Verse. 616 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

لَيْسَ بِاَمَانِيِّكُمْ وَلَاۗ اَمَانِيِّ اَھْلِ الْكِتٰبِ۝۰ۭ مَنْ يَّعْمَلْ سُوْۗءًا يُّجْزَ بِہٖ۝۰ۙ وَلَا يَجِدْ لَہٗ مِنْ دُوْنِ اللہِ وَلِيًّا وَّلَا نَصِيْرًا۝۱۲۳
Laysa biamaniyyikum wala amaniyyi ahli alkitabi man yaAAmal sooan yujza bihi wala yajid lahu min dooni Allahi waliyyan wala naseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب «ليس» الأمر منوطا «بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب» بل بالعمل الصالح «من يعمل سوءًا يُجز به» إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث «ولا يجد له من دون الله» أي غيره «وليا» يحفظه «ولا نصيرا» يمنعه منه.

123

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الأمنية أفعولة من المنية، وتمام الكلام في هذا اللفظ مذكور في قوله تعالى {أية : إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمنيتهِ} تفسير : [الحج: 52]. المسألة الثانية: {لَّيْسَ } فعل، فلا بدّ من اسم يكون هو مسنداً إليه، وفيه وجوه: الأول: ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله {أية : سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى } تفسير : [النساء: 122] الآية، بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، أي ليس يستحق بالأماني إنما يستحق بالإيمان والعمل الصالح. الثاني: ليس وضع الدين على أمانيكم. الثالث: ليس الثواب والعقاب بأمانيكم، والوجه الأول أولى لأن إسناد {لَّيْسَ } إلى ما هو مذكور فيما قبل أولى من إسناده إلى ما هو غير مذكور. المسألة الثالثة: الخطاب في قوله {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ } خطاب مع من؟ فيه قولان: الأول: أنه خطاب مع عبدة الأوثان، وأمانيهم أن لا يكون هناك حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب، وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله، وأما أماني أهل الكتاب فهو قولهم {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 111] وقولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] فلا يعذبنا، وقولهم {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } تفسير : [البقرة: 80]. القول الثاني: أنه خطاب مع المسلمين، وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وليس الأمر كذلك، فإنه تعالى يخص بالعفو والرحمة من يشاء كما قال {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 116] وروي أنه تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبل نبيّكم وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نبيّنا خاتم النبيّين، وكتابنا ناسخ الكتب، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثم قال تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أنه تعالى لا يعفو عن شيء من السيئات، وليس لقائل أن يقول: هذا يشكل بالصغائر فإنها مغفورة قالوا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن العام بعد التخصيص حجة، والثاني: أن صاحب الصغيرة قد انحبط من ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية، فههنا قد وصل جزاء تلك المعصية إليه. أجاب أصحابنا عنه بأن الكلام على عموماته قد تقدم في تفسير قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيئَته فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 81] والذي نزيده في هذه الآية وجوه الأول: لم لا يجوز أن يكون المراد من هذا الجزاء ما يصل إلى الإنسان في الدنيا من الغموم والهموم والأحزان والآلام والأسقام، والذي يدل على صحة ما ذكرنا القرآن والخبر، أما القرآن فهو قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا } تفسير : [المائدة: 38] سمي ذلك القطع بالجزاء وأما الخبر فما روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض، أليس يصيبك الأذى فهو ما تجزون. وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه فقال: حديث : يجزى المؤمن في الدنيا بمصيبته في جسده وما يؤذيهتفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أبشروا فإنه لا يصيب أحد منكم مصيبة في الدنيا إلا جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه».تفسير : الوجه الثاني في الجواب: هب أن ذلك الجزاء إنما يصل إليهم يوم القيامة لكن لم لا يجوز أن يحصل الجزاء بنقص ثواب إيمانه وسائر طاعاته، ويدل عليه القرآن والخبر والمعقول. أما القرآن فقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } تفسير : [هود: 114]. وأما الخبر: فما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة، وقالوا يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنه تعالى وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات فويلٌ لمن غلبت آحاده أعشارهتفسير : ». وأما المعقول: فهو أن ثواب الإيمان وجميع الطاعات أعظم لا محالة من عقاب الكبيرة الواحدة والعدل يقتضي أن يحط من الأكثر مثل الأقل، فيبقى حينئذٍ من الأكثر شيء زائد فيدخل الجنة بسبب تلك الزيادة. الوجه الثالث في الجواب: أن هذه الآية إنما نزلت في الكفار، والذي يدل على ما ذكرناه أنه تعالى قال بعد هذه الآية {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ ٱثْنَىْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [النساء: 124] فالمؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات، فوجب القطع بأنه يدخل الجنة بحكم هذه الآية، وقولهم: خرج عن كونه مؤمناً فهو باطل للدلائل الدالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن، مثل قوله {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } إلى قوله {أية : فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ } تفسير : [الحجرات: 9] سمي الباغي حال كونه باغياً مؤمناً، وقال: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } تفسير : [البقرة: 178] سمي صاحب القتل العمد العدوان مؤمناً، وقال: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [التحريم: 8] سماه مؤمناً حال ما أمره بالتوبة، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإذا كان مؤمناً كان قوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ } حجة في أن المؤمن الذي يكون صاحب الكبيرة من أهل الجنة، فوجب أن يكون قوله {مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } مخصوصاً بأهل الكفر. الوجه الرابع في الجواب: هب أن النص يعم المؤمن والكافر، ولكن قوله {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] أخص منه والخاص مقدم على العام، ولأن إلحاق التأويل بعمومات الوعيد أولى من إلحاقه بعمومات الوعد لأن الوفاء بالوعد كرم، وإهمال الوعيد وحمله على التأويل بالتعريض جود وإحسان. المسألة الثانية: دلّت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن قوله {مَن يَعْمَلْ سُوءا } يتناول جميع المحرمات، فدخل فيه ما صدر عن الكفار مما هو محرم في دين الإسلام ثم قوله {يُجْزَ بِهِ } يدل على وصول جزاء كل ذلك إليهم. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عما يصل إليهم من الهموم والغموم في الدنيا. قلنا: إنه لا بدّ وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة إليهم في الدنيا إذ لا سبيل إلى إيصال ذلك الجزاء إليهم في الآخرة، وإذا كان كذلك فهذا يقتضي أن يكون تنعمهم في الدنيا أكثر ولذاتهم هـٰهنا أكمل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:«حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر» تفسير : وإذا كان كذلك امتنع أن يقال: إن جزاء أفعالهم المحظورة تصل إليهم في الدنيا، فوجب القول بوصول ذلك الجزاء إليهم في الآخرة. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: دلت الآية على أن العبد فاعل، ودلت أيضاً على أنه بعمل السوء يستحق الجزاء، وإذا دلت الآية على مجموع هذين الأمرين فقد دلت على أن الله غير خالق لأفعال العباد، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه لما كان عملاً للعبد امتنع كونه عملاً لله تعالى لاستحالة حصول مقدور واحد بقادرين، والثاني: أنه لو حصل بخلق الله تعالى لما استحق العبد عليه جزاء ألبتة وذلك باطل، لأن الآية دالة على أن العبد يستحق الجزاء على عمله، وأعلم أن الكلام على هذا النوع من الاستدلال مكرر في هذا الكتاب. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }. قالت المعتزلة: دلت الآية على نفي الشفاعة، والجواب من وجهين: الأول: أنا قلنا أنَّ هذه الآية في حق الكفار. والثاني: أن شفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن الله تعالى، وإذا كان كذلك فلا ولي لأحد ولا نصير لأحد إلا الله سبحانه وتعالى ثم قال تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}. وقرأ أبو جعفر المدنِيّ «لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ» بتخفيف الياء فيهما جميعاً. ومن أحسن ما روي في نزولها ما رواه الحكَم بن أبَان عن عِكرمة عن ٱبن عباس قال: قالت اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلاَّ من كان منّا. وقالت قريش: ليس نبعث، فأنزل الله {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}. وقال قتادة والسديّ: تفاخر المؤمنون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أحق بالله منكم. وقال المؤمنون: نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على سائر الكتب، فنزلت الآية. قوله تعالىٰ: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}. السوء هٰهنا الشرك، قال الحسن: هذه الآية في الكافر، وقرأ «وَهَلْ يُجَازَى إلاَّ الْكَفُورُ». وعنه أيضاً {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال: ذلك لمن أراد الله هَوانه، فأما من أراد كرامته فلا، قد ذكر الله قوماً فقال: { أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ } تفسير : [الأحقاف: 16]. وقال الضحاك: يعني اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب. وقال الجمهور: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجاز بعمله السوء، فأما مجازاة الكافر فالنار؛ لأن كفره أوْبَقَه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال:حديث : لما نزلت {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قارِبوا وسَدِّدوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها» تفسير : . وخرّج الترمذي الحكيم في (نوادر الأُصول، في الفصل الخامس والتسعين) حدّثنا إبراهيم بن المستمرّ الهذلي قال حدّثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان أبو زيد قال: سمعت أبي يذكر عن أبيه قال صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة فقال لنافع: لا تمرّ بي على المصلوب؛ يعني ابن الزبير، قال: فما فجِئه في جوف الليل أن صك محملَه جِذعُه؛ فجلس فمسح عينيه ثم قال: يرحمك الله أبا خبيب أن كنتَ وأن كنتَ! ولقد سمعت أباك الزبير يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا أو في الآخرة » تفسير : فإن يك هذا بذاك فهِيهْ. قال الترمذي أبو عبد الله: فأما في التنزيل فقد أجمله فقال: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} فدخل فيه البرّ والفاجر والعدو والولِيّ والمؤمن والكافر؛ ثم ميّز رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الموطنين فقال: « حديث : يجز بِهِ في الدنيا أو في الآخرة » تفسير : وليس يجمع عليه الجزاء في الموطنين؛ ألا ترى أن ابن عمر قال: فإن يك هذا بذاك فهِيهْ؛ معناه أنه قاتل في حرم الله وأحدث فيه حدثاً عظيماً حتى أحرق البيت ورمى الحجر الأسود بالمَنْجَنيق فٱنصدع حتى ضُبِّب بالفضة فهو إلى يومنا هذا كذلك؛ وسمع للبيت أنيناً: آه آه! فلما رأى ابن عمر فعله ثم رآه مقتولاً مصلوباً ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من يعمل سوءاً يجز بِهِ » تفسير : . ثم قال: إن يك هذا القتل بذاك الذي فعله فهِيهْ؛ أي كأنه جوزي بذلك السوء هذا القتل والصلب. رحمه الله! ثم مَيّز رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بين الفريقين؛ حدّثنا أبي رحمه الله قال حدّثنا أبو نعيم قال حدّثنا محمد بن مسلم عن يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيَ قال: حديث : لما نزلت {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه: ما هذه بمبقية مِنا؛ قال:«يا أبا بكر إنما يجزى المؤمن بها في الدنيا ويجزى بها الكافر يوم القيامة» تفسير : . حدّثنا الجارود قال حدّثنا وكيع وأبو معاوية وعبدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي بكر بن (أبي) زهير الثقفيّ قال: حديث : لما نزلت {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال أبو بكر: كيف الصلاح يا رسول الله مع هذا؟ كل شيء عملناه جزينا به؛ فقال: «غفر الله لك يا أبا بكر ألست تَنصَب، ألست تَحزَن، ألست تصيبك اللأْوَاء»؟ قال: بلى. قال: «فذلك مما تجزون به» تفسير : ففسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجمله التنزيل من قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}. وروى الترمذيّ عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه حديث : أنها لما نزلت قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أمّا أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة» تفسير : . قال: حديث غريب: وفي إسناده مقال، وموسى بن عُبَيْدة يضعَّف في الحديث، ضعَّفه يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل. ومولى بن سباع مجهول، وقد روي هذا من غير وجه عن أبي بكر وليس له إسناد صحيح أيضاً؛ وفي الباب عن عائشة. قلت: خرّجه إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدّثنا سليمان ابن حرب قال حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أُمّه أنها سألت عائشة عن هذه الآية { أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } تفسير : [البقرة: 284] حديث : وعن هذه الآية {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} فقالت عائشة: ما سألني أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها؛ فقال: «يا عائشة، هذه مبايعة الله بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقِدها فيفزع فيجدها في عَيْبَته، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر من الكير» تفسير : . واسم «ليس» مضمر فيها في جميع هذه الأقوال؛ والتقدير: ليس الكائن من أُموركم ما تتمنونه، بل من يعمل سوءاً يجز به. وقيل: المعنى ليس ثواب الله بأمانيكم؛ إذ قد تقدّم {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ}. قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} يعني المشركين؛ لقوله تعالىٰ: { أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ } تفسير : [غافر: 51]. وقيل: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} إلاَّ أن يتوب. وقراءة الجماعة «وَلاَ يَجِدْ لَهُ» بالجزم عطفاً على «يُجْزَ بِهِ» وروى ابن بكّار عن ابن عامر «وَلاَ يَجِدُ» بالرفع استئنافاً. فإن حملت الآية على الكافر فليس له غداً ولِيّ ولا نصير. وإن حملت على المؤمن فليس (له) ولِيّ ولا نصير دون الله.

البيضاوي

تفسير : {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } أي ليس ما وعد الله من الثواب ينال بأمانيكم أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب، وإنما ينال بالإِيمان والعمل الصالح. وقيل: ليس الإِيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. روي (أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا. فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولي بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى منكم نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب المتقدمة) فنزلت. وقيل: الخطاب مع المشركين ويدل عليه تقدم ذكرهم أي: ليس الأمر بأماني المشركين، وهو قولهم لا جنة ولا نار، وقولهم إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيراً منهم وأحسن حالاً، ولا أماني أهل الكتاب وهو قـولهم: {لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } وقولهم: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } ثم قرر ذلك وقال: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} عاجلاً أو آجلاً لما روي (أنها لما نزلت قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فمن ينجو مع هذا يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : أما تحزن أما تمرض أما يصيبك الأراء؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: هو ذاك)تفسير : {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} ولا يجد لنفسه إذا جاوز موالاة الله ونصرته من يواليه وينصره في دفع العذاب عنه.

ابن كثير

تفسير : قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ} الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان، وكذا روي عن السدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم، وكذا روى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوارة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم، وقال: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} الآية. وخير بين الأديان فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ} إلى قوله: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاً}. وقال مجاهد: قالت العرب: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ} تفسير : [البقرة: 111]، وقالوا: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ} تفسير : [آل عمران: 24] والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي، ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئاً حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو على الحق، سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه، واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، ولهذا قال بعده: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}، كقوله: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7 ــــ8] وقد روي أن هذه الآية لما نزلت، شق ذلك على كثير من الصحابة. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسماعيل عن أبي بكر بن أبي زهير، قال: أخبرت أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذه الآية: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} فكل سوء عملناه جزينا به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟» تفسير : قال: بلى. قال: «حديث : فهو مما تجزون به»تفسير : . ورواه سعيد بن منصور عن خلف بن خليفة، عن إسماعيل بن أبي خالد، به، ورواه الحاكم من طريق سفيان الثوري عن إسماعيل به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا» تفسير : وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن هشيم بن جهيمة، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا زياد الجصاص عن علي بن زيد، عن مجاهد، قال: قال عبد الله بن عمر: انظروا المكان الذي فيه عبد الله بن الزبير مصلوباً، فلا تمرن عليه، قال: فسها الغلام، فإذا عبد الله بن عمر ينظر إلى ابن الزبير، فقال: يغفر الله لك ثلاثاً، أما والله ما علمتك إلا صوّاماً قواماً وصالاً للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوي ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها، قال: ثم التفت إلي فقال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من يعمل سوءاً في الدنيا يجز به» تفسير : ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء به مختصراً، وقال في مسند ابن الزبير: حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي، حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان، حدثني أبي عن جدي حيان بن بسطام، قال: كنت مع ابن عمر، فمر بعبد الله بن الزبير وهو مصلوب، فقال: رحمة الله عليك أبا خُبيب سمعت أباك يعني: الزبير، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا والآخرة» تفسير : ثم قال: لا نعلمه يروى عن الزبير إلا من هذا الوجه. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني مولى ابن سباع، قال: سمعت ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي؟» تفسير : قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنيها، فلا أعلم إلا أني قد وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مالك يا أبا بكر؟» تفسير : قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون، فإنكم تجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة»تفسير : ، وكذا رواه الترمذي عن يحيى بن موسى وعبد بن حميد عن روح بن عبادة به. ثم قال: وموسى بن عبيدة يضعف، ومولى ابن سباع مجهول. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما هي المصيبات في الدنيا»تفسير : . (طريق أخرى عن الصديق) قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حدثنا محمد بن عامر السعدي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا فضيل بن عياض عن سلمان بن مهران، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما أشد هذه الآية {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المصائب والأمراض والأحزان في الدينا جزاء».تفسير : (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني عبد الله بن أبي زياد وأحمد بن منصور، قالا: أنبأنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الملك بن الحسن المحاربي، حدثنا محمد بن زيد بن قنفذ عن عائشة، عن أبي بكر قال: لما نزلت: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال: «حديث : يا أبا بكر أليس يصيبك كذا وكذا، فهو كفارة».تفسير : (حديث آخر) قال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن بكر بن سوادة حدثه: أن يزيد بن أبي يزيد حدثه عن عبيد بن عمير، عن عائشة: أن رجلاً تلا هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} فقال: إنا لنجزى بكل ما عملناه، هلكنا إذاً، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : نعم، يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه، في جسده، فيما يؤذيه».تفسير : (طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن بشير، حدثنا هشيم عن أبي عامر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشد آية في القرآن، فقال: «حديث : ما هي يا عائشة؟» تفسير : قلت: من يعمل سوءاً يجز به، فقال: «حديث : هو ما يصيب العبد المؤمن، حتى النكبة ينكبها» تفسير : ورواه ابن جرير من حديث هشيم به. ورواه أبو داود من حديث أبي عامر صالح بن رستم الخزاز به. (طريق أخرى) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أمية: أنها سألت عائشة عن هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}، فقالت: ما سألني أحد عن هذه الآية منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : يا عائشة هذه مبايعة الله للعبد مما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه، فيفزع لها، فيجدها في جيبه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه، كما أن الذهب يخرج من الكير».تفسير : (طريق أخرى) قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو القاسم، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن زيد بن المهاجر، عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}، قال: «حديث : إن المؤمن يؤجر في كل شيء، حتى في القبض عند الموت» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة قالت: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه».تفسير : (حديث آخر) قال سعيد بن منصور: عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، سمع محمد بن قيس بن مخرمة يخبر: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سددوا وقاربوا، فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها»تفسير : ، هكذا رواه أحمد عن سفيان بن عيينة، ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به، ورواه ابن مردويه من حديث روح ومعتمر، كلاهما عن إبراهيم بن يزيد، عن عبد الله بن إبراهيم، سمعت أبا هريرة يقول: لما نزلت هذه الآية: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} بكينا وحزنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء، قال: «حديث : أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا، فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا، إلا كفر الله بها من خطيئته، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه» تفسير : وقال عطاء بن يسار: عن أبي سعيد وأبي هريرة: أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «حديث : ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر الله من سيئاته» تفسير : أخرجاه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن سعد بن إسحاق، حدثتني زينب بنت كعب بن عجرة عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا، ما لنا بها؟ قال: «حديث : كفارات» تفسير : قال أبي: وإن قلت: قال: «حديث : حتى الشوكة فما فوقها» تفسير : قال: فدعا أبي على نفسه أنه لا يفارقه الوعك حتى يموت؛ في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة، ولا جهاد في سبيل الله، ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسه إنسان إلا وجد حره حتى مات، رضي الله عنه، تفرد به أحمد. (حديث أخر) روى ابن مردويه من طريق حسين بن واقد عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: قيل: يا رسول الله {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال: «حديث : نعم، ومن يعمل حسنة يجز بها عشراً، فهلك من غلب واحدته عشراته» تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال: الكافر، ثم قرأ: {أية : وَهَلْ نُجْزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ}تفسير : [سبأ: 17] وهكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما فسرا السوء ههنا بالشرك أيضاً. وقوله: {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إلا أن يتوب، فيتوب الله عليه، رواه ابن أبي حاتم، والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال؛ لما تقدم من الأحاديث، وهذا اختيار ابن جرير، والله أعلم. وقوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} الآية، لما ذكر الجزاء على السيئات، وأنه لا بد أن يأخذ مستحقها من العبد، إما في الدنيا وهو الأجود له، وإما في الآخرة والعياذ بالله من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة، شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان، وأنه سيدخلهم الجنة، ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة التمرة، وقد تقدم الكلام على الفتيل، وهو الخيط في شق النواة، وهذا النقير، وهما في نواة التمرة، وكذا القطمير، وهو اللفافة التي على نواة التمرة، والثلاثة في القرآن. ثم قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله}: أي أخلص العمل لربه عز وجل فعمل إيماناً واحتساباً، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أي: يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعاً للشريعة، فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين، فسد، فمتى فقد الإخلاص، كان منافقاً، وهم الذين يراؤون الناس، ومتى فقد المتابعة، كان ضالاً جاهلاً، ومتى جمعهما، كان عمل المؤمنين الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم، الآية، ولهذا قال تعالى: {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً} وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: {أية : إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ} تفسير : [آل عمران: 68] الآية، وقال تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [النحل: 123] والحنيف هو المائل عن الشرك قصداً، أي: تاركاً له عن بصيرة، ومقبلاً على الحق بكليته، لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد. وقوله: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاً} وهذا من باب الترغيب في اتباعه؛ لأنه إمام يقتدى به؛ حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في قوله: {أية : وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } تفسير : [النجم: 37]، قال كثير من علماء السلف: أي: قام بجميع ما أمر به في كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 124] الآية. وقال تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [النحل: 120] الآية، والآية بعدها، وقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذاً لما قدم اليمن، صلى بهم الصبح، فقرأ: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاً} فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم، وقد ذكر ابن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما سماه الله خليلاً؛ من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقال بعضهم: من أهل مصر؛ ليمتار طعاماً لأهله من قبله، فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله، مرَّ بمفازة ذات رمل، فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل؛ لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك، فتحول ما في الغرائر من الرمل دقيقاً، فلما صار إلى منزله نام، و قام أهله ففتحوا الغرائر، فوجدوا دقيقاً، فعجنوا منه وخبزوا، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم، هو من عند خليلي الله، فسماه الله خليلاً، وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبراً إسرائيلياً لا يصدق ولا يكذب، وإنما سمي خليل الله؛ لشدة محبة ربه عز وجل له؛ لما قام به من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطبهم في آخر خطبة خطبها، قال: «حديث : أما بعد، أيها الناس فلو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً، لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله» تفسير : وجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً» تفسير : وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة، حدثنا عبيد الله الحنفي، حدثنا زمعة أبو صالح عن سلمة بن وهران، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم، سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجب، إن الله اتخذ من خلقه خليلاً، فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليماً؟ وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم، وقال: «حديث : قد سمعت كلامكم وتعجبكم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم قال: ألا وإني حبيب الله، ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع، ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح الله، ويدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة، ولا فخر» تفسير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها. وقال قتادة: عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون من أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟ رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وكذا روي عن أنس بن مالك وغير واحد من الصحابة والتابعين والأئمة من السلف والخلف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا محمد، يعني: سعيد بن سابق، حدثنا عمرو، يعني: ابن أبي قيس، عن عاصم، عن أبي راشد، عن عبيد بن عمير، قال: كان إبراهيم عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوماً يلتمس أحداً يضيفه، فلم يجد أحداً يضيفه، فرجع إلى داره، فوجد فيها رجلاً قائماً، فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، أرسلني ربي إلى عبد من عباده، أبشره بأن الله قد اتخذه خليلاً، قال: من هو؟ فوالله إن أخبرتني به، ثم كان بأقصى البلاد، لآتينه، ثم لا أبرح له جاراً حتى يفرق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم، قال: فيم اتخذني ربي خليلاً؟ قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم. وحدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد السلمي، حدثنا الوليد عن إسحاق بن يسار، قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، ألقى في قلبه الوجل، حتى إن خفقان قلبه ليسمع من بعيد؛ كما يسمع خفقان الطير في الهواء. وهكذا جاء في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل إذا اشتد غليانها من البكاء. وقوله: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه، وهو المتصرف في جميع ذلك، لا راد لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل؛ لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته. وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطاً} أي: علمه نافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين وما توارى.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب {لَّيْسَ } الأمر منوطاً {بِأَمَٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ } بل بالعمل الصالح {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {وَلِيّاً } يحفظه {وَلاَ نَصِيراً } يمنعه منه.

الشوكاني

تفسير : قرأ أبو جعفر بتخفيف الياء من أماني في الموضعين، واسم ليس محذوف، أي: ليس دخول الجنة، أو الفضل، أو القرب من الله بأمانيكم، ولا أمانيّ أهل الكتاب، كما يدل على ذلك سبب نزول الآية الآتي، وقيل: ضمير يعود إلى وعد الله، وهو بعيد، ومن أمانيّ أهل الكتاب قولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 111] وقولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] وقولهم: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } تفسير : [البقرة: 80]. قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } قيل المراد بالسوء: الشرك، وظاهر الآية أعمّ من ذلك، فكلّ من عمل سوءاً: أي سوء كان فهو مجزي به من غيره فرق بين المسلم والكافر. وفي هذه الجملة ما ترجف له القلوب من الوعيد الشديد، وقد كان لها في صدور المسلمين عند نزولها موقع عظيم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة، قال: لما نزلت: {مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قاربوا وسدّدوا، في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها"تفسير : . قوله: {وَلاَ يَجِدْ لَهُ } قرأه الجماعة بالجزم عطفاً على الجزاء. وروى ابن بكار عن ابن عامر {وَلاَ يَجِدْ } بالرفع استئنافاً، أي ليس لمن يعمل السوء من دون الله ولياً يواليه ولا نصيراً ينصره. {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ } أي: بعضها حال كونه {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ } وحال كونه مؤمناً، والحال الأولى لبيان من يعمل، والحال الأخرى لإفادة اشتراط الإيمان في كل عمل صالح {فَأُوْلَـئِكَ } إشارة إلى العمل المتصف بالإيمان {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } قرأ أبو عمرو، وابن كثير: "يَدْخُلُونَ" بضم حرف المضارعة على البناء للمجهول. وقرأ الباقون بفتحها على البناء للمعلوم {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } أي: لا ينقصون شيئاً حقيراً، وقد تقدّم تفسير النقير: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } أي: أخلص نفسه له حال كونه محسناً، أي: عاملاً للحسنات {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } أي: دينه حال كون المتبع {حَنِيفاً } أي: مائلاً عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو الإسلام: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } أي: جعله صفوة له، وخصه بكراماته، قال ثعلب: إنما سمي الخليل خليلاً؛ لأن محبته تتخلل القلب، فلا تدع فيه خليلاً إلا ملأته، وأنشد قول بشار:شعر : قد تخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلاً تفسير : وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم وقيل: هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب. وقد كان إبراهيم عليه السلام محبوباً لله ومحباً له. وقيل: الخليل من الاختصاص، فالله سبحانه اختص إبراهيم برسالته في ذلك الوقت واختاره لها، واختار هذا النحاس. وقال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ } فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلاً لطاعته لا لحاجته، ولا للتكثر به، والاعتضاد بمخاللته {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } هذه الجملة مقررة لمعنى الجملة التي قبلها، أي: أحاط علمه بكل شيء: {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا }تفسير : [الكهف: 49]. وقد أخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: قالت العرب: لا نبعث، ولا نحاسب، وقالت اليهود، والنصارى: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 11] وقالوا: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } تفسير : [البقرة؛ 80] فأنزل الله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر عن مسروق قال: احتج المسلمون، وأهل الكتاب، فقال المسلمون: نحن أهدى منكم، وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم، فنزلت ففلج عليهم المسلمون بهذه الآية: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مسروق قال: تفاخر النصارى، وأهل الإسلام، فقال هؤلاء نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء نحن أفضل منكم، فنزلت. وقد ورد معنى هذه الروايات من طرق كثيرة مختصرة ومطوّلة. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي، وابن المنذر، عن أبي بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما نزلت هذه الآية: "حديث : أما أنت، وأصحابك يا أبا بكر، فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون، فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة"تفسير : . وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن حتى الهمّ يهمه إلا كفر الله به من سيئاته»تفسير : . وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أن ابن عمر لقيه، فسأل عن هذه الآية: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ } قال: الفرائض. وأخرج الحاكم، وصححه عن جندب: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى: «حديث : إن الله اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً»تفسير : . وأخرج الحاكم أيضاً وصححه، عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم؟

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيَّ أَهْلِ الْكِتَابِ} في الكلام مضمر محذوف وتقديره ليس الثواب بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، على قولين: أحدهما: أنهم عبدة الأوثان، وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم أهل الإسلام، وهو قول مسروق، والسدي. {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} السوء ما يسوء من القبائح، وفيه ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الشرك بالله تعالى، وهو قول ابن عباس. الثاني: أنه الكبائر، وهذا قول أُبَيِّ بن كعب. والثالث: أنه ما يلقاه الإنسان في الدنيا من الأحزان والمصائب جزاءً عن سيئاته كما روى محمد بن قيس بن مخرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْرَ بِهِ} شقت على المسلمين وبلغت بهم ما شاء الله أن تبلغ فَشَكو ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : قَارِبُوا وَسدِّدُواْ فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبةُ يُنْكَبُهَا أو الشَّوْكِةُ يُشَاكُهاَ ". تفسير : وروى الأعمش عن مسلم قال: قال أبو بكر: يا رسول الله ما أشَدَّ هذه الآية {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْرَ بِهِ} فقال: "حديث : يَا أَبَا بَكْر إِنَّ المُصِيْبَةَ فِي الدُّنْيَا جَزَاءٌ ".

ابن عطية

تفسير : اسم {ليس} مضمر، و " الأماني": جمع أمنوية، وزنها أفعولة، وهي: ما يتمناه المرء ويطيع نفسه فيه، وتجمع على أفاعيل، فتجتمع ياءان فلذلك تدغم إحداهما في الأخرى فتجيء مشددة وهي قراءة الجمهور، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والحكم والأعرج، "ليس بأمانيكم" ساكنة الياء، وكذلك في الثانية، قال الفراء: هذا جمع على أفاعل، كما يقال قراقير وقراقر إلى غير ذلك. واختلف الناس فيمن المخاطب بهذه الآية؟ فقال ابن عباس والضحاك وأبو صالح ومسروق وقتادة والسدي وغيرهم: الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: وسبب الآية أن المؤمنين اختلفوا مع قوم من أهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: ديننا أقدم من دينكم وأفضل، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أفضل منكم، وقال المؤمنون: كتابنا يقضي على الكتب، ونبينا خاتم النبيين، أو نحو هذا من المحاورة، فنزلت الآية، وقال مجاهد وابن زيد: بل الخطاب لكفار قريش، وذلك أنهم قالوا: لن نبعث ولا نعذب، وإنما هي حياتنا الدنيا لنا فيها النعيم ثم لا عذاب، وقالت اليهود {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة:18]، إلى نحو هذا من الأقوال، كقولهم {أية : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} تفسير : [البقرة:111]، وغيره، فرد الله تعالى على الفريقين بقوله {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} ثم ابتدأ الخبر الصادق من قبله بقوله {من يعمل سوءاً يجز به} وجاء هذا اللفظ عاماً في كل سوء فاندرج تحت عمومه الفريقان المذكوران، واختلف المتأولون في تعميم لفظ هذا الخبر، فقال الحسن بن أبي الحسن: هذه الآية في الكافر، وقرأ {أية : وهل يجازى إلا الكفور} تفسير : [سبأ:17] قال: والآية يعني بها الكفار، ولا يعني بها أهل الصلاة، وقال: والله ما جازى الله أحداً بالخير والشر إلا عذبه، ولكنه يغفر ذنوب المؤمنين، وقال ابن زيد: في قوله تعالى {من يعمل سوءاً يجز به} وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم، ولم يعد أولئك يعني المشركين، وقال الضحاكَ {ومن يعمل سوءاً يجز به} يعني بذلك اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب. قال القاضي أبو محمد عبد الحق: فهذا تخصيص للفظ الآية، ورأى هؤلاء أن الكافر يجزى على كل سوء يعمله وأن المؤمن قد وعده الله تكفير سيئاته، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: قوله تعالى: {من يعمل سوءاً} معناه، من يك مشركاً والسوء هنا الشرك فهو تخصيص لعموم اللفظ من جهة أخرى، لأن أولئك خصصوا لفظ {من}، وهذان خصصا لفظ السوء، وقال جمهور الناس: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجازى بالسوء يعمله، فأما مجازاة الكافر فالنار، لأن كفره أوبقه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لما نزلت {من يعمل سوءاً يجز به} قلت يا رسول الله ما أشد هذه الآية، فقال: يا أبا بكر أما تحزن أما تمرض أما تصيبك اللأواء؟ فهذا بذلك، وقال عطاء بن أبي رباح: لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هي المصيبات في الدنيا، وقالت بمثل هذا التأويل عائشة رضي الله عنها، وقال أبيّ بن كعب، وسأله الربيع بن زياد عن معنى الآية وكأنه خافها، فقال له أبيّ: ما كنت أظنك إلا أفقه مما رأى، ما يصيب الرجل خدش ولا غيره إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: فالعقيدة في هذا: أن الكافر مجازى والمؤمن يجازى في الدنيا غالباً، فمن بقي له سوء إلى الآخرة فهو في المشيئة، يغفر الله لمن يشاء، ويجازي من يشاء، وقرأ الجمهور "ولا يجدْ" بالحزم عطفاً على {يجز}، وروى ابن بكار عن ابن عامر: "ولا يجدُ " بالرفع على القطع، وقوله {من دون} لفظة تقتضي عدم المذكور بعدها من النازلة، ويفسرها بعض المفسرين بغير، وهو تفسير لا يطرد. وقوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات} دخلت {من} للتبعيض إذ، {الصالحات} على الكمال مما لا يطيقه البشر، ففي هذا رفق بالعباد، لكن في هذا البعض الفرائض وما أمكن من المندوب إليه، ثم قيد الأمر بالإيمان إذ لا ينفع عمل دونه، وحكى الطبري عن قوم: أن {من} زائدة، وضعفه كما هو ضعيف، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي: "يَدخُلون الجنة" بفتح الياء وضم الخاء، وكذلك حيث جاء من القرآن، وروي مثل هذا عن عاصم، وقرأ أبو عمرو في هذه الآية وفي مريم والملائكة وفي المؤمن "يُدخَلون" بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ بفتح الياء من {أية : سيدخلون جهنم داخرين} تفسير : [غافر:60] و "النقير" النكتة التي في ظهر نواة التمرة ومنه تنبت، وروي عن عاصم "النقير" ما تنقره بأصبعك، وهذا كله مثال للحقير اليسير. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فهنا كمل الرد على أهل الأماني والإخبار بحقيقة الأمر. ثم أخبر تعالى إخباراً موقفاً على أنه لا أحسن ديناً ممن {أسلم وجهه لله}، أي أخلص مقصده وتوجهه. وأحسن في أعماله، واتبع الحنفية التي هي {ملة إبراهيم}، إمام العالم وقدوة أهل الأديان، ثم لما ذكر الله تعالى إبراهيم بأنه الذي يجب اتباعه، شرفه بذكر الخلة، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم سماه الله خليلاً، إذ كان خلوصه وعبادته واجتهاده على الغاية التي يجري إليها المحب المبالغ، وكان لطف الله به ورحمته ونصرته له بحسب ذلك، وذهب قوم إلى أن إبراهيم سمي خليلاً من الخلة بفتح الخاء، أي لأنه أنزل خلته وفاقته بالله تعالى، وقال قوم: سمي خليلاً لأنه فيما روي في الحديث جاء من عند خليل كان له بمصر وقد حرمه الميرة التي قصد لها، فلما قرب من منزله ملأ غرارتيه رملاً ليتأنس بذلك صبيته، فلما دخل منزله نام كلالاً وهماً، فقامت امرأته وفتحت الغرارة، فوجدت أحسن ما يكون من الحواري، فعجنت منه، فلما انتبه قال: ما هذا؟ قالت من الدقيق الذي سقت من عند خليلك المصري فقال: بل هو من عند خليلي الله تعالى، فسمي بذلك خليلاً. قال القاضي أبو محمد رحمه الله -: وفي هذا ضعف، ولا تقتضي هذه القصة أن يسمى بذلك اسماً غالباً، وإنما هو شيء شرفه الله به كما شرف محمداً صلى الله عليه وسلم، فقد صح في كتاب مسلم وغيره: أن الله اتخذه خليلاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَّيْسَ} الثواب {بِأَمَانِيِّكُمْ} يا أهل الإسلام، أو يا عبدة الأوثان، {وَلآ أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} لا يستحق بالأماني بل بالأعمال الصالحة. {سُوَءًا} شركاً، أو الكبائر، أو ما ينال المسلم من الأحزان والمصائب في الدنيا فهو جزاء عن سيئاته، ولما نزلت شقت على المسلمين فشكوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها " تفسير : وقال أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: ما أشد هذه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أبا بكر إن المصيبة في الدنيا جزاء ".

النسفي

تفسير : {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ } ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعكم الأصنام {وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }تفسير : [المائدة: 18]. {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }تفسير : [البقرة: 80]. {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } أي من المشركين وأهل الكتاب بدليل قوله {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ } فقوله «وهو مؤمن» حال و «من» الأولى للتبعيض، والثانية لبيان الإبهام في «من يعمل»، وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } «يدخلون»: مكي وأبو عمرو وأبو بكر {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة والراجع في {وَلاَ يُظْلَمُونَ } لعمال السوء وعمال الصالحات جميعاً. وجاز أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دليلاً على ذكره عند الآخر. وقوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}.وقوله:« وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ». بعد ذكر تمني أهل الكتاب كقوله {أية : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} تفسير : وقوله:{أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : عقيب قوله:{أية : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة}تفسير : {ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله} أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا يعرف لها رباً ولا معبوداً سواء {وَهُوَ مُحْسِنٌ } عامل للحسنات {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً } مائلاً عن الأديان الباطلة وهو حال من المتبع أو من إبراهيم {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } هو في الأصل المخال وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك، أو يداخلك خلال منزلك، أو يسد خللك كما يسد خلله، فالخلة صفاء مودة توجب الاختصاص بتخلل الأسرار، والمحبة أصفى لأنها من حبة القلب وهي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب كقوله «والحوادث جمة». وفائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته وطريقته لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلاً كان جديراً بأن تتبع ملته وطريقته، ولو جعلتها معطوفة على الجمل قبلها ولم يكن لها معنى وفي الحديث «حديث : اتخذ الله إبراهيم خليلاً لإطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلاته بالليل والناس نيام»تفسير : وقيل: أوحي إليه إنما اتخذتك خليلاً لأنك تحب أن تعطي ولا تعطى. وفي رواية «لأنك تعطي الناس ولا تسألهم». وفي قوله {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } دليل على أن اتخاذه خليلاً لاحتياج الخليل إليه لا لاحتياجه تعالى إليه لأنه منزه عن ذلك {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَيْءً مُّحِيطاً } عالماً. {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنّسَاءِ } ويسألونك الإفتاء في النساء والإفتاء تبيين المبهم {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ فِي يَتَـٰمَى ٱلنّسَاءِ } أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب أي القرآن في معنى اليتامى يعني قوله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَـٰمَىٰ }تفسير : [النساء: 3]. وهو من قولك «أعجبني زيد وكرمه» و «ما يتلى» في محل الرفع بالعطف على الضمير في «يفتيكم» أو على لفظ «الله» و «في يتامى النساء» صلة «يتلى» أي يتلى عليكم في معناهن. ويجوز أن يكون «في يتامى النساء» بدلاً من «فيهن» والإضافة بمعنى «من» {ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } ما فرض لهن من الميراث وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه ومالها، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } أي في أن تنكحوهن لجمالهن أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ } أي اليتامى وهو مجرور معطوف على «يتامى النساء»، وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ } مجرور كالمستضعفين بمعنى يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا، أو منصوب بمعنى ويأمركم أن تقوموا وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل في ميراثهم ومالهم {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } شرط وجوابه {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً } أي فيجازيكم عليه. {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً } توقعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله وأمارته. والنشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته وأن يؤذيها بسب أو ضرب {أَوْ إِعْرَاضاً } عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها بسبب كبر سن أو دمامة أو سوء في خلق أو خلق أو ملال أو طموح عين إلى أخرى أو غير ذلك {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا } كوفي. «يصّالحا»: غيرهم أي يتصالحا وهو أصله فأبدلت التاء صاداً وأدغمت. {صُـلحاً } في معنى مصدر كل واحد من الفعلين. ومعنى الصلح أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } من الفرقة أو من النشوز أو من الخصومة في كل شيء، أو والصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من الشرور، وهذه الجملة اعتراض كقوله {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } أي جعل الشح حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه. والمراد أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها والرجل لا يكاد يسمح بأن يقسم لها إذا رغب عنها، فكل واحد منهما يطلب ما فيه راحته. «وأحضرت» يتعدى إلى مفعولين والأول «الأنفس». ثم حث على مخالفة الطبع ومتابعة الشرط بقوله {وَإِن تُحْسِنُواْ } بالإقامة على نسائكم، وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة {وَتَتَّقُواْ } النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الإحسان والتقوى {خَبِيراً } فيثيبكم عليه. وكان عمران الخارجي من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم فنظرت إليه وقالت: الحمد لله على أني وإياك من أهل الجنة. قال: كيف؟ فقالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت والجنة موعودة للشاكرين والصابرين {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء } ولن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة، فتمام العدل أن يسوى بينهن بالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والمحالمة والمفاكهة وغيرها. وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة وكان عليه السلام يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: «حديث : هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»تفسير : يعني المحبة لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه. {وَلَوْ حَرَصْتُمْ } بالغتم في تجري ذلك {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمها من غير رضا منها يعني أن اجتناب كل الميل في حد اليسر فلا تُفْرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله، وفيه ضرب من التوبيخ. و «كل» نصب على المصدر لأن له حكم ما يضاف إليه {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } وهي التي ليست بذات بعلٍ ولا مطلقة {وَإِن تُصْلِحُواْ } بينهن {وَتَتَّقُواْ } الجور {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } يغفر لكم ميل قلوبكم ويرحمكم فلا يعاقبكم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ...} الاية: الأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، وهي ما يتشهَّاهُ المَرْءُ، ويُطَمِّعُ نفسه فيه، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الخِطَابُ لأمة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفي «مختصرِ الطبريِّ»، عن مسروقٍ وغيره، قال: احتجَّ المسلمونَ وأهْلُ الكتابِ، فقال المسلمون: نَحْنُ أهْدَىٰ، وقال أهْلُ الكتابِ: نَحْنُ أهْدَىٰ، فأنزل اللَّه هذه الآية، وعن مجاهدٍ: قالتِ العربُ: لَنْ نُبْعَثَ، ولَنْ نُعَذَّبَ، وقالتِ اليهودُ والنصارَىٰ: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَـٰرَىٰ} تفسير : [البقرة:111]، وقالوا: {أية : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة:80]، قال الطبريُّ: وقول مجاهدٍ أوْلَىٰ بالصواب، وذلك أنَّ المسلمين لم يَجْرِ لأمانيِّهم ذِكْرٌ فيما مضَىٰ من الآيِ، وإنما جَرَىٰ ذكْرُ أمانيِّ نصيبِ الشَّيْطَانِ. انتهى. وعليه عَوَّل * ص *: في سبب نزولِ الآية، أعني: علَىٰ تأويل مجاهد. وقوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}. قال جمهورُ النَّاس: لفظ الآية عَامٌّ، فالكافر والمؤمنُ مُجَازًى، فأما مُجازاتُ الكافر، فالنَّار، وأما مُجَازاتُ المؤمِنِ، فبِنَكَبَاتِ الدُّنْيَا؛ فَمَنْ بقي له سُوءٌ إلى الآخرة، فهو في المشيئة يغفر اللَّه لِمَنْ يشاء، ويجازِي مَنْ يشاء.

ابن عادل

تفسير : قرأ أبو جَعْفَر المَدَنِي {[لَّيْسَ] بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ} بتخفيف الياء فيهما جميعاً، واعلم: أن "لَيْسَ" فعْلٌ، فلا بد من اسْمٍ يكون هو مُسْنداً إليه، وفيه خلافٌ: فقيل: يَعُود ضَمِيرُها على مَلْفُوظٍ به، وقيل: يَعُود على ما دَلَّ عليه اللَّفْظُ من الفِعْل وقيل: يَدُلُّ عليه سَبَبُ الآيَةِ. فأمَّا عوَدْهُ على مَلْفُوظٍ بِهِ فقيل: هو الوَعْدُ المتقدِّم في قوله: "وعد الله" وهذا اختيار الزَّمَخْشَرِي؛ قال: "في لَيْس ضَمِيرُ وعدِ الله أي: لَيْس يُنالُ ما وعد الله من الثَّواب بأمانِيِّكم ولا بأمَاني أهل الكِتَابِ، والخطابُ للمُسْلِمين؛ لأنَّه لا يُؤمن بوعِد الله إلا مَنْ آمَن بِهِ". وأمَّا عَوْدُه على ما يَدُلُّ عليه اللَّفْظ، فقيل: هو الإيمان المَفْهُومُ من قوله: "والذين آمنوا" وهو قولُ الحسن، وعنه: "ليس الإيمانُ بالتَّمَنِّي". وأمَّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه السَببُ، فقيل: يعودُ على مُجَاوَرةِ المُسْلِمِين مع أهلِ الكِتَابِ، وذلك أنَّ بعضهم قال: "دينُنا قبل دينِكُم، ونبيُّنَا قبل نَبيِّكم؛ فنحن أفضلُ"، وقال المُسْلِمُون: "كتابُنا يَقْضِي على كِتابِكم، ونبينا خَاتَمُ الأنْبِياء" فنزلت. وقيل: يعودُ على الثَّوابِ والعِقَاب، أي: ليس الثَّوَابُ على الحَسَنَاتِ، ولا العقابُ على السيّئات بأمانيكم. وقيل: قالت اليهودُ {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18]، ونحن أصْحَاب الجَنَّة، وكذلك النَّصَارى، وقالت كُفَّار قُرَيْش: لا نُبْعَثُ؛ فنزلت، أي: ليس ما ادَّعَيْتُمُوه يا كُفَّارَ قريش بأمانيِّكم. وقرأ الحسن، وأبُو جَعْفَر، وشَيْبةُ بن نصاح، والحَكَم، والأعْرَج: "أمانيكم"، "ولا أمَانِي" بالتَّخْفِيف كأنَّهم جَمَعُوه على فَعَالِل دون فَعَالِيل؛ كما قالوا: قَرْقُور وقراقير وقراقِر، والعرب تُنْقِصُ من فَعَالِيل اليَاء، كما تزيدُها في فَعَالِل، نَحْو قوله: شعر : 1881-............................ ............... تَنْقادَ الصَّيَارِيفِ تفسير : فصل قال مَسْرُوق، وقتادة، والضَّحَّاك: أراد: ليس بأمَانِيِّكم أيها المُسْلِمُون ولا أمَانيِّ أهل الكِتَاب، يعني: اليَهُودَ والنَّصارى؛ وذلك أنَّهم افْتَخَرُوا، فقال أهْلُ الكتاب: نَبِيُّنَا قَبْل نبِيِّكُم، وكِتَابُنَا قبل كِتَابِكُم، فنحن أوْلَى باللَّه مِنْكُم. وقال المُسْلِمُون: نبينا خاتمُ الأنْبِيَاء، وكتابُنَا يَقْضِي على الكُتُب وقد آمَنَّا بكتابِكُم، ولم تُؤمنوا بِكتابِنَا؛ فنحن أولى. وقال مُجَاهِد: الآية خطاب لِعَبَدَة الأوْثان، يعني: مُشرِكِي أهل مَكَّة، وذلك أنَّهم قالوا: لا بَعْث ولا حِسَابَ، وقال أهل الكِتَاب: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة: 80]، و{أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة:111]، فأنزل اللَّه الآية، وإنما الأمْر بالعَمَل الصَّالِح. قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}: جملة مُسْتأنفة مؤكِّدةٌ لحكم الجُمْلَة قبلها. قالت المُعْتَزِلَةُ: هذه الآية دالَّة على أنَّه [- تعالى -] لا يعفُو عن شَيْءٍ من السَّيِّئَات. وليس لِقَائِل أن يقُول: هذا يُشْكِلُ بالصَّغَائِر، فإنها مَغْفُورَةٌ. فالجواب عنه من وَجْهَيْن: الأول: أن العَامَّ بعد التَّخْصِيص حُجَّة. والثاني: أن صاحب الصَّغِيرة قد حَبَط من ثَوَابِ طَاعته بِمقْدَار عِقَاب تلك المَعْصِيَة، فههنا قد وَصَل خبر تلك المَعْصِيَة إليه. وأجابوا بأنه لِمَ لا يجُوز أن يَكُون المُرَادُ من هَذَا الجَزَاء ما يَصل إلى الإنْسَان [في الدُّنْيَا] من الهُمُوم والآلاَم والأسْقَام؛ ويَدُلَّ على ذلك قوله: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا} تفسير : [المائدة: 38] سمَّى القطع جَزَاءً. ورُوِي: "حديث : أنَّه لما نَزَلت هذه الآيَة قال أبو بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - كيف الصَّلاح بعد هَذِه الآيَة؟، فقال - [عليه الصلاة والسلام] - غفر اللَّه لكَ يا أبَا بَكْرٍ، ألست تَمْرَض؟ ألَيْس تُصِيبُكَ الآلام؟ فهو ما تُجْزَوْن به ". تفسير : وعن عَائِشَة - رضي الله عنها -[أن] "حديث : رجلاً لما قَرَأ هذه الآيَة. فقال: [إن كان] الجَزَاء بكلِّ ما نَعْمَل، لقد هَلَكْنا، فبلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَلاَمُهُ؛ فقال: يُجْزَى المُؤمِنُ في الدنيا بِمُصِيبَةٍ في جَسَدِه وما يُؤذِيه ". تفسير : وعن أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه -: حديث : لمَّا نَزَلَت هذه الآية بَكَيْنَا، وحِزِنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبْقَت هذه [الآية] لنا شَيْئاً، فقال - عليه الصلاة والسلام -: "أبشروا فإنَّه لا يُصِيبُ أحداً منكم مُصِيبَةٌ في الدُّنْيَا، إلا جَعَلَهَا الله له كَفَّارة؛ حتَّى الشَّوْكَة التي تَقَع في قَدَمِه" ". تفسير : وأيضاً: هَبْ أن ذَلِك الجَزَاء إنَّما يصل إلَيْهم يوم القِيَامة، لكن لم لا يَجُوز أن يَصِل الجَزَاء بتنقِيص ثَوَابِ إيمانِه، وسائر طَاعَاتِه؛ كقوله - تعالى -: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} تفسير : [هود: 114]. ولما رَوَى الكلبي، عن أبِي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ، أنَّه قال: "حديث : لمّا نَزَلت هَذِه الآيَة شقت على المُؤمِنِين مَشَقَّة شَدِيدة، قالوا: يا رسُول الله، وأيُّنَا لم يعمل سُوءاً، فكيف الجَزَاءُ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: إنَّه - تعالى - وعد على الطَّاعَةِ عَشْر حَسَناتٍ، وعلى المَعْصِيَة الوَاحِدة عُقُوبَة واحدة، فمن جُوزي بالسَّيِّئة، نَقَصَت وَاحِدة من عَشْرَة، وبقيت له تِسْع حَسَناتٍ، فويل لمن غلب آحَادُه أعْشَارَهُ ". تفسير : وأيضاً: فَهَذِه الآيَةُ إنَّما نزلت في الكُفَّار؛ لقوله [- تعالى -] بعدها: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ}. فالمؤمن الذي أطَاعَ اللًّه سَبْعِين سَنَةً، ثم شَرِب قَطْرةً من الخَمْر، فهو مؤمِنٌ قد عَمِل الصَّالِحَات؛ فوجب القَطْع بأنَّه يدخل الجَنَّةَ. وقولهم: خرج عن كوْنه مُؤمِناً، فهو باطل؛ للدلالة الدَّالَّة على أنَّ صَاحِب الكَبِيرة مُؤمِن؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} تفسير : [الحجرات: 9] إلى قوله: {أية : فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [الحجرات: 9] سَمَّى البَاغِي حَالَ كَوْنه باغياً: مُؤمِناً، وقوله {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} تفسير : [البقرة: 178] سَمَّى [قَاتِل العمد العُدْوَان مُؤمِناً]، وقوله {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} تفسير : [التحريم: 8] سَمَّاه مُؤمِناً حال مَا أمَره بالتَّوْبَة، وإذا ثَبَت أنَّ صَاحِب الكَبِيرَة مُؤمِنٌ، كان قوله [- تعالى -] {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} حُجَّةً في أنَّ المُؤمِن صاحب الكَبِيرَة من أهْلِ الجَنَّةِ؛ فوجبَ أن يكُون قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} مخصوصاً بأهْل الكُفْر. وأيضاً: فهَبْ أنَّ النَّصَّ يَعُمُّ المؤمِن والكَافِر، لكن قوله: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] أخص مِنْه، والخاصُّ مقدَّم على العَامِّ، والكَلاَمُ على العُمُومات قد تَقدَّم فِي قوله: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} تفسير : [البقرة: 81]. فصل في دلالة الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة دلت الآيَة على أنَّ الكُفَّار مخاطبون بفروع الإسْلام؛ لأن قوله - تعالى -: {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءًا} يتناول جَمِيع المُحَرًّماتِ، فيَدْخل فيه ما صَدَر عن الكُفَّار مما هو مُحَرَّم في دين الإسلام، وقوله: "يُجْزَ بِهِ" يدلُّ على وُصُولِ جَزَاء كُل ذلك إلَيْهم. فإن قِيلَ: لم [لا] يجُوز أن يَكُون ذَلِكَ الجَزَاء، عِبَارَة عمَّا يصل إليهم من الهُمُوم والغُمُوم في الدُّنْيَا. فالجَوَابُ أنَّه لا بُدَّ وأن يَصِل جَزَاء أعْمَالِهم الحَسَنة إليْهِم في الآخِرَة، وإذا كان كَذَلِك، اقْتَضَى أن يكُون تَنَعُّمُهم في الدُّنْيَا أكثر؛ ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - "حديث : الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤمِن وجَنَّةُ الكَافِرِ"تفسير : ؛ فامْتَنَع القَوْل بأنَّ جزاء أفْعَالِهِم المَحْظُورة تَصِلُ إليْهِم في الدُّنْيَا؛ فوجب القول بِوُصُول ذلك الجَزَاء [إليْهِم] في الآخرة. فصل في شبهة المعتزلة وردِّها قالت المُعْتَزِلَة: دلت [هذه] الآيَة على أنَّ العَبْد فَاعِلٌ، وعلى أنَّه بعملِ السُّوء يستحِقُّ الجَزَاء، وإذا كَانَ كَذَلِك، دلَّت على أنًّ اللَّه غير خَالِق لأفْعَال العِبَاد من وَجْهَيْن: أحدُهُما: أنه لما كان عَمَلاً للعبد، امْتَنَعَ كَوْنه عَمَلاً للَّه؛ لامتناع حُصُول مَقْدُورٍ واحدٍ بِقَادِرَيْن. والثاني: أنه لَو حَصَل بخلق اللَّه، لما استَحَقَّ العَبْد جَزَاءً ألْبَتَّة، وذلك بَاطِل؛ لأن الآيَة دلَّت على أن العَبْد يستحِقُّ الجزَاءَ على عملِهِ، وقد تقدَّمَ الجوابُ عن هذا الاسْتِدْلالِ. قوله: {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيراً} قرأ الجمهور بجزم "يَجِدْ"، عطفاً على جواب الشرط، وروي عن ابن عامر رفعه، وهو على القطع عن النسق. ثم يُحْتمل أن يكون مستأنفاً وأن يكونَ حالاً، كذا قيل، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ المضارع المنفي بـ "لا" لا يقترن بالواوِ إذا وقع حالاً. فصل في شبهة المعتزلة بنفي الشفاعة وردها قالت المُعْتَزِلَة: [دلت] الآية على نَفْي الشَّفَاعة، وأجَابُوا بوجهين: أحدهما: أنا بيَّنا أن هذه الآيَة في حقِّ الكُفَّار. والثَّاني: أن شفاعة الأنْبِيَاء والمَلاَئِكَة في حقِّ العُصَاة، إنَّما تكُون بإذن الله - تعالى -، وإذا كان كَذلِك، فلا وَلِيَّ لأحَدٍ ولا نصير، إلا اللَّه - سبحانه وتعالى -. قوله: {[ومن يعمل] من الصالحاتِ من ذكر} "من" الأولَى: للتَّبعيضِ؛ لأنَّ المكلَّف لا يطيق عَمَل كل الصَّالِحَات. وقال الطَّبَرِي: "هي زائدةٌ عند قَوْم" وفيه ضعفٌ، لعدم الشَّرْطَيْن، و"مِنْ" الثانية للتبيين، وأجاز أبو البقاء أن تكُونَ حالاً، وفي صَاحِبها وجهان: أحدهما: أنه الضَّميرُ المَرْفُوع بـ "يَعْمَل". والثاني: أنه الصَّالحات، أي: الصالحات كَائِنةً من ذكر أو أنثى، وقد تقدَّم إيضاح هذا في قوله: {أية : لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} تفسير : [آل عمران: 195] والكلامُ على "أوْ" أيضاً، وقوله: "وَهُوَ مُؤْمِنٌ" جملة حَالِيّة من فَاعِل "يَعْمَل". [قوله "يدخلون"] قرأ أبو عَمْرو، وابن كَثير، وأبُو بَكْر عن عَاصِم: "يُدْخَلون" هُنَا، وفي مَرْيم، وأوَّل غَافِر بضم حَرْف المُضَارَعة، وفتح الخَاء مبنياً للمَفْعُول، وانفردَ ابنُ كَثِيرٍ وأبو بكْرٍ بثانية غَافِر، وأبو عمرو بالتي في فَاطِر، والبَاقُون: بفتحِ حَرْفِ المُضَارعة، وضمِّ الخَاءِ مبنياً للفاعِل، وذلك للتفنُّنِ في البلاغَةِ. والأوّل أحْسن؛ لأنَّهُ أفْخَم، ولِكَوْنه مُوافقاً لقوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}. وأما القِرَاءة الثَّانية: فهي مُطَابِقَةٌ لقوله: {أية : ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} تفسير : [الزخرف: 70]، ولقوله {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ} تفسير : [الحجر: 46]. والنقير: النَّقْرَة في ظَهْر النَّوَاة، مِنْها تَنْبُت النَّخْلَة، والمَعْنَى: أنَّهم لا يُنْقَصُون قدر مَنْبَت النَّوَاة. فإن قِيلَ: لم خصَّ اللَّه الصالِحينَ بأنَّهم لا يُظْلَمُونَ، مع أنَّ غيرهم كَذَلِك؛ كما قال: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46]، وقوله {أية : وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 108]. فالجواب: من وجهين: الأول: أن يَكُون الرَّاجع في قوله: "ولا يُظْلَمُونَ" عائداً إلى عُمَّال السُّوءِ، وعُمَّال الصَّالِحَات جَمِيعاً. والثَّاني: أن من لا يُنْقِصُ من الثَّواب، أولى بأن لا يَزِيدَ في العِقَابِ. روى الأعْمَش، عن أبي الضُّحَى عن مَسْرُوقٍ، قال: لمَّا نَزَل {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال أهْل الكِتَاب: نَحْنُ وأنْتُم سَوَاءٌ، فَنَزَلتْ: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية، ونزل أيْضاً: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ} تفسير : [النساء: 125]. فصل: صاحب الكبيرة لا يخلد في النار وهذه الآية من أدَلِّ الدَّلائِل على أن صَاحِبَ الكَبِيرَة لا يُخَلَّد [في النَّارِ] بل ينقل إلى الجَنَّة؛ لأنَّا بينَّا أن صاحِبَ الكبِيرَة مؤمن، وإذا ثَبَتَ ذَلِك، وكان قد عَمِلَ الصَّالِحَات، وجب أنْ يدْخُل الجَنَّة، لهذه الآية، ولزم بِحُكْم الآيَات الدَّالَّة على وَعِيد الفُسَّاق أن يَدْخُل النَّار، فإمَّا أن يدْخُل النَّار، ثم يَنْتَقِل إلى النَّارِ، وذلك بَاطِلٌ بالإجْماع، أو يَدْخُل النَّار، ثم ينتقل إلى الجَنَّة، وذلك هُو المَطْلُوب.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ قالت العرب‏:‏ لا نبعث ولا نحاسب، وقالت اليهود والنصارى ‏{أية : ‏لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى‏} ‏تفسير : [‏البقرة: 111‏]‏‏.‏ وقالوا ‏{أية : ‏لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة‏}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 80‏]‏ فأنزل الله ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏}‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق قال‏:‏ احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال المسلمون‏:‏ نحن أهدى منكم‏.‏ وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب‏}‏ فانفلج عليهم المسلمون بهذه الآية ‏{أية : ‏ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 124‏]‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق قال‏:‏ تفاخر النصارى وأهل الإسلام فقال هؤلاء‏:‏ نحن أفضل منكم‏.‏ وقال هؤلاء‏:‏ نحن أفضل منكم‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب‏} ‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب‏:‏ نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم‏.‏ وقال المسلمون‏:‏ نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏ومن أحسن دينا‏ً} ‏ الآية‏.‏ فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقالت اليهود للمسلمين‏:‏ نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً‏.‏ وقالت النصارى مثل ذلك‏.‏ فقال المسلمون‏:‏ كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وديننا بعد دينكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا‏.‏ فرد الله عليهم قولهم فقال ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ ثم فضل الله المؤمنين عليهم فقال ‏{أية : ‏ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 125‏]‏‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك قال‏:‏ تخاصم أهل الأديان فقال أهل التوراة‏:‏ كتابنا أول كتاب وخيرها، ونبينا خير الأنبياء‏.‏ وقال أهل الإنجيل نحواً من ذلك، وقال أهل الإسلام‏:‏ لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرنا أن نعمل بكتابنا ونؤمن بكتابكم، فقضى الله بينهم فقال ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ ثم خير بين أهل الأديان ففضل أهل الفضل فقال ‏{أية : ‏ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن‏.‏‏.‏‏.‏‏} تفسير : ‏[‏النساء: 125‏]‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق جويبر عن الضحاك قال‏:‏ افتخر أهل الأديان، فقالت اليهود‏:‏ كتابنا خير الكتب وأكرمها على الله، ونبينا أكرم الأنبياء على الله موسى خلا به وكلمه نجيا، وديننا خير الأديان‏.‏ وقالت النصارى‏:‏ عيسى خاتم النبيين، آتاه الله التوراة والإنجيل، ولو أدركه محمد تبعه، وديننا خير الدين‏.‏ وقالت المجوس وكفار العرب‏:‏ ديننا أقدم الأديان وخيرها‏.‏ وقال المسلمون‏:‏ محمد رسول الله خاتم الأنبياء وسيد الرسل، والقرآن آخر ما نزل من عند الله من الكتب، وهو أمير على كل كتاب، والإسلام خير الأديان، فخير الله بينهم فقال ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ يعني بذلك اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ثم فضل الإسلام على كل دين فقال‏:‏ ‏{أية : ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله‏} ‏تفسير : [‏النساء: 125‏]‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ قال أهل التوراة‏:‏ كتابنا خير الكتب أنزل قبل كتابكم، ونبينا خير الأنبياء‏.‏ وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام‏:‏ كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم فقال ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ وخير بين أهل الأديان فقال ‏{أية : ‏ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 125‏]‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال‏:‏ جلس أناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الإيمان، فقال هؤلاء‏:‏ نحن أفضل منكم‏.‏ وقال هؤلاء‏:‏ نحن أفضل‏.‏ فقال الله ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ ثم خص الله أهل الأديان فقال ‏{أية : ‏ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 124‏]‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب‏} ‏ قال‏:‏ قريش وكعب بن الأشرف‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال‏:‏ إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ قالت اليهود والنصارى‏:‏ لا يدخل الجنة غيرنا‏.‏ وقالت قريش‏:‏ لا نبعث‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏}‏ والسوء‏:‏ الشرك‏.‏ وأخرج أحمد وهناد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وأبو يعلى وابن المنذر وابن حبان وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان والضياء في المختارة ‏حديث : ‏عن أبي بكر الصديق. أنه قال "‏‏يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ فكل سوء جزينا به‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تنصب، ألست تمرض، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء‏؟ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏: فهو ما تجزون به‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن مردويه والخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عمر قال‏:‏ سمعت أبا بكر يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعيد والترمذي الحكيم والبزار وابن المنذر والحاكم عن ابن عمر. أنه مر بعبدالله بن الزبير وهو مصلوب فقال‏:‏ رحمك الله يا أبا خبيب، سمعت أباك الزبير يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ "حديث : من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر ‏ ‏حديث : عن أبي بكر الصديق قال‏:‏ كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً‏} ‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: "‏يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت عليّ‏؟‏ قلت‏:‏ بلى يا رسول الله، فاقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ مالك يا أبا بكر‏؟ قلت‏:‏ بأبي وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن عائشة ‏ ‏حديث : عن أبي بكر قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ قال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله كل ما نعمل نؤاخذ به‏؟‏ فقال‏: ‏"يا أبا بكر أليس يصيبك كذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏ فهو كفارة"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن مسروق قال‏:‏ ‏حديث : قال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله ما أشد هذه الآية ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن عائشة. ‏حديث : أن رجلاً تلا هذه الآية ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏}‏ قال‏:‏ إنا لنجزى بكل ما عملناه هلكنا إذن، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏: "‏‏نعم، يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه، في جسده، فيما يؤذيه" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي ‏ ‏حديث : عن عائشة قالت‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله إني لأعلم أشد آية في القرآن قال‏ "‏ما هي يا عائشة‏؟ قلت‏:‏ ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ فقال‏: هو ما يصيب العبد من السوء حتى النكبة ينكبها، يا عائشة من نوقش هلك، ومن حوسب عذب‏. فقلت‏:‏ يا رسول الله أليس الله يقول ‏{‏فسوف يحاسب حساباً يسيرا‏ً} ‏ قال‏: ذاك العرض، يا عائشة من نوقش الحساب عن هذه الآية ‏{‏من يعمل سوءاً يجز به‏}‏ قال‏:‏ "إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى في الغط عند الموت"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي المهلب قال‏:‏ رحلت إلى عائشة في هذه الآية ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ قالت‏:‏ هو ما يصيبكم في الدنيا‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال‏:‏‏حديث : ‏ لما نزلت ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏}‏ شق ذلك على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء الله، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: "‏سددوا وقاربوا، فإن في كل ما أصاب المسلم كفارة، حتى الشوكة يُشَاكَهَا، والنكبة ينكبها‏"‏ تفسير : . وفي لفظ عند ابن مردويه‏:‏ بكينا وحزنا وقلنا‏:‏ يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء‏!‏ قال‏:‏ "حديث : أما والذي نفسي بيده إنها لكما نزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا، إنه لا يصيب أحد منكم مصيبة في الدنيا إلا كفر الله بها خطيئته، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد ومسدد وابن أبي الدنيا في الكفارات وأبو يعلى وابن حبان والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قال رجل‏:‏ يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها‏؟‏ قال‏:‏ كفارات‏.‏ قال أبي‏:‏ وإن قلت‏؟‏ قال‏:‏ وإن شوكة فما فوقها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن راهويه في مسنده عن محمد بن المنتشر قال‏:‏ قال رجل لعمر ابن الخطاب‏:‏ إني لا أعرف أشد آية في كتاب الله‏.‏ فأهوى عمر فضربه بالدرة وقال‏:‏ مالك نقبت عنها‏؟‏ فانصرف حتى كان الغد قال له عمر‏:‏ الآية التي ذكرت بالأمس‏؟‏ فقال ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ فما منا أحد يعمل سوءاً إلا جزي به‏.‏ فقال عمر‏:‏ لبثنا حين نزلت ما ينفعنا طعام ولا شراب حتى أنزل الله بعد ذلك، ورخص وقال‏:‏ ‏{أية : ‏ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما‏ً}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 110‏]‏‏. ‏ وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه والبيهقي ‏‏حديث : عن أمية بنت عبدالله قالت‏:‏ سألت عائشة عن هذه الآية ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏}‏ فقالت‏:‏ لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد بعد أن سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ "يا عائشة هذه مبايعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والحزن والنكبة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها تحت ضبنه، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي عن زياد بن الربيع قال‏:‏ قلت لأبي بن كعب‏:‏ آية في كتاب الله قد أحزنتني قال‏:‏ ما هي‏؟‏ قلت ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ قال‏:‏ ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى، إن المؤمن لا تصيبه مصيبة، عثرة قدم ولا اختلاج عرق ولا نحبة نملة إلا بذنب، وما يعفوه الله عنه أكثر حتى اللدغة والنفحة‏.‏ وأخرج هناد وأبو نعيم في الحلية عن إبراهيم بن مرة قال‏:‏ جاء رجل إلى أبي فقال‏:‏ يا أبا المنذر آية في كتاب الله قد غمتني، قال‏:‏ أي آية‏؟‏ قال ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ قال‏:‏ ذاك العبد المؤمن، ما أصابته من نكبة مصيبة فيصبر، فليقى الله عز وجل ولا ذنب له‏. ‏ وأخرج ابن جرير ‏حديث : عن عطاء بن أبي رباح قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ قال أبو بكر‏:‏ جاءت قاصمة الظهر‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"إنما هي المصيبات في الدنيا"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس. إن ابن عمر لقيه حزيناً فسأله عن هذه الآية ‏ {‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ فقال‏:‏ ما لكم ولهذه، إنما هذه للمشركين، قريش وأهل الكتاب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ يقول: من يشرك يجز به وهو السوء {ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا‏ً} ‏ إلا أن يتوب قبل موته، فيتوب الله عليه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد والحكيم الترمذي والبيهقي عن الحسن في قوله ‏{‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ قال‏:‏ إنما ذاك لمن أراد الله هوانه، فأما من أراد الله كرامته فإنه يتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون‏.‏ وأخرج البيهقي عن أنس قال‏:‏ ‏ ‏"حديث : ‏أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم شجرة، فهزها حتى تساقط من ورقها ما شاء الله أن يتساقط، ثم قال‏: الأوجاع والمصيبات أسرع في ذنوب بني آدم مني في هذه الشجرة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وفي ولده وماله حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن السائب بن خلاد ‏"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والحكيم الترمذي عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن عائشة‏ ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وجع، فجعل يشتكي ويتقلب على فراشه، فقالت عائشة‏:‏ لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: إن الصالحين يشدد عليهم، وأنه لا يصيب مؤمناً نكبة من شوكة فما فوق ذلك إلا حطت به عنه خطيئة ورفع له بها درجة ‏‏".‏ تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما يصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وهناد في الزهد معاً عن أبي بكر الصديق قال‏:‏ إن المسلم ليؤجر في كل شيء، حتى في النكبة وانقطاع شسعه، والبضاعة تكون في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ‏ ‏‏حديث : عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله أي الناس أشد بلاء‏؟‏ قال‏: "النبيون، ثم الأمثل من الناس، فما يزال بالعبد البلاء حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن معاوية‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفَّر الله عنه به من سيئاته ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏صداع المؤمن، أو شوكة يشاكها، أو شيء يؤذيه، يرفعه الله بها يوم القيامة درجة، ويكفر عنه بها ذنوبه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن بريدة الأسلمي. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : ما أصاب رجلاً من المسلمين نكبة فما فوقها - حتى ذكر الشوكة - إلا لإحدى خصلتين‏:‏ إلا ليغفر الله من الذنوب ذنباً لم يكن ليغفر الله له إلا بمثل ذلك، أو يبلغ به من الكرامة كرامة لم يكن يبلغها إلا بمثل ذلك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود قال‏:‏ إن الوجع لا يكتب به الأجر، إنما الأجر في العمل، ولكن يكفِّر الله به الخطايا‏.‏ وأخرج ابن سعد والبيهقي عن عبدالله بن أياس بن أبي فاطمة عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أيكم يحب أن يصح فلا يسقم‏؟ قالوا‏:‏ كلنا يا رسول الله قال‏: أتحبون أن تكونوا كالحمير الضالة‏" تفسير : وفي لفظ‏:‏ الصيالة، "حديث : ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء، وأصحاب كفارات‏؟‏ والذي نفسي بيده إن الله ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته عليه، وإن العبد لتكون له الدرجة في الجنة لا يبلغها بشيء من عمله حتى يبتليه بالبلاء ليبلغ به تلك الدرجة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا والبيهقي عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده وكانت له صحبة قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الرجل لتكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه ذلك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي من طريق أحمد بن أبي الحواري قال‏:‏ سمعت أبا سليمان يقول‏:‏ مر موسى عليه السلام على رجل في متعبد له، ثم مر به بعد ذلك وقد مزقت السباع لحمه، فرأس ملقى، وفخذ ملقى، وكبد ملقى، فقال موسى‏:‏ يا رب عبدك كان يطيعك فابتليه بهذا‏؟‏‏!‏ فأوحى الله إليه‏:‏ يا موسى إنه سألني درجة لم يبلغها بعمله، فابتليه بهذا لأبلغه بذلك الدرجة‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن عائشة‏: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏حديث : ‏ ما ضرب من مؤمن عرق إلاَّ حَطَّ الله به عنه خطيئة، وكتب له به حسنة، ورفع له به درجة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله ليبتلي عبده بالسقم حتى يكفِّر كل ذنب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن عبدالله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من صدع في سبيل الله ثم احتسب غفر الله له ما كان قبل ذلك من ذنب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يزال الصداع والمليلة بالمرء المسلم حتى يدعه مثل الفضة البيضاء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عامر أخي الخضر قال‏:‏ إني لبأرض محارب إذا رايات وألوية فقلت‏:‏ ما هذا‏؟‏‏!‏ قالوا‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فجلست إليه وهو في ظل شجرة قد بسط له كساء وحوله أصحابه، فذكروا الأسقام فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن العبد المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل من عمره، وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه، لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أطلقوه‏. فقال رجل‏:‏ يا رسول الله ما الأسقام‏؟‏ قال‏: أو ما سقمت قط‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فقم عنا فلست منا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : ما من عبد يصرع صرعة من مرض إلا بعثه منه طاهراً ‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن العبد إذا مرض أوحى الله إلى ملائكته‏:‏ يا ملائكتي إذا قيدت عبدي بقيد من قيودي فإن أقبضه أغفر له، وإن أعافه فجسده مغفور لا ذنب له‏ "تفسير : . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "حديث : إن الله لَيُجرِّبَ أحدكم البلاء - وهو أعلم - كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار، فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز، فذلك الذي نجاه الله من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك، فذلك الذي يشك بعض الشك، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود، فذلك الذي قد افتتن‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريق بشير بن عبدالله بن أبي أيوب الأنصاري عن أبيه عن جده قال‏:‏ ‏حديث : عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأنصار، فأكبَّ عليه فسأله فقال‏:‏ يا نبي الله ما غمضت منذ سبع ليال، ولا أحد يحضرني‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏أي أخي اصبر، أي أخي اصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ساعات الأمراض يذهبن ساعات الخطايا" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن الحكم بن عتبة رفعه قال‏ ‏"‏إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له من العمل ما يكفر ذنوبه، ابتلاه الله بالهم يكفر به ذنوبه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن عدي والبيهقي وضعفه عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله ليبتلي عبده بالبلاء والألم حتى يتركه من ذنبه كالفضة المصفاة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن المسيب بن رافع. أن أبا بكر الصديق قال‏:‏ إن المرء المسلم يمشي في الناس وما عليه خطيئة‏.‏ قيل‏:‏ ولم ذلك يا أبا بكر‏؟‏ قال‏:‏ بالمصائب والحجر والشوكة والشسع ينقطع‏.‏ وأخرج أحمد عن أبي الدرداء"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:حديث : ‏ إن الصداع والمليلة لا يزال بالمؤمن وإن ذنبه مثل أحد فما يتركه وعليه من ذلك مثقال حبة من خردل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن خالد بن عبدالله القسري عن جده يزيد بن أسد. أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : المريض تحات خطاياه كما يتحات ورق الشجر ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال‏:‏ ما يسرني بليلة أمرضها حمر النعم‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عياض بن غضيف قال‏:‏ دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده، فإذا وجهه مما يلي الجدار، وامرأته قاعدة عند رأسه قلت‏:‏ كيف بات أبو عبيدة‏؟‏ قالت‏:‏ بات بأجر‏.‏ فأقبل علينا بوجهه فقال‏:‏ إني لم أَبِتْ بأجر، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال‏:‏ إن المؤمن يصيبه الله بالبلاء ثم يعافيه فيكون كفارة لسيئاته ومستعتباً فيما بقي، وإن الفاجر يصيبه الله بالبلاء ثم يعافيه فيكون كالبعير عقله أهله، لا يدري لمَ عقلوه ثم أرسلوه فلا يدري لمَ أرسلوه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمار. أنه كان عنده أعرابي، فذكروا الوجع فقال عمار‏:‏ ما اشتكيت قط‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فقال عمار‏:‏ لست منا، ما من عبد يبتلى إلا حط عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها، وإن الكافر يبتلى فمثله مثل البعير عُقِل فلم يدرِ لمَ عَقِلْ، وأُطْلِقَ فلم يدرِ لمَ أُطْلِقَ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ قال‏:‏ الشرك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير‏.‏ مثله‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ قال‏:‏ الكافر، ثم قرأ ‏{أية : وهل يُجازي إلا الكفور‏}‏ ‏تفسير : [‏سبأ: 17‏]‏.

القشيري

تفسير : مَنْ زَرَعَ الحنظل لم يجتْنِ الورد والعبهر، ومن شرب السُّمَّ الزَّعاف لم يجد طعم العسل، كذلك مَنْ ضيَّعَ حقَّ الخدمة لم يستمكِنْ على بساط القربة، وَمَنْ وُسِمَ بالشِّقوة لم يُرْزَقْ الصفوة، ومَنْ نَفَتْه القضية فلا ناصرَ له من البَريَّة. قوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ} الآية. مَنْ تَعَنَّي في خدمتنا لم يبق عن نَيْلِ نعمتنا، بل من أغنيناه في طلبنا أكرمناه بوجودنا، بل من جرَّعْنَاه كأسَ اشتياقنا أنلناه أُنْسَ لقائنا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} حقيقة هذه الاية قطع اسباب الحدث عن جناب القدم وافراد الازل عن الحوادث وان الخليقة للعبودية لا للربوبية اى ما دام انتم فى رق العبودية يجازيكم باعمالكم ليس كما يجرى على خواطر الاولياء ان ما دام بينى وبينهم نسبة المحبة اجازيهم وباشتغالهم يغيرى ولا احاسبهم بالعثرات والزلات فانى منزه عن ان يدركنى احد بنعت ----- على فحقوقى قائمة على عبادى ابدا وهذا معنى قوله ليس بامانيكم الاية لانه وان كان عزيزا على لم يخرج من رق العبودية وانا اجازيه بالسيئة بعد ان وقعته فيها تربية لا حرمانا واذا مال خاطر العبد العارف الى مراد نفسانى فذلك الخاطر فى حساب المعرفة سوء فيجازيه باستعماله وهذا اشارة قوله من يعمل سؤ يجزيه فذلك سؤ جزاء سوء الخاطر امتحانه لتربيته ومن لم يعرفه فوجده كله سوء فمن عرفه غيره فالكل قد وقفوا فيه العالم والجاهل فى مدارك عرفانه فى عين النكرة والنركرة لا يتناهى والعبد فى جميع الانفاس فى جزاء النكرة بعد النكرة وهذا معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال لو ان الله تعالى عذب جميع الملائكة لكان حقا له قيل انهم معصومون قال من قلة معرفتهم بربهم وهذا الامتحان فى دار الدنيا لتقديس اسرارهم عما دون الله وتخفيق مطايا قلوبهم عن غبرا الاوزار فى تلك المراء التى هى مجال الانس ومحافل الطرب حيث هرب الهرب.

اسماعيل حقي

تفسير : {ليس بامانيكم} جمع امنية بالفارسية "آرزوكردن" {ولا امانى اهل الكتاب} اى ليس ما وعد الله من الثواب يحصل بامانيكم ايها المسلمون ولا بامانى اهل الكتاب وانما يحصل بالايمان والعمل الصالح. وامانى المسلمين ان يغفر لهم جميع ذنوبهم من الصغائر والكبائر ولا يؤاخذوا بسوء بعد الايمان. وامانى اهل الكتاب ان لا يعذبهم الله ولا يدخلهم النار الا اياما معدودة لقولهم {أية : نحن ابناء الله واحباؤه} تفسير : [المائدة: 18]. فلا يعذبنا وعن الحسن ليس الايمان بالتمنى ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل ان قوما الهتهم امانى المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله وكذبوا لو احسنوا الظن بالله لاحسنوا العمل. قال بعضهم الرجاء ما قارنه عمل والا فهو امنية والامنية منية اى موت اذ هى موجبة لتعطيل فوائد الحياة: قال السعدى شعر : قيامت كه بازار نيهو نهند منازل باعمال نيكونهند بضاعت بجندانكه آرى برى اكر مفلسى شرمسارى برى كسى راكه حسن عمل بيشتر بدركاه حق منزلت بيشتر تفسير : ثم انه تعالى اكد حكم الجملة الماضية وقال {من يعمل سوأ} عملا قبيحا {يجز به} عاجلا او آجلا لما "حديث : روى انه لما نزلت قال ابو بكر رضى الله عنه فمن ينجو مع هذا يا رسول الله فقال عليه السلام "اما تحزن اما تمرض اما يصيبك اللاواء" قال بلى يا رسول الله قال "هو ذلك"" حديث : قال ابو هريرة رضى الله عنه لما نزل قوله تعالى {من يعمل سوأ يجز به} بكينا وحزنا وقلنا يا رسول الله ما ابقت هذه الآية من شىء قال"اما والذى نفسى بيده لكما انزلت ولكن يسروا وقاربوا وسددوا " .تفسير : اى اقصدوا السداد اى الصواب "حديث : ولا تفرطوا فتجهدوا انفسكم فى العبادة لئلا يفضى ذلك بكم الى الملال فتتركوا العمل " .تفسير : كذا فى المقاصد الحسنة {ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} اى ولا يجد لنفسه اذا جاوز موالاة الله ونصرته من يواليه وينصره فى دفع العذاب عنه {ومن يعمل من الصالحات} من للتبعيض اى بعضها وشيئاً منها فان كل احد لا يتمكن من كلها وليس مكلفا بها وانما يعمل منها ما هو تكليفه وفى وسعه وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة وتقسط عنه الصلاة فى بعض الاحوال {من ذكر او انثى} فى موضع الحال من المستكن فى يعمل ومن للبيان {وهو مؤمن} حال شرط اقتران العمل بها فى استدعاء الثواب المذكور لانه لا اعتداد بالعمل بدون الايمان فيه {فاولئك} المؤمنون العاملون {يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا} اى لا ينقصون مما استحقوه من جزاء اعمالهم مقدار النقير وهى النقرة اى الحفرة التى فى ظهر النواة ومنها تنبت النخلة وهو علم فى القلة والحقارة واذا لم ينقص ثواب المطيع فبالحرى ان لا يزاد عقاب العاصى لان المجازى ارحم الراحمين وفى الحديث "حديث : ان الله وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزى بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده اعشاره " .تفسير : اى سيآته على حسناته. قال النيسابورى حكمة تضعيف الحسنات لئلا يفلس العبد اذا اجتمع الخصماء فى طاعته فيدفع اليهم واحدة ويبقى له تسع فمظالم العباد توفى من التضعيفات لا من اصل حسناته لان التضعيف فضل من الله تعالى واصل الحسنة الواحدة عدل منه واحدة بواحدة. وقد ذكر الامام البيهقى فى كتاب البعث فقال ان التضعيفات فضل من الله تعالى لا تتعلق بها العباد كما لا تتعلق بالصوم بل يدخرها الحق للعبد فضلا منه سبحانه فاذا دخل الجنة اثابه بها: قال السعدى قدس سره شعر : نكوكارى ازمردم نيك رأى يكى رابده مى نويسد خداى جوانا ره طاعت امروز كير كه فردا جوانى نيايد زبير ره خير بازست وطاعت وليك نه هر كس تواناست بر فعل نيك همه برك بودن همى ساختى بتدبير رفتن نبرداختى تفسير : واعلم ان جميع الاعمال الصالحة يزيد فى نور الايمان فعليك بالطاعات والحسنات والوصول الى المعارف الآلهية فان العلم بالله افضل الاعمال ولذلك لما "حديث : قيل يا رسول الله أى الاعمال افضل قال "العلم بالله" فقيل الاعمال نريد قال "العلم بالله" فقيل نسأل عن العمل وتجيب عن العلم فقال "ان قليل العمل ينفع مع العلم وان كثير العمل لا ينفع مع الجهل" " .تفسير : وذلك انما يحصل بتصفية الباطن مع صيقل التوحيد وانواع الاذكار ولا يعقلها الا العالمون. والاشارة {ليس بامانيكم} يعنى بامانى عوام الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون ان يغفر الله لهم والله تعالى يقول {أية : وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا} تفسير : [طه: 82]. {ولا امانى اهل الكتاب} يعنى العلماء السوء الذين يغرون الخلق بالرجاء المذموم ويقطعون عليهم طريق الطلب والجد والاجتهاد {من يعمل سوأ يجز به} فى الحال باظهار الرين على مرآة قلبه بعد الذنب كما قال عليه السلام "حديث : اذا اذنب عبد ذنبا نكت فى قلبه نكتة سوداء فان تاب ورجع منه صقل " .تفسير : {ولا يجد له من دون الله وليا} يخرجه من ظلمات المعصية الى نور الطاعة بالتوبة {ولا نصيرا} سوى الله ينصره بالظفر على النفس الامارة فيزكيها عن صفاتها وعلى الشيطان فيدفع شره وكيده {ومن يعمل من الصالحات} اى الخالصات {من ذكر او انثى} يشير بالذكر الى القلب وبالانثى الى النفس {وهو مؤمن} مخلص فى تلك الاعمال {فاولئك يدخلون الجنة} المعنى ان القلب اذا عمل بما وجب عليه من التوجه الى العالم العلوى والاعراض عن العالم السفلى وغض البصر عن سوى الحق يستوجب دخول جنة القربة والوصلة والنفس اذا عملت بما وجب عليها من الانتهاء عن هواها وترك حظوظها واداء حقوق الله تعالى فى العبودية واطمأنت بها تستحق الرجوع الى ربها والدخول فى جنة عالم الارواح كما قال تعالى {أية : يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى الى ربك راضية مرضية} تفسير : [الفجر: 27-28]. {ولا يظلمون نقيرا} فيما قدر لهم الله من الاعمال الصالحات ولا من الدرجات والقربات فليس من تمنى نعمته من غير ان يتعنى فى خدمته كمن تعنى فى خدمته من غير ان يتمنى نعمته وان بينهما بونا بعيدا من اعلى مراتب القرب الى اسفل سافلين البعد كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: اسم ليس ضمير الأمر، أي: ليس الأمر بأمانيكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ليس} هذا الوعد الذي ذكرت لأهل الإيمان يُنَال {بأمانيكم} أي: تمنيكم أيها المسلمون، ولا بأماني {أهل الكتاب}، أي: لا يكون ما تتمنون ولا ما يتمنى أهل الكتاب، بل يحكم الله بين عباده ويجازيهم بأعمالهم. رُوِي أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى منكم، نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب المتقدمة، فنزلت. وقيل: الخطاب مع المشركين، وهو قولهم: لا جنة ولا نار، أو قولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لتكونن خيرًا منهم وأحسن حالاً. وأماني أهل الكتاب: قولهم {أية : لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} تفسير : [آل عِمرَان:24]، و {أية : لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارى}تفسير : [البَقَرَة:111]، ثم قرر ذلك فقال: {من يعمل سوءًا يجز به} عاجلاً أو آجلاً؛ لما رُوِي أنه لما نزلت قال أبو بكر: من ينجو مع هذا يا رسول الله، إن كنا مجزيين بكل سوء عملناه؟ فقال له ـ عليه الصلاة والسلام ـ " حديث : أما تحزن؟ أما تمرض؟ أما يصيبك اللأواء؟ تفسير : قال بلى يا رسول الله، قال: حديث : هو ذلك "تفسير : . فكل من عمل سوءًا جوزي به، {ولا يجد له من دون الله وليًا} يليه ويدفع عنه، {ولا نصيرًا} ينصره ويمعنه من عذاب الله. الإشاره: لا تُنال المراتب بالأماني الكاذبة والدعاوي الفارغة، وإنما تنال بالهمم العالية، والمجاهدات القوية، إنما تنال المقامات العالية بالأعمال الصالحة، والأحوال الصافية، وأنشدوا: شعر : بِقَدرٍ الكذِّ تُكتَسَبُ المَعَالِي من أراد العز سهر الليالي تُرِيدُ العزَّ ثُم تَنَامُ لّيلاً يَغُوضُ البحر مَن طَلَبَ اللآلي تفسير : ولما نزل قوله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب...} الآية. قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء.

الطوسي

تفسير : المعنى: في {ليس} ضمير والتقدير ليس الثواب بامانيكم، ولا أماني أهل الكتاب والاماني يخفف ويثقل فيقال بامانى وامانى على وزن افاعيل وفعالل كقراقير وقراقر. واختلفوا في من عنى بهذه الآية فقال مسروق تفاخر المسلمون، وأهل الكتاب، فقال المسلمون نحن اهدى منكم. وقال أهل الكتاب: نحن اهدى منكم. فانزل الله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به} فقال أهل الكتاب نحن وأنتم سوآء فانزل الله تعالى {ومن يعمل من الصالحات من ذكر وأنثى وهو مؤمن} ففلح المسلمون. ذهب الى ذلك قتادة والسدي، والضحاك وابو صالح. وقال مجاهد معناه ليس بامانيكم يعني أهل الشرك من قريش، لانهم قالوا: لا نبعث ولا نعذب، ولا اماني أهل الكتاب انهم خير من المسلمين، ولا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ذهب اليه ابن زيد وهذا الوجه أقوى لانه لم يجر لاماني المسلمين ذكر وقد جرى ذكر اماني الكفار في قوله: {ولأمنينهم} يعني الذي يتخذهم الشيطان نصيباً مفروضاً ويقوي ذلك أن الله تعالى قد وعد المؤمنين بقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} بادخال الجنة والخلود فيها. وتلك غاية أماني المسلمين، فكيف ينفي بعد ذلك امانيهم؟. وقوله: {ومن يعمل سوءً يجز به} اختلفوا في تأويله فقال قوم: إنه يريد بذلك جميع المعاصي صغائرها وكبائرها وإن من ارتكب شيئاً منها، فان الله يجازيه عليها. اما في الدنيا أو في الآخرة ذهب اليه قتادة وعائشة، ومجاهد. وقال آخرون: من يعمل سوءً من أهل الكتاب، نجزيه ذهب اليه، الحسن. قال: كقوله: {أية : وهل نجازي إلا الكفور }تفسير : وبه قال ابن زيد والضحاك وهو الذي يليق بمذهبنا، لانا نقطع على ان الكفار لا يغفر لهم على حال والمسلمون يجوز أن يغفر لهم ما يستحقونه من العقاب، فلا يمكننا القطع على أنه لا بد أن يجازي بكل سوءٍ. وقال قوم: معنى السوء ها هنا الشرك فمعنى الآية من يعمل الشرك يجز به ذهب اليه ابن عباس وسعيد بن جبير. وروى أبو هريرة انه لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين، فشكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال (صلى الله عليه وسلم):حديث : فادفعوا وتشددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها او الشوكة يشاكها تفسير : . وقيل لبعض الصحابة: أليس بمرض، اليست تصيب اللأواء؟. قال: بلى فهو ما تجزون به. وقوله: {ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} معناه ولا يجد الذي يعمل سوءً من معاصي الله، وخلاف أمره ولياً يلي أمره وينصره ويحامي عنه، ويدفع عنه ما ينزل به من عقوبة الله، {ولا نصيراً} يعني ناصراً ينصره مما يحل به من عقاب الله، واليم عذابه. واستدلت المعتزلة على المنع من غفران معاصي أهل الصلاة بهذه الآية. قالوا: لأنه تعالى بين أنه يجازي على كل سيئة، وذلك يمنع من جواز العفو قلنا: قد تكلمنا على نظير ذلك فيما مضى بما يمكن اعتماده ها هنا منها انا لا نسلم انها تستغرق جميع من فعل السوء، بل في أهل التأويل من قال: المراد به الشرك. وهو ابن عباس وقد قدمناه، ثم لا خلاف أن الآية مخصوصة، لأن التائب ومن كانت معصيته صغيرة، لا يتناوله العموم، فاذا جاز لهم تخصيص الفريقين، جاز لنا أن نخص من يتفضل الله عليه بالعفو. وهذا واضح وقد بينا الجواب عما يزاد على ذلك من الاسئلة بما فيه كفاية فيما مضى وفي كتاب شرح الجمل، لا نطول بذكره ها هنا.

الجنابذي

تفسير : {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} يعنى انتم واهل الكتاب بانتسابكم وانتحالكم النّسبة الى نبّى وكتاب تتمنّون ان يغفر الله لكم ذنوبكم كائنة ما كانت، وان يعامل الله معكم معاملة الوالد مع اعزّ اولاده، وليس الامر منوطاً بامانيّكم ولا امانّى اهل الكتاب بل {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} يعنى لستمّ ممّن يغفر او يمحى اويبدّل سيئّاتكم لانّ هذه لمن كان له نبىّ وامام يعنى نصير وولىّ، وانتم انحرفتم عن النّبوّة والولاية ولا ينفعكم انتحال احكام النّبوّة فمن يعمل منكم سوءً يجز به {وَلاَ يَجِدْ لَهُ} لنفسه {مِن دُونِ ٱللَّهِ} من دون مظاهره {وَلِيّاً} يلى اموره من امامٍ منصوبٍ من الله صاحب ولاية {وَلاَ نَصِيراً} من نبىٍّ بحقّ ينصره عمّا يضرّه، روى انّ اسمعيل (ع) قال للصّادق (ع): يا ابتاه ما تقول فى المذنب منّا ومن غيرنا؟ - فقال: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} وهو يشير الى تعميم الحكم ولا ينافى تخصيص الخطاب بالمنافقين المنتحلين.

اطفيش

تفسير : {لَّيْسَ}: ما وعد الله من الثواب. {بِأَمَانِيِّكُمْ}: ليس ثابتا بأمانيكم، أو ليس ينال بأمانيكم أيها المسلمون. {وَلا أَمَانِى أَهْلِ الكِتَابِ}: بل ينال بالايمان والعمل الصالح، ويثبت بهما، وقال: يحسن بما رسخ فى القلب، وصدقه العمل، تمنى المسلمون غفران ذنوبهم، وتمنى أهل الكتاب أن لا يدخلوا النار، ومتى دخلها منهم من يدخلها خرج بعد أيام معدودة، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونزلت الآية فى ذلك. وقال مسروق والحسن: قال أهل الكتاب للمسلمين: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضى على الكتب المتقدمة، ونحن آمنا بكتبكم ولم تؤمنوا بكتابنا، فنزلت الآية، وانما قلنا: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} خطابا للمسلمين، لأن أهل الكتاب ذكروا بعد، ومشركو العرب وسائر المشركين لم يؤمنوا بوعد الله. وقال مجاهد: الخطاب الأول لمشركى العرب، قالوا: لن نبعث، ولن نعذب، ولا جنة ولا نار، وان كان ذلك أخس حالا من المؤمنين وأهل الكتاب. وقالت اليهود والنصارى: لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى، وقالوا: لن تمسنا النار الا أياما معدودة، فنزلت الآية، قال الطبرى: قول مجاهد أولى بالصواب، يعنى لتقدم ذكر أهل المشركين، قيل: ولأنه ليس من شأن المسلمين تمنى الجنة والمغفرة بلا عمل، والأمانى جمع أمنية بضم الهمزة واسكان الميم وكسر النون وتشديد الياء، وهى ما يتمنى ويستعظم، كأحدوثة وأعجوبة فأصله أمنوية بضم النون واسكان الواو، قلبت ياء وأدغمت فى الياء وقلبت الضمة كسرة، واذا خفف المفرد جمع على الأمانى بالتخفيف كالجوارى. {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}: أى تعتبر الأعمال الأمانى، فمن عمل سوءا جزى به، ولن يدفع عنه تمنيه الجزاء، والجزاء عاجل أو آجل. {وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ}: غيره. {وَلِيًّا}: يمنع الجزاء من وقوعه. {وَلا نَصِيراً}: يدفعه عنه بعد وقوعه، ولما نزلت قال أبو بكر: حديث : فمن ينجو مع هذا يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أما تحزن، أما تمرض، أما يصيبك اللأواء؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: هو ذاكتفسير : . وفى رواية: حديث : قال أبو بكر رضى الله عنه: كيف الفلاح بعد هذه الآية يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: آية يا أبا بكر، قال: قول الله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} قال: يغفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض، ألست تحزن، ألست يصيبك الأذى؟ قال: بلى. قال: فهو ما تجزى به . تفسير : وعن أبى بكر رضى الله عنه أنه قال: حديث : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت علىّ؟ قلت: بلى يا رسول الله فأقرأنيها، فلا أعلم أنى وجدت أنقاض ما فى ظهرى، فتمطيت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شأنك يا أبا بكر؟ قلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى وأينا لم يعمل سوءا، وإنا لمجزيون بأعمالنا. فقال: "أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك فى الدنيا حتى تلقوا الله، وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة ". تفسير : وسألت امرأة عائشة رضى الله عنها عن قوله تعالى: {أية : وان تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه }تفسير : الآية، وقوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً} الآية قالت:حديث : ما سألنى عنها أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لى: يا عائشة هذا ما يصيب الله به العبد من الحمى والحزن والشوكة حتى البضعة يضعها فى كمه فتضيع منه فيفزع منها فيجدها فى كتابه حتى أن المؤمن ليخرج من خطاياه كما يخرج التبر الأحمر من الكير ". تفسير : وعن أبى هريرة: حديث : لما نزل: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} بلغت من المسلمين مبلغا شديدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاربوا وسددوا ففى كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها ". تفسير : وعن أبى صالح، عن ابن عباس:حديث : لما نزل: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً} الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة، وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءا غيرك، فكيف الجزاء؟ قال: "منه يكون فى الدنيا، فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات، ومن جوزى بالسيئة نقصت واحدة من عشر وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده عشراته، وأما ما كان فى الآخرة فتقابل الحسنات والسيئات فيلقى مكان كل سيئة حسنة، وينظر فى الفضل فيعطى الجزاء فى الجنة، ويؤتى كل ذى فضل فضله ". تفسير : وعن الحسن: نزلت الآية فى الكفار خاصة لأنهم يجازون بالعقاب على الصغيرة والكبيرة، والمؤمن يجزى بأحسن عمله ويتجاوز عن سيئاته، ثم قرأ: {أية : ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا }تفسير : الآية، ويدل على نزولها فى حق الكافر قوله تعالى: {وَمَن يَعْمَل مِنَ الصَّالِحَاتِ}

اطفيش

تفسير : {لَيْسَ} قول الله المعلوم من قوله، ومن أصدق من الله قيلا أى ليس إدخاله الجنة، أو ليس العمل الصالح، أو ليس مضمون قوله وهو الخير الدائم الباقى، أو ليس وعده، اى مضمونه من الخير، وهو الموعود، فذلك استخدام، إذ رجع الضمير إلى الوعد بالمعنى المصدرى، على معنى الموعود، أو ليس الموعود الذى تضمنه عامل وعد الله، أو ليس الثواب أو العقاب، أى أحدهما، أو ليس الثواب، أو ليس الإيمان المدلول عليه بقوله: آمنوا، أو ليس المعنى المتحاور فيه، وهو قول اليهود ديننا وكتابنا أسبق وأفضل لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى مثل ذلك، وقال المسلمون ديننا دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وتأخر نبينا وكتابنا وأمرتم باتباعهما وترك كتبكم {بِأَمَانِيِّكُمْ} معتبراً بأمانيكم أو متعلقاً بها، أو منيلا بها، والخطاب للمؤمنين، لأن الكتاب نزل عليهم، وقيل الخطاب لأهل الشرك، لأنهم قالوا لا بعث ولا عذاب، ويؤيده أنه لم يجر ذكر لتمنى المؤمنين، وقيل للمشركين وأهل الكتاب، وهو يشد الياء جمع أمنيته بشدها، وأصله أمنوية كأعجوبة، قلبت الواو ياء، وأدغمت وكسر ما قبلها، وهى ما يتمنونه من دخول الجنة بالتوحيد بلا تكاليف كالجهاد، أو مع الكبائر بعد التوحيد، ولو لم ينصحوا التوبة، ويكون نبيهم وكتابهم أشرف الأنبياء والكتب وخاتميهم وقاضيين عليهم، وبإيمانهم بالأنبياء كلهم والكتب كلها، وفى البخارى عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الإيمان بالتمنى ولا بالتخلى"تفسير : ، ولكن هو ما وقر فى القلب فأما علم القلب فالعلم النافع وعلم اللسان حجة على ابن آدم {وَلآَ أَمَانِىِّ أَهْلِ الكِتَابِ} من أنهم لا يلبثون فى النار إلا أياماً معدودة، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، ومن أن لهم مزية بتقدم كتبهم وأنبيائهم فهم أولى بالله سبحانه، أو الخطاب للمشركين لتقدم ذكرهم، إذ تمنوا أن لا بعث ولا حساب، وإن كانا، كانوا فى الآخرة أولى من المؤمنين، وإلا فلا أقل من أن يكون لهم ما للمؤمنين، وإنما يعتبر وعد الله بما وقر فى القلب وصدقه العمل، أن قوماً ألهتم أمانى المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله تعالى، وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل وقرر ذلك بقوله {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} عاجلا أو آجلا، اقتصر على السوء لأن المقام للرد على من يزعم أن سوءه لا يضر {وَلاَ يَجِدْ لهُ} لنفسه {مِن دُونِ اللهِ وَلِيَّا وَلاَ نَصِيراً} يدفع عنه العذاب قبل مجيئه أو بعده، لما نزلت الآية شقت على المؤمنين، فقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يعمل سوءا غيرك فكيف الجزاء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية عقوبة واحدة فمن جوزى بالسيئة نقصت واحدة من عشر وبقيت له تسع، فويل لمن غلب آحاده أعشاره" تفسير : ، وقال أبو بكر رضى الله عنه: فمن ينجو مع هذا يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما تحزن، أما تمرض، أما يصيبك اللأواء؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: هو ذاك تفسير : وروى الترمذى أنه أجابه،أما أنت وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك فى الدنيا، فتلقون الله ولا ذنب عليكم، وأما الآخرون فيجتمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة، وعنه صلى الله عليه وسلم وأنه قال حين نزلت وشكوا إليه: "حديث : سددوا وقاربوا، فإن كل ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها" تفسير : ، وأجمع العلماء أن المصائب تكفر بها الخطايا ولو قلت مشقتها، والأكثرون على رفع الدرجات بها ايضا، وتكتب بها الحسنات وهذا هو الصحيح، ومن المصائب الهم، ففى الحديث، حديث : ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها خطيئة تفسير : ، وقيل تكفر الخطايا بالمصائب ولا ترفع بها الدرجات ولا تكتب بها الحسنات، وإنما قال ابن مسعود، لأنه لم تبلغه أحاديث الدرجات والحسنات، وأقول تكفر بها الكبائر التى أهملت لكن لم يصر عليها، وعن عائشة، يخرج العبد بذلك من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير، وعنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : لا يزال الصداع والمليلة، أى الحمى، بالمسلم حتى تدعه كالفضة البيضاء"تفسير : ، وقال الحسن نزلت فى الكفارة لأنهم يجازون على الصغيرة والكبيرة والمؤمن يجزى بأحسن عمله ثم قرأ قوله تعالى {أية : ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا} تفسير : [الزمر: 35]، ويدل القول الحسن أن الله سبحانه عقب الآية بما للمؤمنين إذ قال: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} كما هو عادة القرآن من تعقيب ما للكفار بما للمؤمنين وعكسه، والصحيح أنها نزلت عامة للكفار والمؤمنين، كما هو قول أبى بكر، والصحابه، والنقير النقرة فى ظهر النواة، لا ينقص الله من الثواب الذى استحقه المؤمن مثلها، فإلى أن لا يزيدها على المعاصى، لأن رحمته عز وجل أوسع وسبقت غضبه والحسنة بعشر والسيئة بواحدة وهو أرحم الراحمين، {أية : وما ربك بظلام للعبيد} تفسير : [فصلت: 46]، {أية : وما الله يريد ظلماً للعباد} تفسير : [غافر: 31]، والظاهر أن المراد بالصالحات الفرائض كما قال ابن عباس، والمعنى ما وجب عليه من الصالحات، عمل النفل، معهما أو لم يعمل، وإلا فعمل النفل وحده أو مع بعض ما وجب عليه دون بعض لا يدخل به الجنة.

الالوسي

تفسير : {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} الخطاب المؤمنين، والأماني بالتشديد والتخفيف ـ وبهما قرىء ـ جمع أمنية على وزن أفعولة، وهي كما قال الراغب: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء أي تقديره في النفس وتصويره فيها، ويقال: منى له الماني أي قدر له المقدر، ومنه قيل: منية أي مقدرة؛ وكثيراً ما يطلق التمني على تصور ما لا حقيقة له، ومن هنا يعبر به عن الكذب لأنه تصور ما ذكر، وإيراده باللفظ فكأن التمني مبدأ له فلهذا صح التعبير به عنه، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه: ما تعنيت ولا تمنيت منذ أسلمت؛ والباء في {بِأَمَـٰنِيّكُمْ} مثلها في ـ زيد بالباب ـ وليست زائدة والزيادة محتملة، ونفاها البعض، واسم {لَّيْسَ} مستتر فيها عائد على الوعد بالمعنى المصدري، أو بمعنى الموعود فهو استخدام كما قال السعد وقيل: عائد على الموعود الذي تضمنه عامل وعد الله، أو على إدخال الجنة أو العمل الصالح، وقيل: عائد على الإيمان المفهوم من الذين آمنوا؛ وقيل: على الأمر المتحاور فيه بقرينة سبب النزول. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى، فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم؛ ونبينا صلى الله عليه وسلم بعد نبيكم، وديننا بعد دينكم وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم فنحن خير منكم نحن على دين إبراهيم وإسمٰعيل وإسحق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا، فأنزل الله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ}، وقوله سبحانه: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ} تفسير : [النساء: 125] الخ أي ليس وعد الله تعالى، أو ما وعده سبحانه من الثواب أو إدخال الجنة، أو العمل الصالح، أو الإيمان، أو ما تحاورتم فيه حاصلاً بمجرد أمانيكم أيها المسلمون ولا أماني اليهود والنصارى، وإنما يحصل بالسعي والتشمير عن ساق الجد لامتثال الأمر، ويؤيد عود الضمير على الإيمان المفهوم مما قبله، أنه أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفاً «حديث : ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظن بالله تعالى وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل» تفسير : وأخرج البخاري في «تاريخه» عن أنس مرفوعاً «حديث : ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب فأما علم القلب فالعلم النافع وعلم اللسان حجة على بني آدم»تفسير : . وروي عن مجاهد وابن زيد أن الخطاب لأهل الشرك فإنهم قالوا: لا نبعث ولا نعذب كما قال أهل الكتاب: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ} تفسير : [البقرة: 111] وأيد بأنه لم يجر للمسلمين ذكر في الأماني وجرى للمشركين ذكر في ذلك أي ليس الأمر بأماني المشركين وقولهم: لا بعث ولا عذاب، ولا بأماني أهل الكتاب وقولهم ما قالوا. وقرر سبحانه ذلك بقوله عز من قائل: {مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ} عاجلاً أو آجلاً، فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : كنت عند النبـي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت علي؟ فقلت: بلى يا رسول الله فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انقصاماً في ظهري حتى تمطأت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك يا أبا بكر؟ قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله تعالى ليس عليكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزون يوم القيامة»تفسير : . وأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: «حديث : لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وبلغت منهم ما شاء الله تعالى فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سددوا وقاربوا فإن في كل ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها»تفسير : والأحاديث بهذا المعنى أكثر من أن تحصى، ولهذا أجمع عامة العلماء على أن الأمراض والاسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلّت مشقتها يكفر الله تعالى بها الخطيئات، / والأكثرون على أنها أيضاً يرفع بها الدرجات وتكتب الحسنات وهو الصحيح المعول عليه، فقد صح في غير ما طريق «حديث : ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئةتفسير : . وحكى القاضي عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة، وروي عن ابن مسعود ـ الوجع لا يكتب به أجر لكن يكفر به الخطايا ـ واعتمد على الأحاديث التي فيها التكفير فقط ولم تبلغه الأحاديث الصحيحة المصرحة برفع الدرجات وكتب الحسنات، بقي الكلام في أنها هل تكفر الكبائر أم لا؟، وظاهر الأحاديث ـ ومنها خبر أبـي بكر رضي الله تعالى عنه ـ أنها تكفرها، وقد جاء في خبر حسن عن عائشة «أن العبد ليخرج بذلك من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير»، وأخرج ابن أبـي الدنيا والبيهقي عن يزيد بن أبـي حبيب قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الصداع والمليلة بالمرء المسلم حتى يدعه مثل الفضة البيضاء»تفسير : إلى غير ذلك. ولا يخفى أن إبقاء ذلك على ظاهره مما يأباه كلامهم، وخص بعضهم الجزاء بالآجل، ومن بالمشركين وأهل الكتاب، وروي ذلك عن الحسن والضحاك وابن زيد قالوا: وهذا كقوله تعالى: {أية : وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} تفسير : [سبأ: 17]، وقيل: المراد من السوء هنا الشرك، وأخرجه ابن جريج عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن جبير، وكلا القولين خلاف الظاهر، وفي الآية ردّ على المرجئة القائلين: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي مجاوزاً لولاية الله تعالى ونصرته {وَلِيّاً} يلي أمره ويحامي عنه ويدفع ما ينزل به من عقوبة الله تعالى {وَلاَ نَصِيراً} ينصره وينجيه من عذاب الله تعالى إذا حل به، ولا مستند في الآية لمن منع العفو عن العاصي إذ العموم فيها مخصص بالتائب إجماعاً، وبعد فتح باب التخصيص لا مانع من أن نخصصه أيضاً بمن يتفضل الله تعالى بالعفو عنه على ما دلت عليه الأدلة الأخر.

ابن عاشور

تفسير : الأظهر أنّ قوله: {ليس بأمانيكم} استئناف ابتدائي للتنويه بفضائل الأعمال، والتشويه بمساويها، وأنّ في (ليس) ضميراً عائداً على الجزاء المفهوم من قوله: {يجز به}، أي ليس الجزاء تابعاً لأماني الناس ومشتهاهم، بل هو أمر مقدّر من الله تعالى تقديراً بحسب الأعمال، وممّا يؤيّد أن يكون قوله: {ليس بأمانيكم} استئنافاً ابتدائياً أنّه وقع بعد تذييل مُشعر بالنهاية وهو قوله: {أية : ومن أصْدق من الله قيلاً}تفسير : [النساء: 122]. ومِمّا يرجّحه أنّ في ذلك الاعتبار إبهاماً في الضمير، ثم بياناً له بالحملة بعده، وهي: {من يعمل سوءاً يجز به}؛ وأنّ فيه تقديم جملة {ليس بأمانيكم} عن موقعها الذي يُترقّب في آخر الكلام، فكان تقديمها إظهاراً للاهتمام بها، وتهيئةً لإبهام الضمير. وهذه كلّها خصائص من طرق الإعجاز في النظم. وجملة {من يعمل سوءاً يجز به} استئناف بياني ناشىء عن جملة {ليس بأمانيكم} لأنّ السامع يتساءل عن بيان هذا النفي المجمل. ولهذا الاستئناف موقع من البلاغة وخصوصية تفوت بغير هذا النظم الذي فسّرناه. وجعل صاحب «الكشاف» الضمير المستتر عائداً على وعد الله، أي ليس وعدّ الله بأمانيّكم؛ فتكون الجملة من تكملة الكلام السابق حالاً من {أية : وعْدَ الله}تفسير : [النساء: 122]، وتكون جملة {من يعمل سوءاً يحز به} استئنافاً ابتدائياً محضاً. روى الواحدي في أسباب النزول بسنده إلى أبي صالح، وروى ابن جرير بسنده إلى مسروق، وقتادةَ، والسدّي، والضحاك، وبعضُ الروايات يزيد على بعض، أنّ سبب نزولها: أنّه وقع تحاجّ بين المسلمين وأهل الكتاب: اليهود والنصارى، كلّ فريق يقول للآخرين: نحن خير منكم، ويحتجّ لذلك ويقول: لن يدخل الجنة إلاّ من كان على ديننا. فأنزل الله {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} الآيات مبين أن كلّ من اتّبع هدى الله فهو من أهل الجنة وكلّ من ضلّ وخالف أمر الله فهو مجازى بسوء عمله، فالذين آمنوا من اليهود قبل بعثة عيسى وعملوا الصالحات هم من أهل الجنة وإن لم يكونوا على دين عيسى، فبطل قول النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا والذين آمنوا بموسى وعيسى قبل بعثه محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات يدخلون الجنّة، فبطل قول المسلمين واليهود: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان على ديننا فكانت هذه الآية حكماً فصلاً بين الفرق، وتعليماً لهم أن ينظروا في توفّر حقيقة الإيمان الصحيح، وتوفّر العمل الصالح معه، ولذلك جمع الله أماني الفرق الثلاث بقوله: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب}. ثم إنّ الله لَوّح إلى فلج حجّة المسلمين بإشارة قوله: {وهو مؤمن} فإن كان إيمان اختلّ منه بعض ما جاء به الدين الحقّ، فهو كالعدم، فعقّب هذه الآية بقوله: {أية : ومن أحسن دينا ممّن أسلم وجهه لله وهو محسن واتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً}تفسير : [النساء: 125]. والمعنى أنّ الفوز في جانب المسلمين، لا لأنّ أمانيّهم كذلك، بل لأنّ أسباب الفوز والنجاة متوفّرة في دينهم. وعن عكرمة: قالت اليهود والنصارى: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان منّا. وقال المشركون: لا نُبْعث. والباء في قوله: {بأمانيكم} للملابسة، أي ليس الجزاء حاصلاً حصولاً على حسب أمانيّكم، وليست هي الباء التي تزاد في خبر ليس لأنّ أمانيّ المخاطبين واقعة لا منفية. والأمانيّ جمع أمنية، وهي اسم للتمنّي، أي تقدير غير الواقع واقعاً. والأمنية بوزن أفعولة كالأعجوبة. وقد تقدّم ذلك في تفسير قوله تعالى: {أية : لا يعلمون الكتاب إلاّ أمانيّ} تفسير : في سورة البقرة (78). وكأنَّ ذكر المسلمين في الأماني لقصد التعميم في تفويض الأمور إلى ما حكم الله ووعد، وأنّ ما كان خلاف ذلك لا يعتدّ به. وما وافقه هو الحقّ، والمقصد المهمّ هو قوله: {ولا أمانيّ أهل الكتاب} على نحو: {أية : وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}تفسير : [سبأ: 24] فإنّ اليهود كانوا في غرور، يقولون: لن تمسنّا النار إلاّ أيّاماً معدودة. وقد سمّى الله تلك أماني عند ذكره في قوله: {أية : وقالوا لن تمسنّا النار إلاّ أيّاماً معدودة}تفسير : [البقرة: 80] {أية : تلك أمانيّهم}تفسير : [البقرة: 111]. أمّا المسلمون فمُحاشون من اعتقاد مثل ذلك. وقيل: الخطاب لكفار العرب، أي ليس بأمانيّ المشركين، إذ جعلوا الأصنام شفعاءهم عند الله، ولا أمانيّ أهل الكتاب الذين زعموا أنّ أنبياءهم وأسلافهم يغنون عنهم من عذاب الله، وهو محمل للآية. وقوله: {ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} زيادة تأكيد، لردّ عقيدة من يتوهّم أنّ أحداً يغني عن عذاب الله. والوليّ هو المولى، أي المشارك في نسب القبيلة، والمراد به المدافع عن قريبه، والنصيرُ الذي إذا استنجدته نصرَك، أو الحليف، وكان النصر في الجاهلية بأحد هذين النوعين. ووجه قوله: {من ذكر أو أنثى} قصد التعميم والردّ على من يحرم المرأة حظوظاً كثيرة من الخير من أهل الجاهلية أو من أهل الكتاب. وفي الحديث «حديث : ولْيَشْهَدْنَ الخيرَ ودعوةَ المسلمين»تفسير : . و(مِن) لبيان الأبهام الذي في (مَن) الشرطية في قوله: {ومن يعمل من الصالحات}. وقرأ الجمهور {يَدْخلون} ــــ بفتح التحتية وضمّ الخاء ــــ. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر، ورَوْح عن يعقوب ــــ بضمّ التحتيّة وفتح الخاء ــــ على البناء للنائب.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} الآية. لم يبين هنا شيئاً من أمانيهم، ولا من أماني أهل الكتاب، ولكنه أشار إلى بعض ذلك في مواضع أخر كقوله في أماني العرب الكاذبة: {أية : وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} تفسير : [سبأ: 35] وقوله عنهم: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}تفسير : [الأنعام: 29] ونحو ذلك من الآيات، وقوله في أماني أهل الكتاب: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} تفسير : [البقرة: 111] الآية. وقوله: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18] الآية. ونحو ذلك من الآيات. وما ذكره بعض العلماء من أن سبب نزول الآية أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النَّبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} الآية. لا ينافي ما ذكرنا. لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 123- إن الجزاء ليس هو ما يتمناه ويحلم به الإنسان من غير عمل طيِّب مثمر، فليس الجزاء بما تتمنون - أيها المسلمون - ولا بما يتمناه ويحلم به أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإنما الجزاء والنجاة من العذاب بالإيمان والعمل الصالح، ومن يعمل سيئاً يُجْزَ به، ولا يجد له من دون الله من يواليه أو ينصره. 124- ومن يعملون الأعمال الصالحة بالقدر الذى يستطيعونه وهم مؤمنون بالله ورسوله، فإنهم يدخلون جنة النعيم ولا ينقصون أى مقدار ولو كان ضئيلا. ولا فرق فى الجزاء بين الذكر والأنثى، لأن الأنثى مكلفة. لها جزاء الخير، وعليها عذاب الشر. 125- وإن أساس عمل الخير منبعث من الاعتقاد السليم، وأحسن الدين أن يخلص لله - تعالى - فيجعل وجهه وعقله ونفسه لله لا يطلب سوى رضا الله سبحانه، وبذلك تستقيم مداركه فيدرك رسالة الرسل، وأن يقوموا بصفة مستمرة بأحسن الأعمال، ويتبعوا فى ذلك أبا الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - فدينه هو دين الله، وهو الدين الذى يتجه إلى طلب الحق دائماً. وأن إبراهيم هو الذى تلتقى عنده الوحدة الدينية للمسلمين واليهود والنصارى، فاتبعوا طريقه، وأن الله أكرم إبراهيم فسماه خليلا. 126- وإن الإخلاص لله وإسلام الوجه إليه، هو إخلاص لمن أنشأ هذا الوجود وملكه، فلله كل ما فى السموات والأرض، من نجوم وأفلاك وشمس وقمر وجبال ووهاد وصحارٍ ومزارع، وهو مستبين كل شئ، وهو الذى يعلم علم إحاطة بكل ما يعمل الإنسان، ويجازيه بالخير خيراً وبالشر شراً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أمانيكم: جمع أمنية: وهي ما يقدره المرء في نفسه ويشتهيه مما يتعذر غالباً تحقيقه. أهل الكتاب: اليهود والنصارى. سوءاً: كل ما يسيء من الذنوب والخطايا. ولياً: يتولى أمره فيدفع عنه المكروه. نقيراً: النقير: نقرة في ظهر النواة. ملة إبراهيم: عبادة الله وحده لا شريك له بما شرعه الله تعالى. خليلاً: الخليل: المحب الذي تخلل حبه مسالك النفس فهو أكبر من الحبيب. محيطاً: علما وقدرة إذ الكون كله تحت قهره ومدار بقدرته وعلمه. معنى الآيات: روي أن هذه الآية نزلت لما تلاحى مسلم ويهودي وتفاخرا فزعم اليهودي أن نبيهم وكتابهم ودينهم وجد قبل كتاب ونبي المسلمين ودينهم فهم أفضل، ورد عليه المسلم بما هو الحق فحكم الله تعالى بينهما بقوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ} أيها المسلمون {وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} من يهود ونصارى أي ليس الأمر والشأن بالأماني العذاب، وإنما الأمر والشأن في هذه القضية أنه سنة الله تعالى في تأثير الكسب الإِرادي على النفس بالتزكية أو التدسية فمن عمل سوءاً من الشرك والمعاصي، كمن عمل صالحاً من التوحيد والطاعات يجز بحسبه فالسوء يخبث النفس فيحرمها من مجاورة الأبرار والتوحيد والعمل الصالح يزكيها فيؤهلها لمجاورة الأبرار، ويبعدها عن مجاورة الفجار. وقوله تعالى: {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} لأن سنن الله كأحكامه لا يقدر أحد على تغييرها أو تبديلها بل تمضي كما هي فلا ينفع صاحب السوء أحد، ولا يضر صاحب الحسنات آخر. وقوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} فإنه تقرير لسنته تعالى في تأثير الكسب على النفس والجزاء بحسب حال النفس زكاة وطهراً وتدسيه وخبثاً، فإنه من يعمل الصالحات وهو مؤمن تطهر نفسه ذكراً كان أو أنثى ويتأهل بذلك لدخول الجنة، ولا يظلم مقدار نقير فضلاً عما هو أكثر وأكبر وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} إشادة منه تعالى وتفضيل للدين الإِسلامي على سائر الأديان إذ هو قائم على أساس إسلام الوجه لله وكل الجوارح تابعة له تدور في فلك طاعة الله تعالى مع الإِحسان الكامل وهو إتقان العبادة وأداؤها على نحو ما شرعها الله تعالى واتباع ملة إبراهيم بعبادة الله تعالى وحده والكفر بما سواه من سائر الآلهة. وقوله {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} فيه زيادة تقرير فضل الإِسلام الذي هو دين إبراهيم الذي اتخذه ربه خليلاً وقوله تعالى: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} زيادة على أنه إخبار بسعة ملك الله تعالى وسعة علمه وقدرته وفضله فإنه رفع لما قد يتوهم من خلة إبراهيم أن الله تعالى مفتقر إلى إبراهيم أو له حاجة إليه، فأخبر تعالى أن له ما في السماوات والأرض خلقاً وملكاً وإبراهيم في جملة ذلك فكيف يفتقر إليه أو يحتاج إلى مثله وهو رب كل شيء وملكه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ما عند الله لا ينال بالتمني ولكن بالإِيمان والعمل الصالح أو التقوى والصبر والإِحسان. 2- الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ}. 3- فضل الإِسلام على سائر الأديان. 4- شرف إبراهيم عليه السلام باتخاذه ربه خليلاً. 5- غنى الله تعالى عن سائر مخلوقاته، وافتقار سائر مخلوقاته إليه عز وجل.

القطان

تفسير : الأماني: ما يتمناه الانسان، وغالبا ما تكون خيالاً لا حقيقة. ولياً: يلي أمره ويدافع عنه. نقيرا: شيئا تافها، والنقير لغةً ما يكون على نواة التمرة. الحنيف: المستقيم لأنه مائل عن الزيغ والباطل. خليلاً: صديقاً محبا. يقرر سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة قاعدة الاسلام الكبرى في العمل والجزاء، وهي: ان ميزان الثواب والعقاب ليس موكولاً الى الأمانّي بل الى أصل ثابت، وسنّة لا تتخلّف. إنه قانون تستوي أمامه الأمم، لا يحابي أحداً، ولا تُخرق له القاعدة. ان صاحب السوء مجزيّ بالسوء، وصاحب الحسنة مجزيّ بالحسنة. وليس فضلُ الدين وشرفه ولا نجاة اهله ان يقول القائل منهم: ان ديني أفضل وأكمل، فالجزاء على قدر العمل، لا بالتمني والغرور. انه ليس بما تتمنّون ايها المسلمون، ولا بما يتمناه اليهود والنصارى. فالأديان لم تشرع للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتساب اليها دون العمل. انما النجاة من العذاب بالايمان والعمل الصالح. فمن يعمل عملاً سيئا يُجزَ به، ولن يجد له وليّا غير الله يدفع عنه الجزاء، ولا نصيرا ينقذه مما يحل به. ومن يعمل عملاً صالحاً، سواء كان ذكرا او انثى، وهو مطمئن القلب بالايمان ـ يدخل الجنة، لا يظلمه ربه شيئاً ولا يُنقص من عمله قليلاً او كثيرا. وقد أردف سبحانه بعد ذلك ذِكر درجات الكمال فبيّن: أن اساس عمل الخير منبعث من الاعتقاد السليم، وانَّ أحسنَ الدين ان يُخلص المرءُ فيجعل وجهه وعقله ونفسه لله، لا يطلب الا رضاه. بذلك تستقيم مداركه فيدرك رسالة الرسل. وقد عبّر سبحانه عن توجُّه الانسان لله بالوجه، لأن الوجه أعظمُ مظهرٍ لما في النفس من إقبال واعراض، وشرود وكآبة، وذلك مرآة لما في السريرة. {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أي المِلّة التي كان عليها إبراهيم في ابتعاده عن الوثنية وأهلها، وعند سيدنا ابراهيم تلتقي الوحدة الدينية للمسلمين واليهود والنصارى، فاتّبِعوا طريقَ من أكرمه الله فاتخذه خليلاً. وفي هذه الآية رد قاطع على كل من حدّثته نفسه بأنه هو أحسن من غيره، أو دينه أحسنُ من دين غيره، دون ان يعمل عملاً صالحا ويؤمن إيماناً كاملا. فقد كانت اليهود والنصارى يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ودينُنا خير دين. ولعل فكرة الاستعلاء هذه راودت بعض المسلمين فقالوا نحن خير أمة أُخرجت للناس، وأن الله متجاوز عما يقع منّا على أساس من ذلك... لقد جاء هذا النص يردّ هؤلاء وهؤلاء الى الصواب، فهناك عند الله ميزان واحد هو إسلام الوجه لله، مع الاحسان واتباع ملة ابراهيم. فأحسنُ الدين هو هذا الاسلام، ملة ابراهيم، واحسن العمل هو الاحسان، والإحسانُ ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} (123) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَاصَمَ أهْلُ الأدْيَانِ فَقَالَ أهْلُ التَّورَاةِ: كِتَابُنَا خَيْرُ الكُتُبِ، وَنَبِيُّنَا خَيْرُ الأنْبِيَاءِ. وَقَالَ أهْلُ الإِنْجِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أهْلُ الإِسْلاَمِ: لاَ دِينَ إلاَّ الإِسْلاَمُ، وَكِتَابُنا نَسَخَ كُلَّ الكُتُبِ، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ الأنْبِيَاءِ، وَأُمِرْتُمْ وَأمِرْنَا أنْ نُؤْمِنَ بِكِتَابِكُمْ وَنَعْمَلَ بِكِتَابِنَا. فَقَضَى اللهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ. وَقَالَ لَهُمْ لَيْسَ فَضْلُ الدِّينِ وَشَرَفُهُ، وَلاَ نَجَاةُ أهْلِهِ تَكُونُ بِأنْ يَقُولَ القَائِلُ مِنْهُمْ إنَّ دِينِي أفْضَلُ وَأكْمَلُ، بَلْ عَليهِ أنْ يَعْمَل بِمَا يَهْدِيهِ إليهِ دِينُهُ، فَإنَّ الجَزَاءَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى العَمَلَ، لاَ عَلَى التَّمَنِّي وَالغُرُورِ، فَلَيْسَ أمْرُ نَجَاتِكُمْ، وَلاَ نَجَاةُ أهْلِ الكِتَابِ، مَنُوطاً بِالأمَانِي فِي الدِّينِ، فَالأدْيَانُ لَمْ تُشَرَّعْ لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّبَاهِي، وَلاَ تَحْصَلُ فَائِدَتُهَا بِالانْتِسَابِ إليها، دُونَ العَمَل بِها. فَالعِبْرَةُ بِطَاعَةِ اللهِ، وَاتِّبَاعِ شَرْعِهِ الذِي جَاءَ عَلَى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ الكِرَامِ، فَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً، مِنْ أيِّ دِينٍ كَانَ يَجِدْ جَزَاءَهُ، وَلَنْ يَنْصرَهُ أحَدٌ مِنُ بَأسِ اللهِ، وَلَنْ يُجِيرَهُ أحَدٌ مِنْ سُوءِ العَذَابِ، فَعَلَى الصَّادِقِ فِي دِينِهِ أنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَى العَمَلِ بِمَا هَدَاهُ إليهِ كِتَابُه وَرُسُلُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والأمنية - كما عرفنا - هي أن يطمح الإنسان إلى شيء ممتع مسعد بدون رصيد من عمل، إنَّ الحق سبحانه وتعالى حينما استخلف الإنسان في الأرض طلب منه أن يستقبل كل شيء صالح في الوجود استقبال المحافظ عليه، فلا يفسد الصالح بالفعل، وإن أراد الإنسان طموحاً إلى ما يسعد، فعليه أن يزيد الصالح صلاحاً. والمثل الذي نضربه لذلك، عندما يوجد بئر يشرب منها الناس، فهذه البئر لها حواف وجوانب وأطراف، وتفسد البئر إذا جاء أحد لهذه الحوافي وأزاح ما فيها من الأتربة ليطمر البئر. ومن يرد استمرار صلاح البئر فهو يتركها كما هي وبذلك يترك الصالح على صلاحه. وإن شاء إنسان أن يطمح إلى عمل مسعد ممتع له ولغيره فهو يعمل ليزيد الصالح صلاحاً.. كأن يأتي إلى جوانب البئر ويبني حولها جداراً من الطوب كي لا يتسلل التراب إلى الماء أو على الأقل يصنع غطاءً للبئر، فإن طمح الإنسان اكثر فهو يفكر في راحة الناس ويحاول أن يوفر عليهم الذهاب إلى البئر ليملأوا جِرارهم وقِرَبهم فيفكر في رفع المياه بمضخة ماصة كابسة إلى صهريج عال، ثم يخرج من هذا الصهريج الأنابيب لتصل إلى البيوت، فيأخذ كل واحد المياه وهو مرتاح، إنه بذلك يزيد الصالح صلاحاً. أما إن أراد الإنسان أن يطمح إلى ممتع دون عمل.. فهذه هي الأماني الكاذبة. ولو ظل إنسان يحلم بالأمنيات ولا ينفذها بخطة من عمل.. فهذه هي الأماني التي لا ثمرة لها سوى الخيبة والتخلف. إذن فالأمنية هي أن يطمح إنسان إلى أمر ممتع مسعد بدون رصيد من عمل. ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى أعطانا من كل شيء سببا، ولنلحظ أن الحق قد قال: {أية : فَأَتْبَعَ سَبَباً} تفسير : [الكهف: 85] أي أن الإنسان مطالب بأن يصنع أشياء تًرَقِّي أساليب الحياة في الأرض، فالله ضمن للإنسان الخليفة مقومات الحياة الضرورية، وعندما يريد الإنسان الترف والتنعم فلا بد أن يكدح. ومثال ذلك: لقد أعطى الحق الإنسان المطر فينزل الماء من السماء، وينزل ماء المطر في مجارٍ محددة، حفرها المطر لنفسه، وقد يكون في كل مجرى تراب من صخور أو طمي؛ لذلك يقوم الإنسان بترويق المياه، ويرفعها في صهاريج لتأتيه إلى المنزل،وبدلاً من أن يشربها بيده من النهر مباشرة، يصنع كوباً جميلاً. وصنع الإنسانُ الكوبَ في البداية من الفخار، ثم من مواد مختلفة كالنحاس ثم البللور. وهكذا نجد أن كل ترف يحتاج إلى عمل يوصل إليه، فليست المسألة بالأماني. وكذلك الانتساب إلى الدين، ليست المسألة أن يمتثل الإنسان وينتسب إلى الدين شكلاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليحكم بين الناس جميعاً، ولا يمكن لواحد أن ينتسب شكلاً إلى الإسلام ليأخذ المميزات ويتميز بها عن بقية خلق الله من الديانات الأخرى، لا؛ فالإنسان محكوم بما يدين به. والمسلم أول محكوم بما دان به. كذلك قال الحق: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} والخطاب هنا لمن؟. إن كان الخطاب للمؤمنين فالحق يوضح لهم: يا أيها المؤمنون ليست المسألة مسألة أماني، ولكنها مسألة عمل؛ لأن انتسابكم للإسلام لا يعفيكم من العمل؛ فكم من أناس يعبرون الدنيا وتنقضي حياتهم فيها ولا يصنعون حسنة، فإذا قيل لهم: ولماذا تعيشون الحياة بلا عمل؟ يقولون: أحسنّا الظن بالله. ونسمع الحسن البصري يقول لهؤلاء: ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، إن قوماً ألهتهم أمانيّ المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحسن الظن بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل به. وسبحانه يقول لهؤلاء: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ}. أما إن كان الخطاب موجهاً لغير المؤمنين؛ فالحق لم يمنع عطاء الدنيا لمن أخذ بالأسباب حتى ولو لم يؤمن. أما جزاء الآخرة فهو وعد منه سبحانه للمؤمنين الذين عملوا صالحاً، وهو الوعد الحق بالجنة، هذا الوعد الحق ليس بالأماني بل إن الوصول إلى هذا الوعد يكون بالعمل. إذن فقد يصح أن يكون الخطاب بـ {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} شاملاً أيضا الكفار والمنافقين وأهل الكتاب. وكان للكفار بعض من الأماني كقول المنكر للبعث: {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36] هذه هي أماني الكفار. ولن يتحقق هذا الوعد بالجنة لأهل الكتاب، فقد قال الحق عن أمانيهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة: 111] وقالوا: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة: 80] كل هذه أماني خادعة؛ لأن منهج الله واحد على الناس أجمعين، من انتسب للإسلام الذي جاء خاتماً فليعمل؛ لأن القضية الواضحة التي يحكم بها خلقه هي قوله سبحانه: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}. وأبو هريرة رضي الله عنه يقول: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سدّدوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها ". تفسير : وقال بعض العلماء: المراد بالسوء في هذه الآية هو الشرك بالله؛ لأن الله وعد أن يغفر بعض الذنوب. واستند في ذلك إلى قوله الحق: {أية : كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} تفسير : [فاطر: 36] كأن الجزاء المؤلم يكون للكفار، أما الذين آمنوا فالإيمان يرفعهم إلى شرف المنزلة ليقبل الله توبتهم ويغفر لهم، فسبحانه الحق جعل الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، وجعل صلاة الجمعة إلى صلاة الجمعة كفارة لما بينهما، وجعل الحج كفارة لما سبقه، وكل ذلك امتيازات إيمانية. أما جزاء الكفار فهو: "مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}. ولا يقال فلان لا يجد إلا إذا بحث هذا الشخص عن شيء فلم يجده، فالإنسان بذاته لا يستغنى، ولكن من يعمل سوءا فليبحث لنفسه عن ولي أو نصير ولن يجد. والولي هو الذي يلي الإنسان، أي يقرب منه، ومثلها النصير والمعاون، ولا يلي الإنسان ولا يقرب منه إلا من أحبه. ومادام قد أحب قويٌّ ضعيفاً، فهو قادر على الدفاع عنه ومعاونته. ولماذا أورد الحق هنا "الولي"، و"النصير"؟. والولي - كما عرفنا - هو القريب الذي يلي الإنسان، أما كلمة "نصير" فتوحي أن هناك معارك وخصومة بين المؤمن وغيره، وهناك قوة كبرى قد يظهر للإنسان أنها لا تسأل عنه لأنه في سلام ورخاء، إن هذه القوة عندما تعلم أن هناك خصوماً للمؤمن تأتي لنصرته، بينما لا يجد الكافر ولياً ولا نصيراً، ولن يجد من يقرب منه ولن يجد من ينصره إن عضته الأحداث، وعض الأحداث هو الذي يجعل الناس تتعاطف مع المصاب حتى إن البعيد عن الإنسان يفزع إليه لينصره، لكن أحداً لا ينصر على الله. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { لَيْسَ } الأمر والنجاة والتزكية { بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ } والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل، المقترن بها دعوى مجردة لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها. وهذا عامّ في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؟! فإن أماني أهل الكتاب قد أخبر الله بها أنهم قالوا: {أية : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } تفسير : وغيرهم ممن ليس ينتسب لكتاب ولا رسول من باب أولى وأحرى. وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام لكمال العدل والإنصاف، فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان، لا يفيد شيئا إن لم يأت الإنسان ببرهان على صحة دعواه، فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها ولهذا قال تعالى: { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } وهذا شامل لجميع العاملين، لأن السوء شامل لأي ذنب كان من صغائر الذنوب وكبائرها، وشامل أيضا لكل جزاء قليل أو كثير، دنيوي أو أخروي. والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا الله، فمستقل ومستكثر، فمن كان عمله كله سوءا وذلك لا يكون إلا كافرا. فإذا مات من دون توبة جوزي بالخلود في العذاب الأليم. ومن كان عمله صالحا، وهو مستقيم في غالب أحواله، وإنما يصدر منه بعض الأحيان بعض الذنوب الصغار فما يصيبه من الهم والغم والأذى و [بعض] الآلام في بدنه أو قلبه أو حبيبه أو ماله ونحو ذلك - فإنها مكفرات للذنوب، وهي مما يجزى به على عمله، قيضها الله لطفا بعباده، وبين هذين الحالين مراتب كثيرة. وهذا الجزاء على عمل السوء العام مخصوص في غير التائبين، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما دلت على ذلك النصوص. وقوله: { وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا } لإزالة بعض ما لعله يتوهم أن من استحق المجازاة على عمله قد يكون له ولي أو ناصر أو شافع يدفع عنه ما استحقه، فأخبر تعالى بانتفاء ذلك، فليس له ولي يحصل له المطلوب، ولا نصير يدفع عنه المرهوب، إلا ربه ومليكه. { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ } دخل في ذلك سائر الأعمال القلبية والبدنية، ودخل أيضا كل عامل من إنس أو جن، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى. ولهذا قال: { مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ } وهذا شرط لجميع الأعمال، لا تكون صالحة ولا تقبل ولا يترتب عليها الثواب ولا يندفع بها العقاب إلا بالإيمان. فالأعمال بدون الإيمان كأغصان شجرة قطع أصلها وكبناء بني على موج الماء، فالإيمان هو الأصل والأساس والقاعدة التي يبنى عليه كل شيء، وهذا القيد ينبغي التفطن له في كل عمل أطلق، فإنه مقيد به. { فَأُولَئِكَ } أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح { يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } المشتملة على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين { وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا } أي: لا قليلا ولا كثيرا مما عملوه من الخير، بل يجدونه كاملا موفرا، مضاعفا أضعافا كثيرة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 227 : 53 : 28 - سفين عن اسماعيل بن أبي خالد عن أبي بكر بن أبي زهير قال، قال أبو بكر: "حديث : كيف الاصلاح بعد هذه الآية، يا رسول الله، من يعمل سوءاً يجز به؟ فإِن عملنا سوءاً، نجز به". فقال: "غفر الله لك، يا أبا بكر، ثلث مرات. ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك اللاواء؟ فإِن ذلك مما تجزون به في الدنيا"تفسير : . [الآية 123].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [123] 142- أنا أبو بكر بن علي، نا يحيى بن معين، نا ابن عيينة، عن ابن مُحيصن، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة قال، لما نزلت {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} شقَّ ذلك على المسلمين، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فقال: "حديث : قاربوا، وسدِّدوا، ففي كل ما يُصابُ به العبد كفارة، حتى النكبة يُنكَبها والشوكة يُشَاكها ".

همام الصنعاني

تفسير : 643- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن جابر الجعفيّ، قال مَعْمَر: وأخبرني أيضاً رَجُلٌ أُصَدِّقُه، عن إسماعيل بن أبي خالد عن رَجُلٍ من فقهاءِ الكوفة، عن أبي بكر الصدِّيق أنَّهُ قال: يا نبيَّ الله، كيف الصلاح مع هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}: [الآية: 123]، فقا: يا أبا بكر: أَلَسْتَ تحزن، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تُصِيبُك الأدواء؟ قال بلى، قال: فذلك مما تُجْزَوْن به.