Verse. 6158 (AR)

١٠١ - ٱلْقَارِعَة

101 - Al-Qaria (AR)

اَلْقَارِعَۃُ۝۱ۙ
AlqariAAatu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«القارعة» القيامة التي تقرع القلوب بأهوالها.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: القرع الضرب بشدة واعتماد، ثم سميت الحادثة العظيمة من حوادث الدهر قارعة، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ }تفسير : [الرعد: 31] ومنه قولهم: العبد يقرع بالعصا، ومنه المقرعة وقوارع القرآن وقرع الباب، وتقارعوا تضاربوا بالسيوف، واتفقوا على أن القارعة اسم من أسماء القيامة، واختلفوا في لمية هذه التسمية على وجوه أحدها: أن سبب ذلك هو الصيحة التي تموت منها الخلائق، لأن في الصيحة الأولى تذهب العقول، قال تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الزمر: 68] وفي الثانية تموت الخلائق سوى إسرافيل، ثم يميته الله ثميحييه، فينفخ الثالثة فيقومون. وروى أن الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة، فيحيـي الله كل جسد بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة، والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى: {أية : مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً }تفسير : [يس: 49] {أية : فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ } تفسير : [الصافات: 19] وثانيها: أن الأجرام العلوية والسفلية يصطكان اصطكاكاً شديداً عند تخريب العالم، فبسبب تلك القرعة سمي يوم القيامة بالقارعة وثالثها: أن القارعة هي التي تقرع الناس بالأهوال والإفزاع، وذلك في السموات بالانشقاق والإنفطار، وفي الشمس والقمر بالتكور، وفي الكواكب بالانتثار، وفي الجبال بالدك والنسف، وفي الأرض بالطي والتبديل، وهو قول الكلبي ورابعها: أنها تقرع أعداء الله بالعذاب والخزي والنكال، وهو قول مقاتل، قال بعض المحققين وهذا أولى من قول الكلبي لقوله تعالى: {أية : وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ }تفسير : [النمل: 89]. المسألة الثانية: في إعراب قوله: {ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ } وجوه أحدها: أنه تحذير وقد جاء التحذير بالرفع والنصب تقول: الأسد الأسد، فيجوز الرفع والنصب وثانيها: وفيه إضمار أي ستأتيكم القارعة على ما أخبرت عنه في قوله: {أية : إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ }تفسير : [العاديات: 9] وثالثها: رفع بالابتداء وخبره: {مَا ٱلْقَارِعَةُ } وعلى قول قطرب الخبر. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ } فإن قيل: إذا أخبرت عن شيء بشيء فلا بد وأن تستفيد منه علماً زائداً، وقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ } يفيد كونه جاهلاً به فكيف يعقل أن يكون هذا خبراً؟ قلنا: قد حصل لنا بهذا الخبر علم زائد، لأنا كنا نظن أنها قارعة كسائر القوارع، فبهذا التجهيل علمنا أنها قارعة فاقت القوارع في الهول والشدة. المسألة الثالثة: قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ } فيه وجوه أحدها: معناه لا علم لك بكنهها، لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد ولا فهمه، وكيفما قدرته فهو أعظم من تقديرك كأنه تعالى قال: قوارع الدنيا في جنب تلك القارعة كأنها ليست بقوارع، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست بنار، ولذلك قال في آخر السورة: {أية : نَارٌ حَامِيَةٌ } تفسير : [القارعة: 11] تنبيهاً على أن نار الدنيا في جنب تلك ليست بحامية، وصار آخر السورة مطابقاً لأولها من هذا الوجه. فإن قيل: ههنا قال: {وَمَا أَدْرَاكَ ما القارعة} وقال في آخر السورة: {أية : فَأُمُّهُ هاويه وما أدراك ماهيه}تفسير : [القارعة: 9، 10] ولم يقل: وماأدراك ما هاوية فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، أما كونها هاوية فليس كذلك، فظهر الفرق بين الموضعين وثانيها: أن ذلك التفصيل لا سبيل لأحد إلى العلم به إلا بأخبار الله وبيانه، لأنه بحث عن وقوع الوقعات لا عن وجوب الواجبات، فلا يكون إلى معرفته دليل إلا بالسمع. المسألة الرابعة: نظير هذه الآية قوله: {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ } تفسير : [الحاقة: 1 - 3] ثم قال المحققون قوله: {ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ } أشد من قوله: {ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَاقَّةُ } لأن النازل آخراً لا بد وأن يكون أبلغ لأن المقصود منه زيادة التنبيه، وهذه الزيادة لا تحصل إلا إذا كانت أقوى، وأما بالنظر إلى المعنى، فالحاقة أشد لكونه راجعاً إلى معنى العدل، والقارعة أشد لما أنها تهجم على القلوب بالأمر الهائل.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ } أي القيامة والساعة؛ كذا قال عامة المفسرين. وذلك أنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب قَرَعَتْهُمُ القارعة، وفَقَرَتْهُمُ الفاقِرة؛ إذا وقع بهم أمر فظيع. قال ابن أحمر: شعر : وقارعةٍ مِن الأيام لَوْلاَ سبيلهم لزاحت عنك حِينا تفسير : وقال آخر: شعر : مَتَى تَقْرَعْ بمَرْوتِكُم نَسُوْكُمْ ولم تُوقَدْ لَنَا في القِدْرِ نَارُ تفسير : وقال تعالى: { أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ } تفسير : [الرعد: 31] وهي الشديدة من شدائد الدهر. قوله تعالى: {مَا ٱلْقَارِعَةُ } استفهام؛ أي أيّ شيء هي القارعة؟ وكذا {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ } كلمة استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها؛ كما قال: { أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ } تفسير : [الحاقة: 1 ـ 3] على ما تقدّم.

البيضاوي

تفسير : مكية، وآيها ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم {ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} سبق بيانه في «الحاقة». {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} في كثرتهم وذلتهم وانتشارهم واضطرابهم، وانتصاب {يَوْمَ} بمضمر دلت عليه {ٱلْقَارِعَةُ}. {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} كالصوف ذي الألوان. {ٱلْمَنفُوشِ} المندوف لتفرق أجزائها وتطايرها في الجو. {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ} بأن ترجحت مقادير أنواع حسناته. {فَهُوَ فِى عِيشَةٍ } في عيش. {رَّاضِيَةٍ} ذات رضا أو مرضية. {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ } بأن لم يكن له حسنة يعبأ بها، أو ترجحت سيئاته على حسناته. {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} فمأواه النار المحرقة والهاوية من أسمائها ولذلك قال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ} ذات حمى. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة».

ابن كثير

تفسير : القارعة من أسماء يوم القيامة؛ كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية، وغير ذلك. ثم قال تعالى معظماً أمرها، ومهولاً لشأنها: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ}؟ ثم فسر ذلك بقوله: { يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} أي: في انتشارهم وتفرقهم، وذهابهم ومجيئهم؛ من حيرتهم مما هم فيه، كأنهم فراش مبثوث؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} تفسير : [القمر: 7] وقوله تعالى: { وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} يعني: قد صارت كأنها الصوف المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق. قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك والسدي: {كَٱلْعِهْنِ}: الصوف. ثم أخبر تعالى عما يؤول إليه عمل العاملين، وما يصيرون إليه من الكرامة والإهانة بحسب أعمالهم، فقال: { فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُ} أي: رجحت حسناته على سيئاته، { فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} يعني: في الجنة، {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُ} أي: رجحت سيئاته على حسناته. وقوله تعالى: { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} قيل: معناه: فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم، وعبر عنه بأمه، يعني: دماغه، روي نحو هذا عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح وقتادة، وقال قتادة: يهوي في النار على رأسه، وكذا قال أبو صالح: يهوون في النار على رؤوسهم، وقيل: معناه: فأمه التي يرجع إليها، ويصير في المعاد إليها، هاوية، وهي اسم من أسماء النار، قال ابن جرير: وإنما قيل للهاوية: أمه؛ لأنه لا مأوى له غيرها، وقال ابن زيد: الهاوية: النار، هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: {أية : وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} تفسير : [آل عمران: 151] قال ابن أبي حاتم: وروي عن قتادة أنه قال: هي النار، وهي مأواهم، ولهذا قال تعالى مفسراً للهاوية: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ }. قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن، ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون: روحوا أخاكم؛ فإنه كان في غم الدنيا، قال: ويسألونه: ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية، وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعاً بأبسط من هذا، وقد أوردناه في كتاب صفة النار ــــ أجارنا الله تعالى منها بمنه وكرمه ــــ وقوله تعالى: { نَارٌ حَامِيَةٌ} أي: حارة شديدة الحر، قوية اللهب والسعير. قال أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم» تفسير : قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ فقال: «حديث : إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً» تفسير : ورواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك، ورواه مسلم عن قتيبة عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد به، وفي بعض ألفاظه: «حديث : أنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، كلهن مثل حرها.»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد، وهو ابن سلمة، عن محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم» تفسير : فقال رجل: إن كانت لكافية؟ فقال: «حديث : لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً حراً فحراً» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم، وروى الإمام أحمد أيضاً: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعمرو عن يحيى بن جعدة: «حديث : إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» تفسير : وهذا على شرط الصحيحين، ولم يخرجوه من هذا الوجه، وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن أبي الزناد، ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري: «حديث : ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً.»تفسير : وقد قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز، هو ابن محمد الدراوردي، عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هذه النار جزء من مئة جزء من جهنم» تفسير : تفرد به أيضاً من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم أيضاً، وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا معن بن عيسى القزاز عن مالك عن عمه أبي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سواداً من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفاً» تفسير : وقد رواه أبو مصعب عن مالك، ولم يرفعه. وروى الترمذي وابن ماجه عن عباس الدوري عن يحيى بن أبي بكير: حدثنا شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة» تفسير : وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب. وجاء في الحديث عند الإمام أحمد من طريق أبي عثمان النهدي عن أنس وأبي نضرة العبدي عن أبي سعيد وعجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان يغلي منهما دماغه» تفسير : وثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها» تفسير : وفي الصحيحين: «حديث : إذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم»تفسير : آخر تفسير سورة القارعة، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلْقَارِعَةُ } أي القيامة التي تقرع القلوب بأهوالها.

الشوكاني

تفسير : {ٱلْقَارِعَةُ } من أسماء القيامة؛ لأنها تقرع القلوب بالفزع، وتقرع أعداء الله بالعذاب. والعرب تقول قرعتهم القارعة: إذا وقع بهم أمر فظيع. قال ابن أحمر:شعر : وقارعة من الأيام لولا سبيلهم لراحت عنك حينا تفسير : وقال آخر: شعر : متى نقرع بمروتكم نسؤكم ولما يوقد لنا في القدر نار تفسير : {والقارعة} مبتدأ، وخبرها قوله: {مَا ٱلْقَارِعَةُ }. وبالرفع قرأ الجمهور، وقرأ عيسى بنصبها على تقدير: احذروا القارعة. والاستفهام للتعظيم، والتفخيم لشأنها، كما تقدّم بيانه في قوله: {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ } تفسير : [الحاقة: 1 ــ 3]. وقيل: معنى الكلام على التحذير. قال الزجاج: والعرب تحذر وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد قول الشاعر:شعر : لجديرون بالوفاء إذا قال أخو النجدة السلاح السلاح تفسير : والحمل على معنى التفخيم، والتعظيم أولى، ويؤيده وضع الظاهر موضع الضمير، فإنه أدلّ على هذا المعنى. ويؤيده أيضاً قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ } فإنه تأكيد لشدّة هولها، ومزيد فظاعتها حتى كأنها خارجة عن دائرة علوم الخلق بحيث لا تنالها دراية أحد منهم، وما الاستفهامية مبتدأ، و{أدراك} خبرها. و{ما القارعة} مبتدأ وخبر. والجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني؛ والمعنى: وأيّ شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ثم بيّن سبحانه متى تكون القارعة فقال: {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ }. وانتصاب الظرف بفعل محذوف تدلّ عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم يكون الناس إلخ، ويجوز أن يكون منصوباً بتقدير اذكر. وقال ابن عطية، ومكي، وأبو البقاء: هو منصوب بنفس القارعة، وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، وإنما نصب لإضافته إلى الفعل، فالفتحة فتحة بناء لا فتحة إعراب، أي: هي يوم يكون إلخ. وقيل التقدير: ستأتيكم القارعة يوم يكون. وقرأ زيد بن عليّ برفع يوم على الخبرية للمبتدأ المقدّر. والفراش: الطير الذي تراه يتساقط في النار، والسراج، والواحدة فراشة، كذا قال أبو عبيدة وغيره. قال الفراء: الفراش هو الطائر من بعوض وغيره، ومنه الجراد. قال وبه يضرب المثل في الطيش، والهوج، يقال: أطيش من فراشة، وأنشد:شعر : فراشة الحلم فرعون العذاب وإن يطلب نداه فكلب دونه كلب تفسير : وقول آخر:شعر : وقد كان أقوام رددت حلومهم عليهم وكانوا كالفراش من الجهل تفسير : والمراد بالمبثوث المتفرّق المنتشر. يقال بثه: إذا فرقه. ومثل هذا قوله سبحانه في آية أخرى: {أية : كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ }تفسير : [القمر: 7] وقال {المبثوث}، ولم يقل المبثوثة؛ لأن الكل جائز، كما في قوله: {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ }تفسير : [القمر: 20] و{أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 7] وقد تقدّم بيان وجه ذلك. {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ } أي: كالصوف الملوّن بالألوان المختلفة الذي نفش بالندف. والعهن عند أهل اللغة: الصوف المصبوغ بالألوان المختلفة، وقد تقدّم بيان هذا في سورة سأل سائل، وقد ورد في الكتاب العزيز أوصاف للجبال يوم القيامة. وقد قدّمنا بيان الجمع بينها. ثم ذكر سبحانه أحوال الناس، وتفرّقهم فريقين على جهة الإجمال فقال: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ * فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } قد تقدّم القول في الميزان في سورة الأعراف، وسورة الكهف، وسورة الأنبياء. وقد اختلف فيها هنا. فقيل: هي جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، وبه قال الفرّاء وغيره. وقيل: هي جمع ميزان. وهو الآلة التي توضع فيها صحائف الأعمال، وعبر عنه بلفظ الجمع، كما يقال لكلّ حادثة ميزان، وقيل: المراد بالموازين الحجج والدلائل، كما في قول الشاعر:شعر : لقد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكلّ مخاصم ميزانه تفسير : ومعنى عيشة راضية مرضية يرضاها صاحبها. قال الزجاج، أي: ذات رضى يرضاها صاحبها. وقيل: عيشة راضية أي: فاعلة للرضى، وهو اللين، والانقياد لأهلها. والعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ } أي: رجحت سيئاته على حسناته، أو لم تكن له حسنات يعتدّ بها {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } أي: فمسكنه جهنم. وسماها أمه؛ لأنه يأوي إليه، كما يأوي إلى أمه. والهاوية من أسماء جهنم. وسميت هاوية؛ لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها. ومنه قول أمية بن أبي الصلت:شعر : فالأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولد تفسير : وقول الآخر:شعر : يا عمرو لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاوية تفسير : والمهوى، والمهواة: ما بين الجبلين، وتهاوى القوم في المهواة: إذا سقط بعضهم في إثر بعض. قال قتادة: معنى {فَأُمُّهُ هاوية} فمصيره إلى النار. قال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أمّ رأسه. قال الأخفش: أمه مستقرّه. {وَمَا أَدْرَاكَ ماهية} هذا الاستفهام للتهويل، والتفظيع ببيان أنها خارجة عن المعهود بحيث لا تحيط بها علوم البشر، ولا تدري كنهها. ثم بيّنها سبحانه فقال: {نَارٌ حَامِيَةٌ} أي: قد انتهى حرّها، وبلغ في الشدّة إلى الغاية، وارتفاع نار على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي نار حامية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: {ٱلْقَارِعَةُ } من أسماء يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } قال: كقوله هوت أمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } قال: أمّ رأسه هاوية في جهنم. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان ما فعلت فلانة؟ فإذا كان مات، ولم يأتهم قالوا: خولف به إلى أمه الهاوية، فبئست الأمّ، وبئست المربية»تفسير : وأخرج ابن مردويه من حديث أبي أيوب الأنصاري نحوه. وأخرج ابن المبارك من حديث أبي أيوب نحوه أيضاً.

الماوردي

تفسير : قول تعالى {القارِعَةُ * ما القارِعَةُ} فيه وجهان: أحدهما: أنها العذاب، لأنها تقرع قلوب الناس بهولها. ويحتمل ثانياً: أنها الصيحة لقيام الساعة، لأنها تقرع بشدائدها. وقد تسمى بالقارعة كل داهية، كما قال تعالى: {أية : ولا يزالُ الذِّين كفروا تُصيبُهم بما صَنَعوا قارعةٌ} تفسير : [الرعد: 31] قال الشاعر: شعر : متى تُقْرَعْ بمرْوَتكم نَسُؤْكم ولم تُوقَدْ لنا في القدْرِ نارُ تفسير : {ما القارعة} تعظيماً لها، كما قال تعالى: {الحاقّة ما الحاقّة}. {يومَ يكونُ النّاسُ كالفَراشِ المبْثُوثِ} وفي الفراش قولان: أحدهما: أنه الهمج الطائر من بعوض وغيره، ومنه الجراد، قاله الفراء، الثاني: أنه طير يتساقط في النار ليس ببعوض ولا ذباب، قاله أبو عبيدة وقتادة. وفي {المبثوث} ثلاثة أوجه: أحدها: أنه المبسوط، قاله الحسن. الثاني: المتفرق، قاله أبو عبيدة. الثالث: أنه الذي يحول بعضه في بعض، قاله الكلبي. وإنما شبه الناس الكفار يوم القيامة بالفراش المبثوث لأنهم يتهافتون في النار كتهافت الفراش. {وتكونُ الجبالُ كالعِهْنِ المنْفُوشِ} والعِهن: الصوف ذو الألوان في قول أبي عبيدة، وقرأ ابن مسعود: " كالصوف". وقال {كالْعِهْنِ المَنْفُوشِ} لخفته، وضعفه، فشبه به الجبال لخفتها، وذهابها بعد شدَّتها وثباتها. ويحتمل أن يريد جبال النار تكون كالعهن لحمرتها وشدة لهبها، لأن جبال الأرض تسير ثم تنسف حتى يدك بها الأرض دكّا. {فأمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ميزان ذو كفتين توزن به الحسنات والسيئات، قاله الحسن، قال أبو بكر رضي الله عنه: وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً. الثاني: الميزان هو الحساب، قاله مجاهد، ولذلك قيل: اللسان وزن الإنسان، وقال الشاعر: شعر : قد كنت قبل لقائكم ذا مِرّةٍ عندي لكل مُخاصِمٍ مِيزانُه تفسير : أي كلام أعارضه به. الثالث: أن الموازين الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى، واستشهد فيه بالشعر المتقدم. وفي الموازين وجهان: أحدهما: جمع ميزان. الثاني: أنه جمع موزون. {فهو في عِيشةٍ راضِيةٍ} فيه وجهان: أحدهما: يعني في عيشة مرضية، قال قتادة: وهي الجنة. الثاني: في نعيم دائم، قاله الضحاك، فيكون على الوجه الأول من المعاش، وعلى الوجه الثاني من العيش. {وأمّا مَنْ خَفّتْ مَوازِينُه * فأمُّهُ هاويةٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن الهاوية جهنم، سماها أُمَّا له لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أُمّه، قاله ابن زيد، ومنه قول أمية بن أبي الصلت. شعر : فالأرضُ مَعْقِلُنا وكانتْ أُمّنا فيها مقابِرُنا وفيها نُولَدُ تفسير : وسميت النار هاوية لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها. الثاني: أنه أراد أُمّ رأسه يهوي عليها في نار جهنم، قاله عكرمة. وقال الشاعر: شعر : يا عَمروُ لو نَالَتْك أَرْحامُنا كُنْتَ كَمن تَهْوِي به الهاوِيَة.

ابن عطية

تفسير : قرأ: "القارعةَ ما القارعةَ" بالنصب عيسى، قال جمهور المفسرين: {القارعة} يوم القيامة نفسها لأنها تقرع القلوب بهولها، وقال قوم من المتأولين: {القارعة} صيحة النفخة في الصور، لأنها تقرع الأسماع، وفي ضمن ذلك القلوب، وفي قوله تعالى: {وما أدراك} تعظيم لأمرها، وقد تقدم مثله، و {يوم}: ظرف، والعامل فيه {القارعة} وأمال أبو عمرو: {القارعة}، و "الفراش": طير دقيق يتساقط في النار ويقصدها، ولا يزال يقتحم على المصباح ونحوه حتى يحترق، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب"تفسير : ، وقال الفراء: "الفراش" في الآية: غوغاء الجراد وهو صغيره الذي ينتشر في الأرض والهواء، و{المبثوث} هنا معناه: المتفرق، جمعه وجملته موجودة متصلة، وقال بعض العلماء: الناس أول قيامهم من القبور {كالفراش المبثوث}، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر فهم حينئذ كالجراد المنتشر، لأن الجراد إنما توجهه إلى ناحية مقصودة، واختلف اللغويون في "العهن"، فقال أكثرهم: هو الصرف عاماً، وقال آخرون: وهو الصوف الأحمر، وقال آخرون: هو الصوف الملون ألواناً، واحتج بقول زهير: شعر : كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم تفسير : والفنا: عنب الثعلب، وحبه قبل التحطم منه الأخضر والأحمر والأصفر، وكذلك الجبال جدد بيض وحمر وسود وصفر، فجاء التشبيه ملائماً، وكون {الجبال كالعهن}، إنما هو وقت التفتيت قبل النسف ومصيرها هباء، وهي درجات، والنفش: خلخلة الأجزاء وتفريقها عن تراصها، وفي قراءة ابن مسعود وابن جبير: "كالصوف المنفوش"، و"الموازين": هي التي في القيامة، فقال جمهور العلماء والفقهاء والمحدثين: ميزان القيامة بعمود ليبين الله أمر العباد بما عهدوه وتيقنوه، وقال مجاهد: ليس تم ميزان إنما هو العدل مثل ذكره بالميزان إذ هو أعدل ما يدري الناس، وجمعت الموازين للإنسان لما كانت له موزونات كثيرة متغايرة، وثقل هذا الميزان هو بالإيمان والأعمال، وخفته بعدمها وقلتها، ولن يخف خفة موبقة ميزان مؤمن. و{عيشة راضية} معناه: ذات رضى على النسب، وهذا قول الخليل وسيبويه، وقوله تعالى: {فأمه هاوية} قال كثير من المفسرين: المراد بالأم نفس الهاوية، وهي درك من أدراك النار، وهذا كما يقال للأرض: أم الناس لأنها تؤويهم، وكما قال عتبة بن أبي سفيان في الحرب: فنحن بنوها وهي أمنا، فجعل الله الهاوية أم الكافر لما كانت مأواه، وقال آخرون: هو تفاؤل بشر فيه تجوز في أم الولاد، كما قالوا: أمه ثاكل وخوى نجمه وهوى نجمه ونحو هذا، وقال أبو صالح وغيره: المراد أم رأسه لأنهم يهوون على رؤوسهم، وقرأ طلحة: "فإمُّه" بكسر الهمزة وضم الميم المشددة، ثم قرر تعالى نبيه على دراية أمرها وتعظيمه ثم أخبره أنها {نار حامية}، وقرأ: " ما هي" بطرح الهاء في الوصل ابن إسحاق والأعمش، وروى المبردحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: لا أم لك، فقال: يا رسول الله، أتدعوني إلى الهدى وتقول: لا أم لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أردت لا نار لك،" تفسير : قال الله تعالى: {فأمه هاوية}.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْقَارِعَةُ} العذاب لأنه يقرع أهل النار أو القيامة لقرعها بأهوالها.

النسفي

تفسير : مكية وهي إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {ٱلْقَارِعَةُ } مبتدأ {مَا } مبتدأ ثانٍ {ٱلْقَارِعَةُ } خبره والجملة خبر المبتدأ الأول، وكان حقه ما هي وإنما كرر تفخيماً لشأنها {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ } أي أيّ شيء أعلمك ما هي ومن أين علمت ذلك؟ {يَوْمٍ } نصب بمضمر دلت عليه القارعة أي تقرع يوم {يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ } شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما يتطاير الفراش إلى النار، وسمي فراشاً لتفرشه وانتشاره {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ } وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألوناً لأنها ألوان {أية : وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهَا }تفسير : [فاطر: 27] وبالمنفوش منه لتفرق أجزائها {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } باتباعهم الحق وهي جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، أو جمع ميزان وثقلها رجحانها {فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } ذات رضا أو مرضية {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ } باتباعهم الباطل {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } فمسكنه ومأواه النار. وقيل: للمأوى أمٌّ على التشبيه لأن الأم مأوى الولد ومفزعه {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} الضمير يعود إلى { هَاوِيَةٌ } والهاء للسكت ثم فسرها فقال {نَارٌ حَامِيَةٌ } بلغت النهاية في الحرارة والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {القارعة} أصل القرع الصّوت الشّديد، ومنه قوارع الدّهر أي شدائده، والقارعة من أسماء القيامة. سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بالفزع، والشدائد وقيل سميت قارعة بصوت إسرافيل لأنه إذا نفخ في الصور مات جميع الخلائق من شدة صوت نفخته، {ما القارعة} تهويل وتعظيم، والمعنى أنها فاقت القوارع في الهول والشّدة {وما أدراك ما القارعة} معناه لا علم لك بكنهها لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها فهم أحد وكيفما قدرت أمرها فهي أعظم من ذلك {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث} الفراش هذه الطير التي تراها تتهافت في النار سميت بذلك لفرشها، وانتشارها، وإنما شبه الخلق عند البعث بالفراش، لأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة. بل كل واحدة تذهب إلى غير جهة الأخرى، فدل بهذا التشبيه على أن الخلق في البعث يتفرقون، فيذهب كل واحد إلى غير جهة الآخر، والمبثوث المتفرق، وشبههم أيضاً بالجراد فقال: كأنهم جراد منتشر وإنما شبههم بالجراد لكثرتهم قال الفراء: كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضاً فشبه الناس عند البعث بالجراد لكثرتهم بموج بعضهم في بعض، ويركب بعضهم بعضاً من شدة الهول. {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} أي كالصّوف المندوف، وذلك لأنها تتفرق أجزاؤها في ذلك اليوم حتى تصير كالصّوف المتطاير عند الندف، وإنما ضم بين حال الناس وحال الجبال، كأنه تعالى نبه على تأثير تلك القارعة في الجبال العظيمة الصّلدة الصّلبة حتى تصير كالعهن المنفوش، فكيف حال الإنسان الضّعيف عند سماع صوت القارعة ثم لما ذكر حال القيامة قسم الخلق على قسمين فقال تعالى: {فأما من ثقلت موازينه} يعني رجحت موازين حسناته قيل هو جمع موزون، وهو العمل الذي له قدر وخطر عند الله تعالى، وقيل هو جمع ميزان وهو الذي له لسان وكفتان توزن فيه الأعمال فيؤتى بحسنات المؤمن في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان، فإن رجحت فالجنة له ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة فتخف ميزانه، فيدخل النار، وقيل إنما توزن أعمال المؤمنين فمن ثقلت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن ثقلت سيئاته على حسناته دخل النار، فيقتص منه على قدرها ثم يخرج منها، فيدخل الجنة أو يعفو الله عنه بكرمه، فيدخل الجنة بفضل الله وكرمه، ورحمته، وأما الكافرون فقد قال: في حقهم {أية : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} تفسير : [الكهف: 105] روى عن أبي بكر الصّديق أنه قال: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في دار الدّنيا، وثقله عليهم وحق لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدّنيا وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غداً أن يكون خفيفاً. قوله تعالى: {فهو في عيشة راضية} أي مرضية في الجنة، وقيل في عيشة ذات رضا يرضاها صاحبها {وأما من خفت موازينه} أي رجحت سيئاته على حسناته {فأمه هاوية} أي مسكنة النّار سمي المسكن أمّاً لأن الأصل في السكون الأمهات، وقيل معناه فأم رأسه هاوية في النّار، والهاوية اسم من أسماء النار، وهي المهواة التي لا يدرك قعرها فيهوون فيها على رؤوسهم، وقيل كان الرجل إذا وقع في أمر شديد يقال هوت أمه أي هلكت حزناً وثكلاً {وما أدراك ما هيه} يعني الهاوية ثم فسرها فقال {نار حامية} أي حارة قد انتهى حرها نعوذ بالله وعظمته منها والله سبحانه وتعالى أعلم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ما هي} بغير هاء السكت في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب. الآخرون: بالهاء وإن كانت وصلاً إتباعاً لخط المصحف. الوقوف: {القارعة} ه لا {ما القارعة} ه لا {المبثوث} ه ج للآية والعطف {المنقوش} ه ط للابتداء بالشرط {موازينه} ه لا لأن ما بعده جواب فأما {راضية} ه ط {موازينه} ه لا {هاوية} ه ط {ماهية} ه ط {حامية} ه. التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بأحوال المعاد ذكر في هذه السورة بعض أحوال الآخرة، والقرع الاصطكاك بشدة واعتماد ثم سميت الحادثة الهائلة قارعة والمراد ههنا القيامة ولا أهول منها ولذلك قال في الإخبار عنها {ما القارعة} لأنه يفيد زيادة التهويل ثم قال {وما أدراك ما القارعة} وانتصب {يوم} بفعل محذوف دل عليه القارعة أي تقرع الناس يوم كذا، وهذا القرع عبارة عن الصيحة التي يموت فيها الخلائق ثم يحييهم عند النفخة الثانية كما روي ان الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة فيحيى الله بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة. وقيل: القرع هو اصطكاك الأجرام العلوية والسفلية حين التخريب والتبديل، أو هو نفس انفطارها وانتثارها واندكاكها قاله الكلبي وقال مقاتل: إنها تقرع أعداء الله بالعذاب، وأما أولياؤه فهم من القرع آمنون. والفراش اسم لهذه الدواب التي تتهافت فتقع في النار سمي فراشاً لتفرشه وانتشاره وأكد هذا المعنى بقوله {المبثوث} وشبه الناس يومئذ بها لكثرتهم وانتشارهم ذاهبين في كل أوب كما شبههم بالجراد المنتشر في موضع آخر لذلك لا لصغر الجثة والنحول والضعف. وجوز بعضهم أن يكونوا أولاً أكبر جثة فشبههم وقتئذ بالجراد ثم يؤل حالهم إلى الهزل والضعف لحر الشمس ولسائر أصناف المتاعب، فشبهوا للضعف بالفراش. ويمكن أن يكون وجه التشبيه الذلة والضعف كقوله صلى الله عليه وسلم " حديث : الناس اثنان: عالم ومتعلم وسائر الناس همج " تفسير : وشبه الجبال بالعهن لاختلاف أجزائها في الحمرة والبياض والسواد كما مر في " المعارج ". وزاد ههنا وصفه بالمنقوش لتفرق أجزائها وزوال تأليفها ثم قسم الناس فيه إلى قسمين بحسب ثقل موازين أعمالهم وخفتها وقد مر تحقيقه في " الأعراف". وقوله {راضية} من الإسناد المجازي كما مر في " الحاقة ". وأما قوله {فأمه هاوية} ففيه وجوه أحدها: أن الأم هي المعروفة والهاوية والهالكة وهذا من مستعملات العرب يقولون: هوت أمه أي هلكت وسقطت يعنون الدعاء عليه بالويل والثبور والخزي والهوان. وقال الأخفش والكلبي وقتادة: فأم رأسه هاوية في النار لأنهم يهوون ي النار على رؤوسهم. وقيل: الأم الأصل والهاوية من أسماء النار لأنها نار عتيقة والمعنى: منزلة ومأواه الذي يأوى إليه هو النار ويؤيد هذا الوجه قوله {ماهية} أي ما الهاوية، هذا هو الظاهر. والأولون قالوا: الضمير للداهية التي يدل عليها قوله {فأمه هاوية} وفي قوله {نار حامية} إشارة إلى نيران الدنيا بالنسبة إلى نار الآخرة غير حامية والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قَال الجُمْهُورُ: {ٱلْقَارِعَةُ} القيامةُ نَفْسُها، والفَرَاشُ: الطيرُ الذي يَتَسَاقَطُ في النارِ؛ ولا يَزَال يتقحمُ على المصباحِ، وقال الفَرَّاءُ: هو صَغِيرُ الجَرَادِ الذي ينتشر في الأرضِ والهواءِ، وفي البخاريّ: {كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ}: كَغْوَغَاءِ الجَرَادِ يركبُ بعضُه بعضاً؛ كذلكَ الناسُ يومئِذٍ؛ يجولُ بعضُهم في بعض، انتهى، و{ٱلْمَبْثُوثِ} هنا معناه: المتفرِّقُ جمعُه؛ وجملتُه مَوْجودةٌ متصلةٌ، والعِهْنُ هو: الصوفُ والنَّفْشُ خَلْخَلَةُ الأَجْزَاءِ وتفريقُها عَن تَرَاصِيها. وقوله تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} قال كثير من المفسرين: المرادُ بالأُمِّ نَفْسُ الهَاوِيَةِ، وهذا كما يقال للأَرْضِ أم الناس؛ لأنها تُؤوِيهِمْ، وقال أبو صالح وغيره: المُرَادُ أُم رأْسِه؛ لأَنَّهُمْ يَهْوُونَ عَلى رُؤوسِهم؛ وَرَوى المبرِّدُ «حديث : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ لرَجُلٍ: لاَ أُمَّ لَكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَدْعُوني إلَى الهُدَىٰ وَتَقُولُ: لاَ أُمَّ لَكَ، فَقَالَ ـــ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـــ: إنَّما أَرَدْتُ لاَ نَارَ لَكَ، قال اللَّهُ تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}».

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ} كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ} تفسير : [الحاقة: 1، 2]، وكقوله تعالى: {أية : وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقعة: 27]، وقد تقدم ما نقله مكي من أنه يجوز رفع "القَارِعَةُ" بفعل مضمر ناصب لـ "يوم". وقيل: ستأتيكم القارعة. وقيل: القارعة: مبتدأ وما بعده الخبر. وقيل: معنى الكلام على التحذير. قال الزجاجُ: والعرب تحذر، وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد: [الخفيف] شعر : 5287- لجَدِيـرُونَ بالوَفَـاءِ إذَا قَــا لَ أخُــو النَّجــدةِ: السِّـلاحُ السِّـلاحُ تفسير : وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: {أية : نَاقَةَ ٱللَّهِ} تفسير : [الشمس: 13]، فيمن رفعه، ويدل على ذلك قراءة عيسى: "القَارِعَة ما القارعة" بالنصب، بإضمار فعل، أي: احذروا القارعة و "مَا" زائدة، و "القَارِعَة" تأكيد للأولى تأكيداً لفظيًّا. والقرعُ: الضرب بشدةٍ واعتماد. والمراد بالقارعة: القيامة، لأنها تقرع الخلائق بأهوالها، وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة، إذا وقع بهم أمر فظيع، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} تفسير : [الرعد: 31]، وهي الشديدة من شدائد الدَّهرِ. قوله تعالى: {مَا ٱلْقَارِعَةُ} استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ} تفسير : [الحاقة: 1، 2]، واختلفوا في سبب تسمية القيامة بالقارعة، فقيل: المراد بالقارعة: الصيحة التي يموت منها الخلائقُ؛ لأنها تقرع أسماعهم. وقيل: إنَّ الأجرام العلوية والسفلية يصطكّان، فيموت العالم بسبب تلك القرعة، فلذلك سميت بالقارعة، [وقيل: تقرع الناس بالأهوال كانشقاق السموات، وأقطارها وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، ودك الجبال ونسفها، وطي الأرض. وقيل: لأنها تقرع أعداء الله بالعذاب]، وقوله تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ}، أي: لا علم لك بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد، وعلى هذا يكون آخر السورة مطابقاً لأولها. فإن قيل: هاهنا قال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ}، ثم قال في آخر السورة: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}، ولم يقل: وما أدراك ما هاوية؟ فالجواب: الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، وكونها هاوية ليس كذلك، فظهر الفرق. قوله: {يَوْمَ يَكُونُ}. في ناصب "يَوْمَ" أوجه: أحدها: مضمر يدلّ عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم يكون وقيل: تقديره: تأتي القارعة يوم. الثاني: أنه اذكر مقدراً، فهو مفعول به لا ظرف. الثالث: أنه "القَارِعَةُ" قاله ابن عطية، وأبو البقاء، ومكيٌّ. قال أبو حيان: فإن كان عنى ابن عطيَّة اللفظ الأول، فلا يجوز، للفصل بين العاملين وهو في صلة "أل" والمعمول بأجنبي، وهو الخبر، وإن جعل القارعة علماً للقيامة، فلا يعمل أيضاً، وإن عنى الثاني والثالث، فلا يلتئم معنى الظرفية معه. الرابع: أنه فعل مقدر رافع للقارعة الأولى، كأنه قيل: تأتي القارعة يوم يكون. قاله مكي. وعلى هذا يكون ما بينهما اعتراضاً، وهو بعيد جداً منافر لنظم الكلامِ. وقرأ زيد بن علي: "يَوْمُ" بالرفع، خبراً لمبتدأ محذوف، أي: وقتها يوم. قوله: "كالفَراشِ". يجوز أن يكون خبراً للناقصة، وأن يكون حالاً من فاعل التامة، أي: يؤخذون ويحشرون شبه الفراش، وهو طائر معروف. وقال قتادة: الفراش: الطَّير الذي يتساقط في النار والسراج، الواحدة: فراشة. وقال الفراءُ: هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في الطّيش والهوج، يقال: أطيش من فراشة؛ وأنشد: [البسيط] شعر : 5288- فَراشَةُ الحِلْمِ فِرعَوْنُ العَذابُ وإنْ يَطلُـبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كُلُــبُ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 5289- وقَدْ كَانَ أقْوَامٌ رَدَدْتَ قُلوبَهُمْ عَليْهِمْ وكَانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ تفسير : وقال آخر: [الرجز] شعر : 5290- طُويِّــشٌ مــن نَـفــرٍ أطْيَــاشِ أطْيَــشُ مـن طَائـرةِ الـفَــــراشِ تفسير : والفراشة: الماءُ القليلُ في الإناء وفراشة القُفل لشبهها بالفراشة، وروى "مسلم" عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَثلِي ومَثلكُمْ كَمَثلِ رجُلٍ أوْقدَ نَاراً فجعَلَ الجنَادِبُ والفراشُ يَقعْنَ فِيهَا وهو يذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وأنَا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ، وأنْتُمْ تَفْلتُونَ مِنْ يَدِي ". تفسير : في تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتَّى: منها الطيشُ الذي يلحقهم، وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضاً، والكثرة، والضعف، والذلة والمجيء من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، والتطاير إلى النار؛ قال جريرٌ: [الكامل] شعر : 5291- إنَّ الفَرزْدَقَ ما عَلمْتَ وقوْمَهُ مِثْلُ الفَرَاشِ غشيْنَ نَارَ المُصْطَلِي تفسير : والمبثوث: المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر: {أية : كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} تفسير : [القمر: 7]. فأول حالهم كالفراش لا وجه له يتحير في كل وجه، ثم يكون كالجراد، لأن لها وجهاً تقصده والمبثوث: المتفرق المنتشر، وإنما ذكر على اللفظ كقوله تعالى: {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 7]. قال ابن عباس: "كالفَرَاشِ المبثُوثِ" كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضاً، كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا. فإن قيل كيف يشبهُ الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً، لأنه شبههم بالجراد المنتشر والفراش المبثوث؟. فالجواب: أما التشبيه بالفرش، فبذهاب كل واحد إلى جهة الآخر، وأما التشبيه بالجراد، فبالكثرة والتتابع، ويكون كباراً، ثم يكون صغاراً. قوله: {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ}. أي: الصوف الذي ينفش باليد، أي: تصير هباء وتزول، كقوله تعالى: {أية : هَبَآءً مُّنبَثّاً} تفسير : [الواقعة: 6]. قال أهل اللغة: العهنُ: الصوف المصبوغ. وقد تقدم.

البقاعي

تفسير : لما ختم العاديات بالبعث ذكر صيحته فقال: {القارعة *} أي الصيحة أو القيامة، سميت بها لأنها تقرع أسماع الناس وتدقها دقاً شديداً عظيماً مزعجاً بالأفزاع، والأجرام الكثيفة بالتشقق والانفطار، والأشياء الثابتة بالانتثار. ولما كانت تفوق الوصف في عظم شأنها وجليل سلطانها، عبر عن ذلك وزاده عظماً بالإلهام والإظهار في موضع الإضمار مشيراً بالاستفهام إلى أنها مما يستحق السؤال عنه على وجه التعجيب والاستعظام فقال: {ما القارعة} وأكد تعظيمها إعلاماً - بأنه مهما خطر ببالك من عظمها فهي أعظم منه فقال: {وما أدراك} أي وأيّ شيء أعلمك وإن بالغت في التعرف، وأظهر موضع الإضمار لذلك فقال: {ما القارعة *} أي أنك لا تعرفها لأنك لم تعهد مثله. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال الله سبحانه وتعالى: "أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور" كان ذلك مظنة لأن يسأل: متى ذلك؟ فقيل: يوم القيامة الهائل الأمر، الفظيع الحال، الشديد البأس، والقيامة هي القارعة، وكررت تعظيماً لأمرها كما ورد في قوله تعالى{أية : الحاقة ما الحاقة}تفسير : [الحاقة: 1 - 2] وفي قوله سبحانه:{أية : فغشيهم من اليم ما غشيهم}تفسير : [طه: 78] ثم زاد عظيم هوله إيضاحاً بقوله تعالى {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث} والفراش ما تهافت في النار من البعوض، والمبثوث: المنتشر {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} والعهن: الصوف المصبوغ، وخص لإعداده للغزل إذ لا يصبغ لغيره بخلاف الأبيض فإنه - لا يلزم فيه ذلك، ثم ذكر حال الخلق في وزن الأعمال وصيرورة كل فريق إلى ما كتب له وقدر - انتهى. ولما ألقى السامع جميع فكره إلى تعرف أحوالها، قال ما تقديره: تكون {يوم يكون} أي كوناً كأنه جبلة {الناس} أي الذين حالهم النوس على كثرتهم واختلاف ذواتهم وأحوالهم ومراتبهم ومقاديرهم وانتشارهم بعد بعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور {كالفراش} أي صغار الجراد لأنها تتفرش وتتهافت على النار، أو هو طير غير ذلك لا دم له، يتساقط في النار وليس ببعوض ولا ذباب، وقال حمزة الكرماني: شبههم بالفراش التي تطير من هنا ومن هنا ولا تجري على سمت واحد وهي همج يجتلبها السراج، وقال غيره: وجه الشبه الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما تتطاير الفراش، وكثرة التهافت في النار وركوب بعضهم بعضاً - وموج بعضهم في بعض من شدة الهول كما قال تعالى {أية : كأنهم جراد منتشر}تفسير : [القمر: 7] {المبثوث *} أي المنتشر المتفرق. ولما كانت الجبال أشد ما تكون، عظم الرهبة بالإخبار بما يفعل بها فقال تعالى: {وتكون الجبال} على ما هي عليه من الشدة والصلابة وأنها صخور راسخة {كالعهن} أي الصوف المصبغ لأنها ملونة كما قال تعالى:{أية : ومن الجبال جدد بيض وحمر}تفسير : [فاطر: 27] أي وغير ذلك {المنفوش *} أي المندوف المفرق الأجزاء الذي ليس هو بمتلبد شيء منه على غيره، فتراها لذلك متطايرة في الجو كالهباء المنثور حتى تعود الأرض كلها لا عوج فيها ولا أمتاً. ولما كان اليوم إنما يوصف لأجل ما يقع فيه، سبب عن ذلك قوله مفصلاً لهم: {فأما من ثقلت} أي بالرجحان. ولما كانت الموزونات كثيرة الأنواع جداً، جمع الميزان باعتبارها فقال: {موازينه *} أي مقادير أنواع حسناته باتباع الحق لأنه ثقيل في الدنيا واجتناب الباطل، والموزون الأعمال أنفسها تجسداً وصحائفها {فهو} بسبب رجحان حسناته {في عيشة} أي حياة تتقلب فيها، ولعله ألحقها الهاء الدالة على الوحدة - والمراد العيش - ليفهم أنها على حالة واحدة - في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا {راضية *} أي ذات رضى أو مرضية لأن أمه - جنة عالية {وأما من خفت} أي طاشت {موازينه *} أي بأن غلبت سيئاته أو لم تكن له حسنة لاتباعه الباطل وخفته عليه في الدنيا {فأمه} أي التي تؤويه وتضمه إليها كما يقال للأرض: أم - لأنها تقصد لذلك، ويسكن إليها كما يسكن إلى الأم، وكذا المسكن، وهو يفهم أنه مخلوق منها غلب عليه طبع الشيطان لكون العنصر الناري أكثر أجزائه، وعظمها بالتنكير والتعبير بالوصف المعلم بأنه لا قرار لها فقال: {هاوية *} أي نار نازلة سافلة جداً فهو بحيث لا يزال يهوي فيها نازلاً وهو في عيشة ساخطة، فالآية من الاحتباك، ذكر العيشة أولاً دليلاً على حذفها ثانياً، وذكر الأم ثانياً دليلاً على حذفها أولاً. ولما كانت مما يفوت الوصف بعظيم أهوالها وشديد زلزالها، جمع الأمر فيها فقال منكراً أن يكون مخلوق يعرف وصفها: {وما أدراك} أي وأيّ شيء أعلمك وإن اشتد تكلفك {ما هيه *} أي الهاوية لأنه لم يعهد أحد مثلها ليقيسها عليه، وهاء السكت إشارة إلى إن ذكرها مما يكرب القلب حتى لا يقدر على الاسترسال في الكلام أو إلى - أنها مما ينبغي للسامع أن يقرع بهذا الاستفهام عنها سمعه فيسكت لسماع الجواب وفهمه غاية السكوت ويصغي غاية الإصغاء. ولما هوّلها بما ذكر، أتبعها ما يمكن البشر معرفته من وصفها فقال {نار حامية *} أي قد انتهى حرها، هذا ما تتعارفونه بينكم، وأما التفاصيل فأمر لا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا نهاية القارعة، فتلاؤم الأول للآخر واضح جداً وظاهر - والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزلت سورة القارعة بمكة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ القارعة من أسماء يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏يوم يكون الناس كالفراش المبثوث‏} ‏ قال‏:‏ هذا هو الفراش الذي رأيتم يتهافت في النار، وفي قوله‏:‏ ‏{‏وتكون الجبال كالعهن المنفوش‏}‏ قال‏:‏ كالصوف، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية‏}‏ قال‏:‏ هي الجنة ‏{‏وأما من خفت موازينه فأمه هاوية‏}‏ قال‏:‏ هي النار مأواهم وأمهم ومصيرهم ومولاهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فأمه هاوية‏} ‏ قال‏:‏ مصيره إلى النار، وهي الهاوية‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏فأمه هاوية‏} ‏ كقولك هويت أمه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ هي كلمة عربية إذا وقع رجل في أمر شديد قالوا‏:‏ هويت أمه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خالد الوالبي {‏فأمه هاوية‏} ‏ قال‏:‏ أم رأسه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ أم رأسه هاوية في جهنم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال‏:‏ يهوون في النار على رؤوسهم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال‏:‏ الهاوية النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال‏:‏ إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى روح المؤمنين فتقول‏:‏ روحوا لأخيكم فإنه كان في غم الدنيا ويسألونه ما فعل فلان‏؟‏ ما فعل فلان؟ فيخبرهم فيقول صالح حتى يسألوه ما فعل فلان فيقول‏:‏ مات أما جاءكم فيقولون‏:‏ لا ذهب به إلى أمه الهاوية‏.‏ وأخرج الحاكم عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين فيقولون له‏:‏ ما فعل فلان فإذا قال مات قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان‏؟‏ ما فعلت فلانة‏؟‏ فإن كان مات ولم يأتهم قالوا خولف به إلى أمه الهاوية بئست الأم وبئست المربية، حتى يقولوا‏:‏ ما فعل فلان‏.‏ هل تزوج‏؟‏ ما فعلت فلانة هل تزوجت فيقولون‏:‏ دعوه فيستريح فقد خرج من كرب الدنيا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقتها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير من أهل الدنيا فيقولون‏:‏ انظروا صاحبكم يستريح فإنه كان في كرب شديد، ثم يسألونه ما فعل فلان وفلانة هل تزوجت‏؟‏ فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول‏‏ هيهات قد مات ذاك قبلي، فيقولون‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري قال‏:‏ إذا قبضت نفس العبد تلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا فيقبلون عليه ليسألوه فيقول بعضهم لبعض‏:‏ انظروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في كرب، فيقبلون عليه يسألونه ما فعل فلان ما فعلت فلانة هل تزوجت‏؟‏ فإذا سألوه عن الرجل مات قبله قال لهم‏:‏ إنه قد هلك فيقولون‏:‏إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية، فيعرض عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا وقالوا‏:‏ هذه نعمتك على عبدك فأتمها وإن رأو سوءاً قالوا‏:‏ اللهم راجع عبدك‏.‏ قال ابن المبارك ورواه سلام الطويل عن ثور فرفعه‏.‏ وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن جبير أنه قيل له‏:‏ هل يأتي الأموات أخبار الأحياء‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ما من أحد له حميم إلا يأتيه أخبار أقاربه، فإن كان خيراً سرّ به وفرح به، وإن كان شراً ابتأس لذلك وحزن، حتى إنهم ليسألون عن الرجل قد مات فيقال‏:‏ ألم يأتكم‏؟‏ فيقولون‏:‏ لقد خولف به إلى أمه الهاوية‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال‏:‏ مر عيسى عليه السلام بقرية قد مات أهلها إنسها وجنها وهوامها وأنعامها وطيورها، فقام ينظر إليها ساعة، ثم أقبل على أصحابه فقال‏:‏ مات هؤلاء بعذاب الله، ولو ماتوا بغير ذلك ماتوا متفرقين، ثم ناداهم‏:‏ يا أهل القرية‏.‏ فأجابه مجيب: لبيك يا روح الله‏.‏ قال‏:‏ ما كان جنايتكم‏؟‏ قالوا عبادة الطاغوت وحب الدنيا‏.‏ قال‏:‏ وما كانت عبادتكم الطاغوت‏؟‏ قال‏:‏ الطاعة لأهل معاصي الله تعالى‏.‏ قال‏:‏ فما كان حبكم الدنيا‏؟‏ قالوا‏:‏ كحب الصبيّ لأمه‏.‏ كنا إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت حزنا مع أمل بعيد وإدبار عن طاعة الله وإقبال في سخط الله‏.‏ قال‏:‏ وكيف كان شأنكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية‏.‏ فقال عيسى‏:‏ وما الهاوية‏؟‏ قال‏:‏ سجين‏.‏ قال‏:‏ وما سجين‏؟‏ قال‏:‏ جمرة من نار مثل أطباق الدنيا كلها دفنت أرواحنا فيها‏.‏ قال‏:‏ فما بال أصحابك لا يتكلمون‏؟‏ قال‏:‏ لا يستطيعون أن يتكلموا ملجمون بلجام من نار‏.‏ قال‏:‏ فكيف كلمتني أنت من بينهم‏؟‏ قال‏:‏ إني كنت فيهم ولم أكن على حالهم، فلما جاء البلاء عمني معهم، فأنا معلق بشعرة في الهاوية لا أدري أكردس في النار أم أنجو‏.‏ فقال عيسى‏:‏ بحق أقول لكم لأكل خبز الشعير وشرب ماء القراح والنوم على المزابل مع الكلاب كثير مع عافية الدنيا والآخرة‏.‏ وأخرج أبو يعلى قال‏:‏ ‏"‏حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده‏.‏ ففقد رجلاً من الأنصار في اليوم الثالث فسأل عنه فقالوا‏:‏ تركناه مثل الفرخ لا يدخل في رأسه شيء إلا خرج من دبره‏.‏ قال‏: عودوا أخاكم فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نعوده، فلما دخلنا عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف تجدك‏؟‏ قال‏:‏ لا يدخل في رأسي شيء ألا خرج من دبري‏.‏ قال‏: ومم ذاك‏؟‏ قال يا رسول الله‏:‏ مررت بك وأنت تصلي المغرب فصليت معك، وأنت تقرأ هذه السورة ‏{‏القارعة ما القارعة‏} ‏ إلى آخرها ‏{‏نار حامية‏} ‏ فقلت: اللهم ما كان من ذنب أنت معذبي عليه في الآخرة فعجل لي عقوبته في الدنيا فنزل بي ما ترى‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: بئس ما قلت، ألا سألت الله أن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ويقيك عذاب النار، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بذلك ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فقام كأنما نشط من عقال ‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها إحدى عشرة {ٱلْقَارِعَةُ} القرعُ هو الضربُ بشدةٍ واعتمادٍ بحيثُ يحصلُ منهُ صوتٌ شديدٌ وَهيَ القيامةُ التي مبدؤُهَا النفخةُ الأُولى ومُنتهاهَا فصلُ القضاءِ بـينَ الخلائقِ كما مرَّ في سورةِ التكويرِ سميتْ بَها لأنَّها تقرعُ القلوبَ والأسماعَ بفنونِ الأفزاعِ والأهوالِ وتُخْرِجُ جميعَ الأجرامِ العلويةِ والسفليةِ منْ حالٍ إلى حالٍ السماءَ بالانشقاقِ والانفطارِ والشمسَ والنجومَ بالتكويرِ والانكدارِ والانتشارِ والأرضَ بالزلزالِ والتبديلِ والجبالَ بالدكِّ والنسفِ وهيَ مبتدأٌ خبرُهُ قولُه تعالَى: {مَا ٱلْقَارِعَةُ} على أنَّ مَا الاستفهاميةَ خبرُ القارعةِ مبتدأٌ لا بالعكسِ لَما مرَّ غيرَ مرةٍ أنَّ محطَّ الفائدةِ هُوَ الخبرُ لا المبتدأُ ولا ريبَ في أنَّ مدارَ إفادةِ الهولِ والفخامةِ هُهَنا هُو كلمةُ مَا لاَ القارعةِ أَيْ أَيُّ شيءٍ عجيبٍ هيَ في الفخامةِ والفظاعةِ وقد وضعَ الظاهرَ موضعَ الضميرِ تأكيداً للتهويل وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} تأكيد لهولِها وفظاعتِها ببـيانِ خروجِها عنْ دائرةِ علومِ الخلقِ على مَعْنى أنَّ عِظمَ شَأْنِها ومَدَى شِدَّتِها بحيثُ لا تكادُ تنالُه درايةُ أحدٍ حَتَّى يدريكَ بَها وَمَا فِى حيزِ الرفعِ على الابتداءِ وأدراكَ هو الخبرُ وَلا سبـيل إلى العكسِ ههنا ومَا القارعةُ جملةٌ كما مَرَّ محلّها النصبُ على نزعِ الخافضِ لأنَّ أَدْرى يتعدَّى إلى المفعولِ الثانِي بالباءِ كما في قولِه تعالَى: { أية : وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ} تفسير : [سورة يونس، الآية 16] فلما وقعتْ الجملةُ الاستفهاميةُ معلقةً لهُ كانتْ فِي مَوْقعِ المفعولِ الثانِي له والجملةُ الكبـيرةُ معطوفةٌ على ما قبلَها من الجملةِ الواقعةِ خبراً للمبتدأِ الأولِ أيْ وأيُّ شيءٍ أعلمكَ مَا شأنُ القارعةِ ولما كانَ هذَا منبئاً عن الوعدِ الكريمِ بإعلامِها أنجزَ ذلكَ بقولِه تعالَى: {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} عَلى أنَّ يومَ مرفوعٌ عَلَى أَنَّهُ خبرُ مبتدأٍ محذوفِ وحركتُه الفتحُ لإضافتِه إلى الفعلِ وإنْ كانَ مضارعاً كَما هُو رأيُ الكوفيـينَ أيْ هيَ يومٌ يكونُ الناسُ فيهِ كالفراشِ المبثوثِ في الكثرةِ والانتشارِ والضعفِ والذلةِ والاضطرابِ والتطايرِ إلى الداعِي كتطايرِ الفَراشِ إلى النارِ أو منصوبٌ بإضمارِ اذكُرْ كأنَّه قيلَ بعدَ تفخيمِ أمرِ القارعةِ وتشويقِه عليه الصلاةُ والسلامُ إلى معرفتِها اذكُرْ يومَ يكونُ الناسِ الخ فإنَّه يدريكَ ما هيَ هَذا وقد قيلَ: إنه ظرفٌ ناصبُه مضمرٌ يدلُّ عليهِ القارعةُ أيْ تقرعُ يومَ يكونُ الناس الخ وقيلَ: تقديرُه ستأتيكُم القارعةُ يومَ يكونُ الخ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ}[1-2] قال: يقرع الله أعداءه بالعذاب.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ}. القارعةُ: اسمٌ من أسماء القيامة، وهي صيغة "فاعلة" من القَرْع، وهو الضربُ بشدَّة. سُمِّيت قارعة لأنها تقرعهم. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ}. تهويلاً لها. {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ}. أي: المُتَفَرِّق... وعند إعادتهم يركب بعضهم بعضاً. {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ}. أي: كالصوف المصبوغ. والمعنى فيه: أن أصحابَ الدعاوى وأرباب القوة في الدنيا يكونون - في القيامة إذا بُعِثُوا - أضعفَ من كلِّ ضعيف؛ لأن القُوى هنالك تسقط، والدعاوى تَبْطُل. قوله جلّ ذكره: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}. مَنْ ثقلت موازينهُ بالخيرات فهو في عيشة راضية؛ أي مَرْضية. ووزنُ الأعمالِ يومئذٍ يكون بوزن الصحف. ويقال: يخلق بَدَلَ كلِّ جزءٍ من أفعاله جوهراً، وتُوزَنُ الجواهر ويكون ذلك وزن الأعمال. {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}. مَنْ خَفَّتْ موازينه من الطاعات - وهم الكفارُ - فمأواه هاوية. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ}. سؤالٌ على جهة التهويل. ولم يَرِدُ الخبرُ بأن الأحوال توزَن، ولكن يُجازَى كلُّ بحالةٍ مما هو كَسْبٌ له، أو وَصَلَ إلى أسبابها بكَسْبٍ منه.

البقلي

تفسير : {ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ} القارعة ساعة كشف جمال العظمة الذى يفنى الحدثان فى سطواتها لذلك قال {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} ذلك من وصول قوارعات قهر جبروته.

اسماعيل حقي

تفسير : {والقارعة} القرع هو الضرب بشدة واعتماد بحيث يحصل منه صوت شديد ثم سميت الحادثة العظيمة من حوادث الدهر قارعة والمراد بها ههنا القيامة التى مبدأها النفخة الاولى ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق سميت بها لأنها تقرع القلوب والاسماع بفنون الافزاع والاهوال وتخرج جميع الاجرام العلوية والسفلية من حال الى حال السماء بانشقاق والانفطار والشمس والنجوم والتكوير والانكدار والانتثار والارض والجبال بالدك والنسف وهى مبتدأ خبره قوله {ما القارعة} على أن ما الاستفهامية خبر والقارعة مبتدأ اى راى شئ عجيب هى فى الفخامة والفظاعة وقد وضع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {القارعةُ ما القارعةُ} القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد, وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سُميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: (ما القارعةُ) على أنَّ "ما" استفهامية خبر, والقارعة مبتدأ، لا بالعكس؛ لما مرّ من أنَّ محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أنَّ مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو "ما القارعة" أيّ شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيداً للتهويل. {وما أدراك ما القارعةُ} هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أيُّ شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و"أدري" يتعدى إلى مفعولين, علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بيّن شأنها فقال: {يومَ يكونُ الناسُ كالفراش المبثوثِ} أي: هي يوم، على أنَّ "يوم" مبني لإضافته إلى الفعل, وإن كان مضارعاً على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلّة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صِغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } تفسير : [القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. هـ. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبّه الناسَ عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضاً؛ لشدة ذلك اليوم، كقوله: {أية : كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتِشِرٌ } تفسير : [القمر:7] وسمي فراشاً لتفرُّشه وانتشاره وخفته. هـ. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار؛ لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. {وتكونُ الجبالُ كالعِهْنِ المنفوشِ} كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرُّق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً...} تفسير : [النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يُبدِّل الله الأرضَ غير الأرض, بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيراً عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدّعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً } تفسير : [طه:105] الآية، ثم قال: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ}تفسير : [طه:108] وقوله تعالى: { أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ }تفسير : [إبراهيم:48]، الآية، فإنَّ اتباع الداعي, وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلاَّ بعد النفخة الثانية. قاله أبو السعود. قلت: دكّ الأرض كلها مع بقاء جبالها غريبَ مع أنَّ قوله تعالى: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ...}تفسير : [الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر, وبعضها تبقى ليشاهدها أهلُ المحشر، وهو ما كان جانباً، والله تعالى أعلم بما سيفعل, وسَتَرِد وترى. ولمّا ذكر ما يَعُمّ الناس ذَكَر ما يخص كل واحد، فقال: {فأمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه} باتباعه الحق، وهو جمع "موزون"، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله, أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفّتان، تُوزن فيه الأعمال، قالوا: تُوضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهاراً للمعدلة، وقطعاً للمعذرة. قال أنس: "إنَّ ملكاً يوُكّل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يُجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيُوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يُسْمِع جميعَ الخلائق باسم الرجل: إلاَ سَعِدَ فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خفّت موازينه نادى: شَقِيَ فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السَّوي، والحكم العَدْل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يُمكن أن يعرف مقادير الأعمال. هـ. والمشهور أنه محسوس. وقد رُوي عن ابن عباس أنه يُؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة, فتُوضع في الميزان, فمَن ترجحت موازين حسناته {فهو في عيشةٍ راضيةٍ} أي: ذات رضاً، أو مرضية، {ومَن خَفَّتْ موازينُه} باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يُعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، {فأُمُّهُ هاويةٌ}، هي من أسماء النار، سُميت بها لغاية عمقها, وبُعد مداها، رُوي أنَّ أهل النار يهووا فيها سبعين خريفاً. وعبَّر عن المأوى بالأم لأنَّ أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يُطرح فيها منكوساً. والأول هو الموافق لقوله: {وما أدراك مَا هِيَهْ} فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلاً ووقفاً، لثبوتها في المُصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسَّرها فقال: {نارٌ حامية} بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيهاً على أنَّ نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية؛ فإنَّ نار الدنيا جزء من سبعين جزءاً منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلِّي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث} أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئاً ووجد الله عنده، يعني: إنَّ الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف. وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلِّي؛ لأنّ نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأمّا مَن ثقُلت موازينه بأن كان حقاً محضاَ؛ إذ لا يثقل في الميزان إلاَّ الحق، والحق لا يُصادم باطلاً إلاَّ دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأمّا مَن خفّت موازينه باتباع الهوى فأُمُّه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويُضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. ورُوي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين مَن ثقلت موازينُهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا, وحُقَّ لميزان لا يوضع فيه إلاَّ الحق أن يَثقل، وإنما خفَّتْ موازينُ مَن خفت موازينُهم باتباعهم الباطلِ وخفته في الدنيا، وحُق لميزان لا يُوضع فيه إلاَّ الباطل أن يخف. هـ. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة ويعقوب {ما هي} بحذف الهاء فى الوصل، الباقون باثباتها، ولم يختلفوا فى الوقف أنه بالهاء. ومعنى {القارعة} البلية التي تقرع القلب بشدة المخافة تقول: قرع يقرع قرعاً وهو الصوت بشدة اعتماد، ومنه انشقت القرعة، وتقارع القوم في القتال إذا تضاربوا بالسيوف، وقرع رأسه إذا ضرب في أعلى الشعر حتى يذهبه، والقرعة كالضرب بالفال. وقال وكيع: القارعة، والواقعة، والحاقة القيامة. وقوله {وما أدراك ما القارعة} تعظيم لشأنها، وتفخيم لامرها وتهويل لشدتها. ومعناه وأي شيء القارعة ومعناه إنك يا محمد صلى الله عليه وآله لا تعلم كبر وصفها وحقيقة أمرها على التفصيل وإنما تعلمها على طريق الجملة، ثم وصفها الله تعالى فقال {يوم تكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش} والمعنى إن القارعة التى وصفها وذكرها تقرع القلوب يوم تكون الناس بهذه الصفة. والفراش الجراد الذي ينفرش ويركَب بعضه بعضاً، وهو غوغاء الجراد - فى قول الفراء - وقال ابو عبيدة: هو طير يتفرش وليس بذباب، ولا بعوض. وقال قتادة: الفراش هو هذا الطير الذي يتساقط فى النار والسراج. والمبثوث المتفرق فى الجهات، كأنه محمول على الذهاب فيها، يقال: بثه يبثه إذا فرقه، وأبثثته الحديث إذا ألفيته اليه، كأنك فرقته بأن جعلته عند اثنين. وقوله {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} فالعهن الصوف الالوان - في قول أبي عبيدة - قال زهير: شعر : كأن فتات العهن فى كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم تفسير : ويقال: عهن وعهنة. وقيل: إن الخلائق لعظم ما يرونة من الاهوال ويغشاهم من العذاب يهيم كل فريق على وجهه، ويذهب في غير جهة صاحبه. وقوله {فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية} قال الفراء الموازين والاوزان واحد، يقولون: هل لك في درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك. وقال الحسن: فى الآخرة ميزان له كفتان. وهو قول الجبائي واكثر المفسرين. ثم اختلفوا فمنهم من قال: يجعل الله تعالى في احدى الكفتين نوراً علامة للطاعات وفي الآخرى ظلمة علامة للمعاصي فأيهما رجح على الآخر حكم لصاحبه به. وقال آخرون: إنما يوزن صحف الاعمال فما فيها الطاعات تجعل فى كفة وما فيها المعاصي فى كفة أخرى فايهما رجح حكم لصاحبه به. وقال قوم: الميزان عبارة عن العدل ومقابلة الطاعات بالمعاصي، فايهما كان اكثر حكم له به وعبر عن ذلك بالثقل مجازاً لان الاعمال أعراض لا يصح وزنها ولا وصفها بالثقل والخفة، قال الشاعر: شعر : لقد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه تفسير : يريدون كلامه في معارضته، فبين الله تعالى أن من كانت طاعته أكثر كان ثوابه أعظم، فيكون صاحبها {في عيشة راضية} أي مرضية، ففاعل - ها هنا - بمعنى المفعول، لان معناه ذو رضا كقولهم (نابل) أي ذو نبل، قال النابغة: شعر : كليني لهم يا أميمة ناصب وليل اقاسيه بطيء الكواكب تفسير : أي ذو نصب وقال آخر: شعر : وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تامر تفسير : أى ذو لبن وذ وتمر. وقال مجاهد {ثقلت موازينه} على جهة الميل، ثم بين من كانت معاصيه أكثر وقلت طاعاته {فأمه هاوية} أى مأواه هاوية يعني، جهنم، وإنما سماها {أمه} لانه يأوى اليها كما يأوى الولد إلى أمه، وسميت هاوية - لما قال قتادة وابو صالح - من أن العاصي يهوي إلى أم رأسه في النار. ثم قال على وجه التفخيم والتعظيم لامرها {وما أدراك} يا محمد صلى الله عليه وآله {ما هيه} أى انك تعلمها على الجملة ولا تعلم تفصيلها وأنواع ما فيها من العقاب. والهاء في قوله {ما هيه} للسكت إلا أنه اجري الوصل معها مجرى الوقف، ويجوز فيها الحذف، ثم فسر الله تعالى فقال {نار حامية} أى هي نار حامية شديدة الحرارة.

الجنابذي

تفسير : {ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} وضع الظّاهر موضع المضمر وتكرير الاستفهام ونفى دراية محمّدٍ (ص) او دراية من له شأن الدّراية تعظيم وتهويل للقارعة والمراد بالقارعة امّا القيامة فانّها تقرع كلّ من كان له فى الدّنيا انانيّة بما فيها من الاهوال، او المراد بها الدّاهية الّى تكون فى القيامة.

الأعقم

تفسير : {القارعة ما القارعة} قيل: في الكلام حذف وتقديره ستأتيكم القارعة فاحذروها، وقيل: القارعة والواقعة والحاقة والقيامة أسماء من أسماء القيامة، وقيل: القارعة أهوال القيامة لأنها تقرع القلوب {وما أدراك ما القارعة} يعني أي شيء هي؟ تفخيماً لشأنها {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث} قيل: كالجراد الذي يتفرش ويركب بعضه بعضاً، وقيل: هو الطير الذي يتساقط في النار، والسراح المبثوث المتفرق، يعني إذا خرجوا من قبورهم انتشروا متحيرين لما نالهم من الأهوال، والتشبيه بالجراد قيل: لضعفهم، وقيل: لتفرقهم، وقيل: لكثرتهم {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} كالصوف المصبوغ المندوف لأنها تزول عن أماكنها وتصير كلا شيء {فأمّا من ثقلت موازينه} في الميزان قولان: قيل: هي على جهة المثل، وقيل: هو العدم، وقيل: له كفتان كموازين الدنيا عن الحسن واكثر العلم، واختلفوا هؤلاء ما الذي يوزن قيل: الصحف، وقيل: يظهر نور وظلمة علامة الخير والشر {فهو في عيشة راضية} أي مرضية في الجنة {وأمّا من خفت} من الخيرات {موازينه} {فأمه هاوية} قيل: أمه جهنم لأنه يأوي اليها كما يأوي الولد الى أمه، وقيل: يهوى على أُم رأسه في النار أي يطرح فيها، وقيل: النار أولى به من أُمه {وما أدراك ماهيه} يعني ما الهاوية؟ ثم فسر فقال: {نار حامية} شديدة الحر.

الهواري

تفسير : تفسير سورة القارعة، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ} يعظمها بذلك، وهي اسم من أسماء القيامة. قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} أي: كالفراش المبسوط في تفسير الحسن. وقال الكلبي: الذي يجول بعضه في بعض. وذكروا أقوالاً في الفراش: قال جماعة من العلماء: الفراش: الدَّبَى؛ شبه الناس به يوم القيامة، وقال بعضهم: الفراش هو ما تساقط في النار من البعوض، وهو قول الشاعر: شعر : مثل الفراشة والمصباح لاح لها لم تستطع دونه خوفاً ولا خرقاً تفسير : قال تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} أي: كالصوف المنفوش، وهو أضعف الصوف [قال يحيى: وهي في قراءة ابن مسعود: كالصوف الأحمر المنفوش]. قال تعالى: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} وهو المؤمن، فإنما تثقل بالعمل الصالح {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي معيشة راضية، أي: قدر رضيها، وهي الجنة {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} وهو المشرك والمنافق. وإنما تخف الموازين بالعمل السيء {فَأُمُّهُ هَاوِيَة} أي: فمسكنه هاوية. قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ} أي: حارة.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {القَارِعَةُ} القيامة تقرع القلوب بأهوالها وأصل القرع الضرب والصوت الشديد وقد قال بعضهم سميت قارعة لصوت اسرافيل لأنه إذا نفخ في الصور مات جميع الخلق لشدة صوته أو لأنه إذا نفخ فيه بعثوا فزعين وقيل القارعة القرعة التي تقرع الكفار من العذاب.

اطفيش

تفسير : مبتدأ خبره الجملة بعده أو يوم على أنه بنى لإضافته لجملة ولو كان فعلها مضارعاً معرباً على أن القارعة نفس اليوم ويدل له قراءة زيد بن على برفع يوم إلاَّ أنها تحتمل أنها خبر لمحذوف أى هى يوم أو يتعلق بمحذوف خبر على أن القارعة غير نفس اليوم أو فاعل لتأتى ويوم متعلق بتأتى أو بالقارعة الأول أو الثالث كأنه قيل وما أدراك ما الذى يقرع الناس يوم يكون الناس والجملة معترضة غير خبر وإذا جعلنا الجملة خبراً فيوم يتعلق بتأتى محذوفاً أو مفعول به لأذكر أو يتعلق بتقرع محذوفاً والقرع الضرب الشديد بحيث يحصل منه الصوت الشديد ويوم القيامة يضرب القلوب بالفزع والشدائد وكذلك يضربها صوت إسرافيل والمراد هنا القيامة ومبدأها الأُولى ومنتهاها الفصل بين الخلق أو دخول الدارين وقيل القارعة نفس النفخة.

الالوسي

تفسير : الجمهور على أنها القيامة نفسها ومبدؤها النفخة الأولى ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق وقيل صوت النفخة وقال الضحاك هي النار ذات التغيظ والزفير وليس بشيء وأياً ما كان فهي من القرع وهو الضرب بشدة بحيث يحصل منه صوت شديد وقد تقدم الكلام فيها وكذا ما يعلم منه إعراب ما ذكر في الكلام على قوله تعالى: {أية : الحاقة * مَا ٱلْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ}تفسير : [الحاقة: 1-3] وقرأ عيسى (القارعة) بالنصب وخرج على أنه بإضمار فعل أي اذكر القارعة.

سيد قطب

تفسير : القارعة: القيامة. كالطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية. والقارعة توحي بالقرع واللطم، فهي تقرع القلوب بهولها. والسورة كلها عن هذه القارعة. حقيقتها. وما يقع فيها. وما تنتهي إليه.. فهي تعرض مشهداً من مشاهد القيامة. والمشهد المعروض هنا مشهد هول تتناول آثاره الناس والجبال. فيبدو الناس في ظله صغاراً ضئالاً على كثرتهم: فهم {كالفراش المبثوث} مستطارون مستخفون في حيرة الفراش الذي يتهافت على الهلاك، وهو لا يملك لنفسه وجهة، ولا يعرف له هدفاً! وتبدو الجبال التي كانت ثابتة راسخة كالصوف المنفوش تتقاذفه الرياح وتعبث به حتى الأنسام! فمن تناسق التصوير أن تسمى القيامة بالقارعة، فيتسق الظل الذي يلقيه اللفظ، والجرس الذي تشترك فيه حروفه كلها، مع آثار القارعة في الناس والجبال سواء! وتلقي إيحاءها للقلب والمشاعر، تمهيداً لما ينتهي إليه المشهد من حساب وجزاء! {القارعة. ما القارعة؟ وما أدراك ما القارعة؟}.. لقد بدأ بإلقاء الكلمة مفردة كأنها قذيفة: {القارعة} بلا خبر ولا صفة. لتلقي بظلها وجرسها الإيحاء المدوي المرهوب! ثم أعقبها سؤال التهويل: {ما القارعة؟}.. فهي الأمر المستهول الغامض الذي يثير الدهش والتساؤل! ثم أجاب بسؤال التجهيل: {وما أدراك ما القارعة؟}.. فهي أكبر من أن يحيط بها الإدراك، وأن يلم بها التصور! ثم الإجابة بما يكون فيها، لا بماهيتها. فماهيتها فوق الإدراك والتصور كما أسلفنا: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش}.. هذا هو المشهد الأول للقارعة. مشهد تطير له القلوب شعاعاً، وترجف منه الأوصال ارتجافاً. ويحس السامع كأن كل شيء يتشبث به في الأرض قد طار حوله هباء! ثم تجيء الخاتمة للناس جميعاً: {فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية. وما أدراك ماهيه؟ نار حامية!}. وثقل الموازين وخفتها تفيدنا: قيماً لها عند الله اعتبار، وقيماً ليس لها عنده اعتبار. وهذا ما يلقيه التعبير بجملته، وهذا ـ الله أعلم ـ ما يريده الله بكلماته. فالدخول في جدل عقلي ولفظي حول هذه التعبيرات هو جفاء للحس القرآني، وعبث ينشئه الفراغ من الاهتمام الحقيقي بالقرآن والإسلام! {فأما من ثقلت موازينه} في اعتبار الله وتقويمه {فهو في عيشة راضية}.. ويدعها مجملة بلا تفصيل، توقع في الحس ظلال الرضى وهو أروح النعيم. {وأما من خفت موازينه} في اعتبار الله وتقويمه {فأمه هاوية}.. والأم هي مرجع الطفل وملاذه. فمرجع القوم وملاذهم يومئذ هو الهاوية! وفي التعبير أناقة ظاهرة، وتنسيق خاص. وفيه كذلك غموض يمهد لإيضاح بعده يزيد في عمق الأثر المقصود: {وما أدراك ماهيه؟}.. سؤال التجهيل والتهويل المعهود في القرآن، لإخراج الأمر عن حدود التصور وحيز الإدراك! ثم يجيء الجواب كنبرة الختام: {نار حامية}.. هذه هي أم الذي خفت موازينه! أمه التي يفيء إليها ويأوي! والأم عندها الأمن والراحة. فماذا هو واجد عند أمه هذه.. الهاوية.. النار.. الحامية!! إنها مفاجأة تعبيرية تمثل الحقيقة القاسية!

ابن عاشور

تفسير : الافتتاح بلفظ {القارعة} افتتاح مهول، وفيه تشويق إلى معرفة ما سيخبر به. وهو مرفوع إما على الابتداء و{ما القارعة} خبره ويكون هناك منتهى الآية. فالمعنى: القارعة شيء عظيم هي. وهذا يجري على أن الآية الأولى تنتهى بقوله: {ما القارعة}. وإمّا أن تكون {القارعة} الأولُ مستقلاً بنفسه، وعُدّ آية عند أهل الكوفة فيقدر خبرٌ عنه محذوف نحو: القارعة قريبة، أو يقدر فعل محذوف نحو أتتْ القارعة، ويكون قوله: {ما القارعة} استئنافاً للتهويل، وجُعل آية ثانية عند أهل الكوفة، وعليه فالسورة مسمطة من ثلاث فواصل في أولها وثلاث في آخرها وفاصلتين وسطها. وإعادة لفظ {القارعة} إظهار في مقام الإِضمار عدل عَنْ أن يقال: القارعة ماهِيهْ، لما في لفظ القارعة من التهويل والترويع، وإعادة لفظ المبتدأ أغنت عن الضمير الرابط بين المبتدأ وجملة الخبر. والقارعة: وصف من القرع وهو ضرب جسم بآخر بشدة لها صوت. وأطلق القرع مجازاً على الصوت الذي يتأثر به السامع تأثُّر خوف أو اتعاظ، يقال: قَرع فُلاناً، أي زجره وعَنَّفه بصوت غضب. وفي المقامة الأولى: «ويقرع الأسماع بزواجر وعظه». وأطلقت {القارعة} على الحدث العظيم وإن لم يكن من الأصوات كقوله تعالى: { أية : ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } تفسير : [الرعد: 31] وقيل: تقول العرب: قرعت القوم قارعة، إذا نزل بهم أمر فظيع ولم أقف عليه فيما رأيت من كلام العرب قبل القرآن. وتأنيث {القارعة} لتأويلها بالحادثة أو الكائنة. و{ما} استفهامية، والاستفهام مستعمل في التهويل على طريقة المجاز المرسل المركب لأن هول الشيء يستلزم تساؤل الناس عنه. فــــ {القارعة} هنا مراد بها حادثة عظيمة. وجمهور المفسرين على أن هذه الحادثة هي الحشر فجعلوا القارعة من أسماء يوم الحشر مثل القيامة، وقيل: أريد بها صيحة النفخة في الصُّور، وعن الضحاك: القارعة النار ذات الزفير، كأنه يريد أنها اسم جهنم. وهذا التركيب نظير قوله تعالى: { أية : الحَاقّة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة } تفسير : [الحاقة: 1 ـــ 3] وقد تقدم. ومعنى {وما أدراك ما القارعة} زيادة تهويل أمر القارعة و{ما} استفهامية صادقة على شخص، والتقدير: وأي شخص أدراك، وهو مستعمل في تعظيم حقيقتها وَهَوْلها لأن هول الأمر يستلزم البحث عن تعرفة. وأدراك: بمعنى أعلمك. و{ما القارعة} استفهام آخر مستعمل في حقيقته، أي ما أدراك جواب هذا الاستفهام. وسدّ الاستفهام مَسدَّ مفعولي {أدراك}. وجملة: {وما أدراك ما القارعة} عطف على جملة {ما القارعة}. والخطاب في {أدراك} لغير معين، أي وما أدراك أيها السامع. وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى: { أية : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة } تفسير : [الحاقة: 1 ـــ 3] وتقدم بعضه عند قوله تعالى: { أية : وما أدراك ما يوم الدين } تفسير : في سورة الانفطار (17).

الشنقيطي

تفسير : وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في أول سورة الواقعة، وقال: كالطامة والصاخة، والآزفة، والقارعة. 1هـ. أي وكذلك الصاخة والساعة. ومعلوم أن الشيء إذا عظم خطره كثرت أسماؤه. أو كما روي عن الإمام علي: كثر الأسماء تدل على عظم المسمى. ومعلوم أن ذلك ليس من المترادفات، فإن لكل اسم دلالة على معنى خاص به. فالواقعة لصدق وقوعها، والحاقة لتحقق وقوعها، والطامة لأنها تطم وتعم بأحوالها، والآزفة من قرب وقوعها أزفت الآزفة مثل اقتربت الساعة، وهكذا هنا. قالوا: القارعة مثل قرع الصوت الشديد لشدة أهوالها. وقيل: القارعة اسم للشدة. قال القرطبي: تقول العرب: قرعتهم القارعة وفقرتهم الفاقرة، إذا وقع بهم أمر فظيع. قال ابن جرير: شعر : وقارعة من الأيامِ لولا سبيلهم لزاحت عندك حِينا تفسير : وقال تعالى: {أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} تفسير : [الرعد: 31]، وهي الشديدة من شدائد الدهر. وقوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ}، تقدم قولهم: إن كل ما جاء وما أدراك أنه يدريه وما جاء وما يدريك لا يدريه. وقد أدراه هنا بقوله: {أية : يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} تفسير : [القارعة: 4-5]،وهذا حال من أحوالها. وقد بين بعض الأحوال الأخرى في الواقعة بأنها خافضة رافعة، وهي الطامة والصاخة: ينظر المرء ما قدمت يداه. وقوله: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} تفسير : [عبس: 34-35]. وأيضاً فإن كل حالة يذكر الحال الذي يناسبها، فالقارعة من القرع وهو الضرب، ناسب أن يذكر معها ما يوهْن قوى الإنسان إلى ضعف الفراش البثوث، ويفكك ترابط الجبال إلى هباء العهن المنفوش.

الواحدي

تفسير : {القارعة} يعني: القارعة؛ لأنَّها تقرع القلوب بأهوالها. {ما القارعة} تفخيمٌ لشأنها وتهويلٌ، كما قلنا في الحاقَّة. {يوم يكون الناس كالفراش} كغوغاء الجراد لا يتَّجه إلى جهةٍ واحدةٍ، كذلك النَّاس إذا بُعثوا ماج بعضهم في بعضٍ للحيرة {المبثوث} المفرَّق. {وتكون الجبال كالعهن} كالصُّوف {المنفوش} المندوف، لخفَّة سيرها. {فأمَّا مَنْ ثقلت موازينه} بالحسنات. {فهو في عيشة راضية} يرضاها. {وأما من خفت موازينه}. {فأمه هاوية} فمسكنه النَّار. {وما أدراك ماهِيَهْ} ثمَّ فسرها فقال: {نار حامية} شديدة الحرارة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- هى القيامة التى تبدأ بالنفخة الأولى، وتنتهى بفصل القضاء بين الناس. 2- أى شئ عجيب - هى - فى ضخامتها وخطرها وفظاعتها؟! 3- أى شئ أعلمك ما شأن القارعة فى هولها على النفوس؟! 4- هى كائنة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث كثرة وتدافعاً يميناً وشمالاً ضعيفاً ذليلاً. 5- وتكون الجبال كالصوف الملون المنفوش فى تفرق الأجزاء والتطاير فى الجو هنا وهناك. 6، 7- فأما مَن ثقلت موازينه فرجحت حسناته على سيئاته، فهو فى عيشة يرضاها صاحبها تطيب نفسه بها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: القارعة: القيامة وسميت القارعة لأنها تقرع القلوب بأهوالها. ما القارعة: أي أي شيء هي؟ فالاستفهام للتهويل من شأنها. وما أدراك ما القارعة: زيادة في تهويل أمرها وتعظيمه. كالفراش المبثوث: أي كغوغاء الجراد المنتشر يموج بعضهم في بعض. كالعهن المنفوش: أي كالصوف المندوف هذه حالها أولا ثم تكون كثيبا مهيلا ثم تكون هباء منبثا. في عيشة راضية: أي يرضاها صاحبها في الجنة فهي مرضية له. فأمه هاوية: أي مأواه ومسكنه الهاوية التي يهوي فيها على رأسه وهي النار. نار حامية: أي هي نار حامية. معنى الآيات: قوله تعالى {ٱلْقَارِعَةُ} إلى آخر السورة الكريمة تضمنت آياتها الإِحدى عشرة آية وصفاً لعقيدة البعث والجزاء التي كذب بها المشركون وأنكروها وبالغوا في إنكارها فأخبر تعالى أن القيامة التي تقرع الناس بأهوالها وعظائم ما يجري فيها بحيث يكون الناس وهم أشرف الكائنات الأرضية يكونون في خفة أحلامهم وحيرة عقولهم كالفراش المبثوث وهو غوغاء الجارد وتجمعه وتراكمه وانتشاره وهو يموج بعضه فوق بعض. وتكون الجبال على رسوها وعلوها وضخامة ذواتها كالعهن المنفوش أي كالصوف المندوف بالمنداف وهو يتطاير هنا وهناك. هذا في أول الأمر وقد تكون كالرمل المتهيل. ثم كالهباء المنبث فإِذا بعثوا ووقفوا بين يدي ربهم لحسابهم ومجازاتهم {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} أي موازين حسناته فقد نجا من النا ر وهو {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي مرضية له وهو بها راض وكيف لا وهي الجنة دار النعيم المقيم. {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} أي قلت حسناته وكثرت سيئاته أوْ لَمْ يكن له حسنة بالمرة كأهل الكفر والشرك {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} أي فأمه التي تضمه إليها وتؤيه عندها هاوية بحيث يهوى فيها على أم رأسه وقوله تعالى {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}؟ أي هي {نَارٌ حَامِيَةٌ} هذا الاستفهام للتهويل من شأنها وهي كذلك لا أشد هولا منها إنها النار دار البوار والخسران أعاذنا الله تعالى منها وعتق رقابنا منها اللهم آمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر صورة صادقة لها. 2- التحذير من أهوال يوم القيامة وعذاب الله تعالى فيها. 3- تقرير عقيدة وزن الأعمال صالحها وفاسدها وترتيب الجزاء عليها. 4- تقرير أن الناس يوم القيامة فريقان فريق في الجنة وفريق في السعير.

القطان

تفسير : القارعة: القيامة. المبثوث: المنتشر، المتفرق. العهن: الصوف. المنفوش: المتطاير المنتشر. ثقلت موازينه: رجحت حسناته وكثرت. خفت موازينه: قلّت حسناته وساءت اعماله. هاوية: من أسماء جهنم. {ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} يُهوّلُ الله تعالى في هذه الآيات من وصف يومِ القيامة التي تَقرَعُ قلوبَ الناس بما فيها من أحداثٍ وشدائد، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} وأَيُّ شيء أَعلمك يا محمدُ ما شأنُ القارعة في هَولها على النفوس! إنها أكبرُ من أن يُحيط بها الإدراك، أو يُلمَّ بها التصوُّر. {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} في ذلك اليوم العصيبِ ينتشر الناسُ كالفَراش المتفرق في الفضاءِ، لا يَلوي أحدٌ على احد، حيارى هائمين على وُجوههم لا يدرون ما يفعلون، ولا ماذا يُراد بهم. وتكون الجبالُ كالصُّوف الملوَّنِ المتطايرِ في الهواء. ثم بعدَ ان ذَكَرَ بعضَ أهوال ذلك اليوم بيَّن حالَ الناس فيه وانقسامَهم الى سعيدٍ وشقيّ، فقال: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} فأما الذي كَثُرت حسناتُه بسبب أعماله الصالحة فلا خوفَ عليه، لقد نجا، فهو في عِيشةٍ يرضاها وتطيبُ نفسه بها. {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ} وأما من قلَّت حسناتُه وكثُرت سيئاتُه بسبب سوءِ أعماله فمصيرُه جهنّمُ يُهوي فيها الى أسفلِ الدَرَكات. ومعنى أُمه هاوية: إن مرجعَه الذي يأوي إليه مَهواةٌ سحيقة في جهنّم، والتعبيرُ في غاية القسوة. ثم جاءَ بعد ذلك استفهامٌ كبير {وَمَآ أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ} ما أعْلَمَكَ يا محمدُ ما هي الهاوية! يَا لهُ من استفهام! إنها {نَارٌ حَامِيَةٌ} هي جهنّم التي لا تبلُغُ حرارتَها نارٌ مهما سُعِّرَت وأُلقي فيها من وقود.. أعاذَنا الله منها...

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - القَارِعَةُ اسْمٌ مِنْ أَسْمََاءِ القِيَامَةِ، وَسُمِيَّتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِهَا.

الثعلبي

تفسير : {ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} وهي الطير التي تتساقط في النار، المبثوث: المتفرّق. قال الفرّاء: الغوغاء: الجراد يركب بعضه بعضاً من الهول. {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} كالصوف المصبوغ المبلل. {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} مرضيّة في الجنة. {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} مسكنه ومأواه النار. قال قتادة: هي كلمة عربية، كان الرجل إذا وقع في أمر شديد قال: هوت أُمّه، وقال بعضهم: أرَادَ أُمّ رأسه، يعني أنهم يهوون في النار على رؤوسهم، وإلى هذا التأويل ذهب قتادة وأبو صالح. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} أي مَنْ؟ فقال: {نَارٌ حَامِيَةٌ}. وأخبرنا ابن حامد قال [حدّثنا] صالح بن محمد قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد عن جعفر ابن زيد عن أنس بن مالك قال: إن ملكاً من ملائكة اللّه عزّ وجلّ موكّل يوم القيامة بميزان ابن آدم، فيجاء به حتى يوقف بين كفتي الميزان، فيوزن عمله فإنْ ثقل ميزانه نادى الملائكة بصوت يسمع جميع الخلق باسم الرجل: ألا سَعُدَ فلان سعادة لا شقاوة بعدها، وإن خفّت موازينه ينادي الملائكة: ألا شقيَ فلان شقاوة لا سعادة بعدها.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلْقَارِعَةُ} اسم من أسماء القيامة، سميت بها لأنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها، وأصلُ القرع الضرب بشدة وقوة، تقول العرب: قرعتهم القارعة وفقَرتهم الفاقرة، إِذا وقع بهم أمر فظيع {ٱلْمَبْثُوثِ} المنتشر المتفرق {ٱلْعِهْنِ} الصوف ذو الألوان أو المصبوغ {الهَاوِيَةٌ} اسم لجهنم سميت بذلك لأنَّ الناس يهْوون بها أي يسقطون. التفسِير: {ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ} أي القيامة وأيُّ شيء هي القيامة؟ إِنها في الفظاعة والفخامة بحيث لا يدركها خيال، ولا يبلغها وهمُ انسان فهي أعظم من أن توصف أو تصوَّر، ثم زاد في التفخيم والتهويل لشأنها فقال {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ}؟ أي أيُّ شيء أعلمك ما شأن القارعة في هولها على النفوس؟ إِنها لا تُفزع القلوب فحسب، بل تؤثّر في الاجرام العظيمة، فتؤثر في السماوات بالإِنشقاق، وفي الأرض بالزلزلة، وفي الجبال بالدكّ والنسف، وفي الكواكب بالانتثار، وفي الشمس والقمر بالتكوير والانكدار إِلى غير ما هنالك قال أبو السعود: سميت القيامة قارعة لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأهوال والأفزاع، ووضع الظاهر موضع الضمير {مَا ٱلْقَارِعَةُ} تأكيداً للتهويل، والمعنى أيُّ شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، ثم أكد هولها وفظاعتها بقوله {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ}؟ ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، بحيث لا تكاد تنالها دراية أحد.. وبعد هذا التخويف والتشويق إِلى معرفة شيءٍ من أحوالها، جاء التوضيح والبيان بقوله تعالى {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} أي ذلك يحدث عندما يخرج الناسُ من قبورهم فزعين، كأنهم فراش متفرق منتشر هنا وهناك، يموج بعضهم في بعض من شدة الفزع والحيرة قال الرازي: شبه تعالى الخلق وقت البعث هٰهنا بالفراش المبثوث، وفي آية أُخرى بالجراد المنتشر، أما وجه التشبيه بالفراش، فلأن الفراش إِذا ثار لم يتجه إِلى جهةٍ واحدة، بل كل واحدة منها تذهب إِلى غير جهة الأُخرى، فدلَّ على أنهم إِذا بُعثوا فزعوا، وأما وجه التشبيه بالجراد فهو في الكثرة، يصبحون كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضاً، فكذلك الناس إِذا بُعثوا يموج بعضُهم في بعض كالجراد والفراش كقوله تعالى {أية : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ}تفسير : [الكهف: 99] {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} هذا هو الوصف الثاني من صفات ذلك اليوم المهول أي وتصير الجبال كالصوف المنتثر المتطاير، تتفرق أجزاؤها وتتطاير في الجو، حتى تكون كالصوف المتطاير عند الندف قال الصاوي: وإِنما جمع بين حال الناس وحال الجبال، تنبيهاً على أن تلك القارعة أثَّرت في الجبال العظيمة الصلبة، حتى تصير كالصوف المندوف مع كونها غير مكلفة ، فكيف حال الإِنسان الضعيف المقصود بالتكليف والحساب!! ثم ذكر تعالى حالة الناس في ذلك اليوم، وانقسامهم إِلى شقي وسعيد فقال {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} أي رجحت موازين حسناته، وزادت حسناتُه على سيئاته {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي فهو في عيش هنيءٍ رغيد سعيد، في جنان الخلد والنعيم {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} أي نقصت حسناته عن سيئاته، أولم يكن له حسناتٌ يُعتدُّ بها {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} أي فمسكنه ومصيره نار جهنم يهوي في قعرها، سَّماها أُماً لأن الأم مأوى الولد ومفزعه، فنار جهنم تؤوي هؤلاء المجرمين، كما يأوي الأولاد إِلى أمهم، وتضمهم إِليها كما تضم الأم الأولاد إِليها قال أبو السعود: {هَاوِيَةٌ} اسم من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مهواها، روي أن أهل النار يهوون فيها سبعين خريفاً {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}؟ استفهام للتفخيم والتهويل أي وما أعلمك ما الهاوية؟ ثم فسَّرها بقوله {نَارٌ حَامِيَةٌ} أي هي نار شديدة الحرارة، قد خرجت عن الحد المعهود، فإِن حرارة أي نارٍ إِذا سُعرت وأُلقي فيها أعظم الوقود لا تعادل حرارة جهنم، أجارنا الله منها بفضله وكرمه. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام للتفخيم والتهويل {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ}؟ {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}؟ 2- وضع الظاهر مكان الضمير للتخويف والتهويل {ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَ}؟ والأصل أن يقال: القارعة ما هي؟ 3- التشبيه المرسل المجمل {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه أي في الكثرة والانتشار، والضعف والذلة، ومثله {كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} أي في تطايرها وخفة سيرها فيسمى مرسلاً مجملاً. 4- المقابلة {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} ثم قابلها بقوله {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} وهو من المحسنات البديعية. 5- المجاز العقلي {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي راضٍ بها صاحبها ففيه اسناد مجازي. 6- الاحتباك وهو أن يحذف من كل نظير ما أثبته في الآخر فقوله تعالى {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} حذف من الأول (فأمه الجنة) وذكر فيها {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} وحذف من الآية الثانية (فهو في عيشة ساخطة) وذكر {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} فحذف من كلٍ نظير ما أثبته في الآخر، وهو من المحسنات البديعية كذلك. 7- توافق الفواصل في الحرف الأخير، وهو واضح في السورة الكريمة. تنبيه: الجمهور على أن الميزان حقيقي له كفتان ولسان، توزن فيه الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات، وروي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صور حسنة، وبالأعمال السيئة على صور قبيحة، فتوضع في الميزان، فمن رجحت حسناته سعد، ومن رجحت سيئاته شقي، والله أعلم.

زيد بن علي

تفسير : عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلام في قوله تعالى: {ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ} فالقارعةُ: هي الداهيةُ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ} هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها ظاهرة لأنه ذكر وقت بعثرة القبور وذلك هو وقت الساعة وقال الجمهور: القارعة القيامة نفسها لأنها تقرع القلوب بهولها ما استفهام فيه معنى الاستعظام والتعجب وهو مبتدأ القارعة وتقدم تقرير ذلك في الحاقة. {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ} هو الطير الذي يتساقط في النار، والعهن الصوف وقرن بين الناس والجبال تنبيهاً على تأثير تلك القارعة في الجبال حتى صارت كالعهن المنفوش فكيف يكون حال الإِنسان عند سماعها وتقدم الكلام في الموازين وثقلها في الأعراف وعيشة راضية في الحاقة. {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} قيل دركة من دركات النار وأمه معناه مأواه كما قيل للأرض أم الناس لأنها تؤويهم. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} هي ضمير يعود على هاوية والهاء في ماهية هاء السكت وحذفت في الوصل نار خبر متبدأ محذوف تقديره هي نار.

الجيلاني

تفسير : {ٱلْقَارِعَةُ} [القارعة: 1] أي: الساعة التي تقرع الأسماع من هولها وهيبتها، وتدهش العقول من شدتها وصولتها. ثمَّ أبهم سبحانه تهويلاً، فقال: {مَا ٱلْقَارِعَةُ} [القارعة: 2] المذكورة، وأية شيء هي؟. ثمَّ أبهمها مرة أخرى على حبيبه صلى الله عليه وسلم؛ تأكيداً على تهويلها وفظاعة شأنها، فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ} وأعلمك يا أكمل الرسل {مَا ٱلْقَارِعَةُ} [القارعة: 3] العجيبة الشأن الفظيعة العظيمة الهائلة المهولة؟. ثمَّ عدّ سبحانه لوازمها وما يترتب عليها؛ لينتقل منها إليها، وإنما أشار سبحانه بهذه الطريقة أيضاً إلى شدة هولها وفظاعتها؛ ليكون تهويلاً على تهويل، وتأكيداً على تأكيدٍ. اذكر يا أكمل الرسل لمن تذكّر {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ} من شدة أهوالهم وأفزاعهم {كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} [القارعة: 4] أي: كالطير المتهافت على النار من شدة اضطرابه؛ يعني: يكون الناس يومئذ مثل الفراش المتفرق في الجهات من غاية الاضطراب، بحيث لا يتمالكون على نفوسهم، بل يركب بعضهم فوق بعض، ويطأ بعضهم بعضاً من شدة خشيتهم ورهبتهم وازدحامهم. {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ} من كمال قهر الله وغضبه {كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} [القارعة: 5] أي: كالصوف الملون المندوف، تطير في جو الهواء يمنة ويسرة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا قارع رأس نفسك بمقرعة الشقاوة، اعتبر بسورة القارعة حيث يقول الله تعالى: {ٱلْقَارِعَةُ} [القارعة: 1] قد جاءت القارعة احذرها، ولا يثقل مقرعتك بالهوى. {مَا ٱلْقَارِعَةُ} [القارعة: 2]، هي القيامة الهوائية التي قامت في قالبك، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} [القارعة: 3]؛ لأنك غافل عنها مشتغل بما فيه بثقل المقرعة في القارعة. {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} [القارعة: 4] المتفرق في النيران المشتعلة بريح هواء النفس، {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} [القارعة: 5]؛ يعني: جبال قالبك تكون في تلك الريح كالعهن المنقوش.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { الْقَارِعَةُ } من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك، لأنها تقرع الناس وتزعجهم بأهوالها، ولهذا عظم أمرها وفخمه بقوله: { الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ } من شدة الفزع والهول، { كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث } أي: كالجراد المنتشر، الذي يموج بعضه في بعض، والفراش: هي الحيوانات التي تكون في الليل، يموج بعضها ببعض لا تدري أين توجه، فإذا أوقد لها نار تهافتت إليها لضعف إدراكها، فهذه حال الناس أهل العقول، وأما الجبال الصم الصلاب، فتكون { كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ } أي: كالصوف المنفوش، الذي بقي ضعيفًا جدًا، تطير به أدنى ريح، قال تعالى: {أية : وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } تفسير : ثم بعد ذلك، تكون هباء منثورًا، فتضمحل ولا يبقى منها شيء يشاهد، فحينئذ تنصب الموازين، وينقسم الناس قسمين: سعداء وأشقياء، { فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } أي: رجحت حسناته على سيئاته { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } في جنات النعيم. { وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } بأن لم تكن له حسنات تقاوم سيئاته. { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } أي: مأواه ومسكنه النار، التي من أسمائها الهاوية، تكون له بمنزلة الأم الملازمة كما قال تعالى: {أية : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا } . تفسير : وقيل: إن معنى ذلك، فأم دماغه هاوية في النار، أي: يلقى في النار على رأسه. { وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ } وهذا تعظيم لأمرها، ثم فسرها بقوله هي: { نَارٌ حَامِيَةٌ } أي: شديدة الحرارة، قد زادت حرارتها على حرارة نار الدنيا سبعين ضعفًا. نستجير بالله منها.