Verse. 617 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَمَنْ يَّعْمَلْ مِنَ الصّٰلِحٰتِ مِنْ ذَكَرٍ اَوْ اُنْثٰى وَھُوَمُؤْمِنٌ فَاُولٰۗىِٕكَ يَدْخُلُوْنَ الْجَنَّۃَ وَلَا يُظْلَمُوْنَ نَقِيْرًا۝۱۲۴
Waman yaAAmal mina alssalihati min thakarin aw ontha wahuwa muminun faolaika yadkhuloona aljannata wala yuthlamoona naqeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن يعمل» شيئا «من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون» بالبناء للمفعول والفاعل «الجنة ولا يظلمون نقيرا» قدر نقرة النواة.

124

Tafseer

الرازي

تفسير : قال مسروق: لما نزل قوله {أية : مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } تفسير : [النساء: 123] قال أهل الكتاب للمسلمين: نحن وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية إلى قوله {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله، وكذلك في سورة مريم وفي حم المؤمن، والباقون بفتح الياء وضم الخاء في هذه السورة جميعاً على أن الدخول مضاف إليهم، وكلاهما حسن، والأول أحسن لأنه أفخم، ويدل على مثيب أدخلهم الجنة ويوافق {وَلاَ يُظْلَمُونَ } وأما القراءة الثانية فهي مطابقة لقوله تعالى: {أية : ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ } تفسير : [الزخرف: 70] ولقوله {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ } تفسير : [الحجر: 46] [ق: 34]، والله أعلم. المسألة الثانية: قالوا: الفرق بين {مِنْ } الأولى والثانية أن الأولى للتبعيض، والمراد من يعمل بعض الصالحات لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل جميع الصالحات، بل المراد أنه إذا عمل بعضها حال كونه مؤمناً استحق الثواب. وأعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن صاحب الكبيرة لا يبقى مخلداً في النار، بل ينقل إلى الجنة، وذلك لأنا بينا أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإذا ثبت هذا فنقول: إن صاحب الكبيرة إذا كان قد صلّى وصام وحج وزكى وجب بحكم هذه الآية أن يدخل الجنة، ولزم بحكم الآيات الدالة على وعيد الفساق أن يدخل النار، فأما أن يدخل الجنة ثم ينقل إلى النار فذلك باطل بالإجماع، أو يدخل النار ثم ينقل إلى الجنة فذلك هو الحق الذي لا محيد عنه، والله أعلم. المسألة الثالثة: النقير: نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة، والمعنى أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة. فإن قيل: كيف خص الله الصالحين بأنهم لا يظلمون مع أن غيرهم كذلك كما قال {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [فصلت: 46] وقال {أية : وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 108]. والجواب من وجهين: الأول: أن يكون الراجع في قوله {وَلاَ يُظْلَمُونَ } عائداً إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، والثاني: أن كل ما لا ينقص عن الثواب كان بأن لا يزيد في العقاب أولى هذا هو الحكم فيما بين الخلق، فذكر الله تعالى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق.

القرطبي

تفسير : شرط الإيمان لأن المشركين أدلوا بخدمة الكعبة وإطعام الحجيج وقِرَى الأضياف، وأهل الكتاب بسبقهم، وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه؛ فبيّن تعالىٰ أن الأعمال الحسنة لا تقبل من غير إيمان. وقرأ «يُدْخَلُونَ الْجَنَّة» الشيخان أبو عمرو وٱبن كثير (بضم الياء وفتح الخاء) على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتح الياء وضم الخاء؛ يعني يدخلون الجنة بأعمالهم. وقد مضى ذكر النّقِير وهي النكتة في ظهر النواة.

البيضاوي

تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} بعضها أو شيئاً منها فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفاً بها. {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ } في موضع الحال من المستكن في يعمل، و {مِنْ } للبيان أو من الصالحات أي كائنة من ذكر أو أنثى ومن للابتداء. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور وتنبيهاً على أنه لا اعتداد به دونه فيه. {فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } بنقص شيء من الثواب وإذا لم ينقص ثواب المطيع فبالحري أن لا يزاد عقاب العاصي، لأن المجازي أرحم الراحمين، ولذلك اقتصر على ذكره عقيب الثواب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } هنا وفي «غافر» و «مريم» بضم الياء وفتح الخاء، والباقون بفتح الياء وضم الخاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ } شيئاً{مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ } بالبناء للمفعول والفاعل [يَدخُلون]{ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } قدر نقرة النواة.

الخازن

تفسير : وقوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} قال مسروق لما نزلت من يعمل سوءاً يجز به قال أهل الكتاب نحن وأنتم سواء فنزلت هذه الآية قال المفسرون بيّن الله تعالى بهذه الآية فضيلة المؤمنين على غيرهم ولفظة من في قوله من الصالحات للتبعيض، لأن أحداً لا يقدر أن يستوعب جميع الصالحات بالعمل فإذا عمل بعضها استحق الثواب {فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً} النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة قال ابن عباس يريد لا ينقصون قدر نقرة النواة وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ}، دخلَتْ «من» للتبعيض؛ إذ الصالحاتُ على الكمالِ ممَّا لا يطيقُهُ البَشَر؛ ففِي هذا رفْقٌ بالعبادِ، لكنْ في هذا البَعْضِ الفرائضُ، وما أمْكَنَ من المندوبِ إلَيْهِ، ثم قَيَّد الأمر بالإيمان؛ إذ لا ينفعُ عمَلٌ دونه، والنَّقِيرُ: النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّواة ومنه تَنْبُتُ، وعن ابن عبَّاس: ما تَنْقُرُهُ بأصبعِكَ. ثم أخبر تعالَىٰ إخباراً موقفاً علَىٰ أنه لا أحسن ديناً مِمَّن أسلم وجْهَهُ للَّه، أي: أخلَص مَقْصِدَهُ وتَوَجُّهَهُ، وأحْسَنَ في أعماله، وٱتَّبَعَ الحنيفيَّةَ ملَّةَ إبراهيمَ إمامِ العالَمِ، وقُدْوَةِ الأديانِ، ثم ذكَر سبحانه تشريفَهُ لنبيِّه إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ؛ باتخاذه خليلاً، وسمَّاه خليلاً؛ إذ كان خُلُوصه، وعبادتُه، وٱجتهاده على الغايةِ الَّتي يجري إلَيْها المحبُّ المبالغ، وذهب قوم؛ إلى أنهُ سُمِّي خليلاً من «الخَلَّة» ـــ بفتح الخاء ـــ، أي: لأنه أنزل خَلَّته وفاقته باللَّه تعالَىٰ، وكذلك شَرَّف اللَّه نبيَّنا محمداً صلى الله عليه وسلم بالخَلَّة؛ كما هو مصرَّح به في الحديثِ الصحيحِ.

البقاعي

تفسير : ولما أبدى جزاء المسيء تحذيراً، أولاه أجر المحسن تبشيراً فقال: {ومن يعمل} وخفف تعالى عن عباده بقوله: {من الصالحات} ولما عمم بذكر (من) صرح بما اقتضته في قوله: {من ذكر أو أنثى} وقيد ذلك بقوله: {وهو} أي والحال أنه {مؤمن} ليكون بناؤه الأعمال على أساس الإيمان {فأولئك} أي العالو الرتبة، وبنى فعل الدخول للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وأبي جعفر وأبي بكر عن عاصم وروح عن يعقوب، وللفاعل في قراءة غيرهم، لأن المقصود نفس الفعل، لا كونه من فاعل معين؛ وإن كانت قراءة الأولين أكثر فائدة {يدخلون} أي يدخلهم الله {الجنة} أي الموصوفة {ولا يظلمون} وبنى الفعل للمجهول، لأن المقصود الخلاص منه لا بقيد فاعل معين {نقيراً *} أي لا يظلم الله المطيع منهم بنقص شيء ما، ولا العاصي بزيادة شيء ما، والنقير: ما في ظهر النواة من تلك الوقبة الصغيرة جداً، كني بها عن العدم، وهذا على ما يتعارفه الناس وإلا فالله تعالى له أن يفعل ما يشاء، فإن مِلكه ومُلكه عام، لا يتصور منه ظلم كيف ما فعل. ولما كشف سبحانه زورهم وبيَّن فجورهم، أنكر أن يكون أحد أحسن ديناً ممن اتبع ملة إبراهيم الذي يزعمون أنه كان على دينهم زعماًَ تقدم كشف عواره وهتك أستاره في آل عمران، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن أحسن دائناً ومجازياً وحاكماً منه سبحانه وتعالى: {ومن أحسن ديناً} أو يكون التقدير: لأنهم أحسنوا في دينهم ومن أحسن ديناً منهم! لكنه أظهر الوصف تعميماً وتعليقاً للحكم به وتعليماً لما يفعل يفعل المؤمن وحثاً عليه فقال: {ممن أسلم} أي أعطى. ولما كان المراد الإخلاص الذي هو أشرف الأشياء، عبر عنه بالوجه الذي هو أشرف الأعضاء فقال: {وجهه} أي قياده، أي الجهة التي يتوجه إليها بوجهه, أي قصده كله الملازم للإسلام نفسه كلها {لله} فلا حركة له سكنة إلا فيما يرضاه، لكونه الواحد الذي لا مثل له، فهو حصر بغير صيغة الحصر، فأفاد فساد طريق من لفت وجهه نحو سواه باستعانة أو غيرها ولا سيما المعتزلة الذين يرون الطاعة من أنفسهم، ويرون أنها موجبة لثوابهم، والمعصية كذلك وأنها موجبة لعقابهم، في الحقيقة لا يرجون إلا أنفسهم، ولا يخافون غيرها؛ وأهل السنة فوّضوا التدبير والتكوين والخلق إلى الحق، فهم المسلمون. ولما عبر تعالى عن كمال الاعتقاد بالماضي، شرط فيه الدوام والأعمال الظاهرة بقوله: {وهو} أي والحال أنه {محسن} أي مؤمن مراقب، لا غفلة عنده أصلاً، بل الإحسان صفة له راسخة، لأنه يعبد الله كأنه يراه، فقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلاً وفرعاً مع الترغيب بالمدح الكامل لمتبعه وإفهام الذم الكامل لغيره. ولما كان هذا ينتظم مَنَ كان على دين أي نبي كان قبل نسخه، قيده بقوله: {واتبع} أي بجهد منه {ملة إبراهيم} الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ما دعا إلا إلى الله سبحانه وتعالى وحده، وتبرأ مما سواه من فلك وكوكب وصنم وطبيعة وغيرها حال كون ذلك المتبع {حنيفاً} أي ليناً سهلاً ميّالاً مع الدليل، والملة: ما دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل السليم من كمال الإسلام بالتوحيد. ولما كان التقدير ترغيباً في هذا الاتباع: فقد جعل الله سبحانه وتعالى ملة إبراهيم أحسن الملل، وخلقه يوم خلقه حنيفاً، عطف عليه قوله: {واتخذ الله} أي الملك الأعظم أخذ من معين بذلك مجتهد فيه {إبراهيم خليلاً *} لكونه كان حنيفاً، وذلك عبارة عن اختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله من ترديد الرسل بالوحي بينه وبينه، وإجابة الدعوة، وإظهار الخوارق عليه وعلى آله، والنصرة على الأعداء وغير ذلك من الألطاف، وأظهر اسمه في موضع الإضمار تصريحاً بالمقصود احتراساً من الإبهام وإعلاءً لقدره تنويهاً بذكره.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مسروق قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : ‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب‏.‏‏.‏‏.} ‏تفسير : [‏النساء: 123‏]‏ الآية‏.‏ قال أهل الكتاب‏:‏ نحن وأنتم سواء‏.‏ فنزلت هذه الآية ‏ {‏ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن‏}‏ ففلجوا عليهم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي في قوله ‏ {‏ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن‏}‏ قال‏:‏ أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن ابن عمر لقيه فسأله عن هذه الآية ‏ {‏ومن يعمل من الصالحات‏}‏ قال‏:‏ الفرائض‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ‏ {‏ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن‏} ‏ قال‏:‏ قد يعمل اليهودي والنصراني والمشرك الخير، فلا ينفعهم في الدنيا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن‏} ‏ قال‏:‏ إنما يتقبل الله من العمل ما كان في الإيمان‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ النقير هي النكتة التي تكون في ظهر النواة‏. وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي قال‏:‏ ‏"‏القطمير‏"‏ القشرة التي تكون على النواة والفتيل الذي يكون في بطنها و ‏"‏النقير‏"‏ النقطة البيضاء التي في وسط النواة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ} أي بعضَها أو شيئاً منها فإن كلَّ أحدٍ لا يتمكن من كلها وليس مكلَّفاً بها {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} في موضع الحالِ من المستكنّ في {يَعْمَلُ} ومن للبـيان أو من الصالحات فمن للابتداء أي كائنةً من ذكر الخ، {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} حالٌ، شرَط اقترانَ العملِ بها في استدعاء الثوابِ المذكورِ تنبـيهاً على أنه لا اعتدادَ به دونه {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى {مِنْ} بعنوان اتصافِه بالإيمان والعملِ الصالحِ، والجمعُ باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظِها وما فيه من معنى البُعد لما مر غيرَ مرةٍ من الإشعار بعلوّ رُتبةِ المُشار إليه وبُعد منزلتِه في الشرف {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} وقرىء يُدخَلون مبنياً للمفعول من الإدخال {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} أي لا يُنقصون شيئاً حقيراً من ثواب أعمالِهم فإن النقيرَ عَلَم في القلة والحَقارةِ وإذا لم يُنقص ثوابُ المطيعِ فلأَنْ لا يزادَ عقابُ العاصي أولى وأحرى، كيف لا والمجازي [هو] أرحمُ الراحمين، وهو السرُّ في الاقتصار على ذكره عَقيبَ الثواب. {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} أي أخلص نفسَه له تعالى لا يعرِف له رباً سواه، وقيل: بذل وجهَه له في السجود، وقيل: أخلصَ عملَه له عز وجل، وقيل: فوّض أمرَه إليه تعالى، وهذا إنكارٌ واستبعادٌ لأن يكون أحدٌ أحسنَ ديناً ممن فعل ذلك أو مساوياً له وإن لم يكن سبكُ التركيبِ متعرِّضاً لإنكار المساواةِ، ونفيُها يُرشِدُك إليه العُرفُ المطّردُ والاستعمالُ الفاشي، فإنه إذا قيل: مَنْ أكرمُ من فلان أو لا أفضلَ من فلان، فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم وأفضلُ من كل فاضلٍ، وعليه مساقُ قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ } تفسير : [العنكبوت، الآية 68] ونظائرِه، وديناً نُصب على التميـيز من أحسنُ منقولٌ من المبتدأ، والتقديرُ ومن دينُه أحسنُ من دين مَنْ أسلم الخ، فالتفضيلُ في الحقيقة جارٍ بـين الدينين لا بـين صاحبـيهما ففيه تنبـيه على أن ذلك أقصى ما تنتهي إليه القوةُ البشرية {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي آتٍ بالحسنات تاركٌ للسيئات، أو آتٍ بالأعمال الصالحة على الوجه اللائقِ الذي هو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتي، وقد فسره عليه الصلاة والسلام بقوله: «حديث : أن تعبُدَ الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك» تفسير : والجملةُ حال من فاعل أسلم {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ} الموافقةُ لدين الإسلامِ المتّفق على صحتها وقبولِها {حَنِيفاً} مائلاً عن الأديان الزائغةِ وهو حال من فاعل اتبع أو [حال] من إبراهيم. {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً} اصطفاه وخصَّه بكرامات تُشبه كراماتِ الخليلِ عند خليلِه، وإظهارُه عليه الصلاة والسلام في موقع الإضمار لتفخيم شأنِه والتنصيصِ على أنه الممدوحُ، وتأكيدِ استقلالِ الجملةِ الاعتراضية، والخُلّةُ من الخِلال فإنه ودٌّ تخلَّل النفسَ وخالطَها. وقيل: من الخَلَل فإن كل واحد من الخليلين يسد خلَلَ الآخَر، أو من الخل وهو الطريقُ في الرمل فإنهما يتوافقان في الطريقة أو من الخَلّة بمعنى الخَصْلة فإنهما يتوافقان في الخِصال، وفائدةُ الاعتراضِ جَمّةٌ من جملتها الترغيبُ في اتباع ملتِه عليه السلام فإن من بلغ من الزُّلفى عند الله تعالى مَبْلغاً مصحِّحاً لتسميته خليلاً حقيقٌ بأن يكون اتباعُ طريقتِه أهمَّ ما يمتد إليه أعناقُ الهِمم وأشرفَ ما يَرمُق نحوه أحداقُ الأُمم، قيل: (إنه عليه الصلاة والسلام بَعث إلى خليل له بمصرَ في أزمة أصابت الناسَ يمتارُ منه، فقال خليلُه: لو كان إبراهيمُ يطلب المِيرةَ لنفسه لفعلت، ولكنه يُريدها للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناسَ من الشدة، فرجَع غِلمانُه عليه الصلاة والسلام فاجتازوا ببطحاءَ لينة فملأوا منها الغرائرَ حياءً من الناس وجاءوا بها إلى منزل إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام وألقَوْها فيه وتفرّقوا وجاء أحدُهم فأخبر إبراهيمَ بالقصة فاغتم لذلك غماً شديداً لا سيما لاجتماع الناسِ ببابه رجاءَ الطعام فغلبته عيناه وعمَدت سارةُ إلى الغرائر فإذا فيها أجودُ ما يكون من الحُوَّارَى فاختبزت، وفي رواية فأطعمت الناسَ وانتبه إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام فاشتم رائحةَ الخبزِ فقال: من أين لكم، قالت سارة: من خليلك المِصريِّ، فقال: بل من عند خليلي الله عز وجل فسماه الله تعالى خليلاً).

ابن عجيبة

تفسير : الإشارة: {من ذكر أو أنثى}: حال من الضمير في {يعمل}، وكذا قوله: {وهو مؤمن} و {حنيفًا}، حال من {إبراهيم}؛ لأنه جزء ما أضيف إليه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن يعمل} شيئاً {من} الأعمال {الصالحات} وهو المهم من المكلف به، إذ لا طاقة للبشر على الإتيان بكلها. حال كون العامل {من ذكر أو أنثى}؛ إذ النساء شقائق الرجال في طلب الأعمال، والحالة أن العامل {مؤمن} لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال، فلا ثواب على عمل ليس معه إيمان. ثم ذكر الجواب فقال {فأولئك يدخلون الجنة} أي: يتصفون بالدخول، أو يدخلهم الله الجنة، {ولا يُظلمون} أي: لا ينقصون من ثواب أعماله {نقيرًا} أي: مقداره، وهو النقرة في ظهر النواة. قال البيضاوي: وإذا لم ينقص ثواب المطيع فبالأخرى ألا يزيد في عقاب العاصي، لأن المجازي أرحَمُ الراحمين. هـ. {ومَن أحسن دينًا ممّن أسلم وجهه لله} أي: لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بكليته إلى مولاه {وهو محسن} أي: مُوَحَّدٌ أحسَنَ فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين عباد الله، {واتبع ملة إبراهيم حنيفًا} بأن دخل في الدين المحمدي الذي هو موافق لملة إبراهيم بل هو عينه، فمن ادعى أنه على ملة إبراهيم ولم يدخل فيه فقد كذب. ثم ذكر ما يحث على اتباع ملته، فقال: {واتخذ الله إبراهيم خليلاً} أي: اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر؛ تفخيمًا له وتنصيصًا على أنه الممدوح، وسمي خليلاً لأنه قد تخللت محبة الله في جميع أجزائه. رُوِي أن إبراهيم عليه السلام كان يضيف الناس، حتى كان يسمى أبا الضيفان، وكان منزله على ظهر الطريق، فأصاب الناسَ سَنَةٌ، جهدوا فيها، فحشد الناسُ إلى باب إبراهيم، يطلبون الطعامَ، وكانت الميرة كل سنة تصله من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر يسأله الميرة، فقال لغلمانه: لو كان إبراهيم يريد لنفسه احتملت له ذلك، ولكنه يريد للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس، فرجع الرسل إليه، ومرّوا ببطحاء لينة، فملؤوا منها الغرائر حياء من الناس، وأتوا إبراهيم فأخبروه، فاهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فنام، وكانت سارة نائمة فاستيقظت، وقالت: سبحان الله! أما جاء الغلمان؟ فقالوا: بلى، فقامت إلى الغرائر فإذا فيها الحُوَّرَى ـ أي: الخالص من الدقيق ـ فخبزوا وأطعموا؟ فاستيقظ إبراهيم، وشم رائحة الخبز، فقال: يا سارة. من أين هذا؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: هذا من عند خليلي الله ـ عز وجل، فحينئذ سماه الله خليلاً. قال الزجاج: ومعنى الخليل: الذي ليس في محبته خَلَ، أو لأنه ردَّ خلَته، أي: فقره إلى الله مخلصًا. هـ. {ولله ما في السماوات وما في الأرض} ملكًا وخلقًا وعبيدًا، فالملك له، والعبيد عبيده، يختار ما يشاء كما يشاء من خلة ومحبة وخدمة، {وكان الله بكل شيء محيطًا} علمًا وقدرة، فيجازِي كُلاًّ على قدر سعيه وقصده. والله تعالى أعلم. الإشارة: على قدر المجاهدة والمكابدة تكون المعاينة والمشاهدة، على قدر البدايات تكون النهايات، من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، والجزاء على العمل يكون على قدر الهمم، فمن عمل لجنة الزخارف مُتع بها، ومن عمل لجنة المعارف تنعم بها، { أية : وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}تفسير : [الكهف:49]، فمن انقاد إلى الله بكلتية إلى مولاه فلا أحد أحسن منه عند الله، ومن تمسك بالملة الحنيفية، وهي الانقطاع إلى الله بالكلية ـ فقد استمسك بالعروة الوثقى، وكان في أعلى ذروة أهل التقى، من تخلق بخلق الحبيب كان أقرب إلى الله من كل قريب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : [القراءة]: قرأ ابن كثير وابو عمرو، وابو بكر، الا الكسائى وابو جعفر وروم {يُدخَلون} بضم الياء وفتح الخاء ها هنا وفي مريم والمؤمن. وافقهم رويس الا في هذه السورة. [المعنى]: وعد الله تعالى بهذه الآية جميع المكلفين من الذكور والاناث إذا عملوا الاعمال الصالحات، وهم مؤمنون مقرون بتوحيد الله وعدله، مصدقون بنبيه (صلى الله عليه وسلم)، عاملون لما اتى به بأنه يدخلهم الجنة وينيبهم فيها، ولا يبخسهم شيئاً مما يستحقونه من الثواب، وان كان مقدار نقير في الصغر، وهي النقطة التي في ظهر النواة، وقيل منها تنبت النخلة. ومن ضم الياء وفتح الخاء، فلانه قال: {ولا يظلمون} فضم الياء، ليزدوج الكلام، ولأنهم لا يدخلونها حتى يدخلوها. ومن فتح الياء، فلانهم إذا ادخلوا الجنة، فقد دخلوها. فان قيل ظاهر الآية يقتضي انه لا يثيب الا من آمن وعمل الصالحات فمن انفرد بالايمان، لا يستحق الثواب، وكذلك من فعل بعض الصالحات قلنا: ظاهر العموم مخصوص بلا خلاف لانه لو آمن بالله واليوم الآخر واخترم عقيبه، لا خلاف انه يدخل الجنة، فكذلك إذا اخل ببعض الصالحات أو ارتكب معصية، فانا نعلم دخوله الجنة بدليل آخر على أن (من) في قوله: {من الصالحات} يقتضي أنه لو فعل بعض الصالحات لأدخل الجنة، لأنها للتبعيض. وانما تقتضي الاستغراق إذا حملت على ان معناها بيان الصفة، فاذا احتمل الظاهر ما قلناه، سقطت المعارضة فاما من قال: ان (من) زائدة فلا يعول على قوله، لانه إذا امكن حمل الكلام على فائدة، لم يجز أن يحمل على الزيادة. وبما قلناه في معنى النقير، قال مجاهد وعطية والسدي وغيرهم.

الجنابذي

تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} لانّ شرط قبول العمل هو الايمان الخاصّ والبيعة على يد علىّ (ع) يعنى انّ العمل الصّالح يصير صالحاً اذا كان ناشئاً من الايمان وراجعاً اليه والاّ لم يكن صالحاً وان كان صورته صورة العمل الصّالح، لانّ الصّلاح اصله هو الولاية لعلىّ (ع) فكلّ ما صدر عن الوجهة الولويّة فهو صالح كائناً ما كان، وكلّ ما لم يصدر عن الوجهة الولويّة فهو فاسد {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} شيئاً قليلاً والنّقير النّقطة فى وسط النّواة، ووجه الاختلاف بين القرينتين بالاجمال فى الشّرط والاتيان بالجزاء مضارعاً مجرّداً عن الفاء فى الاولى، والتّفصيل فى الشّرط والاتيان بالجزاء جملة اسميّة مصدّرة بالفاء فى الثّانى ما هو من عادة صاحبى الحياء والكرم من الاجمال والاغماض فى جانب الوعيد والتّفصيل والتّأكيد فى جانب الوعد.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}. وهي النقرة التي في ظهر النواة. ذكر بعضهم قال: ثلاثة في النواة: الفتيل والنقير والقطمير. أما الفتيل فهو الذي يكون في بطن النواة، والنقير الذي يكون في ظهر النواة، والقطمير الذي يكون على النواة والمعروف بقِمع العنبة. قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ} أي: أخلص {وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} أي لا أحد أحسن ديناً منه. {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}. قال الكلبي: لما قالت اليهود للمؤمنين: إن كتابنا قبل كتابكم؛ ونبيِّنا قبل نبيكم، ونحن أهدى منكم، قال لهم المؤمنون ما قالوا، فأنزل الله: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ}... إلى قوله: {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} ففضَّل الله المؤمنين على اليهود. قوله: {وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا} أي أحاط علمه بكل شيء. قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أي من الميراث في تفسير الكلبي وغيره. قال الكلبي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لهن من الميراث، فأنزل الله الربع والثمن. قوله: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ}. قال الحسن: كان الرجل يكون عنده من اليتامى التسع والسبع والخمس والثلاث والواحدة وهو عاصبهن ووارثهن؛ فيرغب عن نكاحهن أن يتزوجهن، ويكره أن يزوّجَهُنَّ، يريد أن يرثهن، فيحبسهن ليمتن فيرثهن: فأنزل الله: {اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أي ما أحل الله لهن من التزويج وترغبون أن تنكحوهن. ذكروا عن مجاهد قال: كانت المرأة اليتيمة في الجاهلية تكون دميمة، فيكره الرجل أن يتزوجها لأجل دمامتها، فيتزوّجها غيره إذا لم يكن لها مال؛ وإذا مات حميم لها لم يعطها من ميراثها شيئاَ. وإذا كانت حسنة الوجه ذات مال تزوّجها. وكانوا يعطون الميراث لذوي الأسنان من الرجل ولا يعطون الولدان الصغار ولا النساء شيئاً. ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال في قوله: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} قال: تكون المرأة عند الرجل بنت عمه، يتيمة في حجره، ولها مال فلا يتزوّجها لدمامتها، ولكن يحبسها حتى يرثها، فأنزل الله هذه الآية، فنهوا عن ذلك، وقال: {لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} قال: ميراثهن. قال: {وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدَانِ}. يقول: يفتيكم فيهن وفي المستضعفين من الولدان ألا تأكلوا أموالهم. وقال بعضهم: [وكانوا لا يورثون الصغير وإنما] كانوا يورثون من يحترف وينفع ويدفع. وقال الكلبي: كانوا لا يعطون الميراث إلا من قاتل الأقوام، وحاز الغنيمة، وكانوا لا يورّثون الجارية، وكانوا يرون ذلك في دينهم حسناً. فلما أنزل الله فرائض الميراث وجدوا من ذلك وجداً شديداً فقال عيينة بن حصن لرهط من قومه: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نذكر له، فلعلّه يدعه إلى غيره. فأتوه فقالوا: يا رسول الله: أتعطى الجارية نصف ما ترك أبوها وأخوها، ويعطى الصبي الميراث كله، وتعطى المرأة الربع والثمن، وليس من هؤلاء من يركب الفرس أو يحوز الغنيمة أو يقاتل أحداً؟ قال: حديث : نعم بذلك أمرت . تفسير : قوله: {وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} أي بالعدل. وهو تبع للكلام الأول؛ قل الله يفتيكم فيهن، وفي يتامى النساء، وفي المستضعفين من الولدان، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. وكانوا يفسدون أموال اليتامى وينفقونها، فأمرهم الله أن يصلحوا أموالهم. قال: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}.

اطفيش

تفسير : {وَمَن يَعْمَل مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ}: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالبناء للمفعول من الادخال هنا، وفى غافر ومريم. {الجَّنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً}: ومن للتبعيض لأنا كلفنا ببعض الصالحات وهو ما فرض منها لا بكلها، ولا يتمكن أحد أن يأتى بأنواع النفل كلها كل ما أمكنه، أى ومن يعمل شيئا ثابتا من الصالحات، أى شيئا هو بعض الصالحات، فشيئا مفعول يعمل. وأما من فى قوله: {مِن ذَكَر} فللبيان متعلقة بمحذوف وجوباً حال من المستكن فى يعمل، وجملة: هو مؤمن حال ثانية أو حال من المستكن فى {مِن ذَكَر} وهو قيل احتراز ممن يعمل ما فرض فعله، وفعل شيئا من الكبائر شركا وما دونه أو الصغائر وأصر عليه فالمؤمن الذى عبد الله سبعين سنة، تاركا للمحرمات، ثم شرب قطرة خمر خارج عن كونه مؤمنا لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، وذلك اذا أصر، وقد صح أنه هلك المصرون، بل هو موحد مخلد فى النار، وما أسكر كثيره فقليله حرام، ويضعف كون من ذكر حالا من الصالحات، لأنه يوهم أن العامل من الصالحات غير الذكر والأنثى، وأنه عمل انسانا من الصالحات حال كونها مبتدئة وصادرة من ذكر أو أنثى غيره، وهذا لا يعقل، ونقيرا مفعول مطلق كناية عن ظلم ما ومر تفسيره. وعن ابن عباس: ما تنقره بأصبعك أى لا ينقص من ثوابه شىء ما، بل يزاد له فبالاحرى أن لا يزاد فى عقاب العاصى، لأنه أرحم الراحمين، ولأن نقصه من جنس زيادة عقاب العاصى، قال مسروق: لما نزل: {أية : من يعمل سوءا يجز به } تفسير : قال أهل الكتاب: فنحن وأنتم سواء، فنزل: {وَمَن يَعْمَل مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ} الآية يعنى أن المؤمن يكفر عنه ذنوبه فى الدنيا بمصائبها، بخلاف أهل الكتاب فانها لا تكفر عنه لشركهم.

الالوسي

تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ} الأعمال {ٱلصَّٰلِحَـٰت} أي بعضها أو شيئاً منها لأن أحداً لا يمكنه عمل كل الصالحات وكم من مكلف لا حج عليه ولا زكاة ولا جهاد، فمن تبعيضية، وقيل: هي زائدة. واختاره الطبرسي وهو ضعيف، وتخصيص الصالحات بالفرائض كما روي عن ابن عباس خلاف الظاهر، وقوله سبحانه: {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} في موضع الحال من ضمير {يَعْمَلُ} و {مِنْ} بيانية. وجوز أن يكون حالاً من{ٱلصَّٰلِحَـٰت} و {مِنْ} ابتدائية أي: كائنة من ذكر الخ، واعترض بأنه ليس بسديد من جهة المعنى، ومع هذا الأظهر تقدير كائناً لا كائنة لأنه حال من شيئاً منها وكون المعنى ـ الصالحات الصادرة من الذكر والأنثى ـ لا يجدي نفعاً لما في ذلك من الركاكة ولعل تبيين العامل بالذكر والأنثى لتوبيخ المشركين في إهلاكهم إناثهم، وجعلهن محرومات من الميراث، وقوله تعالى: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} حال أيضاً، وفي اشتراط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب الذي تضمنه ما يأتي تنبيه على أنه لا اعتداد به دونه، وفيه دفع توهم أن العمل الصالح ينفع الكافر حيث قرن بذكر العمل السوء المضر للمؤمن والكافر، والتذكير لتغليب الذكر على الأنثى كما قيل، وقد مر لك قريباً ما ينفعك فتذكر. {فَأُوْلَٰـئِكَ} إشارة إلى من بعنوان اتصافه بالعمل الصالح والإيمان، والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد السابق باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة. {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} جزاء عملهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر {يَدْخُلُونَ} مبنياً للمفعول من الإدخال / {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} أي لا ينقصون شيئاً حقيراً من ثواب أعمالهم، فإن النقير علم في القلة والحقارة، وأصله نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة، ويعلم من نفي تنقيص ثواب المطيع نفي زيادة عقاب العاصي من باب الأولى لأن الأذى في زيادة العقاب أشد منه في تنقيص الثواب، فإذا لم يرض بالأول ـ وهو أرحم الراحمين ـ فكيف يرضى بالثاني ـ وهو السر في تخصيص عدم تنقيص الثواب بالذكر دون ذكر عدم زيادة العقاب ـ مع أن المقام مقام ترغيب في العمل الصالح فلا يناسبه إلا هذا، والجملة تذييل لما قبلها أو عطف عليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّالِحَاتِ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} (124) - وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ ذَكَرٍ أو أنْثَى عَمَلاً صَالِحاً، وَهُوَ مُطْمَئِنُ القَلْبِ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، فَإنَّ اللهَ يُكَافِئُهُ عَلَى أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ بِادْخَالِهِ الجَنَّةَ، وَلاَ يُنْقِصُهُ شَيئاً مِنْ عَمَلِهِ وَلَوْ كَانَ شَيْئاً بَسِيطاً جِدّاً (نَقِيراً). النَّقِيرُ - نُقْطَةٌ دَاخِلَ نَوَاةِ التَّمْرِ لاَ وَزْنَ لَهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وجاءت كلمتا "ذكر" و"أنثى" هنا حتى لا يفهم أحد أن مجيء الفعل بصيغة التذكير في قوله (يعمل) أن المرأة معفية منه؛ لأن المرأة في كثير من الأحكام نجد حكمها مطموراً في مسألة الرجل، وفي ذلك إيحاء بأن امرها مبني على الستر. لكن الأشياء التي تحتاج إلى النص فيها فسبحانه ينص عليها. {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ}. وجاء سبحانه هنا بلفظة (مِن) التي تدل على التبعيض.. أي على جزءٍ من كلّ فيقول: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} ولم يقل: "ومن يعمل الصالحات" لأنه يعلم خلقه. فلا يوجد إنسان يعمل كل الصالحات، هناك من يحاول عمل بعضٍ من الصالحات حسب قدرته. والمطلوب من المؤمن أن يعمل من الصالحات على قدر إمكاناته ومواهبه. وتبدأ الأعمال الصالحة من أن يترك الإنسان الأمور الصالحة على صلاحها، فإبقاء الصالح على صلاحه معناه أن المؤمن لن يعمل الفساد، هذه هي أول مرتبة، ومن بعد ذلك يترقى الإنسان في الأعمال الصالحة التي تتفق مع خلافته في الأرض، وكل عمل تصلح به خلافة الإنسان في الأرض هو عمل صالح؛ فالذي يرصف طريقاً حتى يستريح الناس من التعب عمل صالح، وتهيئة المواصلات للبشر حتى يصلوا إلى غايتهم عمل صالح، ومن يعمل على ألاّ ينشغل بال البشر بأشياء من ضروريات الحياة فهذا عمل صالح. كل ما يعين على حركة الحياة هو عمل صالح. وقد يصنع الإنسان الأعمال الصالحة وليس في باله إله كعلماء الدول المتقدمة غير المؤمنة بإله واحد. كذلك العلماء الملاحدة قد يصنعون أعمالاً صالحة للإنسان، كرصف طرق وصناعة بعض الآلات التي ينتفع بها الناس، وقاموا بها للطموح الكشفي، والواحد من تلك الفئة يريد أن يثبت أنه اخترع واكتشف وخدم الإنسانية ونطبق عليه أنه عمل صالحاً، لكنه غير مؤمن؛ لذلك سيأخذ هؤلاء العلماء جزاءهم من الإنسانية التي عملوا لها، وليس لهم جزاء عند الله. أما من يعمل الصالحات وهو مؤمن فله جزاء واضح هو: {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} تفسير : [النساء: 124] قد يقول البعض: إن عدم الظلم يشمل من عمل صالحاً أو سوءا ونجد من يقول: من يعمل السوء هو الذي يجب أن يتلقى العقاب، وتلقيه العقاب أمر ليس فيه ظلم،والحق هو القائل: {أية : جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} تفسير : [يونس: 27] ومن يصنع الحسنة يأخذ عشرة أمثالها. وقد يكون الجزاء سبعمائة ضعف ويأتيه ذلك فضلا من الله، والفضل من الله غير مقيد وهو فضل بلا حدود، فكيف يأتي في هذا المقام قوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} وهم قد أعطوا أضعافاً مضاعفة من الجزاء الحسن، ونقول: إن الفضل من الخلق غير ملزم لهم، مثل من يستأجر عاملاً ويعطيه مائة جنيه كأجر شهري، وفي آخر الشهر يعطيه فوق الأجر خمسين جنيهاً أو مائة، وفي شهر آخر لا يعطيه سوى أجره، وهذه الزيادة إعطاؤها ومنحها فضل من صاحب العمل. أما الفضل بالنسبة لله فأمره مختلف. إنه غير محدود ولا رجوع فيه. وهذا هو معنى {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}، فسبحانه لا يكتفي بجزاء صاحب الحسنة بحسنة، بل يعطي جزاء الحسنة عشر أمثالها وإلى سبعمائة ضعف، ولا يتراجع عن الفضل؛ فالتراجع في الفضل - بالنسبة لله - هو ظلم للعبد. ولا يقارن الفضل من الله بالفضل من البشر. فالبشر يمكن أن يتراجعوا في الفضل أما الله فلا رجوع عنده عن الفضل. وهو القائل: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58] وأصحاب العمل الصالح مع الإيمان يدخلون الجنة مصداقاً لقوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} والنقير هو: النقرة في ظهره النواة، وهي أمر ضئيل للغاية. وهناك شيء آخر يسمى "الفتيل" وهو المادة التي تشبه الخيط في بطن نواة التمر، وشيء ثالث يشبه الورقة ويغلف النواة واسمه "القطمير". وضرب الله الأمثال بهذه الأشياء القليلة لنعرف مدى فضله سبحانه وتعالى في عطائه للمؤمنين. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ...}

الجيلاني

تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ} المأمورة كلها، أو بعضها سواء كان {مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَ} الحال أنه {هُوَ مُؤْمِنٌ} بتوحيد الله وجميع كتبه ورسله {فَأُوْلَـٰئِكَ} الصالحون الأمناء {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} المعدة لأهل الإيمان والصلاح {وَلاَ يُظْلَمُونَ} ينقصون من جزاء ما عملوا {نَقِيراً} [النساء: 124] مقدار نقر النواة، بل يزدادون عليها ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً} وأقوم سبيلاً {مِمَّنْ أَسْلَمَ} أي: أسلم {وَجْهَهُ} المفاض له من الله {لله} المفيض لوجوه الأشياء الموجودة {وَهُوَ} في حالة التسليم {مُحْسِنٌ} مع الله مستغرق بمطالعة جماله {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ} التي هي أقوم الملل وأحسنها؛ إذ هو {حَنِيفاً} مائلاً عن الأديان الباطلة، والآراء الفاسدة مطلقاً {وَ} لذلك {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده {إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: 125] كأنه تخلل فيه إلى حيث صار سمعه وبصره ويده ورجله على ما نطق به الحديث القدسي. ولا يظن أنه تخلل فيه على وجه الحلول والاتحاد، بل على التوحيدج الصرف الخالي عن الكثرة مطلقاً؛ إذ {وَللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4] جميع {مَا} ظهر {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات {وَمَا} ظهر {فِي ٱلأَرْضِ} أي: السفليات؛ إذ كل ما ظهر وما بطن فمنه بدأ وإلأيه يعود {وَكَانَ ٱللَّهُ} االمتجلي في الآفاق والأنفس {بِكُلِّ شَيْءٍ} من مظاهره {مُّحِيطاً} [النساء: 126] لا كإحاطة الظرفية بمظروفه، بل كإحاطة الشمس بالأضواء والأضلال، وإحاطة الروح بالجسم. أذقنا بلطفك حلاوة توحيدك.

همام الصنعاني

تفسير : 606- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [الآية: 124]، قال: النقير الذي في وسط النواة من ظهرِها.