٩٦ - ٱلْعَلَق
96 - Al-Alaq (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن أبي جهل لعنه الله أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: فوالذي يحلف به لئن رأيته لأطأن عنقه، ثم إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فنكص على عقبيه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً. وعن الحسن أن أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة. واعلم أن ظاهر الآية أن المراد في هذه الآية هو الإنسان المتقدم ذكره، فلذلك قالوا: إنه ورد في أبي جهل، وذكروا ما كان منه من التوعد لمحمد عليه الصلاة والسلام حين رآه يصلي، ولا يمتنع أن يكون نزولها في أبي جهل، ثم يعم في الكل، لكن ما بعده يقتضي أنه في رجل بعينه. المسألة الثانية: قوله: {أَرَأَيْتَ } خطاب مع الرسول على سبيل التعجب، ووجه التعجب فيه أمور أحدها: أنه عليه السلام قال: اللهم أعز الإسلام إما بأبي جهل بن هشام أو بعمر، فكأنه تعالى قال له: كنت تظن أنه يعز به الإسلام، أمثله يعز به الإسلام، وهو: ينهى عبداً إذا صلى وثانيها: أنه كان يلقب بأبي الحكم، فكأنه تعالى يقول: كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن خدمة ربه، أيوصف بالحكمة من يمنع عن طاعة الرحمن ويسجد للأوثان! وثالثها: أن ذلك الأحمق يأمر وينهى، ويعتقد أنه يجب على الغير طاعته، مع أنه ليس بخالق ولا رب، ثم إنه ينهى عن طاعة الرب والخالق، ألا يكون هذا غاية الحماقة. المسألة الثالثة: قال: {يَنْهَىٰ عَبْداً } ولم يقل: ينهاك، وفيه فوائد أحدها: أن التنكير في عبداً يدل على كونه كاملاً في العبودية، كأنه يقول: إنه عبد لا يفي العالم بشرح بيانه وصفة إخلاصه في عبوديته يروى: في هذا المعنى أن يهودياً من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته فقال: أخبرني عن أخلاق رسولكم، فقال عمر: اطلبه من بلال فهو أعلم به مني. ثم إن بلالاً دله على فاطمة ثم فاطمة دلته على علي عليه السلام، فلما سأل علياً عنه قال: صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه، فقال الرجل: هذا لا يتيسر لي، فقال علي: عجزت عن وصف متاع الدنيا وقد شهد الله على قلته حيث قال: {أية : قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } تفسير : [النساء: 77] فكيف أصف أخلاق النبي وقد شهد الله تعالى بأنه عظيم حيث قال: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } تفسير : [القلم: 4] فكأنه تعالى قال: ينهى أشد الخلق عبودية عن العبودية وذلك عين الجهل والحمق وثانيها: أن هذا أبلغ في الذم لأن المعنى أن هذا دأبه وعادته فينهى كل من يرى وثالثها: أن هذا تخويف لكل من نهى عن الصلاة، روى عن علي عليه السلام أنه رأى في المصلى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم؟ فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ } فلم يصرح بالنهي عن الصلاة، وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حيث قال له أبو يوسف: أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟ قال: يقول ربنا لك الحمد ويسجد ولم يصرح بالنهي ورابعها: أيظن أبو جهل أنه لو لم يسجد محمد لي لا أجد ساجداً غيره، إن محمد عبد واحد، ولي من الملائكة المقربين مالا يحصيهم إلا أنا وهم دائماً في الصلاة والتسبيح وخامسها: أنه تفخيم لشأن النبي عليه السلام يقول: إنه مع التنكير معرف، نظيره الكناية في سورة القدر حـملت على القرآن ولم يسبق له ذكر {أية : أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 1] {أية : أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ } تفسير : [الكهف: 1] {أية : وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عبدُ الله} تفسير : [الجن: 19].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ } وهو أبو جهل {عَبْداً} وهو محمد صلى الله عليه وسلم. فإن أبا جهل قال: إنْ رأيت محمداً يصلِّي لأَطأَنّ على عنقه؛ قاله أبو هُريرة. فأنزل الله هذه الآيات تعجباً منه. وقيل: في الكلام حذف؛ والمعنى: أَمِنَ هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَرَءَيْتَ } في مواضعها الثلاثة للتعجب {ٱلَّذِى يَنْهَىٰ } هو أبو جهل.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَرَءَيْتَ الَّذِى يَنْهَى} نزلت في أبي جهل حلف لئن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي ليطأن رقبته وليعفرن وجهه في التراب فجاءه وهو يصلي ليطأ رقبته فأراه الله تعالى بينه وبينه خندقاً من نار وهواء وأجنحة فنكص وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً وكان في صلاة الظهر ".
اسماعيل حقي
تفسير : {ارأيت الذى ينهى عبدا اذا صلى} الاستفهام للتعجيب والرؤية بصرية والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية وتنكير عبدا لتفخيمه عليه السلام كأنه قيل ينهى اكمل الخلق فى العبودية عن عبادة ربه والعدول عن ينهاك الى ينهى عبدا دال على أن النهى كان للعبد عن اقامة خدمة مولاه ولا اقبح منه روى أن ابا جهل قال فى ملأ من طغاة قريش لئن رأيت محمدا يصلى لأطأن عنقه وفى التكملة نهى محمدا عن الصلاة وهم أن يلقى على رأسه حجرا فرآه فى الصلاة وهى صلاة الظهر فجاءه ثم نكص على عقبيه فقالوا مالك فقال ان بينى وبينه لخندقا من نار وهولا واجنحة فنزلت والمراد اجنحة الملائكة ابصر اللعين الاجنحة ولم يبصر اصحابها فقال عليه السلام حديث : والذى نفسى بيده لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضو عضواتفسير : وكان ابو جهل يكنى فى الجاهلية بأبى الحكم لأنه كانوا يزعمون أنه عالم ذو حكمة ثم سمى ابا جهل فى الاسلام. يقول الفقير كان عليه السلام يدعو ويقول حديث : اللهم اعز الاسلام بابى جهل او بعمر تفسير : فلما اعزه الله بعمر رضى الله عنه دل على أن عمر اسعد قريش كما ان ابا جهل اشقى قريش اذ الاشياء تتبين باضدادها.
الجنابذي
تفسير : {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} نزلت فى ابى جهل فانّه قال: لو رأيت محمّداً (ص) يعفّر لَوَطَئْتُ عنقه، فقيل: هو يسجد، فجاءه ثمّ رجع على عقبه وكان يتّقى بيديه، فقيل له فى ذلك، فقال: انّ بينى وبينه خندقاً من النّار وهولاً واجنحةً.
الأعقم
تفسير : {أرأيت الذي ينهى} الآية نزلت في أبي جهل لما نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصلاة وقال أبو جهل لقومه: يعفر محمد وجهه بين أظهركم، قالوا: نعم، قال لئن فعل ذلك لأطأنَّ عنقه، قالوا: هو ذلك يصلي، فانطلق ثم ارتد هارباً قالوا له: ما لك؟ قال: ان بيني وبينه خندقاً من نار فنزلت: {أرأيت الذي ينهى} {أرأيت إن كان على الهدى} {أو أمر بالتقوى} يريد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن كونه على الهدى والدعاء إلى التقوى يليق، وقيل: بل هو عام في كل مصلي {أرأيت} يا محمد {إن كذَّب} الله ورسوله {وتولّى} أعرض عن القبول ما يكون حاله في تكذيب المحق أليس قد أهلك نفسه {ألم يعلم بأن الله يرى} ما يأتي هذا المكذب {كلاَّ} ردعٌ وزجر لهذا المكذب {لئن لم ينته} أي يمتنع عن هذا الفعل {لنسفعاً بالناصية} لنجذبنه بناصيته إلى النار {كاذبة خاطئة} وصفها بالكذب والخطأ {فليدع ناديه} والنادي المجلس الذي يجتمعون فيه القوم والمراد أهل النادي، وروي أن أبا جهل مرّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ألم أنهك؟ فأغلظ له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أتهددني وأنا أكبر أهل الوادي نادياً؟ فنزلت: {فليدع ناديه سندع الزبانية} وهم ملائكة العذاب، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "حديث : لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عنَّا" تفسير : {كلا} ردع لأبي جهل {لا تطعه واسجد} أي أثبت على ما أنت عليه من عصيانه كقوله: {أية : فلا تطع المكذبين} تفسير : [القلم: 8] لا تطعه دم على السجود يريد الصلاة {واقترب} وتقرب إلى ربك، وفي الحديث: "حديث : أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد ".
اطفيش
تفسير : {أَرَأَيْتَ} يا محمد {الَّذِي يَنْهَى} هو أبو جهل.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} ذكر لبعض آثار الطغيان ووعيد عليها ولم يختلف المفسرون كما قال ابن عطية في أن العبد المصلي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والناهي هو اللعين أبو جهل فقد أخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أبـي هريرة أن أبا جهل حلف باللات والعزى لئن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ليطأن على رقبته وليعفرن وجهه فأتى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يصلي ليفعل فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فقيل له مالك فقال إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواًتفسير : وأنزل الله تعالى {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ}تفسير : [العلق: 6] إلى آخر السورة وقول الحسن هو أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة لا يكاد يصح لأنه لا خلاف في أن إسلام سلمان رضي الله تعالى عنه كان بالمدينة بعد الهجرة كما أنه لا خلاف في أن السورة مكية نعم حكم الآية عام فإن كان ما حكي عن أمية واقعاً فحكمها شامل له. والصلاة التي أشارت إليها الآية كانت على ما حكى أبو حيان صلاة الظهر وحكى أيضاً أنها كانت تصلي جماعة وهي أول جماعة أقيمت في الإسلام وأنه كان معه عليه الصلاة والسلام أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما فمر أبو طالب ومعه ابنه جعفر فقال له يا بني صل جناح ابن عمك وانصرف مسروراً وأنشأ يقول: شعر : إن علياً وجعفراً ثقتي عند ملم الزمان والكرب والله لا أخذل النبـي ولا يخذله من يكون من حسبـي لا تخذلا وانصرا ابن عمكما أخي لأمي من بينهم وأبـي تفسير : وفي هذا نظر لأن الصلاة فرضت ليلة الإسراء بلا خلاف وادعى ابن حزم الإجماع على أنه كان قبل الهجرة بسنة وجزم ابن فارس بأنه كان قبلها بسنة وثلاثة أشهر وقال السدي بسنة وخمسة أشهر وموت أبـي طالب كان قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين لأنه كان قبل وفاة خديجة بثلاثة وقيل بخمسة أيام وكانت وفاتها بعد البعثة بعشر سنين على الصحيح فأبو طالب على هذا لم يدرك فرضية الصلاة نعم حكى القاضي عياض عن الزهري ورجحه النووي والقرطبـي أن الإسراء كان بعد البعث بخمس سنين لكن قيل عليه ما قيل فليراجع. والنهي قيل بمعنى المنع وعبر به إشارة إلى عدم اقتدار اللعين على غير ذلك وفي بعض الأخبار ما ظاهره أنه حصل منه نهي لفظي فقد أخرج أحمد والترمذي وصححه وغيرهما عن ابن عباس قال((حديث : كان النبـي صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء أبو جهل فقال ألم أنهك عن هذا ألم أنهك عن هذا))تفسير : الحديث والتعبير بما يفيد الاستقبال لاستحضار الصورة الماضية لنوع غرابة. والرؤية قيل قلبية وكذا في قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ}.
الواحدي
تفسير : {أرأيت الذي ينهى} يعني: أبا جهلٍ. {عبداً إذا صلى} وذلك أنَّه قال: لئن رأيتُ محمداً يصلي لأطأنَّ على رقبته، ومعنى: أرأيتَ ها هنا تعجُّبٌ، وكذلك قوله: {أرأيت إن كان على الهدى}. {أو أمر بالتقوى}. {أرأيت إن كذب وتولى}. والمعنى: أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلَّى وهو على الهدى آمرٌ بالتَّقوى، والنَّاهي كاذبٌ مُتولٍّ عن الذِّكرى، أَيْ: فما أعجب من ذا! {ألم يعلم} أبو جهلٍ {بأنَّ الله يرى} أَيْ: يراه ويعلم ما يفعله. {كلا} ردعٌ وزجرٌ {لئن لم ينته} عمَّا هو عليه من الكفر ومعاداة النبيِّ صلى الله عليه وسلم {لَنَسفعَنا بالناصية} لنجرَّن بناصيته إلى النَّار، ثمَّ وصف ناصيته، فقال: {ناصيةٍ كاذبة خاطئة} وتأويلها: صاحبُها كاذبٌ خاطىءٌ. {فليدع ناديه} فليستعن بأهل مجلسه، وذلك أنَّه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لأملأنَّ عليك هذا الوادي خيلاً جُرداً، ورجالاً مُرداً، فقال الله تعالى: {فليدع ناديه}. {سندع الزبانية} وهم الملائكة الغلاظ الشِّداد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لو دعا ناديه لأخذته الزَّبانية عياناً تفسير : {كلا} ليس الأمر على ما عليه أبو جهلٍ {لا تطعه واسجد} وصلِّ {واقترب} تقرّب إلى ربِّك بطاعته.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَرَأَيْتَ} (9) - أَلاَ تَرَى إِلَى هَذَا الطَّاغِيَةِ الذِي نَسِيَ فَضْلَ اللهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالمَالِ، وَهُوَ يَنْهَى عَبْداً مُؤْمِناً عَنْ أَدَاءِ الصَّلاَةِ لِرَبِّهِ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} [9 ـ 10]. قال: يعني أَبا جهل ابن هشام، كان ينهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الصلاة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} [الآية: 17]. يعني عيشرته، يعني: أَبا جهل. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} [الآية: 18]. قال: الزبانية، الملائكة.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ نص سبحانه على ذكر بعض الطاغين المستغنين، المستكبرين بما عندهم من الجاه والثروة - وهو: أبو جهل اللعين - فقال: {أَرَأَيْتَ} أيها المعتبر الرائي الباغي الطاغي {ٱلَّذِي يَنْهَىٰ} [العلق: 9] أي: يمنع ويكف {عَبْداً} كاملاً في العبودية؛ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم {إِذَا صَلَّىٰ} [العلق: 10] وتوجه نحو ربه بجميع أجزائه وجوارحه، وأراد أن يصرفه عنه. وذلك أن أبا جهل قال: لو رأيت محمداً ساجداً لأطأن عنقه، فرآه ساجداً فجاءه ليطأه، ثمَّ نكص واستدبر، فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقاً مملوءاً من النار وهولاً، وأجنحة. ثمَّ خاطب سبحانه هذا الطاغي الناهي خطاب تهديد وتقريع: {أَرَأَيْتَ} أي: أخبرني أيها المفسد المتناهي في البغي والعناد {إِن كَانَ} العبد المصلي {عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} [العلق: 11] والرشاد. {أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ} [العلق: 12] وبالاجتناب عن مقتضيات الهوى، لتنهاه عن فعله هذا، وأمره وإرشاده ألبتة. {أَرَأَيْتَ} أي: أخبرني أيضاً أنك نهيته عن الصلاة {إِن كَذَّبَ} على الله {وَتَوَلَّىٰ} [العلق: 13] أي: أعرض عن مقتضيات أوامره ونواهيه. وبالجملة: نهيته عن الصلاة مطلقاً سواء {كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ} [العلق: 11-12] مجتنباً على الهوى، أو مكذباً على المولى، معرضاً عمَّا جرى عليهم من القضاء؛ يعني: ليس سبب نهيك إلاَّ العصبية والعناد، سواء كان محقاً في فعله أو مبطلاً. ثمَّ قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع لهذا المكابر الناهي: {أَلَمْ يَعْلَم} ذلك الناهي المباهي المبالغ في العتوّ والعناد {بِأَنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على وجوه الإنعام والانتقام {يَرَىٰ} [العلق: 14] يعلم ويبصر جميع ما صدر عنه من المجادلة والمراء، فيجازيه على مقتضى علمه وخبرته. ثمَّ قال سبحانه: {كَلاَّ} ردعاً للناهي عمَّا عليه من المكابرة والعناد {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ} الناهي، المبالغ، المباهي عمَّا هو فيه من المكابرة والعناد {لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ} [العلق: 15] أي: لنأخذن بناصيته ولنسجننه مكباً على وجهه نحو النار المعدة لتعذيب الكفرة، المبالغين في العتو والعناد. وأي: ناصية؟! {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [العلق: 16] أي: كذب خاطئ، وصف الناصية بهما؛ للمبالغة والتأكيد. وبعدما نسحبه كذلك، ونأخذه على ظلمه {فَلْيَدْعُ} وليناد حينئذٍ {نَادِيَهُ} [العلق: 17] أهل مجلسه وأعوانه من قهرنا مع أنَّا أيضاً {سَنَدْعُ} ونأمر حتى ينصروا له وينقذه صارخاً عليهم، مستغيثاً منهم يومئذ {ٱلزَّبَانِيَةَ} [العلق: 18] أي: الشرطة الموكلين على جهنم؛ ليجروه نحو النار على وجه الهوان والصغار. ثمَّ كرر سبحانه {كَلاَّ} تأكيداً لردعه وتشديداً عليه، ثمَّ نهى سبحانه حبيبه صلى الله عليه وسلم عن إطاعة ذلك الباغي والإصغاء إلى قوله، والمؤانسة معه والالتفات إليه بقوله: {لاَ تُطِعْهُ} أي: دُمْ يا أكمل الرسل على صلاتك وأثبت عليها، ولا تلتفت إلى هذياناته الباطلة {وَٱسْجُدْ} لربك على وجه الخضوع والخشوع {وَٱقْتَرِب} [العلق: 19] إليه وتقرَّب نحوه بإطراح لوازم ناسوتك، محرماً على نفسك حظوظك من دنياك، مسقطاً مقتضيات بشريتك ولواحق مادتك مطلقاً. وفي الحديث: "حديث : أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد" {أية : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ * وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر: 98-99]. خاتمة السورة عليك أيها الطالب للتقرب نحو الحق والوصول إلى فضاء اللاهوت - أعانك الله في مطلبك هذا وطلبك - أن تداوم على الطاعات والعبادات على وجه الإخلاص والتذلل التام والانكسار المفرط؛ إذ ما يتقرب العبد إلى ربه إلاَّ بالاستكانة والضراغة، والإفناء على لوازم نشأة الناسوت، والاتصاف بالموت الإرادي المورث للحياة الأبدية والبقاء السرمدي. جعلنا الله من المتصفين به بمنِّه وجوده.
همام الصنعاني
تفسير : 3659- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ}: [الآية: 9-10]، قال: قال أبو جَهْل: لئن رأيت محمداً يُصَلِّي لأَطَأَنَّ عَلى عنقه. قال: وَكَانَ يقال: لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة، أبو جَهْلٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):