٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
126
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي مِلكاً واختراعاً. والمعنى إنه اتخذ إبراهيم خليلاً بحسن طاعته لا لحاجته إلى مخالّته ولا للتكثير به والاعتضاد؛ وكيف وله ما في السموات وما في الأرض؟ وإنما أكرمه لامتثاله لأمره. قوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} أي أحاط علمه بكل الأشياء. قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}. نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك؛ فأمر الله نبيه عليه السلام أن يقول لهم: الله يفتيكم فيهن؛ أي يبيّن لكم حكم ما سألتم عنه. وهذه الآية رجوع إلى ما ٱفتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: إن الله يفتيكم فيهن. روى أشهب عن مالك قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُسأل فلا يُجيب حتى ينزل عليه الوَحْيُ، وذلك في كتاب الله {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ}. { أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ } تفسير : [البقرة: 220]. و { أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } تفسير : [البقرة: 219]. { أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } تفسير : [طه: 105]. قوله تعالى: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} {مَا} في موضع رفع، عطف على اسم الله تعالى. والمعنى: والقرآن يفتيكم فيهن، وهو قوله: { أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ } تفسير : [النساء: 3] وقد تقدّم. وقوله تعالى: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ}أي وترغبون عن أن تنكحوهنّ، ثم حذفت «عن». وقيل: وترغبون في أن تنكحوهنّ ثم حذفت «في». قال سعيد بن جبير ومجاهد: ويرغب في نكاحها إذا كانت كثيرة المال. وحديث عائشة يقوّي حذف «عن» فإن في حديثها: وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال؛ وقد تقدّم أوّل السورة.
البيضاوي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً يختار منهما من يشاء وما يشاء. وقيل هو متصل بذكر العمال مقرر لوجوب طاعته على أهل السموات والأرض، وكمال قدرته على مجازاتهم على الأعمال. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} إحاطة علم وقدرة فكان عالماً بأعمالهم فيجازيهم على خيرها وشرها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ملكاً وخلقاً وعبيداً {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ مُّحِيطاً } علماً وقدرة أي لم يزل متصفاً بذلك.
ابن عطية
تفسير : ذكر - عز وجل - سعة ملكه وإحاطته بكل شيء عقب ذكر الدين وتبيين الجادة منه، ترغيباً في طاعة الله والانقطاع إليه. وقوله تعالى: {ويستفتونك} الآية، نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في المواريث وغير ذلك، فأمر الله نبيه أن يقول لهم {الله يفتيكم فيهن} أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه وقوله تعالى {وما يتلى عليكم} يحتمل {ما} أن تكون في موضع خفض عطفاً على الضمير في قوله {فيهن}، أي: "ويفتيكم فيما يتلى عليكم"، قاله محمد بن أبي موسى، وقال: أفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما لم يسألوا عنه، ويضعف هذا التأويل ما فيه من العطف على الضمير المخفوض بغير إعادة حرف الخفض، ويحتمل أن تكون {ما} في موضع رفع عطفاً على اسم الله عز وجل، أي و "يفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب"، يعني القرآن، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الآيات في أمر النساء، وهو قوله تعالى في صدر السورة {أية : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} تفسير : [النساء:3] قالت عائشة: نزلت هذه الآية أولاً، ثم سأل ناس بعدها رسول الله صلى الله عيله سولم عن أمر النساء فنزلت: {ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم} وقوله تعالى {في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} معناه: النهي عما كانت العرب تفعله من ضم اليتيمة الجميلة الغنية بدون ما تستحقه من المهر، ومن عضل الدميمة الفقيرة أبداً، والدميمة الغنية حتى تموت فيرثها العاضل، ونحو هذا مما يقصد به الولي منفعة نفسه لا نفع اليتيمة، والذي كتب الله لهن هو توفية ما تستحقه من مهر، وإلحاقها بأقرانها، وقرأ أبو عبد الله المدني - "في ييامى النساء" بياءين، قال أبو الفتح: والقول في هذه القراءة أنه أراد أيامى فقلبت الهمزة ياء، كما قلبت في قولهم: باهلة بن يعصر، وإنما هو ابن أعصر لأنه إنما يسمى بقوله: [الكامل] شعر : أبُنَيّ إن أَبَاكَ غَيَّرَ لَوْنَه كَرُّ الليالي واختلافُ الأعْصُرِ تفسير : وكما قلبت الياء همزة في قولهم: قطع الله أده، يريدون يده، وأيامى: جمع أيم أصله: أيايم، قلبت اللام موضع العين، فجاء أيامى، ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يشبه أن الداعي إلى هذا استثقال الضمة على الياء، قال أبو الفتح: ولو قال قائل كسر أيم على أيمى على وزن سكرى وقتلى من حيث الأيومة بلية تدخل كرهاً، ثم كسر أيمى على أيامى لكان وجهاً حسناً، وقوله تعالى {وترغبون أن تنكحوهن} إن كانت الجارية غنية جميلة فالرغبة في نكاحها، وإن كانت بالعكس فالرغبة عن نكاحها، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ الناس بالدرجة الفضلى في هذا المعنى، فكان إذا سأل الولي عن وليته فقيل: هي غنية جميلة، قال له: أطلب لها من هو خير منك وأعود عليها بالنفع، وإذا قيل له: هي دميمة فقيرة، قال له: أنت أولى بها وبالستر عليك من غيرك، وقوله تعالى {والمستضعفين من الولدان} عطف على {يتامى النساء}، والذي تلي في {المستضعفين من الولدان} هو قوله تعالى: {أية : يوصيكم الله في أولادكم} تفسير : [النساء:11]، وذلك: أن العرب كانت لا تورث الصبية ولا الصبي الصغير، وكان الكبير ينفرد بالمال، وكانوا يقولون: إنما يرث المال من يحمي الحوزة، ويرد الغنيمة، ويقاتل عن الحريم، ففرض الله لكل أحد حقه، وقوله تعالى: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} عطف أيضاً على ما تقدم، والذي تلي في هذا المعنى هو قوله تعالى: {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} تفسير : [النساء:2] إلى غير ذلك مما ذكر في مال اليتيم، والقسط العدل، وباقي الآية وعد على فعل الخير بالجزاء الجميل، بّيِّنٌ.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض} قال أهل المعاني: لما دعا الله الخلق إلى طاعته وعبادته والانقياد لأمره بيّن سعة ملكه ليرغب الخلق إليه بالطاعة له. وإنما قال ما في السموات وما في الأرض ولم يقل من لأنه ذهب به مذهب الجنس والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنس ذكر بلفظة ما {وكان الله بكل شيء محيطاً} يعني عالماً علم إحاطة وهو العلم بالشيء من كل وجه حتى لا يشذ عنه نوع إلا علمه وقيل يجوز أن يكون معناه محيطاً بالقدرة عليه. قوله عز وجل: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} الآية. قال ابن عباس: نزلت في بنات أم كحة وقد تقدمت قصتهن في أول السورة وقالت عائشة هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من سنّة صداقها وإذا كانت غير مرغوب فيها لقلة الجمال والمال تركها، وفي رواية قالت هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وقد شركته في ماله فيرغب عنها فلا يتزوجها لدمامتها ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه ويشركه في ماله فحبسها حتى تموت فنهاهم الله عن ذلك وأنزل هذه الآية فقال ويستفتونك يعني ويستخبرونك يا محمد في شأن النساء وحالهن والاستفتاء طلب الفتوى وهو إظهار ما أشكل من الأحكام الشرعية وكشفه وتبيينه قال المفسرون والذي استفتوه فيه هو ميراث النساء وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد فلما نزلت آية الميراث قالوا: يا رسول الله كيف ترث المرأة والصغير؟ فأجابهم بهذه الآية: {قل الله يفتيكم فيهن} يعني قل يا محمد الله يفتيكم في شأن النساء وحالهن {وما يتلى عليكم في الكتاب} يعني يفتيك فيما يتلى عليكم والمعنى أن الله يفتيكم في النساء بما أنزل في كتابه عليكم وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليكم وأنها في اللوح المحفوظ وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من أعظم الأمور عند الله تعالى التي تجب مراعاتها وأن المخل بها ظالم {في يتامى النساء} قيل معناه في النساء اليتامى وقيل في اليتامى أولاد النساء، لأن الآية نزلت في يتامى أم كحة {اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} يعني ما فرض لهن من الميراث وهذا على قول من يقول إن الآية نازلة في ميراث اليتامى والصغار وعلى القول الآخر معناه ما كتب لهن من الصداق {وترغبون أن تنكحوهن} يعني وترغبون في نكاحهن لمالهن وجمالهن بأقل من صداقهن وقيل معناه وترغبون عن نكاحهن لقبحهن ودمامتهن وتمسكوهن رغبة في أموالهن (ق) عن عائشة قالت هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينقص صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن قالت عائشة رضي الله عنها فاستفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فأنزل الله عز وجل: {يستفتونك في النساء} إلى قوله: {وترغبون أن تنكحوهن} فبين لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم يحلقوها بسنتها في إكمال الصداق وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها قال فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق. وقوله تعالى: {والمستضعفين من الولدان} يعني ويفتيكم في المستضعفين من الولدان وهم الصغار أن تعطوهم حقوقهم لأن العرب في الجاهلية كانوا لا يورثون الصغار أيضاً فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يعطوهم حقهم من الميراث {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} يعني بالعدل في مهورهن ومواريثهن {وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليماً} يعني فيجازيكم عليه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...} الآية: ذكر سبحانه سَعَة ملكه وإحاطته بكل شيء، عَقِبَ ذكْر الدِّين، وتبيينِ الجادَّة منه؛ ترغيباً في طاعته والانقطاع إليه سبحانه.
ابن عادل
تفسير : في تعلُّق الآيَة بما قَبْلَها وُجُوه: أحدها: [أن المعنى] أن الله لم يَتَّخِذْ إبْرَاهِيم خليلاً لاحتياجه إلَيْه في شَيْءٍ كخلةِ الآدميِّين، وكيف يُعْقَل ذلك، وله مُلْك السَّموات والأرض، وإنما اتَّخَذَهُ خليلاً لمحض الكَرَم. وثانيها: أنَّه - تعالى - ذكر من أوَّل السُّورة إلى هذا المَوْضِع أنْواعاً كَثِيرَة من الأمر والنَّهْي، والوعْد والوَعيد، وذكر في هَذِه الآيَة أنَّه إلَه المُحْدَثَاتِ، وموجِدُ الكائِنَاتِ، ومن كان مَلِكَاً مطاعاً، وجب على كُلِّ عاقلٍ أنْ يَخْضَعَ لتكاليفه، ويَنْقَادَ لأمْرِه. وثالثها: أنه - تعالى - لما ذكر الوَعْدَ والوَعِيدَ، ولا يمكن الوَفَاءُ بهما إلا بأمْرَيْن: أحدهما: القُدْرةُ التَّامَّة [المتعلِّقة] بجميع الكَائِنَات والمُمْكِنَات. والثاني: [العِلْم] المتعلِّق بجميع الجُزْئِيَّات والكُلِّياتِ؛ حتى لا يَشْتَبه عليه المُطِيعُ، والعَاصِي، والمحسن والمُسِيءُ؛ فدلَّ على كَمَال قُدْرَته بِقَوْله: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}، وعلى كَمَال عِلْمِهِ بقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً}. ورابعها: أنه - تعالى - لمّا وصَفَ إبْراهيم - عليه الصلاة والسلام - بأنه خَلِيلُه، بين أنَّه مع هذه الخُلَّة عَبْدٌ لَهُ، وذَلِك أنَّ له مَا فِي السَّمواتِ ومَا في الأرْض، ونَظِيرُه قوله تعالى: {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} تفسير : [مريم: 93] ويجري مُجْرَى قوله: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [النساء: 172] يعني: أنَّ الملائكة مع كَمَالِهِم في صِفَةِ القُدرةِ، والقوَّة في صِفَة العِلْم والحِكْمَة، لم يَسْتَنْكِفُوا عن عِبَادة اللَّه؛ كذا هَهُنا، يعني: إذا كَانَ كل من في السَّموات والأرْض مِلْكُه في تَسْخِيره، فكَيْفَ يعْقَل أن يُقَالَ: إن اتِّخَاذ اللَّه إبْراهيم خَلِيلاً، يخرجه عن عُبُودِيَّة اللَّه. فصل إنما قال: {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ولم يقل "مَنْ" لأنه ذَهَب به مَذْهَبَ الجِنْس، والذي يُعْقَل إذا ذُكِر وأريد به الجنْسُ، ذكر بـ "مَا". قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} فيه وَجْهَان: أحدهما: المُرَاد مِنْهُ: الإحاطة في العِلْم. والثاني: الإحَاطَة بالقُدْرَة؛ كقوله: {أية : وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} تفسير : [الفتح: 21]. قال القَائِلُون بهذا القَوْل: وليس لِقَائِلٍ أن يَقُولَ: لمَّا دل قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} على كمال القُدْرَةِ، لزم التَّكْرَار؛ لأنَّا نقول إنَّ قوله {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [لا يفيد ظاهره] إلا كونه قَادِراً على ما يَكُون خَارِجَاً عَنْهُمَا، ومغايراً [لهما]، فلما قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} دلَّ ذلك على كَوْنه قَادِراً على ما لا نهاية له من المَقْدُورَات خَارِج هذه السَّمَواتِ والأرْضِ.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر بمن يحبه ومن يبغضه وبما يرضيه وما يغضبه، وكان ربما توهم عدم القدرة على أخذه لغير ما أخذ، وجعله لغير ما جعل، أو تعنت بذلك متعنت فظن أن في الكلام دخلاً بنوع احتياج إلى المحالة أو غيرها قال: {ولله} أي والحال أن للمختص بالوحدانية - فلا كفوء له {ما في السماوات}. ولما كان السياق للمنافقين والمشركين أكد فقال: {وما في الأرض} من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن غيره إشارة إلى أنه التام المُلك العظيم المِلك، فلا يعطي إلا من تابع أولياءه وجانب أعداءه، ولا يختار إلا من علمه خياراً وهو مع ذلك قادر على ما يريد من إقرار وتبديل، ولذلك قال: {وكان الله} أي الملك الذي له الكمال كله {بكل شيء} أي منهما ومن غيرهما {محيطاً *} علماً وقدرة، فمهما راد كان في وعده ووعيده للمطيع والعاصي، لا يخفى عليه أحد منهم، ولا يعجزه شيء. ولما كان سبحانه وتعالى قد رتب هذا الكتاب على أنه يذكر أحكاماً من الأصول والفروع، ثم يفصلها بوعد ووعيد وترغيب وترهيب، وينظمها بدلائل كبريائه وجلاله وعظيم بره وكماله، ثم يعود إلى بيان الأحكام على أبدع نظام لأن إلقاء المراد في ذلك القالب أقرب إلى القبول، والنظم كذلك أجدر بالتأثير في القلوب، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا تنقاد له النفوس إلا إذا كان مقروناً ببشارة ونذارة، وذلك لا يؤثر إلا عند القطع بغاية الكمال لمن صدر عنه ذلك المقال، ولا ينتقل مع ذلك من أسلوب إلى آخر إلا على غاية ما يكون من المناسبة بين آخر كل نوع وأول ما بعده بكمال التعلق لفظاً ومعنى، وفعل سبحانه وتعالى في هذه السورة في أحكام العدل الذي بدأ السورة به في المواصلة التي مبناها النكاح والإرث وغير ذلك مما اتصل به - كما بين - إلى أن ختم هنا بالإسلام المثمر لقبول ذلك كله وعظمة الملك الموجبة لتمام الإسلام، وقامت البراهين وسطعت الحجج، وكان من أعظم مقاصد السورة العدل في الضعفاء من الأيتام وغيرهم في الميراث وغيره، وكان توريث النساء والأطفال - ذكوراً كانوا أو إناثاً - مما أبته نفوسهم، وأشربت بغضه قلوبهم، وكان التفريق في إثبات ما هذا سبيله أنجع، وإلقاؤه شيئاً فشيئاً في قوالب البلاغة أنفع؛ وصل بذلك قوله تعالى: {ويستفتونك} في جملة حالية من اسم الجلالة التي قبلها، أي له ما ذكر فلا مساغ للاعتراض عليه والحال أنهم يسألونك طلباً لأن تتفتى عليهم بالجواب في بعض ما أعطى من ملكه لبعض مخلوقاته {في النساء} طمعاً في الاستئثار عليهم بالمال وغيره محتجين بأنه لا ينبغي أن يكون المال إلا لمن يحمي الذمار والحال أنهم قد عبدوا من دونه إناثاً، وجعلوا لهم مما خولهم فيه من الرزق الذي ملكهم له بضعف من الحرث والأنعام نصيباً، فلا تعجب من حال من كرر الاستفتاء - الذي لا يكون في العرف غالباً إلا فيما فيه اعتراض - في إناث أحياء وأطفال ذكور وأعطاهم المِلك التام المُلك العظيم المِلك بعض ما يريد، ولم يعترض على نفسه حيث أعطى إناثاً لا حياة لها ولا منفعة مما في يده، وملكه في الحقيقة لغيره، ولم يأذن فيه المالك ما لا ينتفع به المعطي. ولما كان المقام بكثرة الاستفتاء محتاجاً إلى زيادة الاعتناء قال: {قل الله} آمراً معبراً بالاسم الأعظم منبهاً على استحضار ما ذكر أول السورة {يفتيكم} أي يبين لكم حكمه {فيهن} أي الآن لأن تقوموا لهن بالقسط {وما} أي مع ما {يتلى عليكم} أي تجدد فيكم تلاوته إلى آخر الدهر سيفاً قاطعاً وحكماً ماضياً جامعاً {في الكتاب} أي فيما سبق أول السورة في قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء}، وغير ذلك {في يتامى النساء} أي في شأن التيامى من هذا الصنف {اللاّتي لا تؤتونهن} أي بسبب التوقف في ذلك وتكرير الاستفتاء عنه {ما كتب لهن} أي ما فرض من الميراث وسائر الحقوق فرضاً وهو في غاية اللزوم {وترغبون أن} أي في أن أو عن أن {تنكحوهن} لجمالهن أو لدمامتهن {و} يفتيكم في {المستضعفين} أي الموجود ضعفهم والمطلوب إضعافهم، يمنعهم حقوقهم {من الولدان}. ولما كان التقدير؛ في أن تقوموا لهم بالقسط، أي في ميراثهم وسائر حقوقهم ولا تحقروهم لصغرهم؛ عطف عليه قوله: {وأن تقوموا} أي تفعلوا فيه من القوة والمبادرة فعل القائم المنشط {لليتامى} من الذكور والإناث {بالقسط} أي بالعدل من الميراث وغيره. ولما كان التقدير: فما تفعلوا في ذلك من شر فإن الله كان به عليماً وعليكم قديراً؛ عطف عليه قوله ترغيباً: {وما تفعلوا من خير} أي في ذلك أو في غيره {فإن الله} أي الذي له الكمال كله {كان به عليماً *} أي فهو جدير - وهو أكرم الأكرمين وأحكم الحاكمين - بأن يعطي فاعله على حسب كرمه وعلو قدره، فطيبوا نفساً وتقروا عيناً؛ روى البخاري في الشركة والنكاح ومسلم في آخر الكتاب وأبو داود والنسائي في النكاح "حديث : عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن قول الله عز وجل: {فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} إلى {رباع} قالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن؛ قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله عز وجل (ويستفتونك - إلى - وترغبون أن تنكحوهن)" تفسير : والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب: الآية الأولى التي قال فيها: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} قالت عائشة رضي الله عنها: وقول الله تعالى في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} هي رغبة أحدكم يتيمته - وقال مسلم: عن يتيمته - التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، زاد مسلم: إذا كن قليلات المال والجمال، وقال البخاري في النكاح: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق؛ وفي البخاري ومسلم في التفسير عن عروة أيضاً {يستفتونك في النساء} الآية قالت: "هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها فأشركته - وقال مسلم: لعلها أن تكون قد شركته، في ماله حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية؛ وفي رواية مسلم: نزلت في الرجل تكون له اليتيمة وهو وليها ووارثها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها فلا ينحكها لمالها فيضر بها ويسيء صحبتها فقال: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} يقول: ما حللت لكم، ودع هذه التي تضر بها" وفي رواية له وللبخاري في النكاح "فيرغب عنها أن يتزوجها ويكره أن يزوجها غيره فيشركه في ماله - وقال البخاري: فيدخل عليه في ماله - فيعضلها ولا يتزوجها ولا يزوجها، زاد البخاري: فنهاهم الله سبحانه وتعالى" عن ذلك، وحاصل ذلك ما نقله الأصبهاني أنه كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت، فإذا ماتت ورثها. وما أنسب ذكر هذا الحكم الذي كثرت فيه المراجع على وجه يؤذن بعدم إذعان بعض النفوس له عقب آية الإسلام الذي معناه الانقياد والخضوع والإحسان الذي صار في العرف أكثر استعماله للاعطاء والتألف والعطف لا سيما للضعيف، وذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أنه أتم ما ابتلاه الله تعالى به من الكلمات ووفي بها من غير مراجعة ولا تلعثم، وأنه كان حنيفاً ميالاً مع الدليل، تعنيفاً لمن قام عليه دليل العقل وأتاه صريح النقل وهو يراجع! وإذا تأملت قوله تعالى: {أية : من يعمل سوءاً يجز به} تفسير : [النساء: 123] مع قوله فيما قبل {أية : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم} تفسير : [النساء: 9] لاحت لك أيضاً مناسبة بديعة.
ابو السعود
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} جملةٌ مبتدأةٌ سيقت لتقرير وجوبِ طاعة الله تعالى على أهل السموات والأرضِ ببـيانِ أن جميعَ ما فيهما من الموجودات له تعالى خلقاً ومُلكاً لا يخرُج عن مَلَكوته شيءٌ منها فيجازي كلاًّ بموجب أعمالِه خيراً أو شراً، وقيل: لبـيان أن اتخاذَه عز وجل لإبراهيمَ عليه السلام خليلاً ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك في شأنٍ من شؤونه كما هو دأبُ الآدميـين فإن مدار خُلَّتِهم افتقارُ بعضِهم إلى بعض في مصالحهم، بل لمجرد تكرمتِه وتشريفِه عليه السلام، وقيل: لبـيان أن الخُلة لا تخرجه عن رتبة العبوديةِ، وقيل: لبـيان أن اصطفاءَه عليه السلام للخُلّة بمحض مشيئتِه تعالى أي له تعالى ما فيهما جميعاً يختار منهما ما يشاء لمن يشاء وقوله عز وجل: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً} تذيـيلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على الوجوه المذكورةِ فإن إحاطتَه تعالى علماً وقُدرةً بجميع الأشياءِ التي من جملتها ما فيهما من المكلفين وأعمالِهم مما يقرِّرُ ذلك أكملَ تقرير. {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء} أي في حقهن على الإطلاق كما ينبىء عنه الأحكامُ الآتية لا في حق ميراثِهن خاصة فإنه صلى الله عليه وسلم قد سُئل عن أحوال كثيرةٍ مما يتعلق بهن، فما بُـيِّن حكمُه فيما سلف أحيل بـيانُه على ما ورد في ذلك من الكتاب، وما لم يُبـيَّن حُكمُه بعدُ بُـيِّن هٰهنا، وذلك قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ} بإسناد الإفتاءِ الذي هو بـيانُ المُبهم وتوضيحُ المُشكلِ إليه تعالى وإلى ما تُليَ من الكتاب فيما سبق باعتبارين على طريقة قولِك: أغناني زيدٌ وعطاؤُه بعطف {مَا} على المبتدأ أو ضميرِه في الخبر لمكان الفصلِ بالمفعول والجارِّ والمجرور، وإيثارُ صيغة المضارعِ للإيذان باستمرار التلاوةِ ودوامِها و{فِى ٱلْكِتَـٰبِ} إما متعلقٌ بـيُتلى أو بمحذوف وقع حالاً من المستكنّ فيه أي يتلى كائناً فيه ويجوز أن يكون ما يتلى عليكم مبتدأً وفي الكتاب خبرُه على أن المرادَ به اللوحُ المحفوظُ، والجملةُ معترضةٌ مسوقةٌ لبـيان عِظَمِ شأن المتلوِّ عليهم وأن العدلَ في الحقوق المبنيّة فيه من عظائم الأمورِ التي يجب مراعاتُها والمحافظةُ عليها فيما يتلى حينئذ متناولٌ لما تُليَ وما سيتلى ويجوز أن يكون مجروراً على القسم المُنبىءِ عن تعظيم المقسَم به وتفخيمِه كأنه قيل: قل الله يُفتيكم فيهن وأُقسِم بما يتلى عليكم في الكتاب، فالمرادُ بقوله تعالى: {يُفْتِيكُمْ} بـيانُه السابقُ واللاحقُ ولا مساغَ لعطفه على المجرور من فيهن لاختلاله لفظاً ومعنى، وقولُه تعالى: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء} على الوجه الأولِ وهو الأظهرُ متعلقٌ بـيتلىٰ أي ما يتلى عليكم في شأنهن، وعلى الأخيرين بدلٌ من فيهن، وهذه الإضافةُ بمعنى من لأنها إضافةُ الشيءِ إلى جنسه وقرىء يَـيامىٰ بقلب همزةِ أيامىٰ ياءً. {الَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أي ما فُرض لهن من الميراث وغيره {وَتَرْغَبُونَ} عطفٌ على الصلة عطفَ جملةٍ مُثبتةٍ على جملة منفية، وقيل: حال من فاعل تؤتونهن بتأويل وأنتم ترغبون، ولا ريب في أنه لا يظهر ــ لتقيـيدِ عدمِ الإيتاءِ بذلك ــ فائدةٌ إلا إذا أريد بما كُتب لهن صَداقُهن {أَن تَنكِحُوهُنَّ} أي في أن تنكِحوهن لا لأجل التمتعِ بهن بل لأكل مالِهن أو في أن تنكحوهن بغير إكمالِ الصَّداقِ وذلك ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها من أنها اليتيمةُ تكون في حِجْر وليِّها فيرغب في مالها وجمالِها ويرد أن ينكِحَها بأدنىٰ من سُنة نسائِها فنُهوا أن ينكِحوهن إلا أن يُقسِطوا لهن في إكمال الصَّداقِ أو عن أن تنكِحوهن، وذلك ما روي عنها رضي الله عنها أنها يتيمةٌ يرغب وليُّها عن نكاحها ولا يُنكِحُها فيعضُلها طمعاً في ميراثها، وفي رواية عنها رضي الله عنها هو الرجلُ يكون عنده يتيمةٌ هو وليُّها ووارثُها وشريكُها في المال حتى في العِذْق فيرغب أن ينكِحَها ويكره أن يزوِّجَها رجلاً فيَشرُكَه في ماله بما شرَكَتْه فيعضُلها، فالمرادُ بما كُتب لهن على الوجه الأولِ والأخير ميراثُهن وبما يتلى في حقهن قولُه تعالى: {أية : وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ }تفسير : [النساء، الآية 2] وقولُه تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوهَا } تفسير : [النساء، الآية 6] ونحوُهما من النصوص الدالةِ على عدم التعرّضِ لأموالهم وعلى الوجه الثاني صَداقُهن وبما يتلى فيهن قوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ} تفسير : [النساء، الآية: 3]. {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ} عطفٌ على يتامى النساءِ وما يتلى في حقهم وقولِه تعالى: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء، الآية 11] الخ، وقد كانوا في الجاهلية لا يورِّثونهم كما لا يورِّثون النساءَ، وإنما يورِّثون الرجالَ القوّامين بالأمور. رُوي حديث : أن عيـينةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أُخبرنا بأنك تعطي الابنةَ النصفَ والأختَ النصفَ وإنما كنا نورِّث من يشهدُ القِتالَ ويجوز الغنيمة، فقال عليه الصلاة والسلام: "كذلك أُمِرْتُ"»تفسير : {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ} بالجر عطفٌ على ما قبله، وما يتلى في حقهم قولُه تعالى: {أية : وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ }تفسير : [النساء، الآية: 2] ونحوُ ذلك مما لا يكاد يحصُر هذا على تقدير كونِ {فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء} [النساء، الآية: 127] متعلقاً بـيتلى، وأما على تقدير كونِه بدلاً من فيهن فالوجهُ نصبُه عطفاً على موضع {فِيهِنَّ} أي يفتيكم أن تقوموا ويجوز نصبُه بإضمار فعلٍ، أي ويأمركم، وهو خطابٌ للولاة أو الأولياء والأوصياءِ {وَمَا تَفْعَلُواْ} في حقوق المذكورين {مّنْ خَيْرٍ} حسبما أُمرتم به أو ما تفعلوه من خير على الإطلاق، فيندرجُ فيه ما يتعلق بهم اندراجاً أولياً {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} فيجازيكم بحسبه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولله ما فى السموات وما فى الارض} كأنه قيل لم خص الله تعالى ابراهيم عليه السلام بالخلة وله عباد مكرمون فاجاب بان جميع ما فى السموات وما فى الارض من الموجودات له تعالى خلقا وملكا يختار منها ما يشاء ومن يشاء {وكان الله بكل شىء محيطا} احاطة علم وقدرة فكل واحد من علمه وقدرته محيط بجميع ما يكون داخلا فيهما وما يكون خارجا عنهما ومغايرا لهما مما لا نهاية له من الصدورات الخارجة عن هذه السموات والارضين ـ روى ـ ان ابراهيم عليه السلام بعث الى خليل له بمصر فى ازمة اصابت الناس يمتار منه فقال خليله لو كان ابراهيم يريد لنفسه لفعلت ولكن يريد للاضياف وقد اصابنا ما اصاب الناس فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملأوا منها الغرائر حياء من الناس فلما اخبروا ابراهيم ساءه الخبر فغلبته عيناه فنام فقامت سارة الى غرارة منها فاخرجت حوارى واختبزت فاستيقظ ابراهيم فاشتم رائحة الخبز فقال من اين هذا لكم فقالت من خليلك المصرى فقال بل من عند خليلى الله عز وجل فسماه الله خليلا. وفى الخبر تعجب الملائكة من كثرة ماله وخدمه وكان له خمسة آلاف قطيع من الغنم وعليها كلاب المواشى باطواق الذهب فتمثل له ملك فى صورة البشر وهو ينظر اغنامه فى البيداء فقال الملك سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح فقال ابراهيم عليه السلام كرر ذكر ربى ولك نصف ما ترى من اموالى فكرر الملك فنادى ثانيا كرر تسبيح ربى ولك جميع ما ترى من مالى فتعجب الملائكة فقالوا جدير ان يتخذك الله خليلا فعلى هذا انما سمى الخليل خليلا على لسان الملائكة. قال القاضى فى الشفاء الخلة هنا اقوى من النبوة لان النبوة قد يكون فيها العداوة كما قال تعالى {أية : إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم} تفسير : [التغابن: 14]. ولا يصح ان تكون عداوة مع خلة ومن شرط الخلة استسلام العبد فى عموم احواله لله بالله وان لا يدخر شيئاً مع الله لا من ماله وجسده ولا من نفسه ولا من روحه وخلده ولا من اهله وولده وهكذا كان حال ابراهيم عليه السلام شعر : جانكه نه قربانىء جانان بود جيفه تن بهترازان جان بود هركه نه شد كشته بشمشير دوست لاشه مردار به ازجان اوست تفسير : ومن شرط المحبة فناء المحب فى المحبة وبقاؤه فى المحبوب حتى لم تبق المحبة من المحب الا الحبيبْ وهذا حال محمد صلى الله عليه وسلم. قيل لمجنون بنى عامر ما اسمك قال ليلى. قال شيخى وسندى ومن هو بمنزلة روحى فى جسدى فى كتاب اللائحات البرقيات ان الخلة والمحبة الآلهية الاحدية تجلت لنبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بحقيقتها ولابراهيم عليه السلام بصورتها ولغيرهما بخصوصياتها الجزئيات بحسب قابلياتهم ونبينا عليهم السلام فى مقام الخلة والمحبة بمنزلة المرتبة الاحدية الذاتية وابراهيم عليه الصلاة والسلام بمنزلة المرتبة الواحدية الصفاتية وغيرهما بمنزلة المرتبة الواحدية الافعالية والى هذه المقامات والمراتب اشارة فى البسملة على هذا الترتيب ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم خليل الله وحبيبه بالفعل وابراهيم عليه السلام خليل الرحمن وحبيبه بالفعل وغيرهما من الانبياء اخلاء الرحيم واحباؤه بالفعل انتهى كلام الشيخ العلامة ابقاه الله بالسلامة. واعلم انه عليه السلام قال "حديث : ان الله اتخذنى خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا ولو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت ابا بكر خليلا ". تفسير : يعنى لو جاز لى ان اتخذ صديقا من الخلق يقف على سرى لاتخذت ابا بكر خليلا ولكن لا يطلع على سرى الا الله ووجه تخصيصه بذلك ان ابا بكر رضى الله عنه كان اقرب بسر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما روى انه عليه السلام قال "حديث : ان ابا بكر لم يفضل عليكم بصوم ولا صلاة ولكن بشىء كتب فى قلبه " .تفسير : وانفهم من عدم اتخاذه عليه السلام احدا خليلا انفصاله عما سوى الله تعالى فكل الكائنات متصل به وهو غير متصل بشىء اصلا سوى الله سبحانه وتعالى اللهم ارزقنا شفاعته: قال الشيخ السعدى فى نعته الشريف شعر : شبى برنسشت ازفلك در كذشت بتمكين جاه از ملك در كذشت جنان كرم درتيه قربت براند كه درسدره جبريل ازوبازماند تفسير : فهذا انفصاله عن العلويات والسفليات ووصوله الى حضرة الذات.
الطوسي
تفسير : لما ذكر الله تعالى انه اتخذ ابراهيم خليلا لطاعته ربه واخلاصه له العبادة، ومسارعته الى رضاه، بين ذلك بفضله لا من حاجة الى خلته فقال: وكيف يحتاج الى خلته من له ما فى السماوات والارض من قليل وكثير ملكا، ومع ذلك مستغن عن جميع خلقه. وجميع الخلق يحتاجون اليه فكيف يحتاج الى خلة ابراهيم، لكنه اتخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه وامتثاله ما يأمره به. {وكان الله بكل شيء محيطاً} يعني لم يزل الله عالماً بجميع ما فعل عباده ان كان محسناً اثابه، وان كان مسيئاً عاقبه ان شاء.
الجنابذي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} اللاّم للاختصاص وقد يستعمل باعتبار المبدأ وقد يستعمل باعتبار الغاية وقد يستعمل باعتبار المملوكيّة كما يقال: هذا البيت لفلان يعنى بانيه ومصدر بنائه فلان لا غير، او هذا البيت لسكنى الشّتاء او لسكنى الصّيف باعتبار غايته، او هذا البيت لفلان يعنى فلان مالكه من غير شراكة الغير، والمراد فى هذا الموضع وامثاله معنى عامٌّ يشمل المعانى الثّلاثة، يعنى لله ما فيهما بدواً وغايةً وملكاً وهو عطف او حال فيه اشعار بالتّعليل وكذا قوله تعالى {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} كأنّه قال: لا احد احسن حالاً ممّن أسلم وجهه لله واتّبع خليله، لانّ كلّ ما فى السّماوات والارض مملوك له وله العلم بكلّ شيءٍ فيعلم من اسلم وجهه له ويعلم مرتبته وقدر استحقاقه فلا يمسك عنه ما هو مستحقّ له.
اطفيش
تفسير : {وَللهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأرْضِ}: فكيف يحتاج الى شىء هو ملكه ومخلوق له، واذا كان له ما فيهما لم يصح أيضا أن يقال فى السماوات والأرض عباد آخرون مكرمون، فكيف خص ابراهيم ثم ان له أن يخص ما شاء بما شاء، لأن الكل ملكه، فالآية متصلة بقوله: {أية : واتخذ الله ابراهيم خليلا }تفسير : وقيل: اتصلت بقوله تعالى: {أية : وعملوا الصالحات }تفسير : وقوله: {أية : ومن يعمل من الصالحات }تفسير : بمعنى أن مالك ما فى السماوات وما فى الأرض حقيق بأن يعمل له، وقال ابن على: الجزاء وزاد هذا تقرير بقوله: {وَكَانَ اللهُ بشكُلِّ شَىءٍ مُّحِيطاً}: احاطة علم وقدرة، فهو عالم بأعمال الخلق، خيرها وشرها، فيجازيهم عليها فليختاروا ما ينفعهم ولا يضرهم.
الالوسي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يحتمل أن يكون متصلاً بقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ} تفسير : [النساء: 124] على أنه كالتعليل لوجوب العمل، وما بينهما من قوله سبحانه: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً} تفسير : [النساء: 125] اعتراض أي إن جميع ما في العلو والسفل من الموجودات له تعالى خلقاً وملكاً لا يخرج من ملكوته شيء منها فيجازي كلاً بموجب أعماله إن خيراً فخير وإن شراً فشر وأن يكون متصلاً بقوله جل شأنه: {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء: 125] الخ بناءاً على أن معناه اختاره واصطفاه أي هو مالك لجميع خلقه فيختار من يريده منهم كإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فهو لبيان أن اصطفاءه عليه الصلاة والسلام بمحض مشيئته تعالى. وقيل: لبيان أن اتخاذه تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام خليلاً ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك لشأن من شؤونه كما هو دأب المخلوقين، فإن مدار خلتهم افتقار بعضهم إلى بعض في مصالحهم، بل لمجرد تكرمته وتشريفه، وفيه أيضاً إشارة إلى أن خلته عليه السلام لا تخرجه عن العبودية لله تعالى. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ مُّحِيطاً} إحاطة علم وقدرة بناءاً على أن حقيقة الإحاطة في الأجسام، فلا يوصف الله تعالى بذلك فلا بدّ من التأويل وارتكاب المجاز على ما ذهب إليه الخلف، والجملة تذييل مقرر لمضمونه ما قبله على سائر وجوهه. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي سافرتم في أرض الاستعداد لمحاربة عدو النفس أو لتحصيل أحوال الكمالات {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} أي تنقصوا من / الأعمال البدنية {أية : إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [النساء: 101] أي حجبوا عن الحق من قوى الوهم والتخيل، وحاصله الترخيص لأرباب السلوك عند خوف فتنة القوى أن ينقصوا من الأعمال البدنية ويزيدوا في الأعمال القلبية كالفكر والذكر ليصفوا القلب ويشرق نوره على القوى فتقل غائلتها فتزكو عند ذلك الأعمال البدنية، ولا يجوز عند أهل الاختصاص ترك الفرائض لذلك كما زعمه بعض الجهلة {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} ولم تكن غائباً عنهم بسيرك في غيب الغيب وجلال المشاهدة وعائماً في بحار «لي مع الله تعالى وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبـي مرسل» {فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} أي الأعمال البدنية {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ} وليفعلوا كما تفعل {وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ} من قوى الروح ويجمعوا حواسهم ليتأتى لهم المشابهة، أو ليقفوا على ما في فعلك من الأسرار فلا تضلهم الوسائس {فَإِذَا سَجَدُواْ} وبلغوا الغاية في معرفة ما أقمته لهم وأتوا به على وجهه {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ} ذابين عنكم اعتراض الجاهلين، أو قائمين بحوائجكم الضرورية {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ} منهم {لَمْ يُصَلُّواْ} بعد {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ} وليفعلوا فعلك {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} كما أخذ الأولون أسلحتهم، وإنما أمر هؤلاء بأخذ الحذر أيضاً حثاً لهم على مزيد الاحتياط لئلا يقصروا فيما يراد منهم اتكالاً على الأخذ بعد ممن أخذ أولاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحاصل هذا الإشارة إلى أن تعليم الشرائع والآداب للمريدين ينبغي أن يكون لطائفة طائفة منهم ليتمكن ذلك لديهم أتم تمكن، وقيل: الطائفة الأولى إشارة إلى الخواص، والثانية إلى العوام ولهذا اكتفى في الأول بالأمر بأخذ الأسلحة، وفي الثاني أمر الحذر أيضاً {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم قوى النفس الأمارة {لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ} وهي قوى الروح {وَأَمْتِعَتِكُمْ} وهي المعارف الإلهية {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وٰحِدَةً} ويرمونكم بنبال الآفات والشكوك ويهلكونكم {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى} بأن أصابكم شؤبوب {مّن مَّطَرٍ} يعني مطر سحائب التجليات {أَوْ كُنتُم مَّرْضَى} بحمى الوجد والغرام وعجزتم عن أعمال القوى الروحانية {أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ} وتتركوا أعمال تلك القوى حتى يتجلى ذلك السحاب وينقطع المطر وتهتز أرض قلوبكم بأزهار رحمة الله تعالى وتطفأ حمى الوجد بمياه القرب {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} عند وضع أسلحتكم واحفظوا قلوبكم من الالتفات إلى غير الله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ} من القوى النفسانية {أية : عَذَاباً مُّهِيناً} تفسير : [النساء: 102] أي مذلاً لهم وذلك عند حفظ القلب وتنور الروح {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ} أي أديتموها {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} في جميع الأحوال {قِيَاماً} في مقام الروح بالمشاهدة {وَقُعُوداً} في محل القلب بالمكاشفة {وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} أي تقلباتكم في مكان النفس بالمجاهدة {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ} ووصلتم إلى محل البقاء {فَإِذَا قَضَيْتُمُ} فأدوها على الوجه الأتم لسلامة القلب حينئذٍ عن الوساوس النفسانية التي هي بمنزلة الحدث عند أهل الاختصاص {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} تفسير : [النساء: 103] فلا تسقط عنهم ما دام العقل والحياة {وَلاَ تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَاءِ ٱلْقَوْمِ} الذين يحاربونكم وهم النفس وقواها {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ} منكم لمنعكم لهم عن شهواتهم {كَمَا تَأْلَمونَ} منهم لمعارضتهم لكم عن السير إلى الله تعالى {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ} أي تأملون منه سبحانه {مَا لاَ يَرْجُونَ} لأنكم ترجون التنعم بجنة القرب والمشاهدة، ولا يخطر ذلك لهم ببال، أو تخافون القطيعة وهم لا يخافونها {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} فيعلم أحوالكم وأحوالهم {أية : حَكِيماً} تفسير : [النساء: 104] فيفيض على القوابل حسب القابليات {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي علم تفاصيل الصفات وأحكام تجلياتها {بِٱلْحَقّ} متلبساً ذلك الكتاب بالصدق أو قائماً أنت بالحق لا بنفسك {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} خواصهم وعوامهم {بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ} أي بما علمك الله سبحانه / من الحكمة {وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ} الذين لم يؤدوا أمانة الله تعالى التي أودعت عندهم في الأزل مما ذكر في استعدادهم من إمكان طاعته وامتثال أمره {أية : خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105] تدفع عنهم العقاب وتسلط الخلق عليهم بالذل والهوان، أو تقول لله تعالى: يا رب لم خذلتهم وقهرتهم فإنهم ظالمون، ولله تعالى الحجة البالغة عليهم. {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ} من الميل الطبيعي الذي اقتضته الرحمة التي أحاطت بك {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 106] فيفعل ما تطلبه منه وزيادة {وَلاَ تُجَـٰدِلْ} أحداً {عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} بتضييع حقوقها {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً} لنفسه {أية : أَثِيماً} تفسير : [النساء: 107] مرتكباً الإثم ميالاً مع الشهوات {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ} بكتمان رذائلهم وصفات نفوسهم {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ} بإزالتها وقلعها {وَهُوَ مَعَهُمْ} محيط بظواهرهم وبواطنهم {إِذْ يُبَيّتُونَ} أي يدبرون في ظلمة عالم النفس والطبيعة {مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ} من الوهميات والتخيلات الفاسدة {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} تفسير : [النساء: 108] فيجازيهم حسب أعمالهم {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً} بظهور صفة من صفات نفسه {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} بنقص شيء من كمالاتها {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} ويطلب منه ستر ذلك بالتوجه إليه والتذلل بين يديه {أية : يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 110] فيستر ويعطي ما يقتضيه الاستعداد {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً} بإظهار بعض الرذائل {أَوْ إِثْماً} بمحو ما في الاستعداد {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} بأن يقول: حملني الله تعالى على ذلك، أو حملني فلان عليه {أية : فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 112] حيث فعل ونسب فعله إلى الغير ولو لم تكن مستعدة لذلك طالبة له بلسان الاستعداد في الأزل لم يفض عليه ولم يبرز إلى ساحة الوجود، ولذا أفحم إبليس اللعين أتباعه بما قص الله تعالى لنا من قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقّ} إلى أن قال: {أية : فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 22]، {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ} أي توفيقه وإمداده لسلوك طريقه {وَرَحْمَتُهُ} حيث وهب لك الكمال المطلق {لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} لعود ضرره عليهم، وحفظك في قلاع استعدادك عن أن ينالك شيء من ذلك {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} الجامع لتفاصيل العلم {وَٱلْحِكْــمَةَ} التي هي أحكام تلك التفاصيل مع العمل {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} من علم عواقب الخلق وعلم ما كان وما سيكون {أية : وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} تفسير : [النساء: 113] حيث جعلك أهلاً لمقام قاب قوسين أو أدنى ومنّ عليك بما لا يحيط به سوى نطاق الوجود {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ} وهو ما كان من جنس الفضول، والأمر الذي لا يعني {إِلا} نجوى {مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} وأرشد إلى فضيلة السخاء الناشىء من العفة، {أَوْ مَعْرُوفٍ} قولي كتعلم علم، أو فعلي كإغاثة ملهوف {أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} الذي هو من باب العدل {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} ويجمع بين تلك الكمالات {ٱبْتِغَاء مَرْضَاتَ ٱللَّهِ} لا للرياء والسمعة من كل ما يعود به الفضيلة رذيلة فسوف يؤتيه الله تعالى {أية : أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 114] ويدخله جنات الصفات {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} أي يخالف ما جاء به النبـي صلى الله عليه وسلم، أو العقل المسمى عندهم بالرسول النفسي {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي غير ما عليه أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم، ومن اقتفى أثرهم من الأخيار أو القوى الروحانية {نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} الحرمان {أية : وَسَاءتْ مَصِيراً} تفسير : [النساء: 115] لمن يصلاها {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً} وهي الأصنام المسماة بالنفوس إذ كل من يعبد غير الله تعالى فهو عابد لنفسه مطيع لهواها، أو المراد بالإناث الممكنات لأن كل ممكن محتاج ناقص من جهة إمكانه منفعل متأثر عند تعينه فهو أشبه كل شيء بالأنثى {أية : وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً} تفسير : [النساء: 117] وهو شيطان الوهم حيث قبلوا إغواءه وأطاعوه {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} أي أبعده عن رياض قربه {أية : وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} تفسير : [النساء: 118] وهم غير المخلصين الذين استثنوا / في آية أخرى {وَلأَضِلَّنَّهُمْ} عن الطريق الحق {وَلأَمَنّيَنَّهُمْ} الأماني الفاسدة من كسب اللذات الفانية {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ} أي فليقطعن آذان نفوسهم عن سماع ما ينفعهم {أية : وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 119] وهي الفطرة التي فطر الناس عليها من التوحيد {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} ووحدوا {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ} واستقاموا {أية : سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ} تفسير : [النساء: 122] جنة الأفعال وجنة الصفات وجنة الذات {لَّيْسَ} أي حصول الموعود {أية : بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [النساء:123] بل لا بد من السعي فيما يقتضيه، وفي المثل إن التمني رأس مال المفلس، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً} أي حالاً {مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} وسلم نفسه إليه وفنى فيه {وَهُوَ مُحْسِنٌ} مشاهد للجمع في عين التفصيل سالك طريق الإحسان بالاستقامة في الأعمال {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ} في التوحيد {حَنِيفاً } مائلاً عن السوي {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً} تفسير : [النساء: 125] حيث تخللت المعرفة جميع أجزائه من حيث ما هو مركب فلم يبق جوهر فرد إلا وقد حلت فيه معرفة ربه عز وجل فهو عارف به بكل جزء منه، ومن هنا قيل: إن دم الحلاج لما وقع على الأرض انكتب بكل قطرة منه الله؛ وأنشد:شعر : ما قدّ لي عضو ولا مفصل إلا وفيه لكم ذكر تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} لأن كل ما برز في الوجود فهو شأن من شؤونه سبحانه {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} [النساء: 126] من حيث إنه الذي أفاض عليه الجود، وهو رب الكرم والجود، لا رب غيره؛ ولا يرجى إلا خيره.
القطان
تفسير : ان كل ما في السموات والأرض ملك له، وهي من خلْقه مهما اختلفت صفات أفرادها. انها مملوكة له خاضعة لأمره، وهو مهيمن على كل شيء، يعلم علم إحاطةٍ بكل ما يعمل الانسان، ويجازيه بمقتضاه.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (126) - جَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مُلْكٌ للهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ المُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لاَ رَادَّ لِمَا قَضى، وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَيهِ فِي حُكْمِهِ، وَعِلْمُهُ نَافِذٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لاَ تَخْفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبحانه أوضح في آية سابقة أنه لا ولي ولا نصير للكافرين أو للمنافقين. ويؤكد لنا المعنى هنا: إياكم أن تظنوا أن هناك مَهْرَباً أو محيصاً أو معزلاً أو مفراً؛ فلله ما في السموات وما في الأرض، فلا السموات تُؤِوي هارباً منه، ولا مَن في السموات يعاون هارباً منه، وسبحانه المحيط علماً بكل شيء والقادر على كل شيء. ويقول الحق بعد ذلك: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذه الآية الكريمة فيها بيان إحاطة الله تعالى بجميع الأشياء، فأخبر أنه له { مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } أي: الجميع ملكه وعبيده، فهم المملوكون وهو المالك المتفرد بتدبيرهم، وقد أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات، ونفذت مشيئته وقدرته بجميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسماوات، وقهر بعزه وقهره كل مخلوق، ودانت له جميع الأشياء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):