيها: قال مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان إن الله هو الذي خلقه من العلقة وعلمه بعد الجهل، وذلك لأنه عند صيرورته غنياً يطغى ويتكبر، ويصير مستغرق القلب في حب الدنيا فلا يتفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها وثالثها: ذكر الجرجاني صاحب "النظم" أن كلا ههنا بمعنى حقاً لأنه ليس قبله ولا بعده شيء تكون {كَلاَّ } رداً له، وهذا كما قالوه في: {أية : كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ } تفسير : [المدثر: 32] فإنهم زعموا أنه بمعنى: أي والقمر. المسألة الثالثة: الطغيان هو التكبر والتمرد، وتحقيق الكلام في هذه الآية أن الله تعالى لما ذكر في مقدمة السورة دلائل ظاهرة على التوحيد والقدرة والحكمة بحيث يبعد من العاقل أن لا يطلع عليها ولا يقف على حقائقها. أتبعها بما هو السبب الأصلي في الغفلة عنها وهو حب الدنيا والاشتغال بالمال والجاه والثروة والقدرة، فإنه لا سبب لعمى القلب في الحقيقة إلا ذلك. فإن قيل: إن فرعون ادعى الربوبية، فقال الله تعالى في حقه: {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } تفسير : [طه: 24] وههنا ذكر في أبي جهل: {لَيَطْغَىٰ } فأكده بهذه اللام، فما السبب في هذه الزيادة؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: أنه قال لموسى: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } وذلك قبل أن يلقاه موسى، وقبل أن يعرض عليه الأدلة، وقبل أن يدعي الربوبية. وأما ههنا فإنه تعالى ذكر هذه الآية تسلية لرسوله حين رد عليه أقبح الرد وثانيها: أن فرعون مع كمال سلطته ما كان يزيد كفره على القول، وما كان ليتعرض لقتل موسى عليها السلام ولا لإيذائه. وأما أبو جهل فهو مع قلة جاهه كان يقصد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وإيذاءه وثالثها: أن فرعون أحسن إلى موسى أولاً، وقال آخراً: {أية : ءامَنتُ } تفسير : [يونس: 90]. وأما أبو جهل فكان يحسد النبي في صباه، وقال في آخر رمقه: بلغوا عني محمداً أني أموت ولا أحد أبغض إلي منه ورابعها: أنهما وإن كانا رسولين لكن الحبيب في مقابلة الكليم كاليد في مقابلة العين، والعاقل يصون عينه فوق ما يصون يده، بل يصون عينه باليد، فلهذا السبب كانت المبالغة ههنا أكثر.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ } إلى آخر السورة. قيل: إنه نزل في أبي جهل. وقيل: نزلت السورة كلها في أبي جهل؛ نهى النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الصلاة؛ فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في المسجد ويقرأ باسم الرب. وعلى هذا فليست السورة من أوائل ما نزل. ويجوز أن يكون خمس آيات من أوّلها أوّل ما نزلت، ثم نزلت البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بضم ذلك إلى أوّل السورة؛ لأن تأليف السور جرى بأمر من الله. ألا ترى أن قوله تعالى: { أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 281] آخرُ ما نزل، ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل. و«كَلاَّ» بمعنى حَقًّا؛ إذ ليس قبله شيء. والإنسان هنا أبو جهل. والطغيان: مجاوزة الحد في العصيان. {أَن رَّآهُ} أي لأن رأى نفسه استغنى؛ أي صار ذا مال وثروة. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه، قال: « حديث : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل فقال: يا محمد تزعم أنه من استغنى طغى؛ فاجعل لنا جبال مكة ذهباً، لعلنا نأخذ منها، فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك. قال فأتاه جبريل عليه السلام فقال: «يا محمد خيِّرهم في ذلك فإن شاؤوا فعلنا بهم ما أرادوه: فإن لم يسلموا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة» فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القوم لا يقبلون ذلك؛ فكفَّ عنهم إبقاء عليهم » تفسير : . وقيل: «أَن رَآه اسْتغنَى» بالعشيرة والأنصار والأعوان. وحذف اللام من قوله «أن رآه» كما يقال: إنكم لَتَطْغَون إن رأيتم غِناكم. وقال الفراء: لم يقل رأى نفسه، كما قيل قتل نفسه؛ لأن رأى من الأفعال التي تريد اسماً وخبراً، نحو الظن والحِسبان، فلا يقتصر فيه على مفعول واحد. والعرب تطرح النفس من هذا الجنس تقول: رأيتني وحسبتني، ومتى تراك خارجاً، ومتى تظنك خارجاً. وقرأ مجاهد وحميد وقنبل عن ابن كثير «أن رأهُ اسْتَغنَى» بقصر الهمزة. الباقون «رآه» بمدّها، وهو الاختيار.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان، إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله، ثم تهدده وتوعده ووعظه فقال: { إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} أي: إلى الله المصير والمرجع، وسيحاسبك على مالك: من أين جمعته؟ وفيم صرفته؟ قال ابن أبي حاتم: حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو عميس عن عون قال: قال عبد الله: منهومان لا يشبعان: صاحب العلم، وصاحب الدنيا، ولا يستويان، فأما صاحب العلم، فيزداد رضى الرحمن، وأما صاحب الدنيا، فيتمادى في الطغيان. قال: ثم قرأ عبد الله: { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } وقال للآخر. {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : [فاطر: 28] وقد روي هذا مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا»تفسير : ثم قال تعالى: { أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ } نزلت في أبي جهل لعنه الله، توعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عند البيت، فوعظه تعالى بالتي هي أحسن أولاً، فقال: {أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} أي: فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله، { أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ}، بقوله وأنت تزجره وتتوعده على صلاته؟ ولهذا قال: {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ}؟ أي: أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء؟ ثم قال تعالى متوعداً ومتهدداً: {كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ} أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد، {لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ} أي: لنسمنها سواداً يوم القيامة، ثم قال: { نَاصِيَةٍ كَـٰذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها، خاطئة في أفعالها، { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} أي: قومه وعشيرته، أي: ليدعهم يستنصر بهم، { سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} وهم ملائكة العذاب، حتى يعلم من يغلب، أحزبنا أو حزبه؟. قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة، لأطأن على عنقه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : لئن فعل، لأخذته الملائكة» تفسير : ثم قال: تابعه عمرو بن خالد عن عبيد الله، يعني: ابن عمرو، عن عبد الكريم. وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق به. وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو به، وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير، وهذا لفظه، من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام، فمر به أبو جهل بن هشام، فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعده، فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره، فقال: يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي نادياً، فأنزل الله: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } وقال ابن عباس: لو دعا ناديه، لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو يزيد، حدثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت رسول الله يصلي عند الكعبة، لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال: «حديث : لو فعل، لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت، لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً» تفسير : وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام، لأقتلنه، فأنزل الله عز وجل: { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ} حتى بلغ هذه الآية: {لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَـٰذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فصلى، فقيل: ما يمنعك؟ قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب، قال ابن عباس: والله لو تحرك، لأخذته الملائكة، والناس ينظرون إليه. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثنا نعيم بن أبي هند عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك، لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه، إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار، وهولاً وأجنحة، قال: فقال رسول الله: «حديث : لو دنا مني، لاختطفته الملائكة عضواً عضواً» تفسير : قال: وأنزل الله لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا: { كَلآ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ} إلى آخر السورة، وقد رواه أحمد بن حنبل ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم من حديث معتمر بن سليمان به. وقوله تعالى: {كَلآ لاَ تُطِعْهُ} يعني: يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وصل حيث شئت، ولا تباله؛ فإن الله حافظك وناصرك، وهو يعصمك من الناس، {وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} كما ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن عمارة بن غزية، عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» تفسير : وتقدم أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسجد في: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 1] و {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ} تفسير : [العلق:1]. آخر تفسير سورة اقرأ، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَلاَّ } حقاً {إِنَّ ٱلإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰ }.
الماوردي
تفسير : {كلا إنّ الإنسانَ لَيطْغَى} في " كلا" ها هنا وجهان: أحدهما: أنه ردّ وتكذيب، قاله الفراء. الثاني: أنه بمعنى إلا، وكذلك {كلا سوف يعلمون}، قاله أبو حاتم السجستاني. وفي قوله "ليطغى" أربعة أوجه: الثاني: ليبطر، قاله الكلبي. الثالث: ليرتفع من منزلة إلى منزلة، قاله السدي. الرابع: ليتجاوزه قدره، ومنه قوله تعالى {إنّا لما طَغَى الماءُ} قاله ابن شجرة. {أَن رآه اسْتَغْنَى} أي عن ربه، قاله ابن عباس. ويحتمل ثانياً: استغنى بماله وثروته، وقال الكلبي: نزلت في أبي جهل. {إنّ إلى ربِّك الرُّجْعَى} فيه وجهان: أحدهما: المنتهى، قاله الضحاك. الثاني: المرجع في القيامة. ويحتمل ثالثاً: يرجعه الله إلى النقصان بعد الكمال، وإلى الموت بعد الحياة. {أَرَأَيْتَ الذي يَنْهَى عَبْداً إذا صَلَّى} نزلت في أبي جهل، روى أبو هريرة أن أبا جهل قال: واللات والعزّى لئن رأيت محمداً يصلّي بين أظهركم لأطأن رقبته ولأعفرن وجهه في التراب، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ رقبته، فما فجأه منه إلا وهو ينكص، أي يرجع على عقبيه، فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار وهواء وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً ". تفسير : وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أبو جهل ". تفسير : وكانت الصلاة التي قصد فيها أبو جهل رسول الله صلاة الظهر. وحكى جعفر بن محمد أن أول صلاة جماعة جمعت في الإسلام، يوشك أن تكون التي أنكرها أبو جهل، صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عليّ رضي الله عنه فمرّ به أبو طالب ومعه ابنه جعفر فقال: صل جناح ابن عمك، وانصرف مسروراً يقول: شعر : إنَّ عليّاً وجعفرا ثقتي عند مُلِمِّ الزمان والكُرَبِ والله لا أخذل النبيّ ولا يخذله من كان ذا حَسَبِ لا تخذلا وانصرا ابن عمكما أخي لأمي من بنيهم وأبي تفسير : فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. {أرأيْتَ إن كان على الهُدَى أو أمَرَ بالتّقْوَى} فيه قولان: أحدهما: يعني أبا جهل، ويكون فيه إضمار، وتقديره: ألم يكن خيراً له. الثاني: هو النبي صلى الله عليه وسلم كان على الهدى في نفسه، وأمر بالتقوى في طاعة ربه. وفي قوله " أرأيْتَ " احتمال الوجهين: أحدهما: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: خطاب عام له ولأمته، والمراد به على الوجهين هدايته، ويكون في الكلام محذوف، وتقديره: هكذا كان يفعل به. {أرأَيْتَ إن كَذَّبَ وَتَوَلّى} يعني أبا جهل، وفيه وجهان: أحدهما: كذب بالله وتولى عن طاعته. الثاني: كذب بالقرآن وتولى عن الإيمان. ويحتمل ثالثاً: كذب بالرسول وتولى عن القبول. {ألم يَعْلَمْ بأنَّ الله يَرَى} يعني أبا جهل، وفيه وجهان: أحدهما: ألم تعلم يا محمد أن الله يرى أبا جهل؟ الثاني: ألم تعلم يا أبا جهل أن الله يراك؟ وفيه وجهان: أحدهما: يرى عمله ويسمع قوله. الثاني: يراك في صلاتك حين نهاك أبو جهل عنها. ويحتمل ثالثاً: يرى ما همّ به أبو جهل فلا يمكنه من رسوله. {كلا لئِن لم يَنْتَهِ لنسفعاً بالنّاصِيةِ} يعني أبا جهل، وفيه وجهان: أحدهما: يعني لنأخذن بناصيته، قاله ابن عباس، وهو عند العرب أبلغ في الاستذلال والهوان، ومنه قول الخنساء: شعر : جززنا نواصي فرسانهم وكانوا يظنّون أنْ لن تُجَزَّا تفسير : الثاني: معناه تسويد الوجوه وتشويه الخلقة بالسفعة السوداء، مأخوذ من قولهم قد سفعته النار أو الشمس إذا غيرت وجهه إلى حالة تشويه، وقال الشاعر: شعر : أثافيَّ سُفْعاً مُعَرَّس مِرَجلٍ ونُؤْياً كجِذم الحوضِ لم يَتَثَلّمِ تفسير : والناصية شعر مقدم الرأس، وقد يعبّر بها عن جملة الإنسان، كما يقال هذه ناصية مباركة إشارة إلى جميع الإنسان. ثم قال: {ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئةٍ} يعني ناصية أبي جهل كاذبة في قولها، خاطئة في فعلها. {فلْيَدْعُ نادِيَةُ} يعني أبا جهل، والنادي مجلس أهل الندى والجود ومعنى " فليدع نادية" أي فليدع أهل ناديه من عشيرة أو نصير. {سَنَدْعُ الزّبانِيةَ} والزبانية هم الملائكة من خزنة جهنم، وهم أعظم الملائكة خلقاً وأشدهم بطشاً، والعرب تطلق هذا الإسم على من اشتد بطشه، قال الشاعر: شعر : مَطاعيمُ في القُصْوى مَطاعينُ في الوَغى زبانيةٌ غُلْبٌ عِظَامٌ حُلومها تفسير : {كلا لا تُطِعْهُ} قال أبو هريرة: كلا لا تطع أبا جهل في أمره. ويحتمل نهيه عن طاعته وجهين: أحدهما: لا تقبل قوله إن دارك ولا رأيه إن قاربك. الثاني: لا تجبه عن قوله، ولا تقابله على فعله، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : اللهم لا تطع فينا مسافراً" تفسير : أي لا تجب دعاءه لأن المسافر يدعو بانقطاع المطر فلو أجيبت دعوته لهلك الناس. {واسْجُدْ واقْتَرِبْ} فيه وجهان: أحدهما: اسجد أنت يا محمد مصلياً، واقترب أنت يا أبا جهل من النار، قاله زيد بن أسلم. الثاني: اسجد أنت يا محمد في صلاتك لتقرب من ربك، فإن أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى إذا سجد له. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: أنزل في أبي جهل أربع وثمانون آية، وأنزل في الوليد بن المغيرة مائة وأربع آيات، وأنزل في النضر بن الحارث اثنتان وثلاثون آية. وإذا كانت هذه أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الأكثرين فقد روي في ترتيب السور بمكة والمدينة أحاديث، أوفاها ما رواه آدم ابن أبي أناس عن أبي شيبة شعيب بن زريق عن عطاء الخراساني قال: بلغنا أن هذا ما نزل من القرآن بمكة والمدينة الأول فالأول، فكان أول ما نزل فيما بلغنا: " اقرأ باسم ربك " ثم " ن والقلم، المزمل، المدثر، تبّت، إذا الشمس كورت، سبّح اسم ربك، الليل، الفجر، الضحى، ألم نشرح، العصر، العاديات، الكوثر، ألهاكم، أرأيت، الكافرون، الفيل، الفلق، الإخلاص، النجم، عبس، القدر، والشمس، البروج، التين، لإيلاف، القارعة، القيامة، الهُمزة، المرسلات، ق، البلد، الطارق، القمر، ص، الأعراف، قل أوحى، يس، الفرقان، الملائكة، مريم، طه، الواقعة، الشعراء، النمل، القصص، بنو إسرائيل، يونس، هود، يوسف، الحجر، الأنعام، الصافات، لقمان، سبأ، الزمر، المؤمن، حم السجدة، عسق، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف، الذاريات، الغاشية، الكهف، النحل، نوح، إبراهيم، الأنبياء، قد أفلح، السجدة، الطور، الملك، الحاقة، سأل سائل، النبأ، النازعات، الانفطار، الانشقاق، الروم، العنكبوت، المطففين. فهذه خمس وثمانون سورة نزلت بمكة. وكان فيما نزل بالمدينة البقرة، ثم الأنفال، آل عمران، الأحزاب، الممتحنة، النساء، الزلزلة، الحديد، سورة محمد، الرعد، الرحمن، هل أتى، الطلاق، لم يكن، الحشر، النصر، النور، الحج، المنافقون، المجادلة، الحجرات، التحريم، الجمعة، الصف، الفتح، المائدة، براءة. فهذه سبع وعشرون سورة نزلت بالمدينة. ولم تكن الفاتحة والله أعلم ضمن ما ذكره، وقد اختلف الناس في نزول السور اختلافاً كثيراً، لكن وجدت هذا الحديث أوفى وأشفى فذكرته.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَلآ} رد وتكذيب أو بمعنى "أَلاَ" {لَيَطْغَى} ليعصي أو ليبطر أو ليتجاوز قدره أو ليرتفع من منزلة إلى منزلة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ} إلَى آخرِ السورةِ نَزَلَتْ في أبي جَهْلٍ، وذلكَ أنَّه طَغَى لِغِنَاهُ وكثرةِ مَنْ يَغْشَى نَادِيه، فَنَاصَبَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ونَهَاهُ عَنِ الصلاةِ في المسجدِ، وقال: لَئِنْ رأيتُ محمداً يسجُدُ عند الكعبةِ لأَطأَنَّ عنقَه، فيُرْوَى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رَدَّ عليه القولَ وانْتَهَرَهُ، وعبارةُ الداووديّ: فَتَهَدَّدَهُ النبي صلى الله عليه وسلم، فَقَال أبو جهل: أتُهَدِّدُني؟ أما واللَّه إني لأكْثَرُ أهْلِ الوادِي نَادِياً فَنَزَلَتْ الآيةُ، انتهى. و{كَلاَّ} ردُّ على أبي جهلٍ، ويتَّجِه أَنْ تَكُونَ بمعنى: حقًّا، والضميرُ في {رَّءَاهُ} للإنسانِ المذكورِ، كأنَّه قال: أن رأَى نفسَه غَنِيًّا وهِي رُؤْيَةٌ قَلْبِيَّةٌ؛ ولذلكَ جازَ أن يَعْمَلَ فعلُ الفاعِل في نفسِه؛ كما تقول: وجَدْتُنِي وَظَنَنْتُنِي، ثم حقَّرَ تعالى غِنَى هذا الإنسانِ وحالَه بقولهِ: {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} أي: بالحَشْرِ والبعثِ يومَ القيامةِ، وفي هذا الخبرِ وعيدٌ للطاغينَ من الناسِ، ثم صرَّح بذكْرِ النَّاهِي لمحمدٍ ـــ عليه السلام ـــ، ولا خِلاَفَ أن الناهِيَ أبو جهلٍ، وأن العَبْدَ المصلّيَ هو محمدٌ ـــ عليه السلام ـــ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ}. إلى آخر السورة. قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل. و "كلاَّ" بمعنى حقاً. قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون "كلاَّ" ردًّا له، كما قالوا في {أية : كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ} تفسير : [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه. وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها. قوله: {أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب. قال الزمخشريُّ: "ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و "اسْتَغْنَى" هو المفعول الثاني". قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن "رأى" البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رضي الله عنها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل] شعر : 5255- ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي تفسير : وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: "رأه" دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من "رآه" في قراءة العامة. ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: "أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة" بحذف لام "ترى"؛ وقول الآخر: [الرجز] شعر : 5256- وصَّـانِــيَ العَجَّــاجُ فِيمَــا وصَّنِــي تفسير : يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: "قرأت بها عليه" نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه. فصل في نزول الآية قال ابن عبَّاسٍ في رواية "أبي صالح": لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال "مكة" ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم. [وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: "أن رآه" كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم]. قوله: {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ}. هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه. والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن "فُعْلى". قوله: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} تقدم الكلام على {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ}. وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق "أرأيت"؟. قلت: "الَّذي يَنْهَى" مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟. قلتُ: هو محذوف تقديره: "إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى"، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني. فإن قلت: كيف يصح أن يكون "أَلَمْ يَعْلَمْ" جواباً للشرط؟. قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟. فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول "أرأيت"؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد. قال شهاب الدين: اعلم أن "أرَأيْتَ" لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 47]، ومثله كثير، وهنا "أرَأيْتَ" ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على {الَّذي يَنْهَى عَبْداً} الواقع مفعولاً لـ "أرَأيْتَ" الأولى، ومفعول "أرأيت" الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد "أرأيت" الثالثة، وأما "أرأيت" الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من "أرأيت" الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من "أرأيت" للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع "أرأيت" هذه، فقد تقدم في "الأنعام"، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة. قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من "أرَأيْتَ" بدل من الأول، و {ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى} الخبر. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: "الذي يَنْهَى" أبو جهل، وقوله تعالى "عَبْداً" يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً. قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه. وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة. قوله: {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ} أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صلى الله عليه وسلم على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟. قوله: {أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان. وقال الفراءُ: {أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى}، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله {ألَمْ يَعْلمْ} أبو جهل {بأنَّ الله يَرَى}، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ. قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه: أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ"تفسير : ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى. الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة. الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، فـ "عبداً" يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رضي الله عنه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} [العلق: 9، 10]، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة. وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا. قوله: {كَلاَّ} ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صلى الله عليه وسلم ويطأ عنقه. وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: {أية : فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ} تفسير : [الرحمن: 41]، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة. قوله: {لَنَسْفَعاً}، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف. وروي عن أبي عمرو: "لَنَسْفَعَنَّ" بالنون الثقيلة. والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل] شعر : 5257- قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ تفسير : وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش. وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب. وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى. وفي الحديث: "حديث : فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ ". تفسير : وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد. قال: [الكامل] شعر : 5258- أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ تفسير : قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم. وقرأ ابن مسعود: "لأسفعن"، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} تفسير : [الأنفال: 62] {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} تفسير : [الفتح: 4]، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته. قوله: {نَاصِيَةٍ} بدل من "النَّاصية"، بدل نكرة من معرفة. قال الزمخشريُّ: "وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة". قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر] شعر : 5259- فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ تفسير : وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب "ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ" على الشتم. وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في "الناصية" قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته. وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه. فصل في معنى الآية والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل "كاذبة" في قولها، "خاطئة" في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله "إلى ربها ناظرة"، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم، وكاذباً على رسوله صلى الله عليه وسلم في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: {أية : لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ} تفسير : [الحاقة: 37]. قوله: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ}، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا} تفسير : [يوسف: 82]، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث. قال زهير: [الطويل] شعر : 5260- وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ تفسير : [وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه] وقال تعالى: {أية : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} تفسير : [العنكبوت: 29]. وقال أبو عبيدة: "ونَادِيَه" أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم. قوله: {سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ}. قال الزمخشري: "والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع. وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل: "زبانية" على التعويض". وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن. وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع. قال: [الطويل] شعر : 5261- مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 5262- ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ تفسير : [قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر. وقال أبو الليث السمرقندي رحمه الله: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم]. وقرأ العامة: "سَندْعُ" بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو {أية : يَدْعُ ٱلدَّاعِ} تفسير : [القمر: 6]. وقرأ ابن أبي عبلة: "سيُدْعَى الزبانيةُ" مبنياً للمفعول ورفع "الزبانية" لقيامها مقام الفاعل. فصل في المراد بالزبانية قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: {لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ} قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟. قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني. قال ابن عباس - رضي الله عنه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه. قوله: {كَلاَّ} أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل "لا تُطِعْهُ" فيما دعاك إليه من ترك الصلاة "واسْجُدْ"، أي: صل الله "واقْتَرِبْ" أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة. وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ ". تفسير : وقال صلى الله عله وسلم: "حديث : أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ ". تفسير : فالسجود في قوله تعالى: {وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة. وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} إلى قوله: {كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب}، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في "إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ" وفي {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ. روى الثعلبي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ"تفسير : . والله تعالى أعلم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ}[6] قال: أي رؤية الغنى تورث الاستغناء، والاستغناء يورث الطغيان. وقد قال الحسن رحمة الله عليه: لقد قصر نظر عبد زويت عنه الدنيا، ثم لم يعلم أن ذلك نظر من الله، لقد قصر علم عبد بسطت له الدنيا، فلم يخش أن يكون ذلك مكراً من الله تعالى يمكر به. ثم قال: والله ما بسطت الدنيا لعبد إلا طغى كائناً من كان، ثم تلا قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}[6-7].
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: رؤية الغنى تورث الطغيان والبطر، لأنه يورث الفخر، والفخر يورث الطغيان. وقال يحيى بن معاذ: فى الدنيا طغيانان: طغيان العلم، وطغيان المال، فالذى يعيذك من طغيان العبادة الزهد فى الدنيا، والذى يؤديك إلى الزهد الجوع الدائم، فإن الجوع الدائم يقطع شهوة الذنب عنك. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم يقول: قال ابن عطاء: طغيان الغنى لمن لا يصلح له إلا الفقر فإن أغناه أضره غناه، وقال: إذا أغناه غناه عن المغنى أبطره ذلك الغنى.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ} الانسان الخسيس يطغى بروية الدنيا الدنية واى الانسان هذا من الانسان الذى استغنى بالله واستغرق فى جمال الله واتصف بصفات الله وصار متحمل بالوحدة وسكرا من شراب العزة وغلب عليه الانانية فيطغى برؤية انوار الاتصاف ولا يعلم انه فى حواشى بحار عظمته ولم يذق منها قطرة بالحقيقة اما اعلمه الحق انه لا شئ ولا شئ من الربوبية احوجه الى مقام الارادة برجوعه اليه بنعت الاقتصار بعد ما رجع بالصفة الى معدن الذات وهذان المعنيان فى قوله {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} قال ابن عطا رؤية الغنى يورث الطغيان والبطر لان الغنى يورث الفخر والفخر يورث الطغيان.
اسماعيل حقي
تفسير : {كلا} ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وان لم يسبق ذكره للمبالغة فى الزجر فيوقف عليه وقال السجاوندى يوقف على ما لم يعلم لأنه بمعنى حقا ولذا وضع علامة الوقف عليه {ان الانسان ليطغى} اى يتجاوز الحد ويستكبر على ربه بيان للمردوع والمردوع عنه قيل ان هذا الى آخر السورة نزل فى ابى جهل بعد زمان وهو الظاهر.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كلاَّ}، هو ردع لمحذوف، دلّ الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلّمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك {إِنَّ الإِنسان ليطغى}؛ يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: {أن رآه استغنى} مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنياً، على أنَّ "استغنى" مفعول لرأى، لأنه بمعنى عَلِم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميريْ واحد كما في "ظننتني وعَلِمتني" وإن جوّزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضاً، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: "رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر"، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدّد الإنسان وحذّره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: {إِنَّ إِلى ربك الرُّجعى} أي: الرجوع, فيجازيك على طغيانك. {أرأيت الذي ينهَى عبداً إِذا صلَّى} أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمداً صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل مَن يأتي منه الرؤية. رُوي أنَّ أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمداً لأطأنّ عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه, ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو دنا مني لاختطفته الملائكة ". تفسير : وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأمّا في قوله: {أرأيت إن كان على الهدى أو أّمَرَ بالتقوى} وفي قوله: {أرأيتَ إِن كَذَّب وتولَّى} فعلمية، أي: أخبرني فإنَّ الرؤية لمَّا كانت سبباً للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل مَن يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: (الذي ينهى) هو المفعول الأول لقوله: (أرأيت) الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت (أرأيت) بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: {ألم يعلم بأنَّ الله يرى} هو جواب قوله: {إن كذَّب وتولى}، وجواب قوله: {إن كان على الهدى} محذوف، يدل عليه جواب قوله: {إن كذَّب وتولى} فهو في المعنى جواب للشرطين معاً. والضمير في قوله: {إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى} للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: {إن كذَّب وتولَّى}، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبداً إذا صلّى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كَذّب وتولّى، ألم يعلم بأنّ الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأنّ الله يراه. وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إنَّ الضمير في قوله: {إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى} للعبد الذي صلَّى، وأنّ الضمير في قوله: {إن كذَّب وتولّى} للناهي، وخالفه في جعل "أرأيت" الثانية مكررة للتأكيد, فقال: "أرأيت" في المواضع الثلاثة توقيف، وأنّ جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: {ألم يعلم بأن الله يرى} فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصاراً. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكِمٌ قد حضره الخصمان، يُخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هُدى ودعاؤه إلى الله أمراً بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذَّب. الخ. وقال الغزنوي: جواب {إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى} محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذّب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. هـ. {كلاَّ}، ردع للناهِي عن عبادة الله {لئن لم ينتهِ} عما هو عليه {لَنَسْفعاً بالناصيةِ}؛ لنأخذن بناصية ولنسحبنّه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكَتْبُها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بيّنها بقوله: {ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئةٍ} فهي بدل, وإنما صَحّ بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. {فَلْيَدْعُ ناديَه}، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. رُوي أنَّ أبا جهل مرّ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يُصلّي، فقال: ألم أَنْهكَ؟ فأغلط له النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهدّدني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟ فنزلت. {سَنَدْعُ الزبانية} ليجروه إلى النار. والزبانية: الشُّرَطِ، واحدة: زِبْنِيَّة أو زِبْنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : لَوْ دَعَا نَادِيهُ لأخَذَتْه الزَّبانِيةُ عِياناً ". تفسير : {كلاَّ}، ردع لأبي جهل {لا تُطِعْهُ} أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:{أية : فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ}تفسير : [القلم:8] {واسجدْ}؛ واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث {واقترب}؛ وتقرّب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل مَن أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يُقال في حقه: أرأيت الذي يَنهى عبداً إذا صلّى.. إلى آخر الآيات. ويُقال للمتوجه: لا تُطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرّب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
الجنابذي
تفسير : {كَلاَّ} ردع وجوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ان كان الرّبّ الاكرم الّذى علّم الانسان ما لم يعلم فما له لم يعلم جميع الاناسىّ من اوّل اعمارهم جميع ما لم يعلموا حتّى يستغنوا من اوّل الامر بحسب العلم؟ - فقال: كفّ عن هذا السّؤال وهذا التّمنّى {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} خطاب لمحمّدٍ (ص) او للانسان، وجوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه (ص) قال: فما له بعد هذا الطّغيان؟ - او كأنّ الانسان قال: فما لنا بعد الطّغيان؟ - قال: انّ الى ربّك الرّجعى.
اطفيش
تفسير : {كَلآَّ} ردع الطاغي عن الطغيان لدلالة السياق عليه وقيل بمعنى حقا والبسط على ذلك في حاشيتي على الشذور وشرحه. *{إِنَّ الإِنسَانَ} الجنس والحكم على المجموع لا الجميع فلا يرد علينا من لا يطغى كالأنبياء، قال بعضهم لقد قصر علم عبد زويت عنه الدنيا ثم لم يعلم أن ذلك نظر من الله وقصر علم عبد بسطت له الدنيا فلم يخش أن يكون ذلك مكرا من الله تعالى يمكر به والله ما بسط الله الدنيا لعبد إلا طغى كائنا ما كان لقوله تعالى {إِنَّ الإِنسَانَ} *{لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى} بالمال والطغيان مجاوزة حد الله وقيل المراد زيادته في مطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وقيل الإنسان أبو جهل طغى لغناه وكثرة من يخشى ناديه فناصب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهاه عن الصلاة في المسجد وقال لإن رأيت محمدا يسجد عند الكعبة لأطأن على عنقه فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وانتهره فقال أبو جهل أتهددني أنا والله إي لأكثر أهل الوادي ناديا فنزلت الآية، وقيل كان إذا أصاب مالا زاد في ثيابه ومركبه وطعامه وأن مصدرية داخلة على الماضي ولام التعليل مقدرة قبلها والضمير المستتر في رأي والهاء راجعان إلى الإنسان وصح عمل عامل واحد في ضميرين متصلين للمسمى واحد لأن العامل من أفعال القلوب لأن الرؤية علمية مفعولها الهاء وجملة استغنى وذلك جائز في أفعال القلوب وفقد وعدم واختلف في الرؤية الحلمية أي لأن رأى نفسه استغنى أي لرؤيته نفسه استغنى ولم يمد قنبل همزة رأه بالألف بل أسقط الألف.
اطفيش
تفسير : {كلاَّ} ردع عن المحرمات مطلقاً وهكذا إذا لم تجد ما يردع عنه فى المقام أو قل كلا بمعنى حقاً أى حق ما ذكر أو ما يذكر بعد وإن شئت فقدر علم الإنسان ما لم يعلم ليتوصل بالتعليم إلى العمل ويشكر نعمة التعليم وغيره فخالف ذلك كلا عن تلك المخالفة، وقد يصح الردع عن كفر النعم بدون هذا التقدير لتقدم ذكر النعم من أول السورة إلى ما لم يعلم، ويجوز أن يكون الردع عما بعد. {إنَّ الإنْسَانَ} الكافر مطلقاً ولو كان بسبب نزول هذا وما بعده إلى آخر السورة أبا جهل لعنه الله، وقيل هو المقصود فى الآية وغيره يلحق به إلحاقاً. {ليَطْغَى} يجاوز الحد فى المعصية واتباع المستلذات للنفس، وقال الكلبى ليرتفع عن منزلة إلى منزلة فى اللباس والطعام وغيرهما ويبحث بأن المتبادر أن تفسير الطغيان بالمعاصى أو بها مع ما ذكر من الإسراف فى اللذات.
الالوسي
تفسير : {كَلاَّ } ردع لمن كفر من جنس الإنسان بنعمة الله تعالى عليه بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه وذلك لأن مفتتح السورة إلى هذا المقطع يدل على عظيم منته تعالى على الإنسان فإذا قيل كلا كان ردعاً للإنسان الذي قابل تلك النعم الجلائل بالكفران والطغيان وكذلك التعليل بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ } أي ليتجاوز الحد في المعصية واتباع هوى النفس ويستكبر على ربه عز وجل وقال الكلبـي أي ليرتفع عن منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام وغيرهما وليس بذاك وقدر بعضهم بعد قوله تعالى: {أية : مَا لَمْ يَعْلَمْ }تفسير : [العلق: 5] ليشكر تلك النعم الجليلة فطغى وكفر كلا وقيل (كلا) بمعنى حقاً لعدم ما يتوجه إليه الردع والزجر ظاهراً فقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ } الخ بيان لما أريد إحقاقه. وهذا إلى آخر السورة قيل نزل في أبـي جهل بعد زمان من نزول الآيات السابقة وهو الظاهر ومع نزوله في ذلك اللعين المراد بالإنسان الجنس.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي لظهور أنه في غرض لا اتصال له بالكلام الذي قبله. وحرف {كلاّ} ردع وإبطال، وليس في الجملة التي قبله ما يحتمل الإِبطال والردع، فوجود {كلا} في أول الجملة دليل على أن المقصود بالردع هو ما تضمنه قوله: {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} الآية. وحقُّ {كلاّ} أن تقع بعد كلام لإِبطاله والزجر عن مضمونه، فوقوعها هنا في أول الكلام يقتضي أن معنى الكلام الآتي بعدها حقيق بالإِبطال وبردع قائله، فابتدىء الكلام بحرف الردع للإِبطال، ومن هذا القبيل أن يفتتح الكلام بحرف نفي ليس بعده ما يصلح لأن يَلي الحرف كما في قول امرىء القيس: شعر : فلا وأبيكِ ابْنة العَامِر يّ لا يدَّعي القومُ أنّي أفِرّ تفسير : رَوى مسلم عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: «حديث : قال أبو جهل: هل يَعْفِرُ محمد وجهه (أي يسجد في الصلاة) بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللاتِ والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطَأنَّ على رقبته فأتَى رسولَ الله وهو يصلي زعَم لِيطأ على رقبته فما فجأهم منه إلا وهو يَنْكص على عقبيه ويتّقي بيده. فقيل له: ما لك يا أبا الحَكم؟ قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهَوْلاً وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دَنا مني لاختطفته الملائكة عُضْواً عضواً تفسير : قال: فأنزل الله، لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه: {إن الإنسان ليطغى} الآيات اهــــ. وقال الطبري: ذكر أن آية {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} وما بعدها نزلت في أبي جهل بن هشام وذلك أنه قال فيما بلغنا: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن رقبته. فجعل الطبري ما أنزل في أبي جهل مبدوءاً بقوله: {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى}. ووجه الجمع بين الروايتين: أن النازل في أبي جهل بعضه مقصود وهو ما أوّله {أرأيت الذي ينهى} الخ، وبعضه تمهيد وتوطئة وهو: {إن الإنسان ليطغى} إلى {الرجعى}. واختلفوا في أن هذه الآيات إلى آخر السورة نزلت عقب الخمس الآيات الماضية وجعلوا مما يناكده ذِكر الصلاة فيها. وفيما روي في سبب نزولها من قول أبي جهل بناءً على أن الصلاة فُرضت ليلة الإِسراء وكانَ الإِسراء بعد البعثة بسنين، فقال بعضهم: إنها نزلت بعد الآيات الخمس الأولى من هذه السورة، ونزل بينهن قرآن آخر ثم نزلت هذه الآيات، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاقها، وقال بعض آخر: ليست هذه السورة أول ما أنزل من القرآن. وأنا لا أرى مناكدة تفضي إلى هذه الحيرة والذي يستخلص من مختلف الروايات في بدء الوحي وما عَقبه من الحوادث أن الوحي فتَر بعد نزول الآيات الخمس الأوائل من هذه السورة وتلك الفترة الأولى التي ذكرناها في أول سورة الضحى، وهناك فترة للوحي هذه ذكرها ابن إسحاق بعد أن ذكر ابتداء نزول القرآن وذلك يؤذن بأنها حصلت عقب نزول الآيات الخمس الأول ولكن أقوالهم اختلفت في مدة الفترة. وقال السهيلي: كانت المدة سنتين، وفيه بعد. وليس تحديد مدتها بالأمر المهم ولكن الذي يهم هو أنا نوقن بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مدة فترة الوحي يرى جبريل ويتلقى منه وحياً ليس من القرآن. وقال السهيلي في «الروض الأنُف»: ذكر الحربي أن الصلاة قبل الإِسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس (أي العصر) وصلاة قبل طلوعها (أي الصبح)، وقال يحيى بن سلام مثله، وقال: كان الإِسراء وفرض الصلوات الخمس قبل الهجرة بعام اهــــ. فالوجه أن تكون الصلاة التي كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة غير الصلوات الخمس بل كانت هيئة غير مضبوطة بكيفية وفيها سجود لقول الله تعالى: { أية : واسجد واقترب } تفسير : [العلق: 19] يؤديها في المسجد الحرام أو غيره بمرأى من المشركين فعظم ذلك على أبي جهل ونهاه عنها. فالوجه أن تكون هذه الآيات إلى بقية السورة قد نزلت بعد فترة قصيرة من نزول أول السورة حدثت فيها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفشا فيها خبر بدء الوحي ونزول القرآن، جرياً على أن الأصل في الآيات المتعاقبة في القراءة أن تكون قد تعاقبت في النزول إلا ما ثبت تأخره بدليل بيِّن، وجرياً على الصحيح الذي لا ينبغي الالتفات إلى خلافه من أن هذه السورة هي أول سورة نزلت. فموقع قوله: {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} موقع المقدمة لما يَرد بعده من قوله: {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} إلى قوله: { أية : لا تطعه } تفسير : [العلق: 19] لأن مضمونه كلمة شاملة لمضمون: {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} إلى قوله: { أية : فليدع ناديه } تفسير : [العلق: 17]. والمعنى: أن ما قاله أبو جهل ناشىء عن طغيانه بسبب غناه كشأن الإِنسان. والتعريف في {الإنسان} للجنس، أي من طبع الإنسان أن يطغى إذا أحسّ من نفسه الاستغناء، واللام مفيدة الاستغراق العرفي، أي أغلب الناس في ذلك الزمان إلا من عصمه خُلقه أو دينه. وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ولام الابتداء لقصد زيادة تحقيقه لغرابته حتى كأنه مما يتوقع أن يشك السامع فيه. والطغيان: التعاظم والكبر. والاستغناء: شدة الغنى، فالسين والتاء فيه للمبالغة في حصول الفعل مثل استجاب واستقر. و{وَأنْ رآه} متعلق بــــ «يطغى» بحذف لام التعليل لأن حذف الجار مع (أنْ) كثير شائع، والتقدير: إنّ الإِنسان ليطغى لرؤيته نفسه مستغنياً. وعلة هذا الخُلق أن الاستغناء تحدث صاحبَه نفسُه بأنه غير محتاج إلى غيره وأن غيره محتاج فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه حتى يصير خلقاً حيث لا وازع يزعه من دين أو تفكير صحيح فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم لأن له ما يدفع به الاعتداء من لأمةِ سلاحٍ وخدمٍ وأعوان وعُفاة ومنتفعين بماله من شركاء وعمال وأُجراء فهو في عزة عند نفسه. فقد بينت هذه الآية حقيقةً نفسية عظيمة من الأخلاق وعلم النفس. ونبهت على الحذر من تغلغلها في النفس. وضمير {رآه} المستتر المرفوع على الفاعلية وضميرُه البارز المنصوب على المفعولية كلاهما عائد إلى الإِنسان، أي أن رأى نفسه استغنى. ولا يجتمع ضميران متحدا المعاد: أحدهما فاعل، والآخر مفعول في كلام العرب، إلا إذا كان العامل من باب ظن وأخواتها كما في هذه الآية، ومنه قوله تعالى: { أية : قال أرأيتك هذا الذي كرَّمتَ عليَّ } تفسير : في سورة الإسراء (62). قال الفراء: والعرب تطرح النفس من هذا الجنس (أي جنس أفعال الظن والحسبان) تقول: رأيتُني وحسبتُني، ومتى تَراك خارجاً، ومتى تظُنك خارجاً، وألحقت (رأى) البصرية ب(رأى) القلبية عند كثير من النحاة كما في قول قطري بن الفجاءة: شعر : فلقد أراني للرِّمَاح دَريئة من عن يميني مرة وأمامي تفسير : ومن النادر قول النّمر بن تَوْلَب: شعر : قد بِتُّ أحْرُسُنِي وَحْدِي وَيَمْنَعُنِي صوتُ السباع به يضبَحْن والْهامِ تفسير : وقرأ الجميع {أن رآه} بألف بعد الهمزة، وروى ابن مجاهد عن قنبل أنه قرأه عن ابن كثير «رأه» بدون ألف بعد الهمزة، قال ابن مجاهد: هذا غلط ولا يعبأ بكلام ابن مجاهد بعد أن جزم بأنه رواه عن قنبل، لكن هذا لم يروه غير ابن مجاهد عن قنبل فيكون وجهاً غريباً عن قنبل. وأُلحق بهذه الأفعال: فعل فقَدَ وفعل عَدِم إذا استعملا في الدعاء نحو قول القائل: فقَدْتُني وعَدِمْتُني. وجملة: {إن إلى ربك الرُّجعى} معترضة بين المقدمة والمقصد والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم أي مرجع الطاغي إلى الله، وهذا موعظة وتهديد على سبيل التعريض لمن يسمعه من الطغاة، وتعليم للنبيء صلى الله عليه وسلم وتثبيت له، أي لا يحزنك طغيان الطاغي فإن مرجعه إليّ، ومرجع الطاغي إلى العذاب قال تعالى: { أية : إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مئاباً } تفسير : [النبأ: 21، 22] وهي موعظة للطاغي بأن غناه لا يدفع عنه الموت، والموت: رجوع إلى الله كقوله: { أية : يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه } تفسير : [الانشقاق: 6]. وفيه معنى آخر وهو أن استغناءه غير حقيقي لأنه مفتقر إلى الله في أهم أموره ولا يدري ماذا يصيِّره إليه ربُّه من العواقب فلا يَزْدَهِ بغنًى زائف في هذه الحياة فيكون: {الرُّجعى} مستعملاً في مجازه، وهو الاحتياج إلى المرجوع إليه، وتأكيد الخبر بــــ (إن) مراعى فيه المعنى التعريضي لأن معظم الطغاة ينسون هذه الحقيقة بحيث يُنزَّلون منزلة من ينكرها. و{الرجعى}: بضم الراء مصدر رجع على زنة فُعلى مثل البُشرى. وتقديم {إلى ربك} على {الرجعى} للاهتمام بذلك. وجملة: {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} إلى آخرها هي المقصود من الردع الذي أفاده حرف {كلاّ}، فهذه الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً متصلاً باستئناف جملة: {إن الإنسان ليطغى}. و{الذي ينهى} اتفقوا على أنه أريد به أبو جهل إذ قال قولاً يريد به نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في المسجد الحرام فقال في ناديه: لئن رأيت محمداً يصلي في الكعبة لأطَأنَّ على عنقه. فإنه أراد بقوله ذلك أن يبلُغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو تهديد يتضمن النهي عن أن يصلي في المسجد الحرام ولم يروَ أنه نهاه مشافهة. و{أرأيت} كلمة تعجيب من حالٍ، تُقال للذي يُعْلَم أنه رأى حالاً عجيبة. والرؤية علمية، أي أعلمت الذي ينهى عبداً والمستفهم عنه هو ذلك العلم، والمفعول الثاني لــــ «رأيت» محذوف دل عليه قوله في آخر الجمل { أية : ألم يعلم بأن الله يرى } تفسير : [العلق: 14]. والاستفهام مستعمل في التعجيب لأن الحالة العجيبة من شأنها أن يستفهم عن وقوعها استفهام تحقيق وتثبيت لِنَبئها إذ لا يكاد يصدق به، فاستعمال الاستفهام في التعجيب مجاز مرسل في التركيب. ومجيء الاستفهام في التعجيب كثير نحو { أية : هل أتاك حديث الغاشية } تفسير : [الغاشية: 1]. والرؤية علمية، والمعنى: أعجب ما حصل لك من العلم قال الذي ينهى عبداً إذا صلّى. ويجوز أن تكون الرؤية بصرية لأنها حكاية أمر وقع في الخارج والخطاب في {أرأيت} لغير معيّن. والمراد بالعبد النبي صلى الله عليه وسلم وإطلاق العبد هنا على معنى الواحد من عباد الله أيّ شَخْصٍ كما في قوله تعالى: { أية : بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد } تفسير : [الإسراء: 5]، أي رجالاً. وعدل عن التعبير عنه بضمير الخطاب لأن التعجيب من نفس النهي عن الصلاة بقطع النظر عن خصوصية المصلّي. فشموله لنهيه عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أوقع، وصيغة المضارع في قوله: {ينهى} لاستحضار الحالة العجيبة وإلا فإن نهيه قد مضى. والمنهي عنه محذوف يغني عنه تعليق الظرف بفعل {ينهى} أي نهاه عن صلاته.
الشنقيطي
تفسير : ظاهر هذه الآية أن الاستغناء موجب للطغيان عند الإنسان، ولفظ الإنسان هنا عام، ولكن وجدنا بعض الإنسان يستغني ولا يطغى، فيكون هذا من العام المخصوص، ومخصصه إما من نفس الآية أو من خارج عنها، ففي نفس الآية ما يفيده قوله تعالى: {أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}، أي إن رأي الإنسان نفسه، وقد يكون رأياً واهماً ويكون الحقيقة خلاف ذلك، ومع ذلك يطغى، فلا يكون الاستغناء هو سبب الطغيان. ولذا جاء في السنة: ذك العائل المتكبر، لأنه مع فقره يرى نفسه استغنى، فهو معنى في نفسه لا بسبب غناه. أما من خارج الآية، فقد دل على هذا المعنى، قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 37-39]، فإيثار الحياة الدنيا هو موجب الطغيان، وكما في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي ٱلْحُطَمَةِ} تفسير : [الهمزة: 2-4] الآية. ومفهومه: أن من لم يؤثر الحياة الدنيا، ولم يحسب أن ماله أخلده، لن يطغيه ماله ولا غناه، كما جاء في قصة النفر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع من بني إسرائيل. وقد نص القرآن على أوسع غنى في الدنيا في نبي الله سليمان، آتاه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، ومع هذا قال: {أية : إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} تفسير : [ص: 32-33] الآية. وقصة الصحابي الموجودة في الموطأ: لما شغل ببستانه في الصلاة، حين رأى الطائر لا يجد فرجة من الأغصان، ينفذ منه، فجاء إلى النَّبي وقال: "يا رسول الله: إني فتنت ببستاني في صلاتي، فهو في سبيل الله" فعرفنا أن الغنى وحده ليس موجباً للطغيان، ولكن إذا صحبه إيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وقد يكون طغيان النفس من لوازمها لو لم يكن غنى. إن النفس لأمارة بالسوء. وأنه لا يقي منه إلا التهذيب بالدين كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} تفسير : [الشورى: 27] الآية. وقد ذكر عن فرعون تحقيق ذلك حين قال: {أية : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الزخرف: 51]، وكذلك قال قارون {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} تفسير : [القصص: 78]، وقال: ثالث الثلاثة من بني إسرائيل "إنما ورثته كابراً عن كابر بخلاف المسلم" إلى آخره. فلا يزيده غناه إلا تواضعاً وشكراً للنعمة، كما قال نبي الله سليمان {أية : قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 40]، وقد نص في نفس السورة أنه شكر الله {أية : فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [النمل: 19]. وفي العموم قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الأحقاف: 15]. وقد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحاب المال الوفير فلم يزدهم إلا قرباً لله، كعثمان بن عفان رضي الله عنه، وعبد الرحمن بن عوف، وأمثالهم، وفي الآية ربط لطيف بأول السورة، إذا كان خلق الإنسان من علق، وهي أحوج ما يكون إلى لطف الله وعنايته ورحمته في رحم أمه، فإذا بها مضغة ثم عظام، ثم تكسى لحماً، ثم تنشأ خلقاً آخر، ثم يأتي إلى الدنيا طفلاً رضيعاً لا يملك إلا البكاء، فيجري الله له نهرين من لبن أمه، ثم ينبت له الأسنان، ويفتق له الأمعاء، ثم يشب ويصير غلاماً يافعاً، فإذا ما ابتلاه ربه بشيء من المال أو العافية، فإذا هو ينسى كل ما تقدم، وينسى حتى ربه ويطغى ويتجاوز حده حتى مع الله خالقه ورازقه، كما رد عليه تعالى بقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس: 77-79] الآية. ومما في الآية من لطف التعبير قوله تعالى: {أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}، أي أن الطغيان الذي وقع فيه عن وهم، تراءى له، أنه استغنى سواء بماله أو بقوته. لأن حقيقة المال ولو كان جبالاً، ليس له منه إلاَّ ما أكل ولبس وأنفق. وهل يستطيع أن يأكل لقمة واحدة إلا بنعمة العافية، فإذا مرض فماذا ينفعه ماله، وإذا أكلها وهل يستفيد منها إلا بنعمة من الله عليه. ومن هذه الآية أخذ بعض الناس، أن الغني الشاكر أعظم من الفقير الصابر، لأن الغنى موجب للطغيان. وقد قال بعض الناس: الصبر على العافية، أشد من الصبر على الحاجة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كلا: أي لا أداة استفتاح وتنبيه لكسر إن بعدها. إن الإِنسان: أي ابن آدم قبل أن تتهذب مشاعره وأخلاقه بالإِيمان والآداب الشرعية. ليطغى: أي يتجاوز الحد المفروض له في سلوكه ومعاملاته. أن رآه استغنى: أي عندما يرى نفسه قد استغنى بما له أو ولده أو سلطانه. إن إلى ربك الرجعى: أي إن إلى ربك أيها الرسول الرجعى أي الرجوع والمصير. الذي ينهى عبدا إذا صلى: أي أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي لعنه الله. إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى: أي هو رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العدناني. إن كذب وتولى: أي هو أبو جهل. لئن لم ينته: أي من أذية رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ومنعه من الصلاة خلف المقام. لنسفعا بالناصية: أي لنأخذن بناصيته ونسحبه إلى نار جهنم. فليدع ناديه: أي رجال مجلسه ومنتداه. سندع الزبانيه: أي خزان جهنم. كلا: أي ارتدع أيها الكاذب الكافر. واقترب: أي منه تعالى وذلك بطاعته. معنى الآيات: قوله تعالى {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} يخبر تعالى عن طبيعة الإِنسان قبل أن يهذّبه الإِيمان والمعارف الإِلهية المشتملة على معرفة محابّ الله تعالى، ومساخطه أنه إذا رأى نفسه قد استغنى بماله أو ولده أو سلطانه أو بالكُلِّ وما أصبح في حاجة إلى غيره يطغى فيتجاوز حدّ الآداب والعدل والحق والعرف فيتكبر ويظلم ويمنع الحقوق ويحتقر الضعفاء ويسخر بغيره. وأبو جهل كان مضرب المثل في هذا الوصف وصف الطغيان حتى قيل إنه فرعون هذه الأمة، وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في المسجد الحرام خلف المقام فيأتيه هذا الطاغية ويهدده ويقول له لقد نهيتك عن الصلاة هنا فلا تعد، ويقول له إن وجدتك مرة أخرى آخذ بناصيتك وأسحبك على الأرض فينزل الله تعالى هذه الآيات {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} فيقف برسوله على حقيقة ما كان يعلمها وهي أن ما يجده من أبي جهل وأضرابه من طغاة قريش علته كذا وكذا ويسليه فيقول له وإن طغوا وتجبروا إن مرجعهم إلينا وسوف ننتقم لك منهم {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ} يا رسولنا {ٱلرُّجْعَىٰ} إذاً فاصبر على أذاهم وانتظر ما سيحل بهم إن مصيرهم إلينا لا إلى غيرنا وسوف ننتقم منهم ثم يقول له قولا يحمل العقلاء على التعجب من سلوك أبي جهل الشائن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ}؟ وهل الذي يصلي ينهى عن الصلاة وهل الصلاة جريمة وهل في الصلاة ضرر على أحد؟ فكيف ينهى عنها؟ ويقول له {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ} أي المصلي الذي نهى عن الصلاة وهو الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم {عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة وكرامتهما؟ {أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ} أي أمر غيره بما يتقي به عذاب الدنيا والآخرة، هل الأمر بالهدى والتقوى أي بأسباب النجاة والسعادة يعادي ويحارب؟ ويضرب ويهدد؟ إن هذا لعجب العجاب. ويقول أرأيت يا رسولنا إن كذب هذا الذي ينهى عبدا إذا صلى أي كذب بالحق والدين وتولى عن الإِيمان والشرع، كيف يكون حاله يوم يلقى ربه؟ {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ} أي يرى أفعاله الاستفزازية المقيتة وتطاوله على رسول الله وتهديده له بالضرب إن وجده يصلي خلف المقام. بعد هذه الدعوة للطاغية لعله يرجع إلى الحق إذا سمعه، وإذا به يزدادا طغيانا ويقول في مجلس قريش يقول واللات والعزى لئن رأيت محمدا صلى الله عليه وسلم يُصلي لأطأن على رقبته ولأعفرنّ وجهه على التراب، وفعلا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على ركبته فإِذا به ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له مالك فقال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا وأنزل الله تعالى {كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} أي صاحبها وهو أبو جهل أي لئن لم ينته عن أذيه رسولنا وتعرضه له في صلاته ليمنعه منها لنأخذن بناصيته ونجره إلى جهنم عيانا. {فَلْيَدْعُ} حينئذ رجال ناديه ومجلس قومه فإِنا ندعو الزبانية أي خزنة النار من الملائكة كلا فليرتدع هذا الطاغية وليعلم أنه لن يقدر على أن يصل إلى رسولنا بعد اليوم بأذى. وقال تعالى لرسوله بعد تهديده للطاغية، وردعه له، وارتدع فعلا ولم يجرؤ بعد ذلك اليوم أن يمدّ لسانه، ولا يده بسوء لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرسوله صلى الله عليه وسلم {لاَ تُطِعْهُ} فيما يطلب منك من ترك الصلاة في المسجد الحرام فقد كفيناك شره {وَٱقْتَرِب} إلينا بالطاعات ومن أهمها الصلاة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سبب نزول الآيات كلا إن الإِنسان ليطغى إلى آخر السورة. 2- بيان طبع الإِنسان إذا لم يهذب بالإِيمان والتقوى. 3- نصرة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالملائكة عيانا في المسجد الحرام. 4- تسجيل لعنة الله على فرعون الأمة أبي جهل وأنه كان أظلم قريش لرسول الله وأصحابه. 5- مشروعية السجود عند تلاوة هذه السورة إذا قرأ فاسجد واقترب شرع له السجود إلا أن يكون يصلي بجماعة في الصلاة السرية فلا يسجد لئلا يفتنهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنسَانَ} (6) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الإِنْسَانَ يَطْغَى، وَيَخْرُجُ عَنِ الحَدِّ الذِي يَجِبُ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ، وَيَسْتَكْبِرُ عَنِ الخُشُوعِ وَالخُضُوعِ للهِ، وَيَتَطَاوَلُ عَلَى عِبَادِ اللهِ بِالأَذَى. كَلاَّ - حَقّاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):