٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
128
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا من جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء مما لم يتقدم ذكره في هذه السورة وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: هذه الآية شبيهة بقوله {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ } تفسير : [التوبة: 6] وقوله {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } تفسير : [الحجرات: 9] وهٰهنا ارتفع {ٱمْرَأَةُ } بفعل يفسره {خَـٰفَتْ } وكذا القول في جميع الآيات التي تلوناها والله أعلم. المسألة الثانية: قال بعضهم: خافت أي علمت، وقال آخرون: ظنت، وكل ذلك ترك للظاهر من غير حاجة، بل المراد نفس الخوف إلاّ أن الخوف لا يحصل إلاّ عند ظهور الأمارات الدالة على وقوع الخوف، وتلك الأمارات هٰهنا أن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو شيخة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل هو الزوج، والأصل في البعل هو السيد، ثم سمي الزوج به لكونه كالسيد للزوجة؛ ويجمع البعل على بعولة، وقد سبق هذا في سورة البقرة في قوله تعالى: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } تفسير : [البقرة: 228] والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض، ونشوز الرجل في حق المرأة أن يعرض عنها ويعبس وجهه في وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها. المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوهاً: الأول: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الآية نزلت في ابن أبي السائب كانت له زوجة وله منها أولاد وكانت شيخة فهم بطلاقها، فقالت لا تطلقني ودعني أشتغل بمصالح أولادي وأقسم في كل شهر ليالي قليلة، فقال الزوج: إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لي. والثاني: أنها نزلت في قصة سودة بنت زمعة أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يطلقها، فالتمست أن يمسكها ويجعل نوبتها لعائشة، فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ولم يطلقها. والثالث: روي عن عائشة أنها قالت: نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها، فتقول: أمسكني وتزوج بغيري، وأنت في حل من النفقة والقسم. المسألة الرابعة: قوله {نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } المراد بالنشوز إظهار الخشونة في القول أو الفعل أو فيهما، والمراد من الإعراض السكوت عن الخير والشر والمداعاة والإيذاء، وذلك لأن هذا الإعراض يدل دلالة قوية على النفرة والكراهة. ثم قال تعالى: {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي {يُصْلِحَا } بضم الياء وكسر اللام وحذف الألف من الإصلاح، والباقون {يصالحا} بفتح الياء والصاد، والألف بين الصاد واللام وتشديد الصاد من التصالح، ويصالحا في الأصل هو يتصالحا، فسكنت التاء وأدغمت في الصاد. ونظيره قوله {أية : ٱدَّارَكُواْ فِيهَا } تفسير : [الأعراف: 38] أصله تداركوا سكنت التاء وأبدلت بالدال لقرب المخرج وأدغمت في الدال، ثم اجتلبت الهمزة للابتداء بها فصار اداركوا. إذا عرفت هذا فنقول: من قرأ {يُصْلِحَا } فوجهه أن الاصلاح عند التنازع والتشاجر مستعمل قال تعالى: {أية : فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } تفسير : [البقرة: 182] وقال {أية : أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [النساء: 114] ومن قرأ {يصالحا} وهو الاختيار عند الأكثرين قال: أن يصالحا معناه يتوافقا، وهو أليق بهذا الموضع وفي حرف عبد الله: فلا جناح عليهما أن صالحا، وانتصب صلحاً في هذه القراءة على المصدر وكان الأصل أن يقال: تصالحا، ولكنه ورد كما في قوله {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17] وقوله {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } تفسير : [المزمل: 8] وقول الشاعر:شعر : وبعد عطائك المائة الرتاعا تفسير : المسألة الثانية: الصلح إنما يحصل في شيء يكون حقاً له، وحق المرأة على الزوج إما المهر أو النفقة أو القسم، فهذه الثلاثة هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى، أما الوطء فليس كذلك، لأن الزوج لا يجبر على الوطء. إذا عرفت هذا فنقول: هذا الصلح عبارة عما إذا بذلت المرأة كل الصداق أو بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة، أو أسقطت عنه القسم، وكان غرضها من ذلك أن لا يطلقها زوجها، فإذا وقعت المصالحة على ذلك كان جائزاً. ثم قال تعالى: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف، والمفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا؟ والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده، وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه. وأما إذا قلنا: إنه يفيد العموم فهٰهنا بحث، وهو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق؟ الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى، وذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملاً ويخرج عن الإفادة، فإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه. إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: من الناس من حمل قوله {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } على الاستغراق، ومنهم من حمله على المعهود السابق، يعني الصلح بين الزوجين خير من الفرقة، والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة، وأما نحن فقد بينا أن حمل هذا اللفظ على المعهود السابق أولى، فاندفع استدلالهم والله أعلم. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: هذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } إلاّ أنه اعتراض مؤكد للمطلوب فحصل المقصود. المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر أولاً قوله {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا } فقوله {لاَّ جُنَاحَ } يوهم أنه رخصة، والغاية فيه ارتفاع الإثم، فبيّـن تعالى أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه ولا إثم فكذلك فيه خير عظيم ومنفعة كثيرة، فإنهما إذا تصالحا على شيء فذاك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض، أما قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ }. فأعلم أن الشح هو البخل، والمراد أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس اللازم لها، يعني أن النفوس مطبوعة على الشح، ثم يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها، ويحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها وكبر سنها وعدم حصول اللذة بمجانستها. ثم قال تعالى: {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } وفيه وجوه: الأول: أنه خطاب مع الأزواج، يعني إن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وتيقنتم النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيراً، وهو يثيبكم عليه. الثاني: أنه خطاب للزوج والمرأة، يعني وأن يحسن كل واحد منكما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم. الثالث: أنه خطاب لغيرهما، يعني أن تحسنوا في المصالحة بينهما وتتقوا الميل إلى واحد منهما. وحكى صاحب الكشاف: أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بني آدم، وامرأته من أجملهم، فنظرت إليه يوماً ثم قالت: الحمد لله، فقال مالك؟ فقالت حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله بالجنة عباده الشاكرين والصابرين.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ} رفع بإضمار فعل يفسره ما بعده. و {خَافَتْ} بمعنى توَقّعت. وقول من قال: خافت تيَقّنت خطأ. قال الزجاج: المعنى وإن امرأة خافت من بعلها دوام النشوز. قال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد، والإعراض ألاّ يكلمها ولا يأنس بها. ونزلت الآية بسبب سَوْدَة بنت زَمْعَة. روى الترمذيّ عن ابن عباس قال: خَشِيَتْ سَودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تطلِّقني وأمسكني، وٱجعل يومي منك لعائشة؛ ففعل فنزلت: {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، قال: هذا حديث حسن غريب. وروى ابن عيينة عن الزُّهرِيّ عن سعيد بن المسيب: أن رافع بن خَديج كانت تحته خَوْلَة ابنة محمد بن مسلمة، فكره من أمرها إمّا كبراً وإمّا غيره، فأراد أن يطلقها فقالت: لا تطلِّقني وٱقسم لي ما شئت؛ فجرت السنّةُ بذلك ونزلت {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً}. وروى البخاريُّ عن عائشة رضي الله عنها {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حِلّ؛ فنزلت هذه الآية. وقراءة العامة «أَنْ يَصّالَحَا». وقرأ أكثر الكوفيين «أَنْ يُصْلِحَا». وقرأ الجَحْدَرِيّ وعثمان البتي «أَنْ يَصَّلِحَا» والمعنى يصطلحا ثم أدْغِم. الثانية ـ في هذه الآية من الفقه الردّ على الرُّعْن الجهال الذين يَرَوْن أن الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنّت لا ينبغي أن يتبدّل بها. قال ابن أبي مَليكة: إن سَوْدَة بنت زَمْعَة لما أسنّت أراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يطلِّقها، فآثرت الكون معه، فقالت له: أمسكني واجعل يومي لعائشة؛ ففعل صلى الله عليه وسلم، وماتت وهي من أزواجه. قلت: وكذلك فعلت بنت محمد بن مسلمة؛ روى مالك عن ابن شهاب عن رافع بن خَديج أنه تزوّج بنت محمد ابن مسلمة الأنصارية، فكانت عنده حتى كبرت، فتزوّج عليها فتاة شابّة، فآثر الشابّة عليها، فناشدته الطلاق، فطلّقها واحدة، ثم أهملها حتى إذا كانت تحِلّ راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فطلقها واحدة، ثم راجعها فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فقال: ما شئت إنما بقِيت واحدة، فإن شئت ٱستقررتِ على ما تَرَيْن من الأَثَرة، وإن شئت فارقتك. قالت: بل أستقرّ على الأثرة. فأمسكها على ذلك؛ ولم يَرَ رافِعٌ عليه إثْماً حين قرّت عنده على الأثرة. رواه مَعْمر عن الزهريّ بلفظه ومعناه وزاد: فذلك الصلح الذي بلغنا أنه نزل فيه {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ}. قال أبو عمر بن عبد البر: قوله والله أعلم: «فآثرالشابَّة عليها» يريد في الميل بنفسه إليها والنشاط لها؛ لا أنه آثرها عليها في مطعم وملبس ومَبِيت؛ لأن هذا لا ينبغي أن يُظَنّ بمثل رافع، والله أعلم. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا أبو الأحْوَص عن سِمَاك بن حرب عن خالد بن عَرْعَرَة عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن رجلاً سأله عن هذه الآية فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فَتَنْبُو عيناه عنها من دَمامتها أو فقرها أو كِبَرها أو سوء خُلُقها وتكره فراقه؛ فإن وضعت له من مهرها شيئاً حل له أن يأخذ وإن جعلت له من أيامها فلا حرج. وقال الضحاك: لا بأس أن ينقُصها من حقها إذا تزوّج من هي أشَبّ منها وأعجب إليه. وقال مُقاتل بن حيان: هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوّج عليها شابّة؛ فيقول لهذه الكبيرة: أعطيك من مالي على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من الليل والنهار؛ فترضى الأُخرى بما ٱصطلحا عليه؛ وإن أبَتْ ألاّ ترضى فعليه أن يَعْدِل بينهما في القَسْم. الثالثة ـ قال علماؤنا: وفي هذا أن أنواع الصلح كلّها مباحة في هذه النازلة؛ بأن يُعطي الزوج على أن تصبر هي، أو تعطي هي على أن يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسّك بالعِصْمة، أو يقع الصلح على الصبر والأثرة من غير عطاء؛ فهذا كله مباح. وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشيء تعطيها، كما فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غضب على صَفِيّة، فقالت لعائشة: أصلحي بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وهبتُ يومي لكِ. ذكره ابن خُوَيْزِمَنْدَاد في أحكامه حديث : عن عائشة قالت: وَجَد رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفيّة في شيء، فقالت لي صفية: هل لكِ أن تُرضِين رسول الله صلى الله عليه وسلم عنِّي ولك يومي؟ قالت: فلبست خماراً كان عندي مصبوغاً بزعفران ونضحته، ثم جئت فجلست إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إليكِ عني فإنه ليس بيومك». فقلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء؛ وأخبرته الخبر، فرضي عنهاتفسير : . وفيه أن ترك التسوية بَيْن النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلاّ بإذن المفضولة ورضاها. الرابعة ـ قرأ الكوفيون «يُصْلِحَا». والباقون «أَنْ يَصَّالَحَا». الجَحْدَرِي «يَصَّلِحَا» فمن قرأ «يَصَّالَحَا» فوجهه أن المعروف في كلام العرب إذا كان بين قوم تشاجر أن يقال: تصالح القوم، ولا يقال: أصلح القوم؟ ولو كان أصلح لكان مصدره إصلاحاً. ومن قرأ «يُصْلِحَا» فقد استعمل مثله في التشاجر والتنازع؛ كما قال {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ}. ونصب قوله: {صُلْحاً} على هذه القراءة على أنه مفعول، وهو اسم مثل العطاء من أعطيت. فأصلحت صلحاً مثل أصلحت أمراً؛ وكذلك هو مفعول أيضاً على قراءة من قرأ «يَصَّالَحَا» لأن تفاعل قد جاء متعدياً؛ ويحتمل أن يكون مصدراً حذفت زوائده. ومن قرأ «يَصَّلِحَا» فالأصل «يصتلحا» ثم صار إلى يصطلحا، ثم أبدلت الطاء صاداً وأدغمت فيها الصاد؛ ولم تبدل الصاد طاء لما فيها من امتداد الزفير. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق. ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وٱمرأته في مال أو وَطْء أو غير ذلك. {خَيْرٌ} أي خير من الفرقة؛ فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر، حديث : وقال عليه السلام في البِغْضة: «إنها الحالقة» تفسير : يعني حالقة الدِّين لا حالقة الشعر. السادسة ـ قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} إخبار بأن الشح في كل أحد. وأن الإنسان لا بد أن يشح بحكم خلقته وجِبلّته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره؛ يقال: شَحّ يَشِح (بكسر الشين) قال ابن جُبير: هو شُحّ المرأة بالنفقة من زوجها وبقَسْمه لها أيامها. وقال ابن زيد: الشح هنا منه ومنها. وقال ابن عطية: هذا أحسن؛ فإن الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها، والغالب على الزوج الشّحّ بنصيبه من الشّابّة. والشّح الضبط على المعتقَدات والإرادة وفي الهمم والأموال ونحو ذلك، فما أُفرط منه على الدين هو محمود، وما أفرط منه في غيره ففيه بعض المذمّة، وهو الذي قال الله فيه: { أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [الحشر: 9 التغابن: 16]. وما صار إلى حَيِّز منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل وهي رذيلة. وإذا آل البخل إلى هذه الأخلاق المذمومة والشيم اللئيمةِ لم يبق معه خير مرجوّ ولا صلاح مأمول. قلت: وقد رويحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «من سيِّدكم»؟ قالوا: الجَدّ بن قيس على بُخْل فيه. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «وأيّ داء أدْوَى من البخل» قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن قوماً نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر النساء ببعد الرجال، ففعلوا وطال ذلك بهم، فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء» تفسير : . وقد تقدّم، ذكره الماوردِي. السابعة ـ قوله تعالى: {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ} شرط {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} جوابه. وهذا خطاب للأزواج من حيث أن للزوج أن يشِح ولا يحسن؛ أي إن تحسنوا وتتقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهنّ مع كراهيتكم لصحبتهنّ وٱتقاء ظلمهن فهو أفضل لكم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً ومشرعاً عن حال الزوجين، تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها، فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه؛ من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ}، ثم قال: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} أي: من الفراق، وقوله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ} أي: الصلح عند المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة، عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فراقها، فصالحته على أن يمسكها، وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، وأبقاها على ذلك. (ذكر الرواية بذلك) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يارسول الله، لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ} الآية. قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. ورواه الترمذي عن محمد ابن المثنى، عن أبي داود الطيالسي به، وقال: حسن غريب. قال الشافعي: أخبرنا مسلم عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي عن تسع نسوة، وكان يقسم لثمان. وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة. وفي صحيح البخاري من حديث الزهري عن عروة عن عائشة نحوه. وقال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام، عن أبيه عروة، قال: أنزل الله في سودة وأشباهها: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت، ففزعت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البيهقي: وقد رواه أحمد بن يونس عن الحسن بن أبي الزناد موصولاً، وهذه الطريقة رواها الحاكم في مستدركه، فقال: حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت له: يا ابن أختي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا، فيدنو من كل امرأة؛ من غير مسيس، حتى يبلغ إلى من هو يومها، فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت، وفزعت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: ففي ذلك أنزل الله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} وكذلك رواه أبو داود عن أحمد بن يونس به، والحاكم في مستدركه، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقد رواه ابن مردويه من طريق أبي بلال الأشعري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به نحوه، ومن رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن هشام بن عروة بنحوه مختصراً، والله أعلم. وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول معجمه: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلما أن أتاها، جلست له على طريق عائشة، فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كلامه، واصطفاك على خلقه، لما راجعتني، فإني قد كبرت، ولا حاجة لي في الرجال، لكن أريد أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فراجعها، فقالت: فإني جعلت يومي وليلتي لحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا غريب مرسل. وقال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا عبد الله، أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} قال: الرجل تكون عنده المرأة المسنة، ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية. وقال ابن جرير: حدثنا وكيع، حدثنا أبي عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} قالت: هذا في المرأة تكون عند الرجل، فلعله لا يكون بمستكثر منها، ولا يكون لها ولد، ويكون لها صحبة، فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني. حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة عن هشام، عن عروة، عن عائشة، في قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} قالت: هو الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد كبرت، أو هي دميمة، وهو لا يستكثر منها، فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير وجه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، بنحو ما تقدم، ولله الحمد والمنة. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: حدثنا جرير عن أشعث عن ابن سيرين قال: جاء رجل الى عمر بن الخطاب، فسأله عن آية، فكرهه، فضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} ثم قال: عن مثل هذا فاسألوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء، فهو جائز. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني، حدثنا مسدد، حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فسأله عن قول الله عز وجل: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ}، قال علي: يكون الرجل عنده المرأة، فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها، فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئاً، حل له، وإن جعلت له من أيامها، فلا حرج. وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن حماد بن سلمة وأبي الأحوص، ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل، أربعتهم عن سماك، به. وكذا فسرها ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد بن جبير والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتيبة وقتادة وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم في ذلك خلافاً أن المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم. وقال الشافعي: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري، عن ابن المسيب: أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمراً، إما كبراً، أو غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني، واقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله عز وجل: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} الآية، وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، بأطول من هذا السياق. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حدثنا سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أنبأنا علي بن محمد بن عيسى، أنبأنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز الرجل وإعراضه عن امرأته في قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} إلى تمام الآيتين، أن المرء إذا نشز عن امرأته، وآثر عليها، فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها، أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه، فإن استقرت عنده على ذلك، وكرهت أن يطلقها؛ فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك، فإن لم يعرض عليها الطلاق، وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه، وتقر عنده على الأثرة في القسم من ماله ونفسه، صلح له ذلك، وجاز صلحها عليه. كذلك ذكر سعيد بن المسيب وسليمان الصلح الذي قال الله عز وجل: {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ}. وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت عنده امرأة، حتى إذا كبرت، تزوج عليها فتاة شابة، وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق، فطلقها تطليقة، ثم أمهلها، حتى إذا كادت تحل، راجعها، ثم عاد فآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق، فقال لها: ما شئت، إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت فارقتك، فقالت: لا، بل أستقر على الأثرة، فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما، ولم ير رافع عليه إثماً حين رضيت أن تستقر عنده على الأثرة فيما آثر به عليها. وهكذا رواه بتمامه عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، فذكره بطوله، والله أعلم. وقوله: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: التخيير؛ أن يخير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها، والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة رضي الله عنها، ولم يفارقها، بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه عليه الصلاة والسلام. ولما كان الوفاق أحب الى الله من الفراق، قال: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} بل الطلاق بغيض إليه سبحانه وتعالى، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه، جميعاً عن كثير بن عبيد، عن محمد بن خالد، عن معروف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أبغض الحلال إالى الله الطلاق»تفسير : . ثم رواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن معروف عن محارب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر معناه مرسلاً. وقوله: {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن، وتقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء. وقوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} أي: لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه، وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع؛ كما قاله ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا حسين الجعفي عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} في عائشة، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيماتملك ولا أملك» تفسير : يعني: القلب، هذا لفظ أبي داود، وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلاً، قال: وهذا أصح. وقوله: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن، فلا تبالغوا في الميل بالكلية، {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ} أي: فتبقى هذه الأخرى معلقة. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان: معناها: لا ذات زوج، ولا مطلقة. وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا همام عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط»تفسير : ، وهكذا رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث همام بن يحيى عن قتادة به. وقال الترمذي: إنما أسنده همام، ورواه هشام الدستوائي عن قتادة، قال: كان يقال: ولا يعرف هذا الحديث مرفوعاً إلا من حديث همام. وقوله: {وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} أي: وإن أصلحتم في أموركم، وقسمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جيمع الأحوال، غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض، ثم قال تعالى: { وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعاً حَكِيماً} وهذه هي الحالة الثالثة، وهي حالة الفراق، وقد أخبر الله تعالى أنهما إذا تفرقا، فإن الله يغنيه عنها، ويغنيها عنه، بأن يعوضه الله من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، {وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعاً حَكِيماً} أي: واسع الفضل، عظيم المن، حكيماً في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ } مرفوع بفعل يفسره {خَافَتْ } توقعت {مِن بَعْلِهَا } زوجها {نُشُوزاً } ترفعا عليها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها {أَوْ إِعْرَاضاً } عنها بوجهه {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصّالحا } فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، وفي قراءة (يُصلحا) من (أصلح) {يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } في القسم والنفقة بأن تترك له شيئاً طلباً لبقاء الصحبة فإن رضيت بذلك وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } من الفرقة والنشوز والإعراض، قال تعالىاللهُ في بيان ما جبل عليه الإنسان {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } شدّة البخل أي جبلت عليه فكأنها حاضرته لا تغيب عنه، المعنى أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها والرجل لا يكاد يسمح عليها بنفسه إذا أحب غيرها {وَإِن تُحْسِنُواْ } عشرة النساء {وَتَتَّقُواْ } الجور عليهن {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فيجازيكم به.
الشوكاني
تفسير : {امرأة} مرفوعة بفعل مقدّر يفسره ما بعده، أي: وإن خافت امرأة، وخافت بمعنى: توقعت ما تخاف من زوجها، وقيل معناه: تيقنت وهو خطأ. قال الزجاج: المعنى: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا } دوام النشوز. قال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض: أن النشوز التباعد، والإعراض أن لا يكلمها ولا يأنس بها، وظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة أيّ نشوز، أو أيّ إعراض، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي سيأتي، وظاهرها أنه يجوز التصالح بأيّ نوع من أنواعه، إما بإسقاط النوبة، أو بعضها، أو بعض النفقة، أو بعض المهر. قوله: {أن يصالحا} هكذا قرأه الجمهور، وقرأ الكوفيون: «أن يصلحا» وقراءة الجمهور أولى؛ لأن قاعدة العرب أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعداً قيل: تصالح الرجلان، أو القوم، لا أصلح. وقوله: {صَـٰلِحاً} منصوب على أنه اسم مصدر، أو على أنه مصدر محذوف الزوائد، أو منصوب بفعل محذوف، أي: فيصلح حالهما صلحاً، وقيل: هو منصوب على المفعولية. وقوله: {بَيْنَهُمَا } ظرف للفعل، أو في محل نصب على الحال. قوله: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } لفظ عام يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف خير على الإطلاق أو خير من الفرقة، أو من الخصومة، وهذه جملة اعتراضية. قوله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } إخبار منه سبحانه بأن الشحّ في كل واحد منهما، بل في كل الأنفس الإنسانية كائن، وأنه جعل كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال من الأحوال، وأن ذلك بحكم الجبلة والطبيعة، فالرجل يشحّ بما يلزمه للمرأة من حسن العشرة، وحسن النفقة ونحوها، والمرأة تشحّ على الرجل بحقوقها اللازمة للزوج، فلا تترك له شيئاً منها. وشحّ الأنفس: بخلها بما يلزمها، أو يحسن فعله بوجه من الوجوه، ومنه: {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [الحشر: 9]. قوله: {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ } أي: تحسنوا عشرة النساء، وتتقوا ما لا يجوز من النشوز والإعراض {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فيجازيكم يا معشر الأزواج بما تستحقونه. قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء } أخبر سبحانه بنفي استطاعتهم للعدل بين النساء على الوجه الذي لا ميل فيه ألبتة لما جبلت عليه الطباع البشرية من ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه في المحبة، ونقصان هذه، وذلك بحكم الخلقة بحيث لا يملكون قلوبهم، ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية، ولهذا كان يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك»تفسير : ولما كانوا لا يستطيعون ذلك، ولو حرصوا عليه، وبالغوا فيه نهاهم عزّ وجلّ عن أن يميلوا كل الميل؛ لأن ترك ذلك وتجنب الجور كل الجور في وسعهم، وداخل تحت طاقتهم، فلا يجوز لهم أن يميلوا عن إحداهنّ إلى الأخرى كل الميل حتى يذروا الأخرى كالمُعلقة التي ليست ذات زوج، ولا مطلقة تشبيهاً بالشيء الذي هو معلق غير مستقرّ على شيء، وفي قراءة أبيّ «فتذروها كالمسجونة» قوله: {وَإِن تُصْلِحُواْ } أي: ما أفسدتم من الأمور التي تركتم ما يجب عليكم فيها من عشرة النساء، والعدل بينهنّ {وَتَتَّقُواْ } كل الميل الذي نهيتم عنه: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } لا يؤاخذكم بما فرط منكم. قوله: {وَإِن يَتَفَرَّقَا } أي: لم يتصالحا بل فارق كل واحد منهما صاحبه: {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ } منهما: أي: يجعله مستغنياً عن الآخر بأن يهيىء للرجل امرأة توافقه، وتقرّ بها عينه، وللمرأة رجلاً تغتبط بصحبته، ويرزقهما {مّن سَعَتِهِ } رزقاً يغنيهما به عن الحاجة: {وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً حَكِيماً } واسع الفضل صادرة أفعاله على جهة الإحكام والإتقان. وقد أخرج الترمذي وحسنه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، وأجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } الآية، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وأخرج أبو داود، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عائشة أن سبب نزول الآية هو قصة سودة المذكورة. وأخرج البخاري وغيره عنها في الآية قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلّ، فنزلت هذه الآية. وأخرج الشافعي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن سعيد بن المسيب أن ابنة محمد بن سلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمراً، إما كبراً، أو غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا، وجرت السنة بذلك ونزل القرآن: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً } الآية. وأخرج أبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن عليّ أنه سئل عن هذه الآية، فقال: هو رجل عنده امرأتان، فتكون إحداهما قد عجزت، أو تكون دميمة، فيريد فراقها، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة، وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به نفسها، فلا بأس به، فإن رجعت سوّى بينهما. وقد ورد عن جماعة من الصحابة نحو هذا، وثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } قال: هواه في الشيء يحرص عليه، وفي قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء } قال: في الحبّ والجماع، وفي قوله: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } قال: لا هي أيمة ولا ذات زوج. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن المنذر عن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول: "حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"تفسير : وإسناده صحيح. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وأهل السنن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة، وأحد شقيه ساقط»تفسير : . قال الترمذي: إنما أسنده همام. ورواه هشام الدستوائي عن قتادة قال: كان يقال، ولا يعرف هذا الحديث مرفوعاً إلا من حديث همام. وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود في قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء } قال: الجماع. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن قال: الحبّ.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً} الآية اختلف في سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هم بطلاق سودة بنت زمعة فجعلت يومها لعائشة على ألا يطلقها، فنزلت هذه الآية فيها. وهذا قول السدي. والقول الثاني: أنها عامة في كل امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً. والنشوز: الترفع عنها لبغضها، والإعراض: أن ينصرف عن الميل إليها لمؤاخذة أو أثرة. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} إمَّا من تَرْكِ مهرٍ أو إسقاط قَسَم. {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني خيراً من النشوز والإعراض، وهو قول بعض البصريين. والثاني: خير من الفرقة، وهو قول الزجاج. {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ} فيه تأويلان: أحدهما: أنفس النساء أحضرت الشح عن حقوقهن من أزواجهن وأموالهن، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير. والثاني: أحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه، وهو قول الحسن. قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ} يعني بقلوبكم ومحبتكم. {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: ولو حرصتم أن تعدلوا في المحبة، وهو قول مجاهد. والثاني: ولو حرصتم في الجماع، وهو قول ابن عباس. {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ} أي فلا تميلواْ بأفعالكم فتُتْبِعُوهَا أهواءَكم. {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} يعني لا أيِّماً ولا ذات زوْج. قوله تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} يعني الزوجين إن تفرقا بالطلاق. {يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: يغني الله كل واحد منهما بالقناعة والصبر عن صاحبه، ومعنى قوله: {من سعته} أي من رحمته، لأنه واسع الرحمة. والثاني: يغني الله كل واحد منهما عن صاحبه بمن هو خير منه، ومعنى قوله: {من سعته} أي من قدرته لأنه واسع القدرة. والثالث: يغني الله كل واحد منهما بمال يكون أنفع له من صاحبه. ومعنى قوله: {من سعته} أي من غناه لأنه واسع الغنى.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون ذات سن ودمامة، أو نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فيذهب الزوج إلى طلاقها، أو إلى إيثار شابة عليها، ونحو هذا مما يقصد به صلاح نفسه ولا يضرها هي ضرراً يلزمه إياها، بل يعرض عليها الفرقة أو الصبر على الأثرة، فتزيد هي بقاء العصمة، فهذه التي أباح الله تعالى بينهما الصلح، ورفع الجناح فيه، إذ الجناح في كل صلح يكون عن ضرر من الزوج يفعله حتى تعالجه، وأباح الله تعالى الصلح مع الخوف وظهور علامات النشوز أو الإعراض، وهو مع وقوعها مباح أيضاً، و"النشوز": الارتفاع بالنفس عن رتبة حسن العشرة، و "الإعراض": أخف من النشوز، وأنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة، أن يعطي الزوج على أن تصبر هي، أو تعطي هي على أن لا يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة، أو يقع الصلح على الصبر على الإثرة، فهذا كله مباح، واختلف المفسرون في سبب الآية، فقال ابن عباس وجماعة معه: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة، حدث الطبري بسند عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك، ولا تقسم لي، ففعل فنزلت {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} الآية، وفي المصنفات أن سودة لما كبرت وهبت يومها لعائشة وهذا نحو الأول، وقال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعبيدة السلماني وغيرهم: نزلت الآية بسبب رافع بن خديج وخولة بنت محمد بن مسلمة، وذلك أنه خلا من سنها فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة فلم تصبر هي فطلقها طلقة ثم تراجعا، فعاد فآثر الشابة فلم تصبر هي فطلقها أخرى، فلما بقي من العدة يسير قال لها: إن شئت راجعتك وصبرت على الإثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك، قالت: بل راجعني وأصبر، فراجعها فآثر الشابة فلم تصبر، فقال: إنما هي واحدة، فإما أن تقري على ما ترين من الإثرة، وإلا طلقتك، فقرت فهذا هو الصلح الذي أنزل الله فيه {وإن امرأة خافت} الآية، وقال مجاهد: نزلت الآية بسبب أبي السنابل ابن بعكك وامرأته، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "يصَّالحا" بفتح الياء وشد الصاد وألف بعدها، وأصلها يتصالحا، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم "يُصْلحا" بضم الياء وسكون الصاد دون ألف، وقرأ عبيدة السلماني "يُصالحا" بضم الياء من المفاعلة، وقرأ الجحدري وعثمان البتي "يَصّلحا" بفتح الياء وشد الصاد أصلها يصطلحا، قال أبو الفتح: أبدل الطاء صاداً ثم أدغم فيها الصاد التي هي فاء فصارت "يصلحا"، وقرأ الأعمش "إن اصالحا"، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود، وقوله {صلحاً} ليس الصلح مصدراً على واحد من هذه الأفعال التي قرىء بها، فالذي يحتمل أن يكون اسماً كالعطاء مع أعطيت والكرامة مع أكرمت، فمن قرأ "يصلحا" كان تعديه إلى الصلح كتعدية إلى الأسماء، كما تقول: أصلحت ثوباً، ومن قرأ "يصالحا" من تفاعل وعرف تفاعل أنه لا يتعدى، فوجهه أن تفاعل قد جاء متعدياً في نحو قول ذي الرمة: شعر : ومِنْ جَرْدَةٍ غَفَلٍ بساطٍ تَحَاسَنَتْ بها الوشْيُ قَرَّاتُ الرياحِ وَخُورُها تفسير : ويجوز أن يكون الصلح مصدراً حذفت زوائده، كما قال: "وإن تهلك فذلك كان قدري" أي تقديري. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: هذا كلام أبي علي على أن القدر مصدر جار على أن قدرت الأمر بالتخفيف بمعنى قدرت بالتشديد، وقوله تعالى {والصلح خير} لفظ عام مطلق بمقتضى أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق، ويندرج تحت هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ذكرنا خير من الفرقة. وقوله تعالى {وأحضرت الأنفس الشح} معذرة عن عبيدة تعالى أي لا بد للإنسان بحكم خلقته وجبلته من أن يشح على إرادته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره، وخصص المفسرون هذه اللفظة هنا فقال ابن جبير: هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها، وقال ابن زيد: الشح هنا منه ومنها. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: وهذا حسن، و {الشح}: الضبط على المعتقدات والإرادات الهمم والأموال ونحو ذلك، فما أفرط منها ففيه بعض المذمة، وهو الذي قال تعالى فيه {أية : ومن يوق شح نفسه} تفسير : [الحشر:9] وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل، وهي رذيلة لكنها قد تكون في المؤمن، ومنه الحديث "حديث : قيل يا رسول الله أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال نعم"تفسير : . وأما {الشح} ففي كل أحد، وينبغي أن يكون، لكن لا يفرط إلا على الدين، ويدلك على أن الشح في كل أحد قوله تعالى: {وأحضرت الأنفس الشح} وقوله {شح نفسه} فقد أثبت أن لكل نفس شحاً، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن تصدق وأنت صحيح شحيح" تفسير : وهذا لم يرد به واحداً بعينه، وليس يجمل أن يقال هنا: أن تصدق وأنت صحيح بخيل، وقوله تعالى: {وإن تحسنوا} ندب إلى الإحسان في تحسين العشرة وحمل خلق الزوجة والصبر على ما يكره من حالها. وتمكن الندب إلى الإحسان من حيث للزوج أن يشح فلا يحسن {وتتقوا} معناه: تتقوا الله في وصيته بالنساء، إذ هن عوان عند الأزواج حسبما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم ". تفسير : وقوله تعالى {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} الآية. معناه: العدل التام على الإطلاق المستوي في الأفعال والأقوال والمحبة والجماع وغير ذلك،حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ثم يقول: "اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" تفسير : يعني ميله بقلبه، وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم قلبي فلا أملكه، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل، وروي أن هذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وميله بقلبه إلى عائشة، فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض الأزواج دون بعض، ونشاطهم إليهن وبشرهم معهن، ثم نهى عن "الميل كل الميل" وهو أن يفعل فعلاً يقصده من التفضيل وهو يقدر أن لا يفعله، فهذا هو {كل الميل}، وإن كان في أمر حقير، فكأن الكلام {فلا تميلوا} النوع الذي هو كل الميل وهو المقصود من قول أو فعل، وقوله تعالى {فتذروها كالمعلقة} أي لا هي أيم ولا ذات زوج، وهذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء لأنه لا على الأرض استقر، ولا على ما علق منه انحمل، وهذا مطرد في قولهم في المثل: أرض من المركب بالتعليق، وفي عرف النحويين في تعليق الفعل، ومنه في حديث أم زرع قول المرأة: زوجي العشنق، إن انطلق أطلق، وإن أسكت أعلق، وقرأ أبيّ بن كعب "فتذروها كالمسجونة" وقرأ عبد الله بن مسعود" فتذروها كأنها معلقة" ثم قال تعالى {وإن تصلحوا وتتقوا} أي وإن تلتزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون {فإن الله كان غفوراً رحيماً} لما لا تملكونه متجاوزاً عنه، وقال الطبري: معنى الآية، غفوراً لما سلف منكم من الميل كل الميل قبل نزول الآية. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: فعلى هذا فهي مغفرة مخصصة لقوم بأعيانهم، واقعوا المحظور في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في التي قبل {وإن تحسنوا} وفي هذه {وإن تصلحوا} لأن الأول في مندوب إليه، وهذه في لازم، لأن الرجل له هنالك أن لا يحسن وأن يشح ويصالح بما يرضيه، في هذه ليس له أن يصلح، بل يلزمه العدل فيما يملك.
ابن عبد السلام
تفسير : {نُشُوزًا} ترفعاً عنها لبغضها {أَوْ إِعْرَاضًا} انصرافاً عن الميل إليها لموجدة أو أثَرَة، لما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاق سودة جعلت يومها لعائشة ـ رضي الله تعالى عنها وعن أبيها ـ على أن لا يطلقها، فنزلت، أو هي عامة في كل امرأة خافت النشوز أو الإعراض. {صُلْحًا} بترك مهر، أو إسقاط قسم. {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} من الفرقة، أو من النشوز والإعراض. {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ} أنفس النساء عن حقوقهن على الأزواج وعن أموالهن، أو نفس كل واحد من الزوجين بحقه على صاحبه.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} (ق) عن عائشة في قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} قالت نزلت في المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها فنقول له امسكني لا تطلقني ثم تزوج غيري وأنت في حل من النفقة عليّ والقسمة لي قالت فذلك قوله تعالى: {فلا جناح عليهما أن يُصلحا بينهما صلحاً والصلح خير} وقيل نزلت في عمرة بنت محمد بن مسلمة ويقال اسمها خولة وفي زوجها سعد بن الربيع ويقال له رافع بن خديج تزوجها وهي شابة فلما كبرت تزوج عليها امرأة أخرى شابة وآثرها عليها وجفا الأولى فأتت ابنة محمد بن مسلمة تشكو زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وقيل كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوج غيرها فقالت لا تطلقني ودعني أقوم على أولادي واقسم لي كل شهرين إن شئت وإن شئت فلا تقسم لي فقال إن كان يصلح ذلك فهو أحب إليّ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزل الله هذه الآية: {وإن امرأة خافت} يعني علمت وقيل ظنت وقيل بل المراد نفس الخوف لأن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور الأمارات الدالة على وقوعه من بعلها يعني من زوجها. والبعل هو السيد وسمي الزوج بعلاً لأنه سيد المرأة. نشوزاً يعني بغضاً وقيل هو ترك مضاجعتها وأصله من النشز وهو المرتفع من الأرض والنشوز قد يكون من الزوجين وهو أن يكره كل واحد منهما صاحبه فنشوز الزوج هو أن يعرض عن المرأة. وهو قوله تعالى: {أو إعراضاً} يعني بوجهه عنها أو يعبس في وجهها أو يترك مضاجعتها أو يسيء عشرتها أو يشتغل بغيرها وقيل المراد من النشوز إظهار الخشونة في القول والفعل والمراد من الإعراض السكوت عن الخير والشر والإيذاء بل يعرض عنها بوجهه أو يشتغل بغيرها {فلا جناح عليهما} يعني فلا حرج ولا إثم على الزوج والمرأة {أن يصلحا} من المصالحة، وقرئ أن يصلحا بضم الياء وكسر اللام من الإصلاح {بينهما صلحاً} يعني في القسمة والنفقة وهو أن يقول الزوج للمرأة: إنك قد كبرت ودخلت في السن، وأنا أريد أن أتزوج امرأة جميلة شابة أوثرها عليك في القسمة ليلاً ونهاراً فإن رضيت فأقيمي وإن كرهت ذلك فارقتك وخليت سبيلك فإن رضيت بذلك كانت هي المحسنة ولا تجبر على ذلك وإن لم ترض بدون حقها كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم والنفقة أو يسرحها بإحسان وإن أمسكها ووفاها حقها مع الكراهة لها كان هو المحسن قال ابن عباس: فإن صالحته على بعض حقها من القسمة والنفقة جاز وإن أنكرت ذلك بعد الصلح كان ذلك لها ولها حقها {والصلح خير} يعني إقامتها بعد تخييره إياها والمصالحة على ترك بعض حقها من القسم والنفقة خير من الفرقة عن ابن عباس قال: "خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت ـ {فلا جناح عليهما أن يصالحها بينهما صلحاً والصلح خير} ـ فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز" أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة {وأحرضت الأنفس الشح} الشح أقبح البخل، وحقيقته الحرص على من الخير، وإنما قال: وأحضرت الأنفس الشح لأنه كالأمر اللازم للنفوس لأنه مطبوعة عليه، ومعنى الآية أن كل واحد من الزوجين يشح بنصيبه من الآخر فالمرأة تشح على مكانها من زوجها والرجل يشح عليها بنفسه إذا كان غيرها أحب إليه منها {وإن تحسنوا وتتقوا} هذا خطاب للأزواج يعني وإن تحسنوا أيها الأزواج الصحبة والعشرة وتتقوا الله في حق المرأة فإنها أمانة عندكم وقيل معناه وإن تحسنوا بالإقامة معها على الكراهة وتتقوا ظلمها والجور عليها. {فإن الله كان بما تعملون خبيراً} يعني فيجازيكم بأعمالكم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً...} الآية: هذه الآيةُ حُكْمٌ من اللَّه تعالَىٰ في أمْرِ المرأةِ الَّتِي تكُونُ ذاتَ سِنٍّ ونَحْو ذلك ممَّا يرغَبُ زوجُها عَنْها، فيعرض عليها الفُرْقَة أو الصَّبْر على الأَثَرة، فتُرِيدُ هي بَقَاءَ العِصْمة، فهذه التي أَبَاحَ اللَّه بينهما الصُّلْحَ ورَفَعَ الجُنَاحَ فيه. واختلف في سَبَبِ نزولِ الآية، فقال ابنُ عبَّاس وجماعةٌ: نزلَتْ في النبيِّ ـــ عليه السلام ـــ وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ وفي المصنَّفات: أن سَوْدَةَ لما كَبِرَتْ، وَهَبَتْ يومها لعائشة، وقال ابنُ المُسَيَّب وغيره: نزلَتْ بسبب رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وامرأتِهِ خَوْلَةَ، وقال مجاهدٌ: نزلَتْ بسبب أبي السَّنَابِلِ وامرأتِهِ، ولفظُ ابنِ العربيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً...} الآية: قالَتْ عائشةُ (رضي اللَّه تعالى عنها): هِيَ المرأَةُ تكُونُ عند الرجُلِ ليس بمستكْثِرٍ منها يريدُ أنْ يفارقَهَا، فتقولُ لَهُ: أجعلُكَ مِنْ شأنِي في حِلٍّ، فنزلَتِ الآية، قال الفقيهُ أبو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: فرضوانُ اللَّه علَى الصِّدِّيقة المُطَهَّرة، لَقَدْ وفَّتْ بما حَمَّلها ربُّها من العَهْد في قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ } تفسير : [الأحزاب:34] انتهى. وقوله تعالى: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} لفظٌ عامٌّ مطلقٌ يقتضي أنَّ الصُّلّحَ الحقيقيَّ الذي تسكن إلَيْه النفوسُ، ويزولُ به الخلافُ خَيْرٌ على الإطلاق، ويندرج تحْتَ هذا العموم أنَّ صُلْحَ الزوجَيْن علَىٰ ما ذكرنا ـــ خيرٌ من الفُرْقَة. وقوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ} معذرةٌ عن عَبِيدِهِ تعالَىٰ، أي: لا بُدَّ للإنسان بحُكْم خلقته وجِبِلَّتهِ من أنْ يشحَّ على إرادته حتى يَحْمِلَ صاحبه علَىٰ بعض ما يكره، وخصَّص المفسِّرون هذه اللفظة هنا. فقال ابنُ جُبَيْر: هو شُحُّ المرأة بالنفقة مِنْ زوجها، وبقَسْمه لها أيامَها. وقال ابن زَيْد: الشحُّ هنا منه وَمِنْها؛ قال * ع *: وهذا حسنٌ. والشُّحُّ: الضبط على المعتَقَدَاتِ، وفي الهمم، والأموالِ، ونحو ذلك، فما أفرط منه، ففيه بعض المذمَّة، وهو الذي قال تعالَىٰ فيه: {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} تفسير : [الحشر:9] وما صار إلى حيِّزِ مَنْعِ الحقوقِ الشرعيَّة، أو الَّتي تقتضِيَها المروءةُ، فهو البُخْل، وهي رذيلةٌ، لكنها قد تكُونُ في المؤمِنِ؛ ومنه الحديثُ: «حديث : قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلاً؟ قَالَ: نَعَمْ»تفسير : ، وأما الشُّحُّ، ففي كلِّ أحد، وينبغي ألاَّ يفرط إلاَّ على الدِّين؛ ويدلُّك على أنَّ الشُّحَّ في كلِّ أحد قولُهُ تعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ}، وقوله: {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} تفسير : [الحشر:9]، فقد أثبَتَ أنَّ لكل نفسٍ شُحًّا، وقول النبيِّ ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : وَأَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ»تفسير : ، وهذا لم يُرِدْ به واحداً بعينه، وليس يجمُلُ أنْ يقال هنا: أنْ تَصَدَّقَ وَأَنتَ صحيحٌ بخيلٌ. وقوله تعالى: {وَإِن تُحْسِنُواْ}: ندْبٌ إلى الإحسان في تحسين العِشْرة، والصَّبْرِ على خُلُقِ الزوجة، {وَتَتَّقُواْ}: معناه: تتقوا اللَّه في وصيَّته بهنَّ؛ إذ هنَّ عوانٌ عندكم.
ابن عادل
تفسير : وقوله: "وإن امْرَأَةٌ ": "امرأةٌ" فاعلٌ بِفعْلٍ مضمر واجب الإضْمَار، وهذه من باب الاشْتِغَال، ولا يجُوز رَفْعُها بالابْتداء، لأنَّ أداةَ الشَّرْطِ لا يَلِيها إلا الفِعْلُ عند جُمْهُور البَصْرِيِّين، خلافاً للأخفش، والكُوفيِّين، والتقديرُ: "وإنْ خافت امْرأةٌ خَافَتْ"، ونحوهُ: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ} تفسير : [التوبة: 6]، واستدلَّ البَصْرِيُّون على مَذْهَبهم: بأن الفعل قد جَاءَ مَجْزُوماً بعد الاسْمِ الوَاقِع بعد أداة الشَّرْط في قَوْل عديٍّ: [الخفيف] شعر : 1887- وَمَتَى وَاغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّو هُ وَتُعْطَفْ عَلَيْه كَأسُ السَّاقِي تفسير : قال بعضهم: خافت، أي: عَلِمَت، وقيل: ظَنَّت. قال ابن الخطِيب: ولا حَاجَة لِتَرْك الظَّاهر؛ لأن الخَوْف إنَّما يكون عند ظُهُور أماراتٍ [تدلُّ عليه] من جِهَة الزَّوْجِ، إمَّا قَوْلِيَّةٌ أو فِعْلِيَّةٌ. قوله "مِن بَعْلِها" يجوزُ أن يَتَعَلَّق بـ "خَافَت" وهو الظَّاهِر، وأن يتعلَّق بمَحْذُوف على أنه حَالٌ من: "نُشوزاً" إذ هو في الأصْل صِفَةُ نكرةٍ، فلمَّا قُدِّم عَلَيْها، تعذَّر جَعْلُه صِفَةً، فنُصِب حالاً، و"فلا" جَوَابُ الشَّرْطِ، والبَعْل: يطلق على الزَّوْج، وعلى السَّيِّد. قوله "أَن يُصْلِحَا" قرأ الكوفيون: "يُصْلِحا" من أصْلَح، وباقي السَّبْعة "يَصَّالحا" بتشديد الصَّاد بعدها ألف، وقرأ عثمان البتي والجَحْدَري: "يَصَّلِحا" بتشديد الصَّاد من غَيْر ألفٍ، وعبيدة السَّلَمَانِيّ: "يُصالِحا" بضمِّ الياءِ، وتخفيفِ الصَّادِ، وبعدَها ألفٌ من المُفَاعَلَة، وابن مَسْعُود، والأعْمش: "أن اصَّالحا". فأمّا قراءةُ الكوفيين فَوَاضِحَةٌ. وقراءةُ باقي السَّبْعَة، أصلُهَا: "يتصالحا"، فأُريد الإدْغَام تَخْفِيفاً؛ فأبْدِلت التَّاءُ صاداً وأدْغِمت، كقوله: "ادّاركوا". وأمَّا قراءةُ عُثْمَان، فأصلُها: "يَصْطَلِحا" فَخُفِّفَ بإبْدَالِ الطَّاء المُبْدَلةِ من تاءِ الافْتِعَال صَاداً، وإدغامها فيما بَعْدَها. وقال أبو البقاء: "وأصله: "يَصْتَلِحا" فأبْدِلت التاء صَاداً وأدْغِمت فيها الأولَى" وهذا ليس بِجَيِّدٍ، لأنَّ تاءَ الافْتِعَال يجبُ قَلْبُها طاءً بعد الأحْرُف الأرْبَعَة؛ كما تقدَّم تَحْقِيقُه في البَقرة، فلا حَاجَة إلى تَقْديرهَا تاءً؛ لأنه لو لُفِظ بالفِعْلِ مظهراً لم يُلْفظ فيه بالتَّاء إلا بَياناً لأصْلِه. وأمَّا قراءةُ عُبَيْدة فواضحةٌ؛ لأنها من المُصَالَحة. وأما قِرَاءة: "يَصْطَلِحَا" فأوضحُ، ولم يُخْتَلَفْ في "صُلْحاً" مع اختلافِهِم في فِعْلِهِ. وفي نصبه أوجهٌ: فإنه على قِرَاءة الكوفيين: يَحْتمل أن يكُونَ مَصْدَراً، وناصبُه: إمَّا الفِعْلُ المتقدِّمُ وهو مَصْدَرٌ على حَذْف الزَّوَائِد، وبعضُهم يعبِّر عنه بأنه اسْمُ مَصْدرٍ كالعَطَاءِ والنَّبَات، وإمَّا فِعْلٌ مقدرٌ أي: فيُصْلِحُ حَالَهُما صُلْحاً. وفي المَفْعُولِ على هذين التَّقْدِيرين وَجْهَان: أحدُهما: أنه "بَيْنَهُمَا" اتُسِّع في الظَّرْف فجُعِل مَفْعُولاً به. والثاني: أنه مَحْذُوف و"بينهما" ظرفٌ أو حَالٌ مِنْ "صلحاً" فإنه صِفةٌ له في الأصْلِ، ويُحْتمل أن يكُونَ نصبُ "صُلْحاً" على المَفْعُول به، إن جَعَلته اسماً للشيء المُصْطَلح عليه؛ كالعَطَاء بِمَعْنَى: المُعْطى، والثبات بِمَعْنَى: المُثْبَت. وأمَّا على بقيةِ القِراءَاتِ: فيجوزُ أنْ يكونَ مَصْدَراً على أحدِ التَّقْديرين المتقدمين: أعني: كونَه اسمَ المصدرِ، أو كونَه على حَذْفِ الزَّوَائِد، فيكون وَاقِعاً موقع "تَصَالَحَا، أو اصْطِلاَحاً، أو مصالحةً" حَسْبَ القِرَاءَات المتقدِّمة، ويجوزُ أنْ يكون مَنْصُوباً على إسْقَاطِ حرفِ الجَرِّ، أي: بصُلْحِ، أي: بشيء يَقعُ بسببِ المُصَالَحة، إذا جَعَلْناه اسْماً للشَّيْءِ المُصْطَلَح عليه. والحاصلُ أنه في بَقِيَّة القراءات يَنْتَفي عنه وَجْهُ المَفْعُولِ به المَذْكُورِ في قِرَاءة الكوفِيِّين، وتَبْقَى الأوْجُهُ البَاقِيةُ جَائِزةً في سائر القِراءَاتِ. قوله: "والصُّلْحُ خيرٌ": مبتدأ وخبر، وهذه الجُمْلَة قال الزمخشري فيها وفي التي بعدها: "إنهما اعْتِرَاضٌ" ولم يبيِّنْ ذلك، وكأنه يُريد أنَّ قوله: "وإنْ يتفرَّقا" مَعْطُوفٌ على قوله: "فَلاَ جُنَاْحَ" فجاءت الجُمْلَتانَ بينهما اعْتِرَاضاً؛ هكذا قال أبو حيَّان. قال شهاب الدين: وفيه نظر، فإن بَعْدهما جُمَلاً أخَرَ، فكان ينبغي أن يَقُول الزَّمَخْشَرِي في الجَمِيع: إنها اعْتِرَاضٌ، ولا يَخُص: "والصُّلْح خَيْر"، وأُحْضِرَتِ الأنفسُ [الشُّح] بذلك، وإنما يُرِيد الزَّمَخْشَرِيُّ بذلك: الاعتراض بَيْن قوله: "وإن امْرَأةٌ" وقوله: "وَإِن تُحْسِنُواْ" فإنهما شَرْطَان متعاطفانِ، ويَدُلُّ عليه تَفْسِيرُه له بما يُفِيدُ هذا المَعْنَى، فإنه قال: "وإن تحسنُوا بالأقَامَة على نِسَائِكُم، وإن كَرِهْتُموُهن وأحببتم غَيْرَهُن، وتتقوا النُّشوزَ والإعْرَاض" انتهى. فصل والألِف واللاَّم في الصُّلح يَجُوز أن تكون للجِنْس، وأن تكونَ للعهْد؛ لتقدُّمِ ذكره، نحو: {أية : فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [المزمل: 16]. فعلى الأوَّل وهو أنه مُفْرَد محلًّى بالألِف واللاَّم فهل يُفيدُ العُمُومَ، أم لاَ؟ فإن قُلْنَا: يفيد العُمَوم؛ فإذا حصل هُنَاك مَعْهُود سِابِقٌ، فهل يُحْمَل على العُمُوم، أم على المَعْهُود السِّابق؟ [و] الأوْلى: حَمْله على المَعْهُود السَّابِق، لأنا إنَّما حَمَلْنَاهُ على الاسْتِغْرَاق ضَرُورَة أنَّا لو لم نَقُل ذلك لخرج عن الإفَادَة، وصار مُجْمَلاً، فإذا حَصَل مَعْهُود سَابِقُ، اندفع هذا المَحْذُور، فوجب حَمْلُه عليه. وإذا عَرَفْت هذه المُقَدِّمة: فمن حَمَلَهُ على المَعْهُود السَّابِق، قال: الصُّلْح بين الزَّوْجَيْن خير من الفُرْقَة، ومن حَمَلَهُ على الاسْتِغْرَاقِ، تمسَّك به في أنَّ الصُّلْح على الإنْكَار جَائز، وهُمُ الحَنفيَّة و"خير": يُحْتمل أن تَكُون للتَّفْضِيل على بَابِها، والمفضَّلُ عليه مَحْذُوفٌ، فقيل: تقديرُه: من النُّشُوز، والإعْرَاض، وقيل: خيرٌ من الفُرْقَة، والتَّقْدِير الأولُ أوْلى؛ للدلالة اللَّفْظِيَّة، ويُحْتمل أن تَكون صِفَةً مجرَّدَةً، أي: والصُّلَحُ خيرٌ من الخُيُور؛ كما أنَّ الخُصُومة شرٌّ من الشُّرُور. فصل في سبب نزول الآية هذه الآية نزلت في عمرة ويُقَال: خَولة بِنْت محمَّد بن مَسْلَمة، وفي زَوْجَها سَعْد ابن الرَّبِيع، ويقال: رَافِع بن خُدَيْج تزوَّجَهَا وهي شَابَّة، فلما علاَهَا الكِبَر، تزوَّجَ عليها امْرَأة شابَّةً، فآثرها عليها، وجَفَا ابْنَه محمَّد بن مسلمة، فأتت رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت ذلك إلَيْه، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في سَوْدَة بنت زمْعَة، حين أرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُطَلِّقها، فالتمست أن يُمْسِكَها وتَجْعَل نَوْبَتَها لِعَائِشَة، فأجازَه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ولم يطلقها. وروي عن عَائِشَة، أنها قَالَت: نزلت في المَرْأة تكون عند الرَّجُل، ويُرِيد أن يَسْتَبْدِلَ [بها] غيرها، فتقول: أمْسِكْنِي، وتزوج بِغَيْري، وأنت في حِلٍّ من النَّفَقَةِ [والقَسْم]. وقال سَعِيد بن جُبَير: نزلت في أبِي السَّائِب، كان له امْرَأةٌ قد كَبِرت، وله مِنْهَا أوْلاد، فأراد أن يُطَلِّقَها ويتزوَّجَ بِغَيْرِها، فقالت: لا تطلِّقْنِي، ودعنِي على وَلَدِي، فاقْسم لي مِنْ كلِّ شَهْرَيْن إن شِئْتَ، وإن شئِتْ فلا تَقْسِم لي، فقال: إن كَانَ يصلحُ ذَلِك؛ فهو أحَبُّ إليّ، فأتَى رسُول الله صلى الله عليه وسلم فذكر لَهُ ذَلِك. فأنزل الله {وإن امْرأةٌ خافت} أي: علمت قيل: وظَنَّتْ، وقيل: مُجَرَّد الخَوْف عِنْد [ظُهُور] أمارات النُّشُوز، وهو البُغْضُ والشِّقَاق، من النَّشْز: وهو ما ارتفع عَنِ الأرْض. قال الكَلْبِيُّ: نشوز الرَّجُل: ترك مُجَامَعَتِها، وإعراضُهُ بوجْهه عَنْها، وقلة مُجَالَسَتِها، {فلا جناح عليهما} أي: على الزَّوج والمَرْأة أن يتصالَحَا، والصُّلْحُ إنَّما يحصُلُ في شَيْءٍ يكون حَقًّا له، وحقُّ المرأة على الزَّوْج: إما المَهْر، أو النَّفَقَة، أو القَسْم. فهذه الثلاثة هي التي تَقْدِر المرأة على طلبها من الزَّوْجِ، شاء أم أبَى، وأما الوَطءُ فلا يُجبرُ عليه إلاَّ في بعض الصُّوَر، وإذا كَان كَذَلك، فإذا بذلت المَرْأة ما تسْحِقُّهُ، أو بعضه للزَّوْج، وتصالحا على ذَلِكَ جَاز، فإن رَضِيَت، كَانَتْ هي المُحْسِنَة، ولا تُجْبَر على ذلك، وإن لم تَرْضَ، كان على الزَّوْج أن يُوَفِّيها حقها من القَسْم والنَّفقة [أو يُسَرِّحها بإحْسَان، فإن أمْسَكها ووفَّاها حقَّها مع كَراهِيَّتهِ، فهو المُحْسِن. وروى سُليْمَان بن يَسَار، عن ابن عبَّاسٍ: فإن صَالَحَتْهُ عن بَعْضِ حقها من القَسْم والنَّفَقَةِ،] فذلك جائز ما رَضِيت، فإن أنْكَرَت بعد الصُّلْح، فذلك لَهَا، ولها حَقُّهَاِ. ثم قال: "والصُّلْح خَيْر" [يعني: إقَامَتَهَا] بعد تَخْييره إيَّاهَا، والمُصَالَحة على تَرْك بَعْضِ حَقِّها، خَيْر من الفُرقَة. كما رُوِي أن سَوْدة كانت امْرأةً كبِيرةً، أراد النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُفَارِقَهَا، فقالت: لا تطلِّقْنِي، وكفاني أن أبْعَث في نِسَائِكَ، وقد جَعَلْتُ نوبتي لِعَائِشَة، فأمْسَكَها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يَقْسمُ لِعائِشَة يَوْمَها ويَوْمَ سَوْدَة. فصل قال - تعالى -: {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا}، وذلك يُوهِمُ أنَّه رخصة، والغايةُ فيه: ارْتِفَاع الإثْم، فبين - تعالى - أنَّ هذا الصُّلح كما أنَّه لا جُنَاح فيه ولا إثْم، ففيه خَيْر عَظِيمٌ. قوله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} "حَضَر" يتعدى إلى مَفْعُول، واكتسب بالهمزة مفعُولاً ثانياً، فلمَّا بُني للمفعُول، قامَ أحدهما مقام الفاعل، فانتصب الآخرُ، والقائمُ مقام الفاعِلِ هنا يَحْتمل وجهين: أظهرهما - وهو المشهُورُ من مذاهب النُّحَاة -: أنه الأول وهو "الأنْفُسُ" فإنه الفاعِل في الأصْلِ، إذ الأصْل: "حَضرت الأنْفُسُ الشُحَّ". والثاني: أنه المفعُول الثاني، والأصل: وحضر الشُحُّ الأنْفُسَ، ثم أحْضَر اللَّهُ الشُحَّ الأنْفُسَ، فلما بُنِي الفِعْل للمفعُول أقيم الثانِي - وهو الأنْفُسُ - مقامَ الفَاعِلِ، فأخِّر الأوَّل وبقي منصوباً، وعلى هذا يَجُوز أن يُقَال: "أُعْطِي درهمٌ زَيْداً" و"كُسِي جُبَّة عَمراً"، والعَكْس هو المشهُورُ كما تقدَّم، وكلامُ الزَّمَخْشَرِي يَحْتمل كَوْنَ الثاني هو القَائِم مقام الفاعل؛ فإنه قال: "ومعنى إحْضَارِ الأنْفُس الشُحَّ: أنَّ الشُحَّ جُعِل حَاضِراً لها، لا يَغِيب عنها أبداً ولا يَنْفَكُّ" يعني: أنها مَطْبُوعةٌ عليه، فأسْنِد الحضور إلى الشُحِّ كما ترى، ويحتمل أنه جعله من باب القلْب، فنسب الحُضُورَ إلى الشُحِّ، وهو في الحقيقة مَنْسُوبٌ إلى الأنْفس. وقرأ العَدَوِي: "الشِّحَّ" بكسر الشين وهي لُغَة، والشُّحُّ: البُخْل مع حرص؛ فهو أخَصُّ من البُخْل. قال القرطبي: وهذه الآية إخبار في كُلِّ أحدٍ، وأنَّ الإنْسَان لا بُد أن يشح بِحُكْم خِلْقَتِه، وجبلَّته، حتى يَحْمِل صَاحِبَه على بَعْض ما يَكْرَه، ويقال: الشُحُّ: هو البُخْل، وحقيقته: الحِرْص على مَنْع الخَيْر. والمُرادُ به ههنا: شُح كل واحدٍ من الزَّوْجَيْن بِنَصِيبهِ من الآخَر، فَتَشِحُّ المرأة: ببذل حقِّها، ويَشِحُّ الزَّوْج: بأن يَنْقَضِي عمره مَعَهَا مع دَمَامَة وَجْهِها، وكبر سِنِّها، وعدم حُصُول اللَّذَّة بِمُجَالَسَتِها. فصل قال القرطبي: والشُّحُّ: الضبط على المُعْتَقَدَات والإرادَة، وفي الهِمَمِ والأمْوال، ونحو ذلك، فما أفْرِط منه على الدِّين، فهو محمود، وما أفْرِطَ منه في غَيْرِهِ، ففيه بَعْض المذمَّة. وهو قوله - تعالى -: {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} تفسير : [التغابن: 16] الآية، وما صَار مِنْه إلى حَيِّز مَنْع الحُقُوقِ [الشَّرعيَّة] أو الَّتِي تَقْتَضِيهَا المُرُوءة، فهو البُخْلُ؛ [و] هي رذيلة، وإذا آلَ البُخْل إلى هَذِه الأخْلاَق المَذْمُومَةِ، لم يبق [معه] خيرٌ ولا صَلاَحٌ. روى الماوَرْدِيُّ: "حديث : أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال للأنْصَار: من سَيِّدُكُم؟ قالوا: الجَدُّ بن قَيْس على بُخْلٍ فيهه؛ فقال النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "وأي داء أدْوَى من البُخْلِ" قالوا: وكيف ذَاكَ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: إنَّ قوماً نزلوا بسَاحِل، فكرهوا لِبُخْلِهِم نُزُولَ الأضْيَافِ بِهِم، فقالوا: ليَبْعُد [الرِّجَال] منَّا عن النِّساء؛ حتى يَعْتَذِر الرَّجَال إلى الأضْيَافِ ببعد النِّسَاء، ويعتَذِر النِّسَاء ببُعْد الرَّجَالِ، ففعلوا وطال ذَلِكَ فِيهِمْ، فاشْتَغَل الرَّجَال بالرَّجَال، والنِّسَاء بالنِّسَاء ". تفسير : ثم قال: "وإنْ تُحْسِنُوا" أي: تُصْلِحُوا "وتَتَّقوا": الجور. وقيل: هذا خِطَابٌ مع الأزواج، أي: وإن تُحْسِنُوا بالإقَامَة مَعَها مع الكَرَاهَةِ، وتتقوا ظُلْمَها بالنُّشُّوزِ والإعْرَاض. وقيل [هو] خِطاب لغيرهما، أي: تُحْسِنُوا في الصُّلْح بينهما، وتَتَّقُوا المَيْل إلى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فإن اللَّه كان بما تَعْمَلُون خَبِيراً، فيجزيكم بأعْمَالِكُم. حكى صَاحِب الكَشَّاف: أن عِمْرَان بن حطَّان الخَارِجيَّ كان من أذَمِّ بني آدَم، وامرأته من أجْمَلِهِم، فَنَظَرَت إليه يَوْماً، ثم قالت: الحَمْدُ للَّهِ، فقال: مَا لَكِ؟ فقالت حَمَدْتُ اللَّه على أنِّي وإيَّاك من أهْل الجَنَّة؛ لأنك رُزِقْتَ مِثْلِي، فشكَرْت، ورُزِقْتُ مِثْلك؛ فَصَبَرْتُ، وقد وَعَد اللَّه بالجَنَّة الشَّاكرين والصَّابرين.
البقاعي
تفسير : ولما صاروا يعطفون اليتامى أموالهم، وصاروا يتزوجون ذوات الأموال منهن ويضاجرون بعضهن؛ عقب ذلك تعالى بالإفتاء في أحوال المشاققة بين الأزواج فقال: {وإن امرأة} أي واحدة أو على ضرائر. ولما كان ظن المكروه مخوفاً قال: {خافت} أي توقعت وظنت بما يظهر لها من القرائن {من بعلها نشوزاً} أي ترفعاً بما ترى من استهانته لها بمنع حقوقها أو إساءة صحبتها {أو إعراضاً} عنها بقلبه بأن لا ترى من محادثته ومؤانسته ومجامعته ما كانت ترى قبل ذلك، تخشى أن يجر إلى الفراق وإن كان متكلفاً لملاطفتها بقوله وفعله {فلا جناح} أي حرج وميل {عليهما أن يصلحا} أي يوقع الزوجان {بينهما} تصالحاً ومصالحة، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة الكوفيين بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام التقدير: إصلاحاً، لكنه لما كان المأمور به يحصل بأقل ما يقع عليه اسم الصلح بنى المصدر على غير هذين الفعلين فقال مجرداً له: {صلحاً} بأن تلين هي بترك بعض المهر أو بعض القسم أو نحو ذلك، وأن يلين لها هو بإحسان العشرة في مقابلة ذلك. ولما كان التقدير: ولا حناح عليهما أن يتفارقا على وجه العدل، عطف عليه قوله: {والصلح} أي بترك كل منهما حقه أو بعض حقه {خير} أي المفارقة التي أشارت إليها الجملة المطوية لأن الصلح مبناه الإحسان الكامل بالرضى من الجانبين، والمفارقة مبناها العدل الذي يلزمه في الأغلب غيظ أحدهما وإن كانت مشاركة للصلح في الخير، لكنها مفضولة، وتخصيصُ المفارقة بالطي لأن مبنى السورة على المواصلة. ولما كان منشأ التشاجر المانع من الصلح شكاسة في الطباع، صوَّر سبحانه وتعالى ذلك تنفيراً عنه، فقال اعتراضاً بين هذه الجمل للحث على الجود بانياً الفعل للمجهول إشارة إلى أن هذا المُحِضر لا يرضى أحد نسبته إليه: {وأحضرت الأنفس} أي الناظرة إلى نفاستها عجباً {الشح} أي الحرص وسوء الخلق وقلة الخير والنكد والبخل بالموجود، وكله يرجع إلى سوء الخلق والطبع الرديء واعوجاج الفطرة الأولى الذي كني عنه بالإحضار الملازم الذي لا انفكاك له إلا بجهاد كبير يناله به الأجر الكثير. ولما كان هذا خلقاً رديئاً لم يذكر فاعله، والمعنى: أحضرها إياه مُحضر. فصار ملازماً لها، لا تنفك عنه إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى في قهرها عليه بتذكير ما عنده سبحانه وتعالى من حسن الجزاء، ولما كان التقدير: فإن شححتم فإنه أعلم بها في الشح من موجبات الذم، عطف عليه قوله: {وإن تحسنوا} أي توقعوا الإحسان بالإقامة على نكاحكم وما ندبتم إليه من حسن العشرة وإن كنتم كارهين {وتتقوا} أي توقعوا التقوى بمجانبة كل ما يؤذي نوع أذى إشارة إلى أن الشحيح لا محسن ولا متق {فإن الله} أي وهو الجامع لصفات الكمال {كان} أزلاً وأبداً {بما تعملون} أي في كل شح وإحسان {خبيراً *} أي بالغ العلم به وأنتم تعلمون أنه أكرم الأكرمين، فهو مجازيكم عليه أحسن جزاء. ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الوقوف على الحق فضلاً عن الإحسان - وإن كانت المرأة واحدة - متعسر، أتبعه أن ذلك عند الجمع أعسر، فقال تعالى معبراً بأداة التأكيد: {ولن تستطيعوا} أي توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة {أن تعدلوا} أي من غير حيف أصلاً {بين النساء} في جميع ما يجب لكل واحدة منهن عليكم من الحقوق {ولو حرصتم} أي على فعل ذلك، وهذا مع قوله تعالى: {أية : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} تفسير : [النساء: 3] كالمختم للاختصار على واحدة. ولما أخبر سبحانه وتعالى بأن لا يخلو نكاح العدد عن ميل، سبب عنه قوله: {فلا} أي فإن كان لا بد لكم من العدد، أو فإن وقع الميل والزوجة واحدة فلا {تميلوا} ولما كان مطلق الميل غير مقدور على تركه فلم يكلف به، بين المراد بقوله: {كل الميل} ثم سبب عنه قوله: {فتذروها} أي المرأة {كالمعلقة} أي بين النكاح والعزوبة والزواج والانفراد. ولما كان الميل الكثير مقدوراً على تركه، فكان التقدير: فإن ملتم كل الميل مع إبقاء العصمة فإن الله كان منتقماً حسيباً، عطف عليه قوله: {وإن تصلحوا وتتقوا} أي بأن توجدوا الإصلاح بالعدل في القسم والتقوى في ترك الجور على تجدد الأوقات {فإن الله} أي الذي له الكمال كله {كان غفوراً رحيماً *} أي محّاء للذنوب بليغ الإكرام فهو جدير بأن يغفر لكم مطلق الميل، ويسبغ عليكم ملابس الإنعام. ولما كان من الإصلاح المعاشرة بالمعروف، ذكر قسيمه فقال: {وإن يتفرقا} أي يفترق كل من الزوجين من صاحبه {يغن الله} أي الذي له صفات الكمال {كلاًّ} أي منهما، أي يجعله غنياً هذه برجل وهذا بامرأة أو بغير ذلك من لطفه، وبين منشأ هذا الغني فقال: {من سعته} أي من شمول قدرته وغير ذلك من كل صفة كمال، ولمزيد الاعتناء بتقرير هذه المعاني في النفوس لإحضارها الشح، كرر اسمه الأعظم الجامع فقال: {وكان الله} أي ذو الجلال والإكرام أزلاً وأبداً {واسعاً} أي محيطاً بكل شيء {حكيماً *} أي يضع الأشياء في أقوم محالها.
السيوطي
تفسير : أخرج الطيالسي والترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: "خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا...} الآية. قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز". وأخرج ابن سعد وأبو داود والحاكم وصححه والبيهقيحديث : عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان يطوف علينا يومياً من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يومي هو لعائشة. فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: فأنزل الله في ذلك {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...} الآية" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن المنذر عن عائشة {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...} الآية. قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس مستكثراً منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل. فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية {والصلح خير} في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها وولدت منه أولاداً، فأراد أن يستبدل بها، فراضته على أن يقيم عندها ولا يقيم لها. وأخرج مالك وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن رافع بن خديج. أنه كانت تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة فآثرها عليها، فأبت الأولى أن تقر، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك؟ قالت: بل راجعني. فراجعا فلم تصبر على الأثرة، فطلقها أخرى وآثر عليها الشابة، فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...} الآية. وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن سعيد ابن المسيب. أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمراً، إما كبراً أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني. واقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا على صلح، فجرت السنة بذلك، ونزل القرآن {وإن امرأة خافت من بعلها...} الآية. وأخرج ابن جرير عن عمر. أن رجلاً سأله عن آية؟ فكره ذلك وضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً} فقال: عن مثل هذا فسلوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الثانية يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن علي بن أبي طالب. أنه سئل عن هذه الآية فقال: هو الرجل عنده امرأتان، فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به نفسها فلا بأس به، فإن رجعت سوَّى بينهما. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر، فيريد أن يتزوج عليها، فيتصالحان بينهما صلحاً على أن لها يوماً ولهذه يومان أو ثلاثة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: تلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثيراً مما يحب، وله امرأة غيرها أحب إليه منها فيؤثرها عليها، فأمر الله إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخبرها فلا جناح عليه، وهو قوله {والصلح خير} يعني أن تخيير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فينكح عليها المرأة الشابة، ويكره أن يفارق أم ولده فيصالحها على عطية من ماله ونفسه، فيطيب له ذلك الصلح. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نزلت في أبي السنابل بن بعكك. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سودة بنت زمعة. وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". تفسير : وأخرج الحاكم عن كثير بن عبدالله بن عوف عن أبيه عن جده: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الصلح حائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وأحضرت الأنفس الشح} قال: تشح عند الصلح على نصيبها من زوجها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله {وأحضرت الأنفس الشح} قال: هواه في الشيء يحرص عليه. وفي قوله {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} قال: في الحب والجماع. وفي قوله {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} قال: لا هي أيِّم ولا هي ذات زوج. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الآية {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} في عائشة، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن عائشة قالت: "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: كانوا يستحبون أن يسوّوا بين الضرائر حتى في الطيب، يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن جابر بن زيد قال: كانت لي امرأتان، فلقد كنت أعدل بينهما حتى أعد القبل. وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين. في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: إن كانوا ليسوّون بين الضرائر حتى تبقى الفضلة مما لا يكال من السويق والطعام، فيقسمونه كفاً كفاً إذا كان مما لا يستطاع كيله. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} قال: في الجماع. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عبيدة في قوله {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} قال في الحب {فلا تميلوا كل الميل} قال: في الغشيان {فتذروها كالمعلقة} لا أيِّم ولا ذات زوج. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في قوله {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} قال: يعني في الحب {فلا تميلوا كل الميل} قال: لا تتعمدوا الإساءة. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول: لا تمل عليها، فلا تنفق عليها، ولا تقسم لها يوماً. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية يقول: إن أحببت واحدة وأبغضت واحدة فاعدل بينهما. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فتذروها كالمعلقة} قال: لا مطلقة ولا ذات بعل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة في قوله {كالمعلقة} قال: كالمسجونة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {وإن يتفرقا} قال: الطلاق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وكان الله غنياً} قال: غنياً عن خلقه {حميداً} قال: مستحمداً إليهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي. مثله. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {وكفى بالله وكيلاً} قال: حفيظاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} قال: قادر والله ربنا على ذلك أن يهلك من خلقه ما شاء ويأت بآخرين من بعدهم.
ابو السعود
تفسير : {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ} شروعٌ في بـيان ما لم يُبـيَّن فيما سلف من الأحكام أي إن توقعت امرأةٌ {مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً} أي تجافياً عنها وترفّعاً عن صحبتها كراهةً لها ومنعاً لحقوقها {أَوْ إِعْرَاضاً} بأن يُقِلَّ محادثَتَها ومؤانستَها لما يقتضي ذلك من الدواعي والأسباب {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} حينئذ {أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} أي في أن يصلحا بـينهما بأن تحُطَّ عنه المَهرَ أو بعضَه أو القَسْمَ كما فعلت سَودةُ بنتُ زَمعةٍ حين كرِهت أن يفارِقَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فوهَبت يومَها لعائشة رضي الله عنها أو بأن تهَبَ له شيئاً تستميلُه، وقرىء يَصّالحا من يتصالحا ويصَّلِحا من يصطلحا ويُصالِحا من المفاعلة، وصُلحاً إما منصوبٌ بالفعل المذكورِ على كل تقديرٍ على أنه مصدرٌ منه بحذف الزوائدِ، وقد يُعبّر عنه باسم المصدرِ كأنه قيل: إصلاحاً أو تصَالُحاً أو اصطلاحاً حسبما قُرىء الفعل أو بفعل مترتبٍ على المذكور أي فيُصلِح حالَهما صلحاً، وبـينهما ظرفٌ للفعل أو حال من صُلحاً، والتعرُّضُ لنفي الجُناحِ عنهما مع أنه ليس من جنابها الأخذُ الذي هو المَظِنَّةُ للجُناح لبـيان أن هذا الصلحَ ليس من قبـيل الرَّشوةِ المحرمة للمعطي والآخذ. {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} أي من الفُرقة أو من سوء العِشرةِ أو من الخصومة فاللامُ للعهد أو هو خيرٌ من الخيور فاللامُ للجنس والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله وكذا قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ} أي جعلت حاضرةً له مطبوعةً عليه لا تنفك عنه أبداً، فلا المرأةُ تسمح بحقوقها من الرجل ولا الرجلُ يجود بحسن المعاشرةِ مع دمامتها فإن فيه تحقيقاً للصلح وتقريراً له بحثِّ كلَ منهما عليه لكنْ لا بالنظر إلى حال نفسِه فإن ذلك يستدعي التماديَ في المماسكة والشقاقِ بل بالنظر إلى حال صاحبِه فإن شحَّ نفسِ الرجلِ وعدمَ ميلِها عن حالتها الجِبِلِّية بغير استمالةٍ مما يحمِل المرأةَ على بذل بعض حقوقِها إليه لاستمالته وكذا شحُّ نفسِها بحقوقها مما يحمل الرجلَ على أن يقتنع من قِبَلها بشيء يسير ولا يُكلّفَها بذلَ الكثيرِ فيتحقق بذلك الصلح {وَإِن تُحْسِنُواْ} في العِشرة {وَتَتَّقُواْ} النشوزَ والإعراضَ مع تعاضُد الأسبابِ الداعيةِ إليهما وتصبِروا على ذلك مراعاةً لحقوق الصُّحبةِ ولم تَضْطَرُّوهن إلى بذل شيءٍ من حقوقهن {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي من الإحسان والتقوى أو بما تعملون جميعاً فيدخُل ذلك فيه دخولاً أولياً {خَبِيراً} فيجازيكم ويثبتُكم على ذلك البتةَ لاستحالة أن يُضيِّعَ أجرَ المحسنين. وفي خطاب الأزواجِ بطريق الالتفاتِ والتعبـيرِ عن رعاية حقوقِهن بالإحسان ولفظِ التقوى المنبىءِ عن كون النشوزِ والإعراض مما يُتوقى منه وترتيبِ الوعدِ الكريمِ عليه من لطف الاستمالةِ والترغيب في حسن المعاملةِ ــ ما لا يخفى. روي أنها نزلت في عَمرةَ بنتِ محمدِ ابنِ مَسلمةَ وزوجِها سعدِ بنِ الربـيع تزوّجها وهي شابةٌ فلما علاها الكِبَرُ تزوج شابةً وآثرها عليها وجفاها فأتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وشكت إليه ذلك، وقيل: نزلت في أبـي السائب، كانت له امرأةٌ قد كبِرَت وله منها أولادٌ فأراد أن يطلقَها ويتزوجَ غيرَها فقالت: لا تُطلِّقَني ودعني على أولادي فاقسِمْ لي من كل شهرين وإن شئت فلا تقسِمْ لي، فقال: إن كان يصلُح ذلك فهو أحبُّ إلي فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فنزلت.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} [الآية: 128]. قال النورى: ألزمت الأشباح مخالفة الحق فى جميع الأحوال، وشحها ما يضرها فى طلب الدنيا.
القشيري
تفسير : صحبة الخلق بعضهم مع بعض إن تجردت عن حديث الحق فإنها تتعرض للوحشة والملامة، وممازجة النفرة والسامة. فمَنْ أعرض عن الله بقلبه أعرض الخلْقُ عن مراعاة حقه، وخرج الكافة عليه باستصغار أمره واستحقار قَدْرِه. ومَنْ رجع إلى الله بقلبه، استوى له - في الجملة والتفصيل - أمرُه، واتسع لاحتمال ما يستقبل من سوء خُلُقِ الخَلْق صدرُه فهو يسحب ذيلَ العفو على هَنَاتِ جميعهم، ويُؤثِرُ الصلح بترك نصيبه وتسليم نصيبهم قال الله تعالى: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ}. واتضاعك في نفسك عن منافرة مَنْ يخاصمك أجدى عليك، وأحرى لك من تطاولك على خصمك باغياً الانتقام، وشهودِ مَالَكَ في مزية المقام. وأكثر المنافقين في أسْرِ هذه المحنة. قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ}: وشُحُّ النَفْس قيام العبد بحظِّه. فلا محالة مَنْ حُجِبَ عن شهود الحق رُدَّ إلى شهود النَّفْس. قوله تعالى: {وَإِن تُحْسِنُواْ}: يعني يكن ذلك خيراً لكم. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. {وَتَتَّقُواْ}: يعني عن رؤيتكم مقامَ أنفسكم، وشهود قَدْرِكم، يعني وأنْ تروا ربَّكم، وتفنوا برؤيته عن رؤية قدْرِكم. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} يعني إذا فنيتم عنكم وعن عملكم، فكفى بالله عليماً بعد فنائكم، وكفى به موجداً عقب امتحائكم.
البقلي
تفسير : {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} ان الله تعالى الزم النفوس سمات النكرة وفتح ابصارها عليها حتى الا ترى وجودها فعشقت على وجودها وعميت عن رؤية خالقها فتكون كل وقت فى طلب حظها من العالم فاذا حركها الله بواجب العبودية تابى عن ترك حظوظها القلة عرفانها حظ الاكابر وهو مشاهدة خالقها التى هى رأس كل دولة فى الكونين وهذا معنى قوله واحضرت الانفس الشح قال النورى الزمت الاشباح مخالفة الحق فى جميع الاحوال وشحها ما يضرها من طلب الدنيا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان امرأة خافت من بعلها} امرأة فاعل فعل يفسره الظاهر اى ان خافت امرأة خافت وتوقعت من زوجها {نشوزا} تجافيا عنها وترفعا من صحبتها كراهة لها ومنعا لحقوقها من النشز وهو ما ارتفع من الارض فنشوز كل واحد من الزوجين كراهته صاحبه وترفعه عليه لعدم رضاه به {او اعراضا} بان يقل مجالستها ومحادثتها وذلك لبعض الاسباب من طعن فى سن او دمامة او شين فى خلق او خلق او ملال او طموح عين الى اخرى او غير ذلك. قال الامام المراد بالنشوز اظهار الخشونة فى القول او الفعل او فيهما والمراد بالاعراض السكوت عن الخير والشر والمراعاة والايذاء ـ روى ـ ان الآية نزلت فى خويلة ابنة محمد بن مسلمة وزوجها سعد بن الربيع تزوجها وهى شابة فلما علاها الكبر تزوج شابة وآثرها عليها وجفاها فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتكت اليه ذلك {فلا جناح عليهما} حينئذ {ان يصلحا بينهما صلحا} اى فى ان يصلحا بينهما اصلاحا بان تحط له المهر او بعضه او القسم كما فعلت سودة رضى الله عنها حين اراد عليه السلام ان يطلقها ان يمسكها وتجعل نوبتها لعائشة رضى الله عنها لما عرفت مكان عائشة من قلبه عليه السلام فاجازه النبى عليه السلام ولم يطلقها وكان عليه السلام بعد هذا الصلح يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. قال الحدادى مثل هذا الصلح لا يقع لازما لانها اذا ابت بعد ذلك الا المقاسمة على السواء كان لها ذلك {والصلح} الواقع بين الزوجين {خير} اى من الفرقة او من سوء العشرة او من الخصومة. فاللام للعهد ويجوز ان لا يراد به التفضيل بل بيان انه خير من الخيور كما ان الخصومة شر من الشرور فاللام للجنس. قال السيوطى فى حسن المحاضرة فى احوال مصر والقاهرة ان شئت ان تصير من الابدال فحول خلقك الى بعض خلق الاطفال ففيهم خمس خصال لو كانت فى الكبار لكانوا ابدالا لا يهتمون للرزق ولا يشكون من خالقهم اذا مرضوا ويأكلون الطعام مجتمعين واذا خافوا جرت عيونهم بالدموع واذا تخاصموا لم يتجاوزوا وتسارعوا الى الصلح ونعم ما قيل شعر : ابلهست آنكه فعل اوست لجاج ابلهى را كجا علاج بود تاتوانى لجاج بيشه مكير كافت دوستى لجاج بود تفسير : {واحضرت الانفس الشح} اى جعلت حاضرة له مطبوعة عليه لا تنفك عنه ابدا فلا المرأة تسمح بحقوقها من الرجل ولا الرجل يجود بحسن المعاشرة مع دمامتها وكبر سنها وعدم حصول اللذة بمجالستها واصل الكلام احضر الله الانفس الشح فلما بنى للمفعول اقيم مفعوله الاول مقام الفاعل والشح البخل مع حرص فهو اخص من البخل. وعن عبد الله بن وهب عن الليث قال بلغنى ان ابليس لقى نوحا فقال له ابليس يا نوح اتق الحسد والشح فانى حسدت آدم فخرجت من الجنة وشح آدم على شجرة واحدة منعها حتى خرج من الجنة. ولقى يحيى بن زكريا عليهما السلام ابليس فى صورته فقال له اخبرنى باحب الناس اليك وابغض الناس اليك قال احب الناس الىّ المؤمن البخيل وابغضهم الىّ الفاسق السخى قال يحيى وكيف ذلك قال لان البخيل قد كفانى بخله والفاسق السخى اتخوف ان يطلع الله عليه فى سخائه فيقبله ثم ولى وهو يقول لولا انك يحيى لم اخبرك كذا فى آكام المرجانه {وان تحسنوا} ايها الازواج بامساكهن بالمعروف وحسن المعاشرة مع عدم موافقتهن لطباعكم {وتتقوا} ظلمهن بالنشوز والاعراض ولم تضطروهن الى بذل شىء من حقوقهن {فان الله كان بما تعملون} من الاحسان والتقوى {خبيرا} عليما به وبالغرض فيه فيجازيكم ويثيبكم عليه البتة لاستحالة ان يضيع اجر المحسنين ـ روى ـ ان رجلا من بنى آدم كانت له امرأة من اجملهم فنظرت اليه يوما فقالت الحمد الله قال زوجها مالك فقالت حمدت الله على انى وانك من اهل الجنة لانك رزقت مثلى فشكرت ورزقت مثلك فصبرت وقد وعد الله بالجنة للصابرين والشاكرين: قال السعدى قدس سره شعر : جومستوره شدزن خوب روى بديدار او در بهشتست شوى اكر بارسا باشد وخوش سخن نكه در نكويى وزشتى مكن
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {امرأة}: فاعل بفعل يفسره ما بعده، وأصل ( يَصَّالِحَا): يتصالحا، فأدغمت، و {صُلحًا} مصدر. وقرأ الكوفيون: {يُصلحا}؛ من الرباعي، فتنصب {صُلحًا} على المفعول به، أو المصدر، و {بينهما} ظرف، أو حال منه، وجملة {الصلح خير}: معترضة، وكذا: {وأحضرت الأنفس الشح}، ولذلك اغتفر عدم تجانسهما. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن امرأة خافت} وتوقعت من زوجها {نُشُوزًا} أي: ترفعًا عن صحبتها، وتجافيًا عنها، كراهية لها، ومنعًا لحقوقها، {أو إعراضًا} عنها، بأن يترك مجالستها، ومحادثتها، {فلا جناح عليهما} أن يتصالحا {بينهما صلحًا} بإن تحط له مهرها، أو من قسمها مع ضرتها، أو تهب له شيئًا تستميله به. نزلت في سعد بن الربيع، تزوج على امرأته شابةً، وآثرها عليها. وقيل: في رجل كبرت امرأته، وله معها أولاد. فأراد طلاقها ليتزوج، فقالت له: دعني على أولادي، وأقسم لي في كل شهرين أو أكثر، أو لا تقسم. فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "حديث : قد سمع الله ما تقول، فإن شاء أجابك " تفسير : ، فنزلت. وقيل: نزلت في سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، لما كبرت، أراد ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يُفارقها، فقالت: أمسكني في نسائك ولا تقسم لي، فقد وهبتُ نوبتي لعائشة، فإني أريد أن أُبعث في نسائك. ثم رغَّب في الصلح فقال: {والصلح خير} من المفارقة، أو من سوء العشرة والخصومة، أو خير في نفسه، ولا يكون إلا مع ترك بعض حق النفس من أحد الخصمين، فلذلك ثقل على النفس فشحت به، وإليه أشار بقوله: {وأحضرت الأنفس الشح} أي: جعلته حاضرًا لديها لا يفارقها، لأنها مطبوعة عليه، فالمرأة لا تكاد تسمح للزوج من حقها، ولا تسخو بشيء تعطيه لزوجها، والزوج لا يكاد يصبر على إمساكها وإحسان عشرتها إذا كَرِهها، {وإن تحسنوا} العشرة {وتتقوا} النشوز والإعراض ونقص حق المرأة مع كراهة الطبع لها، {فإن الله كان بما تعملون خبيرًا} لا يخفى عليه إحسانكم ولا نشوزكم، فيجازي كُلاًّ بعمله، وفي بعض الأثر: من صبرعلى أذى زوجته أعطاه الله ثواب أيوب عليه السلام، وكذلك المرأة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن النفس كالمرأة حين يتزوجها الرجل، فإنها أذا رأت من زوجها الجد في أموره والانقباض عنها، هابته وانقادت لأمره، وإذا رأت منه الليونة والسيولة استخفت بأمره وركبته، وسقطت هيبته من قبلها، فإذا أمرها ونهاها لم تحتفل بأمره، وكذلك النفس إذا رأت من المريد الجد في بدايته والصولة عليها، هابته وانقادت لأمره وكانت له سميعة مطيعة، وإذا رأت منه الرخو والسهولة معها، ركبته وصعب عليه انقيادها وجهادها، فإذا صال عليها وقهرها فأرادت الصلح معه على أن يسامحها في بعض الأمور، وتساعفه فيما يُريد منها، فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحًا، والصلح خير، فإن دوام التشديد قد يفضي إلى الملل، وإن تحسنوا معها بعد معرفتها، وتتقوا الله في سياستها ورياضتها حتى ترد بكم إلى حضرة ربها، فإن الله كان بما تعملون خبيرًا.
الطوسي
تفسير : [القراءة والحجة]: قرأ اهل الكوفة أن يصلحا بضم الياء وكسر اللام وبسكون الصاد. الباقون يصالحا بتشديد الصاد فمن شدد الصاد، قال معناه يتصالحاً ويكون قوله: {صلحاً} اسما لا مصدراً ومن قرأ بخلافه قال: هو مصدر. [المعنى]: يقول الله تعالى: {وإن امرأة خافت} ومعناه علمت {من بعلها}، أي زوجها {نشوزاً} يعني استعلاءً بنفسه عنها الى غيرها. وارتفاعا بها عنها: إما لبغضه، واما لكراهة منه شيئاً منها إما ذمامتها، واما سنها وكبرها، أو غير ذلك {أو إعراضاً} يعني انصرافا بوجهه او ببعض منافعه التي كانت لها منه {فلا جناح عليهما} أي لا حرج عليهما ان يصالحا بينهما صلحاً بان تترك المرأة له يومها، او تضع عنه بعض ما يجب لها. من نفقة او كسوة، وغير ذلك تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، ثم قال: {والصلح} بترك بعض الحق استدامة للخدمة، وتمسكا بعقد النكاح خير من طلب الفرقة، وقال بعضهم: الصلح خير من النشوز، والاعراض والأول أشبه. هذا إذا كان بطيبة من نفسها، فان لم يكن كذلك، فلا يجوز له الا ما يسوغ في الشرع من القيام بالكسوة والنفقة، والقسمة وإلا يطلق. وبهذه الجملة قال علي عليه السلام، وعمر وابن عباس، وسعد بن جبير وعائشة وعبيدة السلماني، وابراهيم والحكم وقتادة، ومجاهد وعامر الشعبي والسدى، وابن زيد قال ابن عباس: خشيت سودة بنت زمعة ان يطلقها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالت لا تطلقنى واجلسنى مع نسائك ولا تقسم لي، فنزلت {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} وقال سعيد بن المسيب عن سليمان بن يسار. ان رافع بن خديج كانت تحته امرأة قد علا من سنها، قال أبو جعفر (ع) هي بنت محمد بن مسلمة، فتزوج عليها شابة فآثر الشابة عليها، فابت الاولى أن تقر على ذلك، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسيراً قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الاثرة، وان شئت تركتك حتى يخلو أجلك، ثم طلقها الثانية، وفعل فيها ما فعل اولا، قالت: بل راجعنى واصبر على الاثرة، فراجعها. فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه {وإن امرأة خافت.. الآية}. وقوله: {وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} واختلفوا في تأويله فقال بعضهم واحضرت الانفس النساء الشح على انصبائهن من انفس ازواجهن واموالهم وايامهن منهم. ذهب اليه ابن عباس وسعد بن جبير وعطا، وابن جريج والسدي. ويزعم انها في سورة بنت زمعة، ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) لانها كانت كبرت، فاراد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ان يطلقها، فاصطلحا على ان يمسكها ويجعل يومها لعائشة، فشحت بمكانها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقال آخرون: واحضرت انفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه. وهو اعم فيكون شح المرأة بترك حقها من النفقة والقسمة وغير ذلك وشح الرجل إنفاقه على التي لا يريدها، وبذلك قال ابن وهب، وابن زيد. والشح: افراط في الحرص على الشيء ويكون بالمال وبغيره من الاعراض يقال: هو شحيح بمودتك اي حريص على دوامها ولا يقال في ذلك بخيل والبخل يكون بالمال خاصة. قال الشاعر: شعر : لقد كنت في قوم عليك اشحة بفقدك إلا ان من طاح طائح يودون لو خاطوا عليك جلودهم وهل يدفع الموت النفوس الشحائح تفسير : فان قيل: قوله: {وإن امرأة خافت} ليس فيه ان الرجل نشز على امرأة والخوف ليس معه يقين قلنا: عنه جوابان: احدهما - إن الخوف في الآية بمعنى العلم وتقديره، وإن امرأة علمت. والثاني - انها لا تخاف النشوز من الرجل إلا وقد بدأ منه ما يدل على النشوز والاعراض من أمارات ذلك ودلائله. وقوله: {وإن امرأة خافت} ارتفعت المرأة بفعل مضمر دلّ عليه ما بعد الاسم، وتقديره وإن خافت امرأة خافت والتفرقة بين ان التي للجزاء والفعل الماضي قال الزجاج هو جيد، ولا يجوز ذلك في الفعل المستقبل. لا تقول: ان امرأة تخف، (ان) لا تفصل بينهما وبين ما يجزم ويجوز ذلك في ضرورة الشعر قال الشاعر: شعر : فمتى واغل بينهم يحيوه ويعطف عليه كاس الساقي تفسير : وانما جاز في الماضي مع الاختيار، لان (ان) غير عاملة في لفظه وان لم تكن من حروف الجزاء، فجاز أن يفرق بينهما وبين الفعل، وغير ان يقبح فيه الفصل مع الماضي والمستقبل لا تقول: متى زيد جاءنى اكرمته، ويجوز ان تقول: إن الله أمكنني فعلت. وقوله: {وإن تحسنوا} خطاب للرجال يعني ان تفعلوا الجميل بالصبر على من تكرهون من النساء، وتتقوا من الجور عليهن في النفقة والعشرة بالمعروف، فان الله عالم بذلك. وكان عالماً بما تعملون فيما قبل فيجازيكم على ذلك.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا} أي علمت من زوجها {نُشُوزاً} يعني بغضاً. {أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}. قال بعضهم: هي المرأة تكون عند الرجل فتكبر فلا تلد، فيريد أن يتزوج عليها أشب منها، ويؤثرها على الكبيرة، فيقول لها: إن رضيت أن أؤثرها عليك وإِلا طلقتك؛ أو يعطيها من ماله على أن ترضى أن يؤثر عليها الشابة؛ وهو قوله: فلا جناح عليهما أي لا حرج على الزوج وامرأته أن يصلحا بينهما صلحاً، والصلح خير من غيره. قوله: {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ}. قال بعضهم: يعني الحرص على المال فترضى بما يعطيها بنصيبها من زوجها. وقال الكلبي: شحّت بنصيبها من زوجها للأخرى أي: فلم ترض. {وَإِن تُحْسِنُوا} البعل {وَتَتَّقُوا} الميل والجور فيهن {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}.
اطفيش
تفسير : {وَإنِ امْرأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً}: فجعل نوبتها لعائشة كما فعلت، فأمسكها وذكر النشوز تعميما فى الحكم لسائر الخلق، والا فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينشز، وأما الاعراض فقد يمكن منه لأنه لا تجب عليه العلالة، لكنه قد التزمها، والمعنى ان توقعت امرأة من زوجها، وقيل: ظنت، وقيل: علمت ترفعا عن حقوقها لكراهتها غير مسبوق بترفع آخر، ومسبوق به، واعراضا بوجهه عنها، أو بتقليل مجالسه، وتكلم لكبر سنها أو ذمامتها فلا اثم عليهما فى أن يصلحا بينهما، بأن تترك له حقوقها وبعضها، فينبسط اليها ويشفق لها، تزوج عليها أو لم يتزوج، فامرأة فاعل لخافت محذوفا ناب عنه المذكور، المؤكد له باعتبار أقبل النيابة، وأجاز الكوفيون أن يكون امرأة فاعلا مقدما. وأجازوا هم والأخفش أن يكون امرأة مبتدأ، والصحيح أن الفاعل لا يتقدم، وأداة الشرط لا تليها الجملة الاسمية، والبعل: الزوج، والجناح: الاثم، وأن يصالحا على تقدير فى، والأصل يتصالحا أبدلت الطاء صادا، وأدغمت فى الصاد، وصلحا مفعول مطلق اسم مصدر نائب عن مصدر تصالح. وقال مجاهد: نزلت الآية فى أبى السائب كانت له زوجة له منها أولاد، وكانت قبيحة فهم بطلاقها، فقالت: لا تطلقنى دعنى أشتغل عندك بمصالح أولادى، وأقسم لى فى كل شهر ليالى قليلة، فقال: ان كان الأمر كذلك فهو أصلح له. وقيل: كانت كبيرة، وأنه أراد أن يتزوج غيرها، وأنها قالت: أقسم لى فى كل شهرين ان شئت، وان شئت فلا تقسم لى، فذهب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن المسيب: ان سعد بن الربيع ويسمى أيضا رافع بن خديج، تزوج عمرة بنت محمد بن مسلمة، وتسمى أيضا خولة، وهى شابة، ولما كبرت تزوج عليها امرأة أخرى شابة، وفضلها وجفى عمرة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، فنزلت الآية. وعن عائشة رضى الله عنها: نزلت الآية فى امرأة كانت عند رجل، وأراد الرجل أن يستبدل بها غيرها، فقالت: أمسكنى وتزوج بغيرى، وأنت فى حل من النفقة والقسم، وفى لفظ آخر عنها نزلت فى المرأة تكون عند الرجل، ليس بمستكبر منها، يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأنى فى حل. وفى الحديث: فما اصطلحا عليه من شىء فهو جائز، وقرأ الكوفيون: أن يصلحا بضم الياء واسكان الصاد وكسر اللام من أصلح يصلح اصلاحا فصلحا مفعول مطلق اسم مصدر نائب عن اصلاح، وأجيز أن يكون مفعولا به بمعنى ما يصلحانه بينهما، وأما على الوجه الأول فى قراءة الكوفيين فالظاهر أنه لا مفعول ليصلحا لعدم تعلق الغرض به، لأن المعنى أن يوقعا الاصلاح بينهما. وقيل: يقدر له مفعول به أى أن يصلحا حالهما أن يجعل بين مفعولا به له على التوسع، والأولى فى بين فى جميع الأوجه أن يجعل متعلقا بالفعل قبله، قيل: أو لمحذوف حال من صلحا، وانما يصح على كون الحال مقدرة لا محكية ولا مقارنة، وقرىء يصلحا بتشديد الصاد والألف بعدها، والأصل يصلحا أبدلت الطاء صادا وأدغمت الصاد فى الصاد، وأصل هذه الصاد تاء. {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}: من الطلاق أو من الامساك وسوء العشرة، أو من الخصومة، وانما صح التفضيل، لأن الزوج قد يعتقد أن الطلاق والاستبدال يحسنان، أو أن الامساك وسوء العشرة فيهما نفع بأن تطلب منه الفداء، وكذا الخصام، فأخبرنا الله جل وعلا بأن الصلح أفضل، فليس كما قيل: انه لا يصح التفضيل، ويجوز أن يكون خير غير صفة، بل اسم بمعنى منفعة، وال فى الصلح للعهد الذكرى اذ قال قبل ذلك أن يصالح بينهما صلحا، فهو الصلح للذى يقع بين الزوجين، ويجوز أن يكون جنس الصلح الصادق بذلك وغيره، والجملة معترضة وكذا قوله: {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَ}: بين قوله: {وَإنِ امْرأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً} الى {صُلْحاً} وقوله: {وَإِن تَحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}: لأن قوله: {إِن تَحْسِنُوا} الخ معطوف على قوله: {إنِ امْرأَةٌ} الخ اذ المعنى أن تحسنوا العشرة، وافيتم بحقوقهن وتتقوا النشوز والاعراض، فان الله عليم بذلك علما دقيقا محيطا، أى أثابكم الله على ذلك، لأنه عالم به، فجملة أن الله00الخ تعليل قائم مقام الجواب، أو بسبب قام مقام المسبب، أو ملزوم قام مقام اللازم. وأجاز أبو حبان أن يكون قوله: {وَالصُّلْحُ} الى: {أية : رحيما }تفسير : معترضا بين قوله: {وَإنِ امْرأَةٌ} وقوله: {أية : وان يتفرقا }تفسير : ومعنى احضار الأنفس الشح، أن الله سبحانه وتعالى قرن النفس بالشح يكون حيث كانت لا يفارقها، فهى شحيحة طبعا فاغتفر عدم تجانس الزوجين، فهو لا يسمح أن يوفيها حقوقها، أو يزيد فضلا، والحال أنه كرهها وطمحت عينه الى غيرها، وهى تأبى ترك حقها أو بعضه، والظاهر أن الأنفس مفعول ثان ناب عن الفاعل، والشح مفعول أول، فيكون ذلك من نيابة المفعول الثانى من باب أعطى لعدم اللبس اذ لا يخفى أن الشح هو الذى يحيى الى النفس، ويكون حاضرا عندها، وليس الشح مستقلا عن النفس تحيى النفس اليه، وتحضره فهو الفاعل فى المعنى فهو الذى يكون هو المفعول الأول، ولو تأخر فى باب أعطى فكأنه قيل: يصير الله الشح حاضرا للأنفس، اللهم الا أن يقال: ان النفس لما مالت الى الشح جعلت هو المفعول الأول، وكانت نائبة عن الفاعل، ثم رأيت والحمد لله فى الكشاف ما وافق ما ذكرته أولا، اذ قال: ان الشح جعل حاضرا لها لا يغيب عنها. وروى أن عمران بن حطان رحمه الله أذم بنى آدم وامرأته من أجملهم، فأجالت فى وجهه نظرا فقالت عقب هذا النظر: الحمد لله، فقال: مالك؟ قالت: حمدت الله على أنى واياك من أهل الجنة، قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلى فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة لعباده الصابرين والشاكرين.
اطفيش
تفسير : {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ} مبتدأ وخبر عند سيبويه، والجملة الاسمية فى محل جزم، ولو كان الخبر اسماً، نحو إن زيد قائم، أو إذا زيد قائم لم يجز عنده، وأجازه الأخفش أيضا والكوفيون، وزادوا جواز كون امرأة فاعلا مقدما، والجمهور عَلَى منع ذلك كله وجعل امرأة فاعلا لمحذوف دل عليه خافت، أى وإن خافت {مِن بَعْلِهَا} زوجها {نُشُوزاً} ترفعا عن صحبتها له، لدمامتها، أو كبر سنها، أو تعلق قلبه بغيرها، أو غير ذلك فيكون يمنع حقوقها أو يؤذيها بقول أو فعل {أَوْ إعْرَاضاً} بإقلال مجالستها ومحادثتها، فهو لا يفعل لها خيرا ولا شرا إو إعراضاً لبعض المنافع {فَلاَجُنَاحَ عَلَيْهِمَآ} أما نفى الجناح عنه فلأن نقصه من حقها، أو إعطاءها إياه شيئا فى الصلح كالرشوة، ومحل نفى الجناح عنه ما إذا كان انقباضه عنها كالضرورى، لا يجد بدا عنه من نفسه، أو خاف من نفسه أن ينقص حقها بعد، وأما نفيه عنها مع أنها لا تأخذ فلبيان أن هذا الصلح ليس محرما عَلَى المعطى والآخذ {أَن يُصْلِحَا} أبدلت التاء صادا وأدغمت أى فى أن يتصالحا، وقيل أبدلت التاء طاء والطاء صادا وأدغمت {بَيْنَهُمَا} بدون حضور مصلح أو بحضوره {صُلْحاً} أى تصالحا، بضم اللام، وذلك بأن تترك له، لئلا يطلقها، بعض الصداق أو كله، أو النفقة أو الكسوة أو بعضها، أو ليالِها، أو بعضها، أو تهب له شيئا كما وهبت أم المؤمنين سودة بنت زمعة لياليها لعائشة لحب النبى صلى الله عليه وسلم عائشة أكثر من غيرها، لئلا يطلقها صلى الله عليه وسلم، وقد أراد طلاقها لكبر سنها، فلم يطلقها لإبرائها إياه من حقها، وهبتها لعائشة، وقد قالت: أريد أن أعد من نسائك ولا حاجة لى فى أمر النساء، وكما روى أنه كانت لأبى السائب امرأة ولدت له أولاداً لم يقنع بجمالها فهمَّ بطلاقها، فقالت: لا تطلقنى، دعنى حتى أَشتغل بمصالح أولادى، واقسم لى فى كل شهر ليالى قليلة، فقال: إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لى، فنزلت الآية فى ذلك كله، وكما روى عن عائشة أَنها نزلت فى امرأة هى ابنة محمد بن مسلمة، كانت عند رجل، هو رافع ابن خديج، أراد أن يستبدل بها امرأة لكبر أو غيره، فقالت: أمسكنى وتزوج بغيرى، وأنت فى حل من النفقة والقسم {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} أفضل من الفرقة وسوء العشرة والخصام، عَلَى فرض أن فيهن حسنا، بضم فإِسكان أو الصلح حسن بالخروج عن التفضيل، أو الصلح منفعة، كما أن الخصام مضرة، وأل للعهد أو للجنس، وهذا إلى قوله غفوراً رحيما معترض بين قوله وإن امرأة الخ وقوله وإن يتفرقا الخ المعطوف عليه، ولذلك تخالفت الجمل، فعلية، واسمية، وشرطية، وغيرها فيما بينهما، وهذه الجملة لتمهيد الصلح، وقوله {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ} لتمهيد العذر يجعل الله الأنفس مطلقا حاضرة للشح تتبعه، وتميل إليه لا تغيب عنه، فالنائب المفعول الأول، أو بجعله تعالى الشح حاضراً للأنفس لا يتركها، فالنائب المفعول الثانى فالمراد لا تترك المهر والمؤونة وقسم، والرجل لا يسمح لها بإداء ذلك لها وقضاء عمره معها، بإحسان العشرة مع كراهيته لها لدمامتها أو كبر سنها أو غير ذلك، والشح البخل مع حرص، فهو أخص من الحرص، وقيل هو أقبح البخل {وَإن تُحْسِنُوا} أيها الأزواج فى عشرتهن بإمساك بمعروف، والصبر مع كراهتكم لهن {وَتَتَّقُوا} ظلمهن بالنشوز ونقص حقوقهن، أو تركها، أو أن تحسنوا أيها المصلحون بينهما وتتقوا الميل إلى أحدهما {فَإِنَّ اللهَ} أى يثيبكم الله، لأن الله {كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الإحسان والصلح والإصلاح {خَبِيراً} فليس بترك الجزاء، وفى خطاب الأزواج بعد الغيبة والتعبير عن مراعاة حقوقهن بالإحسان، ولفظ التقوى المنبىء عن كون النشوز مما يتقى، وذكر الوعد لطف الاستمالة والترغيب فى حسن المعاملة،روى أن امرأة من أجمل النساء تطيع زوجها، وهو من أذم الرجال، وتحمد الله على ذلك، فلامها رجل، فقالت: هو من أهل الجنة لأنه شاكر، وأنا من أهلها لأنى صابرة، أو قالت: الحمدلله، فقال لها زوجها: علام؟ فقالت: لأنى رضيت مثلك، فصبرت، ورزقت مثلك فشكرت، وقد وعد الله الجنة للصابرين والشاكرين.
الالوسي
تفسير : {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـافَتْ} شروع في بيان أحكام لم تبين قبل، وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: «خشيت سودة رضي الله تعالى عنها أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل» ونزلت هذه الآية، وأخرج الشافعي رضي الله تعالى عنه عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمراً إما كبراً أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك فاصطلحا على صلح فجرت السنة بذلك ونزل القرآن، وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنها نزلت في أبـي السائب أي وإن خافت امرأة خافت، فهو من باب الاشتغال، وزعم الكوفيون أن {ٱمْرَأَةٌ} مبتدأ وما بعده الخبر وليس بالمرضي، وقدر بعضهم هنا ـ كانت ـ لاطراد حذف كان بعد إن، ولم يجعله من الإشتغال وهو مخالف للمشهور بين الجمهور، والخوف إما على حقيقته، أو بمعنى التوقع أي وإن امرأة توقعت لما ظهر لها من المخايل {مِن بَعْلِهَا} أي زوجها، وهو متعلق ـ بخافت ـ أو بمحذوف وقع حالاً من قوله تعالى: {نُشُوزاً} أي استعلاءاً وارتفاعاً بنفسه عنها إلى غيرها لسبب من الأسباب، ويطلق على كل من صفة أحد الزوجين {أَوْ إِعْرَاضاً} أي انصرافاً بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، وفي «البحر» «النشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته والمودة التي بينهما، وأن يؤذيها بسب أو ضرب مثلاً، والإعراض أن يقلل محادثتها ومؤانستها لطعن في سن أو دمامة، أو شين في خلق أو خلق، أو ملال أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك وهو أخف من النشوز» {فَلاَ جُنَاحَ} أي فلا حرج ولا إثم {عَلَيْهِمَا} أي الامرأة وبعلها حينئذ. {أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} أي في أن يصلحا بينهما بأن تترك المرأة له يومها كما فعلت سودة رضي الله تعالى عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة، أو كسوة، أو تهبه المهر، أو شيئاً منه، أو تعطيه مالاً لتستعطفه بذلك وتستديم المقام في حباله، وصدر ذلك بنفي الجناح لنفي ما يتوهم من أن ما يؤخذ كالرشوة فلا يحل، وقرأ غير أهل الكوفة ـ يصالحا ـ بفتح الياء وتشديد الصاد وألف بعدها، وأصله يتصالحا فأبدلت التاء صاداً وأدغمت، وقرأ الجحدري ـ يصلحا ـ بالفتح والتشديد من غير ألف وأصله يصطلحا فخفف بإبدال الطاء المبدلة من تاء الافتعال صاداً وأدغمت الأولى فيها لا أنه أبدلت التاء ابتداءاً صاداً وأدغم ـ كما قال أبو البقاء ـ لأن تاء الافتعال يجب قلبها طاءاً بعد الأحرف الأربعة. وقرىء يصطلحا ـ وهو ظاهر، و {صُلْحاً} على قراءة أهل الكوفة إما مفعول به على معنى يوقعا الصلح، أو بواسطة حرف أي يصلح، والمراد به ما يصلح به، و {بَيْنَهُمَا} ظرف ذكر تنبيهاً على أنه ينبغي أن لا يطلع الناس على ما بينهما بل يسترانه عنهم أو حال من {صُلْحاً} أي كائناً بينهما، وإما مصدر محذوف الزوائد، أو من قبيل (أنبتها الله نباتاً) و {بَيْنَهُمَا} هو المفعول على أنه اسم بمعنى التباين والتخالف، أو على التوسع في الظرف لا على تقدير ما بينهما كما قيل، ويجوز أن يكون {بَيْنَهُمَا} ظرفاً، والمفعول محذوف أي حالهما ونحوه، وعلى قراءة غيرهم يجوز أن يكون واقعاً موقع تصالحاً واصطلاحاً، وأن يكون منصوباً بفعل مترتب على المذكور أي فيصلح حالهما صلحاً واحتمال هذا في القراءة الأولى بعيد؛ وجوز أن يكون منصوباً على إسقاط حرف الجر أي يصالحا أو يصلحا بصلح أي بشيء تقع بسببه المصالحة {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} أي من الفرقة وسوء العشرة أو من الخصومة، فاللام للعهد، وإثبات الخيرية للمفضل عليه على سبيل الفرض والتقدير أي إن يكن فيه خير فهذا أخير منه وإلا فلا خيرية فيما ذكر، ويجوز أن لا يراد بخير التفضيل بل يراد به المصدر أو الصفة أي أنه خير من الخيور فاللام للجنس، وقيل: إن اللام على التقديرين تحتمل العهدية والجنسية، والجملة اعتراضية، وكذا قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ} ولذلك اغتفر عدم تجانسهما إذ الأولى: إسمية والثاني: فعلية ولا مناسبة معنى بينهما، وفائدة الأولى: الترغيب في المصالحة، والثانية: تمهيد العذر في المماكسة والمشاقة كما قيل، وحضر متعد لواحد وأحضر لإثنين، والأول: هو {ٱلأنفُسُ} القائم مقام الفاعل؛ والثاني: {ٱلشُّحَّ}، والمراد أحضر الله تعالى الأنفس الشح وهو البخل مع الحرص، ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل هو الثاني أي إن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً، أو إنها جعلت حاضرة له مطبوعة عليه فلا تكاد المرأة تسمح بحقوقها من الرجل ولا الرجل يكاد يجود بالإنفاق وحسن المعاشرة مثلاً على التي لا يريدها، وذكر شيخ الإسلام «أن في ذلك تحقيقاً للصلح وتقريراً له بحث كل من الزوجين عليه لكن لا بالنظر إلى حال نفسه فإن ذلك يستدعي التمادي في [المماكسة و] الشقاق بل بالنظر إلى حال صاحبه، فإن شح نفس الرجل وعدم ميلها عن حالتها الجبلية بغير استمالة مما يحمل المرأة على بذل بعض حقوقها إليه لاستمالته، وكذا شح نفسها بحقوقها مما يحمل الرجل على أن يقنع من قبلها بشيء يسير ولا يكلفها بذل الكثير فيتحقق بذلك الصلح» الذي هو خير. {وَإِن تُحْسِنُواْ} في العشرة مع النساء {وَتَتَّقُواْ} النشوز والإعراض وإن تظافرت الأسباب الداعية إليهما وتصبروا على ذلك ولم تضطروهن على فوت شيء من حقوقهن، أو بذل ما يعز عليهن. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الإحسان والتقوى أو بجميع ما تعملون، ويدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً {خَبِيراً} فيجازيكم ويثيبكم على ذلك، وقد أقام سبحانه كونه عالماً مطلعاً أكمل اطلاع على أعمالهم مقام مجازاتهم وإثابتهم عليها الذي هو في الحقيقة جواب الشرط إقامة السبب مقام المسبب، ولا يخفى ما في خطاب الأزواج بطريق الإلتفات، والتعبير عن رعاية حقوقهن بالإحسان، ولفظ التقوى المنبىء عن كون النشوز والإعراض مما يتوقى منه، وترتيب الوعد الكريم على ذلك من لطف الاستمالة والترغيب في حسن المعاملة.
ابن عاشور
تفسير : عطف لبقية إفتاء الله تعالى. وهذا حكم اختلال المعاشرة بين الزوجين، وقد تقدّم بعضه في قوله: {أية : واللاتي تخافون نشوزهنّ}تفسير : [النساء: 34] الآية، في هذه السورة، فذلك حكم فصْل القضاء بينهما، وما هنا حكم الانفصال بالصلح بينهما، وذلك ذكر فيه نشوز المرأة، وهنا ذكر نشوز البعْل. والبعل زوج المرأة. وقد تقدّم وجه إطلاق هذا الاسم عليه في قوله {أية : وبعولتهنّ أحقّ بردهنّ في ذلك} تفسير : في سورة البقرة (228). وصيغة {فلا جناح} من صيغ الإباحة ظاهراً، فدلّ ذلك على الإذن للزوجين في صلح يقع بينهما. وقد علم أنّ الإباحة لا تذكر إلاّ حيث يظنّ المنع، فالمقصود الإذن في صلح يكون بخلع: أي عوَض مالي تعطيه المرأة، أو تنازل عن بعض حقوقها، فيكون مفاد هذه الآية أعمّ من مفاد قوله تعالى: {أية : ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهن شيئاً إلاّ أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}تفسير : [البقرة: 229]، فسمّاه هناك افتداء، وسمّاه هنا صلحاً. وقد شاع في الاستعمال إطلاق الصلح على التراضي بين الخصمين على إسقاط بعض الحقّ، وهو الأظهر هنا. واصطلح الفقهاء من المالكية: على إطّلاق الافتداء على اختلاع المرأة من زوجها بمال تعطيه، وإطلاق الخلع على الاختلاع بإسقاطها عنه بقية الصداق، أو النفقة لها، أو لأولادها. ويحتمل أن تكون صيغة {لا جناح} مستعملة في التحريض على الصلح، أي إصلاح أمرهما بالصلح وحسن المعاشرة، فنفي الجناح من الاستعارة التمليحية؛ شبّه حال من ترك الصلح واستمرّ على النشوز والإعراض بحال من ترك الصلح عن عمد لظنّه أنّ في الصلح جناحاً. فالمراد الصلح بمعنى إصلاح ذات البين، والأشهر فيه أن يقال الإصلاح. والمقصود الأمر بأسباب الصلح، وهي: الإغضاء عن الهفوات، ومقابلة الغلظة باللين، وهذا أنسب وأليق بما يرد بعده من قوله: {وإن يتفرّقا يغن الله كلاّ من سعته}. وللنشوز والإعراض أحوال كثيرة: تقوى وتضعف، وتختلف عواقبها،. باختلاف أحوال الأنفس، ويجمعها قوله: {خافت من بِعَلها نشوزاً أو إعراضاً}. وللصلح أحوال كثيرة: منها المخالعة، فيدخل في ذلك ما ورد من الآثار الدالّة على حوادث من هذا القبيل. ففي «صحيح البخاري»، عن عائشة، قالت في قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً} قالت: الرجل يكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول له أجعلك من شأني في حلّ. فنزلت هذه الآية. وروى الترمذي، بسند حسن عن ابن عباس، أنّ سودة أمّ المؤمنين وهبت يومها لعائشة، وفي أسباب النزول للواحدي: أنّ ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمراً، أيّ كِبَراً فأراد طلاقها، فقالت له: أمسكني واقْسِم لي ما بدَا لك. فنزلت الآية في ذلك. وقرأ الجمهور: {أن يصّالحا} ــــ بتشديد الصاد وفتح اللام ــــ وأصله يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: «إن يُصْلِحَا» ــــ بضمّ التحتيّة وتخفيف الصاد وكسر اللام ــــ أي يُصلح كلّ واحد منهما شأَنهما بما يبدو من وجوه المصالحة. والتعريف في قوله: {والصلح خير} تعريف الجنس وليس تعريف العهد، لأنّ المقصود إثبات أنّ ماهية الصلح خير للناس، فهو تذييل للأمر بالصلح والترغيب فيه، وليس المقصود أنّ الصلح المذكورَ آنفاً، وهو الخلع، خير من النزاع بين الزوجين، لأنّ هذا، وإنّ صحّ معناه، ألاّ أنّ فائدة الوجه الأوّل أوفر، ولأنّ فيه التفادي عن إشكال تفضيل الصلح على النزاع في الخيرية مع أنّ النزاع لا خير فيه أصلاً. ومن جعل الصلح الثاني عين الأوّل غرّته القاعدة المتداولة عند بعض النحاة، وهي: أنّ لفظ النكرة إذا أعيد معرّفاً باللام فهو عين الأولى. وهذه القاعدة ذكرها ابن هشام الأنصاري في «مغني اللبيب» في الباب السادس، فقال: يقولون: «النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة، أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كانت الثانية عين الأولى»، ثم ذكر أنّ في القرآن آيات تَرُدّ هذه الأحكام الأربعة كقوله تعالى: {أية : الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوةً ثم جعل من بعد قوة ضعفاً}تفسير : [الروم: 54] وقوله: {أن يُصْلحا بينهما صلحاً والصلح خير} [النساء: 128] {أية : زدناهم عذاباً فوق العذاب}تفسير : [النحل: 88] والشيء لا يكون فوق نفسه {أية : أن النَّفْس بالنفس}تفسير : [المائدة: 45] {أية : يسألك أهل الكتاب أن تُنَزّل عليهم كتاباً من السماء}تفسير : [النساء: 153]، وأنّ في كلام العرب ما يردّ ذلك أيضاً. والحقّ أنّه لا يختلف في ذلك إذا قامت قرينة على أنّ الكلام لتعريف الجنس لا لتعريف العهد، كما هنا. وقد تقدّم القول في إعادة المعرفة نكرة عند قوله تعالى: {أية : وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة} تفسير : في سورة البقرة (193). ويأتي عند قوله تعالى: {أية : وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه} تفسير : في سورة الأنعام (37). وقوله {خير} ليس هو تفضيلاً ولكنّه صفة مشبّهة، وزنه فَعْل، كقولهم: سَمْح وسَهْل، ويجمع على خيور. أو هو مصدر مقابل الشرّ، فتكون إخباراً بالمصدر. وأمّا المراد به التفضيل فأصل وزنه أفْعَل، فخفّف بطرح الهمزة ثم قلب حركته وسكونه. جمعه أخيار، أي والصلح في ذاته خير عظيم. والحمل على كونه تفضيلاً يستدعي أن يكون المفضّل عليه هو النشوز والإعراض.، وليس فيه كبير معنى. وقد دلّت الآية على شدّة الترغيب في هذا الصلح بمؤكّدات ثلاثة: وهي المصدر المؤكّد في قوله: {صلحاً}، والإظهارُ في مقام الإضمار في قوله: {والصلح خير}، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة فإنّها تدلّ على فعلِ سَجية. ومعنى {وأحضرت الأنفس الشحّ} ملازمة الشحّ للنفوس البشرية حتّى كأنّه حاضر لديها. ولكونه من أفعال الجبلّة بُني فعله للمجهول على طريقة العرب في بناء كلّ فعل غير معلومِ الفاعل للمجهول، كقولهم: شُغف بفلانة، واضطُرّ إلى كذا. فــــ«الشحّ» منصوب على أنّه مفعول ثان لــــ «أحضرِت» لأنّه من باب أعطَى. وأصل الشحّ في كلام العرب البخل بالمال، وفي الحديث «حديث : أنْ تَصْدّقَ وأنت صحيح شحيح تخشَى الفقر وتأمل الغنى»تفسير : ، وقال تعالى: {أية : ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون}تفسير : [الحشر: 9] ويطلق على حرص النفس على الحقوق وقلّة التسامح فيها، ومنه المشاحّة، وعكسه السماحة في الأمرين. فيجوز أن يكون المراد بالصلح في هذه الآية صلح المال، وهو الفدية. فالشحّ هو شحّ المال، وتعقيب قوله: {والصلح خير} بقوله: {وأحضرت الأنفس} على هذا الوجه بمنزلة قولهم بعد الأمر بما فيه مصلحة في موعظة أو نحوها: وما إخالك تفعل، لقصد التحريض. ويجوز أن يكون المراد من الشحّ ما جبلت عليه النفوس: من المشاحّة، وعدم التساهل، وصعوبة الشكائم، فيكون المراد من الصلح صلح المال وغيره، فالمقصود من تعقيبه به تحذير الناس من أن يكونوا متلبّسين بهذه المشاحّة الحائلة دون المصالحة. وتقدّم الكلام على البخل عند قوله تعالى: {أية : ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله} تفسير : في سورة آل عمران (180). وقد اشتهر عند العرب ذمّ الشحّ بالمال، وذمّ من لا سماحة فيه، فكان هذا التعقيب تنفيراً من العوارض المانعة من السماحة والصلح، ولذلك ذيّل بقوله: {وإن تحسنوا وتتّقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} لما فيه من الترغيب في الإحسان والتقوى. ثم عذر الناس في شأن النساء فقال: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} أي تمامَ العدل. وجاء بــــ (لن) للمبالغة في النفي، لأنّ أمر النساء يغالب النفس، لأنّ الله جعل حُسن المرأة وخُلقها مؤثّراً أشدّ التأثير، فربّ امرأة لبيبة خفيفة الروح، وأخرى ثقيلة حمقاء، فتفاوتهنّ في ذلك وخلوّ بعضهنّ منه يؤثّر لا محالة تفاوتاً في محبّة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصاً على إظهار العدل بينهنّ، فلذلك قال {ولو حرصتم}، وأقام الله ميزان العدل بقوله: {فلا تميلوا كلّ الميل}، أي لا يُفْرط أحدكم بإظهار الميل إلى أحداهنّ أشدّ الميل حتّى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلّقة. فظهر أنّ متعلّق {تميلوا} مقدّر بإحداهنّ، وأنّ ضمير {تذروها} المنصوب عائد إلى غير المتعلّق المحذوف بالقرينة، وهو إيجاز بديع. والمعلّقة: هي المرأة التي يهجرها زوجها هجراً طويلاً، فلا هي مطلّقة ولا هي زوجة، وفي حديث أمّ زرع «حديث : زوجي العَشَنَّق إنْ أنطِقْ أطَلَّقْ وإن أسكُتْ أعَلَّقْ»تفسير : ، وقالت ابنة الحُمَارس:شعر : إنّ هي إلاّ حِظَةٌ أو تَطليق أو صلَف أو بينَ ذاك تَعْليق تفسير : وقد دلّ قوله: {ولن تستطيعوا - إلى قوله - فلا تميلوا كلّ الميل} على أنّ المحبّة أمر قهري، وأنّ للتعلّق بالمرأة أسباباً توجبه قد لا تتوفّر في بعض النساء، فلا يُكلّف الزوج بما ليس في وسعه من الحبّ والاستحسان، ولكنّ من الحبّ حظّاً هو اختياري، وهو أن يَرُوض الزوج نفسه على الإحسان لامرأته، وتحمُّل ما لا يلائمه من خلقها أو أخلاقها ما استطاع، وحسن المعاشرة لها، حتّى يحصّل من الألف بها والحنوّ عليها اختياراً بطول التكرّر والتعوّد. ما يقوم مقام الميل الطبيعي. فذلك من الميل إليها الموصى به في قوله: {فلا تميلوا كلّ الميل}، أي إلى إحداهنّ أو عن إحداهنّ. ثم وسّع الله عليهما إن لم تنجح المصالحة بينهما فأذن لهما في الفراق بقوله: {وإن يتفرّقا يغن الله كلاًّ من سعته}. وفي قوله: {يغن الله كلاَ من سعته} إشارة إلى أنّ الفراق قد يكون خيراً لهما لأنّ الفراق خير من سوء المعاشرة. ومعنى إغناء الله كلاًّ: إغناؤه عن الآخر. وفي الآية إشارة إلى أنّ إغناء الله كلاّ إنّما يكون عن الفراق المسبوق بالسعي في الصلح. وقوله: {وكان الله واسعاً حكيماً} تذييل وتنهية للكلام في حكم النساء.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأنفس أحضرت الشح أي: جعل شيئاً حاضراً لها كأنه ملازم لها لا يفارقها. لأنها جبلت عليه. وأشار في موضع آخر: أنه لا يفلح أحد إلا إذا وقاه الله شح نفسه وهو قوله تعالى: {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الحشر: 9] ومفهوم الشرط أن من لم يوق شح نفسه لم يفلح وهو كذلك، وقيده بعض العلماء بالشح المؤدي إلى منع الحقوق التي يلزمها الشرع، أو تقتضيها المروءة، وإذا بلغ الشح إلى ذلك، فهو بخل وهو رذيلة والعلم عند الله تعالى.
القطان
تفسير : نشوزاً: تجافيا وترفّعاً وإعراضا. وأحضِرت الأنفس الشُّح: جُبلت النفوس على البخل، والشحُّ أشدّ البخل. إن خافت الزوجة من زوجها إهمالاً لشئون الأسرة وجفاءً لها وعدم اقبال عليها، كأن يقلّل من محادثتها او غير ذلك ـ فيجب عليها ان تتريَّث. فلعلّه يكون مشغولا، او يواجه بعض المشاكل في عمله. ومن الأفضل لها أن تصارحه وتسعى في المصالحة معه، ولا بد لأحد الطرفين ان يتنازل قليلا عن بعض حقوقه. والصلحُ خير من الفِراق، ورابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ. ولما كان الرجل هو الأقوى فإن عليه ان يعاشر زوجته بالمعروف وان يتحرى العدل معها قدر المستطاع. {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} ان النفوس عرضة للبخل، فينبغي ان يكون التسامح بينهما كاملا، لأنهما قد ارتبطا بميثاق الزوجية العظيم. ثم رغب الله تعالى في بقاء الرابطةِ الزوجية جهد المستطاع فقال: {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}، ليعني: إن تحسنوا العشرة فيما بينكم ايها الأزواج وتتقوا أسباب النشوز والإعراض فان الله سوف يجازي من أحسن منكم ويثيبه على ذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : (128) - إذَا خَافَتِ المَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أنْ يَنْفِرَ مِنْهَا، وَيُعْرِضَ عَنْهَا، فَلَهَا أنْ تَتَّفِقَ مَعَهُ عَلَى أَنْ تُسْقِطَ عَنْهُ حَقَّهَا كُلَّهُ أوْ بَعْضَهُ: مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ أوْ مَبِيتٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِها عَلَيهِ، لِتَبْقَى عِنْدَهُ عَزِيزَةً مُكَرَّمَةً، أوْ تَسْمَحَ لَهُ بِبَعْضِ المَهْرِ، أوْ بِمُتْعَةِ الطَّلاقِ، أوْ بِكُلِّ ذَلِكَ، لِيُطَلِّقَهَا كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أخْرى. وَلَهُ أنْ يَقْبَلَ مِنْهَا ذَلِكَ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيهَا فِي بَذْلِهِ، وَلاَ حَرَجَ عَليهِ فِي قَبُولِهِ مِنْهَا. وَالصُّلْحُ خَيْرٌ مِنَ الفِرَاقِ وَالتَّسْرِيحِ، وَقَدْ سَاوَى اللهُ تَعَالَى بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأةِ، وَمَيَّز الرِّجَالَ بِالقِيَامِ بِرِئَاسَةِ الأسْرَةِ، لأنَّ الرَجُلَ أقْوَى مِنَ المَرْأةِ بَدَناً وَعَقْلاً، وَأقْدَرُ عَلَى الكَسْبِ وًالنَّفَقَةِ، فَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُعَاشِرَ المَرْأَةَ بِالمَعْرُوفِ، وَأنْ يَتَحَرَّى العَدْلَ قَدْرَ المُسْتَطَاعِ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ النُّفُوسَ عَرْضَةٌ لِلشُّحِّ، فَإذا عَرَضَ لَهَا دَاعٍ مِنْ دَوَاعِي البَذْلِ ألَمَّ بِهَا الشُّحُّ وَالبُخْلُ، فَنَهَاهَا عَنْ أنْ تَبْذُلَ مَا يَنْبَغِي أَنْ تَبْذلَهُ لأجْلِ الصُّلْحِ، فَالنِّسَاءُ حَرِيصَاتٌ عَلَى حُقُوقِهِنَّ فِي القَسْمِ وَالنَّفَقَةِ، وَحُسْنِ العِشْرَةِ، وَالرِّجَالُ حَرِيصُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ أيْضاً، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّسَامُحُ بَيْنَهما كَامِلاً. ثُمَّ رَغَّبَ اللهُ تَعَالَى فِي بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ جَهْدَ المُسْتَطَاعِ فَقَالَ: وَإنْ تُحْسِنُوا العِشْرَةَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَتَتَّقُوا أسْبَابَ النُّشُوزِ وَالإِعْرَاضِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِمَا مِنَ الشِّقَاقِ، فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ بِذَلِكَ، لاَ يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنْهُ. بَعْلُهَا - زَوْجُهَا. نُشُوزاً - تَجَافياً عَنْهَا وَظُلْماً. الشُّحَّ - البُخْلَ مَعَ الحِرْصِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة نرى "إن" وبعدها اسم مرفوع كما في قوله: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} تفسير : [التوبة: 6] فلنعرف أن "إنْ" هذه داخلة على فعل، أي أن ترتيبها الأساسي هو: وإن استجارك أحد من المشركين فأجره. وهنا في هذه الآية: يكون التقدير: وإن خافت إمرأة من بعلها نشوزاً، وما الخوف؟. هو توقع أمر محزن أو مسيء؛ لم يحدث بعد ولكن الإنسان ينتظره، وحين يخاف الإنسان فهو يتوقع حدوث الأمر السيء. وهكذا نجد أنّ الخوف هو توقع ما يمكن أن يكون متعباً. وقوله الحق: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} أي أن النشوز لم يحدث ولكن المرأة تخاف أن يحدث. ورتب الحق الحكم على مجرد الخوف من النشوز لا حدوث النشوز بالفعل، وهذه لفتة لكل منا ألا يترك المسائل حتى تقع، بل عليه أن يتلافى أسبابها قبل أن تقع؛ لأنها إن وقعت ربما استعصى عليه تداركها وإن رأت المرأة بعضاً من ملامح نشوز الزوج فعليها أن تعالج الأمر. ونلحظ أن الحق يتكلم هنا عن نشوز الرجل، وسبق أن تكلم سبحانه عن نشوز المرأة: {أية : وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} تفسير : [النساء: 34] ما النشوز؟ عندما نسمع عن الموسيقى نجد من يقول: "هذه نغمة نشاز" أي أنها نغمة خرجت عن تسلسل النغم وإيقاعه. والأصل فيها مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع وظهر من الأرض، والمفروض في الأرض أن تكون مبسوطة، فإن وجدنا فيها نتوءا فهذا اسمه نشوز. والأصل في علاقة الرجل بزوجته، أن الرجل قد أخذ المرأة سكناً له ومودة ورحمة وأفضى إليها وأفضت إليه، واشترط الفقهاء في الزواج التكافؤ أي أن يكون الزوجان متقاربين؛ ولذلك قال الحق: {أية : ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ} تفسير : [النور: 26] حتى الكفاءة تكون في الطيبة أوالخبث، فلا يأتي واحد بامرأة خبيثة ويزوجها لرجل طيب كي لا تتعبه، ولا يأتي واحد برجل خبيث ويزوجه بامرأة طيبة كي لا يتعبها؛ لأن الطيب عندما يتزوج طيبة تريحه وتقدره. وكذلك الخبيث عندما يتزوج خبيثة فإنهما يتوافقان في الطباع والسلوك، وفي هذا توازن، والخبيث إن لم يخجل من الفضيحة، فالخبيثة لا تخجل منها أيضاً، أما الطيب والطيبة فكلاهما يخشى على مشاعر الآخر ويحافظ على كرامته، فإن خافت امرأة من بعلها نشوزاً أي ارتفاعاً عن المستوى المفترض في المعاملة، في السكن والمودة والرحمة التي ينبغي أن تكون موجودة بين الزوجين، وهي قد أفضت إليه وأفضى إليها، فإن خافت أن يستعلي عليها بنفسه أو بالنفقة أو ينالها بالاحتقار، أو ضاعت منه مودته أو رحمته، هذا كله نشوز. وبل حدوث ذلك على الزوجة الذكية أن تنتبه لنفسها وترى ملامح ذلك النشوز في الزوج قبل أن يقع، فإن كانت الأسباب من جهتها فعليها أن تعالج هذه الأسباب، وترجع إلى نفسها وتصلح من الأمر. وإن كانت منه تحاول كسب مودته مرة أخرى. {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} والإعراض يعني أنه لم ينشزبعد ولكنه لا يؤانس الزوجة ولا يحدثها ولا يلاطفها على الرغم من أنه يعطيها كل حقوقها. وعلى المرأة أن تعالج هذه المسألة أيضاً. والقضية التي بين اثنين - كما قلنا - وقال الله عنهما: {أية : وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [النساء: 21] وقال في ذلك أيضا: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 187] أي أن يغطي الرجل المرأة وتغطي المرأة الرجل فهي ستر له وهو ستر لها وحماية. ونعرف أن المرأة إن دخل عليها أبوها أو أخوها فهي تداري أي جزء ظاهر من جسمها، أما عندما يدخل عليها زوجها فلا تستر ولا تخفي شيئاً. ويعرف كل زوج متزوج وكل امرأة متزوجة أن بينهما إفضاءً متبادلاً، فقد أباح الله للرجل من زوجته ما لا يبيحه لأحد، وكذلك المرأة، فلا يقول الرجل أي نعت أو وصف جارح للمرأة، وعلى المرأة أن تحافظ كذلك على زوجها. ولها أن تتذكر أنها اطلعت على عورته بحق الله، واطلع على عورتها بحق الله. والحق سبحانه وتعالى يريد أن ينهي هذا الخلاف قبل أن يقع؛ لذلك أوجب على المرأة أن تبحث عن سبب النشوز وسبب الإعراض فقد تكون قد كبرت في العمر أو نزلت بها علة ومرض وما زال في الرجل بقية من فتوة. وقد يصح أن امرأة أخرى قد استمالته أو يرغب في الزواج بأخرى لأي سبب من الأسباب، هنا على المرأة أن تعالج المسألة علاج العقلاء وتتنازل عن قَسْمها، فقد تكون غير مليحة وأراد هو الزَّواج فلتسمح له بذلك، أو تتنازل له عن شيء من المهر، المهم أن يدور الصلح بين الرجل وزوجته، وهي مهمة الرجل كما أنها مهمة المرأة. {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} والصلح هنا مهمة الاثنين معاً؛ لأن كل مشكلة لا تتعدى الرجل والمرأة يكون حلها يسيراً، والذي يجعل المشكلات صعبة هم هؤلاء الذين يتدخلون في العلاقة بين الرجل والمرأة، وليس بينهما ما بين الرجل والمرأة، والرجل قد يختلف مع المرأة ويخرج من المنزل ويهدأ ويعود، فتقول له الزوجة كلمة تنهي الخلاف لكن إن تدخل أحد الأقارب فالمشكلة قد تتعقد مِن تدخل من لا يملك سبباً أو دافعاً لحل المشكلة. لذلك يجب أن ننتبه إلى قول الحق هنا: {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا}. وأولى درجات الصلح بين الرجل والمرأة هو أن يقوم كل منهما بمسئوليته وليتذكر الاثنان قول الحق: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216] وكذلك قول الحق سبحانه: {أية : فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 19] ولايظنن رجل أن هناك امرأة هي مجمع كل الجمال والخيرات؛ لأن كل خصال الخير التي تتطلبها الحياة، قد لا تتوافر في المرأة الجميلة. بل قد توجد في المرأة التي ليست على حظ من الحسن؛ لأن ذات الحسن قد تستند إلى رصيد حسنها. أما التي ليس لها حظ من الحسن فهي تحاول أن تكون أمينة ومطيعة ومدبرة وحسنة التصرف مع أهل زوجها؛ لأنها تريد أن تستبقي لنفسها رصيد استبقاء. ولذلك نجد اللاتي ليس لهن حظ من الحسن هن الغالبية الكبيرة في حمل أعباء تكوين الأسرة، فلا يصح أن يأخذ الرجل الزاوية الوحيدة للجمال الحسيّ، بل عليه أن يأخذ الجمال بكل جوانبه وزواياه؛ لأن الجمال الحسيّ قد يأخذ بعقل الرجال، لكن عمره قصير. وهناك زوايا من الجمال لا نهاية إلا بنهاية العمر. وقد حدَّثونا عن واحد من الصالحين كانت له امرأة شديدة المراس والتسلط عليه، وهو رجل طيب فقال لها: آه لو رأيتني وأنا في دروس العلم والناس يستشرفون إلى سماعي. لقد ظن أنها عندما تراه في مجلس العلم سترتدع، وتكون حنونة عليه. وذهبت لحضور درس العلم، ورآها، وظن أن ذلك سيزرع هيبة له في قلبها، وعاد إليها آخر النهار وقال لها: لقد رأيتني اليوم. فقالت: رأيتك ويا حسرة ما رأيت، رأيت كل الناس تجلس باتزان إلا أنت فقد كنت تصرخ. وحدثونا عن هذا الرجل أن الله كان يكرمه بالمدد جزاء صبره على امرأته، وكان المريدون يرون إشراقات الله في تصرفاته، وماتت امرأته. وذهب المريدون ولم يجدوا عنده الإشراقات التي كانت عنده من قبل. فسألوه: لماذا؟ فقال: ماتت التي كان يكرمني الله من أجلها. فكما أن المطلوب من المرأة أن تصبر على الرجل، فالرجل مطلوب منه أن يصبر علىالمرأة. والذي يصبر عليها يؤتيه الله خيرها؛ ولذلك قالوا: "إن عمران بن حطان كان من الخوارج وكان له امرأة جميلة وكان هو دميم الملامح، فنظرت إليه زوجته مرة وقالت: الحمد لله فقال لها: على أي شيء تحمدين الله؟ قالت: على أني وأنك في الجنة. قال: لم؟. قالت: لأنك رزقت بي فشكرت، ورزقت بك فصبرت، والشاكر والصابر كلاهما في الجنة. ولا يظنن واحد أنه سيجد امرأة هي مجمع الجمال والحسن في كل شيء، فإن كانت متدنية المستوى في جانب فهي متميزة في جانب آخر، فلا تضيع الامتياز الذي فيها من أجل قصورها في جانب ما. وزوايا الحياة كثيرة. وقلنا سابقاً: إنه لا يوجد أحد ابناً لله، بل كلنا بالنسبة لله عبيد. ومادمنا جميعاً بالنسبة لله عبيداً وليس فينا ابن له. وسبحانه أعطانا أسباب الفضل على سواء، فهناك فرد قد أخذ الامتياز في جانب، والآخر قد نال الامتياز في جانب آخر - هذا النقص في زاوية ما، والامتياز في زاوية أخرى، أراد به الله أن يجعل مجموع صفات ومزايا أي إنسان يساوي مجموع إنسان آخر حتى يتوازن العالم. فإن وجد الإنسان شيئاَ لا يعجبه في المرأة، ووجدت المرأة شيئاً لا يعجبها في الرجل، فعلى الرجل أن يضم الزوايا كلها ليرى الصورة المكتملة للمرأة، وأن تضم المرأة كل الزوايا حتى ترى الصورة المكتملة للرجل. والرجل الذي ينظر إلى كل الزوايا يحيا مرتاح البال؛ لأنه يرى من الزوايا الحسنة أضعاف الزوايا التي ليست كذلك، والذي يرضى هو من ينظر إلى المحاسن. والذي يغضب هو من ينظر إلى المقابح. والعادل في الغضب والرضا هو مَن ينظر إلى مجموع هذا ومجموع هذا، إنّ الحق سبحانه وتعالى يريد أن تُبنى الأسرة على السلامة فيوضح لنا: - لا تنتظر أيها الرجل ولا تنتظري أيتها المرأة إلى أن يقع الخلاف، فما أن تبدو البوادر فعليكما بحل المشكلات، فليس هناك أحد قادر على حل المشكلات مثلكما؛ لأنه لا يوجد أحد بينه وبين غيره من الروابط والوشائج مثل ما بين الرجل وزوجته؛ لذلك قال سبحانه: {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً}. إننا في بعض الأحيان نجد الصلح يأخذ شكلية الصلح، أما موضوع الصلح وهو إنهاء الجفوة والمواجيد النفسية فقد لا يوجد، والذي يعرقل الصلح هو أننا نقوم بالشكلية ولا نعالج الأسباب الحقيقية المدفونة في النفوس، والتي تتسرب إلى موضوعات اخرى؛ لذلك يجب أن يكون الصلح، ويتم بحقيقته كقول الله تعالى: {أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} وعندما تتراضى النفوس يعم الخير على الزوجين وعلى المجتمع. وبعد ذلك يتابع الحق: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. يوضح لنا سبحانه: أنا خالقكم وأعلم طبائعكم وسجاياكم وأعلم أنني عندما أطلب من المرأة أن تتنازل عن شيء من نفقتها كمهرها أو هدية الخطبة الأولى "الشبكة"، أو أن تتنازل له عن ليلتها لينام عند الزوجة الأخرى. وأعلم أن هذا قد يصعب على النفس، وكذلك يصعب على الرجل أن يتنازل عن مقاييسه، إياكم أن يستولي الشح على تصرفاتكم بالنسبة لبعضكم البعض. وجاء الحق في آية وقال: {أية : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} تفسير : [النساء: 21] وهنا يقول: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وهناك فرق بين الحقوق التي قد يتمسك بها أحد الزوجين، والإحسان الذي يَتطوع به. ونعرف ما فعله قاضٍ فاضل عندما قال لخصمين: أأحكم بينكما بالعدل أو بما هو خير من العدل؟ فسأل واحد: وهل هناك خير من العدل؟ فقال القاضي: نعم إنه الفضل. فالعدل إعطاء الحق فقط، والفضل ان يتنازل الإنسان عن حقه بالتراضي لأخيه. ويذيل الحق الآية: {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وسبحانه وتعالى يريد أن يحل مشكلة نفسية قد تتعرض لها الأسر التي لا توجد فيها خميرة عقدية إيمانية، لا عند الرجل ولا عند المرأة، ولو كانت هذه الأسر تملك الخميرة الإيمانية المسبقة وأخذت أحكام الله بحقها لما وجدت هذه المشكلة، إنها مشكلة التعدد. ظاهر الأمر أن الرجل حين يعدد زوجاته يكون محظوظاً؛ لأنه غير مقيد بواحدة بل له إلى أربع، والمغبون هي المرأة؛ لأنها مقيدة بزوج واحد، فليست كل امرأة مهضومة، لأن الزوجة الجديدة تشعر بالسعادة. وقد نجد امرأة قال لها زوجها: سأتزوج بثانية، ورضيت هي بذلك، بعد أن وازنت بين أمورها فاختارت خير الأمور. روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، وكان لها منه ولد فقالت لا تطلقني ودعني أقوم على ولدي وتقسم لي فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إليّ فأقرها. إذن فالغمة في زواج الرجل من زوجة أخرى لا تعم كل النساء، فإن أحدث الزواج الغم والحزن عند الزوجة الأولى فهو يحدث سروراً عند الزوجة الثانية. والمرأة معذورة في ذلك لأن الرجل أخذ حكم الله في أن يعدد ولم يأخذ مع هذا الحكم أن يعدل. والرجل يظلم المرأة حين يأخذ الحكم الذي في صالحه وهو إباحة التعدد ولا يأخذ من مبيح التعدد وهو المشرع الأعلى - وهو الله - الأمر بأن يعدل بين زوجاته. لقد جنحت المجتمعات لأنهم رأوا الرجل حين يتزوج بأخرى لا يلتفت إلا للزوجة الجديدة، ويهمل القديمة وأولاده منها؛ لذلك فالنساء معذورات في أن يغضبن من هذه المسألة. ولو أن الرجل أخذ حكم الله بالعدل كما أخذ إباحة الله في التعدد لحدث التوازن. وحين تعرف المرأة الأولى أن حقها لن يضيع لا في نفسها ولا في بيتها ولا في رعاية أولادها. فهي تقول: "من الأفضل أن يكون متزوجاً أمام عيني بدلاً من أن يدس نفسه في أعراض الناس". إذن فالذي يثير المسألة كإشكال أن الرجل يأخذ بعض الكتاب فيعمل به ويترك بعضه فلا يطبقه ولا يعمل به. والذين يأخذون إباحة الله في التعدد لا بد أن يأخذوه بأصوله التي وضعها الله في إطار العدالة. وحين يكون للرجل امرأتان مثل سيدنا معاذ بن جبل، فكل امرأة لها حق في البيتوتة، ليلة لزوجة وليلة لأخرى مثلا، وكان - رضي الله عنه - لا يتوضأ عند واحدة في ليلة الأخرى مع أن الوضوء قربة لله. والأعجب من ذلك عندما ماتت الزوجتان في الطاعون، أمر بدفن الاثنتين في قبر واحد. والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخلق وأمر بالعدالة في المستطاع، وعلى الرجل أن يعدل زَمَناً، ويعدل نفقة، ويعدل ابتسامة، ويعدل مؤانسة ومواساة، والرجل في كل ذلك يستطيع، لكنه لا يستطيع أن يعدل في ميل القلب، وهو أمر مكتوم؛ لذلك قال الحق: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة قال: سمعت علي بن أَبي طالب، عليه السلام، يقول في قوله، عز وجل: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} [الآية: 128]. قال: هو الرجل يكون عنده امرأَتان فتكون إِحداهما قد عجزت، أَو تكون دميمة، فيريد فراقها فتصالحه على أَن يكون عندها ليلة، وعند الأُخرى ليال. ولا يفارقها فما طابت به نفسها، فلا بأْس به، فإِن رجعت سوّى بينهما. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: هذا في الرجل يكون عنده المرأَة الكبيرة فيقول لها: أَنت كبيرة وأَنا أُريد أَن استبدل بك امرأًَة شابة، فان شئت فاستقري على ولدك، فاقسم لك من نفسي شيئاً. فان رضيت فهو "الصلح" الذي قال الله، عز وجل / 17و / {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} [الآية: 128]. نزلت في أَبي السَّنَابِل ابن بعكك. ثم قال: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [الآية: 129]. يعني: في الحب {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} يقول: لا تعمدوا الإِساءَة. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِن يَتَفَرَّقَا} [الآية: 130]. يعني: الطلاق. أنبا عبد الرحمن، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِن تَلْوُواْ} يقول: تبدلوا الشهادة، {أَوْ تُعْرِضُواْ} [الآية: 135]. يقول: تكتموها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} معناه ذهابٌ عنها، أَو تغير ما.
الأندلسي
تفسير : {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ} نزلت في أبي السنابل بن بعكك وامرأته. وقيل: في غيره. والنشوز تقدم شرحه وشيء من أحكامه في صدر هذه السورة والاعراض دون النشوز، وقرىء أن يصلحا من أصلحا، وقرىء يصالحا أصله يتصالحا فأدغم التاء في الصاد. وقرأ ابن مسعود إن أصلحا جعل ان شرطية والصالحا فعلاً ماضياً. {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} هذا من باب المبالغة جعل الشح كأنه شيء معدّ في مكان وأحضرته الأنفس وسيقت إليه ولم يأت واحضر شح الأنفس فيكون مسوقاً إلى الأنفس بل الأنفس سيقت إليه لكون الشح مجبولاً عليه الإِنسان ومركوزاً في طبيعته وذلك عام لا يخص في شيء. {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ} قال الماتريدي: وإن تحسنوا في أن تعطوهن أكثر من حقهن وتتقوا في أن لا تنقصوا من حقهن شيئاً أو ان تحسنوا في إيفاء حقهن والتسوية بينهن وتتقوا الجور والميل وتفضيل بعض على بعض. وختم آخر هذه بصفة الخبير: وهي علم ما يلطف إدراكه ويدق لأنه قد يكون بين الزوجين من خفايا الأمور ما لا يطلع عليه إلا الله تعالى ولا يظهر أن ذلك لأحد. وكان عمران بن حطان الخارجي من آدم بني آدم وامرأته من أجملهم فأجالت في وجهه نظرها يوماً ثم تابعت الحمد لله، فقال مالك: قالت حمدت الله تعالى على أني وإياك من أهل الجنة. قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله عباده الشاكرين والصابرين الجنة. {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ} الآية، نبه تعالى على انتفاء استطاعة العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن وفي ذلك عذر للرجال فيما يقع من التفاوت في الميل القلبي والتعهد والنظر والتأنيس والمفاكهة فإِن التسوية في ذلك محال خارج عن حد الاستطاعة أو بالغ من الصعوبة جداً يكاد يكون كالمحال هذا إذا كن كلهن محبوبات وعلق انتفاء الاستطاعة في التسوية على تقدير وجود الحرص في الانسان على ذلك وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: حديث : هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك ـ يعني المحبة ـ، لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه رضي الله عن أزواجه وآله وأصحابه أجمعين . تفسير : {كَٱلْمُعَلَّقَةِ} المعلقة هي التي ليست مطلقة ولا ذات بعل. قال الزاجر: هل هي الا حظة أو تطليق أو صلف أو بين ذاك تعليق. وفي حديث أم زرع زوجي العشنق ان انطقْ اطلق وان أسكت أعلق. شبهت المرأة بالشيء المعلق من شيء لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق منه. {وَإِن يَتَفَرَّقَا} الضمير يعود على الزوجين وقرأ زيد بن أفلح ـ وإن يتفارقا ـ بألف الفاعلة والمعنى رضي كل واحد منهما بالفراق من صاحبه وقيل ذلك هو بالإِطلاق قيل ولا مدخل للنساء في الطلاق وأجيب بأنها لما كانت سبباً للطلاق بمشاقتها الزوج وسوء عشرتها نسب التفرق إليهما. {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ} حذف المضاف من كل والمعنى كل واحد من الزوجين والظاهر في الغنى أنه غنى المال وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما فيما رووا طلقة ذوقة فقيل له في ذلك، فقال: إني رأيت الله تعالى علق الغني بأمرين فقال: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ}تفسير : [النور: 32] الآية، وقال: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ} [النساء: 128] يعني: نفس، {خَافَتْ مِن بَعْلِهَا} [النساء: 128]؛ يعني: من الروح المتصرف فيها، {نُشُوزاً} [النساء: 128] في رعاية حقوقها والمداراة معها، {أَوْ إِعْرَاضاً} [النساء: 128] بالكلية بإظهار عداوتها وتشديد في اجتهادها وقصد هلاكها، { فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} [النساء: 128] بأن تطيع النفس الروح في عبودية الحق، وتترك بعض حظوظها رعاية لحقوقه في طلب الحق، ويؤثر حقوقه عليها معاونة على حصول مقاصده من [حظه] ويواسيها الروح بأن لا يعرض عنها بالكلية ويساعدها في بعض الأوقات مساعدة الراكب في أثناء الطريق لاستراحته عن التعب واستنشاطه للسير، {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] للروح من الانقطاع طلب المقصد والمقصود، وللنفس من الهلكة في أعراض الروح عنها، والمبالغة في اجتهادها وارتياضها {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} [النساء: 128]؛ يعني: كل نفس مجبولة على البخل بنصيبها وحظها، فالروح تسنح بترك حقوق الله تعالى من نفسه، والنفس تسنح بحظوظها من هواها، {وَإِن تُحْسِنُواْ} [النساء: 128]؛ يعني: بالتسوية بينهما في الصلح والعبودية للحق، {وَتَتَّقُواْ} [النساء: 128] الحيف والجور على كل واحد منهما، {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ} [النساء: 128]، في الأزل {بِمَا تَعْمَلُونَ} [النساء: 128] اليوم {خَبِيراً} [النساء: 128]، فإنه أعطى لكل واحد منهما استعداد الإحسان والاتقاء في الأزل، وإلا ما كان لهما الإحسان والاتقاء اليوم، فافهم جيداً. ثم قال تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129]؛ يعني: لا تقدرون على تزكية النفوس وتسوية الصفات وتعديلها ولو تحرصون عليها، وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : استقيموا ولن تحصوا"تفسير : ، ثم قال تعالى: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} [النساء: 129] في رعاية حقوق الروح واستيفاء حظوظ النفس، {فَتَذَرُوهَا} [النساء: 129]؛ يعني: النفس {كَٱلْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129] بين عالم السفل وعالم العلو، {وَإِن تُصْلِحُواْ} [النساء: 129] على العبودية وامتثال الشرع في حفظ الحدود، {وَتَتَّقُواْ} [النساء: 129] طرفي التفريط والإفراط في الحقوق، {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ} [النساء: 129]، في الأزل {غَفُوراً} [النساء: 129] للروح برش النور المقدس، {رَّحِيماً} [النساء: 129] بالنفس حتى صارت مأمورة بعد كانت أمارة، كما قال تعالى: {أية : إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} تفسير : [يوسف: 53].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: إذا خافت المرأة نشوز زوجها أي: ترفعه عنها وعدم رغبته فيها وإعراضه عنها، فالأحسن في هذه الحالة أن يصلحا بينهما صلحا بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها على وجه تبقى مع زوجها، إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة أو الكسوة أو المسكن، أو القسم بأن تسقط حقها منه، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها. فإذا اتفقا على هذه الحالة فلا جناح ولا بأس عليهما فيها، لا عليها ولا على الزوج، فيجوز حينئذ لزوجها البقاء معها على هذه الحال، وهي خير من الفرقة، ولهذا قال: { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ }. ويؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين مَن بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح. وهو جائز في جميع الأشياء إلا إذا أحلّ حراما أو حرّم حلالا فإنه لا يكون صلحا وإنما يكون جورا. واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبه على أنه خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان -مع ذلك- قد أمر الله به وحثّ عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه. وذكر المانع بقوله: { وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحّ } أي: جبلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخُلُق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك. فمتى وفق الإنسان لهذا الخُلُق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر. ثم قال: { وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا } أي: تحسنوا في عبادة الخالق بأن يعبد العبد ربه كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وتحسنوا إلى المخلوقين بجميع طرق الإحسان، من نفع بمال، أو علم، أو جاه، أو غير ذلك. { وَتَتَّقُوا } الله بفعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات. أو تحسنوا بفعل المأمور، وتتقوا بترك المحظور { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } قد أحاط به علما وخبرا، بظاهره وباطنه، فيحفظه لكم، ويجازيكم عليه أتم الجزاء.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} [128] 145- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا أبو معاوية، نا هشام، عن أبيه، عن عائشة في قوله تعالى {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} أُنزلت في المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيُريد أن يُطلقها ويتزوج غيرها، فتقول: لا تطلقني وأمسكني، وأنت في حِلٍّ من النفقة والقسمة لي، فأنزل الله عز وجل {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً}.
همام الصنعاني
تفسير : 648- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن الزّهري، عن ابن المسّيب، وعَنْ سُلَيْمان بنِ يسار، أنَّ رافع بن خديج قال في قوله تعالى: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً}: [الآية: 128]، قال: كانت تحته امرأة قد خَلا من سنها، فتزوج عَلَيْهَا شابَّةً فآثر الشابة علَيْها، فأَبَت امرأتُه الأولى أن تقرّ عَلَى ذلِكَ، فطلقها تطليقة، حتى إذَا بقي من أجلها يسِيرٌ، قال: إنْ شئتٍ راجعتُكِ وَصَبَرْتِ على الأثَرةِ، وإن شئتِ تركتُكِ حتى يخلُوا أجَلُكِ، قالت: بل رَاجِعْني وأصبرُ على الأثَرَةِ فَرَاجَعَها وآثر عَلَيْها الشابَّة، فَلَمْ تصبر على الأَثَرةِ فطلَّقها وآثر عليها الشابة حتى إذا بَقِيَ مِنْ أجلِها يسير قال لها مثل قولِهِ الأول، فاقلت راجِعْني وأصْبِرُ. قال: فذلِك قوله الصلح الذي بلغنا أنّ الله تعالى أنزل فيه: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً}: [الآية: 128]. 649- عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة مثل حديث الزّهري، وزاد: فإن أضرَّ بها الثالثة، فإنَّ عليه أن يوفيها حقَّها أوْ يطلقها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):