٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
127
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه وهو أنه يذكر شيئاً من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والترغيب والترهيب ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إلۤهيته. ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير في القلوب، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول إلاّ إذا كان مقروناً بالوعد والوعيد، والوعد والوعيد لا يؤثر في القلب إلاّ عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد، فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق. إذا عرفت هذا فنقول: إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعاً كثيرة من الشرائع والتكاليف، ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى في ذلك، ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه، ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الاستفتاء طلب الفتوى يقال: استفتيت الرجل في المسألة فأفتاني إفتاء وفتياً وفتوى، وهما إسمان موضوعان موضع الافتاء، ويقال: أفتيت فلاناً في رؤيا رآها إذا عبرها قال تعالى: {أية : يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرات سِمَانٍ } تفسير : [يوسف: 46] ومعنى الافتاء إظهار المشكل، وأصله من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل، فالمعنى كأنه يقوى ببيانه ما أشكل ويصير قوياً فتياً. المسألة الثانية: ذكروا في سبب نزول هذه الآية قولين: الأول: أن العرب كانت لا تورث النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما ذكرنا في أول هذه السورة، فهذه الآية نزلت في توريثهم. والثاني: أن الآية نزلت في توفية الصداق لهن، وكان اليتيمة تكون عند الرجل فإذا كانت جميلة ولها مال تزوج بها وأكل مالها، وإذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها، فأنزل الله هذه الآية. المسألة الثالثة: اعلم أن الاستفتاء لا يقع عن ذوات النساء وإنما يقع عن حالة من أحوالهن وصفة من صفاتهن، وتلك الحالة غير مذكورة في الآية فكانت مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع عنه الاستفتاء. أما قوله تعالى: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } ففيه أقوال: الأول: أنه رفع بالابتداء والتقدير: قل الله يفتيكم في النساء، والمتلو في الكتاب يفتيكم فيهن أيضاً، وذلك المتلو في الكتاب هو قوله {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ } تفسير : [النساء: 3]. وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال النساء، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها، وما كان منها مبين الحكم في الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها. وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب، ألا ترى أنه يقال في المجاز المشهور: إن كتاب الله بيّـن لنا هذا الحكم، وكما جاز هذا جاز أيضاً أن يقال: إن كتاب الله أفتى بكذا. القول الثاني: أن قوله {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } مبتدأ و{فِى ٱلْكِتَـٰبِ } خبره، وهي جملة معترضة، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليهم وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من عظائم الأمور عند الله تعالى التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله. ونظيره في تعظيم القرآن قوله {أية : وَإِنَّهُ فِى أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ } تفسير : [الزخرف: 4]. القول الثالث: أنه مجرور على القسم، كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب، والقسم أيضاً بمعنى التعظيم. والقول الرابع: أنه عطف على المجرور في قوله {فِيهِنَّ } والمعنى: قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء، قال الزجاج: وهذا الوجه بعيد جداً نظراً إلى اللفظ والمعنى، أما اللفظ فلأنه يقتضي عطف المظهر على المضمر، وذلك غير جائز كما شرحناه في قوله {أية : تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } تفسير : [النساء: 1] وأما المعنى فلأن هذا القول يقتضي أنه تعالى في تلك المسائل أفتى ويفتي أيضاً فيما يتلى من الكتاب، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أنه تعالى يفتي فيما سألوا من المسائل: بقي هٰهنا سؤالان: السؤال الأول: بم تعلق قوله {فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء }. قلنا: هو في الوجه الأول صلة {يُتْلَىٰ } أي يتلى عليكم في معناهن، وأما في سائر الوجوه فبدل من {فِيهِنَّ }. السؤال الثاني: الإضافة في {يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء } ما هي؟ الجواب: قال الكوفيون: معناه في النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم، كما تقول: يوم الجمعة، وحق اليقين. وقال البصريون: إضافة الصفة إلى الاسم غير جائز فلا يقال مررت بطالعة الشمس، وذلك لأن الصفة والموصوف شيء واحد، وإضافة الشيء إلى نفسه محال. وهذا التعليل ضعيف لأن الموصوف قد يبقى بدون الوصف، وذلك يدل على أن الموصوف غير الصفة، ثم أن البصريين فرعوا على هذا القول وقالوا: النساء في الآية غير اليتامى، والمراد بالنساء أمهات اليتامى أضيفت إليهن أولادهن اليتامى، ويدل عليه أن الآية نزلت في قصة أم كحة، وكانت لها يتامى. ثم قال {ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ } قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث، وهذا على قول من يقول: نزلت الآية في ميراث اليتامى والصغار، وعلى قول الباقين المراد بقوله {مَا كُتِبَ لَهُنَّ } الصداق. ثم قال تعالى: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الرغبة والنفرة، فإن حملته على الرغبة كان المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، وإن حملته على النفرة كان المعنى: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن. واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة، ولا حجة لهم فيها لاحتمال أن يكون المراد: وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، والدليل على صحة قولنا: أن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر، فخطبها المغيرة بن شعبة ورغب أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها صغيرة وإنها لا تزوج إلاّ بإذنها، وفرق بينها وبين ابن عمر، ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز. ثم قال تعالى: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ } وهو مجرور معطوف على يتامى النساء كانوا في الجاهلية لا يورثون الأطفال ولا النساء، وإنما يورثون الرجال الذين بلغوا إلى القيام بالأمور العظيمة دون الأطفال والنساء. ثم قال تعالى: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } وهو مجرور معطوف على المستضعفين، وتقدير الآية: وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً } يجازيكم عليه ولا يضيع عند الله منه شيء.
البيضاوي
تفسير : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنّسَاء} في ميراثهن إذ سبب نزوله (أن عيينة بن حصن أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرنا أنك تعطي الابنة النصف والأخت النصف، وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة فقال عليه الصلاة والسلام:(حديث : كذلك أمرت) تفسير : {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} يبين لكم حكمه فيهن والافتاء تبيين المبهم. {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ} عطف على اسم الله تعالى، أو ضميره المستكن في يفتيكم وساغ للفصل فيكون الإِفتاء مسنداً إلى الله سبحانه وتعالى وإلى ما في القرآن من قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} ونحوه، والفعل الواحد ينسب إلى فاعلين مختلفين باعتبارين مختلفين، ونظيره أغناني زيد وعطاؤه، أو استئناف معترض لتعظيم المتلو عليهم على أن ما يتلى عليكم مبتدأ وفي الكتاب خبره. والمراد به اللوح المحفوظ، ويجوز أن ينصب على معنى ويبين لكم ما يملي عليكم أو يخفض على القسم كأنه قيل: وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب، ولا يجوز عطفه على المجرور في فيهن لاختلاله لفظاً ومعنى {فِي يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء} صلة يتلى إن عطف الموصول على ما قبله أي يتلى عليكم في شأنهن وإلا فبدل من فيهن، أو صلة أخرى ليفتيكم على معنى الله يفتيكم فيهن بسبب يتامى النساء كما تقول: كلمتك اليوم في زيد، وهذه الإِضافة بمعنى من لأنها إضافة الشيء إلى جنسه. وقرىء «ييامى» بياءين على أنه أيامى فقلبت همزته ياء. {ٱلَّلَـٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أي فرض لهن من الميراث. {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} في أن تنكحوهن أو عن أن تنكحوهن، فإن أولياء اليتامى كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات ويأكلون ما لهن، وإلا كانوا يعضلونهن طمعاً في ميراثهن والواو تحتمل الحال والعطف، وليس فيه دليل على جواز تزويج اليتيمة إذ لا يلزم من الرغبة في نكاحها جريان العقد في صغرها. {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ } عطف على يتامى النساء والعرب ما كانوا يورثونهم كما لا يورثون النساء. {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } أيضاً عطف عليه أي ويفتيكم أو ما يتلى في أن تقوموا، هذا إذا جعلت في يتامى صلة لأحدهما فإن جعلته بدلاً فالوجه نصبهما عطفاً على موضع فيهن، ويجوز أن ينصب وأن تقوموا بإضمار فعل أي: ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم، أو للقوام بالنصفة في شأنهم. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً } وعد لمن آثر الخير في ذلك. {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا } توقعت منه لما ظهر لها من المخايل، وامرأة فاعل فعل يفسره الظاهر. {نُشُوزاً } تجافياً عنها وترفعاً عن صحبتها كراهة لها ومنعاً لحقوقها. {أَوْ إِعْرَاضاً } بأن يقل مجالستها ومحادثتها. {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } أن يتصالحا بأن تحط له بعض المهر، أو القسم، أو تهب له شيئاً تستميله به. وقرأ الكوفيون {أَن يُصْلِحَا } من أصلح بين المتنازعين، وعلى هذا جاز أن ينتصب صالحاً على المفعول به، وبينهما ظرف أو حال منه أو على المصدر كما في القراءة الأولى والمفعول بينهما أو هو محذوف. وقرىء {يُصْلِحَا } من أصلح بمعنى اصطلح. {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } من الفرقة أو سوء العشرة أو من الخصومة. ولا يجوز أن يراد به التفضيل بل بيان أنه من الخيور كما أن الخصومة من الشرور، وهو اعتراض وكذا قوله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } ولذلك اغتفر عدم مجانستهما، والأول للترغيب في المصالحة، والثاني لتمهيد العذر في المماكسة. ومعنى إحضار الأنفس الشح جعلها حاضرة له مطبوعة عليه، فلا تكاد المرأة تسمح بالإِعراض عنها والتقصير في حقها ولا الرجل يسمح بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما ينبغي إذا كرهها أو أحب غيرها. {وَإِن تُحْسِنُواْ } في العشرة. {وَتَتَّقُواْ } النشوز والإِعراض ونقص الحق. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الإِحسان والخصومة.{خَبِيراً } عليماً به وبالغرض فيه فيجازيكم عليه، أقام كونه عالماً بأعمالهم مقام إثابته إياهم عليها الذي هو في الحقيقة جواب الشرط إقامة للسبب مقام المسبب. {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء } لأن العدل أن لا يقع ميل ألبتة وهو متعذر فلذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: «حديث : هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»تفسير : {وَلَوْ حَرَصْتُمْ } أي على تحري ذلك وبالغتم فيه. {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } بترك المستطاع والجور على المرغوب عنها، فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله. {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } التي ليست ذات بعل ولا مطلقة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل». تفسير : {وَإِن تُصْلِحُواْ } ما كنتم تفسدون من أمورهن. {وَتَتَّقُواْ } فيم يستقبل من الزمان. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } يغفر لكم ما مضى من ميلكم. {وَإِن يَتَفَرَّقَا } وقرىء وإن يفارق كل منهما صاحبه. {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ } منهما عن الآخر ببدل أو سلوة. {مِّن سَعَتِهِ } غناه وقدرته. {وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً حَكِيماً } مقتدراً متقناً في أفعاله وأحكامه. {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تنبيه على كمال سعته وقدرته. {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } يعني اليهود والنصارى، ومن قبلهم، و {ٱلْكِتَـٰبِ } للجنس و {مِنْ } متعلقة بـ {وَصَّيْنَا } أو بـ {أُوتُواْ } ومساق الآية لتأكيد الأمر بالإِخلاص. {وَإِيَّـٰكُمْ } عطف على الذين. {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بأن اتقوا الله، ويجوز أن تكون أن مفسرة لأن التوصية في معنى القول. {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} على إرادة القول أي: وقلنا لهم ولكم أن تكفروا فإن الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما وصاكم لرحمته لا لحاجته ثم قرر ذلك بقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً } عن الخلق وعبادتهم. {حَمِيداً} في ذاته حمد وإن لم يحمد. {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ذكره ثالثاً للدلالة على كونه غنياً حميداً، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه وبما أفاض عليها من الوجود وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميداً. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } راجع إلى قوله {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ }، فإنَّه توكل بكفايتهما وما بينهما تقرير لذلك. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } يفنكم، ومفعول يشأ محذوف دل عليه الجواب. {وَيَأْتِ بِـآخَرِينَ} ويوجد قوماً آخرين أو خلقاً آخرين مكان الإِنس. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ } من الإِعدام والإِيجاد. {قَدِيراً} بليغ القدرة لا يعجزه مراد، وهذا أيضاً تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر به وخالف أمره. وقيل: هو خطاب لمن عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب ومعناه معنى قوله تعالى: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ }تفسير : [محمد: 38] لما روي: حديث : أنه لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ظهر سلمان وقال: إنهم قوم هذا.
ابن كثير
تفسير : قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} ـ إلى قوله ـ { لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله، حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فنزلت هذه الآية، وكذلك رواه مسلم عن أبي كريب، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي أسامة. وقال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} الآية، قال: والذي ذكر الله أنه يتلى عليه في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3]، وبهذا الإسناد عن عائشة قالت: وقول الله عز وجل: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط؛ من أجل رغبتهم عنهن، وأصله ثابت في الصحيحين من طريق يونس بن يزيد الأيلي به. والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها؛ أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل، فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله عز وجل، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة؛ لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها. كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، وهي قوله: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ} الآية: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة، فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك، لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإن كانت جميلة وهويها، تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة، منعها الرجال أبداً حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك، ونهى عنه. وقال في قوله: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ} كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: {لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} فنهى الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال: {أية : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأَنْثَيَيْنِ} تفسير : [النساء: 11] صغيراً أو كبيراً. وكذا قال سعيد بن جبير وغيره. وقال سعيد بن جبير في قوله: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ} كما إذا كانت ذات جمال ومال، نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال، فانكحها واستأثر بها. وقوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} تهييجاً على فعل الخيرات وامتثال الأوامر، وأن الله عز وجل عالم بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَسْتَفْتُونَكَ } يطلبون منك الفتوى {فِى } شأن {ٱلنّسَاءِ } وميراثهن {قُلْ } لهم {ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ } القرآن من آية الميراث ويفتيكم أيضا {فِى يَتَٰمَى ٱلنّسَاء ٱلَّٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ } فرض {لَهُنَّ } من الميراث {وَتَرْغَبُونَ } أيها الأولياء عن {أَن تَنكِحُوهُنَّ } لدمامتهن وتعضلوهن أن يتزوجن طمعاً في ميراثهن أي يفتيكم أن لا تفعلوا ذلك {وَ} في {ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ } الصغار {مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ } أن تعطوهم حقوقهم {وَ} يأمركم {أَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } بالعدل في الميراث والمهر {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً } فيجازيكم به.
الشوكاني
تفسير : سبب نزول هذه الآية سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء، وأحكامهن في الميراث وغيره، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: {ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ } أي: يبين لكم حكم ما سألتم عنه، وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها، فسألوا، فقيل لهم: {ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ }. قوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } معطوف على قوله: {ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ } والمعنى: والقرآن الذي يتلى عليكم يفتيكم فيهن. والمتلوّ في الكتاب في معنى اليتامى قوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ } تفسير : [النساء: 3] ويجوز أن يكون قوله: {وما يتلى} معطوفاً على الضمير في قوله: {يُفْتِيكُمْ } الراجع إلى المبتدأ لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالمفعول والجار والمجرور، ويجوز أن يكون مبتدأ، و{في الكتاب} خبره على أن المراد به: اللوح المحفوظ، وقد قيل في إعرابه غير ما ذكرنا، ولم نذكره لضعفه. قوله: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء } على الوجه الأوّل والثاني صلة لقوله: {يُتْلَىٰ } وعلى الوجه الثالث بدل من قوله: {فِيهِنَّ }. {ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } أي: ما فرض لهنّ من الميراث وغيره {وَتَرْغَبُونَ } معطوف على قوله: {لاَ تُؤْتُونَهُنَّ } عطف جملة مثبتة على جملة منفية. وقيل: حال من فاعل {تُؤْتُونَهُنَّ }. وقوله: {أَن تَنكِحُوهُنَّ } يحتمل أن يكون التقدير في أن تنكحوهن، أي: ترغبون في أن تنكحوهنّ لجمالهنّ، ويحتمل أن يكون التقدير، وترغبون عن أن تنكحوهنّ لعدم جمالهنّ. قوله: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ } معطوف على يتامى النساء، أي: وما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين من الولدان، وهو قوله تعالى: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } تفسير : [النساء: 11]. وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا من كان مستضعفاً من الولدان، كما سلف، وإنما يورثون الرجال القائمين بالقتال وسائر الأمور. قوله: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } معطوف على قوله: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء } كالمستضعفين أي: وما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط، أي: العدل، ويجوز أن يكون في محل نصب، أي: ويأمركم أن تقوموا {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } في حقوق المذكورين: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً } يجازيكم بحسب فعلكم من خير وشر. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء } الآية، قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة، فلما كان الإسلام قال: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } في أوّل السورة في الفرائض. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا الصبيان شيئاً، كانوا يقولون لا يغزون، ولا يغنمون خيراً، ففرض الله لهنّ الميراث حقاً واجباً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن إبراهيم في الآية قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها، وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثونها، فأنزل الله هذا. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن عائشة في قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء } إلى قوله: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوّجها رجلاً، فتشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن عون عن الحسن، وابن سيرين في هذه الآية قال أحدهما: ترغبون فيهنّ، وقال الآخر: ترغبون عنهن.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} الآية. اختلف في سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: هو أن سبب نزولها أنهم في الجاهلية كانواْ لا يورثون النساء ولا الأطفال، فلما فرض الله تعالى المواريث في هذه السورة شق ذلك على الناس، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله تعالى: {اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} فيه قولان. أحدهما: يعني المواريث، وهذا قول ابن عباس بن جبير وقتادة مجاهد وابن زيد. والثاني: أنهم كانواْ لا يؤتون النساء صدقاتهن ويتملكها أولياؤهن، فلما نزل قوله تعالى: {وَءَاتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله تعالى: {اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} يعني ما فرض لهن من الصداق وهو قول عائشة. {وترغبون أن تنكحوهن} فيه تأويلان: أحدهما: ترغبون عن نكاهن لقبحهن. والثاني: تمسكونهن رغبة في أموالهن وجمالهن، وهو قول عائشة.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ} كانوا لا يورثون النساء ولا الأطفال فلما نزلت المواريث شق عليهم فسألوا فنزلت {لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} من الميراث، أو كانوا لا يؤتون النساء صدقاتهن بل يتملكه الأولياء فلما نزل {أية : وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} تفسير : [النساء: 4] سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت فقوله {لا تُؤُتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أراد به "الصداق" {وَتَرْغَبُونَ} عن نكاحهن لقبحهن وتمسكوهن رغبة في أموالهن، أو {وَتَرْغَبُونَ} في نكاحهن رغبة في أموالهن، أو جمالهن.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {يصلحا} من الإصلاح: عاصم وعلي وحمزة وخلف. الباقون. {يصالحا} من التصالح وإدعام التاء في الصاد {إن يشأ} حيث كان بغير همز: الأعشى وأوقيه وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف. {وإن تلوا} بواو واحدة: ابن عامر وحمزة. الباقون بالواوين {نزل} و {أنزل} كلاهما على ما لم يسم فاعله من التنزيل والإنزال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون: {نزل} و {أنزل} مبنيين للفاعل من التنزيل والإنزال أيضاً. {وقد نزل} مشدداً مبنياً للفاعل: عاصم ويعقوب. الباقون مبنياً للمفعول. الوقوف: {في النساء} ط {فيهن} لا للعطف أي الله والمتلو يفتيكم {الولدان} لا للعطف أيضاً أي في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا {بالقسط} ط {عليماً} ه {صلحاً} ط {خير} ط {الشح} ط {خبيراً} ه {كالمعلقة} ط {رحيماً} ه {سعته} ط {حكيماً} ه {وما في الأرض} ط {أن اتقوا الله} ط {وما في الأرض} ط {حميداً} ه {وما في الأرض} ط {وكيلاً} ه {بآخرين} ط {قديراً} ه {والآخرة} ط {بصيراً} ه {والأقربين} ج لابتداء الشرط مع اتفاق المعنى {أن تعدلوا} ج لذلك {خبيراً} ه {من قبل} ط {بعيداً} ه {سبيلاً} ه {أليماً} ه لا لأن "الذين" صفة المنافقين وإن كان يحتمل النصب والرفع على الذم {المؤمنين} ط {جميعاً} ه {غيره} ج لأن ما بعده كالتعليل. / {مثلهم} ط {جميعاً} ه لا لأن ما بعده صفة المنافقين. {لكم} ج لابتداء الشرط مع أنه بيان التربص {معكم} ز لترجيح جانب العطف وإتمام بيان النفاق. {نصيب} لا لأن {قالوا} جواب: "إن" {المؤمنين} ط {القيامة} ط {سبيلاً} ه. التفسير: أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق والبعث على قبول التكاليف هو ما عليه القرآن الكريم من اقتران الوعد بالوعيد وخلط الترغيب بالترهيب وضم الآيات الدالة على العظمة والكبرياء إلى بيان الأحكام. والاستفتاء طلب الفتوى. يقال: استفتيت الرجل فأفتاني إفتاء وفتيا وفتوى وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء وهو إظهار المشكل من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل كأنه قوي بيانه ما أشكل فشب وصار فتياً قوياً. والاستفتاء لا يقع في ذوات النساء وإنما يقع في حالة من أحوالهن فلذلك اختلفوا؛ فعن بعضهم أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما مر في أول السورة فنزلت في توريثهم. وقيل: إنه في الأوصياء. وقيل: في توفية الصداق لهن كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإن كانت جميلة ومال إليها تزوج بها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها. أما قوله: {وما يتلى عليكم} ففيه وجوه: أحدها أنه رفع بالابتداء معطوفاً على اسم الله أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب يفتيكم أيضاً. ويجوز أن يكون رفعاً على الفاعلية لكونه عطفاً على المستتر في يفتيكم، وجاز بلا تأكيد للفصل أي يفتيكم الله والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى كقولك: أعجبني زيد وكرمه. وذلك المتلو هو قوله: {أية : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} تفسير : [النساء:3] كما سلف في أول السورة جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب. وثانيها {وما يتلى عليكم} مبتدأ و {في الكتاب} خبره وهي جملة معترضة ويكون المراد من الكتاب اللوح المحفوظ. والغرض تعظيم حال هذه الآية وأن المخل بها وبمقتضاها من رعاية حقوق اليتامى ظالم متهاون بما عظمه الله، ونظيره في تعظيم القرآن قوله: {أية : وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم} تفسير : [الزخرف:4] وثالثها أنه مجرور على القسم لمعنى التعظيم أيضاً كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وحق المتلو. ورابعها أن يكون مجروراً على أنه معطوف على المجرور في {فيهن} قال الزجاج: إنه ليس بسديد لفظاً لعدم إعادة الخافض، ومعنى لأنه لا معنى لقوله القائل: يفتي الله فيما يتلى عليكم من الكتاب، لأن الإفتاء إنما يكون في المسائل. وقوله: {في يتامى النساء} على الوجه الأول صلة {يتلى} أي يتلى عليكم في معناهن أو بدل من {فيهن} وعلى سائر الوجوه بدل من {فيهن} لا غير. والإضافة في {يتامى النساء} قال الكوفيون: إنها إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله في النساء اليتامى. وقال البصريون: إنها / على تأويل جرد قطيفة وسحق عمامة. وجوز بعضهم أن يكون المراد بالنساء أمهات اليتامى كما في قصة أم كجة. ومعنى {لا تؤتونهن ما كتب لهن} قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث بناء على أنها نزلت في ميراث اليتامى والصغار. وقال غيره: يعني ما كتب لهن من الصداق. {وترغبون أن تنكحوهن} قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الشهوة والنفرة أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، أو ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن احتج أصحاب أبي حنيفة بالآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة. ورد باحتمال أن يكون المراد وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، ولأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر فخطبها المغيرة بن شعبة ورغبت أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : إنها صغيرة وأنها لا تزوج إلا بإذنها وفرق بينها وبين ابن عمرتفسير : . ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز {والمستضعفين من الولدان} نزلت في ميراث الصغار. والخطاب في {أن تقوموا} للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم. قيل: ويجوز أن يكون {وأن تقوموا} منصوباً أي ويأمركم أن تقوموا. ومن جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء لكن لم يتقدم ذكره. قوله {وإن امرأة خافت} ارتفاع {امرأة} بفعل يفسره خافت أي علمت. وقيل: ظنت والظاهر أنه على معناه الأصلي إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور العلامات الدالة على وقوع المخوف كأن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو مسنة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل الزوج، والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل منهما صاحبه ويتبع نشوز الرجل أن يعرض عنها ويقبح وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها. عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول: أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها. ومعنى الصلح وهو مصدر من غير لفظ الفعل مثل {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً} تفسير : [نوح:17] {أن يصالحا} على أن تطيب المرأة له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو عن المهر والنفقة فإن هذه الأمور هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى. أما الوطء فليس كذلك لأن الزوج لا يجبر على الوطء {والصلح خير} من الفرقة أو من النشوز والإعراض فاللام للعهد، أو هو خير من الخصومة في كل شيء فاللام للاستغراق وبه تمسك أصحاب أبي حنيفة في جواز الصلح على الإنكار، أو الصلح خير من الخيرات كما أن الخصومة شر من الشرور, والجملة معترضة، وكذا قوله: {وأحضرت الأنفس الشح} إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب محصل للمقصود. والشح البخل مع / حرص، وأرض شحاح لا تسيل إلا من مطر كثير. جعل الشح كالأمر الحاضر للنفوس لأنها جلبت على ذلك. ثم يحتمل أن يكون هذا تعريضاً بالمرأة أنها تشح ببذل نصيبها أو حقها، أو بالزوج أنه يشح بأنه ينقضي عمره معها مع دمامتها وكبر سنها وعدم الالتذاذ بصحبتها. واعلم أنه رخص أولاً في الصلح بقوله: {فلا جناح عليهما} وغايته ارتفاع الإثم، ثم بين أنه كما لا جناح فيه فكذلك فيه خير كثير. ثم حث على الإحسان والتقوى وحسم مادة الخصومة رأساً فقال: {وإن تحسنوا} أي بالإقامة على نسائكم {وإن كرهتموهن} وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة المحوجة إلى الصلح {فإن الله كان بما تعملون} من الإحسان والتقوى {خبيراً} فيثيبكم على ذلك. وعلى هذا فالخطاب للأزواج، وقيل: الخطاب للزوجين أن يحسن كل منهما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم. وقيل: لغيرهما أن يحسنوا في المصالحة بينهما ويتقوا الميل إلى واحد منهما. يحكى أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم. فأجالت يوماً نظرها في وجهه ثم قالت: الحمد لله. فقال: مالك؟ فقالت: حمدت الله على إني وإياك من أهل الجنة. لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر من أهل الجنة. {ولن تستطيعوا أن تعدلوا} لن تقدروا على التسوية بين النساء في ميل الطباع {ولو حرصتم} وإذا لم تقدروا عليها بحيث لا يقع ميل ألبتة ولا زيادة ولا نقصان لم تكونوا مكلفين به، وهذا تفسير يناسب مذهب المعتزلة من أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز {فلا تميلوا كل الميل} أي رفع عنكم تمام العدل وغايته ولكن ائتوا منه ما استطعتم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم. وبوجه آخر لن تستطيعوا التسوية في الميل القلبي {ولو حرصتم} ولا التسوية الكلية في نتائج الحب من الأقوال والأفعال لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال {فلا تميلوا كل الميل} فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها وسائر حقوقها وحظوظها من غير رضا منها {فتذروها كالمعلقة} بين السماء والأرض لا على قرار أي غير ذات بعل ولا مطلقة. والغرض النهي عن الميل الكلي مع جواز التفريط في العدل الكلي في نتائج الميل القلبي، وأما الميل القلبي فمعفو بالكل وبالبعض لأن القلب ليس في تصرف الإنسان وإنما هو بين أصبعين من أصابع الرحمن. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل فيقول: "حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" تفسير : يعني المحبة لأن / عائشة كانت أحب إليه. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كانت له امرأتان يميل مع أحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" تفسير : {وإن تصلحوا} ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة {وتتقوا} فيما يستقبل {فإن الله كان غفوراً رحيماً وإن يتفرقا يغن الله كلاً} يرزق كل واحد منهما زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشته. والسعة الغنى والمقدرة {وكان الله واسعاً} من الرزق والفضل والرحمة والعلم وأي كمال يفرض ولهذا أطلق. {حكيماً} قال ابن عباس: فيما حكم ووعظ. وقال الكلبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان. ثم قال: {ولله ما في السموات وما في الأرض} وهو كالتفسير لسعة ملكه وملكه. وفيه أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنسوان ليس لعجز أو افتقار وإنما يعود فائدة ذلك إلى المكلف لأنه الأحسن له في دنياه وعقباه. ثم بين أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة لم يلحقها نسخ وتبديل، وإن استغناءه تعالى بالنسبة إلى الأمم السالفة كهو بالنسبة إلى الأمم الآتية فقال: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب} أي جنسه ليشمل التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف. وقوله: {من قبلكم} إما أن يتعلق بـ {وصينا} أو بـ {أوتوا} وقوله: {وإياكم} عطف على {الذين} ومعنى {أن اتقوا} بأن اتقوا وتكون "أن" المفسرة لأن التوصية في معنى القول. {وإن تكفروا} عطف على {اتقوا} أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى. وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصى يخشون عقابه ويرجون ثوابه. أو قلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة وغيرهم من يوحده ويعبده ويتقيه {وكان الله} مع ذلك {غنياً} عن خلقه وعن عباداتهم {حميداً} في ذاته وإن لم يحمده واحد منهم. ثم كرر قوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً} تقريراً لأنه أهل أن يتقى وتوكيداً لاستغنائه عن طاعات المطيعين وسيئات المذنبين. ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: {إن يشأ يذهبكم} يعدمكم أيها الناس {ويأت بآخرين} يوجد خلقاً آخرين غير الإنس أو من جنس الإنس {وكان الله} على ذلك الإعدام ثم الإيجاد {قديراً} بليغ القدرة لم يزل موصوفاً بذلك ولن يزال كذلك. وفي الآية من التخويف والغضب ما لا يخفى. وقيل: الخطاب لأعداء النبي صلى الله عليه وسلم من العرب والمراد بآخرين ناس يوالونه. يروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم / بيده على ظهر سلمان وقال: حديث : إنهم قوم هذا يريد أبناء فارستفسير : . ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال: {من كان يريد ثواب الدنيا} كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} فماله يطلب الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس. فالتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء بالشرط {وكان الله سميعا} لأقوال المجاهدين والطالبين {بصيراً} بمطامح عيونهم ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك. ثم بيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله فقال: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل {شهداء لله} لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره. وفي كلام الحكماء: "إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى". أو المراد الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول: أشهد أنّ لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا. وإنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لله عكس قوله: {أية : شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط} تفسير : [آل عمران:18] لأنّ شهادة الله تعالى عبارة عن كونه خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل في تلك المخلوقات، والأول مقدم علىالثاني. وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم {إن يكن} المشهود عليه {غنياً أو فقيراً} فلا تكتموا الشهادة طلباً لرضا الغني أو ترحماً على الفقير {فالله أولى} بأمورهما ومصالحهما. وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد هذين إلاّ أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها. قال السدي: حديث : اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم غني وفقير وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير تفسير : وأنزل الآية. وقوله: {أن تعدلوا} يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق. واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى. ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر {وأن تلووا} بواوين من لوى يلوي إذا فتل، وبواو واحدة من الولاية والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل {أو تعرضوا} عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها. واعلم أن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلاّ / إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا} وظاهر مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل. فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: {يا أيها الذين آمنوا} في الماضي والحاضر {آمنوا} في المستقبل أي دوموا على الإيمان واثبتوا. الثاني: {يا أيها الذين آمنوا} تقليداً {آمنوا} استدلالاً. الثالث: {يا أيها الذين آمنوا} استدلالاً إجمالياً {آمنوا} استدلالاً تفصيلياً. الرابع: {يا أيها الذين آمنوا} بالله وملائكته وكتبه ورسله {آمنوا} بأن كنه الله تعالى وعظمته وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا ينتهي إليها عقولكم. الخامس قال الكلبي: حديث : إن عبد الله بن سلام وأسداً وأسيداً ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فأنزل الله هذه الآية فآمنوا بكل ذلكتفسير : . وقيل: إن المخاطبين ليسوا هم المسلمين والتقدير: {يا أيها الذين آمنوأ} بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل {آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وبجميع الكتب المنزلة من قبل لا ببعضها فقط، لأن طريق العلم بصدق النبي هو المعجز وأنه حاصل في الكل، فالخطاب لليهود والنصارى. أو {يا أيها الذين آمنوا} بالسان {آمنوا} بالقلب فهم المنافقون, أو {يا أيها الذين آمنوا} باللات والعزى {آمنوا} بالله فهم المشركون، والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل جنسه. فإن قيل: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب. وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة؟ أجيب بأن الإيمان بالثلاثة يلزم منه الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر، لكنه ربما ادّعى الإنسان أنه يؤمن بالثلاثة ثم إنه ينكر الملائكة واليوم الآخر لتأويلات فاسدة، فلما كان هذا الاحتمال قائماً نص على أن منكر الملائكة والقيامة كافر بالله. فإن قيل: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب في مراتب الكفر عكس الأمر؟ فالجواب أن الكتاب مقدم على الرسول في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق، وأما في العروج فالرسول مقدم على الكتاب. وبوجه آخر الرسول الأول هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والرسل عام له ولغيره، فلما خص ذكره أولاً للتشريف جعل ذكره تالياً لذكر الله لمزيد التشريف ولبيان أفضليته صلى الله عليه وسلم. ثم لما رغب في الإيمان والثبات عليه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فقال: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً} والمراد الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان تارات وأطواراً. قال القفال: وليس المراد بيان العدد بل المراد ترددهم وتمرنهم على ذلك. وقيل: اليهود هم آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: هم المنافقون أظهروا الإسلام / ثم كفروا بنفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ثم ازدادوا كفراً بجدهم واجتهادهم في استخراج وجوه المكايد في حق المسلمين. قيل: هم طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: {أية : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} تفسير : [آل عمران:72] ثم إنهم بالغوا في ذلك وازدادوا إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام. وفي الآية دلالة على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وذلك يبطل مذهب القائلين بالموافاة وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت الشخص على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان. وفيها أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان فيجب أن يكون الإيمان كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذا الآخر. وكيف يزداد كفرهم فيه وجوه: أحدهها أنهم ماتوا على كفرهم. وثانيها بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم وعلى هذا فإصابة الطاعات وقت الإيمان تكون زيادة في الإيمان. وثالثها استهزاؤهم بالدين. أما قوله تعالى: {لم يكن الله ليغفر لهم} فقيل عليه اللام تفيد نفي التأكيد وهذا لا يليق بالوضع إنما اللائق به تأكيد النفي. وأجيب بأن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم أفاد تأكيد النفي. ثم أورد عليه أن الكفر قبل التوبة غير مغفور على الإطلاق وحينئذٍ تضيع الشرائط المذكورة في الآية، وبعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة فكيف يصح النفي؟ وأجيب بأن اللام في الذين لمعهودين وهم قوم علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر لا يتوبون عنه قط، فقوله: {لم يكن الله ليغفر لهم} إخبار عن موتهم على الكفر، أو اللام للاستغراق وخرج الكلام على الغالب المعتاد وهو أن من كان مضطرب الحال كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه وقع واحتشام. فالظاهر من حال مثله أنه يموت على الكفر، فليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب كالفاسق يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يرجى منه الثبات والغالب أنه يموت على الفسق. {ولا ليهديهم سبيلاً} أي إلى الإيمان عند الأشاعرة، وعند المعتزلة إلى الجنة. أو محمول على المنع من زيادة الألطاف. {بشر المنافقين} تهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتهم الضرب {أيبتغون عندهم العزة} كان المنافقون يوادّون اليهود اعتقاداً منهم أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لا يتم وحينئذٍ يبتغون بودّهم أن يحصل لهم بهم قوة وغلبة، فخيّب الله آمالهم بقوله: {فإن العزة لله جميعاً} وعزّة الله تستتبع عزة الرسول والمؤمنين كقوله: {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} تفسير : [المنافقون:8] و{جميعاً} حال من العزة أي مجموعة. قال المفسرون: إنّ المشركين كانوا بمكة يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به / وبين أظهرهم المسلمون ولا يتهيّأ لهم حينئذِ الإنكار عليهم ظاهراً فنزلت إذا ذاك. {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ويجالسهم بعض المنافقين فأنزل الله تعالى في هؤلاء المنافقين {وقد نزل عليكم في الكتاب} معنى آية الأنعام {أن إذا سمعتم آيات الله} هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله حال كونها يكفر بها ويستهزأ بها. وقال الكسائي: المعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات كما يقال: سمعت عبد الله يلام وفيه نظر، لأنّ إيقاع فعل السماع على الآيات ممكن بخلاف إيقاعه على عبد الله. {إنكم} أيها المنافقون {إذا مثلهم} مثل الأحبار في الكفر و "إذن" ههنا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر ولذلك لم يذكر بعدها الفعل أي إذن تكونوا مثلهم، وأفرد {مثلهم} لأنها في معنى المصدر نحو {أية : أنؤمن لبشرين مثلنا}تفسير : [المؤمنون:47] وقد جمع في قوله: {أية : ثم لا يكونوا أمثالكم} تفسير : [محمد:38] وإنما لم يحكم بكفر المسلمين بمكة لمجالسة المشركين الخائضين وحكم بنفاق هؤلاء بالمدينة لمجالسة أحبار اليهود الخائضين، لأن مجالسة أولئك المسلمين كانت للضرورة وفي أوان ضعف الإسلام ولم يرد نهي بعد، ومجالسة هؤلاء المنافقين كانت في وقت الاختيار وقوة الإسلام وبعد ورود النهي. قال أهل العلم: في الآية دليل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان شريكهم في الإثم. ثم حقق كون المنافقين مثل الكافرين بقوله: {إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} يعني القاعدين والمقعود معهم. والضمير في {معهم} يعود إلى الكافرين المستهزئين بدلالة {يكفر بها ويستهزأ بهأ} وأراد {جامع} بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين تخفيفاً في اللفظ. والمعنى أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المرء مع من أحب" تفسير : {يتربصون بكم} ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من نصر أو إخفاق. {فإن كان لكم فتح من الله} ظهور على اليهود {قالوا ألم نكن معكم} مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة {وإن كان للكافرين} أي اليهود نصيب استيلاء مّا في الظاهر {قالوا ألم نستحوذ عليكم} الحوذ السوق السريع والاستحواذ الغلبة. وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح واستصوب. وفي الآية وجهان: الأول ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك {ونمنعكم من المؤمنين} بأن ثبطناهم عنكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم. الثاني أنّ أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام. ثم إنّ المنافقين نفروهم / وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد صلى الله عليه وسلم ويقوى أمركم. فالمراد ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وأرشدناكم إلى مصالحكم فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم. وفي تسمية ظفر المؤمنين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً تثبيت للمؤمنين وتعظيم لما هم عليه من الدين وتحقير لشأن الكافرين وتوهين لأمرهم، فكان ظفر المسلمين أمر عظيم يفتح له أبواب السماء حين ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين حظ دنيوي ينقضي ولا يبقى منه إلاّ الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} أي بين المؤمن والمنافق. والغرض أنه يقال: ما وضع السيف على المنافقين في الدنيا ولكن أخر عقابهم إلى يوم القيامة {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} قال علي وابن عباس: المراد في الدنيا ولكن بالحجة أي حجة المسلمين غالبة على حجة الكل. وقيل: في الآخرة. وقيل: عام في الكل. والشافعي بنى عليه مسائل منها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه إلى دار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية. ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً. ومنها أنّ المسلم لا يقتل بالذمي والله تعالى أعلم. التأويل: النفس للروح كالمرأة للزوج و {يتامى النساء} صفات النفوس و {ما كتب لهن} ما أوجب الله للنفوس من الحقوق. وحاصل المعنى أنّ نفسك مطيتك فارفق بها وإليه الإشارة بقوله: {والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح} فالروح تشح بترك حقوق الله، والنفس تشح بحظوظها {فلا تميلوا كل الميل} في رفض حظوظ النفس {فتذروها كالمعلقة} بين العالم العلوي والعالم السفلي {وإن يتفرّقا} أي الروح والنفس فالروح تجتذب بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله في عالم هويته لتستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود. والنفس تجتذب عن الروح بجذبة ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله في عالم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي {يا أيها الذين آمنوا آمنوا} للإيمان ثلاث مراتب: إيمان للعوام أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث والجنة والنار والقدر وهذا إيمان غيبي، وإيمان للخواص وهو أنه تعالى إذا تجلّى للعبد بصفة من صفاته خضع له جميع أجزاء وجوده وآمن بالكلية وهذا إيمان عياني، وإيمان للأخص وهو بعد رفع الحجب الأنانية حين أفناه بصفة الجلال وأبقاه بصفة الجمال فلم يبق له إلا عين وبقي في العين وهذا إيمان عيني {إنّ الذين آمنوا} أي بالتقليد {ثم كفروا} إذ لم يكن للتقليد أصل {ثم آمنوا} بالاستدلال العقلي {ثم كفروا} إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور الإلهي {ثم ازدادوا كفراً} بالشبهات والاعتراضات {لم يكن الله} في الأزل غافراً لهم بنوره عند الرش {ولا ليهديهم سبيلاً} اليوم لأن الأصل لا يخطىء {بشر المنافقين} أي بشرهم بأن أصلهم من / جوهر الكفار ولهذا اتخذوا الكافرين أولياء فإنّ ائتلافهم ههنا نتيجة تعارف أرواحهم وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون. /
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ...} الآية: معنَىٰ قوله: {يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ}: أي: يبيِّن لكم حكم ما سألتم عنه. قال * ع *: تحتملُ «ما» أنْ تكونَ في موضع رفعٍ؛ عطفاً على اسمِ اللَّهِ عزَّ وجل، أي: ويفتيكم ما يتلَىٰ عليكم في الكتابِ، يعني: القُرآن، والإشارة بهذا إلَىٰ ما تقدَّم من الآية في أمْر النِّساء، وهو قوله تعالَىٰ في صدر السورة: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنِّسَاءِ... } تفسير : [النساء:3]، قالت عائشةُ: نزلت هذه الآية أوَّلاً، ثم سأل ناسٌ بعدها رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ أَمْر النساءِ، فنزلَتْ، {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ...} الآية. وقوله تعالى: {فِي يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّـٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ}: معناه: النهْيُ عما كانَتِ العربُ تفْعَلُه من ضَمِّ اليتيمة الجميلةِ بدُونِ ما تستحقُّه من المَهْر، ومِنْ عَضْلِ الدميمةِ الغنيَّة حتى تموتَ، فيرثها العاضلُ، والذي كَتَبَ اللَّه لهنَّ هو توفيةُ ما تستحقُّه مِنْ مَهْرٍ. وقوله تعالى: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ}، أي: إنْ كانت الجاريةُ غنيَّةً جميلةً، فالرغبةُ في نكاحِهَا، وإن كانَتْ بالعَكْس، فالرغبة عَنْ نكاحها. وقوله تعالى: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ} عَطْفٌ علَىٰ «يتامى النساء»، والَّذي يُتلَىٰ في المستَضْعَفِينَ مِنَ الولدان هو قولُهُ تعالَىٰ: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِي أَوْلَـٰدِكُمْ...} تفسير : [النساء:11]؛ وذلك أن العرب كانَتْ لا تورِّثُ الصَّبِيَّةَ، ولا الصبيَّ الصغيرَ، ففرضَ اللَّه تعالَىٰ لكلِّ واحدٍ حقَّه. وقوله تعالى: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ}: عطْفٌ أيضاً علَىٰ ما تقدَّم، والذي تُلِيَ في هذا المعنَىٰ هو قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ...}تفسير : [النساء:2]، إلَىٰ غَيْر ذلك ممَّا ذُكِرَ في مال اليتيمِ، والقِسْطُ: العَدْل، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : أي: يستَخْبِرُونك في النِّسَاء. قال الواحدي - رحمه الله -: الاستِفْتَاء: طَلَب الفَتْوَى، يقال: اسْتَفْتَيْتُ الرَّجل في المَسْألة؛ فأفْتَاني إفتاءاً وفُتْياً وفَتْوًى، [وهما] اسمْان وُضِعَا موضع الإفْتَاء، ويُقَال: أفْتَيْت فُلاناً في رؤيا رآهَا إذا عَبَّرها، قال - تعالى -: {أية : يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ} تفسير : [يوسف: 46]، ومعنى: أفتنا: إظْهار المُشْكِل، وأصْلُه: من الفَتَى: وهو الشَّابُّ القَوِي، فالمعنى: كأنَّه يَقْوى بِفتيانِهِ، والمُشْكِل إذا زَالَ إشْكَالُه بِبيَانِهِ مَا أشْكِل، يصيرُ قويّاً فَتِيًّا. واعلم: أنَّ عَادَة اللَّه فِي ترتيب هذا الكِتَابِ الكَرِيمِ، أنْ يَذكُر الأحْكَام، ثَمَّ يذْكُرُ عَقِيبه آياتِ الوَعدِ والوَعِيدِ، والتَّرغِيب والتَّرهيب، ويخلط بها آياتٍ دَالةً على كِبْرِياء اللَّه - تعالى - وجلالِ قُدْرَتِه، ثم يَعُود إلى بَيَان الأحْكَام، وهذا أحْسَن أنواع التَّرْتِيب، وأقوى تَأثِيراً في القُلُوب؛ لأن التَّكْلِيف بالأعْمَال الشَّاقَّةِ لا يقع مَوْقِعِ القُبُول، إلا إذا اقْتَرن بالوَعْد والوَعِيد، وذلك لا يُؤثِّر إلا عند القَطْع بِغَايَةِ كَمَال من صَدَر عنه الوَعْد والوَعِيد. قوله [تعالى]: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} الآية اعلم: أن الاستِفْتَاء لا يقع عن ذَوات النِّساء، وإنَّما يقع عن حَالةٍ من أحْوَالِهِنّ، وصفة من صِفاتِهِن، وتلك الحَالَة غير مَذْكُورة في الآية، فكانت مُجْمَلة غير دَالَّة على الأمْر الذي وقع عَنْه الاستِفْتَاءِ. فصل في سبب نزول الآية قال القُرْطُبِي: هذه الآية نَزَلَت بسبب قَوْم من الصَّحَابة، سألوا عن أمر النِّسَاء وأحْكَامِهِن في المِيرَاث وغير ذَلِك، فأمَر اللَّه نبيَّه - عليه الصلاة والسلام - أن يَقُول لَهُم: {ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} أي: يبيِّن لكم حُكْم ما سَألْتُم عَنْه، وهذه الآيَة رُجوعٌ إلى ما افْتُتِحَتْ به السُّورة من أمْر النِّسَاءِ، وكانَ قد بَقِيتْ لهم أحْكَام لم يَعْرِفُوها، فسألوا؛ فقيل لهُم: [إن] الله يُفْتيكُم فيهنَّ. [وروي عن مَالِكٍ قَالَ: كان رسُول الله صلى الله عليه وسلم يسأل فلا يُجيبُ حتى ينزل عليه الوحي، وذلك في كِتَاب الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ}] {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ} تفسير : [البقرة: 220] {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} تفسير : [البقرة: 219] {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} تفسير : [طه: 105] و {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} تفسير : [المائدة: 4]. "وما يُتْلى": فيه سَبْعَة أوْجه، وذلك أن مَوْضع "ما" يحتمل أن يكُون رفعاً، أو نصباً، أو جراً، فالرَّفعُ من ثَلاَثة أوْجُه: أحدها: أن يكون مرفوعاً، عَطْفاً على الضَّمِير المستكِنِّ في "يُفتيكم" العائد على الله - تعالى -، وجاز ذلك للفَصْل بالمَفْعُول والجَارِّ والمَجْرُور، مع أن الفَصْلَ بأحدهما كافٍ. والثَّانِي: أنه مَعْطُوفٌ على لَفْظِ الجلالة فَقَطَ؛ ذكره أبو البقاء وغيرُه، وفيه نَظَر؛ لأنه: إمَّا أنْ يُجْعَلَ من عَطْف مفردٍ على مُفْردٍ، فكان يَجِبُ أن يُثَنَّى الخَبرُ، وإن توسَّط بين المُتَعَاطفين، فيقال: "يُفْتِيانِكُم"، إلاَّ أنَّ ذلك لا يجُوز، ومَنِ ادَّعى جَوازَه، يَحْتاج إلى سَمَاع من العَرَب، فيقال: "زيد قَائِمَان وعَمْرو"، ومثلُ هذا لا يجُوز، وإمَّا أن يُجْعَلَ من عَطْف الجُمَل، بمَعْنَى: أنَّ خبرَ الثَّاني محذوفٌ، أي: وما يُتْلَى عَلَيْكُم، يُفْتيكم، فيكون هذا هو الوَجْه الثَّالث - وقد ذكروه - فَيَلْزَم التَّكْرَار. والثالث من أوْجُه الرَّفع: أنه رَفْع بالابْتِدَاء، وفي الخبَر احْتِمَالان: أحدهما: أنه الجَارُّ بعده، وهو "فِي الكِتَابِ" والمرادُ بـ "ما يتلى" القرآنُ، وبـ "الكتاب": اللوحُ المحفوظ، وتكُونُ هذه الجُمْلَة معترضةً بين البدل والمُبْدَل منه، على ما سيأتي بَيَانُه، وفائدةُ الإخْبَار بذلك: تَعْظِيمُ المَتْلوِّ، ورفعُ شأنه؛ كقوله: {أية : وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} تفسير : [الزخرف: 4]. والاحتمال الثاني: أن الخبر مَحْذُوفٌ، أي: والمتلوُّ عَلَيْكم في الكتاب يُفْتيكم، أو يبيِّن لَكُم أحْكَامَهُن. وذلك المَتْلُوّ في الكِتَاب هو قوله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} تفسير : [النساء: 3] وحَاصِل الكلام: أنَّهم قد سألُوا عن أحْوَال كَثِيرةٍ من أحْوالِ النِّسَاء، فما كان مِنْهَا غير مُبَيَّن الحُكْم، ذَكر أن اللَّه يُفْتِيهم فيها، وما كان فِيهَا مُبَيَّن الحُكْم في الآيات المُتَقَدِّمَةِ، ذكر أن تِلْك الآيَات المَتْلُوة تُفْتيهم فيها، وجعل دَلاَلة الكِتَاب على الحُكْم إفتاء من الكتاب؛ كما يُقَال في المَجَازِ المَشْهُور: كِتَاب اللَّه يُبَيِّن لنا هَذَا الحُكْم، وكلام الزَّمخشري يحتمل جَمِيع الأوْجُه، فإنه قال: "ما يُتْلى" في مَحَلِّ الرفع، أي: اللَّهُ يُفْتيكُم، والمتلوُّ في الكِتَاب في مَعْنَى: اليتامى، يعني قوله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} تفسير : [النساء: 3]. وهو من قَوْلِك: "أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُه" انتهى، يعني: أنَّه من باب التَّجْريد؛ إذ المقصودُ الإخْبَارُ بإعجَاب كَرَم زيدٍ، وإنما ذُكِر زَيْدٌ؛ ليُفيدَ هذا المَعْنَى الخاصَّ لذلك المَقْصُود أنّ الذي يُفْتيهم هو المَتْلُوُّ في الكِتَابِ، وذُكِرت الجَلاَلةُ للمعنى المُشَار، وقد تقدَّم تَحْقِيق التَّجْرِيد في أوَّل البَقَرة، عند قوله: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [البقرة: 9]. والجَرُّ من وَجْهَيْن: أحدهما: أن تكُون الواوُ للقَسَم، وأقسمَ اللَّهُ بالمَتْلُوِّ في شأن النِّساء؛ تَعْظِيماً له، كأنه قيل: وأقْسِمُ بما يُتْلى عَلَيْكُم في الكِتاب؛ ذكره الزمخشري. والثاني: أنه عَطْفٌ على الضَّمِير المَجْرُور بـ "في" أي: يُفْتيكُمْ فيهنَّ وفيما يُتْلَى، وهذا مَنْقُولٌ عن محمَّد بن أبي مُوسَى، قال: "أفتاهم الله فيما سألُوا عنه، وفيما لَمْ يَسْألوا"، إلا أنَّ هذا ضَعِيفٌ من حَيْث الصِّنَاعةُ؛ لأنه عطفٌ على الضمير المَجْرُورِ من غير إعَادَة الجَارِّ؛ وهو رأي الكُوفيِّين، وقد تقدَّم مذاهب النَّاسِ فيه عند قوله: {أية : وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 217]. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "ليس بِسَديدٍ أن يُعْطَفَ على المَجْرُورِ في "فيهنَّ"؛ لاخْتِلاله من حيث اللَّفْظِ والمَعْنَى" وهذا سَبقَه إليه أبُو إسْحاق. قال [الزجاج]: وهذا بَعِيدٌ بالنِّسْبَة إلى اللَّفْظِ وإلى المَعْنَى: أمَّا اللَّفْظُ؛ فإنه يقتضي عَطْفُ المُظْهَر على المُضْمَرِ، وأما المَعْنَى: فلأنه ليس المُرادُ أنَّ اللَّهَ يُفْتيكم في شَأنِ ما يُتْلَى عليكم في الكِتَاب، وذلك غيرُ جَائزٍ؛ كما لم يَجُزْ في قوله {أية : تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} تفسير : [النساء: 1] يعني: من غير إعادةِ الجَارِّ. وقد أجَابَ أبو حيَّان عما ردَّ به الزَّمَخَشريُّ والزجاج؛ بأن التَّقْدِيرَ: يُفْتيكم في مَتْلُوِّهِنَّ، وفيما يُتْلَى عليكم في الكِتَاب في يتامى النِّسَاء، وحُذِف لدلالة قوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}، وإضافةُ "مَتْلُو" إلى ضمير "هُنَّ" سائغةٌ، إذ الإضافة إليهنَّ، كقوله: {أية : مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [سبأ: 33] لمَّا كان المَكْرُ يقع فيهما، صَحَّتْ إضافتُه إليْهِمَا، ومثله قول الآخر: [الطويل] شعر : 1885- إذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لاَحَ بِسُحْرَةٍ سُهَيْلٌ أذَاعَتْ غَزْلَهَا في الغَرَائِبِ تفسير : [قال شهاب الدين]: وفي هذا الجواب نظرٌ. والنَّصْبُ بإضمار فِعْل، أي: ويبيِّن لَكُم ما يُتْلى [عليكم]؛ لأنَّ "يُفْتيكُم" بمعنى يبيِّن لكم، واختار أبو حيَّان وجْهَ الجرِّ على العَطْفِ على الضَّمير، مختاراً لمَذْهَبِ الكوفيِّين قال: لأنّ الأوْجُه كلَّها تؤدِّي إلى التَّأكيد، وأمَّا وَجْهُ العَطْفِ على الضمير [المَجْرُور]، فيجعلُه تأسِيساً، قال: "وإذا دار الأمْرُ بينهما؛ فالتَّأسيس أوْلى"، وفي إفْرَادِ هذا الوَجْهِ بالتَّأسيس دُونَ بَقِيَّةِ الأوْجُه نظرٌ لا يَخْفى. قوله: "فِي الكِتَابِ" يجوزُ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحدها: أنه مُتَعَلِّقٌ بـ "يُتْلى". والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحْذُوفٍ على أنه حَالٌ من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في "يُتْلى". والثالث: أنه خَبَر "مَا يُتْلى" عَلَى الوَجْه الصَّائِر إلى أنَّ "مَا يُتْلى" مبتدأ، فيتعلق بمَحْذُوف أيضاً، إلاَّ أنَّ مَحَلَّه على هذا الوجهِ رفعٌ، وعلى ما قَبْلَه نصبٌ. قوله: {فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ} فيه خَمْسة أوْجه: أحدُها: أنه بَدلٌ من "الكِتَاب" وهو بدلُ اشْتِمَالٍ، ولا بد مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ، أي: في حُكْم يَتَامَى، ولا شك أن الكِتابَ مشتملٌ على ذِكْرِ أحكامِهِن. والثاني: أن يتعلَّق بـ "يُتْلَى". فإن قيل: كيف يجُوزُ تعلُّقُ حَرْفَيْ جرٍّ بلفظ وَاحِدٍ، ومعنى واحِدٍ؟ فالجوابُ أنَّ مَعْنَاهما مُخْتَلفٌ، لأن الأولى للظَّرْفية على بابها، والثانية بمعنى البَاءِ، للسببية مَجَازاً، أو حقيقةً عِنْد مَنْ يقولُ بالاشتراك. وقال أبو البقاء: كما تَقُولُ: "جئتُك في يوم الجُمْعَة في أمْرِ زَيْدٍ". والثالث: أنه بَدَل من "فِيهِنَّ" بإعادة العَامِل، ويكون هذا بَدَل بَعْض من كُلٍّ. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "فإنْ قُلْت: بِمَ تعلَّق قوله: "في يتامى النِّسَاء؟" قلت: في الوَجْه الأوَّل هو صِلَةُ "يُتْلى" أي: يُتْلى عَلَيْكُم في مَعنَاهُنَّ، ويجُوز أن يكُون "في يتامى" بَدَلاً من "فيهنَّ"، وأما في الوَجْهَيْن الأخِيرَيْن فبدلٌ لا غير" انتهى، يَعْنِي بالوجْه الأول: أن يكون "مَا يُتْلَى" مَرْفُوعَ المَحَلِّ. قال أبو حيَّان: "أمَّا ما أجازه في وجه الرفع من كونه صلة "يتلى" فلا يجُوزُ إلاَّ أنْ يكونَ بَدَلاً مِنْ "فِي الكِتَابِ" أو تكون "في" للسَّبَبية، لئلا يتعلّق حَرْفا جر بلفظٍ واحد، ومعنى واحد، بعاملٍ واحدٍ، وهو ممتنعٌ إلاَّ في البَدَل والعَطْفِ، وأمَّا تجويزُه أنْ يكونَ بَدَلاً من "فيهن" فالظاهرُ أنه لا يجُوز؛ للفَصْلِ بين البَدَلِ والمُبْدَلِ منه بالمَعْطُوف، ويصير هذا نظير قولك: "زيدٌ يقيمُ في الدَّارِ، وعمرو في كِسْرٍ مِنْهَا" فَفَصَلْتَ بين "فِي الدَّارِ" وبين "في كِسْرِ" بـ "عمرو"، والمَعْهُودُ في مثل هذا التَّرْكيب: "زيدٌ يقيمُ في الدَّارِ في كِسْرٍ منها وعمرو". الرابع: أنْ يتعلَّق بنفس الكِتَاب أي: فيما كَتَب في حُكْم اليَتَامَى. الخامس: أنه حَالٌ فيتعلَّق بمَحْذوفٍ، وصاحبُ الحالِ هو المَرْفُوعُ بـ "يُتْلى" أي: كائناً في حُكْم يتامَى النِّسَاء، وإضافةُ "يَتَامى" إلى النِّساء من باب إضافةِ الخاصِّ إلى العَامَّ؛ لأنهن يَنْقَسمْن إلى يتامَى وغَيْرِهِن. وقال الكُوفيُّون: هو من إضافة الصِّفَة إلى المَوْصُوف؛ إذا الأصلُ: في النِّساء اليتامى كقولك: يوم الجمعة وحق اليقين، وهذا عند البَصْريِّين لا يجُوزُ، ويُؤوِّلُون ما وَرَدَ من ذَلِك؛ ولأن الصفة والموصُوف شيء واحدٌ، وإضافة الشيء إلى نفسه محَالٌ. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإنْ قُلْت: إضافة اليَتَامَى إلى النِّسَاء ما هِيَ؟ قلت: هي إضافةٌ، بمَعْنَى: "مِنْ" نحو: سُحْقِ عِمَامةٍ. قال أبو حيًّان: "والذي ذكره النَّحوِيُّون من ذلك [إنَّما هُو] إضافة الشَّيْء إلى جِنْسِه، نحو: "خاتمُ حَدِيدٍ" ويجوزُ الفَصْل: إمَّا بإتباع، نحو: "خاتمٌ حديدٌ"، أو تنصبَه تَمْييزاً، نحو: "خاتمٌ حديداً"، أو بجره بـ "مِنْ" نَحْو: خاتم من حَديدٍ"، قال: "والظَّاهِر أن إضافة "سُحْقِ عِمَامةٍ" و"يَتامَى النِّساء" بمعنى: اللام، ومعنى اللام: الاخْتِصَاص". وهذا الردُّ لَيْس بشيء، فإنهم ذَكَروا [في] ضَابِط الإضَافة التي بِمَعْنى "مِنْ" أن تكونَ إضَافَة جُزْءٍ إلى كُلٍّ، بشرطِ صِدْقِ اسمِ الكُلِّ على البعْضِ، ولا شك أن "يَتَامَى" بَعْض من النِّسَاء، والنِّسَاء يَصْدُق عَلَيْهِنَّ، وتحرَّزْنَا بقولنا: "بشرط صِدْقِ الكُلِّ على البَعْض" من نحو: "يَدُ زَيْد" فإنَّ زيداً لا يَصْدُقُ على اليَدِ وحْدَها. وقال أبو البقاء: {في يتامى النِّساء} [أي:] في اليتَامَى مِنْهُنَّ" وهذا تَفْسِيرُ معنى لا إعْرَابٍ. والجُمْهُور على "يَتَامَى" جمع: يَتيمَة. وقرأ أبو عَبْد الله المَدَنِي: "ييامى" بياءيْن مِنْ تَحْتُ، وخرَّجه ابن جِنِّي: على أن الأصْل "أيامَى" فأبْدَلَ من الهَمْزَة ياءً، كما قَالُوا: "فلانٌ ابنُ أعْصُر ويَعْصُر"، والهَمْزَةُ أصلٌ، سُمِّي بذلك لقوله: [الكامل] شعر : 1886- أبُنَيَّ إنَّ أبَاكَ غَيَّرَ لَوْنَهُ كَرُّ اللَّيَالِي واخْتِلاَفُ الأعْصُرِ تفسير : وهم يُبْدِلُون الهَمْزة من اليَاء، كقولهم: "قَطَع الله أدَهُ" يريدون: يدَهُ، فلذلك يُبْدِلون منها اليَاءَ، و"أيامى": جَمْع "أيِّم" بوزن: فَيْعِل، ثم كُسِّر على أيَايِم، كسيِّد وسَيَايِد، ثم قُلِبَتِ اللاَّم إلى مَوْضِع العَيْنِ، والعَيْن إلى مَوْضِعِ اللاَّم، فصار اللَّفْظ "أيامى" ثم قُلِبت الكَسْرَةُ فتحةً؛ لِخفَّتِها، فتحركت الياءُ وانفتح ما قَبْلَها، فقلبت ألفاً؛ فصار: "أيامى" فوزنه فَيَالِع. وقال أبو الفَتْحِ أيضاً: ولو قيل إنه كُسِّر أيِّمٌ على فَعْلَى، كسَكْرَى، ثم كُسِّر ثانياً على "أيامى" لكان وجهاً حسناً، وسيأتي تَحْقيق هذه اللَّفْظَةِ [إن شاء الله تعالى] عند قوله: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنكُمْ} تفسير : [النور: 32]. وقرئ: "ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُنَّ" بتسمية الفَاعِلِ. فصل في سبب نزول الآية ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُول الآية قَوْلَيْن: الأوّل: أن العَرَب كانت لا تُورثُ النِّساء والصِّبْيَان شيئاً من المِيراثِ؛ كما ذكرنا في أوَّلِ السُّورَةِ، فنزلت هذه الآية في تَوْريثهم، قال ابن عبَّاسٍ: يريد ما فَرَضَ لَهُنَّ من المِيرَاثِ. الثاني: أن الآية نزلت في تَوْفِية الصَّداق لَهُنَّ، وكانت اليتيمَةُ تكون عند الرَّجُلِ، فإن كانت جَمِيلةً ومَالَ إلَيْهَا، تزوَّجَ بها وأكَلَ مالها، وإن كانت ذَمِيمَةً، منعها الأزْوَاجَ حتى تَمُوتَ، فأنزل اللَّه هذه الآية. قوله: "وتَرْغبون" فيه أوْجُه: أحدُها: - وهو الظاهر - أنه مَعْطُوفٌ على الصِّلةِ، عطف جملةٍ مُثْبَتةٍ على جُمْلةٍ منفية، أي: اللاَّتي لا تُؤتُونَهُنَّ، واللاًّتي ترغبُون أن تَنْكحوهُنَّ؛ كقولك: "جاء الَّذِي لا يَبْخَلُ، ويُكْرِم الضِّيفَان". والثاني: أنه مَعْطُوفٌ على الفِعْلِ المَنْفِيِّ بـ "لا" أي: لا تؤتُونَهُن ولا تَرْغَبُون. والثالث: أنه حَالٌ من فاعِل "تؤتونهن" أي: لا تؤتُونَهُنَّ، وأنتم رَاغِبُون فِي نِكاحِهِنَّ، ذكر هذين الوجْهَيْن أبو البقاء، وفيهما نَظَر: أمّا الأولُ: فلخلافِ الظَّاهِر، وأما الثَّانِي: فلأنه مُضَارع فلا تَدْخُل عليه الواوُ إلا بِتَأويلٍ لا حَاجَة لنا بِهِ هَهُنَا. و"أن تَنْكِحُوهُنَّ" على حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، ففيه الخلاف المَشْهُور: أهي في محل نَصْب أم جر؟ واختُلِفَ في تَقْدير حرف الجَرِّ. فقيل: هو "في" أي: تَرْغبُون في نِكَاحِهِنَّ؛ لقُبْحهن وفَقْرهنَّ، وكان الأوْلِيَاء كذلك: إن رَأوها جَمِيلَةً مُوسِرَةً، تزوجها وَليُّها، وإلاَّ رغبَ عَنْها، والقَوْل الأوَّل مَرْوِيٌّ عن عَائِشَة وطَائِفَة كَبِيرةٍ. قال أبو عُبَيْدَة: هذه الآية [تَحْتَمِل] الرَّغْبَة والنَّفْرَة. فإن حَمَلْته على الرَّغبة، كان المعنى: وتَرْغَبُون أن تَنْكِحُوهُنَّ. وإن حملته على النَّفْرة، كان المَعْنَى: وترغبون عن أن تنكحوهن؛ لدمامتهن. فإن قيل: إن النحاة ذكروا أن حَرْف الجَرِّ يجوز حذفُه باطِّرادَ مع "أنْ" و "أنَّ" بِشَرْط أمْنِ اللَّبْس، يعني: أن يكون الحَرْفُ متعيّناً، نحو: "عَجبْت أن تَقُوم" أي: من أن تَقُوم، بخلاف "مِلْتُ إلى أنْ تَقُوم" أو "عَنْ أنْ تَقُوم" والآيةُ من هذا القَبِيل. فالجواب: أن المَعْنَييْن هُنا صَالِحَان؛ يدل عليه ما ذَكَرْت لك من سَبب النُّزُولِ، فصار كلٌّ من الحَرْفَيْن مراداً على سَبِيل البَدَل. فصل مذهب الأحْنَاف فيمَن له ولاية الإجبار استدل الحَنَفِيَّة بهذه الآيَة، على أنَّه يَجُوز لغير الأب والجَدِّ تزويج الصَّغيرة، ولا حجَّة لهم فيها؛ لاحْتِمَال أن يكون المُرَادُ: وتَرْغَبُون أن تُنْكِحُوهُن إذا بَلَغْن، ويدل على صِحَّة قَوْلِنا: "حديث : إن قُدَامة بن مَظْعُون زَوَّج ابْنَة أخيه عُثْمَان بن مَظْعُون من عَبْد الله بن عُمَر، فخطبها المُغِيرَة بن شُعْبَة، ورغَّب أمَّهَا في المَالِ، فجاءوا إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قُدَامَةُ: أنا عَمُّهَا وَوَصِيُّ أبيهَا، فقال النَّبِيُّ - عليه الصلاة والسلام -: إنَّها صَغِيرة ولا تُزَوَّج إلا بإذنِها" تفسير : وفرَّق بَيْنَها وبين ابْن عُمر، وليس في الآيَة أكْثَر من رغْبَة الأوْلِيَاء في نِكَاحِ اليَتيمَةِ، وذلك لا يَدُلُّ على الجَوَازِ. [قوله: "والمستضعفين" فيه ثلاثة أوْجُه: أظهرُهَا: - أنه مَعْطُوفٌ على "يَتَامَى النِّسَاء" أي: ما يُتْلَى عَلَيكُم في يَتَامَى النِّسَاء وفي المُسْتَضْعَفِين، والذي تُلِي عَلَيْهِم فيهم قوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} تفسير : [النساء: 11]، وذلك أنَّهُم كانوا يَقُولون: لا نُوَرِّثُ إلا مَنْ يَحْمِي الحَوْزَة، ويَذُبُّ عن الحَرَمِ، فيَحْرِمُون المَرْأةَ والصَّغِيرَ؛ فنزلت]. {والمُسْتضعَفِين من الوِلْدَان} وهم الصِّغَار، أن تُعْطُوهم حُقُوقَهُم؛ لأنَّهم كانوا لا يُورثون الصِّغَار، يريد ما يُتْلَى عليكم في باب "اليَتَامَى" من قوله: {أية : وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 2]، يعني: إعطاء حقوق الصِّغار. والثَّاني: أنَّه في مَحَلِّ جر، عَطْفاً على الضَّمِير في "فيهن"؛ وهذا رأيٌ كوفِيّ. والثالث: أنه مَنْصُوبٌ عطفاً على مَوْضِع "فيهن" أي: ويبيِّن حال المستضعفين. قال أبو البقاء: "وهذا التَّقْدِيرُ يَدْخُلُ في مَذْهَب البَصريِّين مِنْ غيرِ كَلَفَةٍ" يعني: أنه خَيْرٌ من مَذْهَب الكُوفيين، حيث يُعْطَفُ على الضَّمِير المَجْرُور مِنْ غَيْرِ إعادَةِ الجَارِّ. قوله: "وأنْ تقوموا" فيه خَمْسَةُ أوجه: الثلاثة المتقدمة قَبْله، فيكون هو كَذَلِك لِعطْفِه على ما قَبْلَه، والمتلوُّ عليهم في هذا المَعْنَى قوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [النساء: 2]. والرابع: النَّصْبُ بإضمار فعل. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "ويجوزُ أنْ يكون مَنْصُوباً بإضْمار "يأمُرُكُم"، بمعنى: ويأمركم أن تقُومُوا، وهو خِطَابٌ للأئمة بأنْ يَنْظُروا إليْهِم، ويَسْتَوْفُوا لهم حُقُوقَهم، ولا يَدَعُوا أحداً يَهْتَضِمُ جَانِبَهُم"، فهذا الوَجْه من النَّصْب غيرُ الوَجْهِ المذْكُور قَبْلَه. والخامس: أنه مُبْتدأ، وخبره مَحْذُوفٌ، أي: وقيامُكم لليتامَى بالقِسْطِ خيرٌ لَكُم، وأولُ الأوجُهِ أوجَهُ، والمعنى: أن تقوموا لليتَامَى بالقِسْطِ، أي: بالعَدْل فِي مُهُورِهِن، ومواريثهِن. ثم قال: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} يجازِيكُم به.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله {ويستفتونك في النساء...} الآية. قال كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة. فلما كان الإسلام قال {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} في أوّل السورة في الفرائض. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئاً، فلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل؟ فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء، فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد، ثم قالوا: سلوا... فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} في أول السورة، في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن. قال سعيد ابن جبير: وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم ينكحها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئاً، كانوا يقولون: لا يغزون ولا يغنمون خيراً، ففرض الله لهن الميراث حقاً واجباً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم في الآية قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها، وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثوها، فأنزل الله هذا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيرغب أن ينكحها ولا يعطيها مالها رجاء أن تموت فيرثها، وإن مات لها حميم لم تعط من الميراث شيئاً، وكان ذلك في الجاهلية، فبين الله لهم ذلك، وكانوا لا يورثون الصغير والضعيف شيئاً، فأمر الله أن يعطى نصيبه من الميراث. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: كان جابر بن عبدالله له ابنة عم عمياء، وكانت دميمة، وكانت قد ورثت من أبيها مالاً، فكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها رهبة أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكان ناس في حجورهم جوار أيضاً مثل ذلك، فأنزل الله فيهم هذا. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق السدي عن أبي مالك في قوله {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهم ما كتب لهم وترغبون أن تنكحوهن} قال: كانت المرأة إذا كانت عند ولي يرغب عن حسنها لم يتزوّجها ولم يترك أحداً يتزوّجها {والمستضعفين من الولدان} قال: كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} قال: ما يتلى عليكم في أول السورة من المواريث، وكانوا لا يورثون امرأة ولا صبياً حتى يحتلم. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة في قوله {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} إلى قوله {وترغبون أن تنكحوهن} قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوّجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية. وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم عن عائشة قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} قالت: وقول الله {وترغبون أن تنكحوهن} رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبداً، فإن كانت جميلة وهويها تزوّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه، وكانوا لا يورثون الصغار ولا البنات وذلك قوله {لا تؤتونهن ما كتب لهن} فنهى الله عنه، وبيَّن لكل ذي سهم سهمه، صغيراً كان أو كبيراً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة، فيرغب عنها أن ينكحها، ولا ينكحها رغبة في مالها. وأخرج القاضي إسماعيل في أحكام القرآن عن عبد الملك بن محمد بن حزم. أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها بأحد، وكان له منها ابنة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ابنتها، ففيها نزلت {ويستفتونك في النساء...} الآية. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن عون عن الحسن وابن سيرين في هذه الآية قال أحدهما: ترغبون فيهن، وقال الآخر: ترغبون عنهن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن في قوله {وترغبون أن تنكحوهن} قال: ترعبون عنهن. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبيدة {وترغبون أن تنكحوهن} قال: ترغبون عنهن.
القشيري
تفسير : نهاهم عن الطمع الذي يحملهم على الحيف والظلم على المستضعفين من النِّسْوان واليتامى، وبَيَّنَ أنَّ المنتقِمَ به لهم الله، فَمَنْ راقب الله فيهم لم يخسر على الله بل يجد جميل الجزاء، ومن تجاسر عليهم قاسى لذلك أليمَ البلاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويستفتونك} اى يطلبون منك الفتوى واشتقاق الفتوى من الفتى وهو الشاب القوى الحدث لانها جواب فى حادثة واحداث حكم او تقوية لبيان مشكل {فى} حق توريث {النساء} اذ سبب نزولها "حديث : ان عيينة بن حصين اتى النبى عليه السلام فقال اخبرنا انك تعطى الابنة النصف والاخت النصف وانما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة فقال عليه السلام "كذلك امرت" " .تفسير : {قل الله يفتيكم فيهن} يبين لكم حكمه فى حقهن والافتاء تبيين المبهم وتوضيح المشكل {وما يتلى عليكم فى الكتاب} عطف على اسم الله اى يفتيكم الله وكلامه فيكون الافتاء مسندا الى الله والى ما فى القرآن من قوله {أية : يوصيكم الله فى أولادكم} تفسير : [النساء: 11]. فى اوائل هذه السورة ونحوه والفعل الواحد ينسب الى فاعلين بالاعتبارين كما يقال اغنانى زيد وعطاؤه فان المسند اليه فى الحقيقة شىء واحد وهو المعطوف عليه الا انه عطف عليه شىء من احواله للدلالة على ان الفعل انما قام بذلك الفاعل باعتبار اتصافه بتلك الحال {فى} شأن {يتامى النساء} متعلق بيتلى كما ان فى الكتاب متعلق به ايضا والاضافة بمعنى من لانها اضافة الشىء الى جنسه {اللاتى لا تؤتونهن ما كتب لهن} اى فرض لهن من الميراث وغيره {وترغبون} عطف على لا تؤتونهن عطف جملة مثبتة على جملة منفية {ان تنكحوهن} اى فى نكاحهن لجمالهن ومالهن وترغبون عن نكاحهن اى تعرضون لقبحهن وفقرهن فان كانت اليتيمة جميلة موسرة رغب وليها فى تزوجها والا رغب عنها وما يتلى فى حقوقهن قوله تعالى {أية : وآتوا اليتامى أموالهم} تفسير : [النساء: 2]. وقوله تعالى {أية : ولا تأكلوها} تفسير : [النساء: 6]. ونحوها من النصوص الدالة على عدم التعرض لاموالهم {و} فى {المستضعفين من الولدان} عطف على يتامى النساء والعرب ما كانوا يورثونهم كما لا يورثون النساء وانما يورثون الرجال القوامين بالامور {و} فى {ان تقوموا لليتامى} فى اموالهم وحقوقهم {بالقسط} اى العدل وهو ايضا عطف على يتامى النساء وما يتلى فى حقهم قوله تعالى {أية : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب. ولا تأكلوا أموالهم الى أموالكم} تفسير : [النساء: 2]. ونحو ذلك {وما} شرطية {تفعلوا من خير} على الاطلاق سواء كان فى حقوق المذكورين او غيرهم {فان الله كان به عليما} فيجازيكم بحسبه. فعلى العاقل ان يطيع الله تعالى فيما امر ولا يأكل مال الغير بل يجتهد فى ان ينفق ما قدر عليه على اليتامى والمساكين. قال حاتم الاصم من ادعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذاب. من ادعى حب الجنة من غير انفاق ماله فهو كذاب. ومن ادعى محبة الله من غير ورع عن محارم الله فهو كذاب. ومن ادعى محبة النبى عليه السلام من غير محبة الفقراء فهو كذاب وفى قوله تعالى {وما تفعلوا} حث على فعل الخير وترغيب ـ حكى ـ ان امرأة جاءت الى حانوت ابى حنيفة تريد شراء ثوب فاخرج ابو حنيفة ثوبا جديدا قيمته اربعمائة درهم فقالت المرأة انى امرأة ضعيفة ولى بنت اريد تسليمها الى زوجها فبعنى هذا الثوب بما يقوم عليك فقال ابو حنيفة خذيه باربعة دراهم فقالت المرأة لم تسخر بى فقال ابو حنيفة معاذ الله ان اكون من الساخرين ولكنى كنت اشتريت ثوبين فبعت احدهما برأس المال الذى نقدت فى الثوبين الا اربعة دراهم فبقى هذا على باربعة دراهم فاخذت المرأة الثوب باربعة دراهم ورجعت مستبشرة فرحة: قال السعدى قدس سره شعر : بكير اى جوان دست درويش بير نه خودرا بيكفن كه دستم بكير كسى نيك بودى بهر دو سراى كه نيكى رساند بخلق خداى تفسير : واعلم ان النفس بمثابة المرأة لزوج الروح فكما اوجب الله على الرجال من الحقوق للنساء فكذلك اوجب على العبد الطالب الصادق من الحقوق للنفس كما "حديث : قال عليه السلام لعبد الله ابن عمر حين جاهد نفسه بالليل بالقيام وبالنهار بالصيام "ان لنفسك عليك حقا فصم وافطر وقم ونم" " .تفسير : والرياضة الشديدة تقطع عن السير قال عليه السلام "حديث : ان هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفق " .تفسير : يريد لا تحملوا على انفسكم ولا تكلفوها ما لا تطيق فتعجز فتترك الدين والعمل شعر : اسب تزى دوتك همى ماند شترآهسته ميرود شب وروزى تفسير : وكان النبى عليه الصلاة والصيام يتوسط فى اعطاء نفسه حقها ويعدل فيها غاية العدل فيصوم ويفطر ويقوم وينام وينكح النساء ويأكل فى بعض الاحيان ما يجد كالحلوى والعسل والدجاج وتارة يجوع حتى يشد الحجر على بطنه من الجوع. فيا ايها الغافل تنبه لرحيلك ومسراك واحذر ان تسكن الى موافقة هواك انتقل الى الصلاح قبل ان تنقل وحاسب نفسك على ما تقول وتفعل فان الله سبحانه بكل شىء عليم وبكل شىء محيط فاياك من الافراط والتفريط.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: و {ما يتلى}: عطف على {الله}، أي: يفتيكم الله، والمتلو عليكم في الكتاب، أي في القرآن. {وترغبون أن تنكحوهن} حذف الجار، وهو في أو عن، ليصدق النهي بالراغب فيها إذا كانت جميلة، والراغب عنها إذا كانت دميمة، و {المستضعفين} عطف على {يتامى النساء} أي: والذي يتلى في المستضعفين من الولدان، وهو قوله تعالى: {يوصيكم الله...} الخ، أو على الضمير في {فيهن} أي: يفتيكم فيهن وفي المستضعفين، و {أن تقوموا} عطف على {المستضعفين}، أو منصوب بمحذوف، أي: ويأمركم أن تقوموا...الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ويستفتونك} يا محمد {في} شأن {النساء} من الميراث وغيره، {قل الله يفتيكم فيهن}، فيأمركم أن تعطوهن حقهن من الميراث، {و} يفتيكم أيضًا فيهن {ما يتلى عليكم في الكتاب} في أول السورة إذ قال: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} ثم بيَّنه في تقسيم الميراث في {يوصيكم الله في أولادكم}، وقال في اليتامى: {وآتوا اليتامى أموالهم} {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى...} الآية، فقد أفتاكم في اليتامى {اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} من الصداق {وترغبون أن تنكحوهن} بدون صداق مثلهن، فأمركم أن تنكحوا غيرهن، ولا تنكحوهن إلا أن تقسطوا لهن في الصداق، إذا كانت جميلة، أو لها مال، أو ترغبون عن نكاحهن إذا كانت دميمة، فتعضلوهن لترثوهن، فلا تفعلوا ذلك، بل تزوجوها أو زوجوها، وكانوا في الجاهلية، إذا كانت اليتيمة ذات مال وجمال، رغبوا فيها وتزوجوها، بدون صداقها، وإن كانت دميمة ولا مال لها رغبوا عنها وعضلوها، أو زوجوها غيرهم، فنهى الله تعالى الفريقين معًا. {و} يفتيكم أيضًا في {المستضعفين من الوِلدَانِ} وهم الصغار، أن تعطوهم حقهم من الميراث مع الكبار، وكانوا لا يورثونهم، رُوِي أن عُيينة بن حصين أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أُخبرنا أنك تورث النساء والصبيان، وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة؟ فقال له صلى الله عليه سلم " حديث : كذا أُمِرتُ " تفسير : فنزلت الآية. {و} يفتيكم أيضًا ويأمركم {أن تقوموا لليتامى بالقسط} أي: العدل. وهو خطاب للأئمة أن ينظروا لهم بالمصلحة ويستوثقوا حقوقهم، ويحتاطوا لهم في أمورهم كلها، ثم وعدهم بالثواب على ذلك فقال: {وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليمًا}، فيجازيكم الى قدر إحسانكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: يستفتونك عن نساء العلوم الرسمية، وعن يتامى العلوم القلبية، وهن نتائج الأفكار، وهي العلوم اللدنية، والأسرار الربانية؛ التي هي من علوم الحقيقة، ولا تليق إلا بالمستضعفين عند الخليفة، وفي الخبز: "ألا أُخبِركُم بأهل الجَنَّة؟ هو كل ضَعيفٍ مَتَضعّفَ، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ في قَسمه". أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قل الله يفتيكم فيهن فيأمركم أن تأخذوا من العلوم الرسمية ما تتقنون به عبادة ربكم، وترغبوا في علم الطريقة، التي هي علم القلوب، ما تحققون به عبوديتكم، ومن نتائج الأفكار ما تُشاهدون به عظمة ربكم، ويأمركم أن تقوموا بالعدل في جميع شؤونكم، فتعطوا الشريعة حقها والطريقة حقها، وتحفظوا أسرار الحقيقة عن غير مستحقها، والله لا يضيع أجر المحسنين.
الطوسي
تفسير : [المعنى]: يسألك يا محمد، اصحابك ان تفتيهم في أمر النساء، والواجب لهن وعليهن. واكتفى بذكر النساء من ذكر شأنهن لدلالة الكلام على المراد {قل الله يفتيكم فيهن} يعني قل يا محمد، انه يفتيكم فيهن يعني في النساء وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن. [الاعراب]: واختلفوا في اعراب {ما يتلى}. قال الزجاج والفراء معاً: يحتمل ان يكون موضع (ما) رفعاً والتقدير في قول الزجاج، والذي يتلى عليكم في الكتاب أيضاً يفتيكم فيه. وقال الفراء تقديره الله يوصيكم فيهن وما يتلى عليكم. وقالا جميعاً يجوز ان يكون موضع (ما) خفضاً بالعطف على فيهن إلا ان الزجاج ضعف هذا وقال: هذا بعيد لان عطف المظهر على المضمر لا يجوز. وقال الفراء: يجوز على تقدير فيهن وما يتلى عليكم. واختلفوا في تأويل {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} فقال قوم: الذي يتلى عليكم هو آيات الفرائض التي في أول السورة. روى ذلك سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان اهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة، فانزل الله آية الميراث أول السورة، وهو معنى {اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن}. وبه قال مجاهد: وروي ذلك عن ابي جعفر (ع). وقال قوم: كان الرجل تكون في حجره اليتيمة بها ذمامة، ولها مال، فكان يرغب عنها ان يتزوجها ويحبسها لما لها طمعاً أن تموت فيرثها، فنزلت الآية. ذهب اليه عائشة، وقتادة والسدي وابو مالك وابراهيم قال السدي: كان جابر بن عبد الله الانصاري ثم السلمي له بنت عم عمياء ذميمة قد ورثت عن أبيها مالا، فكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا ينكحها مخافة أن يذهب الروج بما لها فسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك وقال: اترث إذا كانت عمياء؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): نعم فانزل الله فيه هذه الآية. وقال قوم: معناه يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في آخر السورة من قوله: {يستفتونك قل الله يفتيكم} في الكلالة ذهب اليه ابن جبير وقالت عائشة: كان الرجل تكون في حجره اليتيمة تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها، فنهى الله عن ذلك في قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا} من غيرهن {ما طاب لكم} قالت: وقوله: {وما يتلى عليكم} هو ما ذكره في أول السورة من قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا}. فعلى هذه الاقوال (ما) في موضع خفض بالعطف على الهاء والنون في قوله: {فيهن} والتقدير قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم، وعلى ما قال الفراء: قل الله يفتيكم فيهن ما يتلى عليكم في الكتاب وقال آخرون: نزلت الآية في قوم من اصحابه (صلى الله عليه وسلم) سألوه عن أشياء من أمر النساء، وتركوا المسألة عن أشياء أخر كانوا يفعلونها، فافتاهم الله فيما سألوه عنه، وفيما تركوا المسألة عنه ذهب اليه محمد بن أبي موسى. ويكون معنى قوله: وما يتلي عليكم في الآية التي بعدها وقيل: هم اليتامى الصغار من الذكور والاناث. وما بعدها قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} والذي سألوا عنه، فاجيبوا ما كتب الله لهن من الميراث في آية الميراث. واختار الطبري أن يكون المراد به آيات الفرائض قال: لأن الصداق ليس مما كتب الله للنساء الا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها عند احد. وقوله: {والمستضعفين من الولدان} في موضع جر وتقديره وفي المستضعفين من الولدان. وقيل هم اليتامى الصغار من من الذكور والاناث، لانهم كانوا لا يورثون الصغار من الذكور حتى يبلغ. {وأن تقوموا لليتامى} والمعنى وفي ان تقوموا لليتامى بالقسط على ما قاله في قوله: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى}: فأمرهم أن يؤتوا المستضعفين من الولدان حقوقهم من الميراث، ويعدلوا فيهم، ويعطونهم ما فرضه الله لهم في كتابه. وبه قال السدي، وابن زيد، ومجاهد، وابن عباس. وقوله: {وترغبون أن تنكحوهن} معناه ترغبون عن أن تنكحوهن. وقال الحسن في قوله: {والمستضعفين من الولدان} قال: يعني في يتامى النساء اللاتى لا تؤتونهن أي الا يأكلوا اموالهم إلا بالقسط، يعني بالعدل. وقال عبيدة السليمانى فيما رواه ابن سيرين عنه ان معنى {وترغبون أن تنكحوهن} ترغبون فيهن. وفي رواية ابن عون عن ابن شيرين يرغبون عنهن. وقال الحسن: يرغبون عنهن وكان عيينة بن حضن يقول: يا محمد أتعطي الوالدان المال؟ وانما يأخذ المال من يقاتل ويجوز الغنيمة، فنزل قوله: {والمستضعفين من الولدان}. وقوله: {وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليماً} المعنى مهما فعلتم، أيها المؤمنون من عدل في أمر اليتامى التي أمركم الله أن تقوموا، فيهن بالقسط، وأنتهيتم فيه إلى أمره وإلى طاعته، فان الله كان به عالماً لم يزل وقيل معنا إن الله سيجازيكم عليه كما يقول القائل أنا أعرف لك ما تفعله بمعنى اجازيك عليه.
الجنابذي
تفسير : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ} اى فى حكم نسائهم من الالفة والفرقة بقرينة وان امراة خافت من بعلها (الآية) او فى حكم مطلق النّساء من الارث بقرينة {فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} او فى حكم النّساء بحسب الارث من الازواج كما مضى حكمه، او من الارحام كما مضى ايضاً، او بحسب المعاشرة كما يأتى {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} وفى نسبة الافتاء الى الله فى الجواب اشارة الى انّ ما يقوله (ص) ليس منه برأى واجتهاد وظنٍ وتخمين كما سيحدّثونه، بل هو فتيا الله على لسانه امّا لفنائه من نفسه او لوحىٍ منه {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} عطف على الله او على المستتر فى يفتيكم وسوّغه الفصل، او هو تقدير فعل هو يبيّن او ما نافية والجملة معطوفة على جملة الله يفتيكم او حاليّة بتقدير مبتدء والمعنى ما يتلى افتاؤه بعد عليكم {فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ} متعلّق بيتلى او بدل من قوله فيهنّ {ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} وبذكر ما كتب لهنّ اشار الى انّ لهنّ ميراثاً مفروضاً وقد بيّن فى اوّل السّورة ما لهنّ بحسب الارث من الازواج ومن الارحام كانوا فى الجاهليّة لا يورثون الصّغير ولا المرأة ويقولون: الارث لمن تمكّن عن المقاتلة والمدافعة عن الحريم وحيازة الغنيمة {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} اذا لم يكنّ ذوات جمال ولا يكون لهنّ اموال ايضاً فترغبون عنهنّ لعدم المال والجمال {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} عطف على يتامى النّساء {مِنَ ٱلْوِلْدَانِ} جمع الوليد وقد مضى حكمهم بحسب الارث والحفظ والمال جميعاً فى اوّل السّورة {وَ} يفتيكم ايضاً فى {أَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} عطف على يستفتونك او على الله يفتيكم على ان يكون من جملة مقول القول يعنى قل لهم ما تفعلوا من خيرٍ فى ارث النّساء وقسامتهنّ وفى حفظ اليتامى واموالهم لا يضع عملكم {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً} سوء عشرة معها ومنعها من حقوقها لمّا قدّم ذكر خوف نشوز المرأة ذكر ههنا خوف نشوز المرء {أَوْ إِعْرَاضاً} تجافياً وعدم توجّه اليها مع اعطائها حقوقها من النّفقة والكسوة والقسامة فانّ النشوز عدم القيام بما يجب عليه والاعراض لما ذكر فى مقابله يكون غيره {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} قرئ يصلحا من باب الافعال وحينئذٍ يجوز ان يكون صلحاً مفعولاً به اى يوقعا صلحاً وان يكون بينهما مجرّداً عن الظّرفيّة مفعولاً به، وان يكون المفعول به محذوفاً وقرئ يصّالحا ويصّلحا بتشديد الصّاد من تصالح واصطلح والمقصود نفى الجناح من ان يصطلحا على اعطاء المرأة شيئاً من مهرها او غيره، او على تحمّل خدمة له لاستمالته، او على اقساط قسامتها وسائر حقوقها، فعن الصّادق (ع) هى المرأة تكون عند الرّجل فيكرهها فيقول لها: اريد ان اطلّقك فتقول له: لا تفعل انّى اكره ان يشمت بى ولكن انظر فى ليلتى فاصنع بها ما شئت وما كان سوى ذلك من شيء فهو لك ودعنى على حالتى وهو قوله تعالى: فلا جناح عليهما ان يُصلحا ولا اختصاص له باسقاط المرأة حقّها بلا عوضٍ، فيجوز ان يجعل بدل اسقاط الحقّ عوضاً {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} من الفرقة والطّلاق وسوء العشرة {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} لانّها مطبوعة على جذب خيرها وعدم اخراجه من ايديها كأنّها اجبرت على الحضور عند الشّح فكأنّ نفوس الرّجال لا يمكنها امساك النّساء مع كراهتهنّ ولا القيام بحقوقهنّ ولا نفوس النّساء يمكنها اسقاط حقّها وترك حظّها والجملة الاولى للتّرغيب على الصّلح والثّانية لتمهيد العذر لمماكسة الطّرفين عن الصّلح {وَإِن تُحْسِنُواْ} فى العشرة {وَتَتَّقُواْ} عن نقص حقوقهنّ او عن الفرقة وفتح باب الشماتة لهنّ وتمسكوهنّ مع كراهتهنّ كان الله يجزيكم بالاحسان الاحسان وبالتّقوى الغفران {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فاقيم السّبب مقام الجزاء.
الأعقم
تفسير : {يستفتونك في النساء} الآية نزلت في امرأة أوس مات عنها زوجها وعصبته من الأنصار رجلان فأخذ المال فأخبر بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ، وقيل: القرآن {في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنَّ} أي ما فرض لهنَّ من الميراث وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه ومالها فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال وإن كانت دميمة عضلها عن التزويج حتى تموت فيرثها {وترغبون أن تنكحوهنَّ} لجمالهن، وقيل: كانوا جاهلية لا يورثون النساء والأطفال، وقيل: كان ذلك في باب الصداق فكان أولياء اليتامى لا يؤتونهنَّ صداقهنَّ {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} الآية نزلت في خولة وزوجها سعد بن أبي الربيع أراد أن يطلقها فقالت: لا تطلقني ودعني أقيم على ولدي وأقسم لي في كل شهر عشراً، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إليَّ، وقيل: نزلت في السائب وامرأته، والنشوز أن يمنعها نفسه ونفقته {وأحضرت الأنفس الشح} أي جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه، والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح والرجل لا يكاد يسمح بقسمه لها، وقيل: الآية نزلت حين أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طلاق سودة فوهبت قسمها لعائشة فتركها {وأن تحسنوا} بالاقامة على نسائكم وإن كرهتموهنَّ وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة {وتتقوا} إلى النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة {فإن الله كان بما تعملون} من الإِحسان {خبيراً} {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} ومحال أن تستطيعوا العدول بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهنَّ فرفع ذلك عنكم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم لأن تكليف ما لا يطاق داخل في حد الظلم {أية : وما ربك بظلاَّم للعبيد}تفسير : [فصلت: 46]، وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك" تفسير : وقيل: إن العدول بينهنَّ أمر صعب بالغ من الصعوبة لأنه يجب أن يسوِّي بينهنَّ في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإِقبال {فلا تميلوا كل الميل} أي لا تميلون عن التسوية فيما تقدرون عليه من النفقة والكسوة والقسم والمعاشرة بالمعروف {فتذروها كالمعلقة} أي كالمسجونة، وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من كان له امرأتان يميل مع أحدهما جاء يوم القيامة وشقه مائل" تفسير : وقيل: تتقوا الله بالتوبة فيما سلف منكم {وأن تصلحوا} قيل: تصلحوا أعمالكم {وتتقوا} المعاصي، وقيل: تصلحوا بالعدل في الصحبة وتتقوا الله في أمرها، وقيل: تتقوا الله بالتوبة فيما سلف منكم من الميل، وقيل: تصلحوا امر النساء على ما تراضون {فإن الله كان غفوراً رحيماً} يغفر ما سلف منكم {وان يتفرقا} الزوج والزوجة إذا عجز كل واحد عن إيفاء حق صاحبه قحافاً ألاّ يقيما حدود الله فطلقها وخالعها جاز {يغن الله كلا من سعته} أي يغني كل واحد برزقه وأما بزوج هو أصلح لها أو برزق واسع وأما الزوج فإما ان كان يغنيه بزوجة صالحة أو برزق واسع، ومتى قيل: لم شرط تفرقهما في الرزق وهو يرزقهما اجتمعا أو تفرقا؟ فجوابنا لوجهين: أحدهما تسلية لها، الثاني أنه أغنى كل واحد من الزوجين بالآخر فإذا تفرقا فالله تعالى القيم بأمرهما وأمر كل واحد وسمي الطلاق فرقة لأنه ينافي الاجتماع الذي كان قبله.
اطفيش
تفسير : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ}: فى ميراث النساء، وذلك أن حديث : عيينة بن حصن أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرنا أنك تعطى الابنة النصف، والأخت النصف، وإنا كنا نورث من يشهد القتال، ويحوز الغنيمة، فقال عليه الصلاة والسلام: "بذلك أمرت " تفسير : فنزلت الآية، وانما جمع مع ان السائل واحد، لأنه ووفق على السؤال، بأن حضر معه بعض قومه أو غيرهم، وقد أحبوا سؤاله، هذا ما ظهر لى. ثم رأيت الشيخ هود والحمد لله قال عن الكلبى: كانوا لا يعطون الميراث الا من قاتل الأقوام، وحاز الغنيمة، وكانوا لا يورثون الجارية، وكانوا يرون ذلك فى دينهم حسنا، فلما أنزل الله فرائض الميراث وجدوا من ذلك وجدا شديدا، فقال عيينة بن حصن لرهط من قومه: حديث : انطلقوا بنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم نذكر له فلعله يدعه الى غيره، فأتوه فقالوا: يا رسول الله أتعطى الجارية نصف ما ترك أبوها وأخوها، ويعطى الصبى الميراث كله، وتعطى المرأة الربع والثمن، وليس من هؤلاء أحد يركب الفرس ولا يحوز الغنيمة، ولا يقاتل أحدا؟ فقال: نعم بذلك أمرت . تفسير : {قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ}: يبين لكم ما أبهم من شأنهن، فان الاستفتاء طلب الافتاء، والافتاء تبيين المبهم. {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الكِتَابِ}: عطف على لفظ الجلالة، فان الله أفنى بتنزيل الأحكام فى القرآن، والقرآن وهو المراد بالكتاب أفتى مجازا، لأن فيه ذكر الأحكام، ولكون المفتى فى الحقيقة الله، والقرآن انما هو محل الأحكام أفرد ضمير يفتى، ولم يقل بفتياتكم، ومع أن لفظ ما معطوف على لفظ الجلالة وأولى من ذلك عطف ما على المستتر فى يفتى لوجود الفصل، وفتوى الله وما يتلى واحدة، لكن عددت باعتبار تحقيقها لله، وكون ما يتلى محلا لها، تقول: أغنانى الملك وعطاؤه. وان جعلنا ما مبتدأ، وفى الكتاب خبره كان افتاء واحد، أى وما يتلى من الافتاء الموعود به ثابت فى القرآن، ويجوز أن يحذف جوازا أى مذكور فيه، والذى أفتى الله به وتلى علينا فى القرآن هو آيات الميراث المذكورات أول السورة، فالمضارعان بمعنى الماضى لتنزيل الماضى منزلة حاضر مشاهد، أو المضارع للحال باعتبار أن الانزال ولو مضى لكن استتم الحكم، فكان كنزول فى الحال، ويجوز أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ، فتكون يتلى للحال المستمر الشامل لمسألة الافتاء وغيره، لأن جملة الشىء الذى مضى بعضه، وحضر بعضه، أو بقى أيضا بعض بعد الحاضر اذا اعتبر مجموعا صح التعبير فيه بصيغة الحال، تقول: زيد يصلى، وأنت تريد أنه فى الصلاة، ومضى بعضها، ويجوز أن يكون ما مفعولا لمحذوف، أى ويبين لكم ما يتلى عليكم فى الكتاب، ويجوز أن يكون الواو للقسم، ولا يصح أن يكون عاطفة على الهاء، لأن الهاء ضمير متصل مجرور، ولم يعد الخافض، ولأن الافتاء فى شأنهن فيفضى العطف على من أن يكون الافتاء فى شأن ما يتلى لا فى نفس ما يتلى. {فِى يَتَامَى النِّسَاءِ}: فى اليتيمات من النساء، فالاضافة للتبعيض أو النساء اليتيمات، فالاضافة اضافة صفة لموصوف، وهو بدل من فيهن بدل بعض، كأنه قيل: فى يتامى النساء منهن، على أن الاضافة اضافة الصفة للموصوف، وأما على أن الاضافة للتبعيض فالرابط ذكر النساء من وضع الظاهر موضع المضمر، فاذا جعلنا ما يتلى عليكم فى الكتاب مبتدأ وخبرا، فالجملة معترضة بين البدل والمبدل منه لتعظيم المتلو، ويجوز تعليقه بيفتيكم على أن فى هذه للسببية أى بسبب يتامى النساء، لا على بقائها على الظرفية، اذ لا يتعلق حرفا جر معناهما واحد بفعل واحد أو نحوه الا بتبعة، ويجوز تعليقه بيتلى على بقاء الظرفية، وهذا اذا عطف ما على قبله لا اذا جعلنا ما مبتدأ والا لزم الاخبار على الموصول قبل تمام صلته. وقرىء فى يتامى بمثناتين تحتيتين جمع أيم بفتح الهمزة وتشديد الياء مكسورة أصله بيايم بياء مكسورة ثم ميم،، أخرت الياء عن الميم وقلبت الياء ألفا بعد فتح الميم المكسورة تخفيفا. {الَّلاتِى لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ}: فرض لهن من الميراث، والتى نعت لليتامى، واذا جعلنا اضافة يتامى اضافة صفة لموصوف جاز أن يكون نعتا للنساء. {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ}: أى تقع فى شأن نكاحهن رغبتكم، وهذا المعنى شامل لرغبتهم عن نكاحهن لفقرهن، أو ذمامتهن ولرغبتهم فى نكاحهن لمالهن أو جمالهن كان أولياؤهن يرغبون فيهن، فيتزوجوهن اذا كن جميلات ذوات مال، وان لم يكن جميلات عضلوهن الى أن يمتن فيأخذوا مالهن. ووجه آخر: أن الآية تحتمل تقدير عن وتقدير فى، ووضعت مجملة ليقدر كل واحد منهما حيث يصلح على سبيل البديلة، فانها نزلت فى رغبة الأولياء فيهن للمال والجمال، ورغبتهم عنهن لغير ذلك، والواو عاطفة لا حالية، لأن المضارع مثبت مجرد من قد الا على تقدير مبتدأ، أى وأنتم ترغبون. وقيل: بجواز كون الحال جملة فعلها مضارع مثبت مجرد، وعلى العطف فالعطف على مجموع لا تؤتونهن، أى اللاتى انتفى ايتاؤكم ما كتب لهن، وثبتت رغبتكم أن تنكحوهن أو على تؤتونهن أى ولا ترغبون فى أن تنكحوهن، ويتبادر من الآية أن اليتيمة يجوز تزويجها قبل البلوغ، لأن الأصل فى اليتم أن يكون فى الحال لا باعتبار ما مضى، لكن لا يلزم ذلك لجواز أن يراد باليتيم مطلق التجرد عن الأب كما مر أول السورة، ولو بلغت فليس نصا فى الصغيرة، ولجواز أن يكون التزوج بعد البلوغ، ولو وقعت الرغبة فيهن قبله، الجواز مذهب الحنفية، بعض أصحابنا، والمنع للشافعية وجمهورنا. ثم أنه كان عمر رضى الله عنه اذا جاءه ولى يتيمة نظر، فان كانت جميلة غنية قال: زوجها غيرك والتمس لها من هو خير منك، وان كانت ذميمة ولا مال لها قال: تزوجها فأنت أحق بها. وقيل: المعنى ويستفتونك فى مهر النساء قل الله يفتيكم فيهن بالعدل لهن، وكان الولى اذا كانت له ولية غنية تزوجها بدون ما تستحق من مهرها، وان كان له ولية ذميمة عضلها عن التزوج ينتفع بمالها، وان ماتت ورثها فلا يشاركه زوجها لو تزوجت فى أرثه، أو يمنعه قبل موتها فقوله: {مَا كُتِبَ لَهُنَّ} على هذا التفسير هو المهر اللائق بها. {وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدَانِ}: عطف على يتامى، وكانت العرب لا تورث الولدان، كما لا تورث النساء، ومن الولدان حال من المستضعفين، ومن للبيان، فالمراد بالمستضعفين هم الولدان، ولو أريد بالولدان ما يعم الطفل والبالغ لكانت من للتبعيض، فالمستضعفون من الولدان هم الولدان الأطفال. {وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالقِسْطِ}: عطف على يتامى، أو على المستضعفين، والأول أولى، أى وفى أن تقوموا لليتامى بالقسط، ويجوز أن يكون التقدير ويأمركم أن تقوموا وهو خطاب للأئمة فى أن ينظروا لهم، ويستوفوا لهم حقوقهم، أو للقوام بالنصفة فى حقهم، ويجوز عطفه على {فِى الكِتَابِ} اذا علقنا فى الكتاب بيتلى، أى وما يتلى عليكم فى الكتاب، وفى أن تقوموا لليتامى بالقسط، أى بالعدل ويجوز عطفه على هاء فيهن، ولو بلا اعادة الخافض لاطراد حذف الجار، مع أن وان اذا أمن اللبس. {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}: يثيبكم عليه، وروى ابن عباس وجماعةحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يفارق سودة بنت زمعة أم المؤمنين رضى الله عنها، وقد عرفت مكان عائشة من قلبه فقالت له: لا تطلقنى وقد وهبت يومى لعائشة، فنزل قوله تعالى: {وَإنِ امْرأَةٌ خَافَتْ}
الالوسي
تفسير : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء} أي يطلبون منك تبيين المشكل من الأحكام في النساء مما يجب لهن وعليهن مطلقاً فإنه عليه الصلاة والسلام قد سئل عن (أحكام) كثيرة مما يتعلق بهن فما بين [حكمه] فيما سلف أحيل بيانه على ما ورد في ذلك من الكتاب وما لم يبين [حكمه] بعد بين هنا، وقال غير واحد: إن المراد: يستفتونك في ميراثهن، والقرينة الدالة على ذلك سبب النزول، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جبير قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئاً، فلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال والمرأة التي هي كذلك فيرثان كما يرث الرجل؟! فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بدّ، ثم قالوا: سلوا فسألوا النبـي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء ولا الصبيان شيئاً كانوا يقولون لا يغزون ولا يغنمون خيراً فنزلت، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه، وإلى الأول مال شيخ الإسلام. {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} أي يبين لكم حكمه فيهن، والإفتاء إظهار المشكل على السائل، وفي «البحر» «يقال: أفتاه إفتاءاً وفتيا وفتوى، وأفتيت فلاناً رؤياه عبرتها له». {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ} في {مَا} ثلاثة احتمالات: الرفع والنصب والجر، وعلى الأول: إما أن تكون مبتدأ والخبر محذوف أي ـ وما يتلى عليكم في القرآن يفتيكم ويبين لكم ـ وإيثار صيغة المضارع للإيذان بدوام التلاوة واستمرارها، وفي الكتاب متعلق ـ بيتلى ـ أو بمحذوف وقع حالاً من المستكن فيه أي يتلى كائناً في الكتاب، وإما أن تكون مبتدأ، و {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} خبره، والمراد بالكتاب حينئذٍ اللوح المحفوظ إذ لو أريد به معناه المتبادر لم يكن فيه فائدة إلا أن يتكلف له، والجملة معترضة مسوقة لبيان عظم شأن المتلو، وما يتلى / متناول لما تلى وما سيتلى، وإما أن تكون معطوفة على الضمير المستتر في {يُفْتِيكُمْ} وصح ذلك للفصل، والجمع بين الحقيقة والمجاز في المجاز العقلي سائغ شائع، فلا يرد أن الله تعالى فاعل حقيقي للفعل، والمتلو فاعل مجازي له، والإسناد إليه من قبيل الإسناد إلى السبب فلا يصح العطف، ونظير ذلك أغناني زيد وعطاؤه، وإما أن تكون معطوفة على الاسم الجليل، والإيراد أيضاً غير وارد، نعم المتبادر أن هذا العطف من عطف المفرد على المفرد، ويبعده إفراد الضمير كما لا يخفى، وعلى الثاني: تكون مفعولاً لفعل محذوف أي ويبين لكم ما يتلى، والجملة إما معطوفة على جملة {يُفْتِيكُمْ} وإما معترضة، وعلى الثالث: إما أن تكون في محل الجر على القسم المنبىء عن تعظيم المقسم به وتفخيمه كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهنّ وأقسم ـ بما يتلى عليكم في الكتاب ـ وإما أن تكون معطوفة على الضمير المجرور كما نقل عن محمد بن أبـي موسى، وما عند البصريين ليس بوحي فيجب اتباعه، نعم فيه اختلال معنوي لا يكاد يندفع، وإما أن تكون معطوفة على النساء كما نقله الطبرسي عن بعضهم، ولا يخفى ما فيه. وقوله سبحانه: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء} متعلق ـ بيتلى ـ في غالب الاحتمالات أي ما يتلى عليكم في شأنهن ومنعوا ذلك على تقدير كون {مَا} مبتدأ، و {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} خبره لما يلزم عليه من الفصل بالخبر بين أجزاء الصلة، وكذا على تقدير القسم إذ لا معنى لتقييده بالمتلو بذلك ظاهراً، وجوزوا أن يكون بدلاً من {فِيهِنَّ } وأن يكون صلة أخرى ـ ليفتيكم ـ ومتى لزم تعلق حرفي جر بشيء واحد بدون اتباع يدفع بالتزام كونهما ليسا بمعنى، والممنوع تعلقهما كذلك إذا كانا بمعنى واحد، وفي الثاني هنا سببية كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن امرأة دخلت النار في هرة»تفسير : فالكلام إذاً مثل جئتك في يوم الجمعة في أمر زيد أي بسببه، وإضافة اليتامى إلى النساء بمعنى من لأنها إضافة الشيء إلى جنسه، وجعلها أبو حيان بمعنى اللام ومعناها الاختصاص، وادعى أنه الأظهر وليس بشيء ـ كما قال الحلبـي وغيره ـ وقرىء ـ ييامى ـ بياءين على أنه جمع أيم والعرب تبدل الهمزة ياءاً كثيراً {ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أي ما فرض لهن من الميراث وغيره على ما اختاره شيخ الإسلام، أو ما فرض لهن من الميراث فقط على ما روي عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد رضي الله تعالى عنه، واختاره الطبري، أو ما وجب لهن من الصداق على ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، واختاره الجبائي، وقيل: ما كتب لهن من النكاح فإن الأولياء كانوا يمنعوهن من التزوج. وروي ذلك عن الحسن، وقتادة، والسدي، وإبراهيم. {وَتَرْغَبُونَ} عطف على صلة {ٱللاَّتِى} أو على المنفي وحده، وجوز أن يكون حالاً من فاعل {تُؤْتُونَهُنَّ} فإن قلنا بجواز اقتران الجملة المضارعية الحالية بالواو: فظاهر، وإذا قلنا بعدم الجواز: التزم تقدير مبتدأ أي وأنتم ترغبون {أَن تَنكِحُوهُنَّ} أي؛ في أن تنكحوهن أو عن أن تنكحوهن فإن أولياء اليتامى ـ كما ورد في غير ما خبر ـ كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات ويأكلون مالهن، وإلا كانوا يعضلوهن طمعاً في ميراثهن، وحذف الجار هنا لا يعد لبساً بل إجمال، فكل من الحرفين مراد على سبيل البدل، واستدل بعض أصحابنا بالآية على جواز تزويج اليتيمة لأنه ذكر الرغبة في نكاحها فاقتضى جوازه، والشافعية يقولون: إنه إنما ذكر ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم فلا دلالة فيها على ذلك مع أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها فعله في حال الصغر، وهذا الخلاف في غير الأب والجدّ، وأما هما فيجوز لهما تزويج الصغير بلا خلاف. {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ} / عطف على {يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء}، وكانوا لا يورثونهم كما لا يورثون النساء كما تقدّم آنفاً. {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ} عطف على ما قبله، وإن جعل في يتامى بدلاً، فالوجه النصب في هذا، و {ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} عطفاً على محل {فِيهِنَّ} ومنعوا العطف على البدل بناءاً على أن المراد بالمستضعفين الصغار مطلقاً الذين منعوهم عن الميراث ولو ذكوراً، ولو عطف على البدل لكان بدلاً، ولا يصح فيه غير بدل الغلط وهو لا يقع في فصيح الكلام، وجوز في {أَن تَقُومُواْ} الرفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف أي خير ونحوه، والنصب بإضمار فعل أي ويأمركم ـ أن تقوموا ـ، وهو خطاب للأئمة أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم، أو للأولياء والأوصياء بالنصفة في حقهم {وَمَا تَفْعَلُواْ} في حقوق المذكورين {مِنْ خَيْرٍ} حسبما أمرتم به أو ما تفعلوه من خير على الإطلاق ويندرج فيه ما يتعلق بهؤلاء اندراجاً أولياً. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} فيجازيكم عليه، واقتصر على ذكر الخير لأنه الذي رغب فيه، وفي ذلك إشارة إلى أن الشر مما لا ينبغي أن يقع منهم أو يخطر ببال.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس تكملة لما بدأت به السورة من علاج رواسب المجتمع الجاهلي، فيما يختص بالمرأة والأسرة؛ وفيما يختص بمعاملة الضعاف في المجتمع كاليتامى والأطفال. وتنقية المجتمع المسلم من هذه الرواسب؛ وإقامة البيت فيه على أساس من كرامة شطري النفس الواحدة؛ ورعاية مصالحهما معاً، وتقوية روابط الأسرة وإصلاح ما يشجر في جوها من خلاف، قبل أن يستفحل، فيؤدي إلى تقطيع هذه الروابط، وتحطيم البيوت على من فيها، وبخاصة على الذرية الضعيفة الناشئة في المحاضن.. وإقامة المجتمع كذلك على أساس من رعاية الضعاف فيه؛ كي لا يكون الأمر للأغلب؛ وتكون شريعة الغاب هي التي تتحكم! وهذا الدرس يعالج بعض هذه الشؤون، ويربطها بنظام الكون كله.. مما يشعر معه المخاطب بهذه الآيات، أن أمر النساء والبيوت والأسرة والضعاف في المجتمع، هو أمر خطير كبير.. وهو في حقيقته أمر خطير كبير.. وقد تحدثنا في ثنايا هذا الجزء، وفي مقدمات السورة في الجزء الرابع، بما فيه الكفاية عن نظرة الإسلام إلى الأسرة؛ وعن الجهد المبذول في هذا المنهج لتخليص المجتمع المسلم من رواسب الجاهلية، ومن رفع مستواه النفسي والاجتماعي والخلقي، بما يكفل تفوقه على المجتمعات كلها من حوله، وعلى كل مجتمع آخر لا يدين بهذا الدين، ولا يتربى بهذا المنهج، ولا يخضع لنظامه الفريد. والآن نواجه نصوص هذا الدرس بالتفصيل: {ويستفتونك في النساء. قل: الله يفتيكم فيهن, وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنحكوهن، والمستضعفين من الولدان؛ وأن تقوموا لليتامى بالقسط. وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليماً}.. لقد أثارت الآيات التي نزلت في أوائل السورة عن النساء أسئلة واستفتاءات في بعض شأنهن.. وظاهرة سؤال المسلمين واستفتائهم في بعض الأحكام، ظاهرة لها دلالتها في المجتمع المسلم الناشىء؛ وفي رغبة المسلمين في معرفة أحكام دينهم في شؤون حياتهم. فقد كانت الهزة التي أحدثتها النقلة من الجاهلية إلى الإسلام في نفوسهم هزة عميقة، بحيث أصبحوا يشكون ويشفقون من كل أمر كانوا يأتونه في الجاهلية، مخافة أن يكون الإسلام قد نسخه، أو عدله. ويتطلبون أن يعرفوا حكم الإسلام في كل ما يعرض لهم في حياتهم اليومية من الشؤون. وهذه اليقظة وهذه الرغبة في مطابقة أحوالهم لأحكام الإسلام، هي العنصر البارز في هذه الفترة - على الرغم من بقاء بعض رواسب الجاهلية في حياتهم - فالمهم هو رغبتهم الحقيقية القوية في مطابقة أحوالهم لأحكام الإسلام؛ والاستفسار عن بعض الأحكام بهذه الروح. لا لمجرد الاستفتاء ولا لمجرد العلم والمعرفة والثقافة! كمعظم ما يوجه إلى المفتين في هذه الأيام من استفتاءات! لقد كانت بالقوم حاجة إلى معرفة أحكام دينهم، لأنها هي التي تكوّن نظام حياتهم الجديدة. وكانت بهم حرارة لهذه المعرفة، لأن الغرض منها هو إيجاد التطابق بين واقع حياتهم وأحكام دينهم. وكان بهم انخلاع من الجاهلية، وإشفاق من كل ما كان فيها من تقاليد وعادات وأوضاع وأحكام. مع شدة إحساسهم بقيمة هذا التغيير الكامل الذي أنشأه الإسلام في حياتهم. أو بتعبير أدق بقيمة هذا الميلاد الجديد الذي ولدوه على يدي الإسلام. وهنا نجد جزاء تطلعهم لله، وجزاء حرارتهم، وصدق عزيمتهم على الاتباع.. نجد جزاء هذا كله عناية من الله ورعاية.. بأنه سبحانه - بذاته العلية - يتولى إفتاءهم فيما يستفتون فيه: {ويستفتونك في النساء. قل الله يفتيكم فيهن...}.. فهم كانوا يستفتون الرسول - صلى الله عليه وسلم - والله - سبحانه - يتفضل فيقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - قل: إن الله يفتيكم فيهن وفي بقية الشؤون التي جاء ذكرها في الآية، وهي لفتة لها قيمتها التي لا تقدر، في عطف الله سبحانه، وتكريمه للجماعة المسلمة؛ وهو يخاطبها بذاته؛ ويرعاها بعينه؛ ويفتيها فيما تستفتي، وفيما تحتاج إليه حياتها الجديدة. وقد تناولت الفتوى هنا تصوير الواقع المترسب في المجتمع المسلم من الجاهلية التي التقطه المنهج الرباني منها. كما تناولت التوجيه المطلوب، لرفع حياة المجتمع المسلم وتطهيرها من الرواسب: {قل الله يفتيكم فيهن؛ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن، وترغبون أن تنكحوهن. والمستضعفين من الولدان. وأن تقوموا لليتامى بالقسط..}. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه. فإذا فعل ذلك فلم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً. وإن كانت جميلة وهويها تزوجها، وأكل مالها. وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت. فإذا ماتت ورثها. فحرم الله ذلك ونهى عنه.. وقال في قوله: {والمستضعفين من الولدان} كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات. وذلك قوله: {ولا تؤتونهن ما كتب لهن}.. فنهى الله عن ذلك؛ وبين لكل ذي سهم سهمه فقال: للذكر مثل حظ الأنثيين، صغيراً أو كبيراً.. وقال سعيد بن جبير في قوله: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط}.. كما إذا كانت ذات جمال وقال نكحتها واستأثرت بها، كذلك وإذا لم تكن ذات مال ولا جمال فأنكحها واستأثر بها. وعن عائشة - رضي الله عنها -: ويستفتونك في النساء. قل: الله يفتيكم فيهن. - إلى قوله: {وترغبون أن تنكحوهن} قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله، حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها فنزلت الآية (أخرجه البخاري ومسلم). وقال ابن أبي حاتم: قرأت مع محمد بن عبدالله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير قالت عائشة: "ثم إن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الآية فيهن. فأنزل الله: {ويستفتونك في النساء قل: الله يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب}... الآية... قالت. والذي ذكر الله أنه يتلى في الكتاب: الآية الأولى التي قال الله: {أية : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء...}تفسير : . وبهذا الإسناد عن عائشة قالت: "وقول الله عز وجل: {وترغبون أن تنكحوهن}.. رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء - إلا بالقسط - من أجل رغبتهم هن". وظاهر من هذه النصوص، ومن النص القرآني. ما كان عليه الحال في الجاهلية؛ فيما يختص بالفتيات اليتيمات. فقد كانت اليتيمة تلقى من وليها الطمع والغبن: الطمع في مالها، والغبن في مهرها - إن هو تزوجها - فيأكل مهرها ويأكل مالها. والغبن إن لم يتزوجها كراهية لها لأنها دميمة. ومنعها أن تتزوج حتى لا يشاركه زوجها فيما تحت يده من مالها! كذلك كان الحال في الولدان الصغار والنساء، إذ كانوا يحرمونهم من الميراث لأنهم لا يملكون القوة التي يدفعون بها عن ميراثهم؛ أو أنهم غير محاربين، فلا حق لهم في الميراث، تحت تأثير الشعور القبلي، الذي يجعل للمحاربين في القبيلة كل شيء. ولا شيء للضعاف! وهذه التقاليد الشائهة البدائية، هي التي أخذ الإسلام يبدلها، وينشىء مكانها تقاليد إنسانية راقية لا تعد - كما قلنا - مجرد وثبة، أو نهضة، في المجتمع العربي. إنما هي في حقيقتها نشأة أخرى، وميلاد جديد، وحقيقة أخرى لهذه الأمة غير حقيقتها الجاهلية! والمهم الذي يجب أن نسجله: هو أن هذه النشأة الجديدة، لم تكن تطوراً مسبوقاً بأية خطوات تمهيدية له؛ أو أنه انبثق من واقع مادي تغير فجأة في حياة هذا الشعب! فالنقلة من إقامة حقوق الإرث والملك على أساس حق المحارب إلى إقامتها على أساس الحق الإنساني، وإعطاء الطفل واليتيمة والمرأة حقوقهم بصفتهم الإنسانية، لا بصفتهم محاربين! هذه النقلة لم تنشأ لأن المجتمع قد انتقل إلى أوضاع مستقرة لا قيمة فيها للمحاربين. ومن ثم قضى على الحقوق المكتسبة للمحاربين، لأنه لم يعد في حاجة إلى تمييزهم! كلا! فقد كان للمحاربين في العهد الجديد قيمتهم كلها؛ وكانت الحاجة إليهم ماسة! ولكن كان هناك.. الإسلام.. كان هناك هذا الميلاد الجديد للإنسان. الميلاد الذي انبثق من خلال كتاب؛ ومن خلال منهج؛ فأقام مجتمعاً جديداً وليداً. على نفس الأرض. وفي ذات الظروف. وبدون حدوث انقلاب لا في الإنتاج وأدواته! ولا في المادة وخواصها! وإنما مجرد انقلاب في التصور هو الذي انبثق منه الميلاد الجديد. وحقيقة أن المنهج القرآني قد كافح. وكافح طويلاً. لطمس ومحو معالم الجاهلية في النفوس والأوضاع، وتخطيط وتثبيت المعالم الإسلامية في النفوس والأوضاع.. وحقيقة كذلك أن رواسب الجاهلية ظلت تقاوم؛ وظلت تعاود الظهور في بعض الحالات الفردية؛ أو تحاول أن تعبر عن نفسها في صور شتى.. ولكن المهم هنا: هو أن المنهج المتنزل من السماء، والتصور الذي أنشأه هذا المنهج كذلك، هو الذي كان يكافح "الواقع المادي" ويعدله ويبدله.. ولم يكن قط أن الواقع المادي أو "النقيض" الكامن فيه؛ أو تبدل وسائل الإنتاج.. أو شيء من هذا "الهوس الماركسي"! هو الذي اقتضى تغيير التصورات ومناهج الحياة، وأوضاعها، لتلائم هذا التبدل الذي تفرضه وسائل الإنتاج! كان هناك فقط شيء جديد واحد في حياة هذا الشعب.. شيء هبط عليه من الملأ الأعلى.. فاستجابت له نفوس، لأنه يخاطب فيها رصيد الفطرة، الذي أودعه الله فيها.. ومن ثم وقع هذا التغيير. بل تم هذا الميلاد الجديد للإنسان. الميلاد الذي تغيرت فيه ملامح الحياة كلها.. في كل جانب من جوانبها.. عن الملامح المعهودة في الجاهلية!!! ومهما يكن هناك من صراع قد وقع بين الملامح الجديدة والملامح القديمة. ومهما يكن هناك من آلام للمخاض وتضحيات.. فقد تم هذا كله. لأن هناك رسالة علوية؛ وتصوراً اعتقادياً؛ هو الذي كان له الأثر الأول والأثر الأخير في هذا الميلاد الجديد. الذي لم تقتصر موجته على المجتمع الإسلامي؛ ولكن تعدته كذلك إلى المجتمع الإنساني كله. ومن ثم ينتهي هذا النص القرآني الذي يفتي فيه الله المؤمنين، فيما يستفتون فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمر النساء، ويقص عليهم حقوق اليتيمات، وحقوق الولدان الضعاف.. ينتهي بربط هذه الحقوق وهذه التوجيهات كلها، بالمصدر الذي جاء من عنده هذا المنهج: {وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليماً}.. فهو غير مجهول، وهو غير ضائع.. وهو مسجل عندالله. ولن يضيع خير سجل عند الله. وهذا هو المرجع الأخير الذي يعود إليه المؤمن بعمله، والجهة الوحيدة التي يتعامل معها في نيته وجهده. وقوة هذا المرجع، وسلطانه، هي التي تجعل لهذه التوجيهات ولهذا المنهج قوته وسلطانه في النفوس، وفي الأوضاع وفي الحياة. إنه ليس المهم أن تقال توجيهات؛ وأن تبتدع مناهج؛ وأن تقام أنظمة.. إنما المهم هو السلطان الذي ترتكن إليه تلك التوجيهات والمناهج والأنظمة. السلطان الذي تستمد منه قوتها ونفاذها وفاعليتها في نفوس البشر.. وشتان بين توجيهات ومناهج ونظم يتلقاها البشر من الله ذي الجلال والسلطان، وتوجيهات ومناهج ونظم يتلقونها من العبيد أمثالهم من البشر! ذلك على فرض تساوي هذه وتلك في كل صفة أخرى وفي كل سمة؛ وبلوغهما معاً أوجاً واحداً - وهو فرض ظاهر الاستحالة. ألا إنه ليكفي أن أشعر ممن صدرت هذه الكلمة، لأعطيها في نفسي ما تستحقه من مكان.. ولتفعل في نفسي ما تفعله كلمة الله العلي الأعلى. أو كلمة الإنسان ابن الإنسان! ثم نمضي خطوة أخرى مع التنظيم الاجتماعي - في محيط الأسرة - في هذا المجتمع الذي كان الإسلام ينشئه، بمنهج الله المتنزل من الملأ الأعلى، لا بعوامل التغير الأرضية في عالم المادة أو دنيا الإنتاج: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً، فلا جناج عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً. والصلح خير. وأحضرت الأنفس الشح. وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً. ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء - ولو حرصتم - فلا تميلوا كل الميل، فتذروها كالمعلقة. وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً. وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته. وكان الله واسعاً حكيماً}. لقد نظم المنهج - من قبل - حالة النشوز من ناحية الزوجة؛ والإجراءات التي تتخذ للمحافظة على كيان الأسرة (وذلك في أوائل هذا الجزء) فالآن ينظم حالة النشوز والإعراض حين يخشى وقوعها من ناحية الزوج، فتهدد أمن المرآة وكرامتها، وأمن الأسرة كلها كذلك. إن القلوب تتقلب، وإن المشاعر تتغير. والإسلام منهج حياة يعالج كل جزئية فيها، ويتعرض لكل ما يعرض لها؛ في نطاق مبادئه واتجاهاته؛ وتصميم المجتمع الذي يرسمه وينشئه وفق هذا التصميم. فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة؛ وأن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق - وهو أبغض الحلال إلى الله - أو إلى الإعراض، الذي يتركها كالمعلقة. لا هي زوجة ولا هي مطلقة، فليس هنالك حرج عليها ولا على زوجها، أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية. كأن تترك له جزءاً أو كلاً من نفقتها الواجبة عليه، أو أن تترك له قسمتها وليلتها، إن كانت له زوجة أخرى يؤثرها، وكانت هي قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها.. هذا كله إذا رأت هي - بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها - أن ذلك خير لها وأكرم من طلاقها: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً}.. هو هذا الصلح الذي أشرنا إليه.. ثم يعقب على الحكم بأن الصلح إطلاقاً خير من الشقاق والجفوة والنشوز والطلاق: {والصلح خير}.. فينسم على القلوب التي دبت فيها الجفوة والجفاف، نسمة من الندى والإيناس، والرغبة في إبقاء الصلة الزوجية، والرابطة العائلية. إن الإسلام يتعامل مع النفس البشرية بواقعها كله. فهو يحاول - بكل وسائله المؤثرة - أن يرفع هذه النفس إلى أعلى مستوى تهيئها له طبيعتها وفطرتها.. ولكنه في الوقت ذاته لا يتجاهل حدود هذه الطبيعة والفطرة؛ ولا يحاول أن يقسرها على ما ليس في طاقتها؛ ولا يقول للناس: اضربوا رؤوسكم في الحائط فأنا أريد منكم كذا والسلام! سواء كنتم تستطيعونه أو لا تستطيعونه! إنه لا يهتف للنفس البشرية لتبقى على ضعفها وقصورها؛ ولا ينشد لها أناشيد التمجيد وهي تتلبط في الوحل، وتتمرغ في الطين - بحجة أن هذا واقع هذه النفس! ولكنه كذلك لا يعلقها من رقبتها في حبل بالملأ الأعلى، ويدعها تتأرجح في الهواء؛ لأن قدميها غير مستقرتين على الأرض. بحجة الرفعة والتسامي! إنه الوسط.. إنه الفطرة.. إنه المثالية الواقعية. أو الواقعية المثالية.. إنه يتعامل مع الإنسان، بما هو إنسان. والإنسان مخلوق عجيب. هو وحده الذي يضع قدميه على الأرض؛ وينطلق بروحه إلى السماء. في لحظة واحدة لا تفارق فيها روحه جسده؛ ولا ينفصل إلى جسد على الأرض وروح في السماء! وهو هنا - في هذا الحكم - يتعامل مع هذا الإنسان. وينص على خصيصة من خصائصه في هذا المجال: {وأحضرت الأنفس الشح}. أي أن الشح حاضر دائماً في الأنفس. وهو دائماً قائم فيها. الشح بأنواعه. الشح بالمال. والشح بالمشاعر. وقد تترسب في حياة الزوجين - أو تعرض - أسباب تستثير هذا الشح في نفس الزوج تجاه زوجته. فيكون تنازلها له عن شيء من مؤخر صداقها أو من نفقتها - إرضاء لهذا الشح بالمال، تستبقي معه عقدة النكاح! وقد يكون تنازلها عن ليلتها - إن كانت له زوجة أخرى أثيرة لديه - والأولى لم تعد فيها حيوية أو جاذبية إرضاء لهذا الشح بالمشاعر، تستبقي معه عقدة النكاح! والأمر على كل حال متروك في هذا للزوجة وتقديرها لما تراه مصلحة لها.. لا يلزمها المنهج الرباني بشيء؛ ولكنه فقط يجيز لها التصرف، ويمنحها حرية النظر والتدبر في أمرها وفق ما تراه. وفي الوقت الذي يتعامل المنهج الإسلامي مع طبيعة الشح هذه، لا يقف عندها باعتبارها كل جوانب النفس البشرية. بل هو يهتف لها هتافاً آخر، ويعزف لها نغمة أخرى: {وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً}. فالإحسان والتقوى هما مناط الأمر في النهاية. ولن يضيع منهما شيء على صاحبه، فإن الله خبير بما تعمله كل نفس؛ خبير ببواعثه وكوامنه.. والهتاف للنفس المؤمنة بالإحسان والتقوى، والنداء لها باسم الله الخبير بما تعمل، هتاف مؤثر، ونداء مستجاب.. بل هو وحده الهتاف المؤثر والنداء المستجاب. ومرة أخرى نجدنا أمام المنهج الفريد، وهو يواجه واقع النفس البشرية وملابسات الحياة البشرية، بالواقعية المثالية، أو المثالية الواقعية، ويعترف بما هو كامن في تركيبها من ازدواج عجيب فريد: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء - ولو حرصتم - فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة. وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً. وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته وكان الله واسعاً حكيماً}. إن الله الذي فطر النفس البشرية، يعلم من فطرتها أنها ذات ميول لا تملكها. ومن ثم أعطاها لهذه الميول خطاماً. خطاماً لينظم حركتها فقط، لا ليعدمها ويقتلها! من هذه الميول أن يميل القلب البشري إلى إحدى الزوجات ويؤثرها على الأخريات. فيكون ميله إليها أكثر من الأخرى أو الأخريات. وهذا ميل لا حيلة له فيه؛ ولا يملك محوه أو قتله.. فماذا؟ إن الإسلام لا يحاسبه على أمر لا يملكه ; ولا يجعل هذا إثماً يعاقبه عليه ; فيدعه موزعاً بين ميل لا يملكه وأمر لا يطيقه! بل إنه يصارح الناس بأنهم لن يستطيعوا أن يعدلوا بين النساء - ولو حرصوا - لأن الأمر خارج عن إرادتهم.. ولكن هنالك ما هو داخل في إرادتهم. هناك العدل في المعاملة. العدل في القسمة. العدل في النفقة. العدل في الحقوق الزوجية كلها، حتى الابتسامة في الوجه، والكلمة الطيبة باللسان.. وهذا ما هم مطالبون به. هذا هو الخطام الذي يقود ذلك الميل. لينظمه لا ليقتله! {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة}.. فهذا هو المنهي عنه. الميل في المعاملة الظاهرة، والميل الذي يحرم الأخرى حقوقها فلا تكون زوجة ولا تكون مطلقة.. ومعه الهتاف المؤثر العميق في النفوس المؤمنة؛ والتجاوز عما ليس في طاقة الإنسان. {وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً}. ولأن الإسلام يتعامل مع النفس البشرية بجملة ما فيها من مزاج فريد مؤلف من القبضة من الطين والنفخة من روح الله. وبجملة ما فيها من استعدادات وطاقات. وبواقعيتها المثالية، أو مثاليتها الواقعية، التي تضع قدميها على الأرض، وترف بروحها إلى السماء، دون تناقض ودون انفصام. لأن الإسلام كذلك.. كان نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم - هو الصورة الكاملة للإنسانية حين تبلغ أوجها من الكمال؛ فتنمو فيها جميع الخصائص والطاقات نمواً متوازناً متكاملاً في حدود فطرة الإنسان. وكان هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم بين نسائه فيما يملك، ويعدل في هذه القسمة، لا ينكر أنه يؤثر بعضهن على بعض. وأن هذا خارج عما يملك. فكان يقول: "حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك. فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"تفسير : يعني القلب (أخرجه أبو داود).. فأما حين تجف القلوب، فلا تطيق هذه الصلة؛ ولا يبقى في نفوس الزوجين ما تستقيم معه الحياة، فالتفرق إذن خير. لأن الإسلام لا يمسك الأزواج بالسلاسل والحبال، ولا بالقيود والأغلال؛ إنما يمسكهم بالمودة والرحمة؛ أو بالواجب والتجمل. فإذا بلغ الحال أن لا تبلغ هذه الوسائل كلها علاج القلوب المتنافرة، فإنه لا يحكم عليها أن تقيم في سجن من الكراهية والنفرة؛ أو في رباط ظاهري وانفصام حقيقي! {وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته. وكان الله واسعاً حكيماً}.. فالله يعد كلاً منهما أن يغنيه من فضله هو، ومما عنده هو؛ وهو - سبحانه - يسع عباده ويوسع عليهم بما يشاء في حدود حكمته وعلمه بما يصلح لكل حال. إن دراسة هذا المنهج، وهو يعالج مشاعر النفوس، وكوامن الطباع، وأوضاع الحياة في واقعيتها الكلية.. تكشف عن عجب لا ينقضي، من تنكر الناس لهذا المنهج.. هذا المنهج الميسر، الموضوع للبشر، الذي يقود خطاهم من السفح الهابط، في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة؛ وفق فطرتهم واستعدادتهم؛ ولا يفرض عليهم أمراً من الارتفاع والتسامي، إلا وله وتر في فطرتهم يوقع عليه؛ وله استعداد في طبيعتهم يستجيشه؛ وله جذر في تكوينهم يستنبته.. ثم هو يبلغ بهم - بعد هذا كله - إلى ما لا يبلغه بهم منهج آخر.. في واقعية مثالية. أو مثالية واقعية.. هي صورة طبق الأصل من تكوين هذا الكائن الفريد. ولأن هذه الأحكام الخاصة بتنظيم الحياة الزوجية، قطاع من المنهج الرباني لتنظيم الحياة كلها؛ ولأن هذا المنهج بجملته قطاع من الناموس الكوني، الذي أراده الله للكون كله، فهو يتوافق مع فطرة الله للكون، وفطرة الله للإنسان، الذي يعيش في هذا الكون.. لأن هذه هي الحقيقة العميقة في هذا المنهج الشامل الكبير، يجيء في سياق السورة بعد الأحكام الخاصة بتنظيم الأسرة، ما يربطها بالنظام الكوني كله؛ وسلطان الله في الكون كله، وملكية الله للكون كله. ووحدة الوصية التي وصى الله بها الناس في كتبه كلها؛ وثواب الدنيا وثواب الآخرة.. وهي القواعد التي يقوم عليها المنهج كله. قواعد الحق والعدل والتقوى: {ولله ما في السماوات وما في الأرض. ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم: أن اتقوا الله. وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنياً حميداً، ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً. إن يشأ يذهبكم - أيها الناس - ويأت بآخرين. وكان الله على ذلك قديراً. من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة. وكان الله سميعاً بصيراً}. ويكثر في القرآن التعقيب على الأحكام، وعلى الأوامر والنواهي بأن لله ما في السماوات وما في الأرض؛ أو بأن لله ملك السماوات والأرض. فالأمران متلازمان في الحقيقة. فالمالك هو صاحب السلطان في ملكه؛ وهو صاحب حق التشريع لمن يحتويهم هذا الملك. والله وحده هو المالك، ومن ثم فهو وحده صاحب السلطان الذي يشرع به للناس. فالأمران متلازمان. كذلك يبرز هنا من وصية الله - سبحانه - لكل من أنزل عليهم كتاباً.. الوصية بالتقوى، وذلك بعد تعيين من له ملكية السماوات والأرض، ومن له حق الوصية في ملكه: {ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}. فصاحب السلطان الحقيقي هو الذي يُخشى ويُخاف. وتقوى الله هي الكفيلة بصلاح القلوب، وحرصها على منهجه في كل جزئياته. كذلك يبين لمن يكفرون ضآلة شأنهم في ملك الله؛ وهو أن أمرهم عليه سبحانه؛ وقدرته على الذهاب بهم والمجيء بغيرهم: {وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض، وكان الله غنياً حميداً. ولله ما في السماوات وما في الأرض، وكفى بالله وكيلاً. إن يشأ يذهبكم - أيها الناس - ويأت بآخرين. وكان الله على ذلك قديراً}.. فهو - سبحانه - إذ يوصيهم بتقواه، لا يعنيه في شيء ولا يضره في شيء ألا يسمعوا الوصية، وأن يكفروا. فإن كفرهم لن ينقص من ملكه شيئاً.. {فإن لله ما في السماوات وما في الأرض} وهو قادر على أن يذهب بهم ويستبدل قوماً غيرهم، إنما هو يوصيهم بالتقوى لصلاحهم هم، ولصلاح حالهم. وبقدر ما يقرر الإسلام كرامة الإنسان على الله؛ وتكريمه على كل ما في الأرض، وكل من في الكون.. بقدر ما يقرر هو أنه على الله حين يكفر به، ويعتو وتجبر، ويدعي خصائص الألوهية بغير حق.. فهذه كفاء تلك في التصور الإسلامي، وفي حقيقة الأمر والواقع كذلك.. ويختم هذا التعقيب بتوجيه القلوب الطامعة في الدنيا وحدها، إلى أن فضل الله أوسع.. فعنده ثواب الدنيا والآخرة.. وفي استطاعة الذين يقصرون همهم على الدنيا، أن يتطلعوا بأنظارهم وراءها؛ وأن يأملوا في خير الدنيا وخير الآخرة. {من كان يريد ثواب الدنيا، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.. وكان الله سميعاً بصيراً}.. وإنه ليكون من الحمق، كما يكون من سقوط الهمة، أن يملك الإنسان التطلع إلى الدنيا والآخرة معاً؛ وإلى ثواب الدنيا وثواب الآخرة جميعاً - وهذا ما يكفله المنهج الإسلامي المتكامل الواقعي المثالي - ثم يكتفي بطلب الدنيا، ويضع فيها همه؛ ويعيش كالحيوان والدواب والهوام؛ بينما هو يملك أن يعيش كالإنسان! قدم تدب على الأرض وروح ترف في السماء. وكيان يتحرك وفق قوانين هذه الأرض؛ ويملك في الوقت ذاته أن يعيش مع الملأ الأعلى! وأخيراً فإن هذه التعقيبات المتنوعة - كما تدل على الصلة الوثيقة بين الأحكام الجزئية في شريعة الله والمنهج الكلي للحياة - تدل في الوقت ذاته على خطورة شأن الأسرة في حساب الإسلام. حتى ليربطها بهذه الشؤون الكبرى؛ ويعقب عليها بوصية التقوى الشاملة للأديان جميعاً؛ وإلا فالله قادر على أن يذهب بالناس ويأتي بغيرهم يتبعون وصيته؛ ويقيمون شريعته.. وهو تعقيب خطير. يدل على أن أمر الأسرة كذلك خطير في حساب الله. وفي منهجه للحياة..
ابن عاشور
تفسير : عطف تشريع على إيمان وحكمة وعظة. ولعلّ هذا الاستفتاء حدث حين نزول الآيات السابقة. فذكر حكمه عقبها معطوفاً. وهذا الاستفتاء حصل من المسلمين بعد أن نزل قوله تعالى: {أية : وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء}تفسير : [النساء: 3] الخ. وأحسن ما ورد في تفسير هذه الآية ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير أنّه سأل عائشة عن قول الله تعالى: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشركه في ماله ويُعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيَها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ. وأنّ الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله تعالى: {ويستفتونك في النساء}. قالت عائشة: وقول الله تعالى: {وترغبون أن تنكحوهن} رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال؛ قالت: فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلاّ بالقسط من أجْل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال، وكان الولي يرغب عن أن ينكحها ويكره أن يزوّجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها. فنزلت هذه الآية. فالمراد: ويستفتونك في أحكام النساء إذ قد علم أنّ الاستفتاء لا يتعلّق بالذوات، فهو مثل قوله:{أية : حرّمت عليكم أمّهاتكم}تفسير : [النساء: 23]. وأخصّ الأحكام بالنساء: أحكام ولايتهنّ، وأحكام معاشرتهنّ. وليس المقصود هنا ميراث النساء إذ لا خطور له بالبال هنا. وقوله: {قل الله يفتيكم فيهن} وعد باستيفاء الإجابة عن الاستفتاء، وهو ضرب من تبشير السائل المتحيّر بأنّه قد وجد طلبته، وذلك مثل قولهم: على الخبير سقطت. وقوله تعالى: {أية : سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً}تفسير : [الكهف: 78]. وتقديم اسم الجلالة للتنويه بشأن هذه الفتيا. وقوله: {وما يتلى عليكم} عطف على اسم الجلالة، أي ويفتيكم فيهنّ ما يتلى عليكم في الكتاب، أي القرآن، وإسناد الإفتاء إلى ما يُتلى إسناد مجازي، لأنّ ما يتلى دالّ على إفتاء الله فهو سبب فيه، فآل المعنى إلى: قل الله يفتيكم فيهنّ بما يتلى عليكم في الكتاب، والمراد بذلك بما تلي عليهم من أوّل السورة، وما سيتلى بعد ذلك، فإنّ التذكير به وتكريره إفتاء به مرّة ثانية، وما أتبع به من الأحكام إفتاء أيضاً. وقد ألّمت الآية بخلاصة ما تقدّم من قوله: {أية : وآتوا اليتامى أموالهم}تفسير : [النساء: 2] إلى قوله: {أية : وكفى بالله حسيباً}تفسير : [النساء: 6]. وكذلك أشارت هذه الآية إلى فِقر ممّا تقدّم: بقوله هنا: {في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهنّ ما كُتب لهنّ} فأشار إلى قوله: {أية : وإن خفتم أن لا تقسطوا} تفسير : [النساء: 3] إلى قوله: {أية : فكلوه هنيئاً مريئاً}تفسير : [النساء: 4]. ولحذف حرف الجرّ بعد {ترغبون} ــــ هنا ــــ موقع عظيم من الإيجاز وإكثار المعنى، أي ترغبون عن نكاح بعضهنّ، وفي نكاح بعض آخر، فإنّ فعْل رغب يتعدّى بحرف (عن) للشيء الذي لا يُحَبّ؛ وبحرف (في) للشيء المحبوب. فإذا حذف حرف الجرّ احتمل المعنيين إن لم يكن بينهما تناف، وذلك قد شمله قوله في الآية المتقدّمة {أية : وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا}تفسير : [النساء: 3] الخ. وأشار بقوله هنا {والمستضعفين من الولدان} إلى قوله هنالك {أية : وآتوا اليتامى أموالهم} تفسير : [النساء: 2] إلى {أية : كَبيراً}تفسير : [النساء: 2] وإلى قوله: {أية : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} تفسير : [النساء: 5] إلى قوله: {أية : معروفاً}تفسير : [النساء: 5]. وأشار بقوله: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} إلى قوله هنالك {أية : وابتلوا اليتامى} تفسير : [النساء: 6] إلى {أية : حسيباً}تفسير : [النساء: 6]. ولا شكّ أنّ ما يتلى في الكتاب هو من إفتاء الله، إلاّ أنّه لمّا تقدّم على وقت الاستفتاء كان مغايراً للمقصود من قوله: {الله يفتيكم فيهنّ}، فلذلك صحّ عطفه عليه عطف السبب على المسبّب. والإفتاء الأنف هو من قوله: {أية : وإنِ امرأةٌ خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} تفسير : [النساء: 128] إلى {أية : واسعاً حكيماً}تفسير : [النساء: 130]. و(في) من قوله: {في يتامى النساء} للظرفية المجازية، أي في شأنهن، أو للتعليل، أي لأجلهنّ، ومعنى {كُتب لهنّ} فُرِض لهنّ إمّا من أموال من يرثْنَهم، أو من المهور التي تدفعونها لهنّ، فلا توفوهنّ مهور أمثالهنّ، والكلّ يعدّ مكتوباً لهنّ، كما دلّ عليه حديث عائشة ــــ رضي الله عنها ــــ وعلى الوجهين يجيء التقدير في قوله: {وترغبون أن تنكحوهنّ} ولك أن تجعل الاحتمالين في قوله: {ما كتب لهنّ} وفي قوله: {وترغبون أن تنكحوهنّ}. مقصودين على حدّ استعمال المشترك في معنييه. وقوله: {والمستضعفين} عطف على {يتامى النساء}، وهو تكميل وإدماج، لأنّ الاستفتاء كان في شأن النساء خاصّة، والمراد المستضعفون والمستضعفات، ولكنّ صيغة التذكير تغليبٌ، وكذلك الولدان، وقد كانوا في الجاهلية يأكلون أموال من في حجرهم من الصغار. وقوله: {وأن تقوموا} عطف على {يتامى النساء}، أي وما يتلى عليكم في القيام لليتامى بالعدل. ومعنى القيام لهم التدبير لشؤونهم، وذلك يشمل يتامى النساء.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ} الآية. لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم في الكتاب ما هو، ولكنه بينه في أول السورة وهو قوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3] الآية. كما قدمناه عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - فقوله هنا: {وَمَا يُتْلَىٰ} [النساء: 127] في محل رفع معطوفاً على الفاعل الذي هو لفظ الجلالة، وتقرير المعنى قل الله يفتيكم فيهن، ويفتيكم فيهن أيضاً: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 127] الآية. وذلك قوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} تفسير : [النساء: 103] الآية. ومضمون ما أفتى به هذا الذي يتلى علينا في الكتاب هو تحريم هضم حقوق اليتيمات فمن خاف أن لا يقسط في اليتيمة التي في حجره فليتركها ولينكح ما طاب له سواها، وهذا هو التحقيق في معنى الآية كما قدمنا، وعليه فحرف الجر المحذوف في قوله: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] هو عن أي: ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن. أي: كما أنكم ترغبون عن نكاحهن إن كن قليلات مال وجمال فلا يحل لكم نكاحهن إن كن ذوات مال وجمال إلا بالإقساط إليهن في حقوقهن كما تقدم عن عائشة - رضي الله عنها. وقال بعض العلماء: الحرف المحذوف هو في أي: ترغبون في نكاحهن إن كن متصفات بالجمال وكثرة المال مع أنكم لا تقسطون فيهن، والذين قالوا بالمجاز واختلفوا في جواز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معاً أجازوا ذلك في المجاز العقلي كقولك: أغناني زيد وعطاؤه، فإسناد الإغناء إلى زيد حقيقة عقلية، وإسناده إلى العطاء مجاز عقلي فجاز جمعها، وكذلك إسناد الإفتاء إلى الله حقيقي، وإسناده إلى ما يتلى مجاز عقلي عندهم. لأنه سببه فيجوز جمعهما. وقال بعض العلماء: إن قوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} [النساء: 127] في محل جر معطوفاً على الضمير، وعليه فتقرير المعنى قل الله يفتيكم فيهن ويفتيكم فيما يتلى عليكم وهذا الوجه يضعفه أمران: الأول: أن الغالب أن الله يفتي بما يتلى في هذا الكتاب، ولا يفتي فيه لظهور أمره. الثاني: أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ضعفه غير واحد من علماء العربية، وأجازه ابن مالك مستدلاً بقراءة حمزة، والأرحام بالفخض عطفاً على الضمير من قوله: تساءلون به، وبوروده في الشعر كقوله: شعر : فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب تفسير : بجر الأيام عطفاً على الكاف، ونظيره قول الآخر: شعر : نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب مهوى نفانف تفسير : بجر الكعب معطوفاً على الضمير قبله، وقول الآخر: شعر : وقد رام آفاق السماء فلم يجد له مصعداً فيها ولا الأرض مقعدا تفسير : فقوله: ولا الأرض بالجر معطوفاً على الضمير، وقول الآخر: شعر : أمر على الكتيبة لست أدري أحنفي كان فيها أم سواها تفسير : فسواها في محل جر بالعطف على الضمير، وأجيب عن الآية بجواز كونها قسماً، والله تعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه، كما أقسم بمخلوقاته كلها في قوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الحاقة: 38-39] الآية. وعن الأبيات بأنها شذوذ يحفظ، ولا يقاس عليه، وصحح العلامة ابن القيم - رحمه الله - جواز العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وجعل منه قوله تعالى: {أية : حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنفال: 64] فقال إن قوله: {وَمَنْ} في محل جر عطفاً على الضمير المجرور في قوله: {حَسْبُكَ} وتقرير المعنى عليه حسبك الله. أي: كافيك، وكافي من اتبعك من المؤمنين، وأجاز ابن القيم والقرطبي في قوله: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ} أن يكون منصوباً معطوفاً على المحل. لأن الكاف مخفوض في محل نصب ونظيره قول الشاعر: شعر : إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند تفسير : بنصب الضحاك كما ذكرنا، وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} تفسير : [الحجر: 20] فقال: ومن عطف على ضمير الخطاب في قوله لكم وتقرير المعنى عليه، وجعلنا لكم ولمن لستم له برازقين فيها معايش، وكذلك إعراب وما يتلى بأنه مبتدأ خبره محذوف أو خبره في الكتاب، وإعرابه منصوباً على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره، ويبين لكم ما يتلى، وإعرابه مجروراً على أنه قسم، كل ذلك غير ظاهر. وقال بعض العلماء: إن المراد بقوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} [النساء: 127] آيات المواريث. لأنهم كانوا لا يورثون النساء فاستفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأنزل الله آيات المواريث. وعلى هذا القول فالمبين لقوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} هو قوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} تفسير : [النساء: 11] الآيتين. وقوله في آخر السورة: {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} تفسير : [النساء: 176] الآية. والظاهر أن قول أم المؤمنين أصح وأظهر. تنبيه المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] أصله مجرور بحرف مخلوف، وقد قدمنا الخلاف هل هو عن، وهو الأظهر، أو هو في، وبعد حذف حرف الجر الذكور فالمصدر في محل نصب على التحقيق، وبه قال الكسائي والخليل: وهو الأقيس لضعف الجار عن العمل محذوفاً. وقال الأخفش: هو في محل جر بالحرف المحذوف بدليل قول الشاعر: شعر : وما زرت ليلى أن تكون حبيبة إلي ولا دين بها أنا طالبه تفسير : بجر دين عطفاً على محل أن تكون أي: لكونها حبيبة ولا لدين، ورد أهل القول الأول الاحتجاج بالبيت بأنه من عطف التوهم كقول زهير: شعر : بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا تفسير : بجر سابق لتوهم دخول الباء على المعطوف عليه الذي هو خبر ليس وقول الآخر: شعر : مشائم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها تفسير : بجر ناعب لتوهم الباء وأجاز سيبويه الوجهين. واعلم أن حرف الجر لا يطرد حذفه إلا في المصدر المنسبك من أن، وأن وصلتهما عند الجمهور خلافاً لعلي بن سليمان الأخفش القائل بأنه مطرد في كل شيء عند أمن اللبس، وعقده ابن مالك في الكافية بقوله: شعر : وابن سليمان اطراده رأي إن لم يخف لبس كمن زيد نأى تفسير : وإذا حذف حرف الجر مع غير أن، وأن نقلاً على مذهب الجمهور، وقياساً عند أمن اللبس في قول الأخفش فالنصب متعين، والناصب عند البصريين الفعل، وعند الكوفيين نزع الخافض كقوله: شعر : تمرون الديار ولن تعوجوا كلامكم علي إذن حرام تفسير : وبقاؤه مجروراً مع حذف الحرف شاذ كقول الفرزدق: شعر : إذا قيل أي الناس شر قبيلة أشارت كليب بالأكف الأصابع تفسير : أي: أشارت الأصابع بالأكف أي مع الأكف إلى كليب: وقوله تعالى: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ} الآية. القسط العدل، ولم يبين هنا هذا القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [الأنعام: 152] وقوله: {أية : قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} تفسير : [البقرة: 220] وقوله: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} تفسير : [الضحى: 9] وقوله: {أية : وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ} تفسير : [البقرة: 177] الآية. ونحو ذلك من الآيات فكل ذلك فيه القيام بالقسط لليتامى.
الواحدي
تفسير : {ويستفتونك} يطلبون منك الفتوى {في النساء} في توريثهنَّ: كانت العرب لا تورث النِّساء والصِّبيان شيئاً من الميراث {قل الله يفتيكم فيهنَّ وما يتلى عليكم} أَي: القرآن يُفتيكم أيضاً. يعني: آية المواريث في أوَّل هذه السورة {في} ميراث {يتامى النساء} ؛ لأنَّها نزلت في قصَّة أم كجَّة، وكانت لها بنات {اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهنَّ} أَيْ: فُرض لهن من الميراث {وترغبون} عن {أن تنكحوهنَّ} لدمامتهنَّ. قالت عائشة رضي الله عنها: نزلت في اليتيمة يرغب وليها عن نكاحها، ولا يُنكحها فيعضلها طمعاً في ميراثها، فنُهي عن ذلك {والمستضعفين من الولدان} أَيْ: يُفتيكم في الصِّغار من الغلمان والجواري أن تعطوهنَّ حقهنَّ {وأن تقوموا} أَيْ: وفي أن تقوموا {لليتامى بالقسط} أَي: بالعدل في مهورهنَّ ومواريثهنَّ {وما تفعلوا من خير} من حسنٍ فيما أمرتكم به {فإنَّ الله كان به عليماً} يجازيكم عليه. {وإن امرأة خافت} علمت {من بعلها} زوجها {نشوزاً} ترفُّعاً عليها لبغضها، وهو أن يترك مجامعتها {أو إعراضاً} بوجهه عنها {فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحاً} في القسمة والنَّفقة، وهي أن ترضى هي بدون حقِّها، أو تترك من مهرها شيئاً ليسوِّي الزَّوج بينها وبين ضرَّتها في القسمة، وهذا إذا رضيت بذلك لكراهة فراق زوجها، ولا تجبر على هذا لأنَّها إنْ لم ترض بدون حقِّها كان الواجب على الزَّوج أن يوفيها حقَّها من النَّفقة والمبيت {والصلحُ خيرٌ} من النُّشوز والإِعراض. أَيْ: إنْ يتصالحا على شيءٍ خيرٌ من أن يُقيما على النُّشوز والكراهة بينهما {وأحضرت الأنفس الشح} أَيْ: شحَّت المرأة بنصيبها من زوجها، وشحَّ الرَّجل على المرأة بنفسه إذا كان غيرها أحبَّ إليه منها {وإن تحسنوا} العشرة والصُّحبة {وتتقوا} الجور والميل {فإنَّ الله كان بما تعملون خبيراً} لا يضيع عنده شيء. {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} لن تقدروا على التَّسوية بينهنَّ في المحبَّة ولو اجتهدتم {فلا تميلوا كلَّ الميل} إلى التي تحبُّون في النَّفقة والقسمة {فتذروها كالمعلقة} فتدعوا الأخرى كأنَّها معلَّقةٌ لا أيِّماً ولا ذات بعل {وإن تصلحوا} بالعدل في القسم {وتتقوا} الجور {فإنَّ الله كان غفوراً رحيماً} لما ملت إلى التي تحبُّها بقلبك، ولمَّا ذكر جواز الصُّلح بينهما إنْ أحبَّا أن يجتمعا ذكر بعده الافتراق، فقال: {وإن يتفرقا} أَيْ: إنْ أبت المرأة الكبيرة الصُّلْح، وأبت إلاَّ التَّسوية بينها وبين الشَّابَّة فتفرَّقا بالطَّلاق، فقد وعد الله لهما أن يُغني كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبه بعد الطَّلاق من فضله الواسع بقوله: {يغن الله كُلاً من سعته وكان الله واسعاً} لجميع خلقه في الرِّزق والفضل {حكيماً} فيما حكم ووعظ. {إنْ يشأ يذهبكم أيها الناس} يعني: المشركين والمنافقين {ويأت بآخرين} أمثل وأطوع لله منكم. {مَنْ كان يريد ثواب الدنيا} أَيْ: متاعها {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} أَيْ: خير الدُّنيا والآخرة عنده، فليطلب ذلك منه، وهذا تعريضٌ بالكفَّار الذين كانوا لا يؤمنون بالبعث، وكانوا يقولون: ربنا آتنا في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خَلاق.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 127- قد استفتى الناس النبى فى شأن النساء وكنَّ ولا يزلن ضعيفات، فبيَّن الله لنبيه أن يبين حال النساء وحال الضعفاء فى الأسرة من الولدان واليتامى، وذكر أن يتامى النساء اللاتى يُزوجن ولا يأخذن مهورهن، والأولاد، واليتامى، كل هؤلاء يعاملون بالعدل والرحمة والرعاية، وأن كل ما يفعل من خير فإن الله يعلمه وهو الذى سيجزى به. 128- وإن الزوجة إذا خافت من زوجها إهمالاً لشئون الأسرة أو إعراضاً عنها وعدم إقبال عليها. فلا إثم عليهما فى أن يحاولا إصلاح ما بينهما بالصلح الجميل والتقريب. والعاقل منهما يبدأ به، والصلح خير دائماً لا شر فيه، وإن الذى يمنع الصلح هو تَمَسُّك كل من الزوجين بحقوقه كاملة، إذ يسيطر الشح النفسى، ولا سبيل لعودة المودة إلا التساهل من أحد الجانبين وهو المحسن المتقى، ومن يعمل العمل الحسن ويتق الله، فإن الله خبير بعمله ومجازيه عليه. 129- وإن العدل مع النساء بالمحبة الدائمة التى لا تشوبها شائبة، والمساواة بين محبتها بحيث يبادلها ما تبادله، أمر غير ممكن دائماً، وغير ممكنة كذلك المساواة فى المحبة بين الزوجات إذا كان عنده أكثر من واحدة، ولكن إذا حرصتم فلا تجوروا عليها وتميلوا كل الميل إلى غيرها وتتركوها لا هى ذات زوج ولا هى مطلقة، ويجب أن تصلحوا أنفسكم وتقيموا الأسرة على الصلاح من غير إفساد. وتتقوا الله فإن الله يغفر لكم ويرحمكم إذ من شأنه المغفرة والرحمة. 130- وإذا لم يمكن الإصلاح واستحكمت النفرة، فإن التفريق لازم، وإن يتفرقا يغن الله كل واحد منهما من سعة رحمته وفضله، والأرزاق بيد الله، والله واسع الرحمة والفضل، وهو حكيم يضع الأمور فى مواضعها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يستفتونك: يطلبون منك الفتيا في شأن النساء وميراثهن. وما يتلى عليكم: يقرأ عليكم في القرآن. ما كتب لهن: ما فرض لهن من المهور والميراث. بالقسط: بالعدل. نشوزاً: ترفعاً وعدم طاعة. وأحضرت الأنفس الشح: جبلت النفوس على الشح فلا يفارقها أبداً. فتذروها كالمعلقة: فتتركوها كالمعلقة ما هي بالمزوجة ولا المطلقة. من سعته: من رزقه الواسع. وكان الله واسعاً حكيما: واسع الفضل حكيماً يعطي فضله حسب علمه وحكمته. معنى الآيات: هذه الآيات الأربع كل آية منها تحمل حكماً شرعياً خاصا فالأولى [127] نزلت إجابة لتساؤلات من بعض الأصحاب حول حقوق النساء ما لهن وما عليهن لأن العرف الذي كان سائداً في الجاهلية كان يمنع النساء والأطفال من الميراث بالمرة وكان اليتامى لا يراعى لهم جانب ولا يحفظ لهم حق كامل فلذا نزلت الآيات الأولى من هذه السورة وقررت حق المرأة والطفل في الإِرث وحضت على المحافظة على مال اليتامى وكثرت التساؤلات لعل قرآناً ينزل إجابة لهم حيث اضطربت نفوسهم لما نزل فنزلت هذه الآية الكريمة تردهم إلى ما في أول السورة وأنه الحكم النهائي في القضية فلا مراجعة بعد هذه، فقال تعالى وهو يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ} أي وما زالوا يستفتونك في النساء، أي في شأن ما لهن وما عليهن من حقوق كالإِرث والمهر وما إلى ذلك. قل لهم أيها الرسول {ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} وقد أفتاكم فيهن وبين لكم ما لهن ما عليهن. وقوله تعالى: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} أي وما يتلى عليكم في يتامى النساء في أول السورة كافٍ لكم لا تحتاجون معه إلى من يفتيكم أيضاً إذ بين لكم أن من كانت تحته يتيمة دميمة لا يرغب في نكاحها فليعطها مالها وليزوجها غيره وليتزوج هو من شاء، ولا يحل له أن يحبسها في بيته لأجل مالها، وإن كانت جميلة وأراد أن يتزوجها فليعطها مهر مثيلاتها ولا يبخسها من مهرها شيئاً. وقوله {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ} أي وقد أفتاكم بما يتلى عليكم من الآيات في أول السورة في المستضعفين من الولدان حيث قد أعطاهم حقهم وافياً في آية {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} تفسير : [النساء: 11] الآية. فلم هذه المراجعات والاستفتاءات؟؟ وقوله تعالى {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ} أي وما تلى عليكم في أول السورة كان آمراً إياكم بالقسط لليتامى والعدل في أموالهم فارجعوا إليه في قوله: {أية : وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} تفسير : [النساء: 2] وقوله تعالى في ختام الآية {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} حث لهم على فعل الخير بالإِحسان إلى الضعيفين المرأة واليتيم زيادة عل توفيتهما حقوقهما وعدم المساس بها. هذا ما دلت عليه الآية الكريمة {وَيَسْتَفْتُونَكَ.....} إلخ. أما الآية الثانية [128] {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} فقد تضمنت حكماً عادلاً رحيماً وإرشاداً ربانيا سديداً وهو أن الزوجة إذا توقعت من زوجها نشوزاً أي ترفعاً عليها أو إعراضاً عنها، وذلك لكبر سنها أو لقلة جمالها وقد تزوج عليها غيرها في هذا الحال في الإِمكان أن تجري مع زوجها صلحاً يحفظ لها بقاءها في بيتها عزيزة محترمة فتتنازل له عن بعض حقها في الفراش وعن بعض ما كان واجباً لها وهذا خير لها من الفراق. ولذا قال تعالى {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} وقوله تعالى {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} يريد أن الشح ملازم للنفس البشرية لا يفارقها والمرأة كالرجل في هذا إلا أن المرأة أضن وأشح بنصيبها في الفراش وبباقي حقوقها من زوجها. إذاً فليراع الزوج هذا ولذا قال تعالى {وَإِن تُحْسِنُواْ} أيها الأزواج إلى نسائكم {وَتَتَّقُواْ} الله تعالى فيهن فلا تحرموهن ما لهن من حق في الفراش وغيره فإن الله تعالى يجزيكم بالإِحسان إحساناً وبالخير خيراً فإنه تعالى {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. هذا ما دلت عليه الآية [128] وأما الآية الثالثة [129] وهي قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} فقد تضمنت حقيقة كبرى وهي عجز الزوج عن العدل بين زوجاته اللائي في عصمته فمهما حرص على العدل وتوخاه فإنه لن يصل إلى منتهاه أبداً والمراد بالعدل هنا في الحب والجماع. أما في القسمة والكساء والغذاء والعشرة بالمعروف فهذا مستطاع له، ولما علم تعالى هذا من عبده رخص له في ذلك ولم يؤاخذه بميله النفس كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" تفسير : والمحرم على الزوج هو الميل الكامل إلى إحدى زوجاته عن باقيهن، لأن لك يؤدي أن تبقى المؤمنة في وضع لا هي متزوجة تتمتع بالحقوق الزوجية ولا هي مطلقة يمكنها أن تتزوج من رجل آخر تسعد بحقوقها معه وهذا معنى قوله تعالى {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ} وقوله تعالى: {وَإِن تُصْلِحُواْ} أي أيها الأزواج في أعمالكم وفي القسم بين زوجاتكم وتتقوا الله تعالى في ذلك فلا تميلوا كل الميل، ولا تجوروا فيما تطيقون العدل فيه فإنه تعالى يغفر لكم ما عجزتم عن القيام به لضعفكم ويرحمكم في دنياكم وأخراكم لأن الله تعالى كان وما زال غفوراً للتائبين رحيماً بالمؤمنين. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة أما الآية الرابعة [130] وهي قوله تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} فإن الله تعالى يعد الزوجين الذين لم يوفقا للإِصلاح بينهما لشح كل منهما بماله وعدم التنازل عن شيء من ذلك يعدهما ربهما إن هم تفرقا بالمعروف أن يغني كلا منهما من سعته وهو الواسع الحكيم فالمرأة يرزقها زوجاً خيراً من زوجها الذي فارقته، والرجل يرزقه كذلك امرأة خيراً ممن فارقها لتعذر الصلح بينهما. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ إرث النساء والأطفال، والمحافظة على مال اليتامى وحرمة أكلها. 2- استحباب الصلح بين الزوجين عند تعذر البقاء مع بعضهما إلا به. 3- تعذر العدل بين الزوجين في الحب والوطء استلزم عدم المؤاخذة به واكتفى الشارع بالعدل في الفراش والطعام والشراب والكسوة والمعاشرة بالمعروف. 4- الترغيب في الإِصلاح والتقوى وفعل الخيرات. 5- الفرقة بين الزوجين إن كانت على مبدأ الإِصلاح والتقوى أعقبت خيراً عاجلاً أو آجلاً.
القطان
تفسير : يستفتونك: يطلبون منك بيان الحقيقة. يفتيكم: يبين لكم ما أشكلَ عليكم. المستضعفين: الضعفاء من اليتامى والولدان. إنهم يطلبون منك يا محمد بيان ما غمُض من أحكام النساء، والمراد بهن هنا اليتيمات. كان من عادة العرب في الجاهلية اذا كانت عند أحدهم بنت يتيمة صار وليها ووارثها، ورغب في تزوّجها ليأخذ مالَها. وقد تكون غير جميلة ولها مال فلا يتزوجها ولا يزوجها من أحد.. خشية ان يُحرم من مالها؟ فجاءت الآية هنا تدعو الى ترك عادات الجاهلية. فالرجل الذي عنده يتيمة يريد ان يتزوجها يجب عليه ان يدفع لها مهراً كالمرأة الغريبة عنه. واذا لم يرغب في زواجها فليتركها تتزوج من غيره. كما بيّنت الآية أنه يجب توريث الضعفاء من الأولاد الصغار والنساء واعطاؤهم حقوقهم كاملة. ثم رغَّب الله تعالى المؤمنين في العمل بما فيه فائدة لليتامى، وذكّرهم انه عالِمٌ لا يعزب عن علمه شيء، وهو مجازيهم بما يعملون. والخلاصة: ان الذي يتلى عليهم في الضعيفَين، المرأة واليتيم، هو ما تقدّمَ في أول السورة، لذلك يذكّرهم الله بتلك الآيات المفصّلة ليتدبّروها ثم يعملوا بها. وهو بذلك كله يريد استئصال عادات الجاهلية الممقوتة، ويضع عوضاً منها تقاليد انسانية راقية يبني عليها المجتمع الاسلامي العظيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {يَتَامَى} {ٱلَّلاتِي} {ٱلْوِلْدَانِ} {لِلْيَتَامَىٰ} (127) - يَسْتَفْتُونَكَ فِي شَأْنِ النِّسَاءِ لِبَيَانِ مَا غَمَضَ وَأشْكَلَ مِنْ أحْكَامِهِنَّ، مِنْ جِهَةِ حُقُوقِهِنَّ المَالِيَّةِ، وَالزَّوْجِيَّةِ، فَقُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، فِيمَا يُوحِيهِ إليكَ مِنَ الأحْكَامِ فِي كِتَابِهِ، وَيُفْتِيكُمْ فِي شَأنِهِنَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي القُرْآنِ، مِمّا نَزَلَ قَبلَ هَذَا الاسْتِفْتَاءِ، فِي أحْكَامِ مُعَامَلَةِ يَتَامَى النِّسَاءِ، اللاتِي جَرَتْ عَادَتُكُمْ ألاَّ تُعْطُوهُنَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَهُنَّ مِنَ الإِرْثِ، إذا كَانَ في أيدِيكُمْ، لِوِلاَيَتِكُمْ عَلَيْهِنَّ، وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِجَمَالِهِنَّ وَالتَّمَتُّعِ بِأمْوَالِهِنَّ، أوْ تَرْغَبُونَ عَنْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِدَمَامَتِهِنَّ، فَلاَ تَنْكِحُوهُنَّ أنْتُمْ وَلاَ تُنْكِحُوهُنَّ غَيْرَكُمْ مِنَ الرِّجَالِ حَتَّى يَبْقَى مَالَهُنَّ فِي أَيْدِيكُمْ، فَحَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ، وَأمَرَ اللهُ الرَّجُلَ الذِي يُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ اليَتِيمَةَ بِأَنْ يُمْهِرَهَا أسْوَةً بِأمْثَالِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَعْدِلْ إلى غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَقَدْ وَسَّعَ اللهُ عَلَى الرِّجَالِ. وَكَانَ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ لاَ يُوَرِّثُونَ الصِّغَارَ وَلاَ البَنَاتِ، فَنَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ لِكًُلِّ ذِي سَهْمٍ سَهْمَهُ، وَحَثَّ المُؤْمِنينَ عَلَى فِعْلِ الخَيْرَاتِ، وَامْتِثَالِ أوَامِرِهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَهُمْ: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِهِ وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيهِ أوْفَى الجَزَاءِ. بِالقِسْطِ - بِالعَدْلِ فِي المِيرَاثِ وَالأمْوَالِ.
الثعلبي
تفسير : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ}. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في بنات أم كحه وميراثهن من أُمّهن، وقد مضت هذه القصة في أول السورة. معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: كان الرجل بالجاهلية يكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرّم الله تعالى ذلك ونهى عنه وأنزل هذه الآية. مجاهد والضحاك وقتادة وإبراهيم: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان شيئاً، وكانت المرأة تكون دميمة في الجاهلية، دميمة ولها مال فيكره وليّها أن يتزوجها من أجل دمامتها، ويكره أن يزوّجها غيره من أجل مالها، وكان وليّها لايتزوجها ويحبسها عنده حتى تموت، ويرثها. سعيد بن جبير: كان وليّ اليتيمة إذا كانت ذات مال وجمال، رغب فيها ونكحها واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات مال ولا جمال لم ينكحها ولم ينكّحها فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعن عبد الله بن عبيدة قال: جاءت امرأة من الأنصار يقال لها خولة بنت حكيم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول إن أخي توفّي وترك بنات وليس عندهن من الحُسن مايرغب فيهن الرجال ولا يقسم لهن من ميراث إبيهنّ شيئاً فنزلت فيها. {وَيَسْتَفْتُونَكَ} أي يستخبرونك في النساء {عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} أي في القرآن، وموضع مارفع معناه {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} ويفتيكم أيضاً فيهن، ويجوز أن يكون في موضع الخفض، فيكون معناه قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى بينكم، وهو بعيد لأن الظاهر لا يعطف على المضمر، وجه الرفع أبين لأن مايتلى في الكتاب ويتلى بين ما سألوه عنه معنى، قل الله يفتيكم فيهن في كتابه يفتيكم فيهن وهو قوله {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} الآية وقوله {فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ} أي لاتعطونهن {مَا كُتِبَ لَهُنَّ} يعني فرض لهن من الميراث {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} أي وترغبون عن نكاحهن لملكهن، وقيل: ترغبون في نكاحهن لمالهن {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَانِ} يعني الصغار من الصبيان وهو في موضع الخفض والمعنى: قل الله يفتيكم فيهن والمستضعفين {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}. وروى شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب إنّ آخر آية كانت (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن) وآخر سورة براءة {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} نزلت في عمرة ويقال خويلة بنت محمد بن سلمة في زوجها رافع بن الرفيع ويقال رافع بن خديج تزوجها وهي شابة فلمّا أدبرت وعلاها يعني تزوج عليها امرأة شابة وآثر عليها وحفا ابنه محمد بن سلمة وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه، فنزلت فيها هذه الآية هذا قول: الكلبي وجماعة المفسرين، وقال سعيد بن جبير: كان رجل وله إمرأة قد كبرت وكان له منها أولاد فأراد أن يطلقها، ويتزوج غيرها فقالت لا تطلقني ودعني أقوم على ولدي وأقسم لي في كل شهرين إن شئت أو أكثر وإن شئت فلا تقسم لي، فقال: إن كان يمنع ذلك فهو أحبّ إليّ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: قد سمع الله ما تقول فإن شاء أجابك فأنزل الله عز وجل {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} أي علمت من زوجها نشوزاً يعني بغضاً. قال الكلبي: يعني ترك مجامعتها ومضاجعتها أو إعراضاً عن مساكنتها، وعن مجالستها وعن محادثتها {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ} يعني على الزوج والمرأة {أَن يُصْلِحَا} أي يستصلحا {بَيْنَهُمَا صُلْحاً} أي في القسمة والنفقة وهو أن يقول لها: إنك امرأة دميمة وقد دخلت في العنّ وأريد أن أتزوج عليك امرأة شابّة جميلة، فيؤثرها في القسمة عليها لشبابها، فإن رضيت بهذا فأقيمي، وإن كرهت خلّيت سبيلك، فإن رضيت بذلك كانت هي المحسنة ولايعسر عليّ ذلك، وإن لم ترض [أُعطيتْ] حقّها، فالواجب على الزوج أن يوفّيها حقّها من المقام والنفقة أو يسرّحها بإحسان ولايحبسها على الخسف، وإن يقام عليها وفّاها حقّها مع كراهيته صحبتها، فهو المحسن الذي مدحه الله وأخبره انه عالم بصنيعه ومجازيه على فعله ولايجبر الرجل على وطء واحدة لأنه هو الزوج وهو حظه وإذا تركه لم يجبر عليه وليس هو كالمقام والنفقة. وقوله {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} يعني إقامتها بعد تخييره إياها ومصالحتها على شيء معلوم في المقام والنفقة، وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجته ومكثت معه وذلك أنها كانت امرأة كبيرة فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يسرحها فطلبت إليه أن لا يفعل وقالت: إنّي أُحبّ أن أُبعث في نسائك يوم القيامة، ألا فإنّ يومي وليلتي لعائشة. وقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): في قوله {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} قال: المرأة تكون عند الرجل فتكون صغيرة أو كبيرة أو لايحبّها زوجها، فيصطلحان على صلح. وقال سعيد بن جبير: فهو أن يتراضيا على شيء معلوم في نفسه وماله. قال الضحاك: الصلح أن ينقصها من حقها إذا تزوج أشبّ منها وأعجب إليه. وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: فهو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوّج عليها الشابة، فيقول للمرأة الكبيرة: أُعطيك من زماني نصيباً على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من الليل والنهار وترضى الأخرى بما أصطلحا عليه فإن أبت ألا ترضى فعليه أن يعدل بينهما على القسمة. وروى إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن سليمان بن يسار عن ابن عباس: في قوله تعالى {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128]. قال: المرأة الكبيرة الدميمة تكون عند الرجل يريد طلاقها والإستبدال بها [فصالحها] هذه على بعض حقها من القسمة والنفقة، فذلك جائز بعد ما رضيت، فإن أنكرت بعد الصلح، فذلك لها، ولها حقّها، أمسك أو طلق. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي المرأة تكون عند الرجل وله إمرأة غيرها أحبّ إليه منها فيؤثرها عليها، فأمر الله تعالى إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه إن شئت أن تقيمي على ماترين من هذه فآويك وأنفق عليك فأقيمي، وأن كرهت خليت سبيلك، فإن هي رضيت أن تقيم بعد ان خيَّرها فلا جناح عليه وهو قوله (والصلح خير) وهو التخيير. وروى إسرائيل عن سماك بن حرب عن خلد بن عرعرة قال: سأل رجل علياً عن قوله عز وجل {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} الآية قال: تكون المرأة عند الرجل فتنبو عينه عنها من دمامة أو كبر فتفتدي منه تكره فرقته، وإن أعطته من ماله فهو حل له أو أعطته من أثاثها فهو حل له {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} يقول: شحت المرأة نصيبها من زوجها وشح الرجل نصيبه من الأخرى. قال ابن عباس: والشح هو في الشيء يحرص عليه {وَإِن تُحْسِنُواْ} يعني تصلحوا بينهما بالسوية {وَتَتَّقُواْ} الجور والميل. وقيل: هذا الخطاب للزوج يهني: وإن تحسنوا بالإقامة عليها، مع كراهتكم لصحبتهما وتتّقوا ظلمها {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فيخبركم بأعمالكم. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} يقول: لن تقدروا ان تسوّوا بينهن في الحب {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} على العدل {فَلاَ تَمِيلُواْ} إلى الشابة الجميلة التي تحبّونها {كُلَّ ٱلْمَيْلِ} في النفقة والقسمة والإقبال عليها (وتدّعوا الأخرى كالمعلّقة) أي كالمنوطة لا أيمّاً ولا ذات متاع. قتادة والكلبي: كالمعلقة كالمحبوسة وهي في امرأة أُبيّ بن كعب كأنها مسجونة. وقال مجاهد: لن تستطيعوا العدل بينهن فلا يتعمدوا [ذلك]. وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم أما قلبي فلا أملك وأما ماسوى ذلك فأرجو أن أعدل. {وَإِن تُصْلِحُواْ} بالعدل في القسمة بينهن {وَتَتَّقُواْ} الجور {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} بما قلت إلى التي تحبّها بقلبك بعد العدل في القسمة {وَإِن يَتَفَرَّقَا} يعني عن المرأة بالطلاق {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} أي من النفقة يعني المرأة بزوج والزوج بإمرأة. {وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً} لهما في النكاح {حَكِيماً} يمكن للزوج إمساكاً بمعروف أو تسريحاً بإحسان. حكم الآية علم أن الله عز وجل الرأفة بالعباد وعلمه بأحوالهم فنبّههم على نحو وجب عليهم من حقوق النساء ونهاهم عن الميل في افعالهم إذا لم يكن لهم سبيل إلى التسوية بينهن في المحبة ومتى جمع العبد من الفعل لمال عنه إلى واحدة بعينها دون غيرها كان ذلك جوراً، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم ويقول: "حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك وليس أحكم (فيما لا يملك) ". تفسير : يعني به قلبه، وكان يطوف به على نسائه في مرضه حتى حلّلته (نساءه) فأقام عند عائشة، وعماد القسم الليل، لأنه يسكن فيه قال الله تعالى: {أية : وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ} تفسير : [الأنعام: 13] فمتى كان عند الرجل حرائر مسلمات وذمّيات فهو في القسم سواء ويقسم للحرّة ليلتين، وللأمة ليلة إذا خلى المولى بينه وبينها في ليلتها ويومها، وللأمة أن تحلله من قسمها دون المولى لأنه حقها في خاصة نفسها ولايجامع المرأة في غير يومها، ولا لرجل أن يدخل في الليل على التي لم يقسم لها، ولابأس أن يدخل عليها بالنهار في حاجة ويعودها في مرضها في ليلة غيرها، فإن ثقلت فلا بأس أن يقيم حتى تخف أو تموت ثمّ يوفي من بقي من نسائه مثل مابقي عندها، وإن أراد أن يقسم بين ليلتين ليلتين أو ثلاثاً كان له ذلك. ذكر إستدلال من إستدل من هذه الآية على تكليف ما لايطاق قالوا: قال الله عز وجل {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} فأمرهم الله عز وجل أن يعدلوا، وأخبر أنهم لايستطيعون أن يعدلوا فقد أمرهم بمالا يستطيعون وكلفهم مالا يطيقون. إن قال قائل: هل كلف الله الكفار مالا يطيقون؟ قيل له: إن أردت أنه كلفهم مالا يطيقون لعجز حائل وآفة مانعة، فلا، لأنه قد صحح أبدانهم وأكمل نطقهم وأوجدهم [في الأرض] ودفع عنهم العلل والآفات، وإن أردت أنه كلّفهم مالا يقدرون عليه بتركهم له واشتغالهم بضدّه، فقد كلفهم ذلك. فإن قالوا: أفيقدر الكافر لايتشاغل للكفر؟ قيل لهم: إن معنى لا يتشاغل بالكفر هو أن تؤمن فكأنكم قلتم: يقدر ان يؤمن وهو مقيم على كفره فقد قلنا إنه مادام مشغولاً بكفر ليس بقادر على الإيمان على ما جوزت اللغة من أن الانسان قادر على الفعل بمعنى أنه إن لم يفرط فأثر فيه كما قالوا فلان يقدر على رجل يعني يقدر عليه لو رامه وقصد إلى حمله، نظير قولهم: فلان يفهم أي إنه يفهم الشيء، إذا أُورد عليه، وكذلك يقولون: الطعام مشبع، والماء مروي، ويعني في ذلك أن الطعام يشبع إذا أُكل. والماء يروي إذا شرب. والذي يوضح ذلك ما يتداوله الناس بينهم من قول الرجل: قم معي في حال كذا، والجواب: لا أقدر على المجيء معك لما أنا فيه من الشغل، وقد قال الله تعالى {أية : مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} تفسير : [هود: 20] يعني القبول لاستثقالهم إيّاه، ومن المشتبه من (قال: ) وهل يقدر الكافر على الإيمان؟ يقول: إن ارادهُ كان قادراً عليه، فإذا قال له: فيقدر أن يريده؟ قال: إن كره الكفر، وإذا قيل له: هل يقدر على الكفر؟ قال: يقدر على ذلك إن أراد الإيمان، فكلّما كرّر عليه السؤال كرّر هذا الجواب. {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} لها مالكاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : "ويستفتونك" أي يطلبون الفتيا، ونعرف أن الدين قد مرّ بمراحل منها قول الحق: (يسألونك). وهي تعبير عن سؤال المؤمنين في مواضع كثيرة. ومرحلة ثانية هي: "ويستفتونك". وما الفارق بين الاثنين؟ لقد سألوا عن الخمر والأهلَّة والمحيض والإنفاق. والسؤال هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه قال: "حديث : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ". تفسير : أي أنه طلب منهم ألاّ ينبشوا وألاّ يُفتشوا في أشياء قد يجلبون بها على أنفسهم تكاليف جديدة، ومع ذلك سألوه عن رغبة في معرفة أي حكم يحدد حركة الإنسان في الحياة. ولو كانوا لا يريدون تحديد حركة حياتهم فلماذا يسألونه؟. كان السؤال دليلاً على أن السائل قد عشق منهج الله فأحب أن يجعل منهج الله مسيطرا على كل أفعاله، فالشيء الذي أجمله وأوجزه الله يحب أن يسأل عنه. وأيضاً فالإسلام جاء ليجد عاداتٍ للجاهلية وللعرب ولهم أحكام يسيرون عليها صنعوها لأنفسهم فلم يغير الإسلام فيها شيئاً، فما أحبوا أن يستمروا في ذلك لمجرد أنه من عمل آبائهم، ولكن أحبوا أن يكون كل سلوك لهم من صميم أمر الإسلام؛ لذلك سألوه في أشياء كثيرة. أما الاستفتاء فهو عن أمر قد يوجد فيه حكم ملتبس، ولذلك يقول الواحد في أمر ما: فلنستفت عالماً في هذا الأمر؛ لأن معنى الاستفتاء عدم قدرة واحد من الناس أو جماعة منهم في استنباط حكم أو معرفة هذا الحكم، ولذلك يردون هذا الأمر إلى أهله. والحق يقول: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } تفسير : [سورة النساء: 83] الاستفتاء - إذن - يكون لحكم موجود، ولكن المستفتي لا يملك القدرة على استنباطه. ولذلك نجد المجتمعات الإسلامية تخصص داراً للإفتاء؛ لأن المؤمن قد لا يعلم كل الجزئيات في الدين. وقد يعيش حياته ولا تمر به هذه الجزئيات، مثل أبواب الوقف أو المضاربة أو الميراث، فإن حدثت له مسألة فهو يستفتي فيها أهل الذكر. فالسؤال يكون محل العمل الرتيب، أما الفتوى فهي أمر ليس المطلوب أن تكون المعرفة به عامة. ولذلك يتجه المستفتي إلى أهل الذكر طالباً الفتيا. والحق يقول: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ} كأنهم قالوا للرسول: نريد حكم الله فيما يتعلق بالنساء حلاً وحرمة وتصرفاً. فكيف يكون الجواب؟: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} ولم يؤجل الله الفتوى لاستفتائهم بل سبق أن قاله، وعلى الرغم من ذلك فإنه - سبحانه - يفتيهم من جديد. فلعل الحكم الذي نزل أولاً ليس على بالهم أو ليسوا على ذكر منه. فقال الحق: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 127] أي أن الحق يفتيكم في أمرهن، وسبق أن نزل في الكتاب، آية من سورة النساء. قال الحق فيها: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تفسير : [النساء: 3] وتوالت آيات من بعد ذلك في أمر النساء. فقوله الحق: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ}. إنما يعلمنا أن الإنسان لا يصح أن يتعجل الاستفتاء في شيء إلا إذا استعرض قبل ذلك ما عنده من علم لعله يجد فيه الجواب الذي يغنيه عن أن يستفتي. ومع أن الاستفتاء في أمر النساء جملة: صغيرات وكبيرات، يتيمات وغير يتيمات فلماذا جاء الجواب في يتامى النساء؛ لأن النساء الكبيرات لهن القدرة على أن يبحثن أمورهن، ولسن ضعيفات، أمّا اليتيمة فهي ضعيفة الضعيفات، وعرفنا معنى اليتيم، واليتيم حيث لا يبلغ الإنسان المبلغ الذي يصبح فيه مستقلاً، فلا يقال لمن بلغ حَدَّ البلوغ سواء أكان رجلاً أم امرأة أنه يتيم؛ لذلك جاء الجواب خاصاً بيتامى النساء؛ لأن يتامى النساء هُنَّ دائماً تحت أولياء، هؤلاء الأولياء الذين نسميهم في عصرنا بـ "الأوصياء" حالتان: فإن كانت البنت جميلة وذات مالٍ فالوصي يحب أن ينكحها ليستمتع بجمالها ويستولي على مالها. وإن كانت دميمة فالوصي لا يرغب في زواجها لذلك يعضلها، أي يمنعها من أن تتزوج؛ لأنها إن تزوجت فسيكون الزوج هو الأولى بالمال. فاحتاجت هذه المسألة إلى تشريع واضح. وها نحن أولاء نجد سيدنا عمر - رضي الله عنه - وكانت له الفراسات التي تُسمى الفراسات الفاروقية جاءه واحد يسأله عن أمر يتيمة تحت وصايته، فقال سيدنا عمر: - إن كانت جميلة فدعها تأخذ خيراً منك، وإن كانت دميمة فخذها زوجة وليكن مالها شفيعاً لدمامتها. ويقول الحق: {أية : وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} تفسير : [النساء: 127] والذي كتب لهن إما أن يكون مهوراً. وإمّا أن يكون تركة، وجاء القول الحكيم ليرفع عن المرأة عسف الولي. وجاء الأمر بهذا الأسلوب العالي الذي لا يمكن أن يقوله غير رب كريم، ونجد مادة "رغب" تعني "أحب". فإذا ما كان الحال "أحب أن يكون" يقال: "رغب فيه"، وإذا "أحب ألاّ يكون" فيقال: "رغب عنه". ولذلك قال الحق: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [البقرة: 130] ومادامت "عن" جاءت كما في الآية فما بعدها هو المتروك. لكن لو كان القول "رغب في" فهو لأمر محبوب. وكلمة "ترغبون" في هذه الآية نجدها محذوفة الحرف الذي يقوم بالتعدية حباً أو كرهاً؛ لأنها تقصد المعنيين. فإن كانت الرغبة في المرأة.. تصير "ترغبون في" وإن كانت المرأة دميمة وزهد فيها القول يكون: "ترغبون عن" ولا يقدر أحد غير الله على أن يأتي بأسلوب يجمع بين الموقفين المتناقضين. وجاء الحق ليقنن للأمرين معاً. ويأتي الحق من بعد ذلك بالقول: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَانِ} بجانب اليتيمات وهو الصنف المستضعف الاخر، أي اليتيم الذي لم يبلغ مبلغ الرجال وحينما يتكلم سبحانه عن الولاية والوصاية على مثل هؤلاء فهو يتكلم بأسلوبين اثنين، وإن لم يكن للإنسان ملكة استقبال الأسلوب البليغ فقد يقول: هذا كلام متناقض، لكن لو تمتع الإنسان بملكة استقبال الأسلوب البليغ فقد يقول: إن عظمة هذا الأسلوب لا يمكن أن يأتي به إلا رب كريم. فالحق قال: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} تفسير : [النساء: 5] قال الله ذلك على الرغم من أن الأموال هي في الأصل ملك للسفهاء؛ فالمال ليس ماله إلى أن يعود إليه رشده، وقد جعل الإسلام الأخوة الإيمانية للتكاتف والتكافل، وساعة يرى المسلمون واحداً من السفهاء فهم يحجرون على سلوكه حماية لماله من سفهه، والمال يصان ويحفظ ومطلوب من الوصيّ والولي أن يحميه، هذا ما قاله الحق في السفهاء. والحق يتكلم في اليتامى. فيقول سبحانه: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 6] لأن السفيه أو المبذر ليس لأي منهما سلطة التصرف في المال بل سلطة التصرف تكون للوصي، وينتسب المال في هذه الحالة للوصي لأنه القائم عليه والحافظ له، لكن ما إن يبلغ القاصر الرشد فعلى الوصي أن يرد له المال. ونحن أمام آية تضع القواعد لليتامى من النساء والمستضعفين من الولدان: {أية : وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} تفسير : [النساء: 127] ما معنى القيامة لليتامى بالقسط؟ والقسط - بالكسر - تعني العدل. وتختلف عن "القَسط" - بفتح القاف - وهو يعني الجور، قَسَط - يقْسِط أي عدل، وقسط يَقْسُط، أي جار، فالعدل مصدره "القِسط" بالكسر للقاف، والجور مصدره "القَسط" بالفتح للقاف. وبعض من الذين يريدون الاستدراك على كلام الله سفها بغير علم - قالوا: - يأتي القرآن بالقسط بمعنى العدل في آيات متعددة، ثم يأتي في موقع آخر ليقول: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15] و"القاسطون" هي اسم فاعل من قسط، ونقول: ومن قال لكم: إن "قسط" تستخدم فقط في معنى "عدل"، إنها تستعمل في "عدل" وفي "جار". وسبحانه يقول عن العادلين: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [المائدة: 42] القاسط يذهب إلى النار، وهي مأخوذة من "قَسَط يقسٌُط". والمقسط يذهب إلى الجنة، ومقسط مأخوذة من أقسط. وعندما نرى "أقسط" نراها تبدأ بهمزة الإزالة، أي كان هناك جور فأزلناه. أما القِسط - بالكسر - فهو العدل من البداية هو "يقسِط". بكسر السين في المضارع، أما يقسُط - بضم السين في المضارع - تعني "يجور ويظلم". ومن محاسن اللغة نجد اللفظ الواحد يُستعمل لأكثر من معنى؛ ليتعلم الإنسان لباقة الاستقبال،وليفهم الكلمات في ضوء السياق. وقديماً كانت اللغة ملكة لا صناعة كما هي الآن في عصرنا. كانت اللغة ملكة إلى درجة أنهم إذا شكلوا الكتاب إلى المرسل إليه يغضب، ويرد الكتاب إلى مرسله ويقول لمن أرسله: أتشك في قدرتي على قراءة كتابك دون تشكيل؟. فتشكيل الكتاب سوء ظن بالمكتوب إليه، وفي عصرنا نجد من يلقي خطاباً يطلب تشكيل الخطاب حتى ينطق النطق السليم. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ} وجاء الحكم في قوله الحق: {أية : وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ}تفسير : [النساء: 2] وسبحانه يتكلم في المهور والأموال ويرتفع بالأمر إلى مرتبة اعتبار حسن التصرف في أمور اليتامى من المسئولية الإيمانية؛ فقد تكون اليتيمة لا مال لها وليست جميلة حتى يُطمع فيها أو في مالها، وفي هذه الحالة يجب على الولي أن يرعاها ويرعى حق الله فيها. وقوله الحق: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ} هو أمر بأن يقوم المؤمن على أمر اليتامى بالعدل؛ لأن اليتيمة قد تكون مع الولي ومع أهله، وقد يكون لليتيمة شيء من الوسامة، فيسرع إليها الولي بعطف وحنان زائد عن أولاده، وينبه الحق أن رعاية اليتيمة يجب أن تتسم بالعدل، ولا تزيد. ويقول سبحانه: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} ليدلنا على أن أمر الفعل والقيام به ليس مناط الجزاء، ولكن أمر النية في الفعل هو مناط الجزاء، فإياك أيها المؤمن أن تقول: فعلت، ولكن قل: فعلت بنيّة كذا. إن الذي يمسح على رأس اليتيم يكون صاحب حظ عظيم في الثواب، ومن يكفل اليتيم فهو مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. والذي يقدر ذلك هو الله - سبحانه - العليم بالخفايا حسب نية الشخص الذي يقوم بهذا العمل؛ فقد يتقرب واحد من يتيم ويتكلف العطف والحنان بينما يقصد التقرب إلى أم اليتيم؛ لذلك فمناط الجزاء ومناط الثواب هو في النيّة الدافعة والباعثة على العمل. ولا يكفي أن يقول الإنسان: إن نيّتي طيبة، ولا يعمل؛ فالحديث الشريف يقول: (حديث : إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ). تفسير : أي لا بد من ارتباط واقتران النيّة بالعمل؛ لأن الله يريد منا أن نعمل الخير وبذلك يعدي الإنسان الخير من نفسه إلى غيره وهذا هو المطلوب، فوجود النيّة للخير وحدها لا يكفي، وإن افتقد الإنسان النيّة وأدّى العمل فغيره يأخذ خيره ولا يأخذ هو شيئاً سوى التعب. فإن أراد الإنسان أن يكون له ثواب فلا بد من وجود نيّة طيبة، وعمل صالح. ولم يقل الحق: "وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم"؛ لأنه سبحانه عليم لا بعد أن نصنع العمل بل بكمال قدرته يعلم قبل أن نصنع الخير، وكل شيء كان معلوماً لله قبل أن يخلق الوجود، ولا ينتظر سبحانه إلى أن يقوم الإنسان بالعمل حتى يحصل ويحدث منه العلم. بل إنه - جل شأنه - يعلم كل شيء علما أزليّا؛ لذلك قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}؛ لأن كل أمر برز في الوجود إنما كان على وفق ما علمه الله أزلاً قبل أن يوجد الوجود. وفي المجال البشري نرى المهندس يتلقى التعليمات من صاحب الأرض الخلاء ويقول له: صمم لي قصراً صغيراً على مساحة كذا ومكوناً من كذا حجرة. وعدد محدود من دورات المياه، وبعد ذلك يصمم المهندس الرسم الهندسي على الورق حسب أوامر صاحب الأرض. وقد يكون صاحب الأرض دقيقا فطنا غايةً في الدقة فيقول للمهندس: إنني أريد أن تصنع لي نموذجا صغيراً قبل البناء بحيث أرى تطبيقاً واقعياً بمقياس هندسي مصغر، وأن تبنى الحجرات بقطاعات واضحة حتى أرى ألوانها وكيفيتها. هكذا العالَم قبل أن يوجد، كان معلوما علما تفصيليا بكل دقائقه وأبعاده عند خالقه، والنماذج المصغرة التي يصنعها البشر قد يقصر البشر فيها عن صناعة شيء لعدم توافر المواد، كالنجار الذي يقصر في صنع حجرة نوم من خشب الورد لندرته، فيستعيض بخشب من نوع آخر، وذلك خلل في علم وقدرة المنفذ. أما خلق الله فهو يبلغ تمام الدقة؛ لأنه - سبحانه - هو الصانع الأول. هذا ما يجب أن نفهمه عندما نقرأ: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}. وبعد ذلك يتكلم الحق عما يتعلق بالنساء فيقول: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً...}
الأندلسي
تفسير : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ} الآية، سبب نزولها أن قوماً من الصحابة سألوا عن أمر النساء وأحكامهن في المواريث وغير ذلك ولما كان النساء مطرحاً أمرهن عند العرب في الميراث وغيره وكذلك اليتامى أكّد الحديث فيهن مراراً ليرجعوا عن أحكام الجاهلية. وتقوم في صدر السورة شيء من أحكام النساء والمواريث وعادة العرب إذا ذكرت شيئاً أن تستطرد إلى شيء آخر ثم ترجع إلى الأول والاستفتاء: طلب الفتيا وهو ما يتضح به الحكم المطلوب، والاستفتاء ليس في ذوات النساء وإنما هو عن شيء من أحكامهن ولم يبين فهو مجمل. ومعنى يفتيكم فيهن: يبين لكم حال ما سألتم عنه وحكمه. وعن عائشة رضي الله عنها قيل: نزلت هذه الآية يعني {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ}تفسير : [النساء: 3] أولاً، ثم سأل ناس بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر النساء فنزلت: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ}. وفي إعراب ما في قوله: وما يتلى عليكم، جوزوا وجوهاً منها الرفع عطفاً على لفظة الله وعطفاً على الضمير المستكن في يفتيكم وعلى الابتداء وخبره محذوف تقديره في يتامى النساء يبينّ لكم. وقيل: الخبر في الكتاب وجوزوا في ما النصب تقديره ويبين لكم ما يتلى عليكم وجوزوا أحكامهن في ما أيضاً الجر من وجهين، أحدهما: أن تكون الواو للقسم، وقاله الزمخشري. والثاني: أن يكون معطوفاً على الضمير المجرور في فيهن، وقاله محمد بن أبي موسى، وهو الذي نختاره وإن كان لا يجيزه البصريون إلا في الشعر. وقد أجازه الكوفيون في الكلام وقد استدللنا على صحة مذهبهم عند الكلام على قوله: {أية : وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 217]. قال الزمخشري: ليس بسديد ان بعطف على المجرور في فيهن لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى. "انتهى". الذي اختاره هذا الوجه وإن كان مذهب جمهور البصريين إن ذلك لا يجوز إلا في الشعر وقد ذكرت دلائل الجواز عند قوله: {أية : وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 217]. وليس مختلاً من حيث اللفظ لأنا قد استدللنا على جواز ذلك ولا من حيث المعنى كما زعم الزمخشري بل المعنى عليه ويكون على تقدير حذف أي يفتيكم في متلوهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء. وحذف لدلالة قوله: وما يتلى عليكم في الكتاب. وإضافة متلو إلى ضميرهن سائغة إذ الإِضافة تكون بأدنى ملابسة لما كان متلوا فيهن صحت الاضافة إليهن، كما جاء: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [سبأ: 33]، لما كان المكر يقع فيهما صحت الإِضافة إليهما. ومن ذلك قول الشاعر: شعر : إذا كوكب الخرقاء لاح بسمرة تفسير : وأما قول الزمخشري: لاختلاله في اللفظ والمعنى فهو قول الزجاج بعينه. قال الزجاج: وهذا بعيد بالنسبة إلى اللفظ وإلى المعنى، أما اللفظ فإِنه يقتضي عطف المظهر على المضمر وذلك غير جائز كما لم يجز في قوله: {أية : تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} تفسير : [النساء: 1]، وأما المعنى فإِنه تعالى أفتى في تلك المسائل وتقدير العطف على الضمير يقتضي أنه أفتى فيما يتلى عليكم في الكتاب. ومعلوم أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أنه تعالى يفتي فيما سألوه من المسائل. "انتهى كلامه". وقد بينا صحة المعنى على تقديره ذلك المحذوف والرفع على العطف على الله أو على ضميره يخرجه عن التأسيس وعلى الابتداء تخرج الجملة بأسرها عن التأسيس وكذلك الجر على القسم، والنصب بإِضمار فعل، والعطف على الضمير يجعله تأسيساً، وإذا دار الأمر بين التأسيس والتأكيد كان حمله على التأسيس أولى ولا يذهب إلى التأكيد إلا عند إتضاح عدم التأسيس. قال الزمخشري: فإِن قلت: بم تعلق قوله: في يتامى النساء؟ قلت: في الوجه الأول هو صلة يتلى عليكم في معناهن ويجوز أن يكون في يتامى الناس بدلاً من فيهن، وإما في الوجهين الأخيرين فبدل لا غير. "انتهى كلامه". ويعني بقوله: في الوجه الأول أن يكون وما يتلى في موضع رفع فاما ما أجازه في هذا الوجه من أنه يكون صلة يتلى، فلا يتصور إلا إن كان في يتامى بدلاً من في الكتاب، أو تكون في للسبب لئلا يتعلق حرفا جر بمعنى واحد بفعل واحد، وهو لا يجوز إلا إن كان على طريقة البدل أو بالعطف. واما ما أجازه في هذا الوجه أيضاً من أن في يتامى النساء بدل من فيهن فالظاهر أنه لا يجوز للفصل بين البدل والمبدل منه بالعطف. ونظير هذا التركيب: زيد يقيم في الدار، وعمرو في كسر منها، ففصلت بين في الدار وبين في كسر منها بالعطف والتركيب المعتود زيد يقيم في الدار في كسر منها وعمرو. وقال الزمخشري: فإِن قلت: الإِضافة في يتامى النساء ما هي؟ قلت: إضافة بمعنى من كقولك: عندي سحق عمامة. "انتهى". الذي ذكره النحويون أن الإِضافة التي هي بمعنى من هي إضافة الشيء إلى جنسه كقولك: خاتم حديد، وثوب خز، وخاتم فضة، ويجوز الفصل واتباع الجنس لما قبله ونصبه عمامه وجره والذي يظهر في يتامى النساء وفي سحق عمامة انها إضافة على معنى اللام ومعنى اللام الاختصاص وقرن في يتامى النساء بياءين أصله أيامي جميع أيم فأبدلت الهمزة ياء. والأيم من زوج لها. ومعنى ما كتب لهن. قال ابن عباس وغيره: هو الميراث. وقال آخرون: هو الصداق. والمخاطب بقوله: لا تؤتونهن أولياء المرأة، كانوا يأخذون صدقات النساء ولا يعطونهن شيئاً. وقيل: أولياء اليتامى كانوا يتزوجون اليتامى اللواتي في حجورهم ولا يعدلون في صدقاتهن. {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأخذ الناس بالدرجة الفضلى في هذا المعنى فكان إذا سأل الولي عن وليته فقيل: هي غنية جميلة. قال له: اطلب لها من هو خير منك وأعود عليها بالنفع. وإذا قيل له: فقيرة ذميمة. قال له: أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك. {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ} معطوف على في يتامى النساء. وذلك أن العرب كانت لا تورث الصبية ولا الصبي الصغير ولا المرأة وكان الكبير ينفرد بالمال. وكانوا يقولون: إنما يرث من يحمي الحوزة ويرد الغنيمة ويقاتل عن الحريم، ففرض الله تعالى لكل أحد حقه. {وَأَن تَقُومُواْ} الظاهر أنه في موضع جر، أي وفي قيامكم. {لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ} وهو العدل والذي تلى في هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ}تفسير : [النساء: 2]. وجوز الزمخشري أن تكون في موضع نصب بمعنى ويأمركم أن تقوموا، وفي ريّ الظمآن أنه في موضع رفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره وقيامكم لليتامى بالقسط خير. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} ما شرطية مفعولة بفعل الشرط كأنه قال: وأي شيء تفعلوا ومن خير تبيين لما أبهم في لفظة ما.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي} ميراث {ٱلنِّسَآءِ} هل يرثن أم لا؟ {قُلِ} في جوابهم يا أكمل الرسل: {ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ} ويبين لكم {فِيهِنَّ} ميراثهن {وَ} هن {مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ} أي: القرآن {فِي} حق {يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} وتحرمونهن عن حقوقهن ظلماً {وَ} مع ذلك {تَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} أو تعضلوهن كرهاً {وَ} أيضاً في حق {ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ} إذ هم كانوا لا يورثونهم كما لا يورثون النسوان {وَ} عليكم {أَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ} وةالعدلا بلا جيف لهم في مالهم وعرضهم {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ} الرقيب عليكم {كَانَ بِهِ عَلِيماً} [النساء: 127] فيجازيكم على مقتضى علمه إن خيراً فخير وإن شراً فشر. {وَإِنِ} اضطرت {ٱمْرَأَةٌ} إلى الفرقة والسراح بأن {خَافَتْ مِن بَعْلِهَا} سوء عشرته معها، وعدم رعاية حقوقها {نُشُوزاً} عنها وميلاً إلى غيرها {أَوْ إِعْرَاضاً} طلاقاً وسراحاً {فَلاَ جُنَاْحَ} أي: لا ضيق، ولا تعب {عَلَيْهِمَآ} أي: على الزوجين {أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا} بأن أسقط كل منهما عما استحق له شيئاً، أو زاد إلى أن يتصالحا {صُلْحاً } ناشئاً عن التراضي من الجانبين {وَٱلصُّلْحُ} بينهما {خَيْرٌ} من الفرقة والطلاق {وَ} لكن فلما يقع إذا {أُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ} الأمارة بالسوء من الجانبين {ٱلشُّحَّ} أي: قد صارت الأنفس حينئذ مطبوعة مرغوبة على إحضار الشح والبخل فيما وجب عليها، فلا يسمح كل منهما من حقه شيئاً، لذلك لم يرتفع النزاع والخصومة {وَإِن تُحْسِنُواْ} أيها المؤمنون في المعاشرة مع الأزواج {وَتَتَّقُواْ} من غضب الله في الخروج عن مقتضى حدوده {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المجازي لعباده {كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الميل إلى المحارم والإعراض عن حدود الله والمخالفة لأمره {خَبِيراً} [النساء: 128] يجازيكم على مقتضى خبرته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : الاستفتاء: طلب السائل من المسئول بيان الحكم الشرعي في ذلك المسئول عنه. فأخبر عن المؤمنين أنهم يستفتون الرسول صلى الله عليه وسلم في حكم النساء المتعلق بهم، فتولى الله هذه الفتوى بنفسه فقال: { قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } فاعملوا على ما أفتاكم به في جميع شئون النساء، من القيام بحقوقهن وترك ظلمهن عموما وخصوصا. وهذا أمر عام يشمل جميع ما شرع الله أمرا ونهيا في حق النساء الزوجات وغيرهن، الصغار والكبار، ثم خص -بعد التعميم- الوصية بالضعاف من اليتامى والولدان اهتماما بهم وزجرا عن التفريط في حقوقهم فقال: { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ } أي: ويفتيكم أيضا بما يتلى عليكم في الكتاب في شأن اليتامى من النساء. { اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } وهذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت، فإن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل بخسها حقها وظلمها، إما بأكل مالها الذي لها أو بعضه، أو منعها من التزوج لينتفع بمالها، خوفا من استخراجه من يده إنْ زوَّجها، أو يأخذ من مهرها الذي تتزوج به بشرط أو غيره، هذا إذا كان راغبا عنها، أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال ولا يقسط في مهرها، بل يعطيها دون ما تستحق، فكل هذا ظلم يدخل تحت هذا النص ولهذا قال: { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } أي: ترغبون عن نكاحهن أو في نكاحهن كما ذكرنا تمثيله. { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَان } أي: ويفتيكم في المستضعفين من الولدان الصغار، أن تعطوهم حقهم من الميراث وغيره وأن لا تستولوا على أموالهم على وجه الظلم والاستبداد. { وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } أي: بالعدل التام، وهذا يشمل القيام عليهم بإلزامهم أمر الله وما أوجبه على عباده، فيكون الأولياء مكلفين بذلك، يلزمونهم بما أوجبه الله. ويشمل القيام عليهم في مصالحهم الدنيوية بتنمية أموالهم وطلب الأحظ لهم فيها، وأن لا يقربوها إلا بالتي هي أحسن، وكذلك لا يحابون فيهم صديقا ولا غيره، في تزوج وغيره، على وجه الهضم لحقوقهم. وهذا من رحمته تعالى بعباده، حيث حثّ غاية الحث على القيام بمصالح من لا يقوم بمصلحة نفسه لضعفه وفقد أبيه. ثم حثّ على الإحسان عموما فقال: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ } لليتامى ولغيرهم سواء كان الخير متعديا أو لازما { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا } أي: قد أحاط علمه بعمل العاملين للخير، قلة وكثرة، حسنا وضده، فيجازي كُلا بحسب عمله.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا} [127] 144- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عيسى بن يونس، نا هشام، عن أبيه، عن عائشة في قوله {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ} قالت: أنزلت في اليتيمة تكون عند الرجل لعلها [أن] تكون قد شركته في ماله وهو وليها فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيَعضُلُها، فأنزل الله جل وعز {يَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ}.
همام الصنعاني
تفسير : 645- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عنْ قَتَادة، في قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ}: [الآية: 127]، قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة فيرغب عنها أن ينكحِها، ولكن ينكحها رغبةً في مالِها. 646- قال معمر وقال الكلبي: كانوا في الجاهلية لا يُورِّثُونَ النّساء، ولاَ الولدان الأطْفال فأنزل الله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ}: [الآية: 127]، {فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ}: [الآية: 127]، قال: الميراث.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):