٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
122
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً }. أي وعده وعداً وحق ذلك حقاً، فالأول مؤكد لنفسه لأن مضمون الجملة الإِسمية التي قبله وعد، والثاني مؤكد لغيره ويجوز أن ينصب الموصول بفعل يفسره ما بعده، ووعد الله بقوله {سَنُدْخِلُهُمْ } لأنه بمعنى نعدهم إدخالهم وحقاً على أنه حال من المصدر. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً } جملة مؤكدة بليغة، والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، والمبالغة في توكيده ترغيباً للعباد في تحصيله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً } أي وعدهم الله ذلك وحقه حقاً {وَمنْ } أي لا أحد {أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً } أي قولاً.
ابن عادل
تفسير : يجوز في {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: وجهان: الرفع على الابتداءِ، والخبر: "سَنُدْخِلُهم". والنَّصْبُ على الاشْتِغَال، أي: سَنُدْخِل الذين آمَنُوا سَنُدخِلهم، وقرئ: "سيُدْخِلُهم" بياء الغيبة. واعلم: أنه - تعالى - في أكْثَر آيَاتِ الوَعْد ذَكَرَ {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} ولو كان الخلودُ يفيد التأبيدَ والدوامَ، لزم التكْرَار وهو خلافُ الأصْل، فعلمنا أن الخُلُود عبارة عن طول المُكْثِ لا عن الدَّوَام، وأما في آيات الوَعِيد، فإنه يذكُر الخُلُودَ، ولم يذكُرِ التَّأبِيدَ إلاَّ في حَقِّ الكفارِ، وذلك يَدلُّ على أن عِقابَ الفساقِ منقطعٌ. قوله: {وعدَ ٱللَّهِ حَقًّا} هما مَصْدَران، الأول مُؤكِّد لنفسه؛ كأنه قال وَعَد وَعْداً، وهو قوله: "سندخلهم" و"حقَّاً": مصدر مؤكِّد لغيره، وهو قوله: "وَعْد اللَّه" أي: حُقَّ ذلك حَقّاً. قوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} وهو توكيد ثَالثٌ، و"قيلاً": نَصْبٌ على التَّمْيِيز، والقِيلُ، والقَوْل، والقَالُ، مَصَادِرٌ بمعنًى واحدٍ؛ ومنه قوله - تعالى -: {أية : وَقِيلِهِ يَٰرَبِّ} تفسير : [الزخرف: 88]. وقال ابن السِّكِّيت: القِيلُ والقَالُ: اسمَان لا مَصْدَران، وفِائِدَة هذه التَّوْكِيدَات: معارضةُ ما ذَكَرَهُ الشَّيْطَان من المواعيد الكَاذِبَة والأماني الباطِلَةِ، والتنْبِيهُ على أن وَعْدَ اللَّه أولى بالقُبُول، وأحقُّ بالتَّصْدِيق من قوْلِ الشَّيْطَان. وقرأ حَمْزة، والكَسَائِيُّ: بإشْمَام الصَّادِ، وكل صاد سَاكِنة بَعْدَها دال في القُرْآن.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} قرَن وعيدَ الكفرةِ بوعد المؤمنين زيادةً لمَسرَّة هؤلاءِ ومَساءةِ أولئك {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا} أي وعَده وعداً وحقَّ ذلك حقاً، فالأولُ مؤكدٌ لنفسه لأن مضمونَ الجملةِ الاسميةِ وعدٌ، والثاني مؤكدٌ لغيره ويجوز أن ينتصِبَ الموصولُ بمضمر يفسِّره ما بعده وينتصب {وَعَدَ ٱللَّهُ} بقوله تعالى: {سَنُدْخِلُهُمْ} لأنه في معنى نعِدُهم إدخالَ جناتٍ الخ، وحقاً على أنه حال من المصدر {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} جملةٌ مؤكدةٌ بليغةٌ، والمقصودُ من الآية معارضَةُ مواعيدِ الشيطانِ الكاذبةِ لقرنائه بوعد الله الصادقِ لأوليائه والمبالغةُ في تأكيده ترغيباً للعباد في تحصيله، والقيلُ مصدرٌ كالقول والقال، وقال ابنُ السِّكِّيتِ: القيلُ والقالُ اسمانِ لا مصدرانِ ونصبُه على التميـيز وقرىء بإشمام الصادِ، وكذا كلُّ صادٍ ساكنةٍ بعدها دالٌ. {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصُل بأمانيكم أيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهلِ الكتابِ وإنما يحصُل بالإيمان والعملِ الصالحِ، ولعل نظمَ أمانيِّ أهلِ الكتابِ في سلك أمانيِّ المسلمين مع ظهور حالِها للإيذان بعدم إجداءِ أمانيِّ المسلمين أصلاً كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} تفسير : [النساء، الآية 18] كما سلف، وعن الحسن ليس الإيمانُ بالتمنِّي ولكنْ ما وقر في القلب وصدّقه العملُ، إن قوماً ألهتْهم أمانيُّ المغفرةِ حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنةَ لهم وقالوا: نُحسِنُ الظنَّ بالله وكذَبوا لو أحسنوا الظنَّ به لأحسنوا العملَ. وقيل: (إن المسلمين وأهلَ الكتاب افتخروا فقال أهلُ الكتاب: نبـيُّنا قبل نبـيِّكم وكتابُنا قبل كتابِكم فنحن أولى بالله تعالى منكم، فقال المسلمون: نحنُ أولى منكم نبـيُّنا خاتمُ النبـيـين وكتابُنا يقضي على الكتب المتقدمةِ فنزلت). وقيل: (الخطابُ للمشركين) ويؤيده تقدّمُ ذكرِهم أي ليس الأمرُ بأمانيِّ المشركين وهو قولُهم: لا جَنةَ ولا نارَ، وقولُهم: إن كان الأمرُ كما يزعُم هؤلاء لنكونَنّ خيراً منهم وأحسنَ حالاً، وقولُهم: لأوتين مالاً وولداً، ولا أمانيِّ أهلِ الكتاب، وهو قولُهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ} تفسير : [البقرة، الآية 111] وقولُهم {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }تفسير : [البقرة، الآية 80] ثم قرر ذلك بقوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ} عاجلاً أو آجلاً لما روي أَنَّهُ «حديث : لما نزلت قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فمن ينجو مع هذا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما تحزنُ أو تمرَضُ أو يصيبُك البلاء؟"، قال: بلى يا رسول الله، قال: "هو ذاك"»تفسير : {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي مجاوزاً لموالاة الله ونُصرتِه {وَلِيّاً} يواليه {وَلاَ نَصِيراً} ينصُره في دفع العذاب عنه.
القشيري
تفسير : الذين أسعدناهم حكماً وقَوْلاً، أنجدناهم حين أوجدناهم كرماً وطَوْلاً، ثم إنَّا نُحقِّق لهم الموعودَ من الثواب، بما نُكْرِمُهم به من حسن المآب.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} صلاح الاعمال فى اخلاصها فالعمل الصالح هو ما اريد به وجه الله تعالى وينتظم جميع انواعه من الصلاة والزكاة وغيرهما {سندخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار} اى انهار الماء واللبن والخمر والعسل {خالدين فيها ابدا} اى مقيمين فى الجنة الى الابد فنصب ابدا على الظرفية وهو لاستغراق المستقبل. قال الحدادى انما ذكر الطاعة مع الايمان وجمع بينهما فقال آمنوا وعملوا الصالحات ليتبين بطلان توهم من يتوهم انه لا تضر المعصية والاخلال بالطاعة مع الايمان كما لا تنفع الطاعة مع الكفر وليتبين استحقاق الثواب على كل واحد من الامرين {وعد الله حقا} اى وعد الله لهم هذا وعدا وحق ذلك حقا فالاول مؤكد لنفسه لانه مضمون الجملة الاسمية التى قبل وعد لان الوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها والثانى مؤكد لغيره لان الخبر من حيث انه خبر يحمل الصدق والكذب {ومن أصدق من الله قيلا} استفهام انكارى اى ليس احد اصدق من الله قولا ووعدا وانه تعالى اصدق من كل قائل فوعده اولى بالقبول ووعد الشيطان تخييل محض ممتنع الوصول. وقيلا نصب على التمييز والقيل والقال مصدران كالقول.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وعدّ اللهِ} مصدر، مؤكد لنفسه، أي: وعدهم وعدًا، و {حقًا} مؤكد لغيره، أي: لمضمون الجملة قبله. انظر البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {والذين آمنوا} بالله ووحدوه، {وعملوا} الأعمال {الصالحات} التي كلفوا بها {سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا} وعدهم بذلك وعدًا حقًا، {ومن أصدق من الله قيلاً} أي: لا أحدَ أصدقُ من الله في قوله. والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه، بوعد الله الصادق لأوليائه، ترغيبًا في تحصيل أسبابه. والله تعالى أعلم. الإشارة: والذين جمعوا بين توحيد عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية سندخلهم جنةَ المعارف، تجري من تحتها أنها العلوم، خالدين فيها أبدًا، وعدًا حقًا وقولاً صدقًا. ومن أصدق من الله قيلاً؟
الطوسي
تفسير : لما ذكرالله تعالى حكم من يشاقق الرسول، ويتبع غير سبيل المؤمنين، وذكر ان من يشرك به لا يغفر له وبين حكم من يتبع الشيطان ويكون من نصيبه، ذكر في هذه الآية حكم من يؤمن به ويوحده، ويقر بنبيه ويصدقه ويضيف الى ذلك عمل الصالحات، وانه سيدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار ثواباً على اعمالهم، وجزاء إيمانهم، ويخلدهم فيها "وخالدين" نصبٌ على الحال والمعنى ان هذه الحال ستدوم لهم، وتتأبد، وان ذلك وعد حق من الله لهم وقوله: {ومن أصدق من الله قيلاً} صورته صورة الاستفهام والمراد به التقرير والانكار والمعنى لا أحد اصدق من الله قيلاً أي قولا ووعداً، لانه لا يجوز عليه خلف الميعاد ولا الاخلال بما يجب عليه من الثواب. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة فليكن قوله تعالى {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} اشارة الى الايمان الخاصّ الولوىّ لانّ العمل ما لم يكن عن ايمانٍ قلبّىٍ وميثاق علوىٍّ لا يصير صالحاً، او المراد الّّذين آمنوا بالبيعة الخاصّة الولويّة وعملوا الصّالحات بكسب الخيرات فيه حتّى يتمكّن فى الايمان، فانّ الايمان ما لم يتمكّن الانسان فيه كان مستودعاً محتملاً للزّوال {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} لانّ طريقهم طريق القلب وطريق الولاية الموصلة الى العالم العلوىّ وفيه الجنّات {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ} وعد الله وعداً {حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} فلا خلف لوعده، اكّده بتأكيدات عديدة ثمّ صرف الكلام عن بيان حال المؤمنين الى الخطاب مع المنافقين التّابعين للشّيطان فقال تعالى {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}.
الأعقم
تفسير : {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} الطاعات، وقيل: الصلوات الخمس {سندخلهم جنَّات تجري من تحتها الأنهار} قيل: من تحت أشجارها وأبنيتها {خالدين فيها أبداً} لا تقطع حياتهم ولا تمتعهم {وعد الله حقاً} يعني وعده حق لا خلف فيه لا كوعد الشيطان {ومن أصدق من الله قيلا} ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} الآية قيل: تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم نبيّنا خاتم النبيّين وديننا دين الإِسلام، فنزلت الآية، وقيل: قالت قريش: لا نبعث ولا نحاسب، وقالت اليهود: {أية : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة}تفسير : [البقرة: 80]، وعن الحسن: ليس الإِيمان ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وعن مجاهد: ان الخطاب للمشركين وأبطل الله الأماني وأثبت الأمر كله معقوداً بالعمل وإن من أصلح عمله فهو الفائز وان من أساء عمله فهو الهالك {ولا يظلمون نقيراً} والنقير: النقرة ذي في قفا النواة، قال جار الله: فإن قلت: كيف خصَّ الصالحين بأنهم لا يظلمون نقيراً وغيرهم مثلهم في ذلك قلت: هو راجع ولا يظلمون للعمل والأعمال الصالحات {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه} أخلص نفسه {لله} وجعلها سالمةً لا تعرف ربَّاً ومعبوداً سواه {وهو محسن} وهو عامل بالحسنات تاركاً للسيئات حسناً حال من المنعم أو من إبراهيم كقوله: {أية : بل ملَّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} تفسير : وهو الذي يحنف أي مال عن الأديان كلها إلى دين الاسلام {واتخذ الله إبراهيم خليلاً} مجاز عن اصطفائه واختصاصه شبهه بالخليل عند خليله قال أهل اللغة: الخليل المحب الذي ليس في صحبته نقص ولا خلل، وفي سبب اتخاذ الله إبراهيم خليلاً أقوال: أحدها لإطعامه الطعام، روى ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه وله وسلم) قال: "حديث : يا جبريل بما اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال: لإطعامه الطعام"تفسير : ، وقيل: لكسره الأصنام، وقيل: ان إبراهيم بعث إلى خليل له إلى مصر في أزمة اصابت الناس يمتار منه فقال خليله: لو طلب الميرة لنفسه لفعلت ولكنه يريدها لأضيافه فاجتاز غلمانه ببطحاء فملأوا منها الغرائر حياءً من الناس فلما أخبروا إبراهيم ساءه الخبر فحملته عيناه فنام وعمدت امرأته إلى غرارة فأخرجت أحسن حوارى فاختبزت فانتبه ابراهيم فشم رائحة الخبز فقالت امرأته: من خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله عز وجل، فسماه الله خليلاً.
الهواري
تفسير : قوله: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} أي لا يموتون ولا يخرجون منها أبداً {وَعْدَ اللهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً} أي لا أحد. قوله: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا}. قال الحسن: قالت اليهود للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبيّنا قبل نبيّكم، ونحن أهدى منكم. وقال المؤمنون: كذبتم؛ إنا صدّقنا بكتابكم ونبيكم وكذّبتم بكتابنا ونبينا، وكتابنا القاضي على ما قبله من الكتب؛ فأنزل الله: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا}. ذكروا حديث : أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال له النبي عليه السلام:أي آية يا أبا بكر؟ قال يقول الله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}. قال: يغفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى، قال: فهو ما تجزون به . تفسير : قال مجاهد: هذا في مشركي قريش: قالوا: لن نبعث ولن نعذب. ذكروا عن أمية أنها سألت عائشة عن قوله تعالى: (أية : وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ) تفسير : [البقرة:284]، وعن قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : يا عائشة هذه متابعة الله على العبد بما يصيبه من الحمى والحزن والشوكة حتى البضاعة يضعها في كمّه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه، حتى أن المؤمن ليخرج من خطاياه كما يخرج التبر الأحمر من الكير .
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًا}: نصب وعد الله على أنه مفعول مطلق لنفسه، أغنى أنه منصوب بفعل محذوف من لفظه، والجملة مع هذا المفعول المطلق مؤكدة لقوله: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالدِينَ فِيهَا أَبَداً} ومعنى هذه الجملة ومعنى قوله: {سَنُدْخِلُهُمْ} الى آخره واحد، فان الاخبار بالادخال هو نفس الوعد، أى وعد الله ذلك وعدا، فحذف وعد وأضيف المصدر الى لفظ الجلالة. وأما حقا فمفعول مطلق مؤكدا لغيره، لأن نفس ذلك الادخال لا يتعين لغة أى يكون حقا، بل محتمل الا أنه باعتبار صدق الله حق قطعا أى حق ذلك حقا، ويجوز أن يكون حالا من وعد الله، ولا يحتاج صحة هذا الوجه أن ينصب الذين يتدخل محذوفا، ووعد الله بتدخل المذكور كما قيل، مع أنه لا دليل على الحذف بطريق الاشتغال، ولا حاجة اليه ولا الى الحذف بمجرد الدليل، ولا الى معنى أنه يدخلهم الوعد ولو بمعنى الموعود لكفاية لفظ جنات، ولو على جعل وعد بدلا من جنات. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً}: من للاستفهام الانكارى، انكار الله، أى نفى أن يكون أحد أصدق منه قولا، ومثل هذا الكلام فى عرف العرب نفى المساواة أيضا أى لا فائق له فى الصدق، ولا مساوى، وقيلا بمعنى قولا وهو تمييز. ومن جملة قوله اخباره بالادخال المذكور، فهذه الجملة توكيد ثالث لاخباره بالادخال، والأول وعد الله، والثانى حقا وهو أبلغ من الأول والثانى، لأن فيه مطلق صدق الله، وزيادة التصريح بأنه أصدق القائلين، ونفى أنه لا يكون كذلك، وحكمة هؤلاء التوكيدات فى صدق اخبار الله معارضة مواعد الشيطان الكاذبة، والترغيب فى تحصيل ما يثبت به الثواب.
اطفيش
تفسير : {والَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدينَ فِيهَا أبداً وَعْدَ اللهِ} أى وعد الله لهم ذلك وعدا، فهو مصدر مؤكد لنفسه، لأن التكلم بقوله، والذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى قوله: أبدا، هو نفس الوعد {حَقَّا} مصدر مؤكد لغيره، لأن قوله والذين ءامنوا الخ ليس نفس الحق، بل نعلم أنه حق من خارج، ومن كونه كلام الله لا بالوضع، أو حال من وعد الله {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً} أى قولا، على أنه مصدر، وقيل اسم لما يحصل من المعنى المصدرى، والجملة تأكيد لصدق وعد الله مقابله لكذب وعد الشيطان، لعنه الله، والاستفهام إنكار لمساواة قول أحد لقول الله جل وعلا فى الصدق، ولأن يكون أصدق منه، وفى ذلك ترغيب فى تحصيله.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} مبتدأ خبره قوله تعالى: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} وجوز أبو البقاء أن يكون الموصول في موضع نصب بفعل محذوف يفسره ما بعده ولا يخفى مرجوحيته، وهذا وعد للمؤمنين إثر وعيد الكافرين، وإنما قرنهما سبحانه وتعالى زيادة لمسرة أحبائه ومساءة أعدائه {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا} أي وعدهم وعداً وأحقه حقاً، فالأول: مؤكد لنفسه كله على ألف عرفا فإن مضمون الجملة السابقة لا تحتمل غيره إذ ليس الوعد إلا الإخبار عن إيصال المنافع قبل وقوعه، والثاني: مؤكد لغيره كزيد قائم حقاً فإن الجملة الخبرية بالنظر إلى نفسها وقطع النظر عن قائلها تحتمل الصدق والكذب والحق والباطل، وجوز أن ينتصب وعد على أنه مصدر لـ {سَنُدْخِلُهُمْ} على ما قال أبو البقاء من غير لفظه لأنه في معنى نعدهم إدخال جنات، ويكون {حَقّاً} حالا منه. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} تذييل للكلام السابق مؤكد له، فالواو اعتراضية و ـ القيل ـ مصدر قال ومثله القال. وعن ابن السكيت: إنهما اسمان لا مصدران، ونصبه على التمييز، ولا يخفى ما في الاستفهام وتخصيص اسم الذات الجليل الجامع، وبناء أفعل، وإيقاع القول تمييزاً من المبالغة، والمقصود معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه التي غرتهم حتى استحقوا الوعيد بوعد الله تعالى الصادق لأوليائه الذي أوصلهم إلى السعادة العظمى، ولذا بالغ سبحانه فيه وأكده حثاً على تحصيله وترغيباً فيه، وزعم بعضهم أن الواو عاطفة والجملة معطوفة على محذوف أي صدق الله ومن أصدق من الله قيلا أي صدق ولا أصدق منه، ولا يخفى أنه تكلف مستغنى عنه، وكأن الداعي إليه الغفلة عن حكم الواو الداخلة على الجملة التذييلة، وتجويز أن تكون الجملة مقولاً لقول محذوف أي وقائلين: من أصدق من الله قيلا، فيكون عطفاً على {خَـٰلِدِينَ} أدهى وأمر. وقرأ الكوفي غير عاصم. وورش باشمام الصاد الزاي.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : أولئك مأواهم جهنّم}تفسير : [النساء: 121] جرياً على عادة القرآن في تعقيب الإنذار بالبشارة، والوعيدِ بالوعد. وقوله: {وعد الله} مصدر مؤكّد لمضمون جملة: {سندخلهم جنات تجري} الخ، وهي بمعناه، فلذلك يسمّي النحاة مثلَه مؤكّداً لنفسه، أي مؤكّداً لما هو بمعناه. وقوله: {حقاً} مصدر مؤكّد لِمضمون {سندخلهم جنات}، إذ كان هذا في معنى الوعد، أي هذا الوعد أحقّقه حقّاً، أي لا يتخلّف. ولمّا كان مضمونُ الجملة التي قبله خالياً عن معنى الإحقاق كان هذا المصدر ممّا يسميّه النحاة مصدراً مؤكّداً لغيره. وجملة {ومن أصدق من الله} تذييل للوعد وتحقيق له: أي هذا من وعد الله، ووعود الله وعود صدق، إذ لا أصدقُ من الله قيلا. فالواو اعتراضية لأنّ التذييل من أصناف الاعتراض وهو اعتراض في آخر الكلام، وانتصب {قيلا} على تمييز نسبة من {أصدق من الله}. والاستفهام إنكاري. والقيل: القول، وهو اسم مصدر بوزن فِعْل يجيء في الشرّ والخير.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: آمنوا: صدقوا بالله ورسوله. وعملوا الصالحات: الطاعات إذ كل طاعة لله ورسوله هي عمل صالح. قيلاً: أي قولاً. معنى الآية الكريمة: لما بين تعالى جزاء الشرك والمشركين عبدة الشيطان بين في هذه الآية جزاء التوحيد والموحدين عبيد الرحمن عز وجل، وأنه تعالى سيدخلهم بعد موتهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار وأن خلودهم مقدر فيها بإذن الله ربهم فلا يخرجون منها أبداً وعدهم ربهم بهذا وعد الصدق، وليس هناك من هو أصدق وعداً ولا قولا من الله تعالى. هداية الآية من هداية الآية 1- الإِيمان الصادق والعمل الصحيح الصالح هما مفتاح الجنة وسبب دخولها. 2- صِدْق وعْدِ الله تعالى، وصِدق قوله عز وجل. 3- وجوب صِدق الوعد من العبد لأن خلف الوعد من النفاق لحديث "حديث : وإذا واعد أخلف ". تفسير : 4- وجوب صدق القول والحديث لأن الكذب من النفاق لحديث وإذا حدث كذب.
القطان
تفسير : قيلا: قولا. بعد ان بيّن الله احوال الذين يتبعون أهواءهم وملذّاتهم بإغواء الشيطان، ويتخذون آلهة غير الله، وذكر ان عاقبتهم الخسران في الدنيا ومأواهم جهنم في الآخرة ـ بيّن هنا عاقبة أولئك الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا صالحاً وهي فوزهُم من الله بجنات وارفة، فيها انهار جارية، يتمتعون فيها بنعيم خالد. هذا وعد من الله، ووعدُ الله لا يكون إلا حقا، وهل أصدقُ من الله وعدا.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (122) - بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى حَالَ أتْبَاعِ الشَّيْطَانِ، ثَنَّى بَبَيَانِ حَالِ المُؤْمِنِينَ السُّعَدَاءِ، الذِينَ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ الشَّيْطَانِ، وَلاَ يَمْتَثِلُونَ لأمْرِهِ، وَمَا لَهُمْ مِنَ الكَرَامَةِ التَّامَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: إنَّ الذِينَ آمَنُوا وَصَدَّقَتْ قُلُوبُهُمْ، وَعَمِلَتْ جَوَارِحُهُمْ بِمَا أمِرُوا بِهِ مِنَ الخَيْرَاتِ، وَتَرَكُوا مَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ المُنْكَرَاتِ، سَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي فِيها الأنْهَارُ، وَيَكُونُونَ خَالِدِينَ فِيهَا أبَداً، وَهُوَ وَعْدٌ حَقٌّ مِنَ اللهِ، وَاللهُ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ مَا وَعَدَ بِفَضْلِهِ وَجُودِهِ، وَلَيْسَ أحَدٌ أصْدَقَ قَوْلاً مِنَ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحين يأتي سبحانه بأمر يتعلق بالكفار وعقابهم فالنفوس مهيأة ومستعدة لتسمع عن المقابل، فإذا كان جزاء الكفار ينفر الإنسان من أن يكون منهم، فالنفس السامعة تنجذب إلى المقابل وهو الحديث عن جزاء المؤمنين أصحاب العمل الصالح. وسبحانه قال من قبل: {أية : فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 114] وهنا يقول: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. والمتيقن من الله والواثق به يعلم أنه لا توجد مسافة تبعده عن عطاء الله، مثال ذلك حديث : حينما سأل النبيُّ أحد الصحابة وكان اسمه الحارث بن مالك الأنصاري: (كيف أصبحت يا حارث؟). قال: أصبحت مؤمنا حقاً. لقد أجاب الصحابي بكلمة كبيرة المعاني وهي الإيمان حقاً؛ لذلك قال الرسول: انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك"؟ أجاب الصحابي: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربيّ بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها (يتصايحون فيها). فقال: "يا حارث: عرفت فالزم ثلاثا ". تفسير : والحق ساعة يقول: "سـ" وساعة يقول: "سوف" فلكل حرف من الحروف الداخلة على الفعل ملحظ ومغزى وكل عطاء من الله جميل. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. والجنة - كما قلنا من قبل - على إطلاقها تنصرف إلى جنة الآخرة فهي الجنة بحق، أما جنة الدنيا فمن الممكن أن يتصوّحَ نباتها وشجرها وييبس ويتناثر، أو يصيبها الجدب، أمّا جنة الآخرة فهي ذات الأكل الدائم، وإن لم تطلق كلمة "الجنة" من أي قيد أو وصف بل قيدت، فالقصد منها معنى آخرح كقول الحق: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} تفسير : [القلم: 17] وقوله سبحانه: {أية : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ} تفسير : [البقرة: 265] والجنة بربوة هي البستان على مكان عال، وهي ذات مواصفات أعلى مما وصل إليه العلم الحديث؛ لأن الأرض إذا كانت عالية لا تستطيع المياه الجوفية أن تفسد جذور النبات المزروع في هذه الأرض، فيظل النبات أخضر اللون، ويقول الحق عن مثل هذه الجنة: {أية : فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} تفسير : [البقرة: 265] ويزيد على ذلك أنها بربوة، وأنها تروى بالمطر من أعلى، ومن الطل، فتأخذ الرّي من المطر للجذور، والطل لغسل الأوراق. كل ذلك يطلق على الجنة. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} ويطمئننا سبحانه على احتفاظها بنضرتها وخضرتها، وأول شيء يمنع الخضرة هو أن يقل الماء فتذبل الخضرة. ونجد القرآن مرة يقول: {جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} وهذا يعني أن منبع المياه بعيد. ومرة أخرى يقول: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} ويعني أن منبع المياه لن يحجزه أحد؛ لأن الأنهار تجري وتنبع من تحتها. ويعد الحق المؤمنين أصحاب العمل الصالح بالخلود في الجنة، والخلود هو المكث طويلاً، فإذا قال الحق: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي أن المكث في الجنة ينتقل من المكث طويلاً إلى المكث الدائم. وهذا وعد مَن؟ { وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً}. وحين يعدك من لا يخرجه شيء عن إنفاذ وعده، فهذا هو وعد الحق - سبحانه -. أما وعد المساوي لك في البشرية فقد لا يتحقق، لعله ساعة إنفاذ الوعد يغير رأيه، أو لا يجد الوُجد واليسار والسَّعة والغنى فلا يستطيع أن يوفي بما وعد به، أو قد يتغير قلبه من ناحيتك، لكن الله سبحانه وتعالى لا تتناوله الأغيار، ولا يعجزه شيء، وليس معه إله آخر يقول له لا. إن وعده سبحانه لا رجوع فيه ولا محيص عن تحقيقه. قول الله هنا { وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} هو كلام منه ليوضح لكل واحد منا: أنا لا أريد أن أستفهم منك، لكنه جاء على صورة الاستفهام لتكون الإجابة من الخلق إقرارا منهم بصدق ما يقوله الله، أيوجد أصدق من الله؟ وتكون الإجابة: لا يمكن، حاشا لله؛ لأن الكذب إنما يأتي من الكذاب ليحقق لنفسه أمراً لم يكن الصدق ليحققه، أو لخوف ممن يكذب عنده، والله منزه عن ذلك، فإذا قال قولاً فهو صدق. ومن بعد ذلك يقول الحق: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ ...}
الأندلسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ} مبتدأ وسندخلهم الخبر ويجوز أن يكون من باب الاشتغال أي وستدخل الذين آمنوا سندخلهم وانتصب وعد الله على أنه مصدر مؤكد لنفسه. وانتصب حقاً على أنه مصدر مؤكد لغيره فوعد الله مؤكد لقوله: سندخلهم وحقاً مؤكداً لوعد الله. {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} لما ذكر أن وعد الشيطان هو غرور باطل ذكر أن هذا الوعد منه هو الحق الذي لا ارتياب فيه ولا شك في إنجازه. {قِيلاً} منصوب على التمييز. والقيل والقول بمعنى واحد. والاستفهام معناه النفي أي لا أحد أصدق قولاً من الله تعالى، وهي جملة مؤكدة أيضاً لما قبلها، وفائدة هذا التوكيد المبالغة في ما أخبر به تعالى عباده المؤمنين بخلاف مواعيد الشيطان وأمانيّه الكاذبة. {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} ضمير الخطاب قيل: للكفار مطلقاً، وقيل: لأهل الكتاب وللمشركين واسم ليس فيما نختاره ضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: سندخلهم، أي ليس دخول الجنة بأمانيكم، وقيل: اسم ليس ضمير يعود على وعد الله المؤمنين بدخول الجنة. وقرىء بأمانيكم بتخفيف الياء فيهما. و{مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال الجمهور: اللفظ عام. والكافر والمؤمن يجازيان بالسوء يعملانه فمجازاة الكافر النار. ومجازاة المؤمن نكبات الدنيا. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: حديث : لما نزلت قلت يا رسول الله ما أشد هذه الآية جاءت قاصمة الظهر فقال صلى الله عليه وسلم: إنما هي المصيبات في الدنياتفسير : . وقرىء شاذاً ولا يجد بالرفع وهو استئناف اخبار ليس داخلاً في جزاء الشرط. {وَمَن يَعْمَلْ} الآية، من الأولى للتبعيض، ومن الثانية في قوله: من ذكر، لتبيين الحاصل في قوله: ومن يعمل ومن ذكر أو أنثى تفصيل للعامل. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} جملة حالية قيد في عمل الصالحات إذ لا ينفع عمل صالح إلا بالإِيمان. {فَأُوْلَـٰئِكَ} جواب للشرط وروعي معنى من فلذلك جاء جمعاً. وقرىء يدخلون مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول وكذا في سورة "مريم" وأولي غافر. {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} ظاهره أنه يعود إلى أقرب مذكور وهم المؤمنون ويكون حكم الكفار كذلك إذ ذكر أحد الفريقين يدل على الآخر إذ كلاهما مجزي بعمله، والفتيل تقدم. {وَمَنْ أَحْسَنُ} استفهام معناه النفي أي لا أحد أحسن. {دِيناً} منصوب على التمييز. {وَجْهَهُ} كني به عن الإِنسان إذ كان أشرف الأعضاء. ومعنى أسلم لله: أي إنقاد لأمره وشرعه. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} جملة حالية مؤكدة. وانتصب: {حَنِيفاً} قيل: على أنه حال من إبراهيم، وقيل: حال من ملة، لأنه بمعنى الدين. والذي نختاره أنه حال من الضمير المستكن في اتبع أي واتبع ملة إبراهيم في حال كونه حنيفاً أي مائلاً عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة. {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} هذا مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامة نشبه كرامة الخليل عند خليله واتخذ هنا تعدت لمفعولين. و{وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} لما تقدم ذكر عامل السوء وعامل الصالحات أخبر تعالى بعظيم ملكه، وملكه لجميع ما في السماوات وما في الأرض، والعالم مملوك له وعلى المملوك طاعة مالكه.
الجيلاني
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بولاية الله وتوحيده {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} على مقتضى ما أمر الله ويسره {سَنُدْخِلُهُمْ} من فضلنا {جَنَّاتٍ} متنزهات من العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أنهار الحقائق والمعارف والكشوفات والشهودات المتجددة بتجددات التجليات المترتبة على الأسماء والصفات الإلهية {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} على هذا المنوال {وَعْدَ ٱللَّهِ} الذي وعده لخلص عباده {حَقّاً} ثابتاً في علمه الحضوري قبل خلقهم بمدة لا يعرفها إلا هو، فعليكم أيها المؤمنون أن تصدقوا وعده الثابت عنده {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} [النساء: 122] فيصدقوه ويثقوا به. واعلموا أن ما ينالكم، ويصل إليكم مما وعد لكم ربكم {لَّيْسَ} وصوله وحصوله {بِأَمَـٰنِيِّكُمْ} أي: بمجرد أماني بلا قدم وسلوك {وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} أي: ليس ما ييصل إليهم بأمانيههم، فلا تخالفوا، وتنازعوا معهم، بل الأمور كلها إنما هي بمتقضى فضل الله وعدله وحسب توفيقه وتيسيره، وبالجملة: {مَن يَعْمَلْ} منكم ومنهم {سُوۤءًا} بسوء به نفسه وغيره {يُجْزَ بِهِ} على مقتضى عدل الله عاجلاً وآجلاً {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً} ينقذه من عذاب الله {وَلاَ نَصِيراً} [النساء: 123] يحمل بعض عذابه تخفيفاً له.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عمن خلق للجنان وأنهم أهل الإيمان بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } [النساء: 122]، والإشارة فيها وهي إن {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [النساء: 122]؛ يعني: الذين آمنوا واتقوا ولازموا ذكر لا إله إلا الله فتبين لهم أنهم عملوا الصالحات، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً}تفسير : [الأحزاب: 70]؛ وهو لا إله إلا الله {أية : يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}تفسير : [الأحزاب: 71]؛ أي: يخلص، فإن إصلاح الأعمال في إخلاصها. ثم اعلم أن بالإيمان والتقوى، وملازمة الذكر يكون العمل صالحاً، وبالعمل الصالح يصعد الذكر إلى الله تعالى، كما قال تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} تفسير : [فاطر: 10]، فبالذكر والعمل الصالح يجتذب الذاكر عن أنانيته إلى هوية المذكور، كقوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152]، فيعبر عن أول مرتبة المذكور به بقوله تعالى: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [النساء: 122]، ويعبر عن مراتبها الباقية بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55]، {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} [النساء: 122]، وعده ما قال هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} [النساء: 122]؛ أي: لمن قوله بصدق قوله ويؤمن بوعده، {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ} [النساء: 123]؛ يعني: بأماني عوام الخلق والذين يذنبون ويطمعون أن يغفر الله لهم، والله تعالى يقول: وإني لغافر لمن تاب وآمن وعمل صالحاً، {وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [النساء: 123]؛ يعني: علما السوء الذين يغرون بالرخاء المذموم، ويقطعون عليهم طريق الطلب والجد والاجتهاد، {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] في الحال بإظهار الذين على مرآة قلبه بقدر الذنب، كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا أذنب العبدُ نُكِتَ في قلبه نُكْتَةٌ سوداء فإن تاب صُقِل"تفسير : ، {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [النساء: 123]؛ يعني: ولا يجد له إلا الله، {وَلِيّاً} [النساء: 123]، يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة بالتوبة، {وَلاَ نَصِيراً} [النساء: 123] سوى الله بالظفر على النفس الأمارة بالسوء، فيزكيها عن صفاتها وعلى الشيطان فيدفع سره وكيده، {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ} [النساء: 124]أي: الخالصات، {مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} [النساء: 124]، يشير بالذكر إلى القلب، وبالأنثى إلى النفس، {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 124] مخلص في ذلك الأعمال، {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} [النساء: 124]؛ المعنى أن القلب إذا عمل مما وجب عليه من التوجه إلى العالم العلوي، والإعراض عن العالم السفلي، وغض البصر عن سوى الحق يستوجب دخول الجنة، والقربة والوصلة والنفس إذا عملت مما وجب عليها من الانتهاء عن هواها وترك حظوظها، وأداء حقوق الله في العبودية واطمأنت بها تستحق الرجوع إلى ربها والدخول في جنة عالم الأرواح، كما قال تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 27-28]، {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء: 124] فيما قدر الله لهم من الأعمال الصالحات، ولا من الدرجات والقربات، فليس من تمنى نعمة من غير أن يتبعني في خدمة من يتمنى نعمته وإن بينهما بوناً بعيداً من أعلى مراتب القرب إلى أسفل سافلين البعد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { آمَنُوا } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقَدَر خيره وشره على الوجه الذي أمروا به علما وتصديقا وإقرارا. { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } الناشئة عن الإيمان؟ وهذا يشمل سائر المأمورات من واجب ومستحب، الذي على القلب، والذي على اللسان، والذي على بقية الجوارح. كل له من الثواب المرتب على ذلك بحسب حاله ومقامه، وتكميله للإيمان والعمل الصالح. ويفوته ما رتب على ذلك بحسب ما أخل به من الإيمان والعمل، وذلك بحسب ما علم من حكمة الله ورحمته، وكذلك وعده الصادق الذي يعرف من تتبع كتاب الله وسنة رسوله. ولهذا ذكر الثواب المرتب على ذلك بقوله: { سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من أنواع المآكل والمشارب اللذيذة، والمناظر العجيبة، والأزواج الحسنة، والقصور، والغرف المزخرفة، والأشجار المتدلية، والفواكه المستغربة، والأصوات الشجية، والنعم السابغة، وتزاور الإخوان، وتذكرهم ما كان منهم في رياض الجنان، وأعلى من ذلك كله وأجلّ رضوان الله عليهم وتمتع الأرواح بقربه، والعيون برؤيته، والأسماع بخطابه الذي ينسيهم كل نعيم وسرور، ولولا الثبات من الله لهم لطاروا وماتوا من الفرح والحبور، فلله ما أحلى ذلك النعيم وما أعلى ما أنالهم الرب الكريم، وماذا حصل لهم من كل خير وبهجة لا يصفه الواصفون، وتمام ذلك وكماله الخلود الدائم في تلك المنازل العاليات، ولهذا قال: { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا } . فصدق الله العظيم الذي بلغ قولُه وحديثُه في الصدق أعلى ما يكون، ولهذا لما كان كلامه صدقا وخبره حقا، كان ما يدل عليه مطابقةً وتضمنًا وملازمةً كل ذلك مراد من كلامه، وكذلك كلام رسوله صلى الله عليه وسلم لكونه لا يخبر إلا بأمره ولا ينطق إلا عن وحيه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):