٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
129
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ } وفيه قولان: الأول: لن تقدروا على التسوية بينهن في ميل الطباع، وإذا لم تقدروا عليه لم تكونوا مكلفين به. قالت المعتزلة: فهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز الوقوع، وقد ذكرنا أن الاشكال لازم عليهم في العلم وفي الدواعي. الثاني: لا تستطيعون التسوية بينهن في الأقوال والأفعال لأن التفاوت في الحب يوجب التفاوت في نتائج الحب، لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال. ثم قال: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } والمعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل. روى الشافعي رحمة الله عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم ويقول: «حديث : هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك».تفسير : ثم قال تعالى: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } يعين تبقى لا أيما ولا ذات بعل، كما أن الشيء المعلق لا يكون على الأرض ولا على السماء، وفي قراءة أبي: فتذروها كالمسجونة، وفي الحديث «حديث : من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل» تفسير : وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال فقالت عائشة: إلى كل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر بمثل هذا؟ فقالوا: لا، بعث إلى القرشيات بمثل هذا، وإلى غيرهن بغيره، فقالت للرسول ارفع رأسك وقل لعمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا قي القسمة بماله ونفسه، فرجع الرسول فأخبره فأتم لهن جميعاً. ثم قال تعالى: {وَإِن تُصْلِحُواْ } بالعدل في القسم {وَتَتَّقُواْ } الجور {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض. وقيل: المعنى: وإن تصلحوا ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة، وتتقوا في المستقبل عن مثله غفر الله لكم ذلك، وهذا الوجه أولى لأن التفاوت في الميل القلبي لما كان خارجاً عن الوسع لم يكن فيه حاجة إلى المغفرة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} أخبر تعالى بنفي الإستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب. فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض؛ ولهذا كان عليه السلام يقول: « حديث : اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » تفسير : . ثم نهى فقال: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ}. قال مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة بل الزموا التسوية في القسم والنفقة؛ لأن هذا مما يستطاع. وسيأتي بيان هذا في «الأحزاب» مبسوطاً إن شاء الله تعالى. وروى قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهِيك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من كانت له ٱمرأتان فلم يعدِل بينهما جاء يوم القيامة وشقّه مائل 2 تفسير : . قوله تعالى: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ} أي لا هي مطلقة ولا ذات زوج؛ قاله الحسن. وهذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء؛ لأنه لا على الأرض ٱستقرّ ولا على ما عُلِّق عليه انحمل؛ وهذا مطّرد في قولهم في المثل: «ٱرْضَ من المركب بالتعلِيق». وفي عرف النحويين فمن تعليق الفعل. ومنه في حديث أُم زَرْع في قول المرأة: زوجي العَشَنَّق، إن أنْطِقْ أُطَلَّقْ، وإن أسكت أُعَلَّقْ. وقال قتادة: كالمسجونة؛ وكذا قرأ أُبيّ «فَتَذَرُوهَا كَالْمَسْجُونَةِ». وقرأ ابن مسعود «فَتَذَرُوها كأنها معلقة». وموضع «فتذروها» نصب؛ لأنه جواب النهي. والكاف في «كالمعلقة» في موضع نصب أيضاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ } تُسَوُّوا {بَيْنَ ٱلنّسَاءِ } في المحبة {وَلَوْ حَرَصْتُمْ } على ذلك {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } إلى التي تحبونها في القسم والنفقة {فَتَذَرُوهَا } أي تتركوا المُمَال عنها {كَٱلْمُعَلَّقَةِ } التي لا هي أَيّمٌ ولا ذات بعل {وَإِن تُصْلِحُواْ } بالعدل بالقسم {وَتَتَّقُواْ } الجور {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً } لما في قلبكم من الميل {رَّحِيماً } بكم في ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ} في المحبة. {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} أن تعدلوا في المحبة، أو لو حرصتم في الجماع، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ {كُلَّ الْمَيْلِ} أن يميل بفعله كما مال بقلبه. {كَالْمُعَلَّقَةِ} لا أيِّماً ولا ذات بعل.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} يعني ولن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب لأن ذلك مما لا تقدرون عليه وليس من كسبكم {ولو حرصتم} يعني على العدل والتسوية بينهن وقيل معناه ولو حرصتم على ذلك {فلا تميلوا كل الميل} يعني إلى التي تحبونها في القسم والنفقة والمعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن قدرتكم ووسعكم ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك الميل في القول والفعل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط" تفسير : أخرجه الترمذي وعند أبي داود "حديث : من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل"تفسير : وعن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيقول حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وقوله تعالى: {فتذروها كالمعلقة} يعني فتدعوا الأخرى التي لا تميلون إليها كالمعلقة لا أيماً ولا ذات بعل كالشيء المعلق لا هو في السماء ولا على الأرض. وقيل معناه فتذروها كالمسجونة لا هي مخلصة فتتزوج ولا هي ذات بعل فيحسن إليها {وإن تصلحوا} يعني بالعدل في القسم {وتتقوا} يعني الجور في القسم {فإن الله كان غفوراً} يعني لما حصل من الميل إلى بعضهن دون بعض {رحيماً} يعني بكم حيث لم يكلفكم ما لا تقدرون عليه {وإن يتفرقا} يعني إن لم يصطلحا وأرادا الفرقة {يغن الله كلاًّ من سعته} يعني من فضله ورزقه والمعنى يغني الزوج بامرأة أخرى والمرأة بزوج آخر. وقيل معناه يعوض الزوج بما يحب والمرأة بما تحب ويوسع عليهما وفي هذا تسلية لكل واحد من الزوجين بعد الطلاق {وكان الله واسعاً} يعني واسع الفضل والرحمة وقيل واسع القدرة والعلم والرزق وقيل هو الغني الذي وسع جميع مخلوقاته غناه {حكيماً} يعني فيما أمر به ونهى عنه. فصل فيما يتعلق بحكم الآية وجملته أن الرجل إذا كان تحته امرأتان أو أكثر يجب عليه التسوية بينهن في القسم فإن ترك التسوية بينهن في فعل القسم عصى الله عز وجل في ذلك وعليه القضاء للمظلومة والتسوية شرك في البيتوتة أما في الجماع فلا لأن ذلك يدور النشاط وميل القلب وليس ذلك إليه ولو كان في نكاحه حرة وأمة قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة واحدة. وإذا تزوج جديدة على قديمات كن عنده فإنه يخص الجديدة بأن يبيت عندها سبع ليال إن كانت الجديدة بكراً وإن كانت ثيباً خصها بثلاث ليال ثم إنه يستأنف القسم ويسوي بينهن ولا يجب عليه قضاء عوض هذه الليالي للقديمات ويدل على ذلك ما روى أبو قلابة عن أنس قال: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً وقسم وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً وقسم" قال أبو قلابة ولو شئت لقلت إن أنساً رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرجاه في الصحيحين. وإذا سافر الرجل إلى سفر حاجة جاز له أن يحمل معه بعض نسائه بشرط أن يقرع بينهن ولا يجب عليه أن يقضي للباقيات عوض مدة سفره وإن طالت إذا لم يزد مقامه في البلد على مدة المسافرين ويدل على ذلك ما روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه". أخرجه البخاري مع زيادة فيه. وإذا أراد الرجل سفر نقلة وجب عليه أخذ نسائه معه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ...} الآية: معناه: العَدْلُ التامُّ على الإطلاق، والمستوِي في الأفعالِ، والأقوالِ، والمحبَّة، والجِمَاعِ، وغير ذلك، «حديث : وكانَ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، هَذَا فِعْلِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا تَمْلِكُ، وَلاَ أَمْلِكُ».تفسير : فوصف اللَّه سبحانه حالة البَشَر؛ أنهم بحُكْم الخِلْقَةِ لا يملكُونَ مَيْلَ قلوبهم إلى بعضِ الأزواج، دون بعضٍ، ثم نهَىٰ سبحانه عن المَيْل كلَّ الميل، وهو أنْ يفعل فعلاً يقصِدُه من التفضيل، وهو يقدر ألاَّ يفعله، فهذا هو كلُّ المَيْل، وإن كان في أمرٍ حقيرٍ. وقوله سبحانه: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ}، أيْ: لا هي أَيِّمٌ، ولا ذاتُ زوجٍ، وجاء في التي قبُل: {وَإِنْ تُحْسِنُوا}، وفي هذِه: {أية : وَإِن تُصْلِحُواْ} تفسير : [النساء: 128]؛ لأن الأولَىٰ في مندوبٍ إِليه، وفي هذه في لازمٍ؛ إِذ يلزمه العدلُ فيما يملكُ.
ابن عادل
تفسير : وفيه قولان: الأول: لن تَقْدِرُوا في التَّسْوِية بَيْنَهُنَّ في مَيْل الطِّبَاع، من الحُبِّ ومَيْل القلب، وإذا لم تَقْدِرُوا عليه، لَمْ تكُونوا مكَلَّفين به. قالت المُعْتَزِلَة: هذا يدلُّ على أن تَكْلِيفَ ما لا يُطَاق، غيْر وَاقِع ولا جائز الوُقُوع، وقد تَقَدَّم إلزامهم في العِلْمِ والدَّاعِي، وقد يُجَاب أيْضاً: بأنه - تعالى - إنما نَفَى الاسْتِطَاعة الَّتي هي من جِهَة المكَلَّفِ، ولَمْ يَنْفِ التَّكْلِيف الَّذِي هو من جهة الشَّارع، فالآيَة لا تَدُلُّ على نَفْيِ التَّكْلِيفِ، وإنما تَدُلُّ على نفي اسْتِطَاعة المكَلَّف. الثاني: لا يستطيعون التَّسْوِيَةَ بينهن في الأقْوَال والأفْعَال؛ لأن التَّفَاوُت في الحُبِّ، يوجِبُ التَّفَاوُت في نتائِجِ الحُبِّ؛ لأن الفِعل بدون الدَّاعِي، [و] مع قيام الصَّارف مُحَالٌ. ثم قال: "فَلاَ تَمِيلُواْ" أي: إلى التي تُحِبُّونها، "كُلَّ المَيْل" في القِسْمة، واللَّفْظ والمَعْنَى: أنكم لَسْتُم تَحْتَرِزُون عن حُصُول التَّفَاوُت في المَيْل القَلْبِي؛ لأن ذَلِك خَارِجٌ عن وُسْعكُم، ولكنكم مَنْهِيُّون عن إظْهَار ذلك [التفاوت] في القَوْل والفِعْل. حديث : روي عن رسُول الله صلى الله عليه وسلم: [أنه] كان يَقْسِم، ويقول: "هذا قَسَمِي فيما أمْلِكُ، وأنْت أعْلَم بما لا أمْلِكُ" ". تفسير : قوله: "كُلَّ المَيْلِ": نصبٌ على المَصْدرية، وقد تقرر أن "كل" بحسَبِ ما تُضَاف إليه، إنْ أضيفَت إلى مَصْدرٍ - كانت مَصْدَراً - أو ظرفٍ، أو غَيْرِه؛ فكذلك. قوله: "فَتَذَرُوهَا" فيه وجهان: أحدهما: أنه مَنْصُوب بإضْمَارِ "أنْ" في جَوابِ النَّهْي. والثاني: أنه مَجْزُوم عَطْفاً على الفِعْل قبله، أي: فلا تَذرُوها، ففي الأوَّل نَهْيٌ عن الجمع بينهما، وفي الثاني نهيٌ عن كلٍّ على حِدَتِه وهو أبلغُ، والضَّميرُ في "تَذَرُوها" يعود على المُميلِ عنها؛ لدلالة السِّياق عليها. قوله: "كالمُعلَّقة": حال من "ها" في "تَذَروها" فيتعلَّق بمَحْذُوف، أي: فتذُروها مُشْبهةً المُعَلَّقة، ويجُوز عندي: أن يَكُون مفعولاً ثانياً؛ لأن قولك: "تَذَر" بمعنى: تَتْرك، و"تَرَك" يتعدَّى لاثْنَيْن إذا كان بِمَعْنَى: صيَّر. والمعنى: لا تَتَّبِعُوا هَوَاكُم، فَتَدَعُوا الأخْرى كالمُعَلَّقَة لا أيِّماً، ولا ذَات بَعْل؛ كما أن الشَّيء المُعَلَّق لا [يَكُون] على الأرْضِ، ولا على السَّماءِ، وفي قِرَاءة أبَيِّ: "فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَة"، وفي الحَدِيث: "حديث : من كَانَت له امْرأتَانِ يميلُ مع إحْدَاهُمَا، جاء يَوْم القِيَامة وأحدُ شِقَّيْه مَائِلٌ ". تفسير : قوله: "وإن تُصْلِحُوا" بالعدل في القَسْم، و"تَتَّقُوا": الجور {فإن الله كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} لما حَصَل في القَلْبِ من المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ دون بَعْضٍ. وقيل المعنى: وإن تُصْلحوا ما مَضَى من مَيْلِكُم، وتَتَدَارَكُوه بالتَّوْبَة، وتَتَّقُوا في المُسْتَقْبَل عن مِثْلِه، غفر اللَّه لكم ذَلِكَ، وهذا أوْلَى؛ لأن التَّفَاوُت في المَيْل القَلْبي ليس في الوُسْع، فلا يحتاج إلى المَغْفِرَة. قوله "وَإنْ يَتَفَرَّقا" يعني: الزَّوْج والمَرْأة بالطَّلاق، {يُغنِ اللَّه كُلاًّ مِن سَعَتِهِ}: من رزقه، يعني: المَرْأة بِزَوْج آخر، والزَّوْج بامرأة أخْرى. وقيل: يُغْنِي اللَّه كل واحِدٍ منهما عن صَاحِبِه بعد الطَّلاقِ، {وكان اللَّه واسِعاً حَكِيماً} وصف نفسه بِكَوْنه وَاسِعاً؛ ولم يُضِفْه إلى شَيْء؛ لأنه - تعالى - وَاسِعُ الفَضْل، واسع الرِّزْقِ، واسع النِّعْمَةِ، واسع الرَّحْمَةِ، واسع القُدْرَةِ، واسِعُ العِلْمِ، واسعٌ في جميع الكمالات، فلو قالَ: واسِعٌ في كذا، لاخْتَصَّ بذلك المَذْكُور، وقوله: "حكيماً" قال ابن عبَّاسٍ: يريد فيما أمرَ ونَهَى، وقال الكلبيُّ: فيما حَكَم على الزَّوْج من إمْسَاكِهَا بمعرُوفٍ، أوْ تسريحٍ بإحْسَانٍ. فصل حُكْم الرَّجلِ إذا كان تَحْتَهُ امْرأتَان أوْ أكْثَر، يجِبُ عليه التَّسْوِيَة بَيْنَهُنَّ في القَسْم، فإن ترك التَّسْوِيَة بَيْنَهُنَّ في القَسْم، عَصَى اللَّه - تعالى -، وعليه القَضَاءُ للمَظْلُومة، والتَّسْوِيَة شَرْط في البَيْنُونَةِ أمَّا في الجِمَاع فَلاَ؛ لأنه يَدُور على النَّشَاطِ وليس ذَلِكِ إلَيه، ولو كانت تَحْتَه حُرّةٌ وأمَةٌ فإنَّه يَبِيتُ عِنْد الحُرَّة لَيْلَتَيْن، وعند الأمَة لَيْلَة، وإذا تَزَوَّج جَدِيدَةً على قَدِيمَة، يخص الجَدِيدَة بأن يَبِيت عِنْدَهَا سَبْعَ لَيَالٍ على التَّوالِي إن كانت بِكْراً، وإن كانت ثَيِّباً، فثلاث لَيَالٍ، ثم يُسَوِّي بعد ذَلِك بين الكُلِّ، ولا يجب قَضَاء هذه الثلاث للقَدِيمَات؛ لقول أنسٍ: من السُّنَّةِ إذا تزوَّج البكر على الثَّيِّب أن يُقِيم عِنْدَها سَبْعَةً، وإذا تزوَّج الثَّيِّب على البِكْرِ، أن يُقِيم عندها ثلاثاً، فإن أحبَّت الثَّيِّبُ أن يُقِيم عِنْدَها سبْعاً، فعل، ثم قَضَاه للبَوَاقِي؛ لأن "حديث : النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما تَزَوَّج أمَّ سَلَمَة أقام عِنْدَها سَبْعاً، ثم قال: لَيْس بك هَوانٌ على أهْلِكِ، إن شِئْت سَبَّعْت لَكِ، وإن سَبَّعْت لك سَبَّعْت لِنِسَائي"تفسير : ، وإذا أرادَ الرَّجُل سفرَ حَاجَةٍ، فيجُوزُ له أنْ يحمل بَعْضَ نِسَائِه [معه بالقُرْعَة بَيْنَهُنَّ]، ولا يَجِبُ عليه [أن] يَقْضِي للبَاقِيَات مُدَّة سَفَرِه وإن طَالَتْ إذا لَمْ يزدْ مَقَامُهُ في بَلْدة على مُدَّة المُسَافِرِين؛ لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سَفَراً، أقْرَعَ بين نِسَائِه، فأيّتهن خَرَج سهُمُهَا، خرج بِهَا مَعَهُ، أما إذا أرَادَ سَفَرَ نَقْلةٍ، فَلَيْسَ له تَخْصِيصُ بَعْضِهِن، لا بِقُرْعَة ولا بِغَيْرها.
ابو السعود
تفسير : {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء} أي مُحال أن تقدِروا على أن تعدِلوا بـينهن بحيث لا يقع ميلٌ ما إلى جانب إحداهن في شأن من الشؤون البتةَ وقد «حديث : كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقسِمُ بـين نسائِه فيعدِلُ ثم يقول: "اللهم هذا قَسْمي فيما أملِك فلا تؤاخِذْني فيما تملِكُ ولا أملِكُ"» تفسير : وفي رواية «حديث : وأنت أعلم بما لا أملك» تفسير : يعني فرطَ محبتِه لعائشة رضي الله عنها {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} أي على إقامة العدلِ وبالغتم في ذلك {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} أي فلا تجوروا على المرغوب عنها كلَّ الجَوْرِ واعدِلوا ما استطعتم فإن عجْزَكم عن حقيقة العدلِ إنما يصحح عدمَ تكليفِكم بها لا بما دونها من المراتب الداخلةِ تحت استطاعتِكم {فَتَذَرُوهَا} أي التي مِلْتم عنها {كَٱلْمُعَلَّقَةِ} التي ليست ذاتَ بعلٍ أو مطلقة وقرىء كالمسجونة وفي الحديث: «حديث : مَنْ كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحدُ شِقَّيه مائلٌ» تفسير : {وَإِن تُصْلِحُواْ} ما كنتم تُفسِدون من أمورهن {وَتَتَّقُواْ} الميلَ فيما يستقبل {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً} يغفرُ لكم ما فرَط منكم من الميل {رَّحِيماً} يتفضل عليكم برحمته. {وَإِن يَتَفَرَّقَا} وقرىء يتفارقا أي وإن يفارقْ كلٌّ منهما صاحبَه بأن لم يتفِقْ بـينهما وِفاقٌ بوجه ما من الصلح وغيرِه {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ} منهما أي يجعلْه مستغنياً عن الآخَر ويُكْفِه مُهمّاتِه {مّن سَعَتِهِ} من غناه وقُدرته، وفيه زجرٌ لهما عن المفارقة رُغماً لصاحبه {وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً حَكِيماً} مقتدراً متْقِناً في أفعاله وأحكامِه، وقولُه تعالى: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي من الموجودات كائناً ما كان من الخلائق وأرزاقُهم وغيرُ ذلك، جملةٌ مستأنفةٌ منبّهةٌ على كمال سعتِه وعِظَم قدرتِه {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} أي أمرناهم في كتابهم وهم اليهودُ والنصارى ومَنْ قبلهم من الأمم، واللامُ في الكتاب للجنس، و{مِنْ} متعلقة بوصّينا أو بأوتوا {وَإِيَّـٰكُمْ} عطف على الموصول {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي وصينا كلاًّ منكم ومنهم بأن اتقوا الله على أنّ أنْ مصدريةٌ حُذف منها الجارُّ ويجوز أن تكون مفسِّرةً، لأن التوصيةَ في معنى القولِ فقوله تعالى: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} حينئذ من تتمة القولِ المحكيِّ أي ولقد قلنا لهم ولكم: اتقوا الله وإن تكفروا إلى آخر الآية، وعلى تقدير كونِ أنْ مصدرية مبني الكلام وإرادة القول أي أمرناهم وإياكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا الآية، وقيل: هي جملةٌ مستأنفةٌ خوطب بها هذه الأمةُ، وأياً ما كان فالمترتبُ على كفرهم ليس مضمونَ قولِه تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ} [النساء، الآية: 129] الآية، بل هو الأمرُ بعلمه كأنه قيل: وإن تكفروا فاعلَموا أن لله ما في السموات وما في الأرض من الخلائق قاطبةً مفتقرون إليه في الوجود وسائرِ النعمِ المتفرِّعةِ عليه لا يستغنون عن فيضه طرفةَ عينٍ فحقُّه أن يُطاع ولا يُعصىٰ ويُتقىٰ عقابُه ويُرجىٰ ثوابُه وقد قرر ذلك بقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً} أي عن الخلق وعبادتِهم {حَمِيداً} محموداً في ذاته حمِدوه أو لم يحْمَدوه فلا يتضرر بكفرهم ومعاصيهم كما لا ينتفع بشكرهم وتقواهم وإنما وصّاهم بالتقوى لرحمته لا لحاجته.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ} [الآية: 129]. فكيف تستطيعون أن تعدلوا بينكم وبين الحق وليس من العدل أن تحب ما يشغلك عن حبيبك وليس من العدل أن تفتر عن طاعة من لا يفتر عن برك. قوله تعالى: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: الجوارح تبع القلب، لأنه أمير أمرك أن تخالفه إذا خالفت الحق.
القشيري
تفسير : يعني أنْكم إذا (....) في أموركم انعكس الحال عليكم، وانعكس صلاح ذات بينكم فساداً لكم، فإذا قمتم بالله في أموركم استوى العيشُ لكم، وصفا عن الكدر وقتكم. ويقال مَنْ حَكَم الله بنقصان عقله في حاله فلا تقتدرون أن تجبروا نقصانهم بكفايتُكم. قوله تعالى: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ}: يعني لا تزيغوا عن نهج الأمر. قِفوا حيثما وُقْفتم، وأنفذوا فيما أُمِرْتُم. وقوله: {فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ} يعني أنكم إذا منعتموهن عن صحبة أغياركم ثم قطعتم عنهن ما هو حظوظهن منكم أضررتم بهن من الوجهين؛ لا منكم نصيب، ولا إلى غيركم سبيل، وإن هذا الحيف عظيم. والإشارة من هذا أنه إذا انسد عليك طريق حظوظك فَتَحَ - سبحانه - عليك شهود حقه، ووجود لطفه؛ فإنَّ من كان في الله تلَفُه فالحق - سبحانه - خَلَفُه، وإنْ تُصْلِحوا ما بينكم وبين الخَلْق، وتثقوا فيما بينكم وبين الحق فإن الله غفور لعيوبكم، رحيم بالعفو عن ذنوبكم.
البقلي
تفسير : {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ} العدل صفة الحق فمن اتصف بصفته يكون عادلا فى جميع الاحيان لكن ما كان العدل مستعارا فى التخلق يرجع الى معدنه عند الامتحان ولذلك قال تعالى ولن تستطعيوا ان تعدلوا وههنا جدران ينصرف العدل الى معدنه لان ميادن الاروح والاشباح بعضها بعضا علة الفطرة وحب النساء من احكام العشق الروحانى وطلبا لمعدن حسن الازل فيكف يكون الاستطاعة من النفس بالعدل ينهن والروح فى طلب زيادة الحسن ابدا ولذلك قوله تعالى {وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} اى ازموا النفوس بازمة المجاهدةوالرياضة والمراقبة عند امتناعها من الخضوع عند امر خالقها قال الشيخ ابو عبد الرحمن السلمى فى قوله ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء فكيف يستطيعون العدل بينكم وبين الحق وليس من العدل ان تحب ما يشغلك عن حبيبك وليس من العدل ان تفتر عن طاعة من لا يفتر عن ترك وقال الواسطى فى قوله فلا تمليوا كل الميل الجوارح تبع القلب لانه امير امرك ان تخالفه اذا خالف الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء} اى محال ان تقدروا على ان تعدلوا وتسووا بينهن بحيث لا يقع ميل ما الى جانب احداهن فى شأن من الشؤون البتة ولذلك "حديث : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول "اللهم هذا قسمى فيما املك فلا تؤاخذنى فيما تملك ولا املك" " .تفسير : واراد به التسوية فى المحبة وكان له فرط محبة لعائشة رضى الله عنها {ولو حرصتم} اى على اقامة العدل وبالغتم فى ذلك {فلا تميلوا كل الميل} اى فلا تجوروا على المرأة المرغوب عنها كل الجور واعدلوا ما استطعتم فان عجزكم عن حقيقة العدل انما يصح عدم تكليفكم به لا بما دونه من المراتب الداخلة تحت استطاعتكم وما لا يدرك كله لا يترك كله وفى الحديث "حديث : استقيموا ولن تحصوا " .تفسير : اى لن تستطيعوا ان تستقيموا فى كل شىء حتى لا تميلوا {فتذروها} مجزوم عطف على الفعل قبله اى فلا تتركوا التى ملتم عنها حال كونها {كالمعلقة} وهى المرأة التى لا تكون ايما فتزوج ولا ذات بعل يحسن عشرتها كالشىء المعلق الذى لا يكون فى الارض ولا فى السماء وفى الحديث "حديث : من كانت له امرأتان فمال الى احداهما جاء يوم القيامة واحد شقيه مائل " .تفسير : وكان لمعاذ رضى الله عنه امرأتان فاذا كان عند احداهما لم يتوضأ فى بيت الاخرى فماتتا فى الطاعون فدفنهما فى قبر واحد {وان تصلحوا} ما كنتم تفسدون من امروهن {وتتقوا} الميل فيما يستقبل {فان الله كان غفورا} يغفر لكم ما مضى من ميلكم {رحيما} يتفضل عليكم برحمته.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولن تستطيعوا}، يا معشر الأزواج، {أن تعدلوا بين النساء} العدل الكامل التام في الأقوال والأفعال والنفقة والكسوة والمحبة، {ولو حرصتم} على ذلك لضعف حالكم، وقد خففت عنكم، وأسقطت الحرج عنكم، فلا يجب العدل في البيت فقط، وكان صلى الله عليه وسلم يَقسِمُ بين نِسَائِه فيعِدلُ ويقُولُ: " حديث : اللهمَّ هذه قسمتي فِيمَا أملِك، فلا تُؤاخِذني فيمَا لا أملِكُ" تفسير : ، يعني: ميل القلب، وكان عمر رضي الله عنه يقول:(اللهم قلبي فلا أملكُه، وأما سوى ذلك فإني أرجو أن أعدل)، وأما الوطء فلا يجب العدل فيه، إلا أن تتحرك شهوته، فيكف لتتوفر لذته للأخرى. {فلا تميلوا} إلى المرغوب فيها لجمالها أو شبابها، {كُلَّ الميل} بالنفقة والكسوة والإقبال عليها، وتَدَعُوا الأخرى {كالمعلقة} التي ليست ذات بعل ولا مطلقة، كأنها محبوسة مسجونة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كانت له أمَرأتانِ يَميلُ معَ إحدَاهما، جَاء يومَ القِيَامَةِ، وأحَدُ شِقّيه مَائِلٌ "تفسير : ، {وإن تصلحوا} ما كنتم تفسدون في أمورهن بالعدل بينهن، {وتتقوا} الجور فيما يستقبل، {فإن الله كان غفورًا رحيمًا}، يغفر لكم ما مضى من ميلكم. الإشارة: من شأن العبودية: الضعف والعجز، فلا يستطيع العبد أن يقوم بالأمور التي كلف بها على العدل والتمام، ولو حرص كل الحرص، وجدَّ كل الجد، فلا يليق به إلا التحقق بوصفه والرجوع إلى ربه، فيأتي بما يستطيع ولا يحرص على ما لا يستطيع، فلا يميل إلى الدعة والكسل كل الميل، ولا يحرص على ما لا طاقة له به كل الحرص، فإن التعقيد ليس من شأن أهل التوحيد، بل من شأنهم مساعفة الأقدار، والسكون تحت أحكام الواحد القهار، فلا تميلوا إلى التعمق والتشديد كل الميل، فتتركوا أنفسكم كالمُعلَّقة، أي: المسجونة، وهذا من شأن أهل الحجاب، يُحبسون في المقامات والأحوال تشغلهم حلاوة ذلك عن الله تعالى. فإذا فقدوا ذلك الحال أو المقام سلبوا وأفلسوا. وأهل الغنى بالله لا يقفون مع حال ولا مقام، هم مع مولاهم، وكل ما يبرز من عنصر القدرة قبلوه، وتلونوا بلونه، وهذا مقام التلوين بعد التمكين. وفي إشارة أخرى: اعلم أن القدرة والحكمة كالزوجين للقلب، يقيم عند هذه مدة، وعند هذه أخرى، فإذا أقام عند الحكمة كان في مقام العبودية من جهل وغفلة وضعف وذلة، وإذا أقام عند القدرة كان في مقام شهود الربوبية فيكون في علم ويقظة وقوة وعزة. ولا قدرة له على العدل بينهما، فلا يميل إلى إحداهما كل الميل بل يسير بينهما، ويعطي كل ذي حق حقه، بأن يعرف فضلهما، ويسير بكل واحد منهما. وإن تصلحوا قلوبكم وتتقوا ما يشغلكم عن ربكم، فإن الله كان غفورًا رحيمًا؛ يغفر لكم ميلكم إلى إحدى الجهتين والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : [المعنى]: نفى الله تعالى في هذه الآية ان يقدر احد من عباده على التسوية بين النساء والازواج في حبهنّ والميل إليهن حتى لا يكون ميله الى واحدة منهنّ الا مثل ما يميل الى الاخرى. لان ذلك تابع لما فيه من الشهوة، وميل الطبع. وذلك من فعل الله تعالى، ولا صنع للخلق فيه، وان حرص على ذلك كل الحرص. وليس يريد بذلك نفي القدرة على التسوية بينهن في النفقة، والكسوة والقسمة، لأنه لو كان كذلك لما أمر الله تعالى بالتسوية في جميع ذلك، لانه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه. كما قال: {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : وقال: {أية : لا يكلف الله نفساً إلا ما أتاها} تفسير : ولا تجوز المناقضة في كلامه تعالى. ولو حملنا على انه نفى الاستطاعة في التسوية بينهن في النفقة، جاز أن يكون المراد به ان ذلك لا يخف عليكم بل يثقل ويشق عليكم تسويتهن، لميلكم الى بعضهن، فاباح الله تعالى حينئذ ورخص ان يفضل بعضهن على بعض في ما زاد على الواجب من القسمة والنفقة، ولا يؤاخذه بذلك. وقوله: {فلا تميلوا كل الميل} معناه فلا تعدلوا باهوائكم عمن لم تملكوا محبته منهن كل الميل حتى يحملكم ذلك على أن تجوروا على صواحبها في ترك أداء الواجب لهن عليكم من حق القسمة، والنفقة والكسوة، والعشرة بالمعروف، {فتذروها كالمعلقة}، يعني تذورا التي لا تميلون اليها كالمعلقة يعني كالتي هي لا ذات زوج، ولا هي ايم. وبه قال مجاهد وعبيدة، والحسن وابن عباس، وقتادة وابن زيد والضحاك وسفيان، والطبري والجبائي والبلخي وغيرهم. وهو المروي عن ابي جعفر (عليه السلام) وابى عبد الله (عليه السلام). وروى ابو ملكية أن الآية نزلت في عائشة وروى ابو قلابة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انه كان يقسم بين نسائه ويقول: اللهم هذه قسمتي في ما املك فلا تلمنى فيما تملك، ولا املك وقوله: {وإن تصلحوا} يعني في القسمة بين الازواج والتسوية بينهن في النفقة، والكسوة والعشرة بالمعروف، وتتركوا الميل الذي نهاكم الله عنه، من تفضيل واحدة على الاخرى في ذلك، {فإن الله كان غفوراً رحيماً} تستر عليكم ما مضى منكم من الحيف في ذلك اذا تبتم، ورجعتم الى الاستقامة والتسوية بينهن، ويرحمكم بترك المؤاخذة على ذلك، وكذلك كان يفعل فيما مضى مع غيركم يعني في قبول التوبة من كل تائب مقلع نادم على ما فرط وروي عن علي (عليه السلام) انه كان له امرأتان، فكان إذا كان يوم واحدة لا يتوضأ في بيت الاخرى. وروي عن جعفر بن محمد عن ابيه عن ابائه (عليهم السلام) ان النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقسم بين نسائه في مرضه، فيطاف [به] بينهن، وكان معاذ بن جبل له امرأتان ماتتا في الطاعون أقرع بينهما ايهما تدفن قبل الأخرى؟.
الجنابذي
تفسير : {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ} لفظة لن للتّأبيد اشارة الى انّه كالمحال {أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ} فانّ العدل التّسوية بينهنّ وهى ان كانت ممكنةً بحسب الظّاهر فليست بمقدورة بحسب ميل القلب {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} على العدل بينهنّ، عن النّبىّ (ص) انّه كان يقسم بين نسائه ويقول: "حديث : اللّهم هذه قسمتى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا املك" تفسير : {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} بسراية ميل الباطن الى احديهنّ وكراهة الاخرى الى الظّاهر فتجعلوا قسامتهنّ وغير قسامتهنّ مطابقة لميلكم الباطنىّ بهنّ {فَتَذَرُوهَا} اى المكروهة {كَٱلْمُعَلَّقَةِ} الّتى لا بعل لها ولا اختيار لها لنفسها، روى انّ عليّاً (ع) كان له امرأتان وكان اذا كان يوم واحدة لا يتوضّأ فى بيت الاخرى، فواحسرتاه على العدول الّذين فى زماننا وقسامتهم بين ازواجهم كسائر موارد عدلهم.! {وَإِن تُصْلِحُواْ} انفسكم بتقليل تفاوت الميل القلبىّ بقدر ما يمكن وتسوية التّرحّم عليهنّ باتّصافكم بالرّحمة الّتى هى من صفات الله {وَتَتَّقُواْ} عن الانزجار القلبىّ عمّن تكرهونهنّ بالاغضاء عن نقائصهنّ ومعايبهنّ الّذى هو المغفرة لهنّ صرتم متخلّقين باخلاق الله ومستحقّين لرحمته ومغفرته لتخلّقكم بهما {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} فاقيم السّبب مقام المسبّب، او المعنى ان تصلحوا ما افسدتم بالميل الكلّىّ وتتّقوا عن الافساد فيما يأتى صرتم احقّاء برحمته ومغفرته، او المعنى وان توقّعوا الصّلح وتتّقوا عن الفرقة بالتّرحم عليهنّ والمغفرة لهنّ صرتم مستحقّين لرحمه بقرينة مقابلته لقوله تعالى {وَإِن يَتَفَرَّقَا}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} أي في النكاح والحب. قال مجاهد: أي: لن تستطيعوا العدل بينهن {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ} أي لا تعمّدوا الإِساءة. وقال الحسن: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ} فتأتي واحدة وتترك الأخرى. قال: {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} أي كالمسجونة. قال الحسن: أي لا أيّم ولا ذات بعل. {وَإِن تُصْلِحُوا} الفعل في أمرهن {وَتَتَّقُوا} الميل والجور {فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}. قوله: {وَإِن يَتَفَرَّقَا} أي بالطلاق {يُغْنِ اللهَُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} أي من فضله {وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً} يعني واسعاً لهما في الرزق، حكيماً في أمره. قوله: {وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} أي غنياً عن خلقه حميدا بما أنعم عليهم. {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} أي لمن توكَّل عليه. قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ} أي بعذاب الاستئصال {وَيَأتِ بِآخَرِينَ} أي يطيعونه {وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً} وهو كقوله: (أية : وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) تفسير : [محمد:38] في الخلاف والمعصية: يعني بهذا المشركين.
اطفيش
تفسير : {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ}: كل العدل. {وَلَوْ حَرَصْتُمْ}: على العدل وبالغتم فيه، لأن العدل كل العدل لأن يقع ميل البتة ولو بالطبع، لأن الزوج لا بد أن تكون احدى نسائه أحب الى قلبه من غيرها، وأن ترزق حال الجماع ما لا يرزق غيرها، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فى صحيح الربيع المسند، حديث : يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذه قسمتى فيما أملك فلا تؤاخذنى فيما تملك ولا أملكتفسير : " والخطاب هنا للأزواج الرجال، لأنهم هم عليهم العدل، وأما فى {أية : وان تحسنوا وتتقوا }تفسير : فلهم أيضا، وقيل: لهم والأزواج الاناث، لأن المرأة تحسن بترك حقها أو بعضه أيضا، وتنفى عصيانه ولو أعرض ونشز. {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ}: وهو أن تجمعوا الميل الذى تستطيعون تركه الى الميل القلبى الضرورى، فمن الذى يستطاع تركه أن يعطى الأخرى من الأيام أو المال، أكثر مما يعطيها، أو ينطق بما فى قلبه من حب الأخرى فتستمعه، أو ينقل اليها أو يذمها، وفى السير عن بعض أصحابنا رحمهم الله يقول: رحم الله الشيخ فلانا كنت أقول: ما يدرك كله يترك كله، فقال: ما لا يدرك كله يترك كله. {فَتَذَرُوهَا}: تتركوها. {كَالمُعَلَّقَةِ}: وهى المرأة التى ليست ذات بعل ولا مطلقة، كالتى أنكر زوجها أن تكون زوجة له، وأقرت هى أنها زوجته، وذلك ريثما يكون الحكم فانها ليست ذات بعل فى الحكم لعدم بينتها، ولا مطلقة اذ قد أثبتت الزوجية، وكالتى لها زوج كلا زوج مثل العنين ريثما يكون الحكم أو حدثت له العتقة، وكالتى تزوجت طفلا، أو كان زوجها غائبا طائل الغيبة أو مفقود أو غائبا غيبة أخت الفقد، وكالتى أساء زوجها اليها لا ينفقها ولا يجامعها، وذلك مأخوذ من كون الشىء معلقا لا هو فى الأرض ولا هو فى السماء، وقرأ الى: فتذروها كالمسجونة، ولذلك فسر بعضهم المتعلقة المسجونة، وكذلك فسرها الحسن. قال أبو هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " تفسير : ويروى: "حديث : وأحد شقيه مائل " تفسير : وبعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى خلافته الى أزواج النبى صلى الله عليه وسلم بمال فقالت عائشة: الى كل أزواج النبى صلى الله عليه وسلم بعث عمر مثل هذا؟ قالوا: لا بعث الى القريشيات بمثل هذا والى غيرهن بغيره، فقالت: ارفع رأسك فان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا فى القسمة بماله ونفسه، فرجع الرسول فأخبره، فأتم لهن جميعا. وكان لمعاذ امرأتان فاذا كان عند أحداهما لم يتوضأ فى بيت الأخرى، فماتتا فى الطاعون فدفنهما فى قبر واحد، وتذروا منصوب فى جواب النهى، فالمعنى النهى عن الجمع بين كل الميل وتركها كالمطلقة، لكن ذلك لازم ترتيب فانه اذا مال الرجل لزم كل الميل، لزم أن تكون كالمطلقة، أو مجزوم بالعطف فالمعنى النهى عن كل واحد، أى فلا تذروها كالمعلقة، وهذا أبلغ والأول أظهر، وكل مفعول مطلق باضافته لمصدر ناصبه، والهاء فى تذروها عائد الى النساء بتأويل الجماعة، أو الى المرأة الواحدة اعتبارا لك فرد فى قوله: {فَلا تَمِيلُوا} وقوله تذروا مع زوجته أى لا يميل كل واحد عن زوجته، فيذر كل احد زوجته كالمعلقة. {وَإِن تُصْلِحُوا}: تداركوا ما ضيعتم من حقوقهن، لأن تضييعها افساد، وتداركها اصلاح للفساد، وذكر هناك الاحسان وهنا الاصلاح، لأن ما هنالك مندوب اليه وما هنا لازم. {وَتَتَّقُوا}: تحذروا الجور فى القسم فى المستقبل. {فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}: يغفر لكم ما مضى لتدارككم اياه بالاصلاح، ورحمكم اذ لم يكلفكم ما لا تطيقون، ويجب العدل فى البيوتة وفى الجماع، وقيل فيها دونه، لأنه عن نشاط، وقيل قلب وللحرة ليلتان، وللزوجة الأمة ليلة واذا تزوج جديدة خصها بسبع ان كانت بكر أو بثلاث ان كانت ثيبا، ثم يستوى. قال أبو قلابة: عن أنس من السنة أن يقيم عند البكر اذا تزوجها على الثيب سبعا ثم قسم، وعند الثيب اذا تزوجها ثلاثا ثم يقسم، قال أبو قلابة: لو شئت لرفعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واذا أراد السفر بأحد نسائة أقرع بينهن كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل، ولا يلزمه أن يقسم لغير من لها القرعة مالها اذا رجع، ولو طال السفر ان لم يزد مقامه على مدة المسافر، ومن أراد سفر نقلة فعليه نقل نسائه كلهن الا ان رضى ورضين بالمقام، وان شرطن أن لا ينقلهن لم يجب النقل الا برضاهن.
اطفيش
تفسير : {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ} نظرا، وكلاما، وإقبالا، ومؤانسة، ونفقة وقسمة، وغير ذلك {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} وصرفتم مجهودكم فى العدل،كما لا تستطيعون بلوغ حق الوالدين والميزان وأول الوقت، {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} بتعمد ترك ما قدرتم عليه من العدل وفى ذلك إباحة ما هو كالضرورى إلى الطاقة، فإنه من ترك ما قدر عليه عمدا فقد مال حينئذ كل الميل فى هذه الفعلة، كما أنه من خرج من الباب ولو مرة فقد خرج خروجا كليا، أى خالصا ولو رجع، وما لا يدرك كله لا يترك بعضه، وإن شئت فقل ما لا يدرك بعضه لا يترك كله، أو ما لا يدرك كله لا يترك كله، وكان صلى الله عليه وسلم لا تجب عليه العدالة ويعدل، ويقول: حديث : اللهم هذه قسمتى فيما أملك، فلا تؤاخذنى فيما تملك ولا أملكتفسير : ، وهذا كما قال الله عز وجل: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم}، وعن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كانت له امرأتان يمهل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل"تفسير : ، ولفظ ابى داود والترمذى والنسائى عن أبى هريرة: ساقط بدل مائل قال جابر بن زيد: كانت لي امرأتان، فلقد كنت أعد بينهما حتى أعد القبل، وذكر مجاهد أنهم كانوا يستحبون أن يسووا بين الضرائر حتى إنه يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه، وكره ابن سيرين أن يتوضأ فى بيت هذه دون أخرى {فتذَرُوهَا} منصوب فى جواب النفى، مفيد للتفريغ فقط، أو مجزوم عطفا على مدخول لا، وهو أبلغ، كأنه قيل لا تميلوا فلا تذروا {كَالْمُعَلَّقَةِ} لا باعل ولا مطلقة ولا غير متزوجة هذا فرض مسألة، ولا يلزم وجودها، ويتصور فيمن عقد عليها وتأخر شأنها إلى أمر، كرضى الزوج أو رضاها، وإلى انكشاف أمر منهم، وذلك تشبيه بمن علقت، فلا هى فى السماء ولا فى الأرض لتستريح {وَإن تُصْلِحواْ} ما أَفسدتم من شأنهن {وَتَتَّقُواْ} إفساد شأنهن بعد {فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} لكل تائب مدارك لإصلاح ما أفسد، أو هو يغفر لكم ما صدر منكم من الميل، إن تبتم وأصلحتم ما أفسدتم.
الالوسي
تفسير : {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء} أي لا تقدروا ألبتة على العدل بينهن بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب / [إحداهن] في شأن من الشؤون كالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه. وأخرج البيهقي عن عبيدة أنه قال: لن تستطيعوا ذلك في الحب والجماع، وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال: في الجماع، وأخرج ابن أبـي شيبة عن الحسن وابن جرير عن مجاهد أنهما قالا: في المحبة، وأخرجا عن أبـي مليكة أن الآية نزلت في عائشة رضي الله تعالى عنها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبها أكثر من غيرها، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم عنها أنها قالت: «حديث : كان النبـي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»تفسير : وعنى صلى الله عليه وسلم: «بما تملك» المحبة وميل القلب الغير الاختياري {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} على إقامة ذلك وبالغتم فيه {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} أي فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها حقها من غير رضا منها واعدلوا ما استطعتم فإن عجزكم عن حقيقة العدل لا يمنع عن تكليفكم بما دونها من المراتب التي تستطيعونها، وانتصاب {كُلَّ} على المصدرية فقد تقرر أنها بحسب ما تضاف إليه من مصدر أو ظرف أو غيره {فَتَذَرُوهَا} أي فتدعوا التي ملتم عنها {كَٱلْمُعَلَّقَةِ} وهي كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: التي ليست مطلقة ولا ذات بعل، وقرأ أبيّ ـ كالمسجونة ـ وبذلك فسر قتادة المعلقة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير المنصوب في {تذروها} وجوز السمين كونه في موضع المفعول الثاني لتذر على أنه بمعنى تصير، وحذف نون {تذروها} إما للناصب وهو أن المضمرة في جواب النهي، إما للجازم بناءاً على أنه معطوف على الفعل قبله، وفي الآية ضرب من التوبيخ، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط»تفسير : ، وأخرج غير واحد عن جابر بن زيد أنه قال: ـ كانت لي امرأتان فلقد كنت أعدل بينهما حتى أعدّ القبل ـ، وعن مجاهد قال: كانوا يستحبون أن يسووا بين الضرائر حتى في الطيب يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه، وعن ابن سيرين في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى. {وَإِن تُصْلِحُواْ} ما كنتم تفسدون من أمورهن {وَتَتَّقُواْ} الميل الذي نهاكم الله تعالى عنه فيما يستقبل {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً} فيغفر لكم ما مضى من الحيف {رَّحِيماً} فيتفضل عليكم برحمته.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} هذا العدل الذي ذكر تعالى هنا أنه لا يستطاع هو العدل في المحبة، والميل الطبيعي. لأنه ليس تحت قدرة البشر بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع، وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} تفسير : [النساء: 3]. أي: تجوروا في الحقوق الشرعية، والعرب تقول: عال يعول إذا جار ومال، وهو عائل، ومنه قول أبي طالب: شعر : بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل تفسير : أي: غير مائل ولا جائر، ومنه قول الآخر: شعر : قالوا تبعنا رسول الله واطرحوا قول الرسول وعالوا في الموازين تفسير : أي: جاروا، وقول الآخر: شعر : ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيالي تفسير : أي: جار ومال. أما قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري: شعر : وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل تفسير : وقول جرير: شعر : الله نزل في الكتاب فريضة لابن السبيل وللفقير العائل تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} تفسير : [الضحى: 8] فكل ذلك من العيلة، وهي الفقر. ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} تفسير : [التوبة: 28] الآية. فعال التي بمعنى جار واوية العين، والتي بمعنى افتقر يائية العين. وقال الشافعي - رحمه الله - معنى قوله: {أية : أَلاَّ تَعُولُواْ}تفسير : [النساء: 3]. أي: يكثر عيالكم من عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقول بعضهم: إن هذا لا يصح وإن المسموع أعال الرجل بصيغة الرباعي على وزن أفعل فهو معيل إذا كثر عياله فلا وجه له. لأن الشافعي من أدرى الناس باللغة العربية. ولأن عال بمعنى كثر عياله لغة حمير، ومنه قول الشاعر: شعر : وأن الموت يأخذ كل حي بلا شك وإن أمشى وعالا تفسير : يعني: وإن كثرت ماشيته وعياله، وقرأ الآية طلحة بن مصرف ألا تعيلوا بضم التاء من أعال إذا كثر عياله على اللغة المشهورة.
القطان
تفسير : فتذروها: فتتركوها. المعلّقة: التي ليست مطلَّقة ولا ذات بعل. من سعته: من غناه. مهما حرصتم على العدل والمساواة بين الزوجات، حتى لا يقع ميل الى احداهن، فلن تستطيعوا ذلك. وحتى لو قدرتم عليه لما قدرتم على إرضائهن به. فالعدل الكامل ههنا في حكم المستحيل. اذ لا بد ان يميل الزوج بقلبه الى واحدة أكثر من الاخرى.. من ثَم رفع الله عنكم ذلك، وما كلّفكم الا العدلَ فيما تستطيعون بشرط ان تبذلوا فيه وسعكم، لان الميل القلبي لا يملكه المرء. "حديث : وقد كان رسول الله يقسم بين نسائه فيعدل: ثم يقول: اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تُلمْني فيما تملك ولا أملك"تفسير : ، يعني القلب. {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} اذا كان العدل الكامل غير مستطاع فعليكم ألا تميلوا كل الميل الى من تحبون منهن وتعرضوا عن الأخرة، فتتركونها كأنها ليست زوجة، ولا مطلّقة. وعليكم ان تصلحوا في معاملة النساء وتتقوا ظلمهن ولا تفضّلوا بعضهن على بعض فيما يدخل في اختياركم كالقسم والنفقة، والله يغفر لكم ما لا يدخل في اختياركم كالحبّ وزيادة الإقبال. ثم يبين الله تعالى ان الفراق قد يكون فيه الخير ان لم يكن هناك وفاق. {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} اذا لم يُمكن الإصلاح واستحكمتِ النفرة، فان التفريق أفضلُ إذ ذاك. والله تعالى يغني كليهما من سعة رحمته وفضله. الأرزاق بيده، وهو واسع الرحمة، وحكيم فيما شرع من الأحكام.
د. أسعد حومد
تفسير : (129) - وَلَنْ يَسْتَطِيعَ الرِّجَالُ أنْ يُسَاوُوا فِي المُعَامَلَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ، مِنْ جَمِيعِ الوُجُوهِ، فَإنْ وَقَعَ القَسْمُ الصُّوَرِيّ لَيْلَةً وَلَيْلَةً، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي المَحَبَّةِ، وَالرَّغْبَةِ (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي قِسْمَتِهِ بَيْنَ نِسَائِهِ "حديث : اللهمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أمْلِكُ فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا لاَ أمْلِكُ"تفسير : ) - وَيَعْنِي القَلْبَ. وَاللهُ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفِ النَّاسَ إلاّ العَدْلَ فِيمَا يَسْتَطِيعُونَ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: فَإِذَا مِلْتُمْ إلى وَاحِدَةٍ تُحِبُّونَها مِنْهُنَّ، فَلا تُبَالِغُوا فِي المَيْلِ إلَيهَا فَتَبْقَى الأخْرى مُعَلَّقَةً، لاَ هِيَ بِذَاتِ زَوْجٍ، وَلاَ هِيَ مُطَلَّقَةً. وَإن أصْلَحْتُمْ في مُعَامَلَةِ النِّسَاءِ، وَاتَّقَيْتُمْ ظُلْمَهُنَّ، وَتَفضِيلَ بَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ، وَعَدَلْتُمْ بَيْنَهُنَّ فِيما يَدْخُلُ فِي اخْتِيَارِكُمْ كَالقَسْمِ وَالنَّفَقَة وَاتَّقَيْتُمْ فِي جَميع الأحْوَالِ، غَفَرَ اللهُ لَكُمْ مَا كَانَ مِنْ مَيْلٍ إلى بَعْضِ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ. أنْ تَعْدِلُوا - فِي المَحَبَّةِ وَمَيْلِ القَلْبِ وَالمُؤَانَسَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي أن العدل الحبّي مستحيل. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (اللهم هذا قَسْمِي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) - يعني القلب -. إذن ففيه فرق بين ميل القلب وهو مواجيد نفسية والنزوع النفسي. والعملية الوجدانية لا يقدر عليها أحد، ولا يوجد تقنين يقول للرجل: "أحب فلانة".. إلا إذا أراد الحب العقلي، أما الحب العاطفي فلا. والذي يأمر به الشرع هو أن يحب الإنسان بالعقل، أما حب العاطفة فلا تقنين له أبداً. وقد يحب الإنسان الدواء المر بعقله لا بعاطفته ويسرّ الإنسان من صديق جاء بهذا الدواء من الخارج؛ لأن الدواء سيشفيه بإذن الله. إذن {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ}، ما هو كل الميل؟ ويوضحه - سبحانه - بقوله: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ} وهي المرأة التي لا هي أيّم أي لا زوج لها فتطلب الزواج، ولا هي متزوجة فتستمتع بوجود زوج، ويحجزها الرجل دون أن يمارس مسئوليته عنها، فيوضح الحق: أنا لا أطلب منك أن تميل بقلبك هنا، أو هناك؛ لأن هذه المسألة ليست ملكاً لك، ولكني أريد العدالة في الموضوعات الأخرى؛ كأن تسوّي في البيتوتة والنفقة، ومطلوبات أولادك، وأن تعدل بين أزواجك في المؤانسة. أما المعنى الآخر وهو ميل القلب فأنا لا أكلف به. وسبحانه حين يشرّع لخلقه أعلم بمن خلق، وقد جعل لكل مخلوق منا عواطف ينشأ عنها ميل، وجعل له غرائز، وخيارات في الانفعالات ولو أراد سبحانه أن يحجر على الميل لما خلقه، ولكنه - جل وعلا - يطلق الميول لتتم بالميول مصالح الكون مجتمعة، فحين يمنح القلب أن يحب، يعلم سبحانه أن عمارة الكون تنشأ بالحب. فلو لم يحب العالم أن يكتشف أسرار الله في خلقه لما حمَّل نفسه متاعب البحث والاطلاع والتجربة، وكل ما يترتب على ذلك من مشقات. ولو لم يحب الإنسان إتقان عمله لما رأيت عملاً مجوَّداً. ولو لم يحب الإنسان أولاده لما تحمل المشقة في تبعات تربيتهم. إذن فالحب له مهمة. والله لا يريد منا أن نمنع الحب. لكنه يريد منا أن نعلي مطالب الحب، فنجعل للحب مجالاته المشروعة لا أن ينطلق الحب في الكون ليعربد في أعراض الناس. إنك حين تجعل الحب موجهاً إلى خير لا يأتيك منه أو للناس شرّ. وعندما ننظر - مثلا - إلى دافع وغريزة حب الاستطلاع نجد أن الله قد خلقها في الإنسان ليصعد ابتكاراته المسعدة في الحياة. ولو لم توجد غرائز حب الاستطلاع لما تعب المكتشف في أن يبتكر شيئاً أو يخترعه ويكتشفه حتى يريحنا نحن البشر، ولما فكر الإنسان في أن يستعمل البخار ليحمل عن الناس مشقات السفر ومشقات حمل الثقيل. إن هذا الاكتشاف أراحنا باختراع الباخرة أو القطار. ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يعلي غريزة حب الاستطلاع فينبغي أن نجعلها في مجالها المشروع فلا نجعلها تجسساً على عورات الناس مثلاً، وكذلك جعل الله غريزة المال في الإنسان؛ لأن حب المال يدفع الإنسان إلى أن يعمل، ويستفيد الناس من عمله أراد أو لم يرد. كذلك غريزة الجنس جعلها الله في الإنسان ولها سعار ليحفظ بها النوع الإنساني. إنّه سبحانه لا يريد منها أن تنطلق انطلاقاً يلغ في أعراض الناس. إذن فالغرائز خلقها الله لمهمة. والشرائع جاءت لتحفظ الغرائز في مجال مهمتها وتمنع عنها انطلاقاتها المسعورة في غير المجالات التي حددها لها المنهج. إذن فالميل أمر فطري في النفس البشرية وقد أوضح الحق سبحانه: أنا خلقت الميل ليخدم في عمارة الكون، ولكن أريد منكم أن تصعدوا الهوى وتعلوه في هذا الميل، وحين تعددون الزوجات. لا أطلب منكم البعد عن كل الميل؛ لأن ذلك أمر لا يحكمه منطق عقلي، ولكن أحب أن تحددوا الميل وتجعلوه في مجاله القلبي فقط، ولا يصح أن يتعدى الميل عند أحدكم إلى ميله القالبي. أحب أيها العبد المؤمن من شئت وأبغض من شئت، لكن لا تجعل هذا الحب يقود قالبك لتعطي من تحب خير غيره ظلماً، وأبغض أيها العبد من شئت، فلا يستطيع مقنن أن يقنن للقلب أن يبغض أو يحب، لكن بغضك لا تعديه عن قلبك إلى جوارحك لتظلم من تبغض. ولنا الأسوة في سيدنا عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - حينما مرّ عليه قاتل أخيه، ولفت نظره جليس له: هذا قاتل أخيك. هنا قال عمر - رضي الله عنه -: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟ كأن إسلام هذا القاتل قد أنهى المسألة عند عمر - رضي الله عنه. وعندما جاء هذا القاتل لمجلس عمر، قال له سيدنا عمر: إذا أقبلت عليّ إلوِ وجهك عني، لأن قلبي لا يرتاح لك. فسأل الرجل: أو عدم حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي؟. قال عمر: لا. قال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء. هذا عمر وهو الخليفة، والرجل من الرعية. لكن عمر الخليفة يخاف من الظلم، ويملك هذا الشخص وهو تحت إمرة وحكم الخليفة عمر - رضي الله عنه - قدرة الرفض لمشاعر الحب أو الكراهية ما دامت لا تمنع حقوقه كمواطن. إن الحق سبحانه وتعالى حينما يخلق ميول القلوب يضع أيضاً القاعدة: إياك أيها المؤمن أن تعدي ميل القلب إلى القالب، وليكن ميل القلب كما تحب. كذلك إن أنت أيها المؤمن تزوجت وبعد ذلك تزوجت امرأة أخرى فالمنهج لا يطلب منك أن تعدل العدل المطلق الذي ينصب على شيء لا تملكه وهو ميل قلبك. ولكن المنهج يضع لك القواعد التي يسير عليها سلوك قالبك. وعليك أن تعدل في قسمة الزمن والنفقة والكسوة وبشاشة الوجه وحسن الحديث. ولا تخضع ذلك لميل القلب، وبعد ذلك أنت وقلبك أحرار. ونرى بعضا من الذين يحبون أن يظهروا بين الناس كفاهمين للقرآن أو دعاة تجديد، يركبون الموجة ضد التعدد. ونقول: قبل أن يركب الواحد منكم الموجة ضد التعدد، ويقف منه موقف الرافض له مدعيا أنه يفهم النص القرآني، إنّنا نقول له: عليك أن تبحث عن أسباب السخط على التعدد، هي ليست من التعدد في ذاته، ولكنها تأتي من أن المسلم يأخذ إباحة الله للتعدد. ولا يأخذ حكم الله في العدالة. فلو أن المسلم أخذ بالعدالة مع التعدد لما وجدنا مثل هذه الأزمة. ولذلك يقول الواحد من هؤلاء: إن الحق سبحانه وتعالى أمر بلزوم واحدة والاقتصار عليها عند خوف ترك العدل في التعدد فقال: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} تفسير : [النساء: 3] ثم جاء في آية أخرى وقال: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ}. ونقول: إن الواحد منكم إن أراد أن يفهم القرآن، فعليه أن يعلم أن الحق سبحانه لم يقف في هذه الآية عند قوله: (ولو حرصتم) إنما فرع على عدم الاستطاعة في العدل فقال: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} إنه - سبحانه - فرع على عدم الاستطاعة في العدل فأمر بعدم الميل كل الميل. وتلك حكمة المشرع الأول الذي يعلم مَن خلق وكيف خلق. ولو أن الحق لم يفرِّع على "ولن تستطيعوا" لجاز لهؤلاء الذين يركبون الموجة المطالبة بعدم التعدد أن يقولوا ما يقولون؛ لذلك نقول لهم: انتبهوا إلى أن الحق سبحانه أوضح: عدم استطاعتكم للعدل هو أمر أنا أعلمه، ولذلك أطلب منكم ألا تميلوا كل الميل وذلك باستطاعتكم. ومعنى هذا أنه سبحانه قد أبقى الحكم ولم يسلبه. {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ}. وفي هذا القول أمر بألا يترك الرجل زوجته الأولى كالمعلقة وهي المرأة التي لم يتحدد مصيرها ومسارها في الحياة، فلا هي بغير زوج فتتزوج، ولا هي متزوجة فتأخذ قسمها وحظها من زوجها، بل عليه أن يعطيها حظها في البيتوتة والنفقة والملبس وحسن الاستقبال والبشاشة والمؤانسة والمواساة. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}. وقوله: "تصلحوا" دليل على أنه كان هناك إفساد موجود والمطلوب أن نقوم بالبحث عن الأسباب التي جعلت الرجل يفسد في علاقته الزوجية ليقضي عليها. وبعد ذلك على المسلم أن يستأنف تقوى جديدة في المعاملة على ضوء ما شرع الله. وحين يصلح المسلم ما أفسد من جعل الزوجة الأولى كالمعلقة ويعطيها حقها في البيتوتة والنفقة ورعاية أولادها والإقبال عليها وعلى الأولاد بصورة طيبة فالله سبحانه يغفر ويرحم، ولا يصلح المسلم ما أفسد إلا وهو ينوي ألا يستأنف عملاً إلا إذا كان على منهج التقى، ويجد الحق غفوراً لما سبق ورحيماً به. وإن لم يستطع الرجل هذا، ولا قبلت المرأة أن تتنازل عن شيء من قسمها ترضية له تكن التفرقة - هنا - أمراً واجباً. فليس من المعقول أن نحكم الحياة الزوجية والحياة الأسرية بسلاسل من حديد، ولا يمكن أن نربط الزوجين بعدم الافتراق إن كانت القلوب متنافرة وكذلك لا نأمن على المرأة أن تعيش هكذا. إن الذي يقول: لا يصح أن نفرق بين الزوجين، نقول له: كيف تريد أن تحكم الحياة الزوجية بالسلاسل؟ والزواج صلة مبناها السكن والمودة والرحمة، فإن انعدمت هذه العناصر فكيف يستمر الزواج وكيف ترغم زوجاً على أن يعايش زوجة لا يحبها ولا يقبلها وترغم زوجة أن تعيش مع زوج لا تحبه؟ إن التفريق بينهما في مثل هذه الحالة قد يكون وسيلة أرادها الله سبحانه وتعالى ليرزق الزوج خيراً منها ويرزق الزوجة خيراً منه. وكثيراً ما شهدنا هذا في واقع الحياة، وعاش الزوج مع الزوجة الجديدة سعيداً، وعاشت الزوجة مع الزوج الجديد سعيدة، أما الذين تشدقوا بمسألة عدم التفريق مع استحالة الحياة الزوجية وهاجموا الإسلام في هذا المجال. فهم يرددون ما كان عند أهل الغرب: من أن الزواج لا انفصال فيه. إننا نرى العالم كله الآن بكل النصارى واليهود وغيرهم من الملل والنِّحَل يلجأون إلى الطلاق؛ لأن الأحداث اضطرتهم إلى أن يشرعوا الطلاق، فكأنهم ذهبوا إلى الإسلام لا على أنه إسلام، ولكن على أنه الحل الوحيد لمشكلاتهم. فإذا ثبت أن الذين يهاجمون جزئية من جزئيات الذين يضطرون إلهيا تحت ضغط الأحداث فيجب أن ننبههم إلى عدم التسرع والعجلة والحكم على قضايا الدين الإسلامي بأنها غير صالحة؛ لأن الحق أرغم من لم يكن مسلماً على أن ينفذ قضية إسلامية. فهو القائل: {وَإِن يَتَفَرَّقَا ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} معناهُ كَالمَسجُونةِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} إن كنتم ذوي أزواج فوق واحدة {لَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ} وتعاشروا بالقسط إلى ألاَّ يقع التفاوت والتفاضل {بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ} أصلاً {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} بالغتم في رعاية العدل؛ إذ الميل الطبيعي يأبى عن إقامة العدل، لذلك قيل: لا وجود للاعتدال الحقيقي سيما في أمثاله {فَلاَ تَمِيلُواْ} أي: فعليكم ألاَّ تميلوا، وتجانبوا عما تميلوا عنه {كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا} إلى حيث تتركوها { كَٱلْمُعَلَّقَةِ} لا أيماً ولا ذات بعل {وَإِن تُصْلِحُواْ} بعدما أفسدتم {وَتَتَّقُواْ} عن غضب الله في إضاعة حقها {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لجميع ما صدر ويصدر عنكم {كَانَ غَفُوراً} لكم بعد ما تبتم ورجعتم عما صدر عنكم {رَّحِيماً} [النساء: 129] لكم يقبل توبتكم إن أخلصتم فيها. {وَإِن} يتنازعون حتى { يَتَفَرَّقَا} وارتفع النكاح بينهما {يُغْنِ ٱللَّهُ} بفضله {كُلاًّ} منهما عن الآخر {مِّن سَعَتِهِ} أي: من سعة رحمته وبسطة رزقه وفسحة مملكته {وَكَانَ ٱللَّهُ} المتفضل لعباده { وَاسِعاً} لهم في عطائه {حَكِيماً} [النساء: 130] في إعطاء ما ينبغي. {وَ} كيف لا يكون واسع العطاء؛ إذ {للَّهِ} المنعك المفضل جميع {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} وما بينهما ملكاً وخلقاً، وتدبيراً وتصرفاً، وأيجاداً وإعداماً، وإبقاءً وإفناءً، وإذا كان الأمر على هذا فعليكم أن تتقوا من الله في السراء والضراء والخصب الرخاء {وَ} اعلموا أنا {لَقَدْ وَصَّيْنَا} من قمام فضلنا وجودنا {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} أي: اليهود والنصارى، وجميع من أنزل إليهم الكتاب في كتبهم {وَإِيَّاكُمْ} أيضاً في كتابكم هذا {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المالك لأزمة الأمور بالاستحقاق، وأطيعوا أمره وتوجهوا نحوه، ولا تكفروا به {وَإِن تَكْفُرُواْ} وتعرضوا عن غاية جهلكم وعنادكم عما فرض عليكم أصلاً إصلاحاً لحالكم، فاعلموا أن الله الغني بذاته لا يبالي بكفركم وإيمانكم {فَإِنَّ للَّهِ} رجوع {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} إرادة وطوعاً {وَ} مع ذلك {كَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً} مستغنياً في ذاته وصفاته عن العالمين، وعن كفرهم وإيمانهم {حَمِيداً} [النساء: 131] في نفسه حمد أو لم يحمد، وكيف لا يكون سبحانه غنيّاً في ذاته حميداً في نفسه؛ إذ ليس في الوجود غيره ولا شيء سواه ليحمده؟!.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى: أن الأزواج لا يستطيعون وليس في قدرتهم العدل التام بين النساء، وذلك لأن العدل يستلزم وجود المحبة على السواء، والداعي على السواء، والميل في القلب إليهن على السواء، ثم العمل بمقتضى ذلك. وهذا متعذر غير ممكن، فلذلك عفا الله عما لا يستطاع، ونهى عما هو ممكن بقوله: { فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ } أي: لا تميلوا ميلا كثيرا بحيث لا تؤدون حقوقهن الواجبة، بل افعلوا ما هو باستطاعتكم من العدل. فالنفقة والكسوة والقسم ونحوها عليكم أن تعدلوا بينهن فيها، بخلاف الحب والوطء ونحو ذلك، فإن الزوجة إذا ترك زوجها ما يجب لها، صارت كالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح وتستعد للتزوج، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها. { وَإِنْ تُصْلِحُوا } ما بينكم وبين زوجاتكم، بإجبار أنفسكم على فعل ما لا تهواه النفس، احتسابا وقياما بحق الزوجة، وتصلحوا أيضا فيما بينكم وبين الناس، وتصلحوا أيضا بين الناس فيما تنازعوا فيه، وهذا يستلزم الحث على كل طريق يوصل إلى الصلح مطلقا كما تقدم. { وَتَتَّقُوا } الله بفعل المأمور وترك المحظور، والصبر على المقدور. { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } يغفر ما صدر منكم من الذنوب والتقصير في الحق الواجب، ويرحمكم كما عطفتم على أزواجكم ورحمتموهن.
همام الصنعاني
تفسير : 650- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن أيوب، ع ابن سيرين، عن عُبَيْدة في قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ}: [الآية: 129]، قال: في المَودَّة، كأنَّهُ يعني الحب. 651- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ}: [الآية: 129]، قال: كالمسجونة المحبوسة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):