٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
120
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {يَعِدُهُمْ} المعنى يعدهم أباطيلَه وتُرهَّاتِهِ من المال والجاه والرياسة، وأن لا بعث ولا عقاب، ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا في الخير {وَيُمَنِّيهِمْ} كذلك {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} أي خديعة. قال ابن عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهراً تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غَرور؛ لأنه يحمل على مَحابّ النفس، ووراء ذلك ما يسوء. {أُوْلَـٰئِكَ} ٱبتداء {مَأْوَاهُمْ} ٱبتداء ثان {جَهَنَّمُ} خبر الثاني والجملة خبر الأول. و {مَحِيصاً} ملجأ، والفعل منه حاص يحيص. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} ابتداء وخبر. «قِيلاً» على البيان؛ قال قِيلاً وقَوْلاً وقَالاً، بمعنًى أي لا أحد أصدق من الله. وقد مضى الكلام على ما تضمنته هذه الآي من المعاني والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {يَعِدُهُمْ } ما لا ينجزه. {وَيُمَنِّيهِمْ} ما لا ينالون. {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً} وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة، أو بلسان أوليائه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَعِدُهُمْ } طول العمر {وَيُمَنّيهِمْ } نيل الآمال في الدنيا وأن لا بعث ولا جزاء {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَٰنُ } بذلك {إِلاَّ غُرُوراً } باطلاً.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يعدهم ويمنيهم} يعني الشيطان يعد حزبه وأولياءه ويمنيهم فوعده وتمنيته إياهم ما يوقع في قلب الإنسان من طول العمر ونيل ما أراد من الدنيا ومن نعيمها ولذاتها وكل ذلك غرور فيجب على العاقل أن لا يلتفت إلى شيء منها فربما لم يطل عمره ولم يحصل له ما أراد منها ولئن طال عمره وحصل مقصوده فالموت وراءه ينغص عليه ما هو فيه وقيل يعدهم ويمنيهم بأن لا جنة ولا نار ولا بعث فاجتهدوا في تحصيل اللذات الدنيوية {وما يعدهم الشيطان إلا غروراً} يعني باطلاً وضلالاً {أولئك} يعني الذين اتخذوا الشيطان ولياً {مأواهم جهنم} يعني مرجعهم ومستقرهم جهنم {ولا يجدون عنها} يعني عن جهنم {محيصاً} يعني مفراً ومعدلاً يعني لا يعدلون عنها إلى غيرها ولا بد لهم من ورودها والخلد فيها ولما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد المؤمنين فقال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار} يعني من تحت المساكن والغرف {خالدين فيها} يعني في الجنات {أبداً} بلا انتهاء ولا غاية والأبد عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا انقطاع له ولا يتجزأ كما يتجزأ غيره من الأزمنة لأنه لا يقال أبد كذا كما يقال زمن كذا وفي قوله: {خالدين فيها أبداً} دليل على أن الخلود لا يفيد التأبيد والدوام لأنه لو أفاد ذلك لزم التكرار وهو خلاف الأصل فعلم من ذلك أن الخلود عبارة عن طول الزمان لا على الدوام فلما أتبع الخلود بالأبد علم أنه يراد به الدوام الذي لا ينقطع. وقوله عز وجل: {وعد الله حقاً} يعني وعد الله ذلك الذي ذكر وعدا حقاً {ومن أصدق من الله قيلاً} يعني ليس أحد أصدق من الله وهو توكيد بليغ لقوله: {وعد الله حقاً} قوله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} قولان: أحدهما أنه خطاب للمسلمين وأهل الكتاب اليهود والنصارى وذلك أنهم افتخروا فقال أهل الكتاب نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى بالله منكم. والقول الثاني أنه خطاب لمشركي مكة في قولهم لانبعث ولا نحاسب وخطاب لأهل الكتاب في قولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة. والمعنى ليس الأمر بالأماني إنما الأمر بالعمل الصالح {من يعمل سوءاً يجز به} قال الضحاك يقول: ليس لكم ما تمنيتم وليس لأهل الكتاب ما تمنوا ولكن من عمل سوءاً يعني شركاً فمات عليه يجز به النار. وقال الحسن هذا في حق الكفار خاصة لأنهم يجازون بالعقاب على الصغير والكبير ولا يجزى المؤمن بسيئ عمله يوم القيامة ولكن يجزى بأحسن عمله ويتجاوز عن سيئاته ويدل على صحة هذا القول سياق الآية وهو قوله: {ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} وهذا هو الكافر، فأما المؤمن فله ولي ونصير. وقال آخرون هذه الآية في حق كل من عمل سوءاً من مسلم ونصراني وكافر. قال ابن عباس هي عامة في حق كل من عمل سوءاً يجز به إلا أن يتوب قبل أن يموت فيتوب الله عليه. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه حديث : لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة وقالوا يا رسول الله وأينا من لم يعمل سوءاً غيرك فكيف الجزاء؟ قال "منه ما يكون في الدنيا فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشر حسناته وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره. وأما من كان جزاؤه في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة فيؤتى كل ذي فضل فضله" تفسير : ويدل على صحة هذا القول ما روي عن أبي هريرة قال لما نزلت {أية : من يعمل سوءاً يجز به} تفسير : [النساء: 123] بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها" تفسير : أخرجه مسلم وحديث : عن أبي بكر الصديق قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: {من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت عليّ قلت بلى يا رسول الله قال فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انقساماً في ظهري فتمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنك يا أبا بكر؟ قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءاً وإنا لمجزيون بأعمالنا" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس عليكم ذنوب. وأما الآخرون فيجتمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وفي إسناده مقال وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي بكر وليس له إسناد صحيح وقوله: {ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} قال ابن عباس: يريد ولياً يمنعه ولا نصيراً ينصره فإن قلنا إن هذه الآية خاصة في حق الكفار فتأويلها ظاهر وإن قلنا إنها في حق كل عامل سوء من مسلم وكافر فإنه لا ولي لأحد من دون الله يوم القيامة ولا ناصر. فالمؤمنون لا ولي لهم غير الله وشفاعة الشافعين تكون بإذن الله فليس يمنع أحد أحداً عن الله.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ}، أي: يعدُهُم بأباطِيلهِ من المالِ، والجاهِ، وأنْ لا بَعْثَ، ولاَ عِقَابَ، ونَحْوِ ذلك لكلِّ أحدٍ مَّا يليقُ بحاله، ويمنِّيهم كذلك، ثم ابتدأ سبحانه الخَبَرَ عن حقيقةِ ذَلِكَ؛ بقوله: {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً} ثم أخْبَرَ سبحانه بمَصِيرِ المتَّخِذِينَ الشَّيْطَان وَليًّا، وتوعَّدهم بأنَّ مأُوَاهُمْ جهنَّم، لا يدافِعُونها بِحِيلَةٍ، ولا يتروَّغون، و {مَحِيصاً}: مِنْ حَاصَ؛ إذَا رَاغَ ونَفَرَ؛ ومنه قولُ الشَّاعر: [الطويل] شعر : وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنَا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ وَالْمَدَىٰ مُتَطَاوِلُ تفسير : ومنْه الحديثُ: «حديث : فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ»تفسير : ، ولما ذكر سبحانه ما تقدَّم من الوعيد، واقتضَىٰ ذلك التحذيرَ، عقَّبَ ذلك عزَّ وجلَّ بالترغيبِ في ذِكْره حالةَ المُؤْمنين، وأعْلَمَ بصحَّة وعده، ثم قرَّر ذلك بالتَّوْقِيفِ علَيْه في قوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً}، والقيلُ والقَوْلُ واحدٌ، ونصبه على التمييز.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} [الآية: 120]. قال بعضهم: يعدهم طول العمر والموت غايتهم ويمنيهم الغنى والفقر سبيلهم. {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}. إلا ما يقربهم من الدنيا ويبعدهم عن الآخرة.
القشيري
تفسير : الذين قسم لهم الضلالة في الحال حكم عليهم بالعقوبة في المآل، ولولا أنه أظهر ما أظهر بقدرته وإلا متى كانت شظية من الضلالة والهداية لأربابها؟! والوقوفُ على صدق التوحيد عزيزٌ، وأربابُ التوحيد قليلٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {يعدهم} ما لا ينجزه من طول العمر والعافية ونيل لذائذ الدنيا من الجاه والمال وقضاء شهوات النفس {ويمنيهم} ما لا ينالون نحو ان لا بعث ولا حساب ولا جزاء او نيل المثوبات الاخروية من غير عمل {وما يعدهم الشيطان الا غرورا} وهو اظهار النفع فيما فيه الضرر وهذا الوعد اما بالقاء الخواطر الفاسدة او بألسنة اوليائه. وغرورا اما مفعول ثان للوعد او مفعول لاجله اى ما يعدهم لشىء الا لان يغرهم. واعلم ان العمدة فى اغواء الشيطان ان يزين زخارف الدنيا ويلقى الامانى فى قلب الانسان مثل ان يلقى فى قلبه انه سيطول عمره وينال من الدنيا امله ومقصوده ويستولى على اعدائه ويحصل له ما تيسر لارباب المناصب والاموال وكل ذلك غرور لانه ربما لا يطول عمره وان طال فربما لا ينال امله ومطلوبه وان طال عمره ووجد مطلوبه على احسن الوجوه فلا بد ان يفارقه بالموت فيقع فى اعظم انواع الغم والحسرة فان تعلق القلب بالمحبوب كلما كان اشد واقوى كانت مفارقته اعظم تأثيرا فى حصول الغم والحسرة ولذلك قيل شعر : الفت مكير همجو الف هيج باكسى تابشنوى الم نشوى وقت انقطاع تفسير : فنبه سبحانه وتعالى على ان الشيطان انما يعد ويمنى لاجل ان يغر الانسان ويخدعه ويفوت عنه اعز المطالب وانفع المآرب. فالعاقل من لا يتبع وسواس الشيطان ويبتغى رضى الرحمن بالتمسك بكتابه العظيم وسنن رسوله الكريم والعمل بهما ليفوز فوزا عظيما وكفى بذلك نصيحة.
الجنابذي
تفسير : {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} استيناف فى موضع التّعليل {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ} الجنّىّ {إِلاَّ غُرُوراً} مصدر غرّه اذا خدعه وأطمعه بالباطل والمراد به ما يغتّر به فيكون مفعولاً به، او معنى الخديعة والاطماع فيكون قائماً مقام المفعول المطلق، أو مفعولاً مطلقاً من غير لفظ الفعل.
اطفيش
تفسير : {يَعِدُهُمْ}: طول العمر والعاقبة الحسنى فى الدنيا، والجاه والمال واللذائذ ونحو ذلك مما لا ينجزه، كذا قيل، والأولى أنه يعدهم أنه لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار، وأنه ان كان ذلك يكون فلكم من الآخرة خير كما فى الدنيا، ومن أمن بذلك منا أنه يدخل الجنة بلا عمل بل بكلمة الشهادة. {وَيُمَنِّيهِمْ}: قيل يمنيهم أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء، ونيل خير الآخرة ان كانت ونحو ذلك مما لا ينالون، والأولى أنه يمنيهم طول العمر والعاقبة الحسنى فى الدنيا، والجاه والمال واللذائذ ونحو ذلك، والوعد والتنمية بلسان الوسوسة والخاطر، أو بلسان أوليائه. {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً}: الا وعد غرور فهو مفعول مطلق على حذف مضاف، أو تعليل أى لغرور أى ليوقعهم فيه، أو ما يعدهم الا ما لا ينالون، ولا ينجزه لهم ويغرهم به، فهو مفعول ثان للوعد بمعنى الا مغرورا به، أى الا ما يغرهم به أو الا ما بغرور، وذلك أنه يصور لهم الضر بصورة النفع.
اطفيش
تفسير : {يَعِدُهُمْ} ما لا يفى به من طول العمر، ونيل لذائذ الدنيا من الجاه والمال، وقضاء الشهوات وأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء، ونيل الخيرات فى الآخرة إن كان البعث، ووالله إنه لكائن {وَيُمَنِّيِهِمْ} المعاصى واللذات، وذلك بالوسوسة وألسنة أوليائه {وَمَا يَعِدُهُمُ} بالوسوسة والخواطر الردية وألسنة اولياءه {الشَّيْطَانُ إلاّ غُرُوراً} إلا وعد غرور، أو إلا أشياء مغروراً بها، أو لأجل الغرور، أو هو مفعول ثان، والغرور هو إظهار النفع فيما لانفع فيه، أو فيه الضر، فيتركون له دينهم لذلك، ويطيلون الأمل، ويعصون ويظلمون الناس، مالا وعرضاً وبدناً، وتقسو قلوبهم.
الالوسي
تفسير : {يَعِدُهُمْ} ما لا يكاد ينجزه، وقيل: النصر والسلامة، وقيل: الفقر والحاجة إن أنفقوا وقرأ الأعمش {يَعِدُهُمْ} بسكون الدال وهو تخفيف لكثرة الحركات. {وَيُمَنّيهِمْ} الأماني الفارغة، وقيل: طول البقاء في الدنيا ودوام النعيم فيها، وجوز أن يكون المعنى في الجملتين يفعل لهم الوعد ويفعل التمنية على طريقة: فلان يعطي ويمنع، وضمير الجمع المنصوب في {يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ} راجع إلى ـ من ـ باعتبار معناها كما أن ضمير الرفع المفرد في {أية : يَتَّخِذِ} تفسير : [النساء: 119] و {أية : خَسِرَ} تفسير : [النساء: 119] راجع إليها باعتبار لفظها، وأخبر سبحانه عن وقوع الوعد والتمنية مع وقوع غير ذلك مما أقسم عليه اللعين أيضاً لأنهما من الأمور الباطنة وأقوى أسباب الضلال وحبائل الاحتيال. {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً} وهو (إيهام) النفع فيما فيه الضرر، وهذا الوعد والأمر عندي مثله إما بالخواطر الفاسدة، وإما بلسان أوليائه، واحتمال أن يتصور بصورة إنسان فيفعل ما يفعل بعيد، و {غُرُوراً} إما مفعول ثان للوعد، أو مفعول لأجله، أو نعت لمصدر محذوف أي وعداً ذا غرور، أو غاراً، أو مصدراً على غير لفظ المصدر لأن {يَعِدُهُمْ} في قوة يغرهم بوعده / كما قال السمين، والجملة اعتراض وعدم التعرض للتمنية لأنها من باب الوعد، وفي «البحر» إنهما متقاربان فاكتفى بأولهما.
الواحدي
تفسير : {يعدهم} طول العمر في الدُّنيا {ويمنيهم} نيل المراد منها {وما يعدهم الشيطان إلاَّ غروراً} أَيْ: إلاَّ ما يغرُّهم من إيهام النَّفع فيما فيه الضِّرر. {أولئك} أَي: الذين اتَّخذوا الشَّيطان وليَّاً {مأواهم} مرجعهم ومصيرهم {جهنم ولا يجدون عنها محيصاً} معدلاً. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار...} الآية. {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} نزلت في كفَّار قريش واليهود. قالت قريش: لا نُبعث ولا نُحاسب، وقالت اليهود: {أية : لن تمسَّنَا النَّارُ إلاَّ إيَّاماً معدودةً} ،تفسير : فنزلت هذه الآية. أَيْ: ليس الأمر بأمانيِّ اليهود والكفَّار {مَنْ يعمل سوءاً} كفراً وشركاً {يُجزَ به ولا يجد له من دون الله ولياً} يمنعه {ولا نصيراً} ينصره، ثمَّ بيَّن فضيلة المؤمنين على غيرهم بقوله: {ومن يعمل من الصالحات...} الآية. وبقوله: {ومَنْ أحسن ديناً ممَّن أسلم وجهه} أَيْ: توجَّه بعبادته إلى الله خاضعاً له {وهو محسنٌ} مُوَحِّدٌ {واتَّبع ملَّة إبراهيم حنيفاً} ملَّةُ إبراهيم داخلةٌ في ملَّة محمد عليهما السَّلام، فمَنْ أقرَّ بملَّة محمَّدٍ فقد اتَّبع ملَّة إبراهيم عليه السَّلام {واتخذ الله إبراهيم خليلاً} صفيَّاً بالرِّسالة والنُّبوَّة، مُحبَّاً له خالص الحبِّ.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} (120) - يُخَوِّفُ الشَّيْطَانُ النَّاسَ مِنَ الفَقْرِ إذَا هُمْ أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيُوَسْوسُ لَهُمْ بِأنَّ أَمْوَالَهُمُ تَنْفَدُ أوْ تَنْقُصُ، وَيُصْبِحُونَ فُقَرَاءَ أذِلاَّءَ، وَيَعِدُهُمْ بِالغِنَى وَالثَّرْوَةِ حِينَ يُغْرِيهِمْ بِلَعبِ القِمَارِ وَيُمَنِّيهِمْ بِأنَّهُمُ الفَائِزُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى فِي ذَلِكَ فَوُعُودُهُ بَاطِلَةٌ. غُرُوراً - خِدَاعاً وَبَاطِلاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا يعني أن الشيطان يقدم الوعود الكاذبة لمواليه ويخبرهم بشيء يسرهم، فالوعد هو أن يخبر أحد آخر بشيء يسرّه أن يوجد. والمثال على ذلك نراه في الحياة العادية فالإنسان منا يحب ماله الذي قد جاء بالتعب، والصدقة في ظاهر الأمر تنقص المال، فيقول الحق: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} تفسير : [البقرة: 268] لماذا؟. لأن الشيطان يوسوس في صدر صاحب المال قائلاً: إنك عندما تتصدق ببعض المال فمالك ينقص. وويل لمن يرضخ لوساوس الشيطان؛ لأنه يورده موارد التهلكة، والشيطان أيضاً يقدم الأماني الكاذبة في الوساوس: "ويمنيهم". ومثال ذلك ما جاء على لسان المتفاخر على أخيه بلون من الاستهزاء والعياذ بالله: {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36] المتفاخر يقول: مادام الله قد أعطاني في الدنيا، وما دامت مهمة الله هي العطاء الدائم فلا بد أن يعطيني ربي في الآخرة أضعاف ما في الدنيا؛ ذلك أن سعيد الدنيا هو سعيد في الآخرة، فماذا كان جزاؤه؟. لقد رأى انهيار زراعته وعرف سوء مصير الغرور؛ لأنه استجاب لوعود الشيطان، ووعود الشيطان ليست إلا غروراً {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}. فما هو الغرور؟. هناك "غُرور" - بضم الغين -، و"غَرور" - بفتح الغين -. والغُرور - بضم الغين - هو الشيء يُصوَّر لك على أنّه حقيقة وهو في الواقع وَهْم. والغَرور - بفتح الغين - هو من يفعل هذه العملية، ولذلك فالغَرور - بفتح الغين - هو الشيطان؛ لأنه يزين للإنسان الأمر الوهمي، ويؤثر مثلما يؤثر السراب؛ فالإنسان حين يرى انكسار الأشعة يخيل إليه أنه يرى ماء، ويقول الحق عن ذلك: {أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} تفسير : [النور: 39] وكذلك الغُرور، حيث يزين الشيطان شيئاً للإنسان ويوهمه أنه سيستمع به. فإذا ما ذهب الإنسان إليه فلن يجد له حقيقة، بل العكس، ولذلك يفصل لنا الحق أعمال الكفار فيقول عنها: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39] ويفاجأ الكافر بوجود الله الذي كان كافراً به، ويصير أمام نكبتين: نكبة أنه كان ذاهباً إلى ماء فلا يجده فيخيب أمله، والنكبة الثانية أن يجد الله الذي يحاسبه على الإنكار والكفر. ويقول الحق: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23] وقد يأتي واحد ويدعي لنفسه الإنسانية ويظن أنه يتكلم بالمنطق فيقول: - هل هؤلاء الناس الذين قدموا للبشرية كل هذه المخترعات التي أفادت الناس كالمواصلات وغيرها، أيصيرون إلى عذاب؟. ونقول: هؤلاء سيأخذون جزاء الكفر؛ لأن الواحد منهم قد عمل أعماله وليس في باله الله. بل قام بتلك الأعمال وفي باله عبقرية الابتكار والإنسانية وهو يأخذ من الإنسانية التكريم، وعليه أن يطلب أجره ممن عمل له وليس ممن لم يعمل به، وينطبق عليه قول الرسول: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنّك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فأتى به فَعّرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعَلّمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعّرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلاّ أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى في النار ). تفسير : ولم يغمطهم الله جزاء أعمالهم في الدنيا. فقد أخذوا من الدنيا كل التكريم. ووزع سبحانه فضل هذه المواهب على الناس الذين في بالهم الله؛ لذلك ترى المسلم غير المتعلم يركب الطائرة ليحج بيت الله ويُسجل أحاديث الإيمان على شرائط ليسمعها من لم يحضر ويشاهد هذه الشعيرة، إذن فهؤلاء الكافرون مسخرون للمؤمنين لأنهم أتاحوا لهم الانتفاع بعلمهم واكتشافاتهم، والمؤمنون أيضاً مطالبون بأن يأخذوا بأسباب الله لينالوا كرم الله في عطاء العلم، بل إن ذلك واجب عليهم يأثمون إذا لم يقوموا به حتى لا يكونوا عالة على سواهم، فلا يستذلون. {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} وماذا يكون نصيب هؤلاء في الآخرة؟ يقول سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):