Verse. 618 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَمَنْ اَحْسَنُ دِيْنًا مِّمَّنْ اَسْلَمَ وَجْہَہٗ لِلہِ وَھُوَمُحْسِنٌ وَّاتَّبَعَ مِلَّــۃَ اِبْرٰہِيْمَ حَنِيْفًا۝۰ۭ وَاتَّخَذَ اللہُ اِبْرٰہِيْمَ خَلِيْلًا۝۱۲۵
Waman ahsanu deenan mimman aslama wajhahu lillahi wahuwa muhsinun waittabaAAa millata ibraheema haneefan waittakhatha Allahu ibraheema khaleelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن» أي لا أحد «أحسن دينا ممن أسلم وجهه» أي انقاد وأخلص عمله «لله وهو محسن» موحد «واتبع ملة إبراهيم» الموافقة لملة الإسلام «حنيفا» حال أي مائلا عن الأديان كلها إلى الدين القيم «واتخذ الله إبراهيم خليلا» صفيا خالص المحبة له.

125

Tafseer

الرازي

تفسير : أعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمناً شرح الإيمان وبين فضله من وجهين: أحدهما: أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والخضوع والانقياد لله تعالى، والثاني: وهو أنه الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل بالترغيب في دين الإسلام. أما الوجه الأول: فأعلم أن دين الإسلام مبين على أمرين: الاعتقاد والعمل: أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله {أَسْلَمَ وَجْهَهُ } وذلك لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع. والوجه أحسن أعضاء الإنسان، فالإنسان إذا عرف بقلبه ربه وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه فقد أسلم وجهه لله، وأما العمل فإليه الإشارة بقوله {وَهُوَ مُحْسِنٌ } ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات، فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض، وأيضاً فقوله {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } يفيد الحصر، معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق وأظهار التبري من الحول والقوة، وأيضاً ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير الله، فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها، واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم: أنهم من أولاد الأنبياء، والنصارى كانوا يقولون: ثالث ثلاثة، فجميع الفرق قد استعانوا بغير الله. وأما المعتزلة فهم في الحقيقة ما أسلمت وجوههم لله لأنهم يرون الطاعة الموجبة لثوابهم من أنفسهم، وأما أهل السنة الذين فوضوا التدبير والتكوين والإبداع والخلق إلى الحق سبحانه وتعالى، واعتقدوا أنه لا موجد ولا مؤثر إلا لله فهم الذين أسلموا وجوههم لله وعولوا بالكلية على فضل الله، وانقطع نظرهم عن كل شيء ما سوى الله. وأما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإسلام: وهو أن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه السلام، فلقد اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم عليه السلام ما كان يدعو إلا إلى الله تعالى كما قال: {أية : إِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } تفسير : [الأنعام: 19] وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان دينه الدعوة إلى الله والإعراض عن كل ما سوى الله ودعوة محمد عليه الصلاة والسلام قد كان قريباً من شرع إبراهيم عليه السلام في الختان وفي الأعمال المتعلقة بالكعبة: مثل الصلاة إليها والطواف بها والسعي والرمي والوقوف والحلق والكلمات العشر المذكورة في قوله {أية : وَإِذَا ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ } تفسير : [البقرة: 124] ولما ثبت أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام كان قريباً من شرع إبراهيم ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل، وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم، وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولاً عند الكل. وأما قوله {حَنِيفاً } ففيه بحثان: الأول: يجوز أن يكون حالاً للمتبوع، وأن يكون حالاً للتابع، كما إذا قلت: رأيت راكباً، فإنه يجوز أن يكون الراكب حالاً للمرئي والرائي. البحث الثاني: الحنيف المائل، ومعناه أنه مائل عن الأديان كلها، لأن ما سواه باطل، والحق أنه مائل عن كل ظاهر وباطن، وتحقيق الكلام فيه أن الباطل وإن كان بعيداً من الباطل الذي يضاده فقد يكون قريباً من الباطل الذي يجانسه، وأما الحق فإنه واحد فيكون مائلاً عن كل ما عداه كالمركز الذي يكون في غاية البعد عن جميع أجزاء الدائرة. فإن قيل: ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام نفس شرع إبراهيم، وعلى هذا التقدير لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مستقلة، وأنتم لا تقولون بذلك. قلنا: يجوز أن تكون ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد عليه الصلاة والسلام مع اشتمال هذه الملة على زوائد حسنة وفوائد جليلة. ثم قال تعالى: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجهان: الأول: أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في علو الدرجة في الدين أن اتخذه الله خليلاً كان جديراً بأن يتبع خلقه وطريقته. والثاني: أنه لما ذكر ملة إبراهيم ووصفه بكونه حنيفاً ثم قال عقيبه {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } أشعر هذا بأنه سبحانه إنما اتخذه خليلاً لأنه كان عالماً بذلك الشرع آتياً بتلك التكاليف، ومما يؤكد هذا قوله {أية : وَإِذَا ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } تفسير : [البقرة: 124] وهذا يدل على أنه سبحانه إنما جعله إماماً للخلق لأنه أتم تلك الكلمات. وإذ ثبت هذا فنقول: لما دلت الآية على أن إبراهيم عليه السلام إنما كان بهذا المنصب العالي وهو كونه خليلاً لله تعالى بسبب أنه كان عاملاً بتلك الشريعة كان هذا تنبيهاً على أن من عمل بهذا الشرع لا بدّ وأن يفوز بأعظم المناصب في الدين، وذلك يفيد الترغيب العظيم في هذا الدين. فإن قيل: ما موقع قوله {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } قلنا: هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الاعراب، ونظيره ما جاء في الشعر من قوله:شعر : والحوادث جمة تفسير : والجملة الاعتراضية من شأنها تأكيد ذلك الكلام، والأمر ههنا كذلك على ما بيناه. المسألة الثانية: ذكروا في اشتقاق الخليل وجوهاً: الأول: أن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره، والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه، ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة. قيل: لما أطلع الله إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس، ومنعهم عن عبادة الأوثان ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان جعله الله إماماً للخلق ورسولاً إليهم، وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته، فلهذه الاختصاصات سماه خليلاً، لأن محبة الله لعبده عبارة عن إرادته لإيصال الخيرات والمنافع إليه. الوجه الثاني في اشتقاق اسم الخليل: أنه الذي يوافقك في خلالك. أقول: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : تخلقوا بأخلاق الله»تفسير : فيشبه أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في هذا الباب مبلغاً لم يبلغه أحد ممن تقدم لا جرم خصه الله بهذا التشريف. الوجه الثالث: قال صاحب «الكشاف»: إن الخليل هو الذي يسايرك في طريقك، من الخل وهو الطريق في الرمل، وهذا الوجه قريب من الوجه الثاني، أو يحمل ذلك على شدة طاعته لله وعدم تمرده في ظاهره وباطنه عن حكم الله، كما أخبر الله عنه بقوله {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 131]. الوجه الرابع: الخليل هو الذي يسد خللك كما تسد خلله، وهذا القول ضعيف لأن إبراهيم عليه السلام لما كان خليلاً مع الله امتنع أن يقال: إنه يسد الخلل، ومن هٰهنا علمنا أنه لا يمكن تفسير الخليل بذلك، أما المفسرون فقد ذكروا في سبب نزول هذا اللقب وجوها: الأول: أنه لما صار الرمل الذي أتى به غلمانه دقيقاً قالت امرأته: هذا من عند خليلك المصري، فقال إبراهيم: بل هو من خليلي الله، والثاني: قال شهر بن حوشب: هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي فقال إبراهيم عليه السلام: اذكره مرة أخرى، فقال لا أذكره مجاناً، فقال لك مالي كله، فذكره الملك بصوت أشجى من الأول، فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي، فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك، وإنما كان المقصود امتحانك، فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله لا جرم اتخذه الله خليلاً. الثالث: روى طاوس عن ابن عباس أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه وظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره، فقال جبريل أنت خليل الله، فنزل هذا الوصف. وأقول: فيه عندي وجه آخر، وهو أن جوهر الروح إذا كان مضيئاً مشرقاً علوياً قليل التعلق باللذات الجسمانية والأحوال الجسدانية، ثم انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسمانية وأفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلۤهية، صار مثل هذا الإنسان متوغلاً في عالم القدس والطهارة متبرئاً عن علائق الجسم والحس، ثم لا يزال هذا الإنسان يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلاّ الله، ولا يسمع إلاّ الله، ولا يتحرك إلاّ بالله، ولا يسكن إلاّ بالله، ولا يمشي إلا بالله، فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلل فيها وغاص في جواهرها، وتوغل في ماهياتها، فمثل هذا الإنسان هو الموصوف حقاً بأنه خليل لما أنه تخللت محبة الله في جميع قواه، وإليه الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «حديث : اللّهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً وفي عصبي نوراً».تفسير : المسألة الثالثة: قال بعض النصارى: لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان معين على سبيل الاعزاز والتشريف، فلم لا يجوز إطلاق اسم الابن في حق عيسى عليه السلام على سبيل الاعزاز والتشريف. وجوابه: أن الفرق أن كونه خليلاً عبارة عن المحبة المفرطة، وذلك لا يقتضي الجنسية، أما الابن فإنه مشعر بالجنسية، وجلّ الإلۤه عن مجانسة الممكنات ومشابهة المحدثات. ثم قال تعالى: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجوه: الأول: أن يكون المعنى أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين، وكيف يعقل ذلك وله ملك السمٰوات والأرض، وما كان كذلك، فكيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى البشر الضعيف، وإنما اتخذه خليلاً بمحض الفضل والإحسان والكرم، ولأنه لما كان مخلصاً في العبودية لا جرم خصه الله بهذا التشريف، والحاصل أن كونه خليلاً يوهم الجنسية فهو سبحانه أزال وهم المجانسة والمشاكلة بهذا الكلام. والثاني: أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعاً كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد، فبيّـن هٰهنا أنه إلۤه المحدثات وموجد الكائنات والممكنات، ومن كان كذلك كان ملكاً مطاعاً فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه. الثالث: أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد ولا يمكن الوفاء بهما إلاّ عند حصول أمرين: أحدهما: القدرة التامة المتعلقة بجميع الكائنات والممكنات. والثاني: العلم التام المتعلق بجميع الجزئيات والكليات حتى لا يشتبه عليه المطيع والعاصي والمحسن والمسيء، فدل على كمال قدرته بقوله {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } وعلى كمال علمه بقوله {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } الرابع: أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد له، وذلك لأنه له ما في السمٰوات وما في الأرض، ويجري هذا مجرى قوله {أية : إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} تفسير : [مريم: 93] ومجرى قوله {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [النساء: 172] يعني أن الملائكة مع كمالهم في صفة القدرة والقوة في صفة العلم والحكمة لما لم يستنكفوا عن عبودية الله فكيف يمكن أن يستنكف المسيح مع ضعف بشريته عن عبودية اللهٰ كذا هٰهنا، يعني إذا كان كل من في السمٰوات والأرض ملكه في تسخيره ونفاذ إلٰهيته فكيف يعقل أن يقال: إن اتخاذ الله إبراهيم عليه السلام خليلاً يخرجه عن عبودية الله، وهذه الوجوه كلها حسنة متناسبة. المسألة الثانية: إنما قال {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ولم يقل (من) لأنه ذهب مذهب الجنس، والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنيس ذكر بما. المسألة الثالثة: قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء محيطاً} فيه وجهان: أحدهما: المراد منه الإحاطة في العلم. والثاني: المراد منه الإحاطة بالقدرة، كما في قوله لعالى {أية : وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } تفسير : [الفتح: 21] قال القائلون بهذا القول: وليس لقائل أن يقول لما دل قوله {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } على كمال القدرة، فلو حملنا قوله {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } على كمال القدرة لزم التكرار، وذلك لأنا نقول: إن قوله {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } لا يفيد ظاهره إلاّ كونه تعالى قادراً مالكاً لكل ما في السمٰوات وما في الأرض، ولا يفيد كونه قادراً على ما يكون خارجاً عنهما ومغايراً لهما، فلما قال {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } دل على كونه قادراً على ما لا نهاية له من المقدورات خارجاً عن هذه السمٰوات والأرض، على أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الكائنات والممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه، فهذا تقرير هذا القول، إلاّ أن القول الأول أحسن لما بينا أن الإلۤهية والوفاء بالوعد إنما يحصل ويكمل بمجموع القدرة والعلم، فلا بدّ من ذكرهما معاً، وإنما قدم ذكر القدرة على ذكر العلم لما ثبت في علم الأصول أن العلم بالله هو العلم بكونه قادراً،ثم بعد العلم بكونه قادراً يعلم كونه عالماً لما أن الفعل بحدوثه يدل على القدرة، وبما فيه من الأحكام والإتقان يدل على العلم، ولا شك أن الأول مقدم على الثاني.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} فضل دين الإسلام على سائر الأديان و{أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة. قال ابن عباس: أراد أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه. وانتصب {دِيناً} على البيان. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} ابتداء وخبر في موضع الحال، أي موحد فلا يدخل فيه أهل الكتاب، لأنهم تركوا الإيمان بمحمد عليه السَّلام. والمِلّة الدين، والحنِيف المسلم وقد تقدّم. قوله تعالىٰ: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} قال ثعلب: إنما سمي الخليل خليلاً لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللاً إلاَّ ملأته؛ وأنشد قول بشار: شعر : قد تخلّلتَ مسلك الروح منِّي وبه سُمِّيَ الخليلُ خليلاَ تفسير : وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم. وقيل: هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وإبراهيم كان محبّاً لله صلى الله عليه وسلم وكان محبوباً لله. وقيل: الخليل من الاختصاص فالله عزّ وجل أعلم ٱختص إبراهيم في وقته للرسالة. واختار هذا النحاس قال: والدليل على هذا قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً » تفسير : يعني نفسه. وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً » تفسير : أي لو كنت مختصاً أحداً بشيء لاختصصت أبا بكر رضي الله عنه. وفي هذا رد على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم ٱختص بعض أصحابه بشيء من الدين. وقيل: الخليل المحتاج؛ فإبراهيم خليل الله على معنى أنه فقير محتاج إلى الله تعالىٰ؛ كأنه الذي به الاختلال. وقال زُهير يمدح هَرِمَ بن سِنان: شعر : وإن أتاه خليلٌ يوم مَسْغَبَةٍ يقول لا غائبٌ مالِي ولا حَرِمُ تفسير : أي لا ممنوع. قال الزجاج: ومعنى الخليل؛ الذي ليس في محبته خلل؛ فجائز أن يكون سمي خليلاً لله بأنه الذي أحبه واصطفاه محبة تامة. وجائز أن يسمى خليل الله أي فقيراً إلى الله تعالىٰ؛ لأنه لم يجعل فقره ولا فاقته إلاَّ إلى الله تعالىٰ مخلصاً في ذلك. والاختلال الفقر؛ فروي أنه لما رمى بالمنجنيق وصار في الهواء أتاه جبريل عليه السَّلام فقال: ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا. فخلة الله تعالىٰ لإبراهيم نصرته إياه. وقيل: سمي بذلك بسبب أنه مضى إلى خليل له بمصر، وقيل: بالموصل لِيمتار من عنده طعاماً فلم يجد صاحبه، فملأ غرائره رملاً وراح به إلى أهله فحطّه ونام؛ ففتحه أهله فوجدوه دقيقاً فصنعوا له منه، فلما قدّموه إليه قال: من أين لكم هذا؟ قالوا: من الذي جئت به من عند خليلك المصريّ؛ فقال: هو من عند خليلي؛ يعني الله تعالىٰ، فسمِّيَ خليل الله بذلك. وقيل: إنه أضاف رؤساء الكفار وأهدى لهم هدايا وأحسن إليهم فقالوا له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تسجدوا سجدة؛ فسجدوا فدعا الله تعالىٰ وقال: اللَّهُمَّ إني قد فعلت ما أمكنني فافعل اللَّهُمَّ ما أنت أهل لذلك؛ فوفقهم الله تعالىٰ للإسلام فاتخذه الله خليلاً لذلك. ويُقال: لما دخلت عليه الملائكة بشبه الآدميِّين وجاء بعجل سمين فلم يأكلوا منه وقالوا: إنا لا نأكل شيئاً بغير ثمن فقال لهم: أعطوا ثمنه وكلوا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: أن تقولوا في أوّله باسم الله وفي آخره الحمد لله، فقالوا فيما بينهم: حق على الله أن يتخذه خليلاً؛ فاتخذه الله خليلاً. وروى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : اتخذ الله إبراهيم خليلاً لإطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلاته بالليل والناسُ نيام » تفسير : . وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «يا جبريل لِم ٱتخذ الله إبراهيم خليلاً»؟ قال: لإطعامه الطعام يا محمد تفسير : . وقيل: معنى الخليل الذي يوالي في الله ويعادي في الله. والخُلّة بين الآدميِّين الصداقة؛ مشتقة من تخلل الأسرار بين المتخالّين. وقيل: هي من الخَلّة فكل واحد من الخليلين يسدّ خَلّة صاحبه. وفي مصنَّف أبي داود عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » تفسير : . ولقد أحسن من قال: شعر : من لم تكن في اللَّه خُلّتُه فخليله منه على خطر تفسير : آخـــر: شعر : إذا ما كنت متّخِذا خليلا فلا تَثِقَنْ بكلِّ أخي إخاءِ فإن خيّرت بينهُم فألصِق بأهل العقل منهم والحَياءِ فإن العقل ليس له إذا ما تفاضلَت الفضائلُ من كِفاءِ تفسير : وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه: شعر : أخلاّء الرجال همُ كثيرٌ ولكن في البلاء هُمُ قليلُ فلا تغررْك خُلّةُ من تؤاخي فمالك عند نائبةٍ خليل وكل أخٍ يقول أنا وفِيٌّ ولكن ليس يفعل ما يقول سوى خِلٍّ له حسَبٌ ودِينٌ فذاك لما يقول هو الفَعُول

البيضاوي

تفسير : {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } أخلص نفسه لله لا يعرف لها رباً سواه. وقيل بذل وجهه له في السجود وفي هذا الاستفهام تنبيه على أن ذلك منتهى ما تبلغه القوة البشرية. {وَهُوَ مُحْسِنٌ } آت بالحسنات تارك للسيئات. {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } الموافقة لدين الإِسلام المتفق على صحتها {حَنِيفاً } مائلاً عن سائر الأديان، وهو حال من المتبع أو من الملة أو إبراهيم. {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيماً لشأنه وتنصيصاً على أنه الممدوح. والخلة من الخلال فإنه ود تخلل النفس وخالطها. وقيل من الخلل فإن كل واحد من الخليلين يسد خلل الآخر، أو من الخل وهو الطريق في الرمل فإنهما يترافقان في الطريقة، أو من الخلة بمعنى الخصلة فإنهما يتوافقان في الخصال. والجملة استئناف جيء بها للترغيب في اتباع ملته صلى الله عليه وسلم والإِيذان بأنه نهاية في الحسن وغاية كمال البشر. روي (أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعث إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتاز منه فقال خليله: لو كان إبراهيم يريد لنفسه لفعلت، ولكن يريد للأضياف وقد أصابنا ما أصاب الناس، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملؤوا منها الغرائر حياء من الناس فلما اخبروا إبراهيم ساءه الخبر، فغلبته عيناه فنام وقامت سارة إلى غرارة منها فأخرجت حوارى واختبزت، فاستيقظ إبراهيم عليه السلام فاشتم رائحة الخبز فقال: من أين لكم هذا؟ فقالت: من خليلك المصري، فقال: بل هو من عند خليلي الله عز وجل فسماه الله خليلاً).

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمنْ } أي لا أحد {أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ } أي انقاد وأخلص عمله {لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } موحد {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } الموافقة لملة الإسلام {حَنِيفاً } حال أي مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيم {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } صفيا خالص المحبة له.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن} لما بيّن الله تعالى أن الجنة لمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن شرح الإيمان وبين فضله فقال تعالى: {ومن أحسن ديناً} يعني ومن أحكم ديناً والدين هو المشتمل على كمال العبودية والخضوع والانقياد لله عز وجل وهو الذي كان عليه إبراهيم صلى الله عليه وسلم. واعلم أن دين الإسلام مبني على أمرين: أحدهما الاعتقاد وإليه الإشارة بقوله: {أسلم وجهه لله} يعني انقاد لله وخضع له في سره وعلانيته وقيل معناه أخلص طاعته لله وقيل فوض أمره إلى الله. الأمر الثاني من مباني الإسلام العمل وإليه الإشارة بقوله: {وهو محسن} يعني في عمله لله فيدخل فيه فعل الحسنات والمفروضات والطاعات وترك السيئات وقال ابن عباس في تفسير قوله: {وهو محسن} يريد وهو موحد لله عز وجل لا يشرك به شيئاً قال العلماء وإنما صار دين الإسلام أحسن الأديان لأنه فيه طاعة الله ورضاه وهما أحسن الأعمال. وإنما خص الوجه بالذكر في قوله: {أسلم وجهه لله} لأنه أشرف الأعضاء فإذا انقاد الوجه لله وخضع له فقد انقاد لله جميع الأعضاء لأنها تابعة له {واتبع ملة إبراهيم} يعني دين إبراهيم عليه السلام {حنيفاً} يعني مسلماً مخلصاً والحنيف المائل ومعناه المائل عن الأديان كلها إلى الإسلام لأن كل ما سواه من الأديان باطل وحنيفاً يجوز أن يكون حالاً لإبراهيم ويجوز أن يكون حالاً للمتبع كما تقول رأيته راكباً. قال ابن عباس ومن دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى الكعبة والطواف ومناسك الحج والختان هو نحو ذلك. فإن قلت ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد صلى الله عليه وسلم هو نفس شرع إبراهيم عليه السلام وعلى هذا لم يكن لمحمد صلى الله عليه وسلم شرع يستقل به وليس الأمر كذلك فما الجواب؟ قلت إن شرع إبراهيم وملته داخلان في شرع محمد صلى الله عليه وسلم وملته مع زيادات كثيرة حسنة خص الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم فمن اتبع ملة محمد صلى الله عليه وسلم فقد اتبع ملة إبراهيم لأنها داخلة في ملة محمد صلى الله عليه وسلم وشرع إبراهيم داخل في شرع محمد صلى الله عليه وسلم وإنما قال تعالى: {واتبع ملة إبراهيم} لأن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى توحيد الله وعبادته ولهذا خصه بالذكر لأنه كان مقبولاً عند جميع الأمم فإن العرب كانوا يفتخرون بالانتساب إليه وكذا اليهود والنصارى. فإذا ثبت هذا وأن شرعه كان مقبولاً عند الأمم وأن شرع محمد صلى الله عليه وسلم وملته هو شرع إبراهيم وملته لزم الخلق الدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وقبول شرعه وملته. وقوله تعالى: {واتخذ الله إبراهيم خليلاً} يعني صفياً والخلة صفاء المودة وقيل الخلة الافتقار والانقطاع فخليل الله المنقطع إليه وسمي إبراهيم خليلاً لأنه انقطع إلى الله في كل حال. وقيل الخلة الاختصاص والاصطفاء وسمي إبراهيم خليلاً لأنه والى في الله وعادى في الله وقيل لأنه تخلّق بأخلاق حسنة وخلالٍ كريمة وقيل الخليل المحب الذي ليس في محبته خلل وسمي إبراهيم خليل الله لأنه أحبه محبة كاملة ليس فيها نقص ولا خلل وأنشد في معنى الخلة التي هي بمعنى المحبة: شعر : قد تخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلا تفسير : وقيل الخليل من الخلة بفتح الخاء وهي الحاجة سميت خلة للاختلال الذي يلحق الإنسان فيها وسمي إبراهيم خليلاً لأنه جعل فقره وفاقته وحاجته إلى الله تعالى. وخلة الله للعبد هي تمكينه من طاعته وعصمته وتوفيقه وستر خلله ونصره والثناء عليه فقد أثنى الله عز وجل على إبراهيم عليه السلام وجعله إماماً للناس يقتدى به. واختلفوا في السبب الذي من أجله اتخذ الله إبراهيم خليلاً فقال ابن عباس كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أبا الضيفان وكان منزله على ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس فأصاب الناس شدة قحط فقصد الناس باب إبراهيم يطلبون منه الطعام، وكانت الميرة تأتيه من صديق له بمصر فبعث إبراهيم غلمانه إلى خليله الذي بمصر فقال خليله لغلمان إبراهيم لو كان إبراهيم يريد إنماء الطعام لنفسه احتملنا ذلك له وقد دخل علينا مثل ما دخل على الناس من الشدة فرجع غلمان إبراهيم بغير طعام فمروا ببطحاء من الرمل سهلة فقالوا لو حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بالميرة فإنا نستحي أن نمر بهم وإبلنا فارغة فملؤوا من ذلك الرمل الغرائر التي معهم ثم أتوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فأعلموه وسارة نائمة فاهتم لذلك ولمكان الناس ببابه فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار فقالت سبحان الله ما جاء الغلمان قالوا بلى قالت فجاؤوا بشيء قالوا نعم فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هي ملأى بأجود دقيق يكون حواري فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس فاستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال يا سارة من أين لكم هذا؟ فقالت من عند خليلك المصري فقال هذا من عند خليلي الله قال فيومئذ اتخذه الله خليلاً وقيل لما أراه الله ملكوت السموات والأرض وحاج قومه في الله ودعاهم إلى توحيده ومنعهم من عبادة النجوم والشمس والقمر والأوثان وبذل نفسه للإلقاء في النيران وبذل ولده للقربان وماله للضيفان اتخذه الله خليلاً وجعله إماماً للناس يقتدى به وجعل النبوة فيه وفي ذريته وقيل إن إبراهيم عليه السلام لما كسر الأصنام وعادى قومه في الله عز وجل اتخذه الله خليلاً وقيل لما دخل عليه الملائكة فظنهم ضيفاً فقرب إليهم عجلاً مشوياً وقال كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره فقال جبريل أنت خليل الله فمن يومئذ سمي إبراهيم خليل الله (م) عن أنس قال: "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا خير البرية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إبراهيم خليل الله ". تفسير : فصل وقد اتخذ الله محمداً خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً فقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً" تفسير : وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً" تفسير : أخرجه مسلم؛ فقد ثبت بهذين الحديثين الخلة للنبي صلى الله عليه وسلم وزاد على إبراهيم عليه السلام بالمحبة فمحمد صلى الله عليه وسلم خليل الله وحبيبه فقد جاء في حديث عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا وأنا حبيب الله ولا فخر" تفسير : أخرجه الترمذي بأطول منه.

ابن عادل

تفسير : لما شرط في حُصُول النَّجاة والفَوْزِ بالجنَّة كون الإنْسَان مُؤمِناً، شَرَح هَهُنَا الإيمَان، وبَيَّن فَضْلَه من وَجْهَين: أحدهما: أنَّه الدِّين المشتمل على العُبُودِيَّة والانْقِيَاد لله - تعالى -. والثاني: أنه دينُ إبْرَاهيم - عليه السَّلام -، وكل واحدٍ من هَذَيْن الوَجْهَيْن سَبَبٌ مستقِلٌّ في التَّرْغِيب في دِينِ الإسْلاَم. أما الأوّل: فإن دِين الإسْلام مَبْنيٌّ على الاعْتِقَاد والعَمَل. أما الاعتقاد: فإليه الإشارَة بقوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ} لأن الإسْلام هو الانْقِيَاد، والاسْتِسْلام، والخُضُوعُ، وذكر الوَجْه؛ لأنه أحسن الأعْضَاء الظَّاهِرَة، فإذا عَرَفَ ربه بِقلبه، وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وبعبُودِيَّة نفسه، فقد أسْلَم وجهه للَّه. وأمَّا العَمَل فإليه الإشَارةُ بقوله: "وَهُوَ مُحْسنٌ" فيدخل فيه فِعْلُ الحِسَنَات وتَرْكُ السَّيِّئَات، فاحتوت هذه اللَّفْظَة على جَمِيع الأغْرَاض، وفيها تَنْبِيهٌ على فَسَادِ طَريقَةِ من اسْتَعان بغير اللَّهِ؛ فإن المُشْرِكِين يستعينُونَ بالأصْنَامِ، ويَقُولُون: هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْد اللَّه، والدهرية والطَّبِيعيُّون يَسْتعِينُونَ بالأفْلاكِ، [والكَواكِبِ]، والطبائع، وغيرها، واليَهُود يَسْتعِينُون في دَفْع عِقَاب الآخرة عَنْهم بكونِهِم من أوْلاَدِ الأنْبِيَاء، والنَّصارى يَقُولون: ثَالِثُ ثَلاَثَة، وأما المُعْتَزِلَة: فهم في الحَقِيقَةِ ما أسْلَمَت وَجُوهُهم للَّه؛ لأنهم يَرون [أنَّ] الطاعة المُوجِبَة لِثَوَابِهِم من أنْفُسِهِم، والمَعْصِية الموجِبَة لِعِقَابِهم من أنْفُسِهم، فهم في الحَقِيقَة لا يَرْجُون إلا أنْفُسَهُم، ولا يَخَافُون إلا أنْفُسَهم، وأهل السُّنَّة: فَوَّضُوا التَّدْبِير، والتَّكْوِين والخَلْق، والإبْدَاع إلى اللَّه - تعالى -، واعتَقَدُوا أن لا مُوجِدَ ولا مُؤثِّر إلا اللَّه [تعالى] فهم الذِين أسْلَمُوا وجوههم للَّه. وأما الوَجْه الثَّاني: وهو أنَّ محمَّداً - عليه الصلاة والسلام - إنما دَعَى الخَلْق إلى دين إبْرَاهِيم -[عليه الصلاة والسلام -، وإبراهيم - عليه الصلاة والسلام -] إنَّما كان يَدْعُو إلى اللَّه - تعالى -، لا إلى [عِبَادة] فَلَكٍ ولا طاعة كَوْكَب، ولا سُجُود لِصَنَمٍ، ولا اسْتِعَانَة بطبيعة؛ بل كانت دَعْوَتُه إلى اللَّه - تعالى - كما قال: {أية : إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 78] ودعوة مُحَّمد - عليه الصلاة والسلام - كانت قَرِيبَة من شَرْع إبْرَاهيم - عليه السلام - في الخِتَان، وفي الأعْمَال المُتَعَلِّقَة بالكَعْبَة؛ كالصَّلاة إليها، والطَّوَاف [والسَّعْي] والرَّمْي، والوُقُوف، والحَلْق، والكَلِمَات العَشْر المَذْكُورة في قوله: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} تفسير : [البقرة: 124]. وإذا ثبت أنَّ شَرْع مُحمد - عليه الصلاة والسلام - كان قَريباً من شَرْع إبراهيم [ثم إنَّ شَرْع إبْرَاهِيم] مقبولٌ عند الكُلِّ لأن العَرَب لا يَفْتَخرُون بشيءٍ كافتخارهم بالانْتِساب إلى إبْرَاهيم - [عليه الصلاة والسلام] -، وأما اليَهُود والنَّصارى فلا شَكَّ في كَوْنِهِم مُفْتَخِرين بِهِ، وإذا ثَبَت هذا، لَزِم أن يكون شَرْع مُحمَّد -[صلى الله عليه وسلم] - مَقْبُولاً عند الكُلِّ. قوله: {مِّمَّنْ أَسْلَمَ}: متعلِّقٌ بـ "أحْسَنُ" فهي "مِنْ" الجَارَّة للمَفْضُول، و"لله" متعلِّقٌ بـ "أسْلَم"، وأجَازَ أبُو البقاء أن يَتَعَلَّق بَمَحْذُوف على أنَّه حَالٌ من "وَجْهه" وفيه نظرٌ لا يَخْفَى، "وهو مُحْسِنٌ"، حالٌ من فَاعِل "أسْلَم". ومعنى {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}: أخْلَصَ عمله للَّه، وقيل: فَوض أمْرَه إلى اللَّه، "وهو مُحْسِنٌ" أي: مُوَحِّد. و"اتَّبع" يجُوز أن يكون عَطْفاً على "أسْلمَ" وهو الظَّاهِر، وأن يكونَ حالاً ثانية من فَاعِل "أسْلَم" بإضمار "قَدْ" عند مَنْ يشترط ذَلِك، وقد تقدَّم الكَلاَم على "حَنيفاً" في البَقَرة، إلا أنَّه يَجُوزُ هنا أن يكُون حالاً من فَاعِل "اتبع". فصل "ملَّة إبْرَاهِيم" دين إبراهيم، "حَنِيفاً" أي: مسلِماً مُخْلِصاً. فإن قيل ظَاهِر هذه الآيَة يَقْتَضِي أنَّ شرع مُحمد - عليه الصلاة والسلام - نفس شَرْع إبْرَاهيمَ، وعلى هَذَا لم يَكُن لمحمد - عليه الصلاة والسلام - شريعة مُسْتقِلَّة، وأنتم لا تَقُولُون بِذلِك. فالجوابُ: أن شَريعَة محمد - عليه الصلاة والسلام - تُشْبِه أكثر شَرِيعَة إبْرَاهِيمَ. قال ابن عبَّاسٍ: ومن دينِ إبراهيم: الصَّلاة إلى الكَعْبَة، والطَّواف بها، ومَنَاسِك الحَجِّ، وإنما خصَّ بها إبْراهيم - [عليه والصلاة والسلام] -؛ لأنه كان مَقْبُولاً عند جَمِيع الأمَمِ، وقيل: إنَّه بُعِثَ على مِلَّة إبْرَاهِيم، وزِيدَت له أشْيَاء. قوله: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} فيه وجهان وذلك أنَّ "اتَّخذ" إن عَدَّيْناها لاثنين، كان مَفْعُولاً ثانياً، وإلا كان حالاً، وهذه الجُمْلَة عَطْف على الجُمْلَة الاستِفْهَاميةِ التي مَعْنَاها الخَبَرُ، نَبَّهَتْ على شَرَف المَتْبُوعِ وأنه جَدِيرٌ بأن يُتَّبَع لاصْطِفَاءِ الله له بالخُلّة، ولا يَجُوز عَطْفُها على ما قَبْلَها لِعدم صلاحيَّتِها صلةً للموصول. وجعلها الزَّمَخْشَرِي جملة مُعْتَرِضَة، قال: "فإنْ قلت ما مَحَلُّ هذه الجُمْلةِ؟ قلت: لا محلَّ لها من الإعْرَاب؛ لأنَّها مِنْ جُمل الاعْتِرَاضَاتِ، نحو ما يجيء في الشِّعر من قَوْلهم: "والحَوَادِثُ جَمَّةٌ" فائدتُها تَأكيدُ وجوب اتِّباع ملّته؛ لأنَّ مَنْ بَلَغَ من الزُّلْفَى عند الله أن اتَّخَذَه خَلِيلاً، كان جديراً بأن يُتَّبع" فإنْ عنى بالاعْتِرَاضِ المُصْطَلحَ عليه، فَلَيْس ثَمَّ اعْتِراضٌ؛ إذ الاعْتِرَاضُ بين مُتلازَمِيْن؛ كفِعْلٍ وفَاعِلٍ، ومُبْتَدأ وخَبَر وشَرْط وجَزَاء، وقَسَم وَجَواب، وإن عَنَى غير ذلك احتُمِل، إلا أنَّ تنظيرَه بقولهم: "والحَوَادِثُ جَمَّةٌ" يُشْعِر بالاعْتِرَاض المُصْطَلح عليه؛ فإن قولهم: "والحَوَادِثُ جَمَّةٌ" وَرَدَ في بَيْتَيْنِ: أحدهما: بين فِعْل وفَاعِل؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1822- وَقَدْ أدْرَكَتْنِي وَالحَوَادِثُ جَمَّةٌ أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعَافٍ ولا عُزْلِ تفسير : والآخر يَحْتَمِل ذلك، على أن تكُونَ الباءُ زائدةً في الفَاعِل؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1883- ألاَ هَلْ أتَاهَا والحَوَادِثُ جَمَّةٌ بأنَّ امْرَأ القَيْس بنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا تفسير : ويُحْتَمل أن يكونَ الفَاعِلُ ضميراً دلَّ عليه السِّياق، أي: هل أتاها الخَبَر بان امْرأ القيس، فيكون اعْتِرَاضاً بين الفِعْل ومَعْمُوله. والخليلُ: مشتق من الخَلَّة بالفَتْح، وهي الحَاجَة، أو من الخُلَّة بالضَّمِّ، وهي المودة الخالصة. وسُمِّي إبْرَاهيم عليه الصلاة والسلام خليلاً أي: فَقِيراً إلى اللَّه؛ لأنَّه لم يَجْعَل فَقْره وفَاقَتَه إلاَّ إلى اللَّه. قال القُرْطِبيُّ: الخَلِيلُ فعيل، بِمَعنى: فَاعِل؛ كالعَلِيم، بمعنى: عالم، وقيل: هو بِمَعْنَى المَفْعُول؛ كالحَبِيب بِمَعْنَى: المَحْبُوب، وإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان مُحبًّا للَّه، وكان مَحْبُوباً للَّه. أو من الخلل. قال ثَعْلَب: "سُمِّي خليلاً؛ لأن مَوَدَّته تَتَخَلَّلُ القَلْبَ" وأنشد: [الخفيف] شعر : 1884- قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَبِهِ سُمِّي الْخَلِيلُ خَلِيلا تفسير : وقال الرَّاغِب: "الخَلَّة - أي بالفتح - الاختلالُ العَارِضُ للنَّفْس: إمَّا لشَهْوَتِها لِشَيْء، أو لحاجتهَا إليه، ولهذا فَسَّر الخَلَّة بالحَاجَة، والخُلَّة - أي بالضم -: المودة: إما لأنَّها تتَخَلَّل النَّفْس، أي: تتوسَّطُها، وإما لأنَّها تُخِلُّ النَّفْسَ؛ فتؤثِّر فيها تأثيرَ السَّهْم في الرَّمِيَّة، وإمَّا لفَرْطِ الحَاجَة إليْها". وقال الزَّجَّاج: معنى الخليل: الذي لَيْس في مَحبَّتِه خَلَل، وقيل: الخلِيلُ هو الذي يُوافِقُك في خلالِك. قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : تَخَلقوا بأخلاق اللَّه" تفسير : فلما بلغ إبْرَاهيم - عليه الصلاة والسلام - في هذا البَابِ مبلَغاً لم يَبْلُغْه أحَدٌ ممَّن تقدَّمَه، لا جَرَم خصَّه اللَّه بهذا الاسْمِ. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلِيلُ: [هو] الذي يُسَايِرُك في طَرِيقك، من الخَلِّ: وهو الطَّريق في الرَّمْل، وهذا قَرِيبٌ من الذي قَبْلَه، وقيل: الخَلِيْلُ: هو الذي يسد خللك كما تسُدُّ خَلَله، وهذا ضَعِيف؛ لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لا يقال: إنه يَسُدُّ الخَلَلَ. وأما المُفَسِّرُون: فقال الكلبيُّ: عن أبي صَالحٍ، عن ابن عبَّاس: كان إبْرَاهيم - عليه الصلاة والسلام - أبا الضِّيفان، وكان مَنْزِلُه على ظَهْر الطَّرِيق يُضِيفُ من مَرَّ بِه، فأصاب الناس سنَةٌ فَحشِرُوا إلى بَابِ إبْراهيم يَطْلُبون الطَّعَام، وكانت الميرة له كل سَنَةٍ من صديقٍ له بـ "مصر"، فبعث غِلْمَانه بالإبل إلى خَلِيلِه بـ "مصر"، فقال خلِيلُه لِغلمانه: لو كان إبراهيم إنَّما يريده لنفْسِه، لاحْتَمَلْنَا ذلك لهُ؛ فقد دَخَلَ عَلَيْنَا ما دَخَلَ على النَّاس من الشِّدَّة، فرجع رُسُل إبْراهيم - عليه السلام - فمرُّوا بِبَطْحَاء [سهلة] فقالوا: لو أنَّا حملنا من هذه البَطْحَاء؛ ليرى النَّاسُ أنا قد جِئْنَا بميرة، فإنَّا نَسْتَحِي أن نمرّ بِهِم، وإبلنا فَارِغَةٌ، فملأوا لتك الغرائر سهلة ثم أتَوْا إبْرَاهِيمَ - عليه الصلاة والسلام - فأعْلَمُوهُ [بذلك] و[سارةُ نَائِمَةٌ]، فاهْتَمَّ إبْرَاهيم - عليه الصلاة والسلام - لمكان النَّاسِ بِبَابِه، فَغَلَبته عَيْنَاه فَنَام، واستيقظت سَارة و[قد] ارتفع النَّهَار، فقَالَت: سُبْحَان الله! ما جَاءَ الغِلْمَان؟ قالوا: بَلَى، [قالت: فما جَاؤُا بِشَيْءٍ؟ قالوا: بَلَى،] فَقَامَت إلى الغَرَائِر. فَفَتَحَتْهَا، [فإذا] هِي مَلأى بأجْودِ دَقِيق حوارٍ يكون، فأمرت الخَبَّازِين، فَخَبَزُوا وأطْعَمُوا النَّاسَ، فاسْتَيْقَظ إبْرَاهِيمُ، فوجد ريحَ الطَّعَامِ، فقال: يا سَارة مِنْ أيْن هذا؟ فقالت: من عند خَلِيلِك المصْرِيِّ، فقال: هذا من عِنْد خَلِيلِيَ اللَّه، قال: فيومَئِذٍ اتَّخَذَهُ [الله] خَلِيلاً. وقال شَهْر بن حَوْشَب: هبط مَلَكٌ في صورة رَجُلٍ، وذكر اسْمَ اللَّه بِصَوتٍ رَخيمٍ شَجِيٍّ، فقال إبْرَاهِيم - عليه السلام -: اذكره مَرَّة أخْرَى، فقال: لا أذْكُرُه مَجَّاناً، فقال: لك مَالِي كُلُّه، فذكره المَلَكُ بِصَوتٍ أشْجَى من الأوَّل، فقال: اذكره مرَّة ثَالِثَة ولك أوْلاَدِي، فقال المَلَك: أبْشِر، فإنِّي ملكٌ لا أحْتَاج إلى مَالِكَ وَوَلَدِكَ، وإنَّما كان المَقْصُود امتْحَانُك؛ فلما بَذَل المَال والوَلَد على سَمَاعِ ذكر الله [- تعالى -] لا جرم اتَّخذه اللَّه خَلِيلاً. وروى طاوُس، عن ابن عبَّاس: أن جبريل - عليه السَّلام - والملائِكَة، لما دَخَلُوا على إبْراهيم - عليه [الصلاة و] السلام - في صُورة غِلْمَان حِسَان الوُجُوه، ظنَّ الخليل - عليه السلام - أنهم أضْيَافُه، وذَبَح لهم عِجْلاً سَمِيناً، وقرَّبَهُ إليْهِم، وقال: كلوا على شَرْطِ أن تُسَمُّوا اللَّه - تعالى - في أوَّلِه، وتَحْمَدُونَهُ في آخِرِه، فقال جِبْرِيل: أنت خَلِيلُ اللَّه. قال ابن الخَطِيب: وعندي فيه وَجْهٌ آخَر، ومعناه: إنما سُمِّي خَلِيلاً، لأن مَحَبَّة اللَّه تخلَّلت في جَمِيع قُوَاه؛ فصار بحيث لا يَرَى إلا اللَّه، ولا يَتَحَّرك إلاَّ للَّه، [ولا يَسْكن إلا لِلَّه]، ولا يسمع إلا باللَّه، ولا يَمْشِي إلا للَّه، فكان نُور [جلال] اللَّه قد سرى في جَمِيع قُوَاه الجُسْمَانِيَّة، وتخلَّلَ وغاصَ في جَوَاهِرِها، وتوغل في ماهِيَّاتها، ومثل هذا الإنْسَان يوصَفُ بأنه خَلِيلٌ، وإليه أشار - عليه الصلاة والسلام - بقوله [في دعَائِهِ]: "حديث : اللهم اجْعَل في قَلْبِي نُوراً، [وفي سَمْعِي نُوراً]، وفي بَصَرِي نُوراً، وفي عَصَبِي نُوراً ". تفسير : فصل قال بَعْض النّصَارى: لما جاز إطلاق اسم الخَلِيل على إنْسَانٍ معيَّنٍ على سبيل الإعْزَازِ والتَّشْرِيف فلم لا يَجُوز إطْلاق الابْن في حَقِّ عيسى - عليه السلام - على سبيل الإعزاز والتشريف؟ وجوابُهم: أن الفَرْق بَيْنَهُما: بأن الخليل عِبَارةٌ عن المَحَبَّة المُفْرِطَةِ، وذلك لا يَقْتَضِي الجِنْسِيَّة، وأما الابْنُ: فإنه يُشْعِر بالجِنْسِيَّة، وجلَّ الإله عن مُجَانَسَة المُمْكِنَات، ومشَابهة المُحْدَثَات.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ قال أهل الإسلام‏:‏ لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وديننا خير الأديان‏.‏ فقال الله تعالى ‏ {‏ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن‏} ‏‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله اصطفى موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير والطبراني في السنة عن ابن عباس قال‏:‏ إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمداً بالرؤية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن الضريس عن معاذ بن جبل. أنه لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ ‏ {‏واتخذ الله إبراهيم خليلا‏ً} ‏ فقال رجل من القوم‏:‏ لقد قرت عين أم إبراهيم‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن جندب‏:‏ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني وابن عساكر عن ابن مسعود قال‏:‏ إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وإن صاحبكم خليل الله، وإن محمداً سيد بني آدم يوم القيامة‏.‏ ثم قرأ {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا‏ً} [‏الإسراء: 79‏]. ‏ وأخرج الطبراني عن سمرة قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : إن الأنبياء يوم القيامة كل اثنين منهم خليلان دون سائرهم‏.‏ قال فخليلي منهم يومئذ خليل الله إبراهيم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني والبزار عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : ‏ إن في الجنة قصراً من درة لا صدع فيه ولا وهن، أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلا‏ً"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم‏؟‏‏!‏‏"‏‏.‏ وأخرج الترمذي وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏حديث : جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول‏:‏ إن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله‏.‏ وقال آخر‏:‏ ماذا بأعجب من أن كلم الله موسى تكليماً‏.‏ وقال آخر‏:‏ فعيسى روح الله وكلمته‏.‏ وقال آخر: آدم اصطفاه الله‏.‏ فخرج عليهم فسلم فقال‏:‏ قد سمعت كلامكم وعجبكم ان إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله ربه كذلك، ألا وإني حبيب الله ولا فخر، وأنا أول شافع، وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتحها الله، فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات قال‏:‏ أوحى الله إلى إبراهيم‏:‏ أتدري لم اتخذتك خليلاً‏؟‏ قال‏:‏ لا يا رب‏.‏ قال‏:‏ لأني اطلعت إلى قلبك فوجدتك تحب أن ترزأ ولا ترزأ‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن أبزى قال‏:‏ دخل إبراهيم عليه السلام منزله، فجاءه ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، فقال له إبراهيم‏:‏ بإذن من دخلت‏؟‏ قال‏:‏ بإذن رب المنزل‏.‏ فعرفه إبراهيم فقال له ملك الموت‏:‏ إن ربك اتخذ من عباده خليلاً‏.‏ قال إبراهيم‏:‏ ونحن ذلك‏!‏ قال‏:‏ وما تصنع به‏؟‏ قال‏:‏ أكون خادماً له حتى أموت‏.‏ قال‏:‏ فإنه أنت‏.‏ وبأي شيء اتخذني خليلاً‏؟‏ قال‏:‏ بأنك تحب أن تعطي ولا تأخذ‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عن عبدالله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏"حديث : ‏ يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلا‏ً؟‏ قال‏:‏ لإطعامه الطعام يا محمد ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الديلمي بسند واهٍ عن أبي هريرة‏:‏‏‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس‏: ‏"يا عم أتدري لم اتخذ الله إبراهيم خليلا‏ً؟‏ هبط إليه جبريل فقال‏:‏ أيها الخليل هل تدري بم استوجبت الخلة‏؟‏ فقال‏:‏ لا أدري يا جبريل‏!‏ قال‏:‏ لأنك تعطي ولا تأخذ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس عن واثلة بن الأسقع قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم اتخذه خليلاً، واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزاراً، ثم اصطفى من ولد نزار مضر، ثم اصطفى من مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشاً، ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب، ثم اصطفاني من بني عبد المطلب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه وابن عساكر والديلمي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ "حديث : ‏{‏اتخذ الله إبراهيم خليلاً‏}‏ وموسى نجياً، واتخذني حبيباً، ثم قال‏:‏ وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيِّي ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ أوّل من يكسى يوم القيامة إبراهيم قبطيتين والنبي صلى الله عليه وسلم حلة حبرة وهو عن يمين العرش‏.‏ والله أعلم‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ} [الآية: 125]. قيل: من أحسن حالاً ممن رضى بالمقدور، ومجازيها عليه من العسر واليسر، وأسلم قلبه إلى ربه وأخلص وجهه له، وهو محسن أى متبع السُّنة للمصطفى صلى الله عليه وسلم. قال الواسطى رحمة الله عليه: فى قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ} أى وهو يحسن أن يسلم وجهه لله، فمن دخل على السلطان مسرعًا بطاعته بغير أدب فما ناله من المكروه أكثر، فلذلك من لا يحسن أن يبقى ولا يحسن أن يسلم وجهه لله. وقيل: ومن أحسن طريقة إلى الله ممن أسلم دينه له ولم يشرك فيه غيره. قوله تعالى: {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}. قال ابن طاهر: يخرج من الكونين إقبالاً منه على الحق. وقال بعضهم: يبذل نفسه لربه وولده لاتباع أمره وماله شفقة على خلقه. قال سهل بن عبد الله: كانت ملة إبراهيم السخاء وحاله التبرى من كل شىء سوى الله. ألا تراه قال لجبريل صلى الله عليهما: "أما إليك فلا" لم يعتمد فى الكونين سواه. قال الواسطى رحمة الله عليه: حنيفًا: أى مطهرًا من أدناس الكون، خالصًا للحق فيما يبدو له وعليه. قال تعالى: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}. قال الواسطى رحمة الله عليه: اتخذه فلما اتخذه اختص به. قال ابن عطاء: اتخذه خليلاً فلم يخالل سرائره شيئًا غيره، وذلك حقيقة الخُلَّه وأنشد: شعر : قد تخلَّلتِ مَسَلكَ الرُّوح منِّى وبذَا سُمّىَ الخليلُ خليلاً فَإِذَا مَا نَطقتُ كنت حديثى وإذا ما سَكَتُ كنتُ الغَليلاَ تفسير : قال الحسن: اتخذه خليلاً ولا صنع لإبراهيم فيه وذلك موضع المنَّة، ثم أثنى عليه بالخلة وذلك فعل الخلة. وقال بعضهم: أخلاه عن الكل حتى كان له بالكلية. قال الواسطى رحمة الله عليه: تخالـله أنوار بره فسماه خليلاً. وقال محمد بن عيسى الهاشمى: سمى خليلاً لأنه خلا به عما سواه. سمعت منصورًا يقول: سمعت أبا القاسم بإسناده عن جعفر بن محمد عليه السلام فى قوله: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} قال: أظهر اسم الخلة لإبراهيم، لأن الخليل ظاهر فى المعنى وأخفى اسم المحبة لمحمد صلى الله عليه وسلم لتمام حاله، إذ لا يحب الحبيب إظهار حال حبيبه، بل يحب إخفاءه وستره، لئلا يطلع عليه سواه ولا يدخل أحد فيما بينهما وقال لنبيه وصفيه محمد صلى الله عليه وسلم لما أظهر له حال المحبة: { أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي }تفسير : [آل عمران: 31]. أى: ليس الطريق إلى محبة الله إلا باتباع حبيبه وطلب رضاه.

القشيري

تفسير : لا أحدَ أحسنُ ديناً ممن أسلم وجهه لله؛ يعني أفرد قصده إلى الله، وأخلص عقده لله عما سوى الله، ثم استسلم في عموم أحواله لله بالله، ولم يدَّخِرْ شيئاً عن الله؛ لا من ماله ولا من جَسَدِه، ولا من روحه ولا من جَلَدِه، ولا من أهله ولا من وَلَدِه، وكذلك كان حال إبراهيم عليه السلام. وقوله: {وَهُوَ مُحْسِنٌ}: الإحسان - بشهادة الشرع - أن تعبد الله كأنك تراه، ولا بد للعبد من بقية من عين الفرق حتى يصحّ قيامه بحقوقه - سبحانه - لأنه إذا حصل مستوفيّ بالحقيقة لم يصح إسلامه ولا إحسانه، وهذا اتِّباع إبراهيم عليه السلام الحنيف الذي لم يبق منه شيء على وصف الدوام. وقوله: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}: جرَّد الحديث عن كل سعي وكدٍ وطلبٍ وجهدٍ حيث قال: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} فعُلِمَ أَنَّ الخلَّة لُبسةٌ يُلبِسها الحقُّ لا صفةٌ يكتسبها العبد. ويقال الخليل المحتاج بالكلية إلى الحق في كل نَفَسٍ ليس له شيء منه بل هو بالله لله في جميع أنفاسه وأحواله، اشتقاقاً من الخُلَّة التي هي الخَصَاصة وهي الحاجة. ويقال إنه من الخلة التي هي المحبة، والخلة أن تباشِر المحبةُ جميع أجزائه، وتتخلل سِرَّه حتى لا يكون فيه مساغ للغير. فلمَّا صفَّاه الله - سبحانه - (عليه السلام) عنه، وأخلاه منه نَصَبَه للقيام بحقه بعد امتحائه عن كل شيء ليس الله سبحانه. ثم قال: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً}تفسير : [الحج: 27] لا يلبي الحاج إلا لله، وهذه إشارة إلى جمع الجمع.

البقلي

تفسير : بمعنى قوله تعالى ومن احسن دينا انه وصف من يحمل بسريال جلاله الذى يتلالأ منه حسن وجه القديم وطار بجناح المحبة والشوق فى هواء هويته فيجد طريقا من الازل فيسير من الله الى الله الى ابد الابد فتلك المسالك دينه اى دين احسن من هذا وهو بجلاله وعظمته دليلة منها ليه لمن ينطمس مسلك الازال والاباد ما دام بعزته ومجده امام مطايا اسراره وعلم رواحل انواره شعر : اذا نحن ادلجنا وانت امامنا كفى لمطايانا بلقياك ههناه تفسير : بان سمات الحسن منه حين اسلم وجهه لله الى جمال الله فيتجلى من وجهه تعالى لوجه قاصده فبرز نور وجه القدم من وجهه افنى وجوده لادراك وجوده وهو محسن اى عارف وعالم بما يطلب ومقصده مشاهدة الباقى بنعت الفناء فيه اتصافه برضاه فيرضى عنه فيما يريد منه ومثل هذا الدين دين الحنيفة الحبيبة الجليلية المسايلة عن الحدثان فى مشادة الرحمن الا ترى كيف وصف حبيبه بقوله ما زاع البصر وما طفى حين راه لم يلتفت الى الحدثان وكيف وصف خليله حين برز انوار جلاله له من مطالع القدر ببراءته عن الحدث بقوله الى برئ مما تشركون انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض وبين تعالى ان تمام حسنة لم يكن الا بمتابعة خليله واتبع ملة ابراهيم حنيفا وملته كسر اصنام الطبيعة يفاس الحقيقة فى بداية المحبة واذهاب عرائس الملكوت من خاطره بقوله انى برئ مما تشركون بعد قوله هذا ربى حين انكشف فى عينه سلامة القلب عما دون الرب قال تعالى {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}تفسير : وزاد فى وصفه بقوله {أية : أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : امتحن تسليمه بذخ الولد فامر السكين على حلقه سبعين مرة وامتحن بنفسه بالقائه فى النار فعرضه جبرئيل عليه السلام المعاونة فقال الك لى حاجة فقال اما اليك فلا وبين سبحانه اذا كان الخليل بهذه الصفة فى عبودتيه وعرفان ربوبيته اتخذه كان فى الازل خليل الله بلا علة ولا تهمة اصطفاه بالخلة فى الازل ولو كان خلته بعوض ما كان فضلا لان اصفطائيته بالخلة وصف الازل و الازل قديم بل وجود الحوادث حين اقبل صفته تعالى وهى المحبة الى الذات واقبل اذات الى الصفة وتجلى الصفات للذات تجلى الذات للصفات ثم تجلى الذات والصفات للفعل وتجلى الفعل الى القدم فظهر الخليل بوصف الخليل ويرى الخليل لخليل بعين الجليل فصار جليللا للجليل ولذلك قاله تعالى اتخذ الله ابراهيم خليلا وهذا الذى بعينه للحبيب الحبيب افضل من الخليل لان المحبة لب الخلة ثم صرح بالاشارة ان المحسن الراضى اذا تابع الحبيب والخليل فيما ذكرنا صار حبيب الله وخليل الله قال بعضهم فى هذه الاية اى من احسن حالا ممن رضى ---القدور عليه فى العسر واليسر واسلم قلبه الى ربه واخلص وجهه له وهو محسن اى متبع لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم قال ابو بكر من ظاهر واتبع ملة ابراهيم حينفا اى يخرج من الكونين اقبالا منه على الحق وقال الواسطى حنيفا اى مظهر امن ادناس الكون خالصا للحق مما يبدوا له وعليه قال ابن عطا اتخذه خليللا ولم نخالك سرائره شيئا غيره فان لك حقيقة الخلة وانشد شعر : قد تخللت مسلك الروح منى وبذا سمى الخليل خليلا فاذا ما نطقت كنت حديثى واذا ما غشت كنت عليلا تفسير : قال الحسين اتخذه خليلا ولا صنع لابراهيم فيه وذلك موضع المنة ثم اثنى عليه بالخلة وذلك فعل الكرام وقال الواسطى تخاله انوار بره فسماه خليلا وعن جعفر بن محمد قال اظهر اسم الخلة لابراهيم لان الخليل ظاهر فى المعنى واخفى اسم المحبة لمحمد صلى الله عليه وسلم لتمام حاله اذلا يحب الحبيب اظهار رحال حبيبه بل يجب اخفاء ويسرته لئلا يطلع عليه سواه ولا يدخل احد فيما بينهما وقال ابن عطا فى تفسير قوله اسمل وجهه لله وهو محسن اى قصده وتدبيره لربه وهو محسن اى يرى الحق بسره فاسلم له ذلك كله مفوضا اليه ومسلما تدبيره اليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن} استفهام انكارى {احسن دينا} الدين والملة متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار فان الشريعة من حيث انها يطاع لها دين ومن حيث انها تملى وتكتب ملة والاملال بمعنى الاملاء {ممن اسلم وجهه لله} اى جعل نفسه وذاته سالمة خالصة لله تعالى بان لم يجعل لاحد حقا فيها لا من جهة الخالقية والمالكية ولا من جهة العبودية والتعظيم. وقوله دينا نصب على التمييز من احسن منقول من المبتدأ والتقدير ومن دينه احسن من دين من اسلم الخ فالتفضيل فى الحقيقة جار بين الدينين لا بين صاحبيهما {وهو محسن} الجملة حال من فاعل اسلم اى والحال انه آت بالحسنات تارك للسيآت وقد فسره النبى عليه السلام بقوله "حديث : ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك ". تفسير : والاحسان حقيقة الايمان. واعلم ان دين الاسلام مبنى على امرين الاعتقاد والعمل فالله سبحانه اشار الى الاول بقوله {اسلم وجهه لله} والى الثانى بقوله {وهو محسن} اى فى الانقياد لربه بان يكون آتيا بجميع ما كلفه به على وجه الاجلال والخشوع {واتبع ملة ابراهيم} الموافقة لدين الاسلام المتفق على صحتها وقبولها بين الاديان كلها بخلاف ملة موسى وعيسى وغيرهما من الانبياء عليهم السلام {حنيفا} حال من فاعل اتبع اى مائلا عن الاديان الزائغة ثم ان الله تعالى رغب فى اتباع ملته فقال {واتخذ الله ابراهيم خليلا} اى اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله والخلة من الخلال فانه ودّ تخلل النفس وخالطها.

الطوسي

تفسير : قضى الله تعالى في هذه الآية للاسلام بالفضل على سائر الملل بقوله: ومن أحسن ديناً ايها الناس وهو في صورة الاستفهام. والمراد به التقرير. والمعنى من احسن ديناً وأصوب طريقاً، واهدى سبيلا ممن اسلم وجهه لله يعني استسلم وجهه لله. والوجه يراد به ها هنا نفسه وذاته كما قال: {أية : كل شيء هالك إلا وجهه } تفسير : فانقاد له بالطاعة ولنبيه (صلى الله عليه وسلم) بالتصديق {وهو محسن} بمعنى وهو فاعل للفعل الحسن مما امره الله به {واتبع ملة إبراهيم حنيفاً} يعني واتبع الذي كان عليه (ابراهيم)؛ وامر به نبيه من بعده، وأوصاهم به من الاقرار بتوحيده، وعدله وتنزيهه عما لا يليق به {حنيفاً} يعني مستقيما على منهاجه وسبيله. وقد بينا فيما مضى معنى الحنيف، فلا فائدة في إعادته، وبمثل ذلك قال الضحاك، وغيره من المفسرين. وقوله: {واتخذ الله إبراهيم خليلاً} ومعنى الخليل يحتمل أمرين: احدهما - المحبة، مشتقاً من الخلة بضم الخاء والمعنى اتخذ الله ابراهيم محباً وتكون خلة ابراهيم: موالاته لاولياء الله ومعاداته لاعدائه. وخلة الله له نصرته على من اراده بسوء مثل ما اراد نمرود من احراقه بالنار، فانقذه الله منها، وأعلى حجته عليه. وكما فعل بملك مصر حين راوده عن اهله، وجعله اماماً لمن بعده من عباده، وقدوة لهم. والثاني - ان يكون ذلك مشتقاً من الخلة التي هي الفقر بفتح الخاء - كما قال زهير يمدح هرم بن سنان: شعر : وان أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولاحرم تفسير : ويروى يوم مسغبة وهو الاظهر وانما انشد البلخي يوم مسألة، وهو بخلاف الروايات. وقال آخر: شعر : واني وان لم تسعفانى بحاجة إلى آل ليلى مرة لخليلي تفسير : أي لمحتاج. وقيل: انه أصاب أهل ناحية ابراهيم (ع) جدب، فارتحل الى خليل له من أهل مصر يلتمس طعاما لاهله من قبله، فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مر بمفازة ذات رمل لينة فملأ غرائره من ذلك الرمل لئلا يغم أهله برجوعه بغير ميرة، فيظنوا ان معه طعاماً فحول الله تعالى غرائره دقيقاً، فلما وصل إلى اهله قام أهله، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقاً، فعجنوا منه، فخبزوا فاستيقظ ابراهيم فسألهم من اين خبزوا؟ فقالوا من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك المصري فقال: لا بل من عند خليلي الله (عز وجل) فسماه الله خليلا. فهذا ما روي وهو من آيات الانبياء (صلى الله عليه وسلم) فاما الاشتقاق فالخلة بضم الخاء: الصداقة. والخلة بفتح الخاء: الحاجة، واستعمل فى الحاجة، للاختلال الذي يلحق الفقير فيما يحتاج اليه. والخلة بمعنى الصداقة، فلان كل واحد منهما يسد خلل صاحبه في المودة، والحاجة. وقيل: لانه يطلعه على اسراره فكانه في خلل قلبه والخلل: كل فرجه تقع في شيء والخلال: هو ما يتخلل به لانه يتبع به الخلل بين الاسنان. قال الشاعر: شعر : ونظرن من خلل الستور باعين مرضى مخالطها السقام صحاح تفسير : يعني نظرن من الفرج التي في الستور وقولهم: لك خلة من خلال. تأويله إني أخلي لك من رأيي، او مما عندي عن خلة من خلال ومعنى أخلي أخلل. فابدل من إحدى اللامين ياء. ويجوز أن يكون أخلي من الخلوة، والخلوة والخلل يرجعان إلى معنى واحد. والخل: الطريق في الرمل إذا انفرجت منه فرجة فصارت طريقاً. والخل ما يؤكل معروف. واختار الفراء والبلخي أن يكون من الخلة التى هي الفقر قال: ويخالف المحبة، لان المحبة من الله لعبده هي الثناء عليه ومدحه له، ولانه يحب الانسان ما ليس من جنسه، ولا يخاف إلا ما هو من جنسه. وعلى ما بيناه، لا يمنع ذلك وإن كان فيه بعض التجوز. وقال الازهري: الخليل الذي خص بالمحبة يقال: دعا فلان فخلل أي خص. واختار الجبائي هذا الوجه وقال: كل نبي فهو خليل الله، لأنه خصه بما لم يخص به غيره. والخلة: الخصلة، وجمعها خلال. وانما خص الله تعالى ابراهيم بأنه خليله من الفقر، وان كان الخلق كلهم فقراء إلى رحمته تشريفاً له بالنسبة اليه، واختصاصه به من حيث انه فقير اليه لا يرجو لسد خلته سواه. وخص ابراهيم من بين سائر الانبياء بانه خليل الله على المعنيين، كما خص موسى بانه كليم الله ومحمد (صلى الله عليه وسلم) بانه حبيب الله، وعيسى بانه روح الله ولا يلزم على ذلك تسمية عيسى بانه ابن الله، لان هذه اللفظة لا تستعمل حقيقتها إلا في من خلق من مائه أو ولد على فراشه، ومجازها في من يجوز ذلك فيه. ولذلك لا يجوز أن يتخذ الشاب شيخاً ابناً، وان جاز ان يتبنى بصبي، ولا يجوز أن يتخذ البهيمة ابناً، لمْا لم يجز أن تكون مخلوقة من مائه على وجه. والحنيفية التي أمر الله نبيه بأن يتبع ابراهيم فيها عشرة اشياء: خمسة في الرأس وخمسة في الجسد. فالتي في الرأس: المضمضة. والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، والفرق لمن يكون طويل الشعر، والتي في الجسد: فالاستنجاء، والختان، وحلق العانة، ونتف الابط وقص الاظفار وجميع ذلك مستحب الا الختان والاستنجاء، فانهما واجبان. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. وقال الجبائي كلما كان تعبد الله به ابراهيم، فانه تعبد به النبي (صلى الله عليه وسلم) وأمته وزاده اشياء لم يتعبد بها ابراهيم (ع) وعموم الآية يقتضي ما قاله، وإن كان ذلك شرعا لنبينا من حيث اعلمه الله ذلك، وتعبده به بوحي من جهته.

الجنابذي

تفسير : {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ} استفهام انكارىّ فيه معنى التّعجّب عطف على من يعمل من الصّالحات باعتبار لازمه الّّذى هو معنى لا احد احسن ديناً منه، واشارة الى علّة الحكم والى وصفٍ آخر لهم مشعر بالمدح، فانّ المراد بمن اسلم وجهه لله هو المؤمن، والمراد بالمحسن من يعمل من الصّالحات، فانّ الايمان هو انقياد وجهك الباطنّى واخلاصه لمن بايعت على يده، ولمّا كان من بايعت على يده بيعة حقّةً واسطة بينك وبين الله كان اخلاص الوجه له اخلاصاً لله وهو علىّ (ع) او خلفاؤه، والاحسان هو ان يكون العمل صادراً عن امر هو اصل فى الحسن، وهو علىّ (ع) وخلفاؤه (ع) كما سبق فى بيان العمل الصّالح كأنّه قال: ولا احد احسن ديناً منهم لانّ حسن الدّين امّا بالعمل وهو ان يكون صادراً عن امر الحسن الحقيقى، وامّا بالاعتقاد والعمل الجنانىّ وهو ان يكون عارفاً لامام زمانه مسلماً وجهه له بالبيعة على يده وهو الحسن الحقيقىّ، وهؤلاء متّصفون بوصف العمل الصّادر عن امر الحسن الحقيقىّ والانقياد اعتقاداً للحسن الحقيقىّ، وفى النّبوىّ المشهور اشارة الى ما ذكرنا من تفسير المحسن فانّه (ص) قال: "حديث : الاحسان ان تعبد الله كأنّك تراه فان لم تكن تراه فانّه يراك"تفسير : ، يعنى انّ الاحسان يصدق اذا كان العمل بمشاهدة الله يعنى بمشاهدة امره حتّى يكون المصدر هو امره، وتقديم العمل الصّالح فى المعلول لكون العنوان الاعمال وجزاءها، وتأخير الاحسان الّّذى هو بمعناه فى العلّة لتقدّم الايمان على العمل الصّالح ذاتاً {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} فيه اشارة الى انّ المراد بالمحسن العامل بالاعمال القلبيّة الولويّة المخلّية للنّفس عن الرّذائل والهواجس والوساوس المحليّة لها بالخصائل والالهامات والتّحديثات والمشاهدات والمعاينات، والمراد بالتّابع لملّة ابراهيم (ع) هو العامل بالاعمال القالبيّة والاحكام النّبويّة من المفروضات والمسنونات وترك المنهيّات، فانّ من تاب على يد علىّ (ع) وتلقّى منه آداب السّلوك واحكام القلب لا بدّ له من العمل بأحكام القالب فانّها كالقشر لاحكام القلب فما لم يحفظ القشر لم يحفظ اللّبّ، وحنيفاً حال عن التّابع او الملّة او ابراهيم (ع) وعدم مراعات التّأنيث امّا لتشبيه الحنيف بالفعيل بمعنى المفعول، او لكسب الملّة التّذكير من المضاف اليه لصحّة حذفه، والحنيف بمعنى الخالص او المائل عن الاديان الاُخر، او الرّاغب الى الاسلام الثّابت عليه {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} عطف مشعر بالتّعليل او حال بتقدير قد او بدون التّقدير على خلافٍ فيه، فى الخبر عن الصّادقين (ع) انّ الله تبارك وتعالى اتّخذ ابراهيم عبداً قبل ان يتّخذه نبيّاً، وانّ الله اتّخذه نبيّاً قبل ان يتّخذه رسولاً، وانّ الله اتّخذه رسولاً قبل ان يتّخذه خليلاً، وانّ الله اتّخذه خليلاً قبل ان يتّخذه اماماً، وقد اشار بعد الاشارة الى انتهاء العبوديّة الى المراتب الاربع الكلّيّة الّتى هى امّهات مراتب الخلافة الآلهيّة، وتحت كلّ مرتبة منها مراتب جزئيّة الى غير النّهاية، وشرحها على سبيل الاجمال بحيث لا يشمئزّ منه طباع الرّجال ولا يصير سبباً للشّين والجدال ان يقال: انّ الانسان من بدو خلقته الى آخر مراتب وجوده الّتى لا نهاية لها يطرو عليه الاحوال المختلفة ويتشأّن بشؤن متضادّة كأنّه كلّ يوم هو فى شأن: فاوّل خلقته نطفة فى قرارٍ مكينٍ، ثمّ يتدّرج فى اطوار الجماديّة الى ان وصل الى مرتبة النّبات متدرّجاً فيه، الى ان ينفخ فيه الرّوح الحيوانيّة متدّرجاً الى ان ينفخ فيه الرّوح الدّماغيّة، ثمّ بعد استحكام اعضائه وبشرته بحيث يستعدّ لمباشرة الهواء يتولّد وفيه المدارك الحيوانيّة الظّاهرة بالفعل متدرّجاً الى ان صار مداركه الباطنة بالفعل وفيه العقل بالقوّة ويسمّى العقل الهيولانىّ، وغذاءه فى الرّحم دم منضوج يصلح لان يكون غذاءه، وبعد التّولّد ايضاً دم مستحيل الى اللّبن ليكون موافقاً لبدنه، وبعد استحكام اعضائه وشدّة عظمه وغلظه بحيث لا يستضرّ بغير اللّبن يفطم من اللّبن ويغتذى بلذائذ الاغذية، ولا يعرف الاّ ما يشتهيه الى ان يصل الى او ان المراهقة ويميز بين الخير والشّرّ فى الجملة متدرّجاً فيه الى زمان الرّشد واستعداد التّميز بين الخير والشّرّ الباطنين، وحينئذٍ يصير عقله بالفعل ويستعدّ لان يدرك الاوامر والنّواهى التّكليفيّة. فان وفّقه الله لطلب من يأمره وينهاه من الله وطلب بصدق يصل بفضله تعالى لا محالة الى رسول من الله او خليفة الرّسول ويقبل رسالته او خلافته، فاذا قبله علّمه آداب الوصل والمبايعة والمعاهدة وبايع وعاهد وبعد البيعة والميثاق لقّنه أحكام القالب وحذّره من الانس بالنّفس الامّاره وينهاه من الاهوية الكاسدة وأوحشه منها، فاذا توحّش وفطم عن لبنها طلب من يأنس به ويغذو من غذائه، فاذا طلب بصدقٍ وصل لا محالة الى رسولٍ من الله او خليفته ثانياً وقبل ولايته فاذا قبل ولايته وتسلّطه الباطنىّ علّمه آداب الوصلّ والمبايعة الخاصّة والميثاق الخاصّ وبايعه وعاهده بالبيعة الولويّة الباطنة القلبيّة الخاصّة ولقّنه احكام القلب وآنسه بابيه العقل بعد فطمه من امّه النّفس واطعمه من غذاء ابيه؛ والمبايعة الاولى تسمّى اسلاماً والثّانية تسمّى ايماناً. ولا يمكن للمسلم ان يسلك الى الله ولا الى الطّريق من حيث اسلامه، فانّ المسلم قبل اسلامه بمنزلة من ضلّ فى بيداء عميقة لا يظهر فيها آثار الطّريق وتكون كثيرة السّباع وفيها قطّاع الطّريق وهو غافل عن ضلالته وعن سباعها ويظنّ انّه فى الطّريق او فى موطنه ومحلّ قراره آمناً من كلّ ما يوذيه، والرّسول او خليفته بمنزلة من ينبّهه عن غفلته ويخبره بضلالته وبكثرة السّباع والموذيات فيتوحّش ويطلب طريقاً ينجيه ودليلاً يهديه فيسلّم قوله ويلتمس منه الدّلالة على آثار الطّريق فيقول: انّما انا منذر عن المخاوف ومنبّه عن الغفلة وللطرّيق هاد فيبيّن علامة من هو هاد ويقول: من كنت مولاه فعلىّ (ع) مولاه مثلاً، ولذا كان شأن النّبىّ (ص) منحصراً فى الانذار والهداية موكولة الى من عيّنه لاولى الابصار {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} تفسير : [الرعد:7] فاذا عيّن النّبىّ (ص) او خليفته من كان يدلّه على الطّريق يتسرّع لا محالة اليه ويلتمس منه آثار الطّريق فيأخذ منه المواثيق الاكيدة بالمبايعة والمعاقدة ثمّ يعلّمه آثار الطّريق وهو الايمان، فاذا امن وعلم آثار الطّريق فان تسرّع بآثاره وعلائمه يكن حينئذٍ سالكاً الى الطّريق خائفاً من السّباع والموذيات، ومن عدم الوصول فيتعب نفسه فى السّير والحركة اليه وكثيراً ما يعارضه الغيلان والسّباع وقطّاع الطّريق والموذيات فيدافع ويدفع عن نفسه بالسّلاح الّذى أعطاه المنذر اوّلاً والهادى ثانياً فينجو منهم بقوّة السّلاح ان شاء الله، فيصل الى الطّريق الّذى هو علىّ (ع) ويحصل له الحضور عنده ويسمّى عندهم تلك المرتبة بالفكر والحضور، ويحصل له الرّاحة بعد التّعب والسّرور بعد الحزن والبشارة بعد الخوف واللّذة بعد الالم، ويصير سالكاً بعد ذلك الى الله. فانّه بعد الانذار متحيّر متوحّش خائف، وبعد الدّلالة على الطّريق سالك الى الطّريق خائف راج متعب نفسه، وبعد الوصول الى الطريق الموصل الى الله سالك الى الله راج خائف، لكن خوفه ليس عن المهلك والموذى ولا خوف النّفس الامّارة المسمّى بالخوف ولا خوف النّفس العالمة بالله المسمّى بالخشيه بل خوف القلب المسمّى بالهيبة، والسّالك فى هذه الحالة قد يفنى عن نسبة الافعال الى نفسه ويرى الافعال من علىّ (ع) وقد يشارك عليّاً (ع) فى الافعال وقد يتّحد معه فى ذلك ويسمّى فناؤه عن الافعال بالفناء الفعلىّ، فاذا سار وسلك وارتفع درجة حتّى لا ينسب الصّفات الى نفسه بل يرى الصّفات ايضاً من علىّ (ع) صارت الاثنينيّة ضعيفة والمعاينة قويّة بحيث كاد ان لا يرى نفسه ويسمّى بالفناء عن الصّفات، لكن له رجاء وخوف بقدر شعوره بنفسه وان كان ذاهلاً عن الشّعور بالخوف والرّجاء وخوفه يسمّى سطوة، فاذا سار معه الى ان لا يرى نفسه ويغيب فى حضوره عنده عن نفسه صارت الاثنينيّة مرتفعةً ولم يكن له حينئذٍ نفسيّة حتّى يكون له رجاء وخوف، ويصير حينئذٍ مصداقاً لقوله (ع): اذا وصلوا اتّصلوا فلا يكون فرقٌ بينه وبين حبييه، ويسمّى بالفناء الّذاتىّ؛ ويسمّى الفناءات بالمحو والمحق والطّمس وهو قبل الاسلام يسمّى ضالاًّ تائها وبعده يسمّى مسلماً وطالباً. فان لم يطلب من يهديه الى الطّريق ووقف خصوصاً بعد الانقطاع عمّن أسلم على يده يسمّى ايضاً ضالاًّ ولذلك ورد: من أصبح من هذه الامّة لا امام له من الله تعالى اصبح ضالاًّ تائهاً، وان مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاقٍ. وبعد الوصول الى امامه وولىّ امره والمبايعة معه واعطاء الميثاق له يسمّى سالكاً وسائراً الى الطّريق لا الى الله بلا واسطةٍ، وان كان سيره الى الطّريق سيراً الى الله ويسمّى سيره هذا سفراً من الخلق الى الحقّ، وبعد وصوله الى الطّريق يصير سالكاً الى الله ويسمّى سيره هذا سفراً من الحقّ بالحقّ الى الحقّ، فاذا وصل وفنى عن افعاله وصفاته وسار بالوصال فى فناء ذاته يسمّى سائراً فى الله ويسمّى سيره هذا سفراً بالحقّ فى الحقّ، وبهذا السّير يتمّ له العبوديّة والفناء ولا يبقى منه ذات ولا اثر ويصير وصاله اتّصالاً وينتقل بعد ذلك عبوديّته الى الرّبوبيّة وفناؤه الى البقاء. وما قالوا: من انّ الفقر اذا تمّ فهو الله، اشارة الى هذا فانّه بعد صحوه يصير موجوداً بوجود الله وباقياً ببقاء الله وحاكماً بحكم الله وخليفةً لله، لانّه اذا صار عبداً لله وعلم الله صدق عبوديّته ردّه الى ما عاد منه ووكله بأمور بيته الّذى هو قلبه وشرّفه بشرافة خلافة البيت فإذا وجد في إصلاح البيت بصيراً أميناً كاملاً وكله بأمور مملكته وشرّفه بشرافة خلافة المملكة ويسمّى هذا العود بعد الاوب سفراً من الحقّ الى الخلق بالحقّ، فاذا وجده فى اصلاح المملكة وتعمير بلادها وتكثير عبادها بصيراً اميناً بالغاً دعاه ثانياً الى مقام الانس وآنسه بنفسه، لكن هذا الحضور غير الحضور الاوّل؛ فانّ الاوّل دهشة وحيرة وفقر وفاقة وهذا انس وحشمة وغناء لكن بانس الله وحشمته وغنائه. فاذا آنسه وارتضاه فوّض اليه جميع اموره من عباده وجنوده وسجنه وسجّينه واضيافه ومضيفه واعطائه ومنعه فمن شاء يسجنه ومن شاء يضفه، ومن شاء يعطه ومن شاء يمنعه فله التّسلّط والتّصرّف فيمن شاء كيف شاء ويسمّى هذا فى الحضور الاوّل والفناء التّامّ عبداً، وفى حال اصلاح البيت نبيّاً، وفى حال اصلاح المملكة رسولاً، وفى الحضور الثّانى خليلاً، وفى حال التّفويض اماماً؛ وهذه الامامة غير ما يطلق على ائمّة الجور، وغير ما يطلق على ائمّة الجماعة، وغير ما يطلق على الاولياء الجزئيّة بل هى مرتبة لا يتصوّر فوقها مرتبة. ولا يلزم ممّا ذكرنا ان يكون كلّ من بايع النّبىّ (ص) بالبيعة العامّة وصل الى مقام البيعة الخاصّة كاكثر العامّة، ولا كلّ من بايع البيعة الخاصّة وصل الى الطّريق كاكثر الشّيعة، ولا كلّ من وصل الى الطّريق وصل الى الحقّ، ولا كلّ من وصل الى الحقّ صار عبداً، ولا كلّ من صار عبداً صار نبيّاً، ولا كلّ نبىّ رسولاً، ولا كلّ رسول خليلاً، ولا كلّ خليل اماماً؛ ولمّا كانت الامامة بهذا المعنى خلافة مطلقة كلّيّة ونهاية لجميع المراتب واستشعر الخليل (ع) بأنها آخر مراتب الكمالات الانسانيّة صار مبتهجاً ومن ابتهاجه قال: ومن ذرّيّتى.

اطفيش

تفسير : {وَمَن أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ}: أخلص قصده لله فى قوله وعمله واعتقاده، وأخلص نفسه أعنى ذاته لله لا يعرف لها ربا سواه أو أخلص وجهه فى سجوده لله، والسجود على الوجه أقصى ما يعمله الانسان فى طاقته، من خضوع الظاهر، فاذا صح بمواطأة القلب والجوارح له فلا أعظم منه بعد التوحيد، بل هو من حيث استحضاره أنه لا مستحق له الا الله، توحيد وقيل أسلم وجهه فوض أمره لله. {وَهُوَ مُحْسِنٌ}: عامل للحسنات، تارك للسيئات، لأن فاعلها مسىء لا محسن، وقيل: وهو محسن بمعنى وهو موحد، وقيل: المحسن بالله كأنه يراه. {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}: أى دينه، وهو دين رسول الله صلى الله عليه وسلم فان دينه هو دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع زيادات حسنات من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، وقيل: جميع ما فى دينه صلى الله عليه وسلم هو دين ابراهيم صلى الله عليه وسلم، وعلى القولين من اتبع ملة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد اتبع ملة ابراهيم، لدخول ملة ابراهيم فى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكونها عينها، ولم يقل واتبع ملة محمد، لأن دين ابراهيم مقبول عند الناس كلهم، أهل الكتاب والمجوس والعرب، ولو أخطأوا كلهم فى بيانه. وأعظم ما تنتسب اليه العرب فى الدين والنسب ابراهيم، وكذا أهل الكتاب رغبهم الله كلهم فى دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالتعبير عنه بدين ابراهيم عليه الصلاة والسلام، فالملة المذكورة المنسوبة لابراهيم عليه الصلاة والسلام، ودين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الداخل فى عموم: {وَمَن أَحْسَنُ} المقصود فيه هو بالذات، أى ومن أحسن دينا من محمد وأمته المسلمين وجوههم لله، وهم محسنون المتبعون لدين ابراهيم باتباع دينهم، فالدين والملة شر واحد الا أنه باعتباره أملا له على الرسولين ملة، وباعتبار الانقياد اليه أو الجزاء به ونحو ذلك دين، والمعنى لا أحسن منه. {حَنِيفاً}: حال من ضمير اتبع، أو من ابراهيم ولو مضافا اليه، لأنه يغنى عن ذكر ما أضيف اليه، ويفهم المعنى أو من ملة وذكر لأن وزن فعيل أساغ التذكير، وذلك سماع وهذا مرجوح، ومعنى حنيفا مائلا عن الشرك وسائر الأديان الى التوحيد، وهذا الدين المحمدى، وزاد الله الترغيب فى ملته صلى الله عليه وسلم، والايذان بأنها نهاية الحسن والكمال بقوله: {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}: ضيفا مكرما اكراما شبيها باكرام الخليل خليله، وأعاد اسمه تفخيما له، وزيادة ايضاح، والخلة الود الذى تخلل النفس وخالطها، فخليلا من الخلال، فحب الله اياه كامل، والحبيب أعظم من الخليل، لأن الحب فى الخلق اصابة حبة القلب وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حبيب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : انما كان ابراهيم خليلا من وراء ورائى "تفسير : أى بعد ما هو أعظم من الخلة، وهو حب الله اياى، وتصييره اياى حبيبا له. قال الترمذى، عن ابن عباس، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا حبيب الله " تفسير : بل هو أيضا خليل الله وزاده المحبة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتخذنى الله خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا "تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكنه أخى وصاحبى وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا "تفسير : فيجوز أن يكون معنى قوله: انما كان ابراهيم خليلا من وراء ورائى كان خليلا من وراء خلتى التى هى وراء محبتى، وقيل: سمى خليلا وكذا كل خليل من الخلل، لأن كلا من الخليلين يسد خلل الآخر، فالله جل جلاله سامحه، أو من الخل وهو الطريق فى الرمل، فان الخليلين يترافعان فى الطريقة، وابراهيم يخالف الله عز وجل فى شىء، أو من الخلة بمعنى الخصلة، وابراهيم كل خصلة أحبها الله جل وعلا، والخليل منا يتوافقان فى الخصال، وقيل معنى خليل الله فقير الله، والخلة الفقر والحاجة. شعر: شعر : وان أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالى ولا حرم تفسير : وابراهيم عليه السلام ملق فقره الى الله تعالى وحاجته، ومنقطع اليه، وخلة الله لعبده تمكينه من طاعته وعصمته والثناء عليه، وقيل: سمى خليلا لأنه والى فى الله، وعادى فى الله، فقد بالغ فى الخلوص اليه تعالى. واختلفوا فى السبب الذى اتخذ الله به ابراهيم خليلا فقيل: انه بعث الى خليل له بمصر فى شدة أصابت الناس، يمتار منه الطعام، فقال خليله: لو كان ابراهيم يريد لنفسه لفعلت، ولكن يريد للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملئوا منها الغرائر حياء من الناس، فلما أخبروا ابراهيم شاءه الخبر فغلبته عيناه فنام، وقامت زوجته سارة الى غرارة منها، فأخرجت حوارى واختبزت، فاستيقظ ابراهيم عليه السلام فاشتم رائحة الخبز فقال: من أين لكم هذا؟ فقال: من خليلك المصرى، فقال: بل هو من عند خليلى الله عز وجل، فسماه الله خليلا، هذا لفظ الزمخشرى. وذكر الخازن القصة عن ابن عباس بأبسط من هذا، وهو أن ابراهيم صلى الله عليه وسلم يكنى بأبى الضيفيان، وكان منزله على ظهر الطريق، ويضيف من مر به من الناس، فأصاب الناس شدة قحط، فقصد الناس باب ابراهيم يطلبون منه الطعام وكانت الميرة تأتيه من صديق له بمصر، فبعث ابراهيم غلمانه الى خليله بمصر، فقال خليله لغلمان ابراهيم: لو كان ابراهيم يريد الطعام لنفسه احتملنا له ذلك، وقد دخل علينا مثل ما دخل على الناس، فرجع غلمان ابراهيم بغير طعام، فمروا ببطحاء من الرمل، فقالوا: لو حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فانا نستحى أن نمر بهم وابلنا فارغة، فملئوا من الرمل الغرائر التى معهم، ثم أتوا الى ابراهيم عليه السلام، فأعلموه وسارة نائمة، فاهتم لذلك ولمكان الناس ببابه، فغلبته عيناه ونام، واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار، فقال: سبحان الله ما جاء الغلمان؟ قالوا: بلى. قالت فجاءوا بشىء؟ قالوا: نعم. فقامت الى الغرائر ففتحتها فاذا هى مملوءة بأجود دقيق حوارى، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس، فاستيقظ ابراهيم عليه السلام فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارة من أين لكم هذا؟ فقالت: من عند خليلك المصرى، فقال: هذا من عند خليلى الله، قال فيومئذ اتخذه الله خليلا. وقيل: لما رأى ملكوت السماوات والأرض، وحاجه قومه فى الله، ودعاهم الى توحيده ومنعهم من عبادة النجوم والشمس والقمر والأوثان، وبذل نفسه للالقاء فى النيران، وبذل ولده للقربان وما له للضيفان، اتخذه الله خليلا، وجعله اماما للناس يقتدى به، وجعلوا النبوة فيه وفى ذريته، وقيل: لما كسر الأصنام وعادى قومه فى الله عز وجل، اتخذه الله خليلا. وقيل لما دخل عليه الملائكة فظنهم ضيفا فقرب اليهم عجلا مشويا وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله فى أوله، وتحمدوه فى آخره، فقال جبريل: أنت خليل الله، فمن يومئذ تسمى خليل الله. حديث : وجاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه سلم فقال: يا خير البرية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك ابراهيم خليل الله " تفسير : وهذا قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم. وقيل: هبط عليه ملك فى صورة رجل، وذكر اسم الله بصوت رخيم شجى، فقال ابراهيم عليه الصلاة والسلام: اذكره مرة أخرى، فقال: لا أذكره مجانا، فقال: لك مالى كله، فذكره الملك أشجى من الأول فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادى. فقال له الملك: أبشر فانى ملك لا أحتاج الى مالك وولدك، وانما كان المقصود امتحانك، فلما بذل المال والأولاد على ذكر سماع ذكر الله تعالى لا جرم اتخذه الله خليلا. قال بعض النصارى: اذا جاز تسمية خليل الله، فلم لا يجوز تسمية عيسى ابن الله، وكلتا التسميتين تشريف؟ الجواب: ان الخلة لا تقتضى الجنسية، بخلاف النبوة فان الابن من جنس أبيه تعالى الله، فان كان هذا اللعين يقر بالقرآن، ويزعم أنه الى العرب خاصة كفى منع القرآن ذلك، وانما اتخذه الله خليلا لمحض الفضل لا لاحتياجه كاحتياج الأب الى ابنه كما قال الله جل وعلا: {وَللهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأرْضِ}

اطفيش

تفسير : {وَمَنْ أَحْسَُ دِيناً} نفى للمساواة والزيادة {مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} أخضعه وأخلصه، أى ذاته كلهما، وعبر بالوجه لأنه أعز الأعضاء الظاهرة {لِلَّهِ} لا يعتقد أن له ربَّا سواه ولا ربَّا معه، أو المراد نفس الوجه، بأن سجد له خاصة رئاء ولا سمعة، ودين الإسلام مبنى على الاعتقاد لربوبية الله وألوهيته، وقصده إياه بالأعمال، وعدم تعلق قلبه بغيره، كما قال: أسلم وجهه، وعلى الأعمال كما قال {وَهُو مُحْسِنٌ} بإتيانه بالأوامر وانتهائه عن النواهى، وفى الحديث الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وذلك منتهى قوة البشر، إذ جمع الاعتقاد والعمل، وقيل هو محسن بالتوحيد، فيكون معنى أسلم وجهه أخلص عمله {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ} هذا إما نفس إسلام الوجه والإحسان، كأنه قيل وهو فى ذلك متبع لملة إبراهيم، لو تحقق إسلام وجهه وإحسانه باتباع ملته، وإما اشتراط لأن شرائع الأنبياء مختلفة، كلها مقبولة، وأفضل ملة إبراهيم وأحسنها ما كان جامعاً لإسلام الوجه والإحسان، وهو اتباع ملته لا غيرها مع شرائع الأنبياء، وقد جمع ذلك كله دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فالواجب على أهل الملل كلهم أن يقبلوه كما قبلوا كلهم إبراهيم وارتضوه، إلا أن منهم جاهلا، ومنهم حاسداً كاتماً، وكان مشركو العرب لا يفتخرون بشىء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم {حَنِيفاً} مائلا عن غير دين الإسلام إلى الإسلام {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} اصطفاه بكرامة، ككرامة الخليل، والواو للحال، أى وقد اتخذ إلخ، وصاحب الحال ضمير اتبع وقيل عطف على من أحسن، ولا بعد فى العطف عليه لأن المراد مدح من حاز هذه الخصلة، وهى أنه اتبع إبراهيم الذى هو خليل الله عز وجل، وأظهر فى موضع الإضمار للتفخيم، وسبب تلقيبه خليلا أنه هبط إليه ملك فى صورة رجل، وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي، فقال اذكره مرة أخرى، فقال لا أذكره مجاناً، فقال: لك مالى كله، فذكره بصوت أشجى من الأول، فقال اذكره مرة ثالثة ولك أولادى، فقال أبشر فإنى ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك، والمقصود امتحانك، وروى أن جبريل والملائكة دخلوا على إبراهيم عليه السلام فى صورة غلمان حسان الوجوه، فظنهم أضيافاً، فذبح عجلا سميناً، وقال لهم كلوا على شرط أن تسموا الله أوله وتحمدوه آخره، فقال جبريل: أنت خليل الله، وروى أنه بعث إلى خليل له بمصر فى جوع أصاب الناس ليمتار منه، فقال لو كان يريد لنفسه لفعلت، ولكن يريد للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملأوا الغرائر حياء من الناس، فلما أخبروا إبراهيم ساءه الخير، فغلبته عيناه، فنام، وقامت سارة إلى غرارة فأخرجت حوارى واختبزت، فاستيقظ واشتم رائحة الخبز، فقال من أين لكم هذا، فقالت، من خليلك المصرى، فقال: بل من عند خليل الله، فسماه الله خليلا، وقيل سماه الله خليلا لأنه لا يعارضه شىء لغيره إلا اختار ما لله عز وجل، وقيل لأنه يفعل ما يفعل الله عز وجل، أحسن إلى الكافر والمؤمن وأطمعهما، وفى البيهقى عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا جبريل، لم سمى الله تعالى إبراهيم خليلا؟ قال لإطعامه الطعام يا محمد"تفسير : ، وقيل سماه لأنه لا يتغذى وحده إلا إن مشى ميلا ليجد من يأكل معه ولم يجد، وقيل لقوله لجبريل حين كان فى الهواء ملقى إلى النار: أما إليك فلا، وقد قال: ألك حاجة وروى أنه أضافه كافر فشرط عليه الإيمان فولى، فأوحى الله تعالى إليه إنى أطعمته سبعين سنة وهو يشرك بى، أيترك دينه ودين آبائه للقمة،فأدركه فأخبره، فقال أو قد كان هذا، إلهك أحق بأن يعبد، فأسلم، والخله من الخلال، فإنه ودٌّ تخلل النفس، وخالطها، قال صلى الله عليه وسلم، "حديث : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالّ"تفسير : ، بضم الياء وشد اللام، أو من الخلل، لأن كلا يسد خلل الآخر، أو من الخل وهو الطريق فى الرمل، لأنهما يتوافقان فى الطريق، ومن الخلة بمعنى الفقر لأن كلا يفتقر إلى الآخر، أو بمعنى الخصلة لأنهما يتوافقان فى الخصال، وذلك فى حق الله بمعنى لازم المعنى اللغوى، قال بعض النصارى، إذا جاز إطلاق الخليل على معنى التشريف فلم لا يجوز إطلاق الابن فى حق عيسى على معنى التشريف؟ الجواب أن البنوة تشعر بالجنسية ومشابهة المحدثان بخلاف الخلة، وإن أوهمت الجنسية والمشابهة والحاجة فقد أزال ذلك بقوله: {وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الأَرِضِ} فإنه لا يتصور لمن ملك ذلك وأكثر منه مما لا يتناهى، ولا شىء إلا هو مملوكه، أن يجانس أو يشابه، أو يحتاج، فخلته محض فضل، لا استكمالا بشىء كما يتخال الرجلان لاحتياج كل للآخر، وإبراهيم ملكه تعالى، فلا تخرجه الخلة عن العبودية لله عز وجل، والمالك له أن يختار من ملكه خليلا، ومن كان كذلك تجب طاعته واعتقاده كمال مجازاته على الأعمال، ومن قدر على إيجاد الأجسام والأعراض فهو محيط بالأعمال، قادر على الجزاء عليها كما قال {وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطاً} علماً وقدرة، وكيف لا يعلم ما هو خالق له، وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطى الابنة النصف والأخت الشقيقة والأبوين النصف بالوحى من الله جل وعلا فى غير القرآن، فقال عينية بن حصين: أخبرنا أنك تعطى الابنة النصف والأخت النصف وإنا كنا نورث من يشهد القتال ويجوز الغنيمة لا النساء والصبيان والضعفاء، فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : بذلك أمرتتفسير : ، فنزل قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ} أى عيينة وجماعة من المسلمين، وهكذا قل، ولا تقل يستفتونك فيما للنساء ولا عليهن مطلقا، ولعل هذا الاستفتاء لم يقع {فِى النِسَّاءِ} أى فى توريثهن، والمراد جنس النساء، والاستفتاء متقدم على النزول، فالمضارع للحال وقصد حكاية الحال الماضية، أو هو لتكرر الاستفتاء بعد {قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ} الإفتاء تبيين المهم لطالب البيان {فِيِهنَّ} فى ميراثهن، والمضارع للاستمرار فشمل ما مر أول السورة من ميراث الإناث وما يأتي آخرها {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ} القرآن، عطف على لفظ الجلالة، أو على المستتر فى يفتى لوجود الفعل، أى يفتيكم الله ويفتيكم كتابه، والمفتى حقيقة هو الله، ولكن عطف عليه أو على ضميره ما هو من الأمور الدالة على أنه المفتى كقولك نفعنى زيد وعلمه، وأغنانى الله وعطاؤه، وقد يكون الإسناد حقيقة للمعطوف نحو أعجبنى زيد وكرمه، ولكون المفتى حقيقة هو الله صح إفراد ضمير يفتى، ولو عطف ما يتلى على لفظ الجلالة أو يراد بإفتاء الله ما أوحى فى غير القرآن وبإفتاء ما يتلى ما أفتاه الله فى القرآن، أو مبتدأ وفى الكتاب خبره، أى فى اللوح المحفوظ، أو يقدر ويبين لكم ما يتلى، أو الواو للقسم {فِى يَتَامَى الّنِّسَآءِ} متعلق بيتلى، وإن جعل ما يتلى مبتدأ فهو بدل من النساء، بدل بعض والرابط النساء، وضعا للظاهر موضع المضمر، أى فى يتاماهن، وفى هذا الوجه ضعف، لأن عيينة لم يستفت فى خصوص اليتيمات، وفى على ظاهرها، وإن علقنا فى يتامى بيستفتى ففى للسببية لئلا يتعلق جاران بمعنى واحد فى فعل واحد بلا تبعية {الَّتَى لاَ تُؤْتُوْنَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} من الميراث والصداق والنكاح، وكانوا يمنعونهن منه {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنْكِحُوهُنَّ} عن أن تتزوجوهن لفقرهن أو قبحهن وعيب فيهن، وتبقونهن بلا تزويج لهن لغيركم، طمعا فى إرث مالهن، أو عن تزويجهن لغيركم لهذا الطمع، أو فى أن تتزوجوهن لما لهن وجمالهن، فكل من الرغبة عنهن، والرغبة فيهن مراد على سبيل البدلية، بحسب اقتضاء المقام وشهادة الحال لا على سبيل الشمول، وإلا لزم استعمال الكلمة فى معنييها، وليس ذلك إلباسا بل إجمالا، وللعرب غرض فى الإجمال لا فى الإلباس، واحتج الحنفية بالآية على جواز تزويج اليتيمة قبل البلوغ، وكذا الصغيرة غير اليتيمة، ويجوز أن يزوجها ولو غير أبيها وجدها، وأجيب بأنه ليس فى الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء فى نكاح اليتيمة، ولا يدل ذلك على الجواز، لجواز أن يكون المراد أن تنكحوهن بإذن منهن إذا بلغن، ويعترض هذا بأنه خلاف ظاهر الآية، وبأنه مجاز لعلاقة الأوْل، ولا دليل عليه، فلا تحمل عليه، أعنى بالأوْل أنه أراد تزوجهن إذا آل أمرهن، إلى البلوغ، لا مجاز الأوْل المشهور المتعاهد {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوَالِدَانِ} عطف عَلَى يتامى، وكانوا لا يورثون الأطفال، ولا من لا يقاتل كما لا يورثون النساء {وَأَن تَقُومُوا} عطف عَلَى يتامى، وفى يتامى بدل فى النساء، أو متعلق بيتلى، فكأنه قيل فيهن فى يتامى النساء، وفى أن تقوموا، أو ما يتلى عليكم فى يتامى النساء، وفى أن تقوموا، أو عطف عَلَى هاء فيهن المضمرة المتصلة، ولو بلا إعادة الجار، لاطراد حذف الجار مع أن وأن، عند أمن اللبس، أو أن تقوموا لليتامى بالقسط خير لكم، أو يقدر ويأمركم أن تقوموا {لِلْيَتَامَى بِالقِسْطِ} والخطاب لمن يصلح للقيام بمنافع اليتامى فى أموالهم، وأبدانهم، ومؤنهم، وسائر مصالحهم من الأئمة والأولياء والمحتسبين {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} فى اليتامى وغيرهم، ودخل فى الخير ترك المحرمات لوجه الله كالزنى والربا {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} فهو مجازيكم عليه إن لم تبطلوه.

الالوسي

تفسير : {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} أي أخلص نفسه له تعالى لا يعرف لها رباً سواه، وقيل: أخلص توجهه له سبحانه، وقيل: بذل وجهه له عز وجل في السجود، والاستفهام إنكاري وهو في معنى النفي، والمقصود مدح من فعل ذلك على أتم وجه، و {دِينًا} نصب على التمييز من {أَحْسَنُ} منقول من المبتدأ، والتقدير: ومن دينه أحسن من دين من أسلم الخ، فيؤول الكلام إلى تفضيل دين على دين، وفيه تنبيه على أن صرف العبد نفسه بكليتها لله تعالى أعلى المراتب التي تبلغها القوة البشرية، و {مِمَّنْ} متعلق بأحسن وكذا الإسم الجليل، وجوز فيه أن يكون حالاً من {وَجْهَهُ}. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي آت بالحسنات تارك للسيئات، أو آت بالأعمال الصالحة على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الإحسان فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : ، وقيل: الأظهر أن يقال: المراد وهو محسن في عقيدته، وهو مراد من قال: أي وهو موحد، وعلى هذا فالأولى أن يفسر إسلام الوجه لله تعالى بالانقياد إليه سبحانه بالأعمال، والجملة في موضع الحال من فاعل {أَسْلَمَ}. {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ} الموافقة لدين الإسلام المتفق على صحتها، وهذا عطف على {أَسْلَمَ} وقوله سبحانه: {حَنِيفاً} أي مائلاً عن الأديان الزائغة حال من {إِبْرَاهِيمَ}. وجوز أن يكون حالاً من فاعل {ٱتَّبَعَ} {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً} تذييل جيء به للترغيب في اتباع ملته عليه السلام، والإيذان بأنه نهاية في الحسن، وإظهار اسمه عليه السلام تفخيماً له وتنصيصاً على أنه الممدوح، ولا يجوز العطف خلافاً لمن زعمه على {وَمَنْ أَحْسَنُ} الخ سواء كان استطراداً أو اعتراضاً، وتوكيداً لمعنى قوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ}تفسير : [النساء: 124] وبياناً لأن الصالحات ما هي؟ وأن المؤمن من هو لفقد المناسبة، والجامع بين المعطوف والمعطوف عليه وأدائه ما يؤديه من التوكيد والبيان، ولا على صلة {مَنْ} لعدم صلوحه لها وعدم صحة عطفه على {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أظهر من أن يخفى، وجعل الجملة حالية بتقدير قد خلاف الظاهر، والعطف على {حَنِيفاً} لا يصح إلا بتكلف، والخليل مشتق من الخلة بضم الخاء، وهي إما من الخلال بكسر الخاء فإنها مودة تتخلل النفس وتخالطها مخالطة معنوية، فالخليل من بلغت مودته هذه المرتبة كما قال:شعر : قد (تخللت) مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلاً فإذا ما نطقت كنت حديثي وإذا ما سكت كنت الغليلا تفسير : وإما من الخلل كما قيل على معنى أن كلاً من الخليلين يصلح خلل الآخر، وإما من الخل بالفتح، وهو الطريق / في الرمل لأنهما يتوافقان على طريقة، وإما من الخلة بفتح الخاء إما بمعنى الخصلة والخلق لأنهما يتوافقان في الخصال والأخلاق، وقد جاء «حديث : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»تفسير : أو بمعنى الفقر والحاجة لأن كلاً منهما محتاج إلى وصال الآخر غير مستغن عنه، وإطلاقه على إبراهيم عليه السلام قيل: لأن محبة الله تعالى قد تخللت نفسه وخالطتها مخالطة تامة، أو لتخلقه بأخلاق الله تعالى، ومن هنا كان يكرم الضيف ويحسن إليه ولو كان كافراً، فإن من صفات الله تعالى الإحسان إلى البر والفاجر، وفي بعض الآثار ـ ولست على يقين في صحته ـ أنه عليه السلام نزل به ضيف من غير أهل ملته فقال له: وحد الله تعالى حتى أضيفك وأحسن إليك، فقال: يا إبراهيم من أجل لقمة أترك ديني ودين آبائي فانصرف عنه، فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم صدقك لي سبعون سنة أرزقه وهو يشرك بـي، وتريد أنت منه أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمة فلحقه إبراهيم عليه السلام وسأله الرجوع إليه ليقريه واعتذر إليه فقال له المشرك: يا إبراهيم ما بدا لك؟ فقال: إن ربـي عتبني فيك، وقال: أنا أرزقه منذ سبعين سنة على كفره بـي وأنت تريد أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمة فقال المشرك: أو قد وقع هذا؟! مثل هذا ينبغي أن يعبد فأسلم ورجع مع إبراهيم عليه السلام إلى منزله ثم عمت بعد كرامته خلق الله تعالى من كل وارد ورد عليه، فقيل له في ذلك فقال: تعلمت الكرم من ربـي رأيته لا يضيع أعداءه فلا أضيعهم أنا فأوحى الله تعالى إليه أنت خليلي حقاً، وأخرج البيهقي في «الشعب» عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا جبريل لم اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلاً؟ قال: لإطعامه الطعام يا محمد»تفسير : ، وقيل ـ واختاره البلخي والفراء ـ لإظهاره الفقر والحاجة إلى الله تعالى وانقطاعه إليه وعدم الالتفات إلى من سواه كما يدل على ذلك قوله لجبريل عليه السلام حين قال له يوم ألقي في النار: ألك حاجة؟ أما إليك فلا، ثم قال: حسبـي الله تعالى ونعم الوكيل، وقيل: في وجه تسميته عليه السلام خليل الله غير ذلك، والمشهور أن الخليل دون الحبيب. وأيد بما أخرجه الترمذي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : جلس ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: إن الله تعالى اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله» وقال آخر: ماذا بأعجب من أن كلم الله تعالى موسى تكليماً وقال آخر: فعيسى روح الله تعالى وكلمته؛ وقال آخر: آدم اصطفاه الله تعالى فخرج عليهم فسلم فقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن إبراهيم خليل الله تعالى وهو كذلك وموسى كليمه وعيسى روحه وكلمته وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك ألا وإني حبيب الله تعالى ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتحها الله تعالى فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر،تفسير : وأخرج الترمذي في «نوادر الأصول» والبيهقي في «الشعب» وضعفه وابن عساكر والديلمي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً، ثم وقال وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي»تفسير : ، والظاهر من كلام المحققين أن الخلة مرتبة من مراتب المحبة، وأن المحبة أوسع دائرة، وأن من مراتبها ما لا تبلغه أمنية الخليل عليه السلام، وهي المرتبة الثابتة له صلى الله عليه وسلم، وأنه قد حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام من مقام الخلة ما لم يحصل لأبيه إبراهيم عليه السلام، وفي الفرع ما في الأصل وزيادة، ويرشدك إلى ذلك أن التخلق بأخلاق الله تعالى الذي هو من آثار الخلة عند أهل الاختصاص أظهر وأتم في نبينا صلى الله عليه وسلم منه في إبراهيم عليه السلام، فقد صح أن خلقه القرآن، وجاء عنه / صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»تفسير : وشهد الله تعالى له بقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4] ومنشأ إكرام الضيف الرحمة وعرشها المحيط رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يؤذن بذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107] ولهذا كان الخاتم عليه الصلاة والسلام. وقد روى الحاكم وصححه عن جندب «أنه سمع النبـي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى: حديث : إن الله تعالى اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً»تفسير : والتشبيه على حدّ {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [البقرة: 183] في رأي، وقيل: إن يتوفى لا دلالة فيه على أن مقام الخلة بعد مقام المحبة كما لا يخفى. وفي لفظ الحب والخلة ما يكفي العارف في ظهور الفرق بينهما، ويرشده إلى معرفة أن أي الدائرتين أوسع، وذهب غير واحد من الفضلاء إلى أن الآية من باب الاستعارة التمثيلية لتنزهه تعالى عن صاحب وخليل، والمراد اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، وأما في الخليل وحده فاستعارة تصريحية على ما نص عليه الشهاب إلا أنه صار بعد علماً على إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وادعى بعضهم أنه لا مانع من وصف إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالخليل حقيقة على معنى الصادق، أو من أصفى المودة وأصحها أو نحو ذلك، وعدم إطلاق الخليل على غيره عليه الصلاة والسلام مع أن مقام الخلة بالمعنى المشهور عند العارفين غير مختص به بل كل نبـي خليل الله تعالى، إما لأن ثبوت ذلك المقام له عليه الصلاة والسلام على وجه لم يثبت لغيره ـ كما قيل ـ وإما لزيادة التشريف والتعظيم كما نقول، واعترض بعض النصارى بأنه إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفاً فلم لم يجز إطلاق الابن على آخر لذلك؟ وأجيب بأن الخلة لا تقتضي الجنسية بخلاف البنوة فإنها تقتضيها قطعاً، والله تعالى هو المنزه عن مجانسة المحدثات.

ابن عاشور

تفسير : الأظهر أنّ الواو للحال من ضمير {أية : يدخلون الجنّة}تفسير : [النساء: 124] الذي ما صْدَقُه المؤمنون الصالحون، فلما ذكر ثواب المؤمنين أعقبه بتفضيل دينهم. والاستفهامُ إنكاري. وانتصب {دينا} على التمييز. وإسلام الوجه كناية عن تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية، وهو أحسن الكنايات، لأنّ الوجه أشرف الأعضاء، وفيه ما كان به الإنسان إنساناً، وفي القرآن {أية : فقُل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعني}تفسير : [آل عمران: 20]. والعرب تذكر أشياء من هذا القبيل كقوله: {أية : لنسفعن بالناصية}تفسير : [العلق: 15]، ويقولون: أخذ بساقه، أي تمكن منه، وكأنّه تمثيل لإمساك الرعاة الأنعام. وفي الحديث «حديث : الطلاق لمن أخذ بالساق»تفسير : . ويقولون: ألقى إليه القياد، وألقى إليه الزمام، وقال زيد بن عمرو بن نفيل:شعر : يَقُولُ أنفي لكَ عَانٍ رَاغِم تفسير : ويقولون: يدي رهن لفلان. وأراد بإسلام الوجه الاعتراف بوجود الله ووحدانيته. وقد تقدّم ما فيه بيان لهذا عنا، قوله تعالى: {أية : إنّ الدين عند الله الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19] وقوله: {أية : وأوصى بها إبراهيم بنيه}تفسير : [البقرة: 132]. وجملة «وهو محسن» حال قصد منها اتّصافه بالإحسان حين إسلامه وجهَه لله، أي خلع الشرك قاصداً الإحسان، أي راغباً في الإسلام لِمَا رأى فيه من الدعوة إلى الإحسان. ومعنى {واتبع ملة إبراهيم حنيفاً} أنه اتّبع شريعة الإسلام التي هي على أُسس ملّة إبراهيم. فهذه ثلاثة أوصاف بها يكمل معنى الدخول في الإسلام، ولعلّها هي: الإيمان، والإحسان، والإسلام. ولك أن تجعل معنى {أسلم وجهه لله} أنّه دخل في الإسلام، وأنّ قوله: {وهو محسن} مخلص راغب في الخير، وأنّ اتّباع ملّة إبراهيم عني به التوحيد. وتقدّم أنّ {حنيفاً} معناه مائلاً عن الشرك أو متعبّداً. وإذا جعلت معنى قوله: {وهو محسن} أي عامل الصالحات كان قوله: {واتبع ملة إبراهيم حنيفاً} بمنزلة عطف المرادف وهو بعيد. وقوله: {واتخذ الله إبراهيم خليلاً} عطف ثناء إبراهيم على مدح من اتّبع دينه زيادة تنويه بدين إبراهيم، فأخبر أنّ الله اتّخذ إبراهيم خليلاً. والخليل في كلام العرب الصاحب الملازم الذي لا يخفى عنه شيء من أمور صاحبه، مشتقّ من الخِلال، وهو النواحي المتخلّلة للمكان {أية : فترى الودق يخرج من خلاله}تفسير : [النور: 43] {أية : فجّرنا خلالهما نهرا}تفسير : [الكهف: 33]. هذا أظهر الوجوه في اشتقاق الخليل. ويقال: خِلّ وخُلّ ــــ بكسر الخاء وضمّها ــــ ومؤنّثهُ: خُلّة ــــ بضمّ الخاء ــــ، ولا يقال ــــ بكسر الخاء ــــ، قال كعب: شعر : أكرم بها خُلَّةً لو أنَّها صدقت تفسير : وجمعها خلائل. وتطلق الخلّة ــــ بضمّ الخاء ــــ على الصحبة الخالصة {أية : لا بيع فيه ولا خُلّة ولا شفاعة}تفسير : [البقرة: 254]، وجمعها خِلال {أية : مِنْ قَبْلِ أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال}تفسير : [إبراهيم: 31]. ومعنى اتُخاذ الله إبراهيم خليلاً شدّة رِضَى اللَّهِ عنه، إذ قد علم كلّ أحد أنّ الخلّة الحقيقية تستحِيل على الله فأريد لوازمها وهي الرضى، واستجابة الدعوة، وذكره بخير، ونحو ذلك. وجملة {ولله ما في السموات وما في الأرض} الخ تذييل جعل كالاحتراس، على أنّ المراد بالخليل لازم معنى الخلّة، وليست هي كخلّة الناس مقتضية المساواة أو التفضيل، فالمراد منها الكناية عن عبودية إبراهيم في جملة {ما في السموات وما في الأرض}. والمحيط: العليم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله في حال كونه محسناً. لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي، وصرح في موضع آخر: أن من كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهو قوله تعالى: {أية : وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} تفسير : [لقمان: 22] ومعنى إسلام وجهه لله إطاعته وإذعانه، وانقياده لله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسناً أي: مخلصاً عمله لله لا يشرك فيه به شيئاً مراقباً فيه لله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فالله تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، و تريد به الإذعان والانقياد التام، ومنه قول زيد بن نفيل العدوي: شعر : وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالاً

د. أسعد حومد

تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} (125) - وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ جَعَلَ قَلْبَهُ خَالِصاً للهِ وَحْدَهُ، وَأخْلَصَ العَمَلَ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَعَمِلَ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً، وَكَانَ فِي عَمَلِهِ مُحْسِناً، وَمُتَّبِعاً مَا شَرَعَهُ اللهُ لَهُ، وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الهُدَى وَدِينِ الحَقِّ. وَهْذانِ شَرْطَانِ لاَ يَصِحُّ بِدُونِهِمَا عَمَلٌ صَالِحٌ: - أنْ يَكُونَ العَمَلُ خَالِصاً للهِ. - أنْ يَكُونَ صَوَاباً مُوافقاً للشَّرْعِ الذِي شَرَعَهُ اللهُ. وَعَلى العَامِلِ المُخْلِصِ فِي عَمَلِهِ للهِ أنْ يَكُونَ قَدِ اتَّبَعَ، مَعَ مُحَمَّدٍ وَالمُسْلِمِينَ، مِلَّةَ إبراهِيمَ مُخْلِصاً، مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ (حَنِيفاً)، وَتَارِكاً لِلشِّرْكِ عَنْ بَصيرةِ، وَمقْبِلاً عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى بِكُلِّيَّتِهِ. ثُمَّ أرَادَ اللهُ تَعَالَى تَرْغِيبَ المُؤْمِنينَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، الذِي بَلَغَ غَايَةَ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ العِبَادُ إلى اللهِ، فَقَالَ تَعَالَى: إنَّ إبراهِيمَ انْتَهَى إلى مَنْزِلَةِ الخَلِيلِ لَدَى خَالِقِهِ، وَهِيَ أرْفَعُ مَقَامَاتِ المَحَبَّةِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ هَذِهِ المَنْزِلَةُ كَانَ جَدِيراً بِأنْ يُتَّبَعَ فِي مِلَّتِهِ. أَسْلَمَ وَجْهَهُ - أخْلَصَ نَفْسَهُ أوْ تَوَجُّهَهُ وَعِبَادَتَهُ. حَنِيفاً - مَائِلاً عَنِ البَاطِلِ وَالشِّرْكِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة نسمع استفهاماً مثل قوله الحق: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} فحسن الاستنباط يقتضي أن نفهم أن الذي أسلم وجهه لله هو الأحسن ديناً، وفي حديثنا اليومي نقول: ومن أكرم من زيد؟. معنى ذلك أن القائل لا يريد أن يصرح بأن زيداً هو أكرم الناس لكنه يترك ذلك للاستنباط الحسن. ولا يقال مثل هذا على صورة الاستفهام إلا إذا كان المخبر عنه محدداً ومعيناً، والقائل مطمئن إلى أنّ من يسمع سؤاله لن يجد جواباً إلا الأمر المحدد المعين لمسئول عنه. وكأن الناس ساعة تدير رأسها بحثاً عن جوابٍ للسؤال لن تجد إلا ماحدده السائل. {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} والإجابة على مثل هذا التساؤل: لا أحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله. وهكذا نرى أن الله يلقى خبراً مؤكداً في صيغة تساؤل مع أنه لو تكلم بالخبر لكان هو الصدق كله: {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} تفسير : [لنساء: 122] وسبحانه يلقي إلينا بالسؤال ليترك لنا حرية الجواب في الكلام، كأنه سبحانه يقول: - أنا أطرح السؤال عليك أيها الإنسان وأترك لك الإجابة في إطار ذمتك وحكمك فقل لي من أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله؟ وتبحث أنت عن الجواب فلا تجد أحسن ممن أسلم وجهه لله فتقول: - لا أحد أحسن ممن أسلم وجهه لله. وبذلك تكون الإجابة من المخاطب إقراراً، فالإقرار - كما نعلم - سيد الأدلة. {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} ونعلم أن الكلمة إذا أطلقت في عدة مواضع فهي لا تأخذ معنى واحداً. بل يتطلب كل موضع معنى يفرضه سياق الكلام، فإذا قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} تفسير : [آل عمران: 106] فذلك لأن الوجه هو العضو المواجه الذي توجد به تميزات تبيّن وتوضح ملامح الأشخاص. لأننا لن نتعرف على واحد من كتفه أو من رجله، بل تعرف الأشخاص من سمات الوجوه. وعندما نسمع قول الحق: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] فإننا نتساءل: ماالمراد بالوجه هنا؟ إن أردنا الوجه الذي يشبه وجوهنا فهذا وقوع في المحظور، لأن كل شيء متعلق بالله سبحانه وتعلى نأخذه على ضوء "ليس كمثله شيء" نقول ذلك حتى لا يقولن قائل: مادام وجه الله هو الذي لن يهلك يوم القيامة فهل تهلك يده أو غير ذلك؟. لا؛ إن الحق حين قال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} فالمقصود بذلك ذاته فهو سبحانه وتعالى منزه عن التشبيه وسبحانه القائل: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 115] إذن فوجه الله - هنا- هو الجهة التي يرتضيها، والإنسان يتجه بوجهه إلى الكعبة في أثناء الصلاة. وإياك أن تظن أنك حينما تولي وجهك صوب الكعبة أنها وجه الله؛ لأن الله موجود في كل الوجود، فأي متجه للإنسان سيجد فيه الله، بدليل أننا نصلي حول الكعبة، وتكون شرق واحد وغرب آخر، وشمال ثالث، وجنوب رابع، فكل الجهات موجودة في أثناء الطواف حول الكعبة وفي أثناء الصلاة، والكعبة موجودة هكذا لنطوف حولها، ولتكون متَّجَهنا إلى الله في جميع الاتجاهات. {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 115] أي الجهة التي ارتضاها سبحانه وتعالى. ونحن هنا في هذه الآية نرى قول الله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله}. وأسلم وجهه أي أسلم اتجاهه؛ لأن الإنسان حين يكون ذاهباً إلى قصد أو هدف أو غرض، فيكون وجهه هو المتجه؛ لأن الإنسان لا يسير بظهره. والوجه هنا - إذن - هو الاتجاه. ولماذا جاء الحق بالوجه فقط، برغم أن المؤمن يسلم مع الوجه كل الجوارح؟؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء، ولذلك جعل سبحانه السجود أضرف موقع للعبد؛ لأن القامة العالية والوجه الذي يحرص الإنسان على نظافته يسجد لله. إذن أسلم وجهه لله، أي أسلم وجهته واتجاهه للهن ومعنى "أسلم" من الإسلام، فـ "أسلم" تعني: سلّم زمام أموره لواحد. حين يسلم الإنسان زمامه إلى مساو له فهذه شهادة لهذا المساوي أنه يعرف في هذا الأمر أفضل منه. ولا يسلم لمساو إلا إن شهد له قبل أن يلقي إليه بزمامه أنّه صاحب حكمة وعلم ودراية عنه. فإن لم يلمس الإنسان ذلك فلن يسلم له. وما أجدر الإنسان أن يسلم نفسه لمن خلقه، أليس هذا هو أفضل الأمور؟. إن الإنسان قد يسلم زمامه لإنسان آخر لأنه يظن فيه الحكمة، ولكن أيضمن أن يبقى هذا الإنسان حكيماً؟ إنّه كإنسان هو ابن أغيار، وقد يتغير قلبه أو أن المسألة المسلم له لها تكون مستعصية عليه، لكن عندما أسلم زمامي لمن خلقني فهذا منتهى الحكمة. ولذلك قلنا: إن الإسلام هو أن تسلم زمامك لمن آمنت به إلهاً قوياً وقادراً وحكيماً وعليماً وله القيومية في كل زمان ومكان. وحين يسلم الإنسان وجهه لله فلن يصنع عملاً إلا كانت وجهته إلى الله. {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ} تفسير : [النساء: 125] ولماذا جاءت كلمة "محسن" هنا؟ وقد تكلم صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، ونعرف أننا آمنا بالله غيباً، لكن عندما ندخل بالإيمان إلى مقام الإحسان، فإننا نعبد الله كأننا نراه فإن لم نكن نراه فهو يرانا. حديث : والحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد صحابته وكان اسمه الحارث فقال له: "كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظر ما تقول؛ فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟" قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها (يتصايحون فيها) فقال: "يا حارث عرفت فالتزم ثلاثا ". تفسير : ويعرف الإنسان من أهل الصلاح أنّه في لقاء دائم مع الله، لذلك يضع برنامجاً لنفسه موجزة أنه يعلم أنه لا يخلو من نظر الله إليه (وهو معكم أينما كنتم) إنه يستحضر أنه لا يغيب عن الله طرفة عين فيستحيي أن يعصيه. ويوضح الحديث ما رواه سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما سأل حبريل - عليه السلام - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وعندما تتيقن أن الله ينظر إليك فكيف تعصيه؟ أنت لا تجرؤ أن تفعل ذلك مع عبدٍ مساوٍ لك.. فكيف تفعله مع الله؟!! وتتجلى العظمة في قوله الحق: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} لماذا إذن "ملة إبراهيم"؟ لأن القرآن يقول عن إبراهيم: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} تفسير : [النحل: 120] ومعنى كونه "أُمَّةً": أنّه الجامع لكل خصال الخير التي لا تكاد تجتمع في فرد إلا إن وزعنا الخصال في امة بأكملها؛ فهذا شجاع وذلك حليم والثالث عالم والرابع قوي، وهذه الصفات الخيِّرة كلها لا تجتمع في فرد واحد إلا إذا جمعناها من أمة. وأراد الحق سبحانه لإبراهيم عليه السلام أن يكون جامعاً لخير كثير فوصفه بقوله: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} تفسير : [النحل: 120] ويقول هنا عن ملة إبراهيم: {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}. والملة هي الديانة و "حنيفاً" أي "مائلا عن الباطل إلى الحق". والمعنى اللغوي لكلمة "حنيف" أنّه هو "المائل". وكان إبراهيم حنيفاً عن الباطل. ومتى تُرسل الرسل إلى الأقوام نعرف أن الرسل تأتي إذا طمّ الفساد وعمّ، وحين تكون المجتمعات قادرة على إصلاح الفساد الذي فيها.. فالحق سبحانه يمهل الناس وينظرهم، لكن إذا ما بلغ الفساد أَوْجَهُ، فالحق يرسل رسولاً. وحين يأتي الرسول إلى قوم ينتشر فيهم الفساد، فالرسول يميل عن الفساد، بهذا يكون الميل عن الاعوجاج اعتدالا. {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}. ويأتي الحق من بعد ذلك بالغاية الواضحة {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} فما هي حيثيات الخُلَّة؟ لأنه يتبع أفضل دين، ويسلم لله وجهه، وكان محسناً، واتبع الملة، وكان حنيفاً، هذه هي حيثيات الخُلَّة. وكلها كانت صفات سيدنا إبراهيم عليه السلام. لقد حدثونا أن جبريل عليه السلام قد جاء لسيدنا إبراهيم عندما ألقاه أهله في النار، فقال جبريل يا إبراهيمم: ألك حاجة؟. فقال إبراهيم": "أما إليك فلا"، فقال جبريل فاسأل اربك فقال: "حسبي من سؤالي علمه بحالي" فقال الله: "يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم" أي أنه لا يطلب من جبريل بذاته شيئاً. وتلك قمة الإسلام لله. كما أننا نعرف مدى أنس الناس بأبنائها؛ ونعلم إن إسماعيل قد جاءه ولداً في آخر حياته، وأوضح له الحق أنه مبتليه، وكان الابتلاء غاية في الصعوبة؛ فالابن لا يموت؛ ولا يقتله أحد ولكن يقوم الأب بذبحه، فكم درجة من الابتلاء مر بها إبراهيم عليه السلام؟! وسار إبراهيم لتنفيذ أمر ربه، ولذلك نقرأ على لسان إبراهيم عليه السلام: {أية : يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} تفسير : [الصافات: 102] ويجعل الحق ذلك برؤيا في المنام لا بالوحي المباشر. ولننظر إلى ما قاله إسماعيل عليه السلام. لم يقل: "افعل ما بدا لك يا أبي" ولكنه قال: {أية : يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102] أي أن إسماعيل وإبراهيم أسلما معاً لأمر الله. فماذا فعل الله؟: {أية : وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الصافات: 104-112] ولا يكتفي الحق بإعطاء إبراهيم إسماعيل ابناً، وله فداء، ولكن رزق الله إبراهيم بابن آخر هو إسحاق. {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}. وجلس العلماء ليبحثوا معنى كلمة "خليلاً"، ويبحثوا ما فيها من صفات، وكل الأساليب التي وردت فيها. والكلمة مأخوذة من "الخاء ولام ولام". و"الخَل" - بفتح الخاء - هو الطريق في الرمل، وهو ما نسميه في عرفنا "مدقاً"، وعادة يكون ضيقاً. وحينما يسير فيه اثنان فهما يتكاتفان إن كان بينهما ودّ عالٍ، وإن لم يكن بينهما ودّ فواحد يمشي خلف الآخر. ولذلك سموا الاثنين الذين يسيران متكاتفين "خليل" فكلاهما متخلل في الآخر أي متداخل فيه. والخليل أيضاً هو من يسد خلل صاحبه. والخليل هو الذي يتحد ويتوافق مع صديقه في الخلال والصفات والأخلاق. أو هو من يتخلل إليه الإنسان في مساتره، ويتخلل هو أيضاً في مساتر الإنسان. والإنسان قد يستقبل واحداً من أصحابه في أي مكان سواء في الصالون أو في غرفة المكتب أو في غرفة النوم. لكن هناك من لا يستقبله إلا في الصالون أو في غرفة المكتب. {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} أي اصطفاه الحق اصطفاءً خاصاً، والحب قد يُشارَك فيه، فهو سبحانه يحب واحداً وآخر وثالثاً ورابعاً وكل المؤمنين، فهو القائل: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} تفسير : [البقرة: 222] وسبحانه القائل: {أية : فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران: 76] وهو يعلمنا: {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 146] ويقول لنا: {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 148] ويقول أيضاً: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [الممتحنة: 8] لكنه اصطفى إبراهيم خليلاً، أي لا مشاركة لأحد في مكانته، أما الحب فيعم، ولكن الخلَّة لا مشاركة فيها. ولذلك نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى قومه قائلاً: (حديث : أما بعد أيها الناس فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا وإن صاحبكم خليل الله تعالى) يعني نفسه . تفسير : وإسماعيل صبري الشاعر المصري الذي كان أسبق من أحمد شوقي وكان شيخا للقضاة. التقط هذا المعنى من القرآن ومن الألفاظ التي دارت عليه في القرآن، ويقول: شعر : ولما التقينا قرب الشوق جهده خليلين زادا لوعة وعتابا كأن خليلاً في خلال خليله تسرب أثناء العناق وغابا تفسير : وشاعر آخر يقول: شعر : فضمنا ضمة نبقى بها واحداً تفسير : ولكن إسماعيل صبري قال ما يفوق هذا المعنى: لقد تخللنا كأن بعضنا قد غاب في البعض الآخر. ويقول الحق بعد ذلك: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أحسن الدين لأهل اليقين بقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125]، والإشارة فيهما: إن لا أحد أحسن ديناً ممن {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله}؛ أي: أسلم ذاته وحقيقته بالكلية، يدل عليه قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]؛ أي: ذاته وحقيقته، وهو؛ أي: من أسلم محسن محمد صلى الله عليه وسلم وإنما سما محسن لمعنيين: أحدهما: إنه صلى الله عليه وسلم كان مخصوصاً من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالرؤية والمشاهدة، وإنه فسر الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه، فسماه الله تعالى محسناً؛ لاختصاصه بالرؤية والمشاهدة، والثاني: لأنه صلى الله عليه وسلم أحسن الدين فأجملنه بخلقه العظيم إلى أن بلغ الدين بعده حد الكمال، فكان صلى الله عليه وسلم أحسن الدين من سائر الأنبياء عليهم السلام فسماه محسناً؛ فمعنى الآية على التحقيق أن لا أحسن ديناً من محمد صلى الله عليه وسلم وقد استتم ذاته وحقيقته بالكلية حتى اسلم سره وروحه وقلبه ونفسه وشيطانه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أسلم شيطاني على يدي"تفسير : ، ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: "حديث : أمتي أمتي"تفسير : ، حتى يقول الأنبياء: نفسي نفسي، ومما يدل على هذا التأويل قوله: عقيب وهو محسن {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً} [النساء: 125]، والاحتمال الذي اتبع ملة إبراهيم وأمره به كان محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}تفسير : [النحل: 123]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت بالحنفية السهلة السمحة"تفسير : ، ثم شرع في شرح ملة إبراهيم التي اتبعها محمد صلى الله عليه وسلم وقال تعالى: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: 125]، ومن شرك الخلة استسلام العبد في عموم أحواله لله بالله، وأن لا يدخر شيئاً عن الله لا من ماله، ولا من جسده ومن روحه وجلده، ولا من أهله وولده، وهذا كان حال إبراهيم عليه السلام، ومن شرط المحبة فناء المحبة في المحبة وبقاؤه بالمحبوب حتى لم تبقى المحبة من المحب إلا الحبيب، وهذا كان حال محمد صلى الله عليه وسلم قيل لمجنون ليلى ابن عامر: ما اسمك؟ قال: ليلى، وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: حبيباً خليلاً فقيراً من الخلة وهي الحجة والفقر؛ أي: مفتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله ليس له منه شيء، هل هو من الله؟ كما قال: صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا من الله"تفسير : ، وقال تعالى: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 80]، فافهم جيداً. والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب، إن الخليل اتخذ الآلهة عدواً في الله وقال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]، والحبيب اتخذ نفسه عدواً في الله وقال: ليت رب محمد صلى الله عليه وسلم لم يخلق محمداً، كما قيل قريب بهذا المعنى: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك إني من البين. قال الشيخ الإمام مصنف هذا الكتاب - رحمه الله -: فلما أن رأيت وجودك رحمة، تمنيت من الله أن ليت لم أخلق. وفي قوله تعالى: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [النساء: 126]، إشارة إلى: إنه تعالى يوجد عند كل ذرة من ذرَّاتها بالإيجاد والحفظ، والإبقاء والإفناء، والكل يقولون: {أية : إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} تفسير : [البقرة: 156]، فمن طلب الحق عند كل شيء يجده مع كل شيء وفي أول كل شيء، وأول كل شيء وأخر كل شيء، وظاهر كل شيء، وإلى هذا يشير بقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} [النساء: 126]، وكذا قوله: {أية : أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ}تفسير : [فصلت: 54]، تفهم إن شاء الله تعالى. {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ} [النساء: 127]، اعلم أن النفس بمثابة المرآة لزوج الروح ففي قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 127]، يسير إلى الاستخبار عن النفوس {فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 127]، عن الصفات {ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} [النساء: 127]؛ يعني: ما أوجب الله تعالى على العبد الطالب الصادق من حقوق النفس، كما قال صلى الله عليه وسلم لعبد بن عمرو رضي الله عنه حين جاهد نفسه بالليل بالقيام وبالنهار بالقيام: "حديث : إن لنفسك عليك حقاً صم وأفطر وقم ونم"تفسير : ؛ والمعنى: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} [النساء: 127]، إنها مراكبكم في السير إلى الله فلا تقبلوا عن ترتيبها بالكلية فتجاهدوها بالرياضيات فتنقطع عن السير؛ بل الجواب أن تتفقدوها بأداء حقوقها وتواسوها بالرفق في تركيبها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق"تفسير : ، يريد لا تحملوا على أنفسكم، ولا تكلفوها ما لا تطيقه فتعجز، وترك الدين والعمل {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} [النساء: 127]؛ يعني: ولا ترغبوا عن مصاحبة النفس وصفاتها، والمداومة معها في تهذيب أخلاقها وتربية صفاتها، إلى أن تردوها إلى حد الاعتدال، فإن قلع هذه الصفات ونفيها بالكلية ليس بمحمود، وإنما المحمود اعتدالها في أن تفي إلى أمر الله وأحكام الشرع، وكذا {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ} [النساء: 127]؛ وهو الأفعال المتولدة من صفات النفس: كالأكل والشرب والنكاح وأمثالها، فإن لكل واحد منهم حقاً ورعاية حقوقهم، {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ} [النساء: 127]؛ يعني: وإن تقوموا لرعاية حقوق النفس وصفاتها وأفعالها بميزان الشرع قياماً بالحق والعدل، {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} [النساء: 127] في حق النفس وصلاحها وإصلاح صفاتها، {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} [النساء: 127]، وكذلك ما تفعلوا من شر في التفريط والإفراط فيجازيكم به.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لا أحد أحسن من دين من جمع بين الإخلاص للمعبود، وهو إسلام الوجه لله الدال على استسلام القلب وتوجهه وإنابته وإخلاصه، وتوجه الوجه وسائر الأعضاء لله. { وَهُوَ } مع هذا الإخلاص والاستسلام { مُحْسِنٌ } أي: متبع لشريعة الله التي أرسل بها رسله، وأنزل كتبه، وجعلها طريقا لخواص خلقه وأتباعهم. { وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } أي: دينه وشرعه { حَنِيفًا } أي: مائلا عن الشرك إلى التوحيد، وعن التوجه للخلق إلى الإقبال على الخالق، { وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا } والخُلة أعلى أنواع المحبة، وهذه المرتبة حصلت للخليلين محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وأما المحبة من الله فهي لعموم المؤمنين، وإنما اتخذ الله إبراهيم خليلا لأنه وفَّى بما أُمر به وقام بما ابْتُلي به، فجعله الله إماما للناس، واتخذه خليلا ونوه بذكره في العالمين.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [125] / 143- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا زكريا بن عدي، نا عبيد الله، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن الحارث قال: حدثني جُندب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى بخمس يقول: "حديث : قد كان لي منكم أُخْوة وأصدقاء، وإني أبرأُ إلى كل خليل من خُلَّته، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر خليلا، وإن ربي اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ".

همام الصنعاني

تفسير : 644- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن عبد الملك بن عمير في قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}: [الرآية: 125]، قال: ذُكِرَ عَنْ خالد بن ربيع عن ابن معسود أنه قال: إن الله اتَّخذ صاحبكم خليلاً.