Verse. 623 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَاِنْ يَّتَفَرَّقَا يُغْنِ اللہُ كُلًّا مِّنْ سَعَتِہٖ۝۰ۭ وَكَانَ اللہُ وَاسِعًا حَكِيْمًا۝۱۳۰
Wain yatafarraqa yughni Allahu kullan min saAAatihi wakana Allahu wasiAAan hakeeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن يتفرقا» أي الزوجان بالطلاق «يُغن الله كلا» عن صاحبه «من سعته» أي فضله بأن يرزقها زوجا غيره ويرزقه غيرها «وكان الله واسعا» لخلقه في الفضل «حكيما» فيما دبره لهم.

130

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ }. وأعلم أنه تعالى ذكر جواز الصلح إن أرادا ذلك، فإن رغبا في المفارقة فالله سبحانه بيّـن جوازه بهذه الآية أيضاً، ووعد لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه بعد الطلاق، أو يكون المعنى أنه يغني كل واحد منهما بزوج خير من زوجه الأول، ويعيش أهنأ من عيشه الأول. ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً حَكِيماً } والمعنى أنه تعالى لما وعد كل واحد منهما بأنه يغنيه من سعته وصف نفسه بكونه واسعاً، وإنما جاز وصف الله تعالى بذلك لأنه تعالى واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، واسع القدرة، واسع العلم، فلو ذكر تعالى أنه واسع في كذا لاختص ذلك بذلك المذكور، ولكنه لما ذكر الواسع وما أضافه إلى شيء معين دلّ على أنه واسع في جميع الكمالات، وتحقيقه في العقل أن الموجود إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى، وما سواه ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الله الواجب لذاته، وإذا كان كذلك كان كل ما سواه من الموجودات فإنما يوجد بإيجاده وتكوينه، فلزم من هذا كونه واسع العلم والقدرة والحكمة، والرحمة، والفضل والجود، والكرم. وقوله {حَكِيماً } قال ابن عباس: يريد فيما حكم ووعظ وقال الكلبي: يريد فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} أي وإن لم يصطلحا بل تفرّقا فليحسنا ظنهما بالله، فقد يقيّض للرجل ٱمرأة تقرّ بها عينه، وللمرأة من يوسِّع عليها. وروي عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر، فأمره بالنكاح، فذهب الرجل وتزوّج؛ ثم جاء إليه وشكا إليه الفقر، فأمره بالطلاق؛ فسئل عن هذه الآية فقال: أمرته بالنكاح لعله من أهل هذه الآية: { أية : إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [النور: 32] فلما لم يكن من أهل تلك الآية أمرته بالطلاق فقلت: فلعله من أهل هذه الآية {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ}. قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} أي الأمر بالتقوى كان عاماً لجميع الأُمم: وقد مضى القول في التقوى. {وَإِيَّاكُمْ} عطف على {ٱلَّذِينَ}. {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في موضع نصب؛ قال الأخفش: أي بأن اتقوا الله. وقال بعض العارفين: هذه الآية هي رَحَى آي القرآن، لأن جميعه يدور عليها. قوله تعالى: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً. وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} إن قال قائل: ما فائدة هذا التكرير؟ فعنه جوابان: أحدهما ـ أنه كرر تأكيداً؛ ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته وملكه وأنه غني عن العالمين. الجواب الثاني ـ أنه كرر لفوائد: فأخبر في الأوّل أن الله تعالى يغني كلا من سعته، لأن له ما في السموات وما في الأرض فلا تنفذ خزائنه. ثم قال: أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى {وَإِن تَكْفُرُواْ} أي وإن تكفروا فإنه غني عنكم؛ لأن له ما في السموات وما في الأرض. ثم أعلم في الثالث بحفظ خلقه وتدبيره إياهم بقوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} لأن له ما في السموات وما في الأرض. وقال: {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} ولم يقل من في السموات؛ لأنه ذُهِب به مَذْهَب الجنس، وفي السموات والأرض من يعقل ومن لا يعقل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن يَتَفَرَّقَا } أي الزوجان بالطلاق {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ } عن صاحبه {مّن سَعَتِهِ } أي فضله بأن يرزقها زوجاً غيره ويرزقه غيرها {وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً } لخلقه في الفضل {حَكِيماً } فيما دبره لهم.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {يتفرقا} للزوجين اللذين تقدم ذكرهما، أي إن شح كل واحد منهما فلم يتصالحا لكنهما تفرقا بطلاق فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما عن صاحبه بفضله ولطائف صنعه، في المال والعشرة، والسعة وجود المرادات والتمكن منها، وذهب بعض الفقهاء المالكيين إلى أن التفرق في هذه الآية هو بالقول، إذ الطلاق قول، واحتج بهذه على قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" تفسير : إذ مذهب مالك في الحديث أنه التفرق بالقول لا بالبدن. قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في هذه الآية، لأن إخبارها إنما هو من افتراقهما بالأبدان، وتراخي المدة بزوال العصمة، و "الإغناء" إنما يقع في ثاني حال، ولو كانت الفرقة في الآية الطلاق لما كان للمرأة فيها نصيب يوجب ظهور ضميرها في الفعل، وهذه نبذة من المعارضة في المسألة، و "الواسع" معناه: الذي عنده خزائن كل شيء. وقوله تعالى: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} تنبيه على موضع الرجاء لهذين المفترقين، ثم جاء بعد ذلك قوله {وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض} تنبيهاً على استغنائه عن العبادة، ومقدمة للخبر بكونه غنياً حميداً، ثم جاء بعد ذلك قوله {ولله ما في السماوات وما في الأرض، وكفى بالله وكيلاً} مقدمة للوعيد، فهذه وجوه تكرار هذا الخبر الواحد ثلاث مرات متقاربة. وقوله تعالى {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} لفظ عام لكل من أوتيَ كتاباً، فإن وصية الله تعالى عباده بالتقوى لم تزل منذ أوجدهم، و "الوكيل": القائم بالأمور المنفذ فيها ما رآه. قوله تعالى: {أيها الناس} مخاطبة للحاضرين من العرب، وتوقيف للسامعين لتحضر أذهانهم، وقوله {بآخرين} يريد من نوعكم، وروي عن أبي هريرة أنه لما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على كتف سلمان الفارسي وقال: هم قوم هذا، وتحتمل ألفاظ الآية أن تكون وعيداً لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم، كما قد روي: أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل نبي آدم، وقدرة الله تعالى على ما ذكر تقضي بها العقول ببدائها، وقال الطبري هذا الوعيد والتوبيخ هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدرع والدقيق. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: وهذا تأويل بعيد واللفظ إنما يظهر حسن رصفه بعمومه وإنسحابه على العالم جملة أو العالم الحاضر.

النسفي

تفسير : {وَإِن يَتَفَرَّقَا } أي إن لم يصطلح الزوجان على شيء وتفرقا بالخلع أو بتطليقه إياها وإيفائه مهرها ونفقة عدتها {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ } كل واحد منهما {مِّن سَعَتِهِ } من غناه أي يرزقه زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشه {وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً } بتحليل النكاح {حَكِيماً } بالإذن في السراح، فالسعة الغنى والقدرة والواسع الغني المقتدر. ثم بين غناه وقدرته بقوله {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } خلقاً والمتملكون عبيده رقا. {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } هو اسم للجنس فيتناول الكتب السماوية {مِن قَبْلِكُم} مّن ٱلأمَمِ السالفة وهو متعلق بـ « وصينا»أو بـ «أتوا» {وَإِيَّـٰكُمْ } عطف على «الذين أوتوا» {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بأن اتقوا أو تكون «أن» المفسرة لأن التوصية في معنى القول، والمعنى أن هذه وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده ـ ولستم بها مخصوصين ـ لأنهم بالتقوى يسعدون عنده {وَإِن تَكْفُرُواْ } عطف على «اتقوا» لأن المعنى أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم إن تكفروا {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً } عن خلقه وعن عبادتهم {حَمِيداً } مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحَمده أحد. وتكرير قوله: «لله ما في السماوات وما في الأرض». تقرير لما هو موجب تقواه لأن الخلق لما كان كله له وهو خالقهم ومالكهم فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصي. وفيه دليل على أن التقوى أصل الخير كله، وقوله: «وإن تكفروا». عقيب التقوى دليل على أن المراد الاتقاء عن الشرك {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } فاتخذوه وكيلاً ولا تتكلوا على غيره. ثم خوفهم وبين قدرته بقوله {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } يعدمكم {أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـاخَرِينَ } ويوجد إنساً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين غير الإنس {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً } بليغ القدرة {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً } للأقوال {بَصِيراً } بالأفعال وهو وعد ووعيد. { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ } مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا {شُهَدَاءَ } خبر بعد خبر {لِلَّهِ } أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } ولو كانت الشهادة على أنفسكم والشهادة على نفسه هي الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق، وهذا لأن الدعوى والشهادة والإقرار يشترك جميعها في الإخبار عن حق لأحد على أحد غير أن الدعوى إخبار عن حق لنفسه على الغير، والإقرار للغير على نفسه، والشهادة للغير على الغير {أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ } أي ولو كانت الشهادة على آبائكم وأمهاتكم وأقاربكم {إِن يَكُنْ } المشهود عليه {غَنِيّاً } فلا يمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه {أَوْ فَقَيراً } فلا يمنعها ترحماً عليه {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } بالغني والفقير أي بالنظر لهما والرحمة. وإنما ثنى الضمير في «بهما» وكان حقه أن يوحد، لأن المعنى إن يكن أحد هذين لأنه يرجع إلى ما دل عليه قوله: «غنياً أو فقيراً». وهو جنس الغني والفقير كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الغني والفقير أي بالأغنياء والفقراء {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ } إرادة {أن تعدلوا} عن الحق من العدول أو كراهة أن تعدلوا بين الناس من العدل {وَإِن تَلُوُاْ } بواو واحدة وضم اللام: شامي وحمزة من الولاية {أَوْ تُعْرِضُواْ } أي وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها. غيرهما: «تلووا» بواوين وسكون اللام من اللي أي وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فيجازيكم عليه. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } خطاب للمسلمين {ءَامَنُواْ } اثبتوا على الإيمان ودوموا عليه، ولأهل الكتاب لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض، أو للمنافقين أي يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصاً {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ } أي الفرقان {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } أي جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب ويدل عليه قوله و «كتبه». نزل وأنزل بالبناء للمفعول: مكي وشامي وأبو عمرو، وعلى البناء للفاعل فيهما: غيرهم. وإنما قيل «نزل على رسوله» و «أنزل من قبل» لأن الفرقان نزل مفرقاً منجماً في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } أي ومن يكفر بشيء من ذلك {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً } لأن الكفر ببعضه كفر بكله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } بموسى عليه السلام {ثُمَّ كَفَرُواْ } حين عبدوا العجل {ثُمَّ ءَامَنُواْ } بموسى بعد عوده {ثُمَّ كَفَرُواْ } بعيسى عليه السلام {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } إلى النجاة أو إلى الجنة، أو هم المنافقون آمنوا في الظاهر وكفروا في السر مرة بعد أخرى، وازدياد الكفر منهم ثباتهم عليه إلى الموت يؤيده قوله {بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ } أي أخبرهم ووضع بشر مكانه تهكماً بهم {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } مؤلماً {ٱلَّذِينَ } نصب على الذم أو رفع بمعنى أريد الذين أو هم الذين {يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } كان المنافقون يوالون الكفرة يطلبون منهم المنعة والنصرة ويقولون: لا يتم أمر محمد عليه السلام {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } ولمن أعزه كالنبي عليه السلام والمؤمنين كما قال {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [المنافقون: 8]. {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ } بفتح النون: عاصم. وبضمها: غيره {فِي ٱلْكِتَـٰبِ } القرآن {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } حتى يشرعوا في كلام غير الكفر والاستهزاء بالقرآن، والخوض: الشروع و «أن» مخففة من الثقيلة أي أنه إذا سمعتم أي نزل عليكم أن الشأن كذا. والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها و «أن» مع ما في حيزها في موضع الرفع بـ «نُزل» أو في موضع النصب بـ «نَزل» والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نزل عليهم بمكة من قوله: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 68]. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزئون به، فنهى المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه، وكان المنافقون بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين بمكة فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أي في الوزر إذا مكثتم معهم، ولم يرد به التمثيل من كل وجه فإن خوض المنافقين فيه كفر ومكث هؤلاء معهم معصية {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لاجتماعهم في الكفر والاستهزاء {ٱلَّذِينَ } بدل من «الذين يتخذون» أو صفة للمنافقين أو نصب على الذم منهم {يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } نصرة وغنيمة {قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } مظاهرين فأشركونا في الغنيمة {وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ } سمى ظفر المسلمين فتحاً تعظيماً لشأنهم لأنه أمر عظيم تفتح له أبواب السماء، وظفر الكافرين نصيباً تخسيساً لحظهم لأنه لمظة من الدنيا يصيبونها. {قَالُواْ } للكافرين {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم، والاستحواذ الاستيلاء والغلبة {وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت قلوبهم به ومرضوا عن قتالكم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } أيها المؤمنون والمنافقون {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فيدخل المنافقين النار والمؤمنين الجنة {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أي في القيامة بدليل أول الآية كذا عن علي رضي الله عنه، أو حجة كذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ...} الآية: إنْ شَحَّ كلُّ واحدٍ من الزوجَيْن، فلم يتصالحا، لكنهما تفرَّقا بطلاقٍ، فإن اللَّه تعالَىٰ يغنِي كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبه بفَضْلِهِ، ولطائِفِ صُنْعه في المالِ، والعِشْرة، والسَّعَة، وجَوْدِ المراداتِ، والتمكُّن منها، والواسعُ: معناه: الذي عنده خزائنُ كلِّ شيء.

القشيري

تفسير : الصحبة التي لا بُدَّ منها صحبةُ القلب مع دوام افتقارٍ إلى الله؛ إذ الحقُّ لا بُدَّ منه. فأمَّا الأغيار فلا حاجة لبعضهم إلى بعض إلا من حيث الظاهر، وذلك في ظنون أصحاب التفرقة، فأمَّا أهل التحقيق فلا تحرية لهم أن حاجة الخلق بجملتها إلى الله سبحانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان يتفرقا} اى وان يفارق كل واحد منهما صاحبه بان لم يتفق بينهما وفاق بوجه ما من الصلح او غيره {يغن الله كلا} منهما اى يجعله مستغنيا عن الآخر ويكفه مهماته {من سعته} من غناه وقدرته وفيه زجر لهما عن مفارقة احدهما رغما لصاحبه {وكان الله واسعا حكيما} اى مقتدرا متقنا فى افعاله واحكامه وله حكمة بالغة فيما يحكم من الفرقة يجعل لكل واحد منهما من يسكن اليه فيتسلى به عن الاول وتزول حرارة محبته عن قلبه وينكشف عنه هم عشقة فعلى المؤمن ترك حظ النفس والدور مع الامر الالهى فى جملة امروه واحكامة والعمل فى حق النساء بقوله تعالى {أية : فامساك بمعروف او تسريح باحسان} تفسير : [البقرة: 229]. والميل الى جانب العدل والاعراض عن طرف الظلم والاستحلال قبل ان يجيىء يوم لا بيع فيه ولا خلال. قال ابن مسعود رضى الله عنه يؤخذ بيد العبد او الامة فينصب على رؤوس الاولين والآخرين ثم ينادى مناد هذا فلان ابن فلان فمن كان له حق فليأت الى حقه فتفرح المرأة ان يكون لها الحق على ابنها او اخيها او على ابيها او على زوجها ثم قرأ ابن مسعود رضى الله عنه {أية : فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساؤلون} تفسير : [المؤمنون: 101]. فيقول الرب تعالى للعبد آت هؤلاء حقوقهم فيقول رب لست فى الدنيا فمن اين اوتيهم فيقول للملائكة خذوا من اعماله الصالحة فاعطوا كل انسان منهم بقدر طلبته فان كان وليا لله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل من خير ضاعفها حتى يدخله بها الجنة ثم قرأ {أية : ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا عظيما} تفسير : [النساء: 40]. وان كان عبدا شقيا قالت الملائكة رب فنيت حسناته وبقى الطالبون فيقول للملائكة خذوا من اعمالهم السيئة فاضيفوها الى سيآته وصكوا له صكا الى النار فلا بد من التوبة والاستغفار والرجوع الى الملك الغفار والمجاملة فى المعاملة مع الاخيار والاشرار ودفع الاذى عن اهل الانكار والاقرار ـ حكى ـ ان ابا منصور بن ذكير كان رجلا زاهدا صالحا فلما دنت وفاته اكثر البكاء فقيل له لم تبك عند الموت قال اسلك طريقا لم اسلكه قط فلما توفى رآه ابنه فى المنام فى الليلة الرابعة فقال يا ابت ما فعل الله بك فقال يا بنى ان الامر اصعب مما تعد اى تظن لقيت ملكا عادل اعدل العادلين ورأيت خصماء مناقشين فقال لى ربى يا ابا منصور قد عمرتك سبعين سنة فما معك اليوم فقلت يا ربى حججت ثلاثين حجة فقال الله تعالى لم اقبل منك فقلت يا رب تصدقت باربعين الف درهم بيدى فقال لم اقبل منك فقلت ستون سنة صمت نهارها وقمت ليلها فقال لم اقبل منك فقلت الهى غزوت اربعين غزوة فقال لم اقبل منك فقلت اذا قد هلكت فقال الله تعالى ليس من كرمى ان اعذب مثل هذا يا ابا منصور اما تذكر اليوم الفلانى نحيت الذرة عن الطريق كيلا يعثر بها مسلم فانى قد رحتمك بذلك فانى لا اضيع اجر المحسنين فظهر من هذه الحكاية ان دفع الاذى عن الطريق اذا كان سببا للرحمة والمغفرة فلأن يكون دفع الاذى عن الناس نافعا للدافع يوم الحشر خصوصا عدم الاذية للمؤمنين وخصوصا للاهل والعيال والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده اللهم اجعلنا من النافعين لا من الضارين آمين.

ابن عجيبة

تفسير : {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...} يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن يتفرقا} أي: يفارق كل واحد منهما صاحبه، {يُغن الله} كل واحد منهما عن صاحبه، ببدل أو سُلُو يقوم بأمره من رزق أو غيره، من سعة غناه وكمال قدرته، {وكان الله واسعًا} قدرته {حكيمًا} أي: متقنًا في أحكامه وأفعاله. ثم بيَّن معنى سعته فقال: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} أي: كل ما استقر فيهما فهو تحت حكمه ومشيئته، قائمًا بحفظه وتدبيره، يعطي كل واحد ما يقوم بأمره ويغنيه عن غيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الروح ما دامت مسجونة تحت قهر البشرية، محجوبةً عن شهود معاني الربوبية، كانت فقيرة جائعة متعطشة، تتعشق إلى الأكوان وتفتقر إليها، وتقف معها، فإذا فارقت البشرية وانطلقت من سجن هيكلها، وخرجت فكرتها من سجن الأكون، أغناها الله بشهود ذاته، وأفضت إلى سعة فضاء الشهود والعيان، وملكت جميع الأكوان، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك "، وكذلك البشرية يغنيها الله عن تعب الخدمة وتستريح في ظل المعرفة، فلما تفرقا أغنى الله كلاًّ من سعة فضله وجوده، لأنه واسع العطاء والجود، حكيم في تدبير إمداد كل موجود. وفي قوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} إشارة إلى أن من كان بالله، ووصل إلى شهود ذاته، ملَّكه الله ما في السماوات وما في الأرض، فيكون خليفة الله في ملكه {أية : وَمَا ذّلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ} تفسير : [إبراهيم:20]. ولمّا جرى الكلام على شأن النساء، وهن حبائل الشيطان، تشغل فتنتهن عن ذكر الرحمن، حذَّر الحق تعالى من فتنتهن، كما هو عادته تعالى في كتابه عند ذكرهن، وأمر بالتقوى التي هي حصن من كل فتنة، فقال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً} قلت: {من قبلكم}: يتعلق بأوتوا أو بوصينا، و {إياكم} : عطف على الذين، و {أن اتقوا}: على حذف الجار، أي: بأن اتقوا، أو مفسرة؛ لأن التوصية في معنى القول، و {إن تكفروا} على حذف القول، أي: وقلنا لهم ولكم: {وإن تكفروا...} الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد وصينا} الأمم المتقدمة الذين أنزلنا عليهم {الكتاب من قبلكم} كأهل التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهم من الأمم، ووصيناكم أنتم {أن اتقوا الله} بإن تمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيَه، ظاهرًا وباطنًا، وقلنا لهم ولكم: {وإن تكفروا} فإن الله غني عن كفركم وشكركم؛ فقد استقر له {ما في السماوات وما في الأرض} ملكًا وعبيدًا، فله فيهما من الملائكة من هو أطوع منكم، فلا يتضرر بكفركم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما أوصاكم رحمًة بكم، لا لحاجة إليكم، ثم قرر ذلك بقوله: {وكان الله غنيًا حميدًا} أي: غنيًا عن الخلق وعبادتهم، محمودًا في ذاته، حُمِد أو لم يُحمد. {ولله ما في السماوات وما في الإرض} كرره ثالثًا؛ للدلالة على كونه غنيًا حميدًا، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه، وبما أفاض عليها من الوجود، وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميدًا. قاله البيضاوي. {وكفى بالله وكيلاً} أي: حافظًا ومجيرًا لمن تعلق به من أهل السماوات والأرض. {إن يشأ يذهبكم أيها الناس} إن لم تتقوه، ويأت بقوم آخرين، هم أطوع منكم وأتقى، {وكان الله على ذلك قديرًا} أي: بليغ القدرة لا يعجزه مُراد. قال البيضاوي: وهذا ـ أي قوله: {إن يشأ يذهبكم...} ـ أيضًا تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر وخالف أمره، وقيل: هو خطاب لمن خالف الرسول صلى الله عليه وسلم من العرب، وهو معنى قوله: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } تفسير : [محمد:38] لما رُوِي: أنَّهَا لمَا نزلَت ضَربَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدَه على ظهر سَلمَان وقال) "حديث : إنّهم قَومُ هذا ". تفسير : الإشارة: التقوى أساس الطريق ومنهاج أهل التحقيق، عليها سلك السائرون، وبها وصل الواصلون، وقد وصَّى بها الحق تعالى المتقدمين والمتأخرين، وبها قرّب المقربين وشرّف المكرمين. ولها خَمسُ درجاتٍ: أن يتقي العبد الكفر؛ وذلك بمقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والمحرمات؛ وهو: مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات؛ وهو مقام الورع، وأن يتق المباحات، وهو مقام الزهد، وأن يتقي شهود السَّوى والحس؛ وهو مقام المشاهدة. ولها فضائل مستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهداية؛ لقوله تعالى: {أية : هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة:2]، والنصرة؛ لقوله: {أية : إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ}تفسير : [النّحل:128]، والولاية؛ لقوله: {أية : وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}تفسير : [الجَاثيَة:19] والمحبة؛ لقوله {أية : إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين}تفسير : [التّوبَة:4]، وتنوير القلب؛ لقوله:{أية : يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} تفسير : [الأنفال:29]، والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب، لقوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}تفسير : [الطلاق:2،3]، وتيسير الأمور؛ لقوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا }تفسير : [الطلاق:4] وغفران الذنوب وإعظام الأجر؛ لقوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} تفسير : [الطّلاَق:5]، وتقبل الأعمال؛ لقوله: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}تفسير : [المَائدة:27] والفلاح؛ لقوله: {أية : وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [البَقَرَة:189] والبشرى؛ لقوله: {أية : لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الْدُّنْيَا وَفي الآَخِرَةِ} تفسير : [يُونس:64]، ودخول الجنة؛ لقوله: {أية : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّاتِ الْنَّعِيِم} تفسير : [القَلَم:34] والنجاة من النار؛ لقوله: {أية : ثُمَّ نُنَجّي الَّذِينَ اتَّقَواْ}تفسير : [مريم:72]. هـ. من ابن جزي. ومما ينسب للقطب ابن مشيش رضي الله عنه: شعر : عليكَ بتقوى الله في السرِّ والجهرِ ذا شئتَ توفيقَا إلى سُبُلِ الخيرِ لأن التُّقى أصلٌ إلى البِرَّ كلَّه فخُذه تَفُز بكلِّ نوعٍ من البرِّ وخيرُ جميعِ الزاد ما قال ربُّنا فَكُن يا أخي للهِ مُمتَثِل الأمر

الطوسي

تفسير : [المعنى]: إن الزوجين اللذين تقدم ذكرهما، متى أبى كل واحد منهما مصالحة الآخر فإن تطالب المرأة بنصيبها من القسمة والنفقة والكسوة ويمتنع الزوج من اجابتها الى ذلك، لميله إلى الاخرى ومحبته لها، أو لصغر سنها أو جمالها ويتفرقا حينئذ بالطلاق، فان الله يغني كل واحد منهما من سعته يعني من فضله ورزقه {وكان الله واسعاً حكيماً} يعني كان لم يزل هكذا واسع الفضل على عباده، رحيما بهم في ما يدبرهم به وفي الآية دليل على ان الارزاق كلها بيد الله وهو الذي يتولاها لعباده وإن كان ربما أجراها على يدي من يشاء من عباده وقال ابن عباس: {كلاً من سعته} يعني من رزقة وهذه الجملة بها قال مجاهد وجميع المفسرين.

الجنابذي

تفسير : { وَإِن يَتَفَرَّقَا} بعد عدم الرّضا بالصّلح وعدم احسان الازواج {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} بالازواج للرّجال والازواج للنّساء، او بصفات الملائكة وخصالهم فيسلو كلّ من الزّوج بانساء الطّبيعة عن المضاجعة وتقليل شهوة النّكاح او بالاموال الدّنيويّة فيعطى كّلاً ما يغنيه، وحديث امر الصّادق (ع) شاكياً من الفقر بالنّكاح واشتداد الفقر عليه بعد النّكاح وامره ثانياً بالفرقة وحصول الغناء له يدلّ على الاخير ولاينافى التّعميم {وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} عطف فيه معنى التّعليل يعنى يقدر على التّوسعة فى الازواج او فى الخصال او فى الاموال على فرض التّفرقّ لانّه واسع بحسب كلّ شيءٍ ويأمركم بالاحسان والاغضاء لانّه حكيم وفيما يأمركم به صلاحكم.

اطفيش

تفسير : {وَإِن يَتَفَرَّقاَ}: بأن لم يصالحا، بل طلقها، وقرأ يتفارقا وهذا مع ما بعده تسلية لهما. {يُغْنِ اللهُ كُلاً}: منهما، يغنى الزوج عن المرأة بامرأة أخرى، ورزق المرأة عنه بزوج آخر، ورزق أو يغن كلا بالسلوى عن الآخر. {مِّن سَعَتِهِ}: من وسع رحمته وفضله. {وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً}: مقتدرا غنيا عنده خزائن كل شىء. {حَكِيماً}: متقنا فى أفعاله وأمره ونهيه.

اطفيش

تفسير : {وَإن يَتفَرَّقَا} بالطلاق أو الفداء، وهو طلاق، خلافا لجابر بن زيد إذ عدة فرقة غير طلاق {يُغْنِ اللهُ كُلاَّ} عن الآخر، المرأة برجل آخر، والرجل بامرأة أخرى، أو بسلوا المحب منهما للآخر عنه وذلك تسلية، وقيل زجر عن الفرقة {مِّن سَعَتِهِ} غناه الواسع لخلقه {وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً} غنيَّا، مبرماً لأفعاله، لا خلل ولا عبث، واستشهد لكمال غناه وقدرته بقوله: {وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} خلقا، وملكا، وأوسع منهن فهن تمثيل، وهذا فى معنى التعليل لقوله واسعا، بل زعم بعض أن الواو تكون للتعليل {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} جنس الكتاب، التوراة والإنجيل، وغيرهما من كتب الله، وهم اليهود والنصارى، وغيرهم من الأمم {مِن قَبْلِكُمْ وَإيَّاكُمْ} أيتها الأمة، لم يقل، وصيناكم والذين أوتوا الكتاب من قبلكم، مراعاة لترتيب الوجود خارجاً {أنِ} تفسيرية، لأن فى التوصية معنى القول، وأجاز بعض المصدرية داخلة على الأمر أى بأن {اتَّقُوا اللهَ} أحلوه أو خافوا عقابه {وَإن تَكْفُرُوا} بالله وأنبيائه أو كتبه أو ببعض لم يضره كفركم {فَإِن لِلَّهِ} أى لأن لله {مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} وجميع ما سواه فلا تضره معصية، ولا طاعة، والواو عاطفة لمحذوف، أى وصينا، وقلنا لكم ولهم، فالخطاب فى تكفروا للتغليب، وإنما ساغ ذلك الحذف للتوسع فى القول، ويجوز أن يكون الخطاب لهذه الأمة، وأهل الكتاب {وَكَانَ اللهُ غَنِيّاً} عن طاعة خلقه {حَمِيداً} محموداً فى أفعاله، وأقواله وصفاته، كفروا أو آمنوا، علموا أنه محمود أو لم يعلموا.

الالوسي

تفسير : {وَإِن يَتَفَرَّقَا} أي المرأة وبعلها، وقرىء ـ يتفارقا ـ أي وإن لم يصطلحا ولم يقع بينهما وفاق بوجه مّا من الصلح وغيره ووقعت بينهما الفرقة بطلاق {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ} منهما أي يجعله مستغنياً عن آخر ويكفه ما أهمه، وقيل: يغني الزوج بامرأة أخرى والمرأة بزوج آخر {مّن سَعَتِهِ} أي من غناه وقدرته، وفي ذلك تسلية لكل من الزوجين بعد الطلاق، وقيل: زجر لهما عن المفارقة، وكيفما كان فهو مقيد بمشيئة الله تعالى {وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً} أي غنياً وكافياً للخلق، أو مقتدراً أو عالماً {حَكِيماً} متقناً في أفعاله وأحكامه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الزوجين إن افترقا أغنى الله كل واحد منهما من سعته وفضله الواسع، وربط بين الأمرين بأن جعل أحدهما شرطاً والآخر جزاء. وقد ذكر أيضاً أن النكاح سبب للغنى بقوله: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [النور: 32].

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاسِعاً} (130) - أمَّا إذَا آثَرَ الزَّوْجَانِ أنْ يَتَفَرَّقَا، لأنَّهُمَا يَخَافَانِ ألاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ، فَإنَّ اللهُ يُغْنِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الآخَرِ، وَيُعَوِّضُهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ صَاحِبِهِ. وَلَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا جَديراً بِعِنَايةِ اللهِ، إلاَّ إذَا التَزَمَا حُدُودَ اللهِ، بِأنِ اجْتَهَدَا فِي الوِفَاقِ وَالصُّلْحِ، وَلَكِنْ ظَهَرَ لَهُمَا، بَعْدَ التَّفْكِيرِ وَالتَّرَوِّي فِي الأَسْبَابِ، أَنَّ الحَيَاةَ الزَّوْجِيَّة أصْبَحَتْ غَيْرَ مُسْتَطَاعَةٍ فَافْتَرَقَا، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، وَهُوَ عَليمٌ بِمَا فِي النُّفُوسِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ العَطَاءَ فَيُعْطِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وسبحانه عنده الفضل الواسع، وهو القادر أن يرزق الزوج زوجة صالحة تشبع كل مطالبه، ويرزق الزوجة زوجاً آخر يشبع كل احتياجاتها ويقبل دمامتها لو كانت دميمة، ويجعله الله صاحب عيون ترى نواحي الخير والجمال فيها. وقد نجد رجلاً قد عضته الأحداث بجمال امرأة كان متزوجاً بها وخبلته وجعلت أفكاره مشوشة مضطربة وبعد ذلك يرزقه الله بمن تشتاق إليه، بامرأة أمينة عليه، ويطمئن عندما يغترب عنها في عمله. ولا تملأ الهواجس صدره؛ لأن قلبه قد امتلأ ثقة بها وإن كانت قليلة الحظ من الجمال. {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} فإياك أن تظن بأن الله ليس عنده ما يريح كل إنسان. فسبحانه عنده كل ما يريح كل الناس. وصيدلية منهج الله مليئة بالأدوية، وبعض الخلق لا يفقهون في استخدام هذه الأدوية لعلاج أمراضهم. ومن الحكمة أنه سبحانه لا يرغم اثنين على أن يعيشا معاً وهما كارهان؛ لأنهما افتقدا المودة والرحمة فيما بينهما. ومن بعد ذلك يعقب الحق بآية: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَإِن يَتَفَرَّقَا} [النساء: 130]؛ يعني: الروح والنفس بجذبات الإلوهية، فالروح تنجذب عن النفس بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله في عالم هويته، فيستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود، والنفس تنجذب عن الروح بجذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} تفسير : [الفجر: 28] إلى سعة غنى الله في عالم، {أية : فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي}تفسير : [الفجر: 29-30]، فتستغني عن راكب الروح بعناية، {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ} [النساء: 130] في الأزل، { وَاسِعاً} [النساء: 130] لهما في سعة رحمته، {حَكِيماً} [النساء: 130]، حكم عليهما بالاجتماع والافتراق، {أية : إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ}تفسير : [القيامة: 30]. ثم أخبر عن وصاية أهل الهداية بقوله تعالى: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [النساء: 131]، إشارة في الآيتين: إن لله ما في السماوات من الدرجات العلا وجنات المأوى والفردوس، وما في الأرض من نعيم وزينتها وزخارفها، والله مستغن عنه، وإنما خلقها لعباده الصالحين، كما قال تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [الجاثية: 13] منه وخلق العباد لنفسه، كما قال تعالى: {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} تفسير : [طه: 41]، {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [النساء: 131]؛ يعني: جميع أهل الأديان، {وَإِيَّاكُمْ} [النساء: 131] أيها المؤمنون، {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [النساء: 131] ولا تطلبوا منه غيره، فإن الله تعالى مهما يكن لكم يكن ما في السماوات والأرض لكم، واتقوا الله من الله غير الله، {وَإِن تَكْفُرُواْ} [النساء: 131] بهذه النعمة العظيمة والكرامة الجسمية وتطلبوا غير الله فلن تجدوه {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [النساء: 131]، فلا تملكونه إلا بالله فإنه خلق لكم، لأنكم كنتم محتاجين {وَكَانَ ٱللَّهُ} [النساء: 131] في الأزل إلى الأبد {غَنِيّاً} [النساء: 131] عنه وعنكم، {حَمِيداً} [النساء: 131] في ذاته وصفاته فلا يحتاج إلى أحد منكم ولا إلى أن {أية : يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الحشر: 24]؛ لأنه ليس لشيء وجود حقيقي قائم بنفسه إلا بالله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الحالة الثالثة بين الزوجين، إذا تعذر الاتفاق فإنه لا بأس بالفراق، فقال: { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا } أي: بطلاق أو فسخ أو خلع أو غير ذلك { يُغْنِ اللَّهُ كُلا } من الزوجين { مِنْ سَعَتِهِ } أي: من فضله وإحسانه الواسع الشامل. فيغني الزوج بزوجة خير له منها، ويغنيها من فضله وإن انقطع نصيبها من زوجها، فإن رزقها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق، القائم بمصالحهم، ولعل الله يرزقها زوجا خيرا منه، { وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا } أي: كثير الفضل واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل إليه علمه. ولكنه مع ذلك { حَكِيمًا } أي: يعطي بحكمة، ويمنع لحكمة. فإذا اقتضت حكمته منع بعض عباده من إحسانه، بسبب من العبد لا يستحق معه الإحسان، حرمه عدلا وحكمة.