٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
131
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه يغني كلاً من سعته، وأنه واسع أشار إلى ما هو كالتفسير لكونه واسعاً فقال {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } يعني من كان كذلك فإنه لا بدّ وأن يكون واسع القدرة والعلم والجود والفضل والرحمة. الثاني: أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بيّـن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد، لأن مالك السماوات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من الضعف والقصور، بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين. المسألة الثانية: قوله {مِن قَبْلِكُمْ } فيه وجهان: الأول: أنه متعلق بوصينا، يعني ولقد وصينا من قبلكم الذين أوتوا الكتاب. والثاني: أنه متعلق بأوتوا، يعني الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وصيناهم بذلك. وقوله {وَإِيَّـٰكُمْ } بالعطف على {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } والكتاب اسم للجنس يتناول الكتب السماوية، والمراد اليهود والنصارى. المسألة الثالثة: قوله {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } كقولك: أمرتك الخير، قال الكسائي: يقال أوصيتك أن أفعل كذا وأن تفعل كذا، ويقال: ألم آمرك أن ائت زيداً، وأن تأتي زيداً، قال تعالى: {أية : أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } تفسير : [الأنعام: 14] وقال {أية : إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ }تفسير : [النمل: 91]. ثم قال تعالى: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً } قوله {وَإِن تَكْفُرُواْ } عطف على قوله {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } والمعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض. وفيه وجهان: الأول: أنه تعالى خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها، فحق كل عاقل أن يكون منقاداً لأوامره ونواهيه يرجو ثوابه ويخاف عقابه، والثاني: أنكم إن تكفروا فإن لله ما في سمواته وما في أرضه من أصناف المخلوقات من يعبده ويتقيه، وكان مع ذلك غنياً عن خلقهم وعن عبادتهم، ومستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد منهم فهو في ذاته محمود سواء حمدوه أو لم يحمدوه. ثم قال تعالى: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } فإن قيل: ما الفائدة في تكرير قوله {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } قلنا: إنه تعالى ذكر هذه الكلمات في هذه الآية ثلاث مرات لتقرير ثلاثة أمور: فأولها: أنه تعالى قال: {أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ } تفسير : [النساء: 130] والمراد منه كونه تعالى جواداً متفضلاً، فذكر عقيبه قوله {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } والغرض تقرير كونه واسع الجود والكرم، وثانيها: قال {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } والمراد منه أنه تعالى منزّه عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين، فلا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات، فذكر عقيبه قوله {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } والغرض منه تقرير كونه غنياً لذاته عن الكل، وثالثها: قال: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً } والمراد منه أنه تعالى قادر على الإفناء والإيجاد، فإن عصيتموه فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية، وعلى أن يوجد قوماً آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه، فالغرض ههنا تقدير كونه سبحانه وتعالى قادراً على جميع المقدورات، وإذا كان الدليل الواحد دليلاً على مدلولات كثيرة فإنه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات، ثم يذكره مرة أخرى ليستدل به على الثاني، ثم يذكره ثالثاً ليستدل به على المدلول الثالث، وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة، لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى، فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال. وأيضاً فإذا أعدته ثلاث مرات وفرعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال الله تنبه الذهن حينئذٍ لكون تخليق السموات والأرض دالاً على أسرار شريفة ومطالب جليلة، فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر فيها والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى، ولما كان الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفة الله، وكان هذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده، لا جرم كان في غاية الحسن والكمال. وقوله {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً } معناه أنه تعالى لم يزل ولا يزال موصوفاً بالقدرة على جميع المقدورات، فإن قدرته على الأشياء لو كانت حادثة لافتقر حدوث تلك القدرة إلى قدرة أخرى ولزم التسلسل. ثم قال تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } والمعنى أن هؤلاء الذين يريدون بجهادهم الغنيمة فقط مخطئون، وذلك لأن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، فلم اكتفى بطلب ثواب الدنيا مع أنه كان كالعدم بالنسبة إلى ثواب الآخرة، ولو كان عاقلاً لطلب ثواب الآخرة حتى يحصل له ذلك ويحصل له ثواب الدنيا على سبيل التبع. فإن قيل كيف دخل الفاء في جوب الشرط وعنده تعالى ثواب الدنيا والآخرة سواء حصلت هذه الإرادة أو لم تحصل؟ قلنا: تقرير الكلام: فعند الله ثواب الدينا والآخرة له إن أراده الله تعالى، وعلى هذا التقدير يتعلق الجزاء بالشرط. ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً } يعني يسمع كلامهم أنهم لا يطلبون من الجهاد سوى الغنيمة ويرى أنهم لا يسعون في الجهاد ولا يجتهدون فيه إلا عند توقع الفوز بالغنيمة، وهذا كالزجر منه تعالى لهم عن هذه الأعمال.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه الحاكم فيهما، ولهذا قال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ} أي: وصيناكم بما وصيناهم به؛ من تقوى الله عز وجل؛ بعبادته وحده لا شريك له. ثم قال: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} الآية. كما قال تعالى إخباراً عن موسى أنه قال لقومه: {أية : إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 8]. وقال: {أية : فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [التغابن: 6] أي: غني عن عباده، (حميد) أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه، وقوله: { وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء. وقوله: { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً} أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، وكما قال: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38] وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا. أمره وقال تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} تفسير : [إبراهيم: 19 ـ 20] أي: وما هو عليه بممتنع، وقوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي: يامن ليس له همة إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه، أغناك وأعطاك وأقناك، كما قال تعالى: {أية : فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [البقرة: 200 ـ 202] الآية، وقال تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ}تفسير : [الشورى: 20] الآية، وقال تعالى: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} تفسير : ـ إلى قوله ـ {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [الإسراء: 18 ـ 21] الآية، وقد زعم ابن جرير أن المعنى في هذه الآية: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا} أي: من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك، {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا} وهو ما حصل لهم من المغانم وغيرها مع المسلمين، وقوله: {وَٱلآخِرَةِ} أي: وعند الله ثواب الآخرة، وهو ما ادخره لهم من العقوبة في نار جهنم، وجعلها كقوله: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} تفسير : ـ إلى قوله ـ {أية : وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [هود: 15 ـ 16] ولا شك أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر؛ فإن قوله: {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} ظاهر في حصول الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم؛ ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا، ولهذا قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ } بمعنى الكتب {مِن قَبْلِكُمْ } أي اليهود والنصارى {وَإِيَّٰكُمْ } يا أهل القرآن {أن } أي بأن {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } خافوا عقابه بأن تطيعوه {وَ} قلنا لهم ولكم {مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ } بما وُصّيتم به {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } خلقاً وملكاً وعبيداً فلا يضره كفركم {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً } عن خلقه وعبادتهم {حَمِيداً } محموداً في صنعه بهم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} هذه الجملة مستأنفة لتقرير كمال سعته سبحانه، وشمول قدرته {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } أمرناهم فيما أنزلناه عليهم من الكتب، واللام في الكتاب للجنس {وَإِيَّـٰكُمْ } عطف على الموصول {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وهو في موضع نصب بقوله: {وَصَّيْنَا } أو منصوب بنزع الخافض. قال الأخفش: أي: بأن اتقوا الله، ويجوز أن تكون أن مفسرة؛ لأن التوصية في معنى القول. قوله: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ } معطوف على قوله: {أَنِ ٱتَّقُواْ } أي: وصيناهم وإياكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم إن تكفروا، وفائدة هذا التكرير التأكيد ليتنبه العباد على سعة ملكه، وينظروا في ذلك، ويعلموا أنه غنيّ عن خلقه {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أي: يفنكم {وَيَأْتِ بِـآخَرِينَ } أي: بقوم آخرين غيركم، وهو كقوله تعالى {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } تفسير : [محمد: 38] {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } وهو من يطلب بعمله شيئاً من أمور الدنيا كالمجاهد يطلب الغنيمة دون الأجر {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } فما باله يقتصر على أدنى الثوابين، وأحقر الأجرين، وهلا طلب بعمله ما عند الله سبحانه، وهو ثواب الدنيا والآخرة، فيحرزهما جميعاً، ويفوز بهما، وظاهر الآية العموم. وقال ابن جرير الطبري: إنها خاصة بالمشركين والمنافقين: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً } يسمع ما يقولونه، ويبصر ما يفعلونه. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً } عن خلقه {حَمِيداً } قال: مستحمداً إليهم. وأخرجا أيضاً عن علي مثله. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } قال: حفيظاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـاخَرِينَ } قال قادر والله ربنا على ذلك أن يهلك من خلقه ما شاء ويأتي بآخرين من بعدهم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بأَخَرِينَ} روى سهل بن أبي صالح عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزلت ضرب بيده على ظهر سلمان وقال: "حديث : هُمْ قَوْمُ هّذا" تفسير : يعني عجم الفرس. قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ} ثواب الدنيا النعمة، وثواب الآخرة الجنة.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض} يعني عبيداً وملكاً قال أهل المعاني لما ذكر الله تعالى أنه يغني من سعته وفضله أشار إلى ما يوجب الرغبة إليه في طلب الخير منه لأن من ملك السموات والأرض لا تفنى خزائنه {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني من اليهود والنصارى وأصحاب الكتب القديمة {وإياكم} يعني ووصيناكم يا أهل القرآن في كتابكم {أن اتقوا الله} أي بأن تتقوا الله وهو أن توحدوه وتطيعوه وتحذروه ولا تخالفوا أمره والمعنى أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة أوصى الله بها جميع الأمم السالفة في كتبهم {وإن تكفروا} يعني وإن تجحدوا ما أوصاكم به {فإن لله ما في السموات وما في الأرض} يعني فإن لله ملائكة في السموات والأرض هم أطوع له منكم. وقيل معناه أن الله خالق السموات والأرض وما فيه ومالكهن، والمنعم عليهم بأصناف النعم ومن كان كذلك فحق لكل أحد أن يتقيه ويرجوه {وكان الله غنياً} يعني عن جميع خلقه غير محتاج إليهم ولا إلى طاعتهم {حميداً} يعني محموداً على نعمه عليهم {ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً} قال ابن عباس يعني شهيداً على أن له فيهن عبيداً وقيل معناه وكفى بالله دافعاً ومجيراً. فإن قلت ما الفائدة في تكرير قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض} قلت الفائدة في ذلك أن لكل آية معنى تخص به، أما الآية الأولى فمعناها فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو يوصيكم بتقوى الله فاقبلوا وصيته وقيل لما قال تعالى: {أية : وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته}تفسير : [النساء: 130] بيّن أن له ما في السموات وما في الأرض وأنه قادر على إغناء جميع الخلائق وهو المستغني عنهم. وأما الآية الثانية فإنه تعالى قال: {أية : وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض} تفسير : [النساء: 131] والمراد أنه تعالى منزه عن طاعات الطائعين وعن ذنوب المذنبين وأنه لا يزداد جلاله بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي. وقيل لما بين أن له ما في السموات وما في الأرض وقال بعد ذلك: {وكان الله غنياً حميداً} فالمراد منه أنه تعالى هو الغني وله الملك فاطلبوا منه ما تطلبون فهو يعطيكم لأن له ما في السموات وما في الأرض. وأما الثالثة فقال تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} أي فتوكلوا عليه ولا تتوكلوا على غيره فإنه المالك لما في السموات والأرض. وقيل تكريرها تعديدها لما هو موجب تقواه لتتقوه وتطيعوه ولا تعصوه لأن التقوى والخشية أصل كل خير. قوله عز وجل: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس} قال ابن عباس: يريد المشركين والمنافقين {ويأت بآخرين} بغيركم هم خير منكم وأطوع له ففيه تهديد للكفار والمعنى أنه يهلككم أيها الكفار كما أهلك من كان قبلكم، إذ كفروا به وكذبوا به وكذبوا رسله {وكان الله على ذلك قديراً} يعني وكان الله على ذلك الإهلاك وإعادة غيركم قادراً بليغاً في القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده لم يزل ولا يزال موصوفاً بالقدرة على جميع الأشياء.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}: تنبيهٌ علَىٰ موضع الرجاءِ لهذَيْن المفترقَيْن، ثم جاء بعد ذلك قوله: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}؛ تنبيهاً على ٱستغنائِهِ عن العباد، ومقدِّمةً للخبر بكونه غنيًّا حميداً، ثم جاء بعد ذلك قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} مقدِّمة للوعيد، فهذه وجوهُ تَكْرَارِ هذا الخبرِ الواحدِ ثلاثَ مرَّاتٍ متقاربةٍ. * ت *: وفي تمشيته هذه عندي نَظَرٌ، والأحْسَنُ بقاءُ الكلامِ علَىٰ نَسَقِهِ فقوله (رحمه اللَّه): «تَنْبِيه عَلَىٰ مَوْضِعِ الرَّجَاءِ لهذين المفترقَيْن» ـــ حَسَنٌ، وإنما الذي فيه قَلَقٌ ما بعده من توجيهه. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ...} الآية: لفظٌ عامٌّ لكل مَنْ أوتيَ كتاباً، فإنَّ وصيَّته سبحانه لعباده لم تَزَلْ منذُ أوجَدَهُمْ. * ت *: قال الأستاذ أبو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ في «سِرَاجِ المُلُوكِ»: ولما ضَرَبَ ابْنُ مُلْجِمٍ عليًّا (رضي اللَّه عنه)، أُدْخِلَ منزلَهُ، فٱعترتْهُ غشيةٌ، ثم أفاقَ، فَدَعَا أولادَهُ؛ الحَسَنَ، والحُسَيْنَ، ومحمَّداً، فقال: أوصيكُمْ بتقْوَى اللَّهِ فِي الغَيْبِ والشهادةِ، وكلمةِ الحقِّ في الرضَا والغَضَب، والقَصْدِ في الغنَىٰ والفَقْر، والعَدْلِ عَلَى الصديقِ والعَدُوِّ، والعملِ في النشاطِ والكَسَل، والرضا عن اللَّه في الشدَّة والرخَاءِ؛ يا بَنِيَّ، ما شَرٌّ بعْدَهُ الجَنَّةُ بِشَرٍّ، وَلاَ خَيْرٌ بَعْدَهُ النَّارُ بِخَيْرٍ، وكلُّ نَعِيمٍ دُونَ الجَنَّةِ حَقِيرٌ، وَكُلُّ بَلاَءٍ دُونَ النَّارِ عافيةٌ، مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نفسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غيره، ومَنْ رَضِيَ بقَسْم اللَّهِ لم يَحْزَنْ علَىٰ ما فاته، ومَنْ سَلَّ سيْفَ بَغْيٍ قُتِلَ به، ومَنْ حَفَر لأخيهِ بِئْراً وقَعَ فيها، ومَنْ هَتَكَ حجابَ أخِيهِ، كَشَفَ اللَّهُ عوراتِ بَنِيهِ، ومَنْ نَسِيَ خطيئته، ٱستعظَمَ خَطِيئَةَ غَيْره، ومَنِ استغنَىٰ بعقله زَلَّ، وَمَنْ تكبَّر على الناس ذَلَّ، ومَنْ أُعْجِبَ برأْيه ضَلَّ. ومَنْ جالَسَ العلماء وُقِّرَ، ومَنْ خَالَطَ الأَنْذَالَ ٱحْتُقِرَ، ومَنْ دَخَل مَدَاخلَ السُّوء ٱتُّهِمَ، ومَنْ مَزَحَ ٱسْتُخِفَّ بِهِ، ومَنْ أكْثَرَ مِنْ شيءٍ عُرِفَ به، ومَنْ كثُر كلامه كَثُرَ خَطَؤُهُ، ومن كثر خَطَؤُهُ قل حياؤه، ومن قَلَّ حياؤه قَلَّ ورعُهُ، ومَنْ قَلَّ وَرَعُهُ ماتَ قلبه، ومَنْ مات قلبه دخَلَ النار، يَا بَنِيَّ، الأدَبُ خَيْرُ ميراثٍ، وحُسْنُ الخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ، يا بَنِيَّ، العافيةُ عَشَرَةُ أجزاءٍ: تسْعَةٌ منها في الصَّمْتِ إلاَّ عَنْ ذكر اللَّهِ، وواحدٌ في ترك مُجَالَسَةِ السُّفَهاء، يَا بَنِيَّ، زِينَةُ الفَقْر الصَّبْرُ، وزِينَةُ الغِنَى الشُّكْرُ، يا بَنِيَّ، لا شَرَفَ أعَزُّ من الإسلام، وَلاَ كَرَمَ أعَزُّ من التقوَىٰ، يا بَنِيَّ، الحِرْصُ مفتاحُ البَغْيِ، ومطيَّةُ النَّصَبِ، طُوبَىٰ لمن أخْلَصَ للَّه عَمَلَهُ وعِلْمَهُ، وحُبَّهُ وَبُغْضَهُ، وأَخْذَهُ وتَرْكَهُ، وكَلاَمَهُ وَصَمْتَهُ، وقَوْلَهُ وفِعْلَهُ. انتهى. والوكيلُ: القائمُ بالأمورِ، المُنَفِّذُ فيها ما رآه، وقوله: {أَيُّهَا ٱلنَّاسُ}: مخاطبةٌ للحاضرين مِنَ العَرَب، وتوقيفٌ للسامعين؛ لتَحْضُرَ أذهانهم، وقوله: {بِآخَرِينَ} يريدُ مِنْ نوعكم، وتحتملُ الآيةُ أنْ تكُونَ وعيداً لجميعِ بَنِي آدم، ويكون الآخرونَ مِنْ غيرِ نَوْعِهِمْ؛ كالملائكَةِ، وقولُ الطبريِّ: «هذا الوعيدُ والتوبيخُ للشافِعِينَ والمُخَاصِمِينَ في قصَّة بَنِي أُبَيْرِقٍ» ـــ بعيدٌ، واللفظ إنما يَظْهَرُ حُسْنُ رَصْفِهِ بعمومه وٱنسحابِهِ على العَالَمِ جملةٌ، أو العَالَمِ الحَاضِرِ.
ابن عادل
تفسير : في تعلُّق هذه الآيَة بما قَبْلَها وجهان: الأوَّل [أنه - تعالى - لمّا] قال: {أية : يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} تفسير : [النساء: 130] أشار إلى ما هُو كالتَّفْسير لكونه وَاسِعاً؛ فقال: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يعني: من كَانَ كَذَلِكَ، [فإنه] يكون وَاسِع العِلْم، والقُدْرَة، والجُود، والفَضْل، والرَّحمة. الثاني: أنه - تعالى - لمَّا أمر بالعَدْل، والإحْسَان إلى اليَتَامي والنِّسَاء، بَيَّنَ أنه مَا أمر بِهَذِه الأشْيَاء لاحتياجه لأعْمَال العِبَادِ، لأن من كَانَ لَهُ ما في السَّموات ومَا فِي الأرْض، كيف يَكُون مُحْتَاجاً إلى عَمَل الإنْسَان مع ضَعْفِهِ وقُصُوره، وإنما أمَر بِها رِعَاية لما هو الأحْسَن لَهُم في دُنْيَاهُم وأخْرَاهُم. ثم قال {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني: أهْل التَّوْرَاةِ، والإنْجِيلِ، وسائر الأمم المُتَقَدِّمَة في كُتُبِهِم، والكِتَاب: اسم جِنْس يتناول الكُتُب السَّمَاوِيَّة، "وإيَّاكم": يا أهل القُرْآن في كتابكم، {أن اتَّقُوا اللَّه} أي: وَحِّدُوه وأطِيعُوه، وتَقْوى اللَّه مَطْلُوبَة من جَمِيع الأمَمِ، في سائر الشَّرَائِعِ لم تُنْسَخ، وَهِي وَصِيَّة اللَّه في الأوَّلِين والآخِرين. قوله: "مِنْ قَبْلِكُم" فيه وجهان: الأول: أنه مُتَعَلِّق بـ "وصَّيْنَا" يعني: ولقد وصَّيْنَا من قَبْلكُم [الَّذِين أوتُوا الكِتَاب. والثاني: أنه متعلِّق بـ "أوتُوا" يَعْني: الَّذين أوتُوا الكِتَاب من قَبْلِكُمْ]، وصيناهم بذلك، والأوَّل أظْهَر. قوله: "وإيَّاكم": عَطْف على {الذين أوتُوا الكتاب} وهو واجبُ الفَصْل هُنَا؛ لتعذُّرِ الاتِّصَال، واستدلَّ بَعْضُهم على أنَّه إذا قُدِر عَلى الضمير المُتَّصِل يجُوز أَن يُعْدَلَ إلى المُنْفَصِل بهذه الآية؛ لأنه كان يُمْكِنُ أن يُقَال: "ولقد وَصِّيْنَاكُم والَّذِين أوتُوا الكِتاب"، وكذلك استُدِلَّ بقوله - تعالى -: {أية : يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} تفسير : [الممتحنة: 1]، إذ يمكن أن يُقَالَ: يخرجُونَكُم والرَّسُولَ، وهذا ليس يدلّ له: أمَّا الآيةُ الأولى: فلأنَّ الكَلامَ فيها جَاءَ على التَّرتِيب الوُجُودِي، فإنَّ وَصِيَّة مَنْ قبلَنا قبلَ وَصيَّتنا، فلمَّا قَصَدَ هذا المَعْنَى، استحال - والحالةُ هذه - أن يقُدْرَ عليه مُتَّصِلاً. وأما الآية الثَّانية: فلأنَّه قصد فيها تَقَدُّمَ ذِكْرِ الرَّسُول؛ تشريفاً له، وتشنيعاً على مَنْ تَجاسَر على مِثْلِ ذلك الفِعْل الفَظِيع، فاسْتَحَال - والحالة هذه - أن يُجَاء به مُتَّصِلاً، و"مِنْ قبلكم": يَجُوزُ أنْ يتعلَّق بـ "أوتُوا"، ويجُوز أنْ يتعلَّق بـ "وَصَّيْنَا"؛ والأولُ أظهرُ. قوله: "أن اتَّقُوا" يجوزُ في "أن" وَجْهَان: أحدُهُمَا: أن تكون مصدرِيّة على حَذْفِ حَرْفِ الخَفْضِ، تقديرُه: بأن اتَّقوا، فلما حُذِف الحَرْفُ جَرَى فيها الخِلافُ المَشْهُور. والثاني: أن تكُون المُفَسِّرة؛ لأنها بَعْد ما هُو بِمَعْنَى القَوْل، لا حروفه وهو الوصيّة، والظاهر أن قوله: "وإن تَكْفُرُوا" جملة مُسْتأنفة؛ للإخبار بأن هذه الحَالِ ليست داخلة في مَعْمُول الوصِيّة. وقال الزَّمَخْشَرِي: {وإن تَكْفُرُواْ فإنَّ لِلَّهِ} عطفٌ على "اتَّقُوا" لأنَّ المَعْنَى: أمرناهم، وأمَرْنَاكم بالتَّقْوَى، وقُلْنا لهم ولكم: "إِن تَكْفُرُوا" وفي كلامه نظرٌ، لأنَّ تقديره القَوْلَ، ينفي كون الجُمْلة الشرطية مُنْدرجةً في حَيِّزِ الوصيَّة بالنِّسْبَة إلى الصِّناعة النَّحْوية، وهو لم يقصد تفسير المعنى فقط، بل قصده هو وتفسير الإعراب؛ بدليل قوله: عطف على "اتَّقُوا"، و"اتَّقُوا" داخلٌ في حيِّز الوصيَّةِ، سواءً أجعلت "أن" مصدريَّةً أم مُفسِّرة. فصل ومعنى [قوله:] {أن اتَّقُوا اللَّه}؛ كقولك: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، قال الكسَائِيُّ: يقال: أوصَيْتُك أن افْعل كذا، وأن تَفْعَل كذا، ويُقال: ألْم آمُرَك أن ائت زيداً، وأن تأتِي زَيْداً؛ كقوله - تعالى -: [و] {أية : أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} تفسير : [الأنعام: 14]، وقوله: {أية : إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ} تفسير : [النمل: 91] وتقدَّم الكلام على "وَإِن تَكْفُروا". قوله: {فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} في تعلُّقِه وجهان: الأول: أنه - تعالى - خالقُهُم ومالِكُهُم، والمُنْعِم عليهم بأصْناف النِّعَم كلِّها، فَحَقٌّ على كل عَاقلٍ أن يَنْقَاد لأوَامِرِهِ ونَوَاهِيهِ، ويَرْجُو ثوابه، ويَخَاف عِقَابَهُ. والثاني: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} من أصناف المَخْلُوقات من الملائِكَة وغيرها أطوع مِنْكُم يَعْبُدوه ويتَّقُوه، وهو مع ذَلِكَ غَنِيٌّ عن عِبَادَتِهم، و"حَمِيداً" مُسْتَحِقٌّ للحَمْد؛ لكثرة نِعمِه، وإن لم يحمده أحَدٌ منهم؛ لأنه في ذَاتِه مَحْمُود، سواء حَمَدُوه أوْ لَمْ يَحْمَدُوه. قوله: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}، قال عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ: يعني: شهيداً أنَّ فيها عَبِيداً. وقيل: دَافِعاً ومُجِيراً. فإن قيل: ما فَائِدة التَّكْرَار في قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. فالجواب: أنَّ لكل منها وجه: أما الأول: معناه: للَّه مَا فِي السماوات وما فِي الأرض، وهو يُوصِيكم بالتَّقْوَى، فاقْبَلُوا وصِيَّتَه. والثاني: [يقول:] لله ما في السماوات وما في الأرض، وكان الله غَنِيّاً، أي: هو الغَنِيُّ، وله المُلْكُ، فاطْلُبَوا منه ما تَطْلُبُون. والثالث: يقول {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}، أي: له المُلْك؛ فاتَّخِذُوه وَكِيلاً، ولا تتوكَّلُوا على غَيْرِه. [و] قال القُرْطُبِي: وفائدة التَّكْرَار من وجهين: الأول: أنه كَرَّر تأكيداً؛ لتنبيه العِبَاد، ولينظروا في مُلْكه ومَلكُوته، أنه غَنِيٌّ عن خَلقهِ. والثاني: أنه كرَّر لفوائد: فأخبر في الأوَّل، أنَّ الله يُغْنِي كُلاًّ من سَعَتهِ؛ لأن لَهُ مَا في السماوات وما في الأرض، [فلا تَنْفدُ خَزَائِنُه، ثم قال: أوْصيْناكُم وأهْلَ الكِتَاب بالتَّقْوى، وإن تَكْفُروا، فإنَّه غَنِيٌّ عنكم؛ لأنَّ له ما في السماوات وما في الأرض] ثم أعْلم في الثَّالث: بحفظ خَلْقِه، وتدبيره إيَّاهُم بقوله: {وكفى باللَّهِ وكِيلاً}؛ لأن له ما في السماوات وما في الأرض، ولم يَقُل: مَنْ في السَّموات؛ لأن في السَّموات والأرض من يَعْقِل، ومَن لا يَعْقِل.
البقاعي
تفسير : ولما كان مبنى هذه السورة على التعاطف والتراحم والتواصل، لم يذكر فيها الطلاق إلا على وجه الإيماء في هذه الآية على وجه البيان لرأفته وسعة رحمته وعموم تربيته، وفي ذلك معنى الوصلة والعطف، قال ابن الزبير: ولكثرة ما يعرض من رعى حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض - لذلك ما تكرر كثيراً في هذه السورة الأمرُ بالاتقاء، وبه افتتحت {أية : اتقوا ربكم} تفسير : [النساء: 1]، {أية : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} تفسير : [النساء: 1]، {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [النساء: 131]. ولما ذكر تعالى آية التفرق وختمها بصفتي السعة والحكمة دل على الأول ترغيباً في سؤاله: {ولله} أي الذي له العظمة كلها {ما في السماوات} ولما كان في السياق بيان ضعف النفوس وجبلها على النقائص، فكانت محتاجة إلى تقوية الكلام المخرج لها عما ألفت من الباطل قال: {وما في الأرض} وعلى الثانية بالوصية بالتقوى لأنه كرر الحث على التقوى في هذه الجمل في سياق الشرط بقوله: {أية : وإن تحسنوا وتتقوا}تفسير : [النساء: 128] {أية : وإن تصلحو وتتقوا}تفسير : [النساء: 129] فأخبر تعالى بعد اللطف بذلك السياق أن وصيته بها مؤكدة، لم تزل قديماً وحديثاً، لأن العلم بالمشاركة في الأمر يكون أدعى للقبول، وأهون على النفس، فقال تعالى: {ولقد وصينا} أي على ما لنا من العظمة. ولما كان الاشتراك في الأحكام موجباً للرغبة فيها والتخفيف لثقلها، وكانت الوصية للعالم أجدر بالقبول قال: {الذين أوتوا الكتاب} أي التوراة والإنجيل وغيرهما وبنى الفعل للمجهول لأن القصد بيان كونهم أهل علم ليرغب فيما أوصوا به، ودلالة على أن العلم في نفسه مهيىء للقبول، ولإفادة أن وصيتهم أعم من أن تكون في الكتاب، أو على لسان الرسول من غير كتاب، ولما كان إيتاؤهم الكتاب غير مستغرق للماضي وكذا الإيصاء قال: {من قبلكم} أي من بني إسرائيل وغيرهم {وإياكم} أي ووصيانكم مثل ما وصيناهم؛ ولما كانت التوصية بمعنى القول فسرها بقوله: {أن اتقوا الله} أي الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له. ولما كان التقدير: فإن تتقوا فهو حظكم وسعادتكم في الدارين، عطف عليه قوله: {وإن تكفروا} أي بترك التقوى {فإن الله} أي الذي له الكمال المطلق {ما في السماوات} ولما كان السياق لفرض الكفر حسن التأكيد في قوله: {وما في الأرض} منكم ومن غيركم من حيوان وجماد أجساداً وأروحاً وأحوالاً. ولما كان المعنى: لا يخرج شيء عن ملكه ولا إرادته، ولا يلحقه ضرر بكفركم، ولم تضروا إن فعلتم إلا أنفسكم، لأنه غني عنكم، لا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات؛ أكده بقوله دالاً على غناه واستحقاقه للمحامد: {وكان الله} أي الذي له الإحاطة كلها {غنياً} أي عن كل شيء الغنى المطلق لذاته {حميداً *} أي محموداً بكل لسان قالي وحالي، كفرتم أو شكرتم، فكان ذلك غاية في بيان حكمته. ولما كان الملك قد لا يمنع الاعتراض على المالك بين أن ذلك إنما هو في الملك الناقص وأنه ملكه تام: {ولله} أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة {ما في السماوات} وأكد لمثل ما مضى فقال: {وما في الأرض} أي هو قائم بمصالح ذلك كله، يستقل بجميع أمره، لا معترض عليه، بل هما وكل من فيهما مظهر العجز عن أمره، معلق مقاليد نفسه وأحواله إليه طوعاً أو كرهاً، فهو وكيل على كل ذلك فاعل به ما يفعل الوكيل من الأخذ والقبض والبسط، ولمثل ذلك كرر الاسم الأعظم فقال: {وكفى بالله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه {وكيلاً *} أي قائماً بالمصالح قاهراً متفرداً بجميع الأمور، قادراً على جميع المقدور، وقد بان - كما ترى - أن جملة "لله" المكررة ثلاث مرات ذكرت كل مرة دليلاً على شيء غير الذي قبله وكررت، لأن الدليل الواحد إذا كان دالاً على مدلولات كثيرة يحسن أن يستدل به على كل واحد منها. وإعادته مع كل واحد أولى من الاكتفاء بذكره مرة واحدة، لأن عند إعادته يحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، فيكون العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل؛ وفي ختم كل جملة بصفة من الصفات الحسنى تنبيه الذهن بها إلى أن هذا الدليل دال على أسرار شريفة ومطالب جليلة لا تنحصر، فيجتهد السامع في التفكر لإظهار الأسرار والاستدلال عل صفات الكمال, لأن الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله تعالى إلى الاستغراق في معرفته سبحانه، وهذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده، فكان في غاية الحسن والكمال. ولما تقرر بهذا شمول علم من هذا من شأنه وتمام قدرته أنتج قوله مهدداً مخوفاً مرهباً: {إن يشأ يذهبكم} وصرح بالعموم إشارة إلى عموم الإرسال بقوله: {أيها الناس} أي المتفرعون من تلك النفس الواحدة كافة لغناه عنكم وقدرته على ما يريد منكم {ويأت بآخرين} أي من غيركم يوالونه {وكان الله} أي الواحد الذي لا شريك له أزلاً وأبداً {على ذلك} أي الأمر العظيم من الإيجاد والإعدام {قديراً *} أي بالغ القدرة، وهذا غاية البيان لغناه وكونه حميداً وقاهراً وشديداً، وإذا تأملت ختام قوله تعالى في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر هذه السورة {أية : سبحانه أن يكون له ولد} تفسير : [النساء: 171] زاد ذلك هذا السر - وهو كونه لا اعتراض عليه - وضوحاً. ولما كان في هذا تهديد بليغ وتعريف بسعة الملك وكمال التصرف، وكان مدار أحوال المتشاححين في الإرث وحقوق الأزواج وغيرها الأمرَ الدنيوي، وكان سبحانه وتعالى قد بين فيما مضى أن مبنى أحوال المنافقين على طلب العرض الفاني خصوصاً قصة طعمة بن أبيرق الراضي لنفسه بالفضيحة في نيل شيء تافه؛ قال تعالى تفييلاً لآرائهم وتخسيساً لهممهم حيث نزلوا إلى الأدنى مع القوة على طلب الأعلى مع طلب الأدنى أيضاً منه تعالى، فلا يفوتهم شيء من معوّلهم مع إحراز الأنفس: {مَنْ كان يريد ثواب الدنيا} لقصور نظره على المحسوس الحاضر مع خسته كالبهائم {فعند} أي فليقبل إلى الله فإنه عند {الله} أي الذي له الكمال المطلق {ثواب الدنيا} الخسيسة الفانية {والآخرة} أي النفسية الباقية فليطلبها منه، فإنه يعطي من أراد ما شاء، ومن علت همته عن ذلك فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه فلم يطلب إلا الباقي جمع سبحانه وتعالى له بينهما، كمن يجاهد الله خالصاً، فإنه يجمع له بين الأجر والمغنم، وما أشد التئامها مع ذلك بما قبلها، لأن من كان تام القدرة واسع الملك كان كذلك. ولما كان الناشيء عن الإرادة إما قولاً أو فعلاً، وكان الفعل قد يكون قلبياً قال: {وكان الله} أي المختص بجميع صفات الكمال {سميعاً} أي بالغ السمع لكل قول وإن خفي، نفسياً كان أو لسانياً {بصيراً *} أي بالغ البصر لكل ما يمكن أن يبصر من الأفعال، والعلم بكل ما يبصر وما لا يبصر منها ومن غيرها, فيكون من البصر ومن البصيرة، فليراقبه العبد قولاً وفعلاً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [الآية: 131]. قال بعضهم: أمر الكل بالتقوى، وأوصل إلى التقوى من جرى له فى السبق عناية.
القشيري
تفسير : كلَّف الكافة بالرجوع إليه، ومجانبة مَنْ سِواه، والوقوف على أمره، ولكن فريقاً وُفِّق وَفَرِيقًا خُذِل. ثم عَرَّفَ أهلَ التحقيق أنه غَنِيٌّ عن طاعة كلِّ وليِّ، وبريء عن زلة كل غويٍّ.
البقلي
تفسير : {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} التقوى حقيقة العبودية ولا يستقيم امرها الا باداء حقوق التقوى وهى الاجتناب من ما منعه الله من النفس والهوى ومعنى ان اتقوا الله اى انظروا بابصار القلوب الى عالم الغيوب ترون سبحات عظمتى وجلال عزتى الذى ينبغى للعباد ان يدونا تحت تجلاه قال بعضهم امر الكل بالتقوى واوصل النفس الى التقوى من جرى له فى السبق عناية.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولله ما فى السموات وما فى الارض} اى من الموجودات كائنا ما كان من الخلائق ارزاقهم وغير ذلك. قال الشيخ نجم الدين قدس سره {لله ما فى السموات} من الدرجات العلى وجنات المأوى والفردوس الاعلى {وما فى الارض} من نعيم الدنيا وزينتها وزخارفها والله مستغن عنها وانما خلقها لعباده الصالحين كما قال تعالى {أية : وسخر لكم ما فى السموات وما فى الارض} تفسير : [الجاثية: 13]. وخلق العباد لنفسه كما قال {أية : واصطنعتك لنفسى} تفسير : [طه: 41]. {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} اى بالله قد امرناهم فى كتابهم وهم اليهود والنصارى ومن قبلهم من الامم. واللام فى الكتاب للجنس يتناول الكتب السماوية ومن متعلقة بوصينا او بأوتوا {واياكم} عطف على الذين اى وصيناكم يا امة محمد فى كتابكم {ان اتقوا الله} اى بان اتقوا الله فان مصدرية حذف منها حرف الجر اى امرناهم واياكم بالتقوى {و} قلنا لهم ولكم {ان تكفروا فان لله ما فى السموات وما فى الارض} اى فان الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم وانما وصاكم لرحمته لا لحاجته ثم قرر ذلك بقوله {وكان الله غنيا} اى عن الخلق وعبادتهم لا تعلق له بغيره تعالى لا فى ذاته ولا فى صفاته بل هو منزه عن العلاقة مع الاغيار {حميدا} محمودا فى ذاته حمدوه او لم يحمدوه. قال الغزالى فى شرح الاسماء الحسنى والله تعالى هو الحميد لحمده لنفسه ازلا ولحمد عباده له ابدا ويرجع هذا الى صفات الجلال والعلو والكمال منسوبا الى ذكر الذاكرين له فان الحمد هو ذكر اوصاف الكمال من حيث هو كمال والحميد من العباد من حمدت عقائده واخلاقه واعماله كلها من غير مثنوية وذلك هو محمد صلى الله عليه وسلم ومن يقرب منه من الانبياء ومن عداهم من الاولياء والعلماء كل واحد منهم حميد بقدر ما يحمد من عقائده واخلاقه واعماله واقواله.
الطوسي
تفسير : لما ذكر الله قوله: وأن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته بين فى هذه الآية بان له ملك ما في السموات وما في الارض، لا يتعذر عليه إغناء كل واحد من الزوجين عند التفرق، وإيناسه من وحشته ثم رجع إلى توبيخ من سعى في أمر بني أبيرق وتعنيفهم، ووعيد من فعل فعل المرتد منهم، فقال: ولقد وصينا أهل التوراة والانجيل وهم الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أي وأمرناكم أيضاً أيها الخلق {أن اتقوا الله} والتقدير بان اتقوا الله وأحذروا أن تعصوه، وتخالفوا أمره ونهيه {وإن تكفروا} يعني تجحدوا وصيته إياكم أيها المؤمنون، فتخالفوها، {فإن لله ما في السماوات وما في الأرض} يعني له ملك ما فيهما، فلا يستحضر بخلافكم وصيته ولا ان تكونوا أمثال اليهود والنصارى، بل تضرون انفسكم بما يحل بكم من عقابه، وغضبه {وكان الله غنياً} لم يزل، غير محتاج إلى خلقه وإن الخلق هم المحتاجون إليه {حميداً} يعني مستوجب الحمد عليكم بصنائعه الحميدة إليكم، والائه الجميلة، فاستدعوا ذلك باتقاء معاصيه، والمسارعة إلى طاعته فيما يامركم به وهذه الجملة مروية عن علي (عليه السلام) وهو قول جميع المفسرين، ثم قال: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} بمعنى له ملك ما فيهما، وهو القيم بجميعه والحافظ له لا يغرب عنه علم شيء ولا يؤوده حفظه وتدبيره {وكفى بالله وكيلاً} يعني كفى الله حافظاً. فان قيل لم كرر قوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} الآيتين، احداهما عقيب الاخرى؟ قلنا: لاختلاف الخبرين: الاول في الآية الاولى عن حاجة الخلق إلى بارئه، وغناه تعالى عن خلقه، وفي الثانية حفظ الله تعالى إياهم وعلمه بهم، وتدبيره لهم فان قيل: هلا قال: وكان الله غنياً حميداً أو كفى به وكيلا؟ قيل: ما ذكره في الآية الاولى يصلح ان يختم به وصف الله تعالى بالغناء وأنه محمود، ولم يذكر فيها ما يقتضي وصفه بالحفظ والتدبير، فلذلك كرر قوله: {ولله ما في السماوات}. وقوله: {إن يشأ يذهبكم} معناه، ان يشأ الله ايها الناس ان يهلككم، ويفنيكم ويأت بقوم آخرين غيركم ينصرون نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) ويؤازرونه، كان الله تعالى على ذلك قديراً، فوبخ تعالى بهذه الآيات الخائنين الذين خانوا الدرع وساعدوهم على ذلك، ودافعوا عنهم وحذر أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يكونوا مثلهم وان يفعلوا فعل المرتد منهم في ارتداده ولحاقه بالمشركين وبين أن من فعل ذلك لا يضر إلا نفسه، لانه المحتاج إليه (تعالى) وغناه عنه (عز وجل) وعن جميع الخلق وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه لما نزلت هذه الآية ضرب بيده علي ظهر سلمان، فقال:حديث : هم قوم هذا تفسير : رواه ابو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، ثم أخبر (تعالى) من كان ممن أظهر الايمان بمحمد (صلى الله عليه وسلم) من أهل النفاق الذين يبطنون الكفر، ويظهرون الايمان. يريد ثواب الدنيا يعني عرض الدنيا باظهاره بلسانه في الايمان، {فعند الله ثواب الدنيا} يعني جزاؤه في الدنيا منها، وثوابه فيها هو ما يأخذ من الفيء والغنيمة إذا شهد مع المسلمين الحرب، وأمنه على نفسه وماله وذريته. وأما ثوابه في الآخرة فنار جهنم. {وكان الله سميعاً بصيراً} يعني انه كان لم يزل على صفة يجب ان يسمع المسموعات إذا وجدت، ويبصر المبصرات إذا وجدت. وهذه الصفة هي كونه حياً لا آفة فيه والصفة حاصلة له في الازل والافات مستحيلة عليه، فوجب وصفه بانه سميع بصير وانما ذكر ها هنا ذلك، ليبين ان ما يقوله المنافقون اذا لقوا المؤمنين فان الله يسمعه ويعلمه وهو قولهم: إنا مؤمنون بصيراً بما يضمرونه وينطوون عليه من النفاق. وموضع كان في قوله: {من كان} جزم، لانه شرط والجواب الفاء. وارتفعت (يريد) لانه ليس فيها حرف عطف كما قال: {أية : من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها } تفسير : وقال: {أية : من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها } تفسير : جزم، لأنه جواب الشرط.
الجنابذي
تفسير : {وَللَّهِ} صدوراً ورجوعاً وملكاً {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فيه ايضاً معنى التّعليل {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيه تأكيد أكيدٌ للتّقوى اشعاراً بانّ ما ذكر على طريق المداراة معكم من التّقوى عن سوء العشرة وعن الفرقة فهو وصيّة قديمة وجديدة فما لكم لا تتّقون عن سوء العشرة وتنتهون فى امر ازواجكم الى الفرقة ولقد جمع الله فى هذه الوصيّة على سبيل الاجمال جميع ما ينبغى ان يوصى به فانّ تقوى الله عمّا لا يرضى ملاك ترك كلّ حرام ومكروه ومناط فعل كلّ واجب ومندوب {وَإِن تَكْفُرُواْ} وتخرجوا من السّماء الّتى هى محلّ الطّاعة الى الارض الّتى هى محلّ الشّرك والمعصية فلا تخرجوا من مملكته حتّى ينقص فيها شيء ولا حاجة له الى طاعتكم وتقويكم حتّى لا يقضى بترككم حاجته، ولا يلحقه ذمّ بواسطة كفركم حتّى يحتاج فى رفعه الى طاعتكم، ولا حاجة له الى حفظكم لنفسه ومملكته حتّى تكونا بترككم الطّاعة غير محفوظتين {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} فاقيم السّبب مقام الجزاء.
الأعقم
تفسير : {ولقد وصينا} التوصية في معنى القول، وقوله: و{الذين أُوتوا الكتاب} اسم للجنس تناول الكتب السماوية {من قبلكم وإياكم} يعني أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وقلنا لهم قيل: ولكم {وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض} يعني الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم فحقه أن يكون مطاعاً، ويعني بالذين أوتوا الكتاب من الأمم السالفة ووصيناكم أن تتقوا الله بمعنى أنها وصيَّة ما زال يوصي الله بها عباده {وكان الله غنياً} عن خلقه وعن عبادتهم جميعاً {حميداً} مستحقاً للحمد {ان يشأ يذهبكم} يفنيكم ويعذبكم كما أوجدكم وأنشأكم {ويأت بآخرين} ويوجد المتأخرين مكانكم أو خلقا آخر من غير الإنس {وكان الله على ذلك} من الاعدام والايجاد {قديراً} لا يمتنع عليه شيء {من كان يريد ثواب الدنيا} كالمجاهد يزيد بجهاده الغنيمة {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} فما له طلب أحدهما دون الأخرى لأن من جاهد لله خالصاً لم تحتطه الغنيمة وله من الثواب في الآخرة ما الغنيمة في جنبه كلاَ شيء {يأيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط} مجتهدين في إقامة العدل {شهداء لله} يقيمون شهادتكم كما أمرتم بإقامتها {ولو على أنفسكم} ولو كانت الشهادة على أنفسكم وآبائكم وأقاربكم وهو أن يقرّ على نفسه بما عليها لأنه في معنى الشهادة {إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى} بالغني والفقير أي بالنظر لهما {فلا تتَّبعوا الهوى} يعني هوى أنفسكم {أن تعدلوا} عن الحق {وأن تلووا أو تعرضوا} يعني وأن تلووا ألسنتكم عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها.
اطفيش
تفسير : {وَللهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ}: زيادة تسلية لهما وترجية لهما، لأن يجد كل منهما بعد التفرق ما يحب، ولأن يقلب أيضا مقلب القلوب قلبه اليها، لأنه واسع القدرة والملك، اذ قدر وملك من فى السماوات وما فى الأرض، وقيل: ذكر هذه الجملة تقريرا للتقوى فى قوله: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابِ مِن قَبْلِكُمْ}: وهم اليهود والنصارى، ومن قبلهم، والكتاب الجنس فشمل التوراة والانجيل وغيرهما من كتب الله التى قبل القرآن و {مِن قَبْلِكُمْ} متعلق بوصينا أى وصيناهم قبلكم، ووصيناكم بعدهم، أو بأوتوا أى أعطاهم الله الكتب قبلكم، وأعطاكم الكتب بعدهم، حديث، ويناسبه أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وذكر التوصية مبالغة فى لزوم التقوى، وكذا اسنادها الى من قبلنا مبالغة، أى لزوم التقوى أمر لا بد منه قد وقع على من قبلكم فكذا يقع عليكم. {وَإِيَّاكُمْ}: عطف على الذين. {أَنِ اتَّقُوا اللهَ} ان سفرة لأن فى الايصاء معنى القول دون حروفه، وقيل: مصدرية على تقدير الياء، أى بأن اتقوا، فبالتقوى يسعد الانسان وينجوا فى العاقبة، وهى توحيد الله وعبادته وطاعته وترك معاصيه. {وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ}: ما بعد الواو من الشرط والجزاء والأداء مفعول القول محذوف، والقول معطوف على وصينا، أى ولقد صينا00الخ، وقلنا أن تكفروا00الخ، وانما لم نجعل أن تكفروا00الخ معطوف بالواو على أن اتقوا الله، لأن الايصاء لا يكون بقوله: {إِن تَكْفُرُوا} نعم يجوز عندى هذا العطف باعتبار ما فى التوصية من معنى القول، فيغنى عن تقدير القول، وباعتبار معنى الايصاء باستشعار أن الله غنى عمن كفر وغيره، اذ كفره عليه وتقوى المتقى له، وما فى الموضعين واقعة على العاقل وغيره شملت الملائكة والانس والجن، ومن له ملك السماوات والأرض حقيق أن تتقى غضبه، وترجى رحمته، ومن له الملائكة الكرام لا يفترون عن العبادة لحظة، ولا يعصونه كيف لا يطيعه غيرهم، ولا تزيده طاعتهم عزا، ولا تنقصه معصيتهم وكفرهم، من أملاكه السماوات والأرض وهو غير محتاج اليها. {وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا}: عن خلقه وعبادته. {حَمِيداً}: محمودا فى فعله وقوله، ومحمودا على نعمه.
الالوسي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فلا يتعذر عليه الإغناء بعد الفرقة، ولا الإيناس بعد الوحشة ـ ولا ولا ـ وفيه من التنبيه على كمال سعته وعظم قدرته ما لا يخفى، والجملة مستأنفة جيء بها ـ على ما قيل ـ لذلك {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} أي أمرناهم بأبلغ وجه، والمراد بهم اليهود والنصارى ومن / قبلهم من الأمم، والكتاب عام للكتب الإلهية، ولا ضرورة تدعو إلى تخصيص الموصول باليهود والكتاب بالتوراة، بل قد يدعى أن التعميم أولى بالغرض المسوق له الكلام وهو تأكيد الأمر بالإخلاص، و {مِنْ} متعلقة ـ بوصينا ـ أو ـ بأوتوا ـ {وَإِيَّـاكُمْ} عطف على الموصول وحكم الضمير المعطوف أن يكون منفصلاً ولم يقدم ليتصل لمراعاة الترتيب الوجودي {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي وصينا كلاً منهم ومنكم بأن اتقوا الله تعالى على أن {أَنْ} مصدرية بتقدير الجار ومحلها نصب أو جر على المذهبين، ووصلها بالأمر ـ كالنهي وشبهه ـ جائز كما نص عليه سيبويه، ويجوز أن تكون مفسرة للوصية لأن فيها معنى القول. وقوله تعالى: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} عطف على {وَصَّيْنَا} بتقدير قلنا ـ أي وصينا وقلنا لكم ولهم إن تكفروا فاعلموا أنه سبحانه مالك الملك والملكوت لا يضره كفركم ومعاصيكم، كما أنه لا ينفعه شكركم وتقواكم وإنما وصاكم وإياهم لرحمته لا لحاجته ـ وفي الكلام تغليب للمخاطبين على الغائبين، ويشعر ظاهر كلام البعض أن العطف على {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} وتعقب بأن الشرطية لا تقع بعد أن المصدرية، أو المفسرة فلا يصح عطفها على الواقع بعدها سواء كان إنشاءاً أم إخباراً، والفعل {وَصَّيْنَا} أو أمرنا أو غيره، وقيل: إن العطف المذكور من باب:شعر : علفتها تبناً وماءاً بارداً تفسير : وجوز أبو حيان أن تكون جملة مستأنفة خوطب بها هذه الأمة وحدها، أو مع الذين أوتوا الكتاب {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً } بالغنى الذاتي عن الخلق وعبادتهم {حَمِيداً} أي محموداً في ذاته حمدوه أم لم يحمدوه، والجملة تذييل مقرر لما قبله، وقيل: إن قوله سبحانه: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} الخ تهديد على الكفر أي أنه تعالى قادر على عقوبتكم بما يشاء، ولا منجى عن عقوبته فإن جميع ما في السموات والأرض له، وقوله عز وجل: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} للإشارة إلى أنه جل وعلا لا يتضرر بكفرهم.
ابن عاشور
تفسير : جملة {ولله ما في السماوات وما في الأرض} معترضة بين الجمل التي قبلها المتضمنّة التحريض على التقوى والإحسان وإصلاح الأعمال من قوله: {أية : وإن تحسنوا وتتقّوا}تفسير : [النساء: 128] وقوله: {أية : وإن تصلحوا وتتّقوا}تفسير : [النساء: 129] وبين جملة {ولقد وصينا} الآية. فهذه الجملة تضمّنت تذييلات لتلك الجمل السابقة، وهي مع ذلك تمهيد لما سيذكر بعدها من قوله: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب} الخ لأنها دليل لوجوب تقوى الله. والمناسبة بين هذه الجملة والتي سبقتها: وهي جملة {أية : يغن الله كُلاَ من سعته}تفسير : [النساء: 130] أنّ الذي له ما في السماوات وما في الأرض قادر على أن يغني كلّ أحد من سعته. وهذا تمجيد لله تعالى، وتذكير بأنّه ربّ العالمين، وكناية عن عظيم سلطانه واستحقاقه للتقوى. وجملة {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} عطف على جملة {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به}تفسير : [النساء: 116]. وجُعل الأمر بالتقوى وصيةً: لأنّ الوصية قول فيه أمرٌ بشيء نافع جامع لخير كثير، فلذلك كان الشأن في الوصية إيجاز القول لأنّها يقصد منها وعي السامع، واستحضاره كلمة الوصية في سائر أحواله. والتقوى تجمع الخيرات، لأنّها امتثال الأوامر واجتناب المناهي، ولذلك قالوا: ما تكرّر لفظ في القرآن ما تكرّر لفظ التقوى، يعنون غير الأعلام، كاسم الجلالة. وفي الحديث عن العرباض بن سارية: وَعَظَنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله: كأنَّهَا موعظة مُوَدّعٍ فأوْصِنا، قال: «حديث : أوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ والسمع والطاعة»تفسير : . فذكْرُ التقوى في {أن اتّقوا الله} الخ تفسير لجملة {وصيّنا}، فأنْ فيه تفسيرية. والإخبارْ بأنّ الله أوصى الذين أوتوا الكتاب من قبل بالتقوى مقصود منه إلْهاب همم المسلمين للتهمّم بتقوى الله لئلاّ تفضلهم الأمم الذين من قبلهم من أهل الكتاب، فإنّ للائتساء أثراً بالغاً في النفوس، كما قال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}تفسير : [البقرة: 183]، والمراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى، فالتعريف في الكتاب تعريف الجنس فيصدق بالمتعدّد. والتقوى المأمور بها هنا منظور فيها إلى أساسها وهو الإيمان بالله ورسله ولذلك قوبلت بجملة {وإن تكفروا فإنّ لله ما في السماوات وما في الأرض}. وبيَّن بها عدم حاجته تعالى إلى تقوى الناس، ولكنّها لصلاح أنفسهم، كما قال {أية : إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم ولا يرضى لعباده الكفر}تفسير : [الزمر: 7]. فقوله: {فإنّ لله ما في السماوات وما في الأرض} كناية عن عدم التضرّر بعصيَان من يعصونه، ولذلك جعلها جواباً للشرط، إذ التقدير فإنّه غنيّ عنكم. وتأيّد ذلك القصد بتذييلها بقوله: {وكان الله غنياً حميداً} أي غنيّاً عن طاعتكم، محموداً لذاته، سواء حمده الحامدون وأطاعوه، أم كفروا وعصوه. وقد ظهر بهذا أنّ جملة {وإن تكفروا} معطوفة على جملة {أن اتّقوا الله} فهي من تمام الوصية، أي من مقول القول المعبّر عنه بــــ {وصيّنا}، فيحسن الوقف على قوله {حميداً}. وأمّا جملة {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفَى بالله وكيلاً} فهي عطف على جملة {ولقد وصيّنا}، أتى بها تميهداً لقوله: {إن يشأ يذهبكم} فهي مراد بها معناها الكنائي الذي هو التمكّن من التصرّف بالإيجاد والإعدام، ولذلك لا يحسن الوقف على قوله: {وكيلاً}. فقد تكرّرت جملة {ولله ما في السماوات وما في الأرض} هنا ثلاث مرّات متتاليات متّحدة لفظاً ومعنى أصلياً، ومختلفة الأغراض الكنائية المقصودة منها، وسبقتها جملة نظيرتهنّ: وهي ما تقدّم من قوله: {أية : ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكلّ شيء محيطاً}تفسير : [النساء: 126]. فحصل تكرارها أربع مرات في كلام متناسق. فأمّا الأولى السابقة فهي واقعة موقع التعليل لجملة {أية : إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 116]، ولقوله: {أية : ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً}تفسير : [النساء: 116]، والتذييلِ لهما، والاحتراس لجملة {أية : واتّخذ الله إبراهيم خليلاً}تفسير : [النساء: 125]، كما ذكرناه آنفاً. وأما الثانية التي بعدها فواقعة موقع التعليل لجملة {يغني الله كلاَّ من سعته}. وأما الثالثة التي تليها فهي علّة للجواب المحذوف، وهو جواب قوله: {وإن تكفروا}؛ فالتقدير: وإن تكفروا فإنّ الله غنيّ عن تقواكم وإيمانكم فإنّ له ما في السماوات وما في الأرض وكان ولا يزال غنيّاً حميداً. وأمّا الرابعة التي تليها فعاطفة على مقدّر معطوف على جواب الشرط تقديره: وإن تكفروا بالله وبرسوله فإنّ الله وكيل عليكم ووكيل عن رسوله وكفى بالله وكيلاً. وجملة {إن يشأ يذهبكم} واقعة موقع التفريع عن قوله: {غنيّاً حميداً}. والخطاب بقوله: {أيها الناس} للناس كلّهم الذين يسمعون الخطاب تنبيهاً لهم بهذا النداء. ومعنى {يَأت بآخرين} يُوجد ناساً آخرين يكونون خيراً منكم في تلقيّ الدين. وقد علم من مقابلة قوله: {أيها الناس} بقوله: {آخرين} أنّ المعنى بناس آخرين غير كافرين، على ما هو الشائع في الوصف بكلمة آخرَ أو أخرى، بعد ذكرِ مقابِل للموصوف، أن يكون الموصوف بكلمة آخر بعضاً من جنس ما عطف هو عليه باعتبار ما جعله المتكلّم جنساً في كلامه، بالتصريح أو التقدير. وقد ذهب بعض علماء اللغة إلى لزوم ذلك، واحتفل بهذه المسألة الحريري في «درّة الغوّاص». وحاصلها: أنّ الأخفش الصغير، والحريري، والرضيّ، وابن يسعون، والصقلي، وأبا حيان، ذهبوا إلى اشتراط اتّحاد جنس الموصوف بكلمة آخرَ وما تصرّف منها مع جنس ما عطف هو عليه، فلا يجوز عندهم أن تقول: ركبت فرساً وحماراً آخر، ومثّلوا لما استكمل الشرط بقوله تعالى: {أية : أيّاماً معدودات}تفسير : [البقرة: 184] ثم قال: {أية : فعدّة من أيّام أخَر}تفسير : [البقرة: 185] وبقوله: {أية : أفرأيتم اللاتَ والعُزّى ومناةَ الثالثةَ الأخرى}تفسير : [النجم: 19، 20] فوصف مناة بالأخرى لأنّها من جنس اللات والعزّى في أنّها صنم، قالوا: ومِثل كلمة آخر في هذا كلمات: سائر، وبقية، وبعض، فلا تقول: أكرمت رجلاً وتركت سائر النساء. ولقد غلا بعض هؤلاء النحاة فاشترطوا الاتحاد بين الموصوف بآخر وبين ما عطف هو عليه حتّى في الإفراد وضدّه. قاله ابن يسعون والصقلي، وردّه ابن هشام في «التذكرة» محتجّاً بقول ربيعة بن مكدم:شعر : ولقد شفعتهما بآخر ثالث وأبى الفرار لي الغداة تكرمي تفسير : وبقول أبي حيّة النميري:شعر : وكنتُ أمشي على رجلين معتدلاً فصرت أمشي على أخرى من الشَّجَر تفسير : وقال قوم بلزوم الاتّحاد في التذكير وضدّه، واختاره ابن جنّي، وخالفهم المبّرد، واحتجّ المبرّد بقول عنترة:شعر : والخيلُ تقتحم الغبارَ عَوابسا من بين شَيْظَمةٍ وآخرَ شَيْظم تفسير : وذهب الزمخشري وابن عطية إلى عدم اشتراط اتّحاد الموصوف بآخر مع ما عطف هو عليه، ولذلك جوزا في هذه الآية أن يكون المعنى: ويأت بخلق آخرين غير الإنس. واتّفقوا على أنّه لا يجوز أن يوصف بكلمة آخر موصوف لم يتقدّمه ذكرُ مقابل له أصلاً، فلا تقول: جاءني آخَر، من غير أن تتكلّم بشيء قبلُ، لأنّ معنى آخر معنى مغاير في الذات مجانس في الوصف. وأمّا قول كُثير:شعر : صلّى على عَزّةَ الرحمانُ وابنتِها لُبْنَى وصلّى على جارَاتها الأُخَر تفسير : فمحمول على أنّه جعل ابنتها جارة، أو أنّه أراد: صلى على حبائبي: عزّة وابنتها وجاراتها حبائبي الأُخَر. وقال أبو الحسن لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولم يأت عليه بشاهد. قال أبو الحسن: وقد يجوز ما امتنع من ذلك بتأويل. نحو: رأيت فرساً وحماراً آخر بتأويل أنّه دابّة، وقول امرىء القيس:شعر : إذا قلت هذا صاحبي ورضيتُه وقَرّتْ به العينان بُدِّلْتُ آخرا تفسير : قلت: وقد يجعل بيت كثير من هذا، ويكون الاعتماد على القرينة. وقد عدّ في هذا القبيل قول العرب: «تربت يمين الآخِر»، وفي الحديث: قال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم «إنّ الآخر وقع على أهله في رمضان» كناية عن نفسه، وكأنّه من قبيل التجريد. أي جرّد من نفسه شخصاً تنزيهاً لنفسه من أن يتحدّث عنها بما ذكره. وفي حديث الأسلمي في «الموطأ»: أنّه قال لأبي بكر «حديث : إنّ الآخر قد زنى» تفسير : وبعض أهل الحديث يضبطونه ــــ بالقصر وكسر الخاء ــــ،. وصوّبه المحقّقون. وفي الآية إشارة إلى أنّ الله سيخلف من المشركين قوماً آخرين مؤمنين، فإنّ الله أهلك بعضَ المشركين على شركه بعد نزول هذه الآية، ولم يشأ إهلاك جميعهم. وفي الحديث: لعلّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 131- إن لب الدين هو الخضوع لمنْشِئ الكون ذى الجلال والإكرام، والاعتراف بسلطانه المطلق، فلله كل ما فى السموات والأرض، وبهذا السلطان المطلق قال تعالى: وصيَّنا أهل الديانات السماوية من أهل الكتاب وأنتم - معشر المسلمين - بأن تخافوه وتعبدوه، وألا تكفروا بعبادته، فهو صاحب السلطان المطلق فى الأرض والسموات، لا يخل بسلطانه شئ، وهو غنى عنكم، ومع ذلك يحمد لكم إيمانكم، لأن من شأنه الغنى، وأن يحمد مع ذلك فعل الخير من عباده. 132- ولله - سبحانه وتعالى - تدبير كل ما فى السموات والأرض، فهو المسيطر والمُسَيِّر والمدبر وكفى أن يكون هو المتولى أمر الكون لينتظم، وأمر الناس ليعبدوه، ويفوضوا أمورهم إليه ويتقوه. 133- إنكم - معشر العباد - فى سلطان الله، وهو القادر القاهر، إن يشأ يمتكم ويأت بآخرين، وهو ذو الجلال، قدير على ذلك وعلى كل شئ. 134- وإن الناس إذا طلبوا نعيم الدنيا ومنافعها الحلال من طريق الحق المستقيم، فإن الله يعطيهم نعيم الدنيا والآخرة، وهو وحده الذى يملك النعيمين. 135- إن العدل هو نظام الوجود، وهو القانون الذى لا يختلف النظر فيه، فيا أيها الذين أذعنتم لله الحق، ولدعوة رسله، كونوا مراقبين لأنفسكم فى الإذعان للعدل، ومراقبين للناس، فانصفوا المظلوم، وكونوا قائمين لا لرغبة غنى أو لعطف على فقير، لأن الله هو الذى جعل الغنى والفقير، وهو أولى بالنظر فى حال الغنى أو الفقير، وإن الهوى هو الذى يميل بالنفس عن الحق فلا تتبعوه لتعدلوا وإن تتولوا إقامة العدل أو تعرضوا عن إقامته فإن الله يعلم ما تعملون علماً دقيقاً، ويجازيكم بعملكم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولله ما في السماوات وما في الأرض: أي خلقاً وملكاً وتصرفاً وتدبيراً. وصينا: عهدنا إليهم بذلك أي بالتقوى. أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى. الوكيل: من يفوض إليه الأمر كله ويقوم بتدبيره على أحسن الوجوه. ثواب الدنيا: جزاء العمل لها. ثواب الآخرة: جزاء العمل لها وهو الجنة. سمعيا بصيراً: سميعاً: لأقوال العباد بصيراً: بأعمالهم وسيجزيهم بها خيراً أو شراً. معنى الآيتين: لما وعد تبارك وتعالى كلا من الزوجين المتفرقين بالإغناء عن صاحبه ذكر أنه يملك ما في السماوات وما في الأرض ولذا فهو قادر على إغنائهما لسعة ملكه وعظيم فضله، ثم واجه بالخطاب الكريم الأمة جمعاء ومن بينها بني أبيرق فقال {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} يريد من اليهود والنصارى وغيرهم أوصاهم بتقواه عز وجل فلا يقدموا على مشاقته ولا يخرجوا عن طاعته بترك ما أوجب أو بفعل ما حرم، ثم أعلمهم أنهم وإن كفروا كما كفر طعمة وارتد فإن ذلك غير ضائره شيئاً، لأنه ذو الغنى والحمد، وكيف وله جميع ما في السماوات وما في الأرض من كائنات ومخلوقات وهو ربها ومالكها والمتصرف فيها. هذا ما تضمنته الآية الأولى [131] أما الآية الثانية [132] فقد كرر تعالى فيها الإِعلان عن استحقاقه الحمد والغنى وذلك لملكه جميع ما في السماوات وما في الأرض ولقيوميته عليهما وكفى به تعالى حافظاً ووكيلاً. وفي الآية الثالثة [133] يخبر تعالى أنه قادر على إذهاب كافة الجنس البشري واستبداله بغيره وهو على كل ذلك قدير، فقال تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} وذلك لعظيم قدرته وكفاية وكالته. وفي الآية الرابعة والأخيرة في هذا السياق [134] يقول تعالى مرغباً عباده فيما عنده من خير الدنيا والآخرة من كان يريد بعمله ثواب الدنيا {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} فلم يقصر العبد عمله على ثواب الدنيا، وهو يعلم أن ثواب الآخرة عند الله أيضاً فليطلب الثوابين معاً من الله تعالى، وذلك بالإِيمان والتقوى والإِحسان، وسيجزيه تعالى بعمله ولا ينقصه له وذلك لعلمه تعالى وقدرته، {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}، ومن كان كذلك فلا يخاف معه ضياع الأعمال. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الوصية بالتقوى، وذلك بترك الشرك والمعاصي بعد الإِيمان وعمل الصالحات. 2- غنى الله تعالى عن سائر خلقه. 3- قدرة الله تعالى على إذهاب الناس كلهم والإِتيان بغيرهم. 4- وجوب الإِخلاص في العمل لله تعالى وحرمة طلب الآخرة بطلب الدنيا.
القطان
تفسير : بعد أن أمر سبحانه بالعدل في شؤون المرأة والإحسان لليتامى والضعفاء والمساكين ـ بيّن هنا أنه قد أمرنا بكل ذلك، لا لأنه يستفيد منه او أنه بحاجة الى اعمال العباد، فهو مستغن عن جميع المخلوقات، وإنما أمرَنا بالعدل حتى نزداد إيماناً وعملاً صالحا. لذلك ترى انه كرر كونه مالك السماوات والأرض ومَن فيهن ثلاث مرات ليعلموا ذلك علم اليقين. إن لبّ الدين هو الخضوع لخالق هذا الكون، والاعتراف بسلطانه المطلق على كل ما في السماوات والأرض. وبهذا السلطان أبرزَ وصيّته لكل من أنزل عليهم كتاباً من عنده فقال ما معناه: وصّينا أهل الديانات السماوية ووصيناكم أنتم يا معشر المسلمين أن تخافوه وتعبدوه. {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} لا يخلّ بسلطانه شيء. وهو غنيّ عنكم.. ومع ذلك، فإنه يحمد لكم إيمانكم. ثم كرر ذلك {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...} فهو المسيطر والمدبّر، وكفى ان يكون هو المتولّي أمرَ هذا الكون العظيم لينتظم، والناس كي يعبدوه ويفوضوا أمورهم اليه. ثم بيّن لمن يكفرون مآل شأنهم في ملك الله، وذكَر قدرته على الذهاب بهم والمجيء بغيرهم فقال {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً} اي أنه قادر على إفنائكم من الوجود، وايجاد قوم آخرين من البشر, وهو اذ يوصيهم بتقواه لا يضره شيء اذا لم يسمعوا الوصية ـ ان ذلك لن يُنقص من ملكه شيئاً، وانما يوصيهم بالتقوى لصلاح حالهم. وبقدر ما يؤكد الاسلام كرامة الانسان على الله وتفضيله على كل ما في الكون ـ يقرّر هَوانَهُ على الله حين يكفر ويتجبّر، ويدّعي خصائص الألوهية.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلْكِتَابَ} (131) - اللهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَمَالِكُهُمَا، فَلا يَتَعَذَّرُ عَلَيهِ الإِغْنَاءُ بَعْدَ الفَقْرِ، وَلا الإِينَاسُ بَعْدَ الوَحْشَةِ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ بِمَا أَمَرَ بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ، بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِتَقْوَاهُ فِي إِقَامَةِ سُنَنِهِ وَشَرْعِهِ، لِتَرْتَقِيَ مَعَارِفُكُمْ، وَتَزْكُوَ نُفُوسُكُمْ، وَتَنْتَظِمَ مَصَالِحُكُمُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَويَةُ. أمّا إذا اخْتَارَ النَّاسُ الكُفْرَ، فَإنَّ اللهَ، عَزَّ وَجَلَّ، غَنْيٌّ عَنِ النَّاسِ لاَ يَضُرُّهُ كُفْرُهُمْ، وَلاَ تُؤْذِيهِ مَعَاصِيهِمْ، وَلاَ يَنْفَعُهُ شُكْرُهُمْ، وَلاَ تَقْوَاهُمْ، وَقَدْ أَوْصَاكُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ رَحْمَةً بِكُمْ، فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ عِبَادَتِكُمْ، وَهُوَ تَعَالَى مَحْمُودٌ فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيُشَرِّعُهُ، وَهُوَ المَالِكُ المُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
الثعلبي
تفسير : {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني أهل التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة على الإسلام {وَإِيَّاكُم} يا أهل القرآن في كتابكم {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي وحّدوا الله وأطيعوا ولا تشركوا به شيئاً {وَإِن تَكْفُرُواْْ} بما أوصاكم الله به {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً} عن جميع خلقه غير محتاج إلى شيء ممّا في ايديهم. وحقيقية الغنيّ عند أصحاب الصفات من له غنى. والغنى هو القدرة على ما يريد، والغنيّ القادر على ما يريد، ثم ينظر فإن كان قادراً على [وصف] الحاجة عليه وَسَمْنَاهُ بذلك، وإن كان الوصف بالحاجة عليه لم يصفه به، والفقر العجز عن ذلك وعدمه. وإلى هذا ذهب [المعتزلة]. وقال الجبائي: إن معنى الوصف لله بإنه غني هو أنّه لا تصل إليه المنافع والمضار، ولا يجوز عليه اللذات والسرور والآلام، والأول أصوب بذلك في الشاهد والغائب، وإطلاق المسلمين بعضهم لبعض إنه غني وفقير، والله اعلم. {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}. الضحاك عن ابن عباس: يعني دافعاً مجيراً. عكرمة عن ابن عباس: يعني شهيداً {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} فيميتكم يعني الكفار {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} يعنى بغيركم خيراً منكم وأطوع {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً} أي مستطيعاً على ذلك. القادر والقدير عند أصحاب الصفات من له قدرة قائمة به بائن بها عن العاجز ثم يختلف القادرون بعد ذلك فمنهم من تكون قدرته حالّة في بعضه، ومنهم من تكون قدرته غير موصوفة بالحلول، والقدرة هي التي يكون بها الفعل من غير ان يموت بموته ولا يموت ويعود للعجز معها. قالت المعتزلة: القادر هو الذي يجوز منه الفعل، والدليل على صحة ما قال أصحاب الصفات إن القادر رأيناه مخالفاً للمعاجز فيما قدر عليه وقد بطل أن يخالفه من أجل إنه صفة لموصوف يخالف سائر الموصوفين بها أو يخالف من أجل إنه محدث به خلاف العاجز فلما يتعلق هذه الأقسام صح إنه إنما يخالفه لأن له قدرة ليست للعاجز فلذلك قلنا إن القديم جل جلاله قادر بقدرة دون أن يكون قادر بنفسه. {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} . يقول: من كان يريد بعمله الذي فرضه الله [بقدرته] عرضاً من الدنيا ولايريد به الله أثابه الله عليه ما أحب الله من عرض الدنيا أو دفع عنه فيها ما أحب الله، وليس له في الآخرة من ثواب لأنه عمل لغير الله، ومن أراد بعمله الذي افترضه الله عز وجل عليه في الدنيا ثواب الآخرة أثابه الله عليه من عرض الدنيا ما أحب الله ودفع عنه ما أحب الله وجزاه في الآخرة الجنة بعمله. وروى سليمان بن عمرو عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نيّة المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نيته، وليس من مؤمن يعمل عملاً إلاّ صار في قلبه صورتان ". تفسير : فإن كانت الأولى لله فلا يهده الآخرة {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ} الآية يعني كونوا قوامين بالشهادة ويعني بالقسط العدل. قال ابن عباس: معناه: كونوا قوّامين بالعدل في الشهادة على من كانت {وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} في الرحم فأقيموها عليهم لله تعالى، ولا تحابوا غنياً لغناه، ولا ترحموا فقيراً لفقره فذلك قوله تعالى {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} منكم فهو يتولى ذلك منهم {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ} يعني أن تتركوا الحق وتتبرأوا. قال الفراء: ويقال معناه: لاتتبعوا الذنوب لتعدلوا كما يقال: لا تتبعن هواك ليرضى عنك أي أنهاك عن هذا كيما يرضى ربّك. ويقال: فلا تتبعوا الهوى فراراً من إقامة الشهادة {وَإِن تَلْوُواْ} باللسان فتحرفوا الشهادة لتبطلوا الحق {أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ} فتكتمونها ولاتقيمونها عند الحكام {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} من إقامتها وكتمانها {خَبِيراً} ويقال: معناه: وإن تلووا أي تدافعوا في إقامة الشهادة، يقال: لويت حقّه أي دافعته وبطلته. وقال ابن عباس: هذه الآية في [القاضي] وليّه شدقه وإعراضه عن أحد الخصمين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على ما كانت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجحد حقّاً هو عليه، وليؤدّه عفواً، ولا يلجئه إلى سلطان [ليأخذ] بها حقه، وأما رجل خاصم إليّ فقضيت له إلى أخيه بحق ليس هو له عليه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من جهنم ". تفسير : مسألة في اللغة قال أهل المعاني: معنى القسط العدل، يقال أقسط الرجل يقسط إقساطاً إذا عدل وقسط يقسط قسوطاً إذ جار. قال الله تعالى: {أية : وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [الحجرات: 9] وقال تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}تفسير : [الجن: 15]. ويقال: قسط البعير يقسط قسطاً إذا يبست يده، ويد قسطاً أي يابسة، فكان أقسط معناه أقام الشيء على حقيقته في العدل، وكان معنى قسط أي [خيار] أي يبس الشيء وأفسد جهته المستقيمة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبحانه هو الذي يُرضي الزوج إن افترق عن زوجته، ويرضي الزوجة إذا افترقت عن زوجها؛ لأنه - جل وعلا - خلق الدنيا التي لن تضيق بمطلوب الرجل أو المرأة بعد الانفصال بالطلاق، فله ملك السموات والأرض وهو القادر على أن يرزق الرجل امرأة هي خير ممن فارق،ويرزق المرأة رجلا هو خير ممن فارقت، فلا شيء خرج عن ملك الله وهو الواسع العطاء. إننا كثيراً ما نجد رجلاً كان يتزوج امرأة ولا تلد ويشاع عنها أنها عقيم، ويذهب الإثنان إلى معامل التحليل، ويقال أحياناً: المرأة هي السبب في عدم النسل، أو: الرجل هو السبب في عدم النسل، ويفترق الاثنان ويتزوج كل منهما بآخر، فتلد المرأة من الزوج الجديد، ويولد للرجل من الزوجة الجديدة؛ لأن المسألة كلها مرادات الله، وليست أمور الحياة مجرد اكتمال أسباب تُفرض على الله بل هو المسبب دائماً فهو القائل: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} تفسير : [الشورى: 49-50] كم صورة إذن عندنا لمثل هذا الموقف؟. يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل من يشاء عقيماً، هي بأربعة مقادير تجري على الرجل والمرأة. وعندما يهب الله المؤمنَ الإناثَ يكون سعيداً. وكذلك عندما يهبه الذكور، وعندما يهب الله لأسرة أبناء من الذكور فقط. فالزوجة تحن أن يكون لها ابنة. وإن وهب الحق لأسرة ذرّية مِن الإناث فقط، فالمرأة والرجل يتمنيان الابن، وإن أعطاهما الله الذكور والإناث نجدهما قد وصلا إلى الحالة التي تقر بها العيون عادة. والحالة التي تقر به العيون عادة مؤخرة. إن الحالة التي تزهد النفس فيها فالحق يقربها إلى أوليات الهبة، فقال أولاً: {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}، وبعد ذلك: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً} ثم ذكر عطاء الذكور، ثم يأتي بالحالة التي يكون العطاء فيها في القمة: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً}. وأخيراً يأتي بالقَدَر الرابع الذي يجريه على بعض خلقه وهو: {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً}. ولماذا يُسر الإنسان بقدرِ الله حينما يهبه الله الإناث أو الذكور، ويزداد السرور بقدر الله حينما يهبه - سبحانه - الذكور والإناث. ولماذا لا تُسر إذن أيها الإنسان بقدر الله حينما يجعلك عقيماً؟ أتعتقد أنك تأخذ القدر الذي تهواه، وترد القدر الذي ليس على هواك؟ إن المواقف الأربعة هي قَدَر من الله. ولو نظر الإنسان إلى كل أمر من الأمور الأربعة لرضي بها. أنّه سبحانه يخلق ما يشاء عقيماً، إن قالها الإنسان باستقبال مطمئن لقدر الله فالله قد يقر عينه كما أقر عيون الآخرين بالإناث أو بالذكور، أو بالذكور والإناث معاً. وأقسم لكم لو أن إنساناً - أو زوجين - أخذا قدر الله في العقم كما أخذاه في غيره من المواقف السابقة برضا إلا رزقهم بأناس يخدمونهم، وقد ربَّاهم غيرهم، والذي يجعل الأزواج المفتقدين للإنجاب يعيشون في ضيق، هو أنهم في حياتهم ساخطون على قدر الله - والعياذ بالله - فيجعل الله حياتهم سخطاً. فهو القائل في حديثه القدسي: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: يقول الله تعالى: (حديث : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إليّ بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرّب إليّ ذراعا، تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة ). تفسير : إذن فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فإياك أن تقول كون الله سيضيق عن رزق الرجل المفارق لزوجته أو المرأة المفارقة لزوجها من عطاء الله لهما فما دام سبحانه قد قرر الفراق كحل لعدم توافق في حياتهما معاً.. فهو سبحانه سيعطي عن سعة للزوج وعن سعة للزوجة. وعليك أيها المسلم أن تطيع منهج الحق كما أطاع كل ما في السموات وكل ما في الأرض، ثم اسأل نفسك هذا السؤال: مَن يقضي مصالحك كلها؟. إنه الحق سبحانه الذي سخر أشياء ليست في طوق قدرتك، أأرغمت الشمس أن تشرق لك بالضوء والحرارة؟. أأرغمت الماء أن يتبخر وينزل مطراً نقيًّا؟ أأرغمت الريح أن تهب؟ أضربت الأرض لتقول لها: غذّي ما أضعه فيك من بذر بالعناصر اللازمة له والمحتاج إليها لينتج النبات؟. كل هذا ليس في طوق إرادتك بل هو مسخر لك بأمر الله. وإن أردت الاستقامة في أمرك، لكنت كالمسخر فيما جعل الله لك فيه اختيار ولقلت لله: أنا أحب منهجك يا رب وما يطلبه مني سأنفذه قدر استطاعتي. فتكون بقلبك وقالبك مع أوامر المنهج ونواهيه، فينسجم ويتوافق الكون معك كما انسجم الكون المسخر المقهور المسير. {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}، وهذا تذكير بأن كل شيء مملوك لله وفي طاعته، فلا تشذ أيها الخليفة لله عن الكون، فكل ما فيه يخدمك. ولتسأل نفسك: أتعيش في ضوء منهج الله أم لا؟ لأن الكون قد انسجم وهو مسخر لله، ولم يحدث أي خلل في القوانين الكلية، وسبحانه القائل: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 7-9] وهذا إيضاح من الحق تبارك وتعالى: إن أردتم أن تستقيم لكم أموركم الاختيارية فانظروا إلى الكون، فالأشياء المسخرة لا يحدث منها خلل على الإطلاق، ولكن الخلل إنما يأتي من اختيارات الإنسان لِغير منهج الله. {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} يوضح سبحانه: لقد وصينا الذين أنزلنا إليهم المنهج من قبلكم، ووصيناكم أنتم أهل الأمة الخاتمة أن التزموا المنهج بالأوامر والنواهي؛ لتجعلوا اختياراتكم خاضعة لمرادات الله منكم حتى تكونوا منسجمين كالكون الذي تعيشون فيه، ويصبح كل شيء يسير منتظماً في حياتكم، ولم يقل الحق هذه القضية للمسلمين فقط لكنها قضية كونية عامة جاء بها كل رسول: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}. ولم يقل: شرعنا للذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ولم يقل: فرضنا، إنما قال: "ولقد وصينا". وكلمة "وصية" تشعر المتلقي لها بحب الموصي للموصَى. {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} وتقوى الله تعني أن نفعل أوامر الله وأن نتجنب نواهيه؛ لنحكم حركة اختياراتنا بمنهج ربنا، فإن حكمنا حركة اختياراتنا بمنهج الله صرنا مع الكون كأننا مسخرون لقضايا المصلحة والخير. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} ومقابل الكفر هو الإيمان، ومن يخرج عن الإيمان فالله غني عنه، فلا تعتقدوا أيها المخاطبون بمنهج الله أنني أستميلكم إلى الإيمان لأني في حاجة إلى إيمانكم، لا، لكني أريد منكم فقط أن تكونوا مجتمعاً سليماً، مجتمعاً سعيداً، وإن تكفروا فسيظل الملك كله لله، وستظل حتى - ولو كنت متمرداً - في قبضة مرادات ربك. فلن تتحكم في مولد أو في ممات أو في مقدورات. فالكون ثابت وسليم. وجاء القرآن باللفت إلى انتظام الكون يقول الحق: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ * وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ} تفسير : [ق: 6-11] وفي لحظة من اللحظات يأمر الحق كوناً من كونه فيختل نظامه فترى الأرض المستقرة وقد تزلزلت، والتي قال عنها سبحانه: {أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} تفسير : [النحل: 15] وسبحانه هو الذي يملكها فيجعلها تضطرب ويُحدث في موقع منها زلزالاً، فتندثر المباني التي عليه حتى تفهم أن الدنيا ليست محكومة حكماً ألياً، بل محكومة بالأسباب، وزمامها مازال في قيومية المسبب، ونلتفت مرة إلى بعض من الزوابع من التراب وهي تغلق المجال الجوي كله بحيث لا يستطيع واحد أن ينظر من خلاله، وهذا لفت من الله لنا يوضح: لقد صنعت هذه القوانين بقدرتي، ولن تخرج هذه القوانين عن طلاقة قدرتي. ونرى بلاداً تحيا على أمطار دائمة تغذي الأرض، فنجد الخضرة تكسو الجبال ولا نجد شبراً واحداً دون خصوبة أو خضرة أو شجر، وقد يظن ظان أن هذه المسألة أمر آلي، ويأتي الحق ليجري على هذه المنطقة قدر الجفاف فيمنع المطر وتصير الأرض الخصبة إلى جدب، وتنفق وتهلك الماشية ويموت البشر عطشاً، وذلك ليلفتنا الحق إلى أن المسألة غير آلية ولكنها مرادات مُريد. وفي موقع آخر من الكرة الأرضية نجد أرضاً منبسطة هادئة يعلوها جبل جميل، وفجأة تتحول قمة الجبل إلى فوهة بركان تلقي الحمم وتقذف بالنّار وتجري الناس لتنقذ نفسها، ولذلك علينا أن نعرف أن عقل العاقل إنما يتجلى في أن يختار مراداته بما يتفق مع مرادات الله، وعلى سبيل المثال.. لم يؤت العقل البشري القدرة الذاتية على التنبؤ بالزلازل، لكن الحمار يملك هذه القدرة. {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} وصدر الآية بالمقولة نفسها: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} وذلك لتثبيت وتأكيد ضرورة الطاعة لمنهج الله حتى ينسجم الإنسان مع الكون. وتجيء المقولة مرة ثانية في الآية نفسها ليثبت الحق أنه غنيّ، ولا تقل إن المقولة تكررت أكثر من مرة في الآية الواحدة، ولكن قل: إن الحق جاء بها في صدر الآية لتثبت المعنى، وجاءت في ذيل الآية لتثبت معنى آخر، فسبحانه هو الغني عن العباد: {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29] ومجيء {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} لإثبات حيثية أن يطيع العبد خالقه. ومجيء {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} في ذيل الآية لإثبات حيثية غنى الله عن كل العباد. والمقولة نفسها تأتي في الآية التالية حيث يقول سبحانه: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ...}
الأندلسي
تفسير : {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا} الآية، وصيا أمرنا أو عهدنا إليهم وإليكم. و{مِن قَبْلِكُم} يحتمل أن يتعلق بأوتوا وهو الأقرب أو بوصينا، والمعنى أن الوصية بالتقوى هي سنة الله سبحانه وتعالى مع الأمم السابقة. {وَإِيَّاكُمْ} ضمير منفصل منصوب معطوفاً على الذين وفي الممتحنة يخرجون الرسول وإياكم قدم الموصول على الضمير لتقدمه في الزمان وقدم في الممتحنة لشرف الرسول ومثل هذا فصيح في الكلام، نحو: رأيت زيداً، وإياك ومن خص ذلك بالشعر كابن عصفور والآبدي فهو واهم. و{أَنِ ٱتَّقُواْ} يحتمل أن تكون مصدرية أي بأن اتقوا الله، وأن تكون مفسرة التقدير أي اتقوا الله. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً} أي عن خلقه وعن عبادتهم لا تنفعه طاعتهم ولا يضره كفرهم. {حَمِيداً} أي مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن كفرتموه أنتم. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ} الباء زائدة في فاعل كفى ولذلك سقطت في قول الشاعر: شعر : كفى الشيب والإِسلم للمرء ناهياً تفسير : فإِن كانت كفى بمعنى وقى، فلا تزاد الباء في فاعلها كقوله تعالى: {أية : وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ}تفسير : [الأحزاب: 25]، أي وقاهم. فلا يجوز في الكلام كفى بالله المؤمن الشر. {أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} عام يدخل على قدرة الله تعالى في إذهاب من شاء وإتيان من شاء وقد خصّه قوم بمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} أي بناس آخرين غيركم. ومدلول آخر أن يكون من جنس ما قبله، نحو: رأيت زيداً وآخر فلا يكون آخر من غير جنس زيد ولو قلت: اشتريت فرساً وآخر، لم يكن آخر إلا من جنس الفرس. وأجاز الزمخشري وابن عطية في قوله: بآخرين أن يكونوا من غير جنس الناس وهو خطأ لأن غير تقع على المغايرة في جنس أو وصف وآخر لا تقع إلا على المغايرة من الجنس.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن عموم ملكه العظيم الواسع المستلزم تدبيره بجميع أنواع التدبير، وتصرفه بأنواع التصريف قدرا وشرعا، فتصرفه الشرعي أن وصى الأولين والآخرين أهل الكتب السابقة واللاحقة بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب، والمعاقبة لمن أهملها وضيعها بأليم العذاب، ولهذا قال: { وَإِنْ تَكْفُرُوا } بأن تتركوا تقوى الله، وتشركوا بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فإنكم لا تضرون بذلك إلا أنفسكم، ولا تضرون الله شيئا ولا تنقصون ملكه، وله عبيد خير منكم وأعظم وأكثر، مطيعون له خاضعون لأمره. ولهذا رتب على ذلك قوله: { وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا } له الجود الكامل والإحسان الشامل الصادر من خزائن رحمته التي لا ينقصها الإنفاق ولا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، لو اجتمع أهل السماوات وأهل الأرض أولهم وآخرهم، فسأل كل [واحد] منهم ما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه شيئا، ذلك بأنه جواد واجد ماجد، عطاؤه كلام وعذابه كلام، إنما أمره لشيء إذا أراد أن يقول له كن فيكون. ومن تمام غناه أنه كامل الأوصاف، إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه، لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال، بل له كل صفة كمال، ومن تلك الصفة كمالها، ومن تمام غناه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شريكا في ملكه ولا ظهيرا، ولا معاونا له على شيء من تدابير ملكه. ومن كمال غناه افتقار العالم العلوي والسفلي في جميع أحوالهم وشئونهم إليه وسؤالهم إياه جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة، فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة وأغناهم وأقناهم، ومَنَّ عليهم بلطفه وهداهم. وأما الحميد فهو من أسماء الله تعالى الجليلة الدال على أنه [هو] المستحق لكل حمد ومحبة وثناء وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النِّعم الجزال، فهو المحمود على كل حال. وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين { الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } !! فإنه غني محمود، فله كمال من غناه، وكمال من حمده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر. ثم كرر إحاطة ملكه لما في السماوات وما في الأرض، وأنه على كل شيء وكيل، أي: عالم قائم بتدبير الأشياء على وجه الحكمة، فإن ذلك من تمام الوكالة، فإن الوكالة تستلزم العلم بما هو وكيل عليه، والقوة والقدرة على تنفيذه وتدبيره، وكون ذلك التدبير على وجه الحكمة والمصلحة، فما نقص من ذلك فهو لنقص بالوكيل، والله تعالى منزه عن كل نقص.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):