Verse. 6169 (AR)

١٠٢ - ٱلتَّكَاثُر

102 - At-Takathur (AR)

اَلْہٰىكُمُ التَّكَاثُرُ۝۱ۙ
Alhakumu alttakathuru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألهاكم» شغلكم عن طاعة الله «التكاثر» التفاخر بالأموال والأولاد والرجال.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: الإلهاء الصرف إلى اللهو. واللهو الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى، ومعلوم أن الانصراف إلى الشيء يقتضي الإعراض عن غيره، فلهذا قال أهل اللغة: ألهاني فلان عن كذا أي أنساني وشغلني، ومنه الحديث: «حديث : أن الزبير كان سمع صوت الرعد لهى عن حديثه»تفسير : أن تركه وأعرض عنه، وكل شيء تركته فقد لهيت عنه، والتكاثر التباهي بكثرة المال والجاه والمناقب يقال: تكاثر القوم تكاثراً إذا تعادلوا مالهم من كثرة المناقب، وقال أبو مسلم: التكاثر تفاعل عن الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الإثنين فيكون مفاعله، ويحتمل تكلف الفعل تقول: تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره، وتقول: تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول: تغافلت، ويحتمل أيضاً الفعل بنفسه كما تقول: تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه، ولفظ التكاثر في هذه الآية ويحتمل الوجهين الأولين، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه كم من إثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه: {أية : أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } تفسير : [الكهف: 34] ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله، واعلم أن التفاخر والتكاثر شيء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ }تفسير : [الحديد: 20]. المسألة الثانية: اعلم أن التفاخر إنما يكون بإثبات الإنسان نوعاً من أنواع السعادة لنفسه، وأجناس السعادة ثلاثة: فأحدها: في النفس والثانية: في البدن والثالثة: فيما يطيف بالبدن من خارج، أما التي في النفس فهي العلوم والأخلاق الفاضلة وهما المرادان بقوله حكاية عن إبراهيم: {أية : رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ }تفسير : [الشعراء: 83] وبهما ينال البقاء الأبدي والسعادة السرمدية. وأما التي في البدن فهي الصحة والجمال وهي المرتبة الثانية، وأما التي تطيف بالبدن من خارج فقسمان: أحدهما: ضروري وهو المال والجاه والآخر غير ضروري وهو الأقرباء والأصدقاء وهذا الذي عددناه في المرتبة الثالثة إنما يراد كله للبدن بدليل أنه إذا تألم عضو من أعضائه فإنه يجعل المال والجاه فداء له. وأما السعادة البدنية فالفضلاء من الناس إنما يريدونها للسعادة النفسانية فإنه ما لم يكن صحيح البدن لم يتفرغ لاكتساب السعادات النفسانية الباقية، إذا عرفت هذا فنقول: العاقل ينبغي أن يكون سعيه في تقديم الأهم على المهم، فالتفاخر بالمال والجاه والأعوان والأقرباء تفاخر بأخس المراتب من أسباب السعادات، والاشتغال به يمنع الإنسان من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم والعمل، فيكون ذلك ترجيحاً لأخس المراتب في السعادات على أشرف المراتب فيها، وذلك يكون عكس الواجب ونقيض الحق، فلهذا السبب ذمهم الله تعالى فقال: {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } ويدخل فيه التكاثر بالعدد وبالمال والجاه والأقرباء والأنصار والجيش، وبالجملة فيدخل فيه التكاثر بكل ما يكون من الدنيا ولذاتها وشهواتها. المسألة الثالثة: قوله: {أَلْهَـٰكُمُ } يحتمل أن يكون إخباراً عنهم، ويحتمل أن يكون استفهاماً بمعنى التوبيخ والتقريع أي أألهاكم، كما قرىء {أنذرتهم} و{أية : أأنذرتهم} تفسير : [البقرة: 6]، و{إذا كنا عظاماً} و {أية : أئذا كنا عظاماً} تفسير : [الإسراء: 49]. المسألة الرابعة: الآية دلت على أن التكاثر والتفاخر مذموم والعقل دل على أن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم، ومن ذلك ما روي من تفاخر العباس بأن السقاية بيده، وتفاخر شيبة بأن المفتاح بيده إلى أن قال علي عليه السلام: وأنا قطعت خرطوم الكفر بسيفي فصار الكفر مثلة فأسلمتم فشق ذلك عليهم فنزل قوله تعالى: {أية : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ } تفسير : [التوبة: 19] الآية وذكرنا في تفسير قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ }تفسير : [الضحى: 11] أنه يجوز للإنسان أن يفتخر بطاعاته ومحاسن أخلاقه إذا كان يظن أن غيره يقتدي به، فثبت أن مطلق التكاثر ليس بمذموم، بل التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة، هو المحمود، وهو أصل الخيرات، فالألف واللام في التكاثر ليسا للاستغراق، بل للمعهود السابق، وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها، فإنه هو الذي يمنع عن طاعة الله تعالى وعبوديته، ولما كان ذلك مقرراً في العقول ومتفقاً عليه في الأديان، لا جرم حسن إدخال حرف التعريف عليه. المسألة الخامسة: في تفسير الآية وجوه أحدها: ألهـاكم التكاثر بالعدد. روي أنها نزلت في بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر فكان بنو عبد مناف أكثر فقال: بنو سهم عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم، ففعلوا فزاد بنو سهم، فنزلت الآية وهذه الرواية مطابقة لظاهر القرآن، لأن قوله: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } يدل على أنه أمر مضى. فكأنه تعالى يعجبهم من أنفسهم، ويقول هب أنكم أكثر منهم عدداً فماذا ينفع، والزيارة إتيان الموضع، وذلك يكون لأغراض كثيرة، وأهمها وأولاها بالرعاية ترقيق القلب وإزالة حب الدنيا فإن مشاهدة القبور تورث ذلك على ما قال عليه السلام: «حديث : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة» تفسير : ثم إنكم زرتم القبور، بسبب قساوة القلب والاستغراق في حب الدنيا فلما انعكست هذه القضية، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك في معرض التعجيب. والقول الثاني: أن المراد هو التكاثر بالمال واستدلوا عليه بما روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، أنه عليه السلام كان يقرأ: {أَلْهَـٰكُمُ } وقال ابن آدم: يقول مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنبت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، والمراد من قوله: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } أي حتى متم وزيارة القبر عبارة عن الموت، يقال لمن مات: زار قبره وزار رمسه، قال جرير للأخطل:شعر : زار القبور أبو مالك فأصبح ألأم زوارها تفسير : أي مات فيكون معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت، وأنتم على ذلك، يقال حمله على هذا الوجه مشكل من وجهين الأول: أن الزائر هو الذي يزور ساعة ثم ينصرف، والميت يبقى في قبره، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ والثاني: أن قوله: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟ والجواب: عن السؤال الأول أنه قد يمكث الزائر، لكن لا بد له من الرحيل، وكذا أهل القبور يرحلون عنها إلى مكان الحساب والجواب: عن السؤال الثاني من وجوه أحدها: يحتمل أن يكون المراد من كان مشرفاً على الموت بسبب الكبر، ولذلك يقال فيه: إنه على شفير القبر وثانيها: أن الخبر عمن تقدمهم وعظاً لهم، فهو كالخبر عنهم، لأنهم كانوا على طريقتهم، ومنه قوله تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ النَبيينَ } تفسير : [آل عمران: 21] وثالثها: قال أبو مسلم: إن الله تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور. القول الثالث: ألهـاكم الحرص على المال وطلب تكثيره حتى منعتم الحقوق المالية إلى حين الموت، ثم تقول في تلك الحالة: أوصيت لأجل الزكاة بكذا، ولأجل الحج بكذا. القول الرابع: ألهـاكم التكاثر فلا تلتفتون إلى الدين، بل قلوبكم كأنها أحجار لا تنكسر ألبتة إلا إذا زرتم المقابر، هكذا ينبغي أن تكون حالكم، وهو أن يكون حظكم من دينكم ذلك القدر القليل من الانكسار، ونظيره قوله تعالى: {أية : قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }تفسير : [الملك: 23] أي لا أقنع منكم بهذا القدر القليل من الشكر. المسألة السادسة: أنه تعالى لم يقل: ألهـاكم التكاثر عن كذا وإنما لم يذكره، لأن المطلق أبلغ في الذم لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب، فيدخل فيه جميع ما يحتمله الموضع، أي: ألهاكم التكاثر عن ذكر الله وعن الواجبات والمندوبات في المعرفة والطاعة والتفكر والتدبر، أو نقول: إن نظرنا إلى ما قبل هذه الآية فالمعنى: ألهاكم التكاثر عن التدبر في أمر القارعة والاستعداد لها قبل الموت، وإن نظرنا إلى الأسفل فالمعنى ألهاكم التكاثر، فنسيتم القبر حتى زرتموه.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } «ألهاكم» شغلكم. قال: شعر : فَأَلْهَيْـتُـهـا عـن ذِي تَـمـائـم مُـغْـيـل تفسير : أي شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتى مِتم ودفنتم في المقابر. وقيل {أَلْهَاكُمُ}: أنساكم. {ٱلتَّكَّاثُرُ } أي من الأموال والأولاد، قاله ابن عباس والحسن. وقال قتادة: أي التفاخر بالقبائل والعشائر. وقال الضحاك: أي ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة. يقال: لَهِيت عن كذا (بالكسر) أَلْهى لَهِيًّا ولِهْيَاناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه. وألهاه: أي شغله. ولهَّاه به تلهية أي عَلَّله. والتكاثر: المكاثرة. قال مقاتل وقتادة وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضُلاَّلاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخِذ من الأنصار. وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: نزلت في حَيَّيْن من قريش: بني عبد مَناف، وبني سَهْم، تعادُّوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام، فقال كل حيّ منهم نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكَثَرَ بنو عبد مناف سهماً. ثم تكاثروا بالأموات، فَكَثَرَتْهُمْ سَهْم، فنزلت {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } بأحيائكم فلم ترضَوا {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } مفتخرين بالأموات. وروى سعيد عن قتادة قال: كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعدّ من بني فلان؛ وهم كلَّ يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كُلُّهم. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شبيان عن قتادة قال: نزلتْ في أهل الكتاب. قلت: الآية تَعُمّ جميع ما ذكر وغيره. وفي صحيح مسلم عن مُطَرِّف عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } قال: «يقولُ ابنُ آدم: مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيتَ، أو لبستَ فأبلَيتَ، أو تصدّقْتَ فأمضيت وما سوى ذلك فذاهبٌ وتاركُه للناس. وروى البخاريّ عن ابن شهاب: أخبرني أنَس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لو أن لابن آدم وادياً من ذهب، لأحب أن يكون له واديان، ولَنْ يَمْلأ فاه إلاّ الترابُ، ويتوبُ اللَّهُ على من تابَ » تفسير : . قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ }. قال ابن العربيّ: وهذا نصّ صحيح مليح، غاب عن أهل التفسير فجهِلوا وجَهَّلوا، والحمد لله على المعرفة. وقال ابن عباس: « حديث : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } قال: «تَكاثُرُ الأموال: جمعها من غير حقها، ومنعها من حقها، وشدّها في الأوعية». تفسير : الثانية: قوله تعالى: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } أي حتى أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زوّاراً، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار. يقال لمن مات: قد زار قبره. وقيل: أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات؛ على ما تقدّم. وقيل: هذا وعيد. أي اشتغلتم بمفاخرة الدنيا، حتى تزوروا القبور، فتَرَوْا ما ينزل بكم من عذاب الله عز وجل. الثالثة: قوله تعالى: {ٱلْمَقَابِرَ } جمع مَقْبَرة ومَقْبُرة (بفتح الباء وضمها). والقبور: جمع القبر؛ قال: شعر : أَرَى أَهْلَ القُصُور إذا أُمِيتُوا بَنَوْا فوق المقابر بالصُّخورِ أَبَوْا إلا مُباهاةً وفَخْرَا على الفقراءِ حتّى في القُبورِ تفسير : وقد جاء في الشعر(المَقْبَر)؛ قال: شعر : لكل أناسٍ مَقْبَر بفِنائهم فَهُمْ يَنقُصُونَ والقُبورُ تَزِيدُ تفسير : وهو المقْبُريّ والمقْبَريّ: لأبي سعيد المقبُريّ؛ وكان يسكن المقابر. وقَبَرت المَيتَ أَقْبِرهُ واقبِرُهُ قبراً، أي دفنته. وأقبرته أي أمرت بأن يقبر. وقد مضى في سورة «عبَس» القول فيه. والحمد لله. الرابعة: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي؛ لأنها تذكر الموت والآخرة. وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكِّر الآخرة » تفسير : رواه ابن مسعود؛ أخرجه ابن ماجه. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: ( حديث : فإنها تذكر الموت » تفسير : . وفي الترمذيّ عن بُرَيْدة: « حديث : فإنها تذكِّر الآخرة تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. وفيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوّارات القبور. قال: وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت. قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبيّ صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور؛ فلما رَخَّص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صَبْرهن، وكثرة جَزَعِهِنّ. قلت: زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء. أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهنّ ذلك. وجائز لجميعهن. ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال؛ ولا يختلف في هذا إن شاء الله. وعلى هذا المعنى يكون قوله: « حديث : زوروا القبور » تفسير : عاماً. وأمّا مَوْضعٌ أو وقتٌ يُخْشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال والنساء، فلا يحل ولا يجوز. فبينا الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس؛ فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزوراً غير مأجور. والله أعلم. الخامسة: قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، ومُوتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضَرِين، وزيارة قبور أموات المسلمين. فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه؛ فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت، وانجلت به قساوة قلبه فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه، واستحكمت فيه دواعي الذنب؛ فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير. وفي مشاهدة من احتُضِر، وزيارة قبر من مات من المسلمين مُعايَنَةٌ ومشاهدة؛ فلذلك كان أبلغ من الأوّل؛ قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : ليس الخبر كالمعاينة » تفسير : . رواه ابن عباس. فأما الاعتبار بحال المحتَضَرِين، فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات. وأما زيارة القبور فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر. فينبغي لمن عزم على الزيارة، أن يتأدّب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط؛ فإن هذه حالة تشاركه فيها بهيمة. ونعوذ بالله من ذلك. بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء، ويتجنب المشي على المقابر، والجلوس عليها ويُسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ولو خاطبه حياً لكان الأدب استقباله بوجهه؛ فكذلك هاهنا. ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر؛ فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه. فليتأمّل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودَرَجَ من أقرانه الذين بلغوا الآمال، وجمعوا الأموال؛ كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمّل من بعدهم نساؤهم، وشَمِل ذل اليتيم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم وتِلادهم. وليتذكر تردّدهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب. وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع، والهلاك السريع، كغفلتهم، وأنه لا بدّ صائر إلى مصيرهم، ولْيُحضر بقلبه ذِكر من كان متردّداً في أغراضه، وكيف تهدّمت رجلاه، وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خُوِّلَه وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآله كمآله. وعند هذا التذكُّر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، وتخشع جوارحه.

البيضاوي

تفسير : مختلف فيها، وآيها ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم {أَلْهَـٰكُمُ } شغلكم وأصله الصرف إلى اللهو منقول من لها إذا غفل. {ٱلتَّكَّاثُرُ } التباهي بالكثرة {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات، عبر عن انتقالهم إلى ذكر الموتى بزيارة المقابر. روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بالكثرة فكثرهم بنو عبد مناف، فقال بنو سهم إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم، وإنما حذف المنهي عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدين للتعظيم والمبالغة. وقيل معناه {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا عما هو أهم لكم، وهو السعي لأخراكم فتكون زيارة القبور عبارة عن الموت. {كَلاَّ } ردع وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همه ومعظم سعيه للدنيا فإن عاقبة ذلك وبال وحسرة. {سَوْفَ تَعْلَمُونَ } خطأ رأيكم إذا عاينتم ما وراءكم وهو إنذار ليخافوا وينتبهوا من غفلتهم. {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } تكرير للتأكيد وفي {ثُمَّ } دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، أو الأول عند الموت أو في القبر والثاني عند النشور. {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ } أي لو تعلمون ما بين أيديكم علم اليقين أي كعلمكم ما تستيقنونه لشغلكم ذلك عن غيره، أو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه فحذف الجواب للتفخيم ولا يجوز أن يكون قوله. {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ } جواباً له لأنه محقق الوقوع بل هو جواب قسم محذوف أكد به الوعيد وأوضح به ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيماً، وقرأ ابن عامر والكسائي بضم التاء. {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا } تكرير للتأكيد، أو الأولى إذا رأيتهم من مكان بعيد والثانية إأذا وردوها، أو المراد بالأولى المعرفة وبالثانية الإبصار. {عَيْنَ ٱلْيَقِينِ } أي الرؤية التي هي نفس اليقين، فإن علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين. {ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ } الذي ألهاكم، والخطاب مخصوص بكل من ألهاه دنياه عن دينه و {ٱلنَّعِيمِ } بما يشغله للقرينة والنصوص الكثيرة كقوله: {أية : مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ }تفسير : [الأعراف: 32]{أية : كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ }تفسير : [المؤمنون: 51] وقيل يعمان إذ كل يسأل عن شكره. وقيل الآية مخصوصة بالكفار. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ ألهاكم لم يحاسبه الله سبحانه وتعالى بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت، وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن يحيى الوقار المصري، حدثني خالد بن عبد الدائم عن ابن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألهاكم التكاثر ــــ عن الطاعة ــــ حتى زرتم المقابر ــــ حتى يأتيكم الموت» تفسير : وقال الحسن البصري: { أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} في الأموال والأولاد. وفي صحيح البخاري في الرقاق منه: وقال: أخبرنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك عن أبي بن كعب قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: { أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} يعني: «حديث : لو كان لابن آدم واد من ذهب»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن مطرف، يعني: ابن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «حديث : { أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟» تفسير : ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق شعبة به، وقال مسلم في صحيحه: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب، وتاركه للناس» تفسير : تفرد به مسلم. وقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله» تفسير : وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به، وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن شعبة، حدثنا قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يهرم ابن آدم، ويبقى منه اثنتان: الحرص والأمل» تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس، واسمه الضحاك: أنه رأى في يد رجل درهماً، فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي، فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر، أو ابتغاء شكر، ثم أنشد الأحنف متمثلاً قول الشاعر:شعر : أَنْتَ لِلمالِ إذا أَمْسَكْتَهُ فإذا أَنْفَقْتَهْ فَالمالُ لَكْ تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، قال صالح بن حيان: حدثني عن ابن بريدة في قوله: { أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار: في بني حارثة، وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان، وفلان؟ وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟ يشيرون إلى القبور، ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: { أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل. وقال قتادة: { أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم، والصحيح أن المراد بقوله: زرتم المقابر: أي: صرتم إليها، ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: «حديث : لابأس، طهور إن شاء الله» تفسير : فقال: قلت: طهور، بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، قال: «حديث : فنعم إذن»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا حكام بن سلم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج عن المنهال عن زر بن حبيش عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: { أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ }. ورواه الترمذي عن أبي كريب عن حكام بن سلم به، وقال: غريب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن داود العرضي، حدثنا أبو المليح الرقي عن ميمون بن مهران قال: كنت جالساً عند عمر بن عبد العزيز فقرأ: { أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } فلبث هنيهة، ثم قال: يا ميمون ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله. وقال أبو محمد: يعني: أن يرجع إلى منزله، أي: إلى جنة أو إلى نار، وهكذا ذكر أن بعض الأعراب سمع رجلاً يتلو هذه الآية: حتى زرتم المقابر، فقال: بعث اليوم ورب الكعبة أي: إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره. وقوله تعالى: { كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } قال الحسن البصري: هذا وعيد، وقال الضحاك: { كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} يعني: أيها الكفار { ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} يعني: أيها المؤمنون، وقوله تعالى: { كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} أي: لو علمتم حق العلم، لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر، ثم قال: { لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ } هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: { كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } توعدهم بهذا الحال، وهو رؤية أهل النار التي إذا زفرت زفرة واحدة، خر كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه؛ من المهابة والعظمة، ومعاينة الأهوال؛ على ما جاء به الأثر المروي في ذلك، وقوله تعالى: { ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم؛ من الصحة والأمن، والرزق وغير ذلك، ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز المقري، حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الخزاز، حدثنا يونس بن عبيد عن عكرمة عن ابن عباس: أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد، فقال: «حديث : ما أخرجك هذه الساعة؟» تفسير : فقال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: «حديث : ما أخرجك يابن الخطاب؟» تفسير : قال: أخرجني الذي أخرجكما، قال: فقعد عمر، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثهما، ثم قال: «حديث : هل بكما من قوة تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعاماً وشراباً وظلاً؟» تفسير : قلنا: نعم. قال: «حديث : مروا بنا إلى منزل ابن التيهان أبي الهيثم الأنصاري» تفسير : قال: فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيدينا، فسلم واستأذن ثلاث مرات، وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام، تريد أن يزيدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلام، فلما أراد أن ينصرف، خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم، فقالت: يا رسول الله قد والله سمعت تسليمك، ولكن أردت أن تزيدني من سلامك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خيراً» تفسير : ثم قال: «حديث : أين أبو الهيثم لا أراه؟» تفسير : قالت: يا رسول الله هو قريب، ذهب يستعذب الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله، فبسطت بساطاً تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم، ففرح بهم وقرّت عيناه بهم، فصعد على نخلة، فصرم لهم أعذاقاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حسبك يا أبا الهيثم» تفسير : فقال: يا رسول الله تأكلون من بسره ومن رطبه ومن تذنوبه، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا من النعيم الذي تسألون عنه»تفسير : ، هذا غريب من هذا الوجه. وقال ابن جرير: حدثني الحسين بن علي الصدائي، حدثنا الوليد بن القاسم عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان، إذ جاءهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ما أجلسكما ههنا؟» تفسير : قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع. قال: «حديث : والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره» تفسير : فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أين فلان؟» تفسير : فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحباً، ما زار العباد شيء أفضل من نبي زارني اليوم، فعلق قربته بقرب نخلة، وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا كنت اجتنيت؟» تفسير : فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم، ثم أخذ الشفرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياك والحلوب» تفسير : فذبح لهم يومئذ، فأكلوا، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لتسألن عن هذا يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم» تفسير : ورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان به، ورواه أبو يعلى وابن ماجه من حديث المحاربي عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بكر الصديق به، وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحو من هذا السياق وهذه القصة. وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا حشرج عن أبي نُصرة عن أبي عسيب، يعني: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً، فمر بي فدعاني، فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر، فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر، فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطاً لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: «حديث : أطعمنا بسراً» تفسير : فجاء بعذق، فوضعه، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب وقال: «حديث : لتسألن عن هذا يوم القيامة» تفسير : قال: فأخذ عمر العذق، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا رسول الله إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: «حديث : نعم إلا من ثلاثة: خرقة لف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحر والقر»تفسير : تفرد به أحمد، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا عمار، سمعت جابر بن عبد الله يقول: أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رطباً، وشربوا ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا من النعيم الذي تسألون عنه» تفسير : ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن جابر به، وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد، حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو عن صفوان بن سليم عن محمود بن الربيع قال: لما نزلت: { أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ}، فقرأ حتى بلغ: {لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قالوا: يا رسول الله عن أي نعيم نسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال: «حديث : أما إن ذلك سيكون.»تفسير : وقال أحمد: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا معاذ بن عبد الله بن حبيب، عن أبيه عن عمه قال: كنا في مجلس، فطلع علينا النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه أثر ماء، فقلنا: يا رسول الله نراك طيب النفس، قال: «حديث : أجل» تفسير : ثم خاض الناس في ذكر الغنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لابأس بالغنى لمن اتقى الله، والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم» تفسير : ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن عبد الله بن سليمان به. وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عزرب الأشقري قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أول ما يسأل عنه ــــ يعني يوم القيامة ــــ العبد من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك بدنك؟ ونروك من الماء البارد؟» تفسير : تفرد به الترمذي، ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء بن زبر به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن حاطب عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لما نزلت: { ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قالوا: يا رسول الله لأي نعيم نسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان التمر والماء، قال: «حديث : إن ذلك سيكون» تفسير : وقد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان، هو ابن عيينة، به ورواه أحمد عنه، وقال الترمذي: حسن. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية: { ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال الصحابة: يا رسول الله وأي نعيم نحن فيه، وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن ابن أبي ليلى، أظنه عن عامر، عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال: «حديث : الأمن والصحة» تفسير : وقال زيد بن أسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : { ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} يعني: شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم» تفسير : ورواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم عنه في أول السورة. وقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا، وقال الحسن البصري: من النعيم: الغداء والعشاء. وقال أبو قلابة. من النعيم: أكل السمن والعسل بالخبز النقي. وقول مجاهد أشمل هذه الأقوال. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد فيمَ استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 36]. وثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» تفسير : ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه، فهو مغبون. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق، حدثنا أبو حمزة عن ليث عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما فوق الإزار وظل الحائط والخبز، يحاسب به العبد يوم القيامة، أو يسأل عنه» تفسير : ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد. وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا حماد، قال عفان في حديثه: قال إسحاق بن عبد الله عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله عز وجل ــــ قال عفان: يوم القيامة ــــ يابن آدم حملتك على الخيل والإبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تربع وترأس، فأين شكر ذلك؟» تفسير : تفرد به من هذا الوجه. آخر تفسير سورة التكاثر، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلْهَٰكُمُ } شَغلكم عن طاعة الله {ٱلتَّكَّاثُرُ } التفاخر بالأموال والأولاد والرجال.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } أي: شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد، والتفاخر بكثرتها، والتغالب فيها. يقال: ألهاه عن كذا، وألهاه: إذا شغله، ومنه قول امرىء القيس:شعر : فألهيتها عن ذي تمائم محول تفسير : وقال الحسن: معنى ألهاكم: أنساكم. {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } أي: حتى أدرككم الموت، وأنتم على تلك الحال. وقال قتادة: إن التكاثر التفاخر بالقبائل والعشائر. وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش. وقال مقاتل، وقتادة أيضاً، وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا. وقال الكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم تعادّوا، وتكاثروا بالسيادة والأشراف في الإسلام، فقال كل حيّ منهم: نحن أكثر سيداً، وأعزّ عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر قائداً، فكثر بنو عبد مناف بني سهم، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم بهم، فنزلت: {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } فلم ترضوا {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } مفتخرين بالأموات. وقيل: نزلت في حيين من الأنصار. والمقابر جمع مقبرة بفتح الباء وضمها. وفي الآية دليل على أن الاشتغال بالدنيا، والمكاثرة بها، والمفاخرة فيها من الخصال المذمومة، وقال سبحانه: {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } ولم يقل عن كذا، بل أطلقه؛ لأن الإطلاق أبلغ في الذمّ؛ لأنه يذهب الوهم فيه كلّ مذهب، فيدخل فيه جميع ما يحتمله المقام، ولأن حذف المتعلق مشعر بالتعميم، كما تقرّر في علم البيان؛ والمعنى أنه شغلكم التكاثر عن كلّ شيء يجب عليكم الاشتغال به من طاعة الله، والعمل للآخرة، وعبر عن موتهم بزيارة المقابر؛ لأن الميت قد صار إلى قبره، كما يصير الزائر إلى الموضع الذي يزوره هذا على قول من قال: إن معنى {زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } متم، أما على قول من قال: إن معنى: {زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } ذكرتم الموتى، وعددتموهم للمفاخرة، والمكاثرة، فيكون ذلك على طريق التهكم بهم، وقيل: إنهم كانوا يزورون المقابر، فيقولون هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك. {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ردع وزجر لهم عن التكاثر، وتنبيه على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة، وفيه وعيد شديد. قال الفرّاء: أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه من التكاثر والتفاخر. ثم كرّر الردع والزجر، والوعيد فقال: {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } وثم للدلالة على أن الثاني أبلغ من الأوّل، وقيل: الأوّل عند الموت أو في القبر، والثاني يوم القيامة. قال الفرّاء: هذا التكرار على وجه التغليظ والتأكيد. قال مجاهد: هو وعيد بعد وعيد. وكذا قال الحسن، ومجاهد. {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ } أي: لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علماً يقيناً كعلمكم ما هو متيقن عندكم في الدنيا، وجواب "لو" محذوف، أي: لشغلكم ذلك عن التكاثر والتفاخر، أو لفعلتم ما ينفعكم من الخير، وتركتم ما لا ينفعكم مما أنتم فيه. و{كلا} في هذا الموضع الثالث للزجر، والردع كالموضعين الأوّلين. وقال الفرّاء: هي بمعنى حقاً. وقيل: هي في المواضع الثلاثة بمعنى ألا. قال قتادة: اليقين هنا الموت، وروي عنه أيضاً أنه قال: هو البعث. قال الأخفش: التقدير لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم. وقوله: {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ } جواب قسم محذوف، وفيه زيادة وعيد وتهديد، أي: والله لترونّ الجحيم في الآخرة. قال الرازي: وليس هذا جواب لو، لأن جواب لو يكون منفياً، وهذا مثبت. ولأنه عطف عليه {ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ } وهو: مستقبل لا بدّ من وقوعه قال: وحذف جواب لو كثير، والخطاب للكفار، وقيل: عام كقوله: {أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }تفسير : [مريم: 71] قرأ الجمهور: {لترون} بفتح التاء مبنياً للفاعل وقرأ الكسائي، وابن عامر بضمها مبنياً للمفعول. ثم كرّر الوعيد والتهديد للتأكيد فقال: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ } أي: ثم لترونّ الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والمعاينة، وقيل المعنى: لترونّ الجحيم بأبصاركم على البعد منكم، ثم لترونها مشاهدة على القرب. وقيل المراد بالأوّل رؤيتها قبل دخولها، والثاني رؤيتها حال دخولها. وقيل: هو إخبار عن دوام بقائهم في النار، أي: هي رؤية دائمة متصلة. وقيل المعنى: لو تعلمون اليوم علم اليقين، وأنتم في الدنيا لترونّ الجحيم بعيون قلوبكم، وهو أن تتصوّروا أمر القيامة وأهوالها. {ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ } أي: عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة. قال قتادة: يعني: كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا ربّ النعم حيث عبدوا غيره، وأشركوا به. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلاّ أهل النار. وقال قتادة: إن الله سبحانه سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه، وهذا هو الظاهر، ولا وجه لتخصيص النعيم بفرد من الأفراد، أو نوع من الأنواع؛ لأن تعريفه للجنس، أو الاستغراق، ومجرّد السؤال لا يستلزم تعذيب المسئول على النعمة التي يسئل عنها، فقد يسأل الله المؤمن عن النعم التي أنعم بها عليه فيم صرفها، وبم عمل فيها؟ ليعرف تقصيره، وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر. وقيل: السؤال عن الأمن والصحة. وقيل: عن الصحة والفراغ، وقيل: عن الإدراك بالحواسّ، وقيل: عن ملاذ المأكول والمشروب. وقيل: عن الغداء والعشاء. وقيل: عن بارد الشراب وظلال المساكن. وقيل: عن اعتدال الخلق. وقيل: عن لذة النوم، والأولى العموم، كما ذكرنا. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بردة في قوله: {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان، وفلان. وقال الآخرون: مثل ذلك تفاخروا بالأحياء. ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر، ومثل فلان، وفعل الآخرون كذلك، فأنزل الله: {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } لقد كان لكم فيما زرتم عبرة وشغل. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } قال: في الأموال والأولاد. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألهاكم التكاثر» يعني عن الطاعة {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } يقول: حتى يأتيكم الموت {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } يعني: لو قد دخلتم قبوركم {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } يقول: لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم. {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ } قال: لو قد وقفتم على أعمالكم بين يدي ربكم. {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ } وذلك أن الصراط يوضع وسط جهنم، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكدوش في نار جهنم. {ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ } يعني: شبع البطون، وبارد الشرب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم. وأخرج ابن مردويه عن عياض بن غنم مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ } قال: صحة الأبدان، والأسماع، والأبصار، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله: {أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَّسْئُولاً } تفسير : [الإسراء: 36] وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ } قال: الأمن، والصحة. وأخرج البيهقي عن عليّ بن أبي طالب قال: النعيم العافية. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: من أكل خبز البرّ، وشرب ماء الفرات مبرداً، وكان له منزل يسكنه، فذلك من النعيم الذي يسأل عنه. وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية: حديث : أكل خبز البرّ، والنوم في الظلّ، وشرب ماء الفرات مبرداًتفسير : ولعل رفع هذا لا يصح، فربما كان من قول أبي الدرداء. وأخرج أحمد في الزهد، وابن مردويه عن أبي قلابة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الآية قال: «حديث : ناس من أمتي يعقدون السمن والعسل بالنقيّ، فيأكلونه»تفسير : وهذا مرسل. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية. قال الصحابة: «يا رسول الله أيّ نعيم نحن فيه؟ وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير، فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد، فهذا من النعيم». وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وأحمد، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن محمود بن لبيد قال: لما نزلت: {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } فقرأ حتى بلغ: {ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ } قالوا: يا رسول الله أيّ نعيم نسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان: الماء، والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدوّ حاضر، فعن أيّ نعيم نسأل؟ قال: «حديث : أما إن ذلك سيكون»تفسير : وأخرجه عبد بن حميد، والترمذي، وابن مردويه من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه من حديث الزبير بن العوّام. وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن حبان، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إن أوّل ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصحّ لك جسدك، ونروك من الماء البارد؟»تفسير : وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، فأطعمناهم رطباً، وسقيناهم ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : هذا من النعيم الذي تسألون عنه»تفسير : وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، والبيهقي من حديث جابر بن عبد الله نحوه. وأخرج مسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن أبي هريرة قال: خرج النبيّ، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: «حديث : ما أخرجكما من بيوتكما الساعة؟ تفسير : قالا: الجوع يا رسول الله، قال: حديث : والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما فقوماتفسير : فقاما معه، فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلمحديث : أين فلان؟ تفسير : قالت: انطلق يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاريّ فنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، فانطلق، فجاء بعذق فيه بسر، وتمر. فقال: كلوا من هذا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إياك والحلوب،تفسير : فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، وعمر: حديث : والذي نفسي بيده لنسألن عن هذا النعيم يوم القيامة»تفسير : وفي الباب أحاديث.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ألْهاكُم التّكاثُرُ} في {ألهاكم} وجهان: أحدهما: شغلكم. الثاني: أنساكم، ومعناه ألهاكم عن طاعة ربكم وشغلكم عن عبادة خالقكم. وفي {التكاثر} ثلاثة أقاويل: أحدها: التكاثر بالمال والأولاد، قاله الحسن. الثاني: التفاخر بالعشائر والقبائل، قاله قتادة. الثالث: التشاغل بالمعاش والتجارة، قاله الضحاك. {حتى زُرْتُم المقابِرَ} فيه وجهان: أحدهما: حتى أتاكم الموت فصرتم في المقابر زوّاراً ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار. الثاني: ما حكاه الكلبي وقتادة: أن حيّين من قريش، بني عبد مناف وبني سهم، كان بينهما ملاحاة فتعادّوا بالسادة والأشراف أيهم أكثر، فقال بنو عبد مناف: نحن أكثر سيّداً وعزاً وعزيزاً وأعظم نفراً، وقال بنو سهم مثل ذلك، فكثرهم بنو عبد مناف، فقال بنو سهم إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعُدّوا الأحياء والأموات، فعدّوهم فكثرتهم بنو سهم، فأنزل الله تعالى {ألهاكم التكاثر} يعني بالعدد {حتى زرتم المقابر} أي حتى ذكرتم الأموات في المقابر. {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمونَ * ثم كلاّ سَوْفَ تَعلَمونَ} هذا وعيد وتهديد، ويحتمل أن يكون تكراره على وجه التأكيد والتغليظ. ويحتمل أن يعدل به عن التأكيد فيكون فيه وجهان: أحدهما: كلا سوف تعلمون عند المعاينة أن ما دعوتكم إليه حق، ثم كلا سوف تعلمون عند البعث أن ما وعدتكم صدق. الثاني: كلا سوف تعلمون عند النشور أنكم مبعوثون، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذَّبون. {كلاّ لو تَعْلَمون عِلْمَ اليَقِين} معناه لو تعلمون في الحياة قبل الموت من البعث والجزاء ما تعلمونه بعد الموت منه. {عِلْمَ اليقين} فيه وجهان: أحدهما: علم الموت الذي هو يقيني لا يعتريه شك، قاله قتادة. الثاني: ما تعلمونه يقيناً بعد الموت من البعث والجزاء، قاله ابن جريج. وفي {كَلاَّ} في هذه المواضع الثلاثة وجهان: أحدهما: أنها بمعنى " إلا "، قاله أبو حاتم. الثاني: أنها بمعنى حقاً، قاله الفراء. {لَتَروُنَّ الجَحيمَ} فيه وجهان: أحدهما: أن هذا خطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. الثاني: أنه عام، فالكافر هي له دار والمؤمن يمر على صراطها. روى زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يرفع الصراط وسط جهنم، فناج مسلّم، ومكدوس في نار جهنم . تفسير : {ثم لَتَروُنَّها عَيْنَ اليَقين} فيه وجهان: أحدهما: أن عين اليقين المشاهدة والعيان. الثاني: أنه بمعنى الحق اليقين، قاله السدي. ويحتمل تكرار رؤيتها وجهين: أحدهما: أن الأول عند ورودها. والثاني: عند دخولها. {ثم لتُسْأَلُنَّ يومَئذٍ عن النَّعيمِ} فيه سبعة أقاويل: أحدها: الأمن والصحة، قاله ابن مسعود؛ وقال سعيد بن جبير: الصحة والفراغ، للحديث. الثاني: الإدراك بحواس السمع والبصر، قاله ابن عباس. الثالث: ملاذّ المأكول والمشروب، قاله جابر بن عبد الله الأنصاري. الرابع: أنه الغداء والعشاء، قاله الحسن. الخامس: هو ما أنعم الله عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله محمد بن كعب. السادس: عن تخفيف الشرائع وتيسير القرآن، قاله الحسن أيضاً والمفضل. السابع: ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثم لتسألن يومئذٍ عن النَعيم" عن شبع البطون وبارد الماء وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم، وهذا السؤال يعم المؤمن والكافر، إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن جمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وسؤال الكافر تقريع لأنه قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية، ويحتمل أن يكون ذلك تذكيراً بما أوتوه، ليكون جزاء على ما قدموه.

ابن عطية

تفسير : " ألهى " معناه: شغل بلذاته، ومنه لهو الحديث والأصوات واللهو بالنساء، وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر، وقرأ ابن عباس وعمران الجوني وأبو صالح: " أألهاكم" على الاستفهام، و {التكاثر} هي المفاخرة بالأموال والأولاد والعدد جملة، وهذا هجيرى أبناء الدنيا: العرب وغيرهم لا يتخلص منهم إلا العلماء المتقون، وقد قال الأعشى: [السريع] شعر : ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" تفسير : ، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: {حتى زرتم المقابر}، فقال قوم: حتى ذكرتم الموت في تفاخركم بالآباء والسلف، وتكثرتم بالعظام الرمام، وقال المعنى: حتى متم وزرتم بأجسادكم مقابرها أي قطعتم بالتكاثر أعماركم، وعلى هذا التأويل روي أن أعرابياً سمع هذه الآية فقال: بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم، وحكى النقاش هذه النزعة من عمر بن عبد العزيز، وقال آخرون: هذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور أي حتى جعلتم أشغالكم القاطعة بكم عن العبادة والتعلم زيارة القبور تكثراً بمن سلف وإشادة بذكره، وقال ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها ولا تقولوا هجراً" تفسير : فكان نهيه عليه السلام في معنى الآية، ثم أباح بعد لمعنى الاتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر كما يصنع الناس في ملازمتها وتسنيمها بالحجارة والرخام وتلوينها شرفاً وبنيان النواويس عليها، وقوله تعالى: {كلا سوف تعلمون} زجر ووعيد ثم كرر تأكيداً، ويأخذ كل إنسان من الزجر والوعيد المكررين على قدر حظه من التوغل فيما يكره، هذا تأويل جمهور الناس، وقال علي بن أبي طالب: "حديث : كلا ستعلمون في القبور ثم كلا ستعلمون في البعث" تفسير : ، وقال الضحاك: الزجر الأول وعيده هو للكفار والثاني للمؤمنين، وقرأ مالك بن دينار: "كلا ستعلمون" فيهما، وقوله تعالى: {كلا لو تعلمون علم اليقين} جواب {لو} محذوف مقدر في القول أي لازدجرتم وبادرتم إنقاذ أنفسكم من الهلكة، و {اليقين} أعلى مراتب العلم، ثم أخبر تعالى الناس أنهم يرون الجحيم، وقرأ ابن عامر والكسائي: "لتُرون" بضم التاء، وقرأ الباقون بفتحها وهي الأرجح، وكذلك في الثانية، وقرأ علي بن أبي طالب بفتح التاء الأولى وضمها في الثانية، وروي ضمها عن ابن كثير وعاصم، و "ترون" أصله ترأيون نقلت حركة الهمزة إلى الراء وقلبت الياء ألفاً لحركتها بعد مفتوح، ثم حذفت الألف لسكونها. وسكون الواو بعدها ثم جلبت النون المشددة فحركت الواو بالضم لسكونها وسكون النون الأولى من المشددة إذ قد حذفت نون الإعراب للبناء، وقال ابن عباس: هذا خطاب للمشركين، فالمعنى على هذا أنها رؤية دخول. وصلي وهو {عين اليقين} ، وقال آخرون: الخطاب للناس كلهم، فهي كقوله تعالى: {أية : وإن منكم إلا واردها} تفسير : [مريم: 71]، فالمعنى أن الجميع يراها، ويجوز الناجي ويتكردس فيها الكافر، وقوله تعالى: {ثم لترونها عين اليقين} تأكيداً في الخبر، و {عين اليقين} حقيقته وغايته، وروي عن الحسن وأبي عمرو أنهما همزا "لترؤن" "ولترؤنها" بخلاف عنهما، وروى ابن كثير: "ثم لتُرونها" بضم التاء، ثم أخبر تعالى أن الناس مسؤولون يومئذ عن نعيمهم في الدنيا كيف نالوه ولم آثروه وتتوجه في هذا أسئلة كثيرة بحسب شخص شخص من منقادة لمن أعطي فهما في كتاب الله تعالى، وقال ابن مسعود والشعبي وسفيان ومجاهد: {النعيم} هو الأمن والصحة، وقال ابن عباس: هو البدن والحواس يسأل المرء فيما استعملها، وقال ابن جبير: هو كل ما يتلذذ به من طعام وشراب، وحديث : أكل رسول الله عليه السلام هو وبعض أصحابه رطباً وشربوا عليها ماء فقال لهم: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه" ومضى يوماً عليه السلام هو وأبو بكر وعمر وقد جاؤوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان فذبح لهم شاة وأطعمهم خبزاً ورطباً واستعذب لهم ماء وكانوا في ظل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم" تفسير : ، وروي عنه عليه السلام أنه قال: "حديث : النعيم المسؤول عنه كسرة تقوته وماء يرويه وثوب يواريه" تفسير : ، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن النعيم المسؤول عنه الماء البادر في الصيف" تفسير : ، وقال عليه السلام: "حديث : من أكل خبز البر وشرب الماء البارد فذلك النعيم الذي يسأل عنه" تفسير : ، وقال عليه السلام: "حديث : بيت يكنك وخرقة تواريك وكسرة تشد قلبك، وما سوى ذلك فهو نعيم" تفسير : ، وقال النبي عليه السلام: "حديث : كل نعيم فهو مسؤول عنه إلا نعيم في سبيل الله عز وجل ". تفسير : نجز تفسير سورة {التكاثر}.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَلهَاكُمُ} أنساكم أو شغلكم عن طاعة الله وعبادته {التَّكَاثُرُ} بالمال والأولاد أو التفاخر بالقبائل في العشائر أو بالمعاش والتجارة.

النسفي

تفسير : مكية وهي ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ } شغلكم التباري في الكثرة والتباهي بها في الأموال والأولاد عن طاعة الله {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ } حتى أدرككم الموت على تلك الحال، أو حتى زرتم المقابر وعددتم من في المقابر من موتاكم {كَلاَّ } ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه {سَوْفَ تَعْلَمُونَ } عند النزع سوء عاقبة ما كنتم عليه {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } في القبور {كَلاَّ } تكرير الردع للإنذار والتخويف {لَّوْ تَعْلَمُونَ } جواب «لو» محذوف أي لو تعلمون ما بين أيديكم {عِلْمَ ٱلْيَقِينِ } علم الأمر يقين أي كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور لما ألهاكم التكاثر، أو لفعلتم ما لا يوصف ولكنكم ضلال جهلة {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ } هو جواب قسم محذوف والقسم لتوكيد الوعيد {لَتَرَوُنَّ }، بضم التاء: شامي وعلي {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا } كرره معطوف بـ «ثم» تغليظاً في التهديد وزيادة في التهويل، أو الأول بالقلب والثاني بالعين {عَيْنَ ٱلْيَقِينِ } أي الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته {ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ } عن الأمن والصحة فيم أفنيتموهما؟ عن ابن مسعود رضي الله عنه. وقيل: عن التنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه. وعن الحسن ما سوى كنّ يؤويه وثوب يواريه وكسرة تقويه وقد روي مرفوعاً والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {ألهاكم التكاثر} أي شغلتكم المفاخرة، والمباهاة، والمكاثرة بكثرة المال، والعدد، والمناقب عن طاعة الله ربكم، وما ينجيكم من سخطه، ومعلوم أن من اشتغل بشيء أعرض عن غيره، فينبغي للمؤمن العاقل أن يكون سعيه وشغله في تقديم الأهم وهو ما يقربه من ربه عزّ وجلّ. فالتفاخر بالمال والجاه والأعوان، والأقرباء تفاخر بأخس المراتب، والاشتغال به يمنع الإنسان من الاشتغال بتحصيل السّعادة الأخروية التي هي سعادة الأبد، ويدل على أن المكاثرة، والمفاخرة بالمال مذمومة، ما روي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية {ألهاكم التكاثر} "فقال حديث : يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت" تفسير : أخرجه التّرمذي وقال حديث حسن صحيح (خ) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد يتبعه ماله وأهله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله" تفسير : {حتى زرتم المقابر} أي حتى متم ودفنتم في المقابر يقال لمن مات زار قبره وزار رمسه، فيكون معنى الآية ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت، وأنتم على ذلك قيل نزلت هذه الآية في اليهود، قالوا نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، شغلهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً، وقيل نزلت في حيين من قريش، وهما بنو عبد مناف، وبنو سهم بن عمرو، وكان بينهم تفاخر فتعادوا القادة، والأشراف أيّهم أكثر فقال بنو عبد مناف نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عدداً، وقال بنو سهم مثل ذلك، فكاثرهم بنو بعد مناف، ثم قالوا نعد موتانا فعدوا الموتى حتى زار والقبور، فعدوهم فقالوا هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عدداً فأنزل الله هذه الآية، وهذا القول أشبه بظاهر القرآن لأن قوله {حتى زرتم المقابر} يدل على أمر مضى، فكأنه تعالى يعجبهم من أنفسهم ويقول مجيباً هب إنكم أكثر عدداً، فماذا ينفع ثم رد الله تعالى عليهم فقال: {كلا سوف تعلمون...}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {لترون} بضم التاء من الإراءة مجهولاً: ابن عامر وعلي. الوقوف {التكاثر} ه لا {المقابر} ه ك لأن {كلاً} بمعنى حقاً وقد يحمل على الردع عن التكاثر {سوف تعلمون} ه لا {سوف تعلمون} ه {اليقين} ه ط لأن جواب " لو " محذوف وقوله {لترون} جواب قسم {الجحيم} ه لا {اليقين} ه {النعيم} ه. التفسير: لما ذكر القارعة وأهوالها قال {ألهاكم} أي شغلكم التكاثر وهو المغالبة بالكثرة أو تكلف الافتخار بها مالاً وجاهاً عن التدبر في أمر المعاد فنسيتم القبر حتى زرتموه. ويروى أن بني عبد منافٍ وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عدداً فكثرهم أي غلبهم بالكثرة بنو عبد منافق فقالت بنوسهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات أي عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم ففعلوا فزاد بنوسهم فنزلت الآية. وهذه الرواية شديدة الطباق لظاهر الآية لقوله {زرتم} بصيغة الماضي وفيه تعجب من حالهم أنهم زاروا القبور في معرض المفاخرة والإستغراق في حب ما لا طائل تحته من التباهي بالكثرة والتباري فيها، مع أن زيارة القبور مظنة ترقيق القلب وإزالة القساوة كما قال صلى الله عليه وسلم " حديث : كنت نهيتكم عن زياة القبور ثم بدا لي فزوروها فإن في زيارتها تذكرة" تفسير : من هنا قال بعضهم: أراد الحرص على المال قد شغلكم عن الدين فلا تلتفتون إليه إلا إذا زرتم المقابر فحينئذ ترق قلوبكم يعني أن حظكم من دينكم ليس إلا هذا القدر ونظيره قوله {أية : قليلاً ما تشكرون} تفسير : [الملك: 23] أي لا أقنع منكم بهذا القدر من الشكر. وقيل: معنى الآية ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت وأنتم على ذلك، ويندرج فيه من يمنع الحقوق المالية إلى حين الموت ثم يقول: أوصيت لفلان بكذا ولفلان بكذا، واستدلوا عليهم بما روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : يا ابن آدم تقول مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت" تفسير : ثم قرأ {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} أي حتى متم. وأورد عليه أن الزائر هو الذي يجيء ساعة ثم ينصرف. والميت يبقى في قبره مدة مديدة. وأيضاً إن قوله {زرتم} صيغة الماضي فكيف يحمل على المستقبل؟ ويمكن أن يجاب عن الأول بأن مدة اللبث في القبر بالنسبة إلى الأبد أقل من لحظة كما قال {أية : كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم}تفسير : [الكهف: 19] وعن الثاني بأن المشرف على الموت كأنه على شفير القبر أو هو خبر عمن تقدمهم والخبر عنهم كالخبر عن متأخريهم لأنهم كانوا على طريقتهم. وقال أبو مسلم: إنه تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور. والمقابر جمع المقبرة فتحاً أو ضماً، والتاء فيه غير قياسي. قالت العلماء: التكاثر مطلقاً ليس بمذموم لأن التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة ليس بمذموم إذا كان المراد أن يقتدى به غيره كما مر ي قوله {أية : وأما بنعمة ربك فحدث} تفسير : [الضحى: 11] وإنما المذموم ما يكون الباعث عليه الاستكبار وحب الجاه والغلبة والفخر بما لا سعادة حقيقة فيه، وليست السعادة الحقيقية إلا فيما يرجع إلى العلم والعمل أو إلى ما يعين عليهما من الأمور الخارجية. عن الحسن رضي الله عنه: لا تغرنك كثرة من ترى حولك فإنك تموت وحدك وتبعث وحدك وتحاسب وحدك، وتكرير الوعيد وهو سوف تعلمون للتأكيد. وقيل: الأول عند الموت حين يقال له لا بشرى. والثاني في سؤال القبر إذ يقال من ربك، وفيه دليل على عذاب القبر على ما روي عن علي عليه السلام: أو حين ينادي المنادي فلان شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبداً، أو حين يقال {أية : وامتازوا اليوم}تفسير : [يس: 59] وعن الضحاك: أراد سوف تعلمون أيها الكفار ثم كلا سوف تعلمون أيها المؤمنون، فالأول وعيد، والثاني وعد. وقيل: إن كل واحد يعلم قبح الكذب والظلم وحسن الصدق والعدل لكن لا يعرف مقدار آثارها ونتائجها فالله يقول سوف تعلمون علماً تفصيلياً استدراجياً شيئاً فشيئاً عند الموت، ثم عند البعث، ثم في النار أو في الجنة، قوله {لو تعلمون علم اليقين} اتفقوا على أن جواب " لو " محذوف لأن قوله {ثم لتسألن} أمر واقع قطعاً فلو كان قوله {لترون} جواباً للشرط كانت الرؤية أمراً مشكوكاً فيه فيلزم المخالفة بين المعطوفات أو الشك فيما هو واقع قطعاً وكلاهما غير سديد، ثم في تقدير الجواب وجوه قال الأخفش: لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم التكاثر. وقال أبو مسلم: لو علمتم ما يجب عليكم وما خلقتم لأجله لاشتغلتم به. وقال أهل البيان: الأولى تقدير ما هو عام في كل شيء وهو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه كنهه ولكنكم ضلال جهلة. ومعنى {علم اليقين} علم يقين فأضيف الموصوف إلى الصفة نحو ولدار الآخرة. ويحتمل أن يكون اليقين هو الموت كقوله {أية : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}تفسير : [الحجر: 99] إن الشك حينئذ يزول والأحوال إلى اليقين تؤول، والإنسان إذا علم ما يلقاه حين الموت وبعده لم يلهه التكاثر، وإضافة العلم إلى بعض أنواعه جائزة كعلم الطب وعلم الحساب، وفي الآية بعث للعلماء على أن يعملوا بعلمهم وإلا لم يكن بعد فوات إبان العمل سوى الحسرة والندامة. يروى أن ذا القرنين لما دخل الظلمات أمر لمن معه بأن يأخذوا من الخرز الذي كانت عنده فأخذ بعضهم وترك بعضهم، فلما خرجوا من الظلمات وجدوا الخرز جواهر وكان للآخذين فرحاً وسروراً وللتاركين غماً وحسرة. أما تكرار رؤية الجحيم فقيل: إن الأول رؤيتها من بعيد كما قال {أية : إذا رأتهم من مكان بعيد} تفسير : [الفرقان: 12] والثاني رؤيتها من قريب إذا وصلوا إلى شفيرها. وقيل: الأولى عند الورود، والثاني بعد الدخول، وأورد قوله {ثم لتسئلن} فيها فإن السؤال قبل الدخول. وقيل: التثنية للتكرير والمراد تتابع الرؤية وإتصالها فكأنه قيل لهم: إن كنتم اليوم شاكين فيها فسترونها رؤية دائمة متصلة، فيجوز أن يكون قوله {علم اليقين} متعلقاً بالرؤيتين جميعاً، ويجوز أن يكون متعلقاً بالثانية لأن علمهم بها وبأحوالها وآلامها يزداد شيئاً فشيئاً حتى يصير الخبر عيناً. ومعنى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين قد مر في آخر " الواقعة " وفي السؤال عن النعيم وجهان: الأول أنه للكفار لما حديث : روي أن أبا بكر لما نزلت الآية قال: يا رسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر وماء عذب، أتكون من النعيم الذي يسأل عنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك للكفار ثم قرأ {وهل نجازي إلا الكفور} [سبأ: 17] تفسير : ولأن الخطاب في أول السورة للذين ألهاهم التكاثر عن المعاد فناسب أن يكون الخطاب في آخر السورة أيضاً لهم. ويكون الغرض من السؤال التقريع حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه سبباً للسعادة هو أعظم أسباب الشقاء لهم. الثاني العموم لوجوه منها خير أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أول ما يسأل عن العبد يوم القيامة النعيم فيقال له ألم نصحح لك جسمك ألم نروك من الماء البارد " تفسير : . ومنها قول محمود بن لبيد: لمَّا نزلت السورة قالوا: يا رسول الله إنما هو إنما هو الماء والتمر وسيوفنا على عواتقنا والعدو حاضر فعن أي نعيم يسأل؟ فقال: أما إنه سيكون وعن أنس لما نزلت الآية قام محتاج فقال: هل علي من النعمة شيء؟ قال: الظل والنعلان والماء البارد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به" تفسير : وعن الباقر رضي الله عنه أن النعيم العافية. وعنه أن الله أكرم من أن يطعم عبداً ويسقيه ثم يسأله عنه، وإنَّما النعيم الذي عنه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أما سمعت قوله تعالى {أية : لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً} تفسير : [آل عمران: 164] وقيل: هو الزائد على الكفاية. وقيل: خمس نعم: شبع البطون وبارد الشراب ولذة النوم وإظلال المساكن واعتدال الخلق، وعن ابن مسعود: الأمن والصحة والفراغ، وعن ابن عباس: ملاذ المأكول والمشروب. وقيل: الانتفاع بالحواس السليمة. وعن الحسين بن الفضل: تخفيف الشرائع وتيسير القرآن. وقال ابن عمر: الماء البارد. والظاهر العموم لأجل لام الجنس إلا أن سؤال الكافر للتوبيخ لأنه عصة وكفر، وسؤال المؤمن للتشريف فإنه أطاع وشكر. والظاهر أن هذا السؤال في الموقف وهو متقدم على مشاهدة جهنم. ومعنى " ثم " الترتيب في الإخبار أي ثم أخبركم أنكم تسألون يوم القيامة عن النعيم. وقيل: هو في النار توبيخاً لهم كقوله {أية : كلما ألقي فيها فوج سألتهم خزنتها ألم يأتكم نذير} تفسير : [الملك: 8] وقوله {أية : ما سلككم} تفسير : [المدثر: 42] ونحوه.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} أي: شَغَلَكُمْ المباهاةُ والمفاخرةُ بكثرةِ المالِ والأولادِ والعَدَدِ، وهذا هِجِّيرى أبناءِ الدنيا العربِ وغيرهم؛ لا يتخلصُ منه إلا العلماء المتقون، قال الفخر: فالألفُ واللامُ في {ٱلتَّكَّاثُرُ} ليسَ للاسْتِغْرَاقِ بَلْ للمَعْهُودِ السَّابِقِ في الذِّهْنِ، وهو التكاثرُ في الدنيا؛ ولذاتِها وعلائِقها؛ فإنّه هُو الذي يَمْنَعُ عن طاعةِ اللَّه وعبوديَّتِه؛ ولما كَان ذلك مُقَرَّراً في العقولِ ومُتَّفَقاً عليه في الأديان لاَ جَرَمَ؛ حَسُنَ دخولُ حرف التعريف عليه؛ فالآيةُ دالَّةٌ على أن التكاثرَ والتفاخرَ بما ذُكِرَ مذمومٌ، انتهى. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} أي حتى مُتُّمْ فَدُفِنْتُم في المقابِر وهذا خبرٌ فيه تَقْرِيعٌ وتوبيخ وتحسُّرٌ، وفي الحديثِ الصحيحِ عنه صلى الله عليه وسلم «حديث : يَقُولُ ٱبْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أو تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ»تفسير : قال * ص *: قرأ الجمهورُ: «الْهَاكُم» على الخبرِ، وابنُ عباسٍ بالمدِّ، والكسائي في روايةٍ بهمزَتَيْنِ، ومعنى الاستفهامِ التوبيخُ والتقريرُ، انتهى، قال الفخر: اعْلَمْ أنَّ أهم الأمور وأولاها بالرعايةِ تَرْقِيقُ القلبِ، وإزالَةُ حُبِّ الدنيا منه، ومُشَاهَدَةُ القبورِ تُورِثُ ذلكَ؛ كما ورد به الخَبَرُ، انتهى. وقوله تعالى: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} زَجْرٌ ووعيدٌ، ثم كُرِّرَ تَأكِيداً، ويأخذ كل إنسانٍ من هذا الزجرِ والوعيدِ المُكَرَّرِ على قدر حظِّهِ من التوغُّلِ فيما يُكْرَه؛ هذا تأويل الجمهور، وقال عليٌّ: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} في القبرِ، {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} في البَعْثِ، قال الفخر: وفي الآيةِ تَهْدِيدٌ عظيمٌ للعلماءِ فَإنها دالة على أنه لَوْ حَصَلَ اليقينُ لَتَرَكُوا التكاثُرَ والتَّفَاخُرَ؛ فهذا يَقْتَضِي أنَّ مَنْ لا يتركُ التكاثرَ والتفاخرَ أنْ لاَ يكونَ اليقينُ حَاصِلاً له؛ فالويلُ للعالمِ الذي لا يكونُ عَاقِلاً؛ ثم الويل له، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ}، "ألْهَاكُم": شغلكم؛ قال امرؤُ القيسِ: [الطويل] شعر : 5295- ………….................... فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْولِ تفسير : أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتَّى متم ودفنتم في المقابر. قال ابن عباس والحسن: "ألْهَاكُم": أنساكم، "التَّكاثرُ"، أي: من الأموال، والأولاد قاله ابن عباسٍ والحسنُ وقتادةُ أي: التَّفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهياً، ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: المكاثرة قال قتادةُ ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباسٍ: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكثر بنو عبد مناف سهماً، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} بأحيائكم فلم ترضوا {حتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ} مفتخرين بالأموات. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. قال القرطبي: "والآية تعمّ جميع ما ذكر وغيره". وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَوْ أنَّ لابْنِ آدَمَ وادِياً مِنْ ذَهَبٍ، لأحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولنْ يَمْلأ فَاهُ إلاَّ التُّرابُ، ويتُوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ"تفسير : ، رواه البخاري. قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ}. رواه البخاري. قال ابن العربي: وهذا نصٌّ صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهَّلوا، والحمد لله على المعرفة]. وقرأ ابن عباس: "أألهاكم" على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا المد مع التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. قوله تعالى: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ}، "حتَّى" غاية لقوله: "ألْهَاكُم"، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زواراً، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. وقيل: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله - عزَّ وجلَّ - و "المَقابِر" جمع مَقْبَرة، ومَقْبَرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبَره وأقبُره قبراً؛ أي: دفنته، وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. فصل في معنى ألهاكم قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً، والأموات ملازمون القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟. وأيضاً: فقوله - جل ذكره -: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟. فالجواب عن الأول: أنَّ سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفاً على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ} تفسير : [البقرة: 61]. وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. فصل في ذكر المقابر قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: {أية : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} تفسير : [عبس: 21]. واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزُّهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُوْرُوهَا، فإنَّها تُزْهِدُ في الدُّنيا، وتذكرُ الآخِرةَ ". تفسير : وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوّارات القبور. قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنِّساء، لقلّة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النِّساء فمختلف فيه: أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. فصل في آداب زيارة القبور ينبغي لمن زار القُبُور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها إلا التّطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأنَّ حاله كحالهم، ومآله كمآلهم. [قوله تعالى: {كَلاَّ} قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي سوف تعلمون عاقبة هذا. قوله تعالى: {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} جعله ابن مالك من التوكيد مع توسّط حرف العطف]. وقال الزمخشريُّ: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و "ثُمَّ" دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: "لا تَفْعَلْ" انتهى. ونقل عن علي - رضي الله عنه -: {كَلاَّ سَوْفَ تعلمُون} في الدنيا {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ} في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التَّغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و "ثُمَّ" على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. وقال الزمخشريُّ: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولاً واحداً كأنه جعله بمعنى "عَرَفَ". فصل في تفسير الآية قال ابن عباس: {كَلاَّ سَوفَ تَعْلمُونَ} ما ينزل بكم من العذاب في القبور {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ} في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالتَّكرار للحالين. وروى زر بن حبيش عن عليّ - رضي الله عنه - قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} يعني في القبور. [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة]. وقال الضحاكُ: {كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ} أيها المؤمنون, وكذلك كان يقرؤها, الأولى بالتاء, والثانية بالياء فالأول وعيد, والثاني وعد. قوله: {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ} جواب "لَوْ" محذوف، أي: لفعلتم ما لا يوصف. وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. قال ابن الخطيب: وجواب "لَوْ" محذوف، وليس "لترونَّ" جوابها، لأن هذا مثبت، وجواب "لو" يكون منفياً، ولأنه عطف عليه قوله: "ثُمَّ لتُسْألُنَّ" وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب "لَوْ" كثير. قال الأخفش: التقدير: لو تعلمُون علم اليقين ما ألهاكم. وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذفُ الجواب أفخر، لأنه يذهب الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: {أية : لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ} تفسير : [الأنبياء: 39]، وقال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} تفسير : [الأنعام: 30] وأعاد "كلاَّ" وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلُوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. و {عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} مصدر. قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين، فأضيف إليه إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أنَّ اليقينَ أخصُّ. فصل في المراد باليقين قال المفسِّرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: {أية : لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [الواقعة: 95]، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ، أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، الذين لا يعملون بعلمهم. قوله: {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ}. جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: عام [كقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] فهي للكفار دار، وللمؤمنين مَمَرّ]. وقرأ ابن عامر، والكسائي: "لتُروُنَّ" مبنياً للمفعول، وهي مفعولة من "رأى" الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولاً آخر، فقام الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني منصوباً. والباقون مبنياً للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية بصرية. وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، والضم في الثاني، يعني: لترونها. ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. وقد نصّ مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالاً لضمة الواو. قال الزمخشري: "هِيَ مُسْتكرَهة"، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم قد همزوا ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: {أية : ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ} تفسير : [البقرة: 16] همزوا واو "اشترؤا" مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنَّها غير زائلة في الوقف، فهو أولى بهمزها. قوله: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. وقال أبو البقاء: لأن "رأى"، و "عاين" بمعنى. فصل في معنى الآية معنى الكلام: "لتَرَوُنَّ الجَحِيمَ" بأبصاركم على البعد "ثُمَّ لتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ" أي: مشاهدة. وقيل: {لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينَ}، معناه: "لَوْ تَعْلَمُونَ" اليوم في الدنيا "عِلمَ اليَقِينِ" بما أمامكم مما وصفت "لَتَروُنَّ الجَحِيم" بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة {ثُمَّ لتَرونَّها عَيْنَ اليَقِينِ}، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك، {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} في موقف السؤال والعرض. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر - رضي الله عنه - حديث : لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعيرٍ، ولحم، وبسر، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟. قال - عليه الصلاة والسلام - "إنما ذلِكَ للكُفَّارِ"تفسير : , ثم قرأ: {أية : وَهَلْ نُجَازِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} تفسير : [سبأ: 17]؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ"تفسير : . وقيل: الزائد عما لا بد منه. وقيل غير ذلك. قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من غيرها إلى الباقي، فيسأل عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. فقيل: السؤال في موقف الحساب. وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنَّما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما أثبت في القارعة أمر الساعة، وقسم الناس فيها إلى شقي وسعيد، وختم بالشقي، افتتح هذه بعلة الشقاوة ومبدأ الحشر لينزجر السامع عن هذا السبب ليكون من القسم الأول، فقال ما حاصله: انقسمتم فكان قسم منكم هالكاً لأنه {ألهٰكم} أي أغفلكم إلا النادر منكم غفلة عظيمة عن الموت الذي هو وحده كاف في البعث على الزهد فكيف بما بعده {التكاثر *} وهو المباهاة والمفاخرة بكثرة الأعراض الفانية من متاع الدنيا: المال والجاه والبنين ونحوها مما هو شاغل عن الله، فكان ذلك موجباً لصرف الهمة كلها إلى الجمع، فصرفكم ذلك إلى اللهو، فأغفلكم عما أمامكم من الآخرة والدين الحق وعن ذكر ربكم وعن كل ما ينجيكم من سخطه، أو عن المنافسة في الأعمال الموصلة إلى أعلى الدرجات بكثرة الطاعات، وذلك كله لأنكم لا تسلمون بما غلب عليكم من الجهل الذي سببه شهوة النفس وحب الراحة فخفت موازينكم، وحذف هذا الشيء الملهو عنه لتعظيمه والدلالة على أنه ليس غيره مما يؤسف على اللهو عنه. ولما كانوا ينكرون البعث، ويعتقدون دوام - الإقامة في القبور، عبر بالزيارة إشارة إلى أن البعث لا بد منه ولا مرية فيه، وأن اللبث في البرزخ وإن طال فإنما هو كلبث الزائر عند مزوره في جنب الإقامة بعد البعث في دار النعيم أو غار الجحيم، وأن الإقامة فيه محبوبة للعلم بما بعده من الأهوال والشدائد والأوجال، فقال: {حتى} أي استمرت مباهاتكم ومفاخرتكم إلى أن {زرتم المقابر *} أي بالموت والدفن، فكنتم فيها عرضة للبعث لا تتمكنون من عمل ما ينجيكم لأن دار العمل فاتت كما أن الزائر ليس بصدد العلم عند المزور، لا يمكثون بها إلا ريثما يتكمل المجموعون بالموت كما أن الزائر معرض للرجوع إلى داره وحل قراره، فلو لم يكن لكم وازع عن الإقبال على الدنيا إلا الموت لكان كافياً فكيف والأمر أعظم من ذلك؟ فإن الموت مقدمة من مقدمات العرض، قال أبو حيان: سمع بعض الأعراب الآية فقال: بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم، وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأها ثم قال: ما أرى المقابر إلا زيارة، ولا بد لمن زار أن يرجع إلى بيته، إما إلى الجنة أو إلى النار. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم ذكر القارعة وعظيم أهوالها، أعقب بذكر ما شغل وصد عن الاستعداد لها وألهى عن ذكرها، وهو التكاثر بالعدد والقرابات والأهلين فقال: {ألهاكم التكاثر} وهو في معرض التهديد والتقريع وقد أعقب بما يعضد ذلك وهو قوله {كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون} ثم قال: {كلا لو تعلمون علم اليقين} وحذف جواب "لو" والتقدير: لو تعلمون علم اليقين لما شغلكم التكاثر، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً"تفسير : الحديث، وقوله تعالى "لترون الجحيم" جواب لقسم مقدر أي والله لترون الجحيم، وتأكد بها التهديد وكذا ما بعد إلى آخر السورة - انتهى. ولما كان الاشتغال بالتكاثر في غاية الدلالة على السفه لأن من المعلوم قطعاً أن هذا الكون على هذا النظام لا يكون إلا بصانع حكيم، وكان العقلاء المنتفعون بالكون في غاية التظالم، وكان الحكيم لا يرضى أصلاً أن يكون عبيده يظلم بعضهم بعضاً ثم لا يحكم بينهم ولا ينظر في مصالحهم علم قطعاً أنه يبعثه ليحكم بينهم لأنه كما قدر على إبدائهم يقدر على إعادتهم، وقد وعد بذلك وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، فثبت ذلك ثبوتاً لا مرية فيه ولا مزيد عليه، وكان الحال مقتضياً لأن يردع غاية الردع من أعرض عما يعنيه وأقبل على ما لا يعنيه، فقال سبحانه معبراً بأم الروادع، وجامعة الزواجر والصوادع: {كلا} أي ارتدعوا أتم ردع وانزجروا أعظم زجر عن الاشتغال بما لا يجدي، فإنه ليس الأمر كما تظنون من أن الفخر في المكاثرة بالأعراض الدنيوية ولم تخلقوا لذلك، إنما خلقتم لأمر عظيم، فهو الذي يهمكم فاشتغلتم عنه بما لا يهمكم - فكنتم لاهين كمن كان يكفيه كل يوم درهم فاشتغل بتحصيل أكثر، وكذا من ترك المهم من التفسير واشتغل بالأقوال الشاذة أو ترك المهم من الفقه واشتغل بنوادر الفروغ وعلل النحو وغيرها وترك ما هو أهم منه مما لا عيش له إلا به. ولما كان الردع لا يكون إلا عن ضار يجر وبالاً وحسرة، دل على ذلك بقوله استئنافاً: {سوف} أي بعد مهلة طويلة يتذكر فيها من تذكر {تعلمون *} أي يتجدد لكم العلم بوعد لا خلف فيه بما أنتم عليه من الخطإ عند معاينة ما يكشفه الموت ويجر حزنه الفوت من عاقبة ذلك ووباله. ولما كان من الأمور ما لو شرح شأنه على ما هو عليه لطال وأدى إلى الملال، دل على أن شرح هذا الوعيد مهول بقوله مؤكداً مع التعبير بأداة التراخي الدالة على علو الرتبة: {ثم كلا} أي ارتدعوا ارتداعاً أكبر من ذلك لأنه {سوف تعلمون *} أي يأتيكم العلم من غير شك وإن تأخر زمنه يسيراً بالبعث. ولما كان هذا أمراً صادعاً، أشار إلى أنه يكفي هذه الأمة المرحومة التأكيد بمرة، فقال مردداً للأمر بين تأكيد الردع ثالثاً بالأداة الصالحة له ولأن تكون لمعنى - حقاً كما يقوله ائمة القراءة: {كلا} أي - ليشتد ارتداعهم عن التكاثر فإنه أساس كل بلاء فإنكم {لو تعلمون} أيها المتكاثرون. ولما كان العلم قد يطلق على الظن رفع مجازه بقوله: {علم اليقين *} أي لو يقع لكم علم على - وجه اليقين مرة من الدهر لعلمتم ما بين أيديكم، فلم يلهكم التكاثر ولضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون - فحذف هذا الجواب بعد حذف المفعول للتفخيم فهو إشارة إلى أنه لا يقين غيره، والمعنى أن أعمالكم أعمال من لا يتيقنه، قال الرازي: واليقين مركب الأخذ في هذا الطريق، وهو غاية درجات العامة، وأول خطوة الخاصة، قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : خير ما ألقي في القلب اليقين"تفسير : وعلم قبول ما ظهر من الحق وقبول ما غاب للحق والوقوف على ما قام بالحق، والآية من الاحتباك: ذكر الإلهاء أولاً وحذف سببه وهو الجهل لدلالة الثاني عليه، وذكر ثانياً العلم الذي هو الثمرة وحذف ما يتسبب عنه من عدم اللهو الذي هو ضد الأول، وزاد في التفخيم لهذا الوعيد بإيضاح المتوعد به بعد إبهامه مع قسم دل عليه بلامه، فقال: {لترون} أي بالمكاشفة وعزتنا، ولا يصح أن يكون هذا جواباً لما قبله لأنه محقق {الجحيم *} أي النار التي تلقى المعذبين بها بكراهة وتغيظ وعتو وشديد توقد، فالمؤمن يراها وينجو منها سواء خالطها أم لا والكافر يخلد فيها. ولما كان هذا توعداً على التكاثر لأنه يقتضي الإعراض عن الآخرة فيوقع في غمرات البلايا الكبار، أكد فقال مفخماً له بحرف التراخي: {ثم لترونها} وعزة الله، ورقي العلم عن رتبة الأول فقط فقال تعالى: {عين اليقين *} أي الرؤية التي هي نفس اليقين، وذلك هو المعاينة بغاية ما يكون من صفاء العلم لكونه لا ريبة فيه فإن المشاهدة أعلى أنواع العلم، قال الرازي: وهو المغني بالاستدراك عن الاستدلال، وعن الخبر بالعيان، وخرق الشهود حجاب - العلم - انتهى. ويجوز أن يكون هذا الثاني بالملامسة والدخول، فالمؤمن وارد والكافر خالد. ولما كان من أهول الخطاب التهديد برؤية العذاب، زاد في التخويف بأنه لأجل أن يكون ما يعذب به العاصي عتيداً، فإذا أوجب السؤال النكال كان حاضراً لا مانع من إيقاعه في الحال، ولو لم يكن حاضراً كان لمن استحقه في مدة إحضاره محال، فقال مفخماً بأداة التراخي: {ثم} أي بعد أمور طويله عظيمة مهولة جداً {لتسئلن} وعزتنا {يومئذ} أي إذ ترون الجحيم {عن النعيم *} أي الذي أداكم التكاثر إليه حتى عن الماء البارد في الصيف والحار في الشتاء هل كان استمتاعكم به على وجه السرف لإرادة الترف أو كان لإرادة القوة للنشأة إلى الخير فلم يخرج عن السرف، فالمؤمن المطيع يسأل سؤال تشريف، والعاصي يسأل سؤال توبيخ وتأفيف، ولام النعيم قد تكون لمطلق الجنس وإليه يشير حديث أبي هرير رضي الله عنه عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ضاف أبا الهيثم بن التيهان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فأطعمهم بسراً ورطباً وسقاهم ماء بارداً وبسط لهم بساطاً في ظل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن هذا من النعيم الذي تسألون عنه: ظل بارد ورطب طيب وماء بارد"تفسير : وقد يكون للكمال فيكون من أعلام النبوة كما في حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه عند أحمد من وجه حسن إن شاء الله أنهم قالوا عند نزولها: أي نعيم وإنما هما الأسودان: التمر والماء، وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر، قال:"حديث : إن ذلك سيكون"تفسير : . له شاهد عند الطبراني عن ابن الزبير رضي الله عنهما، وعند الطبراني أيضاً عن الحسن البصري مرسلاً، فقد التحم آخرها بأولها على وجه هو من ألطف الخطاب، وأدق المسالك في النهي عما يجر إلى العذاب، لأن العاقل إذا علم أن بين يديه سؤالاً عن كل ما يتلذذ به علم أنه يعوقه ذلك في زمن السؤال عن لذاذات الجنة العوال الغوال، فكان خوفه من مطلق السؤال مانعاً له عن التنعم بالمباح فكيف بالمكروه فكيف ثم كيف بالمحرم؟ فكيف إذا كان السؤال من ملك تذوب لهيبته الجبال؟ فكيف إذا كان السؤال على وجه العتاب؟ فكيف إذا جر إلى العذاب؟ فتأمل كلام خالقك ما ألطف إشاراته وأجل عباراته، في نذاراته وبشاراته - والله أرحم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزلت بمكة سورة ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ ‏.‏ وأخرج الحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم‏؟ قالوا‏:‏ ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية‏؟‏ قال‏:‏ أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر‏؟‏‏ "‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال‏:‏ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمون ‏ {‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ المغيرة‏. وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال‏:‏ انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ‏ {‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ وفي لفظ وقد أنزلت عليه ‏{‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ وهو يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏يقول ابن آدم‏:‏ مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن مطرف عن أبيه قال‏:‏ لما أنزلت ‏ {‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ قال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، أو أعطيت فأمضيت ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يقول العبد مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاثة ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى‏.‏ وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يقول ابن آدم مالي، وما له من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قارىء عليكم سورة ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ فمن بكى فقد دخل الجنة، فقرأها فمنا من بكى ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا‏:‏ قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نقدر عليه‏.‏ فقال‏: إني قارئها عليكم الثانية فمن بكى فله الجنة، ومن لم يقدر أن يبكي فليتباك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال‏:‏ أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي وهو يقرأ ‏ {‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ حتى ختمها‏.‏ وأخرج البخاري وابن جرير عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ كنا نرى هذا من القرآن لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب، حتى نزلت سورة ‏{‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ إلى آخرها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ قال‏:‏ قالوا‏:‏ نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان فألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في اليهود‏.‏ وأخرج الترمذي وحنيش بن أصرم في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ نزلت ‏ {‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ في عذاب القبر‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأ ‏ {‏الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر‏}‏ ثم قال‏:‏ ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ قال‏:‏ في الأموال والأولاد‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم التعمد ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن زيد بن أسلم عن أبيه قال‏:‏ حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ قال: يعني عن الطاعة ‏{‏حتى زرتم المقابر‏}‏ قال‏:‏ يقول‏:‏ حتى يأتيكم الموت {‏كلا سوف تعلمون‏} يعني لو قد دخلتم قبوركم ‏{‏ثم كلا سوف تعلمون‏} ‏يقول‏:‏ لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم {‏كلا لو تعلمون علم اليقين‏}‏ قال‏:‏ لو قد وقفتم على أعمالكم بين يدي ربكم ‏{‏لترون الجحيم‏} وذلك أن الصراط يوضع وسط جهنم، فناج مسلم ومخدوش مسلم، ومكدوش في نار جهنم {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏ يعني شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عياض بن غنم‏ حديث : ‏ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله‏:‏ ‏ {‏ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون‏}‏ يقول‏: "‏لو دخلتم القبور" ‏{‏ثم كلا سوف تعلمون‏} ‏، "وقد خرجتم من قبوركم‏"‏، ‏{‏كلا لو تعلمون علم اليقين‏}‏ في يوم محشركم إلى ربكم {‏لترون الجحيم‏}‏ أي في الآخرة حق اليقين كرأي العين {‏ثم لترونها عين اليقين‏}‏ يوم القيامة ‏{‏ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم‏}‏ بين يدي ربكم عن بارد الشراب وظلال المساكن وشبع البطون واعتدال الخلق ولذاذة النوم حتى خطبة أحدكم المرأة مع خطاب سواه فزوجها ومنعها غيره ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن الضحاك ‏{‏كلا سوف تعلمون‏} ‏ الكفار ‏ {‏ثم كلا سوف تعلمون‏} ‏ المؤمنين‏.‏ وكذلك كانوا يقرؤونها‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏كلا لو تعلمون علم اليقين‏}‏ قال‏:‏ كنا نحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏لو تعلمون علم اليقين‏}‏ قال‏:‏ كنا نحدث أنه الموت وفي قوله‏:‏ ‏ {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قال‏:‏ إن الله سائل كل ذي نعمة فيما أنعم عليه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قال‏:‏ صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيم استعملوها وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله‏:‏ {أية : ‏إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا‏ً}‏ تفسير : ‏[الاسراء: 36‏].‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قال‏:‏ كل شيء من لذة الدنيا‏.‏ وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود ‏حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قال‏: الأمن والصحة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود في الآية قال النعيم‏:‏ الأمن والصحة‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عليّ بن أبي طالب ‏{‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قال‏:‏ النعيم العافية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏ {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قال‏:‏ عن أكل خبز البر وشرب ماء الفرات مبرداً، وكان له منزل يسكنه، فذاك من النعيم الذي يسأل عنه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال‏:‏ حديث : ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قال‏: ناس من أمتي يعقدون السمن والعسل بالنقى فيأكلونه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن حمران بن أبان عن رجل من أهل الكتاب قال‏:‏ ما الله معط عبداً فوق ثلاث إلا سائله عنهم يوم القيامة‏:‏ قدر ما يقيم به صلبه من الخبز، وما يكنه من الظل وما يواري به عورته من الناس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قال الصحابة‏:‏ وفي أي نعيم نحن يا رسول الله‏؟‏ وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير فأوحى الله إلى نبيه أن قل لهم‏:‏ أليس تحتذون النعال وتشربون الماء البارد‏؟‏ فهذا من النعيم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وأحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن محمود بن لبيد قال‏:‏‏ ‏حديث : لما أنزلت ‏ {‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ فقرأ حتى بلغ ثم ‏ {‏لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قالوا يا رسول الله‏:‏ عن أي نعيم نسأل‏؟‏ وإنما هما الأسودان الماء والتمر وسيوفنا على رقابنا والعدوّ حاضر فعن أي نعيم نسأل‏؟‏ قال‏: "‏أما إن ذلك سيكون‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏حديث : لما نزلت هذه الآية ‏{‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏ قال الناس‏:‏ يا رسول الله عن أي النعيم نسأل وإنما هما الأسودان والعدوّ حاضر وسيوفنا على عواتقنا‏؟‏ قال‏: "‏أما إن ذلك سيكون"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن الزبير بن العوام قال‏:‏حديث : لما نزلت ‏ {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قالوا يا رسول الله‏:‏ وأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏إن ذلك سيكون‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن الزبير قال‏:‏ ‏حديث : لما نزلت ‏ {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قال الزبير بن العوّام‏:‏ يا رسول الله أي نعيم نسأل عنه‏؟‏ وإنما هما الأسودان الماء والتمر‏.‏ قال‏:‏ "‏أما إن ذلك سيكون"‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن صفوان بن سليم قال‏:‏ حديث : ‏‏ لما نزلت ‏ {‏ألهاكم التكاثر‏} ‏ إلى آخرها ‏{‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏ قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ عن أي نعيم نسأل‏؟‏ إنما هما الأسودان الماء والتمر وسيوفنا على عواتقنا‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: "‏إنه سيكون" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو يعلى عن الحسن قال‏:‏‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏ قالوا يا رسول الله‏:‏ أي نعيم نسأل عنه وسيوفنا على عواتقنا‏؟‏ وذكر الحديث‏.‏ وأخرج أحمد في زوائد الزهد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له‏:‏ ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج هناد وعبد بن حميد والبخاري وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ثابت البناني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏النعيم المسؤول عنه يوم القيامة كسرة تقوته وماء يرويه وثوب يواريه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ ‏ ‏حديث : جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فأطعمناهم رطباً وسقيناهم ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"هذا النعيم الذي تسألون عنه‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال‏:‏‏حديث : كان ليهودي على أبي تمر فقتل أبي يوم أحد وترك حديقتين، وتمر اليهودي يستوعب ما في الحديقتين‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"هل لك أن تأخذ العام بعضه وتؤخر بعضها إلى قابل"‏ فأبى اليهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: "إذا حضر الجذاذ فآذني" فآذنته، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فجعلنا نجذ ويكال له من أسفل النخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بالبركة حتى وفيناه جميع حقه من أصغر الحديقتين ثم أتيتهم برطب وماء فأكلوا وشربوا ثم قال‏:‏ "هذا من النعيم الذي تسألون عنه" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏حديث : ‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال‏: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة‏؟ قالا‏:‏ الجوع يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، فقوموا، فقاما معه فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت‏:‏ مرحباً وأهلاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: أين فلان‏؟‏ قالت‏:‏ انطلق يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فقال‏:‏ الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر فقال‏:‏ كلوا من هذا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إياك والحلوب فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا‏.‏ فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر‏:‏ "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول‏:‏ ‏"‏حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد جالساً فقال‏:‏ ما أخرجك هذه الساعة‏؟‏ قال‏:‏ أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله‏.‏ ثم إن عمر جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: يا ابن الخطاب ما أخرجك هذه الساعة‏؟ قال‏:‏ أخرجني الذي أخرجكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: هل بكما من قوة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان من طعام وشراب‏؟‏ فقلنا‏:‏ نعم يا رسول الله، فانطلقنا حتى أتينا منزل مالك بن التيهان أبي الهيثم الأنصاري ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏حديث : خرج أبو بكر في الهاجرة إلى المسجد فسمع عمر، فخرج فقال لأبي بكر‏:‏ ما أخرجك هذه الساعة‏؟‏ قال‏:‏ أخرجني ما أجد في نفسي من حاق الجوع‏.‏ قال عمر‏:‏ والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع، فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏: ما أخرجكما هذه الساعة فقالا‏:‏ والله ما أخرجنا إلا ما نجد في بطوننا من حاق الجوع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره، فقاموا فانطلقوا إلى منزل أبي أيوب الأنصاري فلما انتهوا إلى داره قالت امرأته‏:‏ مرحباً بنبي الله وبمن معه‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏: أين أبو أيوب‏؟‏ فقالت امرأته‏:‏ يأتيك يا نبي الله الساعة‏.‏ فجاء أبو أيوب فقطع عذقاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أردت أن تقطع لنا هذا ألا اجتنيت الثمرة‏؟‏ قال‏:‏ أحببت يا رسول الله أن تأكلوا من بسره وتمره ورطبه‏.‏ ثم ذبح جدياً فشوى نصفه وطبخ نصفه، فلما وضع بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من الجدي فجعله في رغيف وقال: يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام، فذهب به أبو أيوب إلى فاطمة‏.‏ فلما أكلوا وشبعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏: خبز ولحم وتمر وبسر ورطب ودمعت عيناه والذي نفسي بيده إن هذا لهو النعيم الذي تسألون عنه‏.‏ قال الله‏:‏ ‏{‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏ فهذا النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، فكبر ذلك على أصحابه‏.‏ فقال‏: بلى إذا أصبتم هذا فضربتم بأيديكم فقولوا‏:‏ بسم الله فإذا شبعتم فقولوا‏:‏ الحمد لله الذي هو أشبعنا وأنعم علينا وأفضل، فإن هذا كفاف لها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير وابن عدي والبغوي في معجمه وابن منده في المعرفة وابن عساكر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي عسيب مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : ‏خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً فمر بي فدعاني، فخرجت إليه ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطاً لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط‏: أطعمنا، فجاء بعذق فوضعه، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، وقال‏: لنسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر ثم قال يا رسول الله‏:‏ إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة‏؟‏ قال‏: نعم إلا من ثلاث كسرة يسد بها الرجل جوعته، أو ثوب يستر به عورته، أو حجر يدخل فيه من الحر والبرد ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال‏:‏ ‏"‏حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم على جدول فأتي برطب وماء بارد فأكل من الرطب وشرب من الماء، ثم قال‏: هذا من النعيم الذي تسألون عنه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال‏:‏ حديث : ‏انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا عمر إلى رجل يقال له الواقفي، فذبح لنا شاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إياك وذات الدر، فأكلنا ثريداً ولحماً وشربنا ماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ هذا من النعيم الذي تسألون عنه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر‏ حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في ساعة لم يكن يخرج فيها، ثم خرج أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ما أخرجك يا أبا بكر‏؟ قال‏:‏ أخرجني الجوع‏.‏ قال‏:‏ وأخرجني الذي أخرجك‏.‏ ثم خرج عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ما أخرجك يا عمر‏؟ قال‏:‏ أخرجني والذي بعثك بالحق الجوع‏.‏ ثم جاء أناس من أصحابه فقال‏: انطلقوا بنا إلى منزل أبي الهيثم فقالت لهم امرأته‏:‏ إنه ذهب يستعذب لنا فدوروا إلى الحائط، ففتحت لهم باب البستان فدخلوا فجلسوا، فجاء أبو الهيثم، فقالت له امرأته‏:‏ أتدري من عندك‏؟‏ قال‏:‏ لا قالت له‏:‏ عندك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فدخل عليهم فعلق قربته على نخلة ثم أخذ مخرفاً فأتى عذقاً له، فاخترف لهم رطباً فأتاهم به، فصبه بين أيديهم، فأكلوا منه، وبرد لهم ذلك الماء فشربوا منه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ هذا من النعيم الذي تسألون عنه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي الهيثم بن التيهان حديث : أن أبا بكر الصديق خرج فإذا هو بعمر جالساً في المسجد، فعمد نحوه فوقف فسلم، فرد عمر فقال له أبو بكر‏:‏ ما أخرجك هذه الساعة‏؟‏ فقال له عمر‏:‏ بل أنت ما أخرجك هذه الساعة‏؟‏ قال أبو بكر‏:‏ إني سألتك قبل أن تسألني‏.‏ فقال عمر‏:‏ أخرجني الجوع‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ وأنا أخرجني الذي أخرجك‏.‏ فلبثا يتحدثان وطلع النبي صلى الله عليه وسلم فعمد نحوهما حتى وقف عليهما فسلم فردا السلام فقال‏: ما أخرجكما هذه الساعة‏؟ فنظر كل واحد منهما إلى صاحبه ليس منهما واحد إلا وهو يريد أن يخبره صاحبه فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله خرج قبلي وخرجت بعده، فسألته ما أخرجك هذه الساعة فقال‏:‏ بل أنت ما أخرجك هذه الساعة‏؟‏ فقلت‏:‏ إني‏‏ سألتك قبل أن تسألني فقال‏:‏ بل أخرجني الجوع‏.‏ فقلت له‏:‏ أخرجني الذي أخرجك‏‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏: وأنا فأخرجني الذي أخرجكما‏‏ فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم‏: تعلمان من أحد نضيفه‏؟ قالا‏:‏ نعم أبو الهيثم بن التيهان له أعذق وجدي إن جئناه نجد عنده فضل تمر‏.‏ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه حتى دخلوا الحائط، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم فسمعت أم الهيثم تسليمه، ففدت بالأب والأم، وأخرجت حلساً لها من شعر فجلسوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: فأين أبو الهيثم فقالت‏:‏ ذاك ذهب ليستعذب لنا من الماء‏.‏ وطلع أبو الهيثم بالقربة على رقبته، فلما أن رأى وضح النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني النخل أسندها إلى جذع وأقبل يفدي بالأب والأم، فلما رآهم عرف الذي بهم فقال لأم الهيثم‏:‏ هل أطعمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه شيئا‏ً؟‏ فقالت‏:‏ إنما جلس النبي صلى الله عليه وسلم الساعة‏.‏ قال‏:‏ فما عندك‏؟‏ قالت‏:‏ عندي حبات من شعير‏.‏ قال‏:‏ كركريها واعجني واخبزي إذ لم يكونوا يعرفون الخمير‏.‏ قال‏:‏ وأخذ الشفرة فرآه النبي صلى الله عليه وسلم مولياً فقال‏: إياك وذات الدر‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله إنما أريد عنيقاً في الغنم، فذبح ونصب، فلم يلبث إذ جاء بذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه فشبعوا لا عهد لهم بمثلها‏.‏ فما مكث النبي صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً حتى أتي بأسير من اليمن فجاءته فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه العمل وتريه يديها وتسأله إياه‏.‏ قال‏: لا، ولكن أعطيه أبا الهيثم فقد رأيته وما لقي هو وامرأته يوم ضفناهم، فأرسل إليه وأعطاه إياه فقال‏: خذ هذا الغلام يعينك على حائطك واستوص به خيرا‏ً: فمكث عند أبي الهيثم ما شاء الله أن يمكث فقال‏:‏ لقد كنت مستقلاً أنا وصاحبتي بحائطنا اذهب فلا رب لك إلا الله، فخرج ذلك الغلام إلى الشام ورزق فيها‏‏‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن مسعود ‏‏حديث : أن أبا بكر خرج لم يخرجه إلا الجوع، وخرج عمر لم يخرجه إلا الجوع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهما، وأنهما أخبراه أنه لم يخرجهما إلا الجوع، فقال‏:‏ انطلقوا بنا إلى منزل رجل من الأنصار يقال له أبو الهيثم بن التيهان، فإذا هو ليس في المنزل ذهب يستقي، فرحبت المرأة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصاحبيه، وبسطت لهم شيئاً فجلسوا عليه، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم أين انطلق أبو الهيثم‏؟‏ قالت‏:‏ ذهب يستعذب لنا، فلم يلبث أن جاء بقربة فيها ماء فعلقها وأراد أن يذبح لهم شاة فكان النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك، فذبح لهم عناقاً، ثم انطلق، فجاء بكبائس من النخل فأكلوا من ذلك اللحم والبسر والرطب، أو شربوا من الماء فقال أحدهما‏:‏ إما أبو بكر وإما عمر‏:‏ هذا من النعيم الذي نسأل عنه يوم القيامة‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "المؤمن لا يثرب عليه شيء أصابه في الدنيا إنما يثرب على الكافر‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن تفسير هذه الآية ‏ {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قال‏:‏ إنما هي للكفار ‏{أية : ‏أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا‏}تفسير : [الأحقاف: 20‏]‏ إنما هي للكفار قال‏:‏ حديث : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر كلهم يقولون أخرجني الجوع فانطلق بهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل من الأنصار يقال له أبو الهيثم، فلم يره في منزله، ورحبت المرأة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصاحبيه، وأخرجت بساطاً فجلسوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أين أنطلق أبو الهيثم‏؟ فقالت‏:‏ انطلق يستعذب لنا فلم يلبثوا أن جاء بقربة ماء فعلقها، وكأنه أراد أن يذبح لهم شاة، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فذبح عناقاً، ثم انطلق فجاء بكبائس من نخل، فأكلوا من اللحم ومن البسر والرطب وشربوا من الماء، فقال أحدهما‏:‏ إما أبو بكر واما عمر‏:‏ هذا من النعيم الذي نسأل عنه‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "إنما يسأل الكفار، وإن المؤمن لا يثرب عليه شيء أصابه في الدنيا، وإنما يثرب على الكافر"‏تفسير : ‏ قيل له من حدثك‏؟‏ قال‏:‏ الشعبي عن الحارث عن ابن مسعود‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن عامر قال‏:‏‏حديث : أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر لحماً وخبزاً وشعيراً ورطباً وماء بارداً فقال‏:‏ ‏"هذا وربكما من النعيم‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏حديث : ‏ لما نزلت هذه الآية ‏ {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قالوا يا رسول الله‏:‏ أي نعيم نسأل عنه سيوفنا على عواتقنا والأرض كلها لنا حرب، يصبح أحدنا بغير غداء ويمسي بغير عشاء‏؟‏ قال‏: عني بذلك قوم يكونون من بعدكم أنتم خير منهم يغدي عليهم بجفنة ويراح عليهم بجفنة ويغدو في حلة ويروح في حلة، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة ويفشى فيهم السمن‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال‏:‏‏ ‏حديث : لما نزلت ‏ {‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏} ‏ قام رجل محتاج فقال يا رسول الله‏:‏ هل عليّ من النعمة شيء‏؟‏ قال‏: ‏"نعم الظل والنعلان والماء البارد‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏حديث : ‏ {‏لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ "‏الخصاف والماء والبارد وفلق الكسر"‏تفسير : قال العباس‏:‏ الخصاف خصف النعلين‏.‏ وأخرج البزار عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما فوق الإِزار وظل الحائط وخبز يحاسب به العبد يوم القيامة ويسأل عنه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ثلاث لا يحاسب بهن العبد‏:‏ ظل خص يستظل به وكسرة يشد بها صلبه وثوب يواري به عورته‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أيضاً عن سلمان قال‏:‏ بلغني أن في التوراة مكتوب‏:‏ ابن آدم كسيرة تكفيك وخرقة تواريك وحجر يؤويك‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأله إنسان من فقراء المهاجرين فقال‏:‏ ألك امرأة تأوي إليك وتأوي إليها؟ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ألك مسكن تسكنه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فلست من فقراء المهاجرين‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏"‏حديث : كل شيء سوى ظل بيت وجلف الخبز وثوب يواري عورته والماء فما فضل عن هذا لابن آدم فيهن حق ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن معاذ بن عبد الله الجهني عن أبيه عن عمه قال‏:‏ حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أثر غسل، وهو طيب النفس، فظننا أنه ألم بأهله، فقلنا يا رسول الله‏:‏ نراك طيب النفس، فقال‏: ‏أجل والحمد لله، ثم ذكر الغنى فقال‏: "لا بأس بالغنى لمن اتقى الله، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ مر عمر بن الخطاب برجل مبتلي أجذم أعمى أصم أبكم فقال لمن معه‏:‏ هل ترون في هذا من نعم الله شيئا‏ً؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال‏:‏ "بلى ألا ترونه يبول فلا يعتصر ولا يلتوي يخرج بوله سهلاً فهذه نعمة من الله‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ يا لها من نعمة تأكل لذة وتخرج سرحاً، لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتي الحش فيكتان ثم يجرجر قائماً فيقول‏:‏ يا ليتني مثلك ما يشرب حتى يقطع عنقه العطش فإذا شرب كان له في تلك الشربة موتات، يا لها من نعمة تأكل لذة وتخرج سرحا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال‏:‏ يعرض الناس يوم القيامة على ثلاثة دواوين‏:‏ ديوان فيه الحسنات وديوان فيه النعيم وديوان فيه السيئات، فيقابل بديوان الحسنات ديوان النعيم فيستفرغ النعيم الحسنات، وتبقى السيئات مشيئتها إلى الله عز وجل، إن شاء عذب وإن شاء غفر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن بكير بن عتيق قال‏:‏ سقيت سعيد بن جبير شربة من عسل في قدح فشربها ثم قال‏:‏ والله لأسألن عن هذا‏:‏ فقلت له‏؟‏ قال‏:‏ شربته وأنا أستلذه‏.‏

ابو السعود

تفسير : مختلف فيها، وآيُها ثمان {أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} أَىْ شغلكُم التغالبُ في الكثرةِ وَالتفاخرُ بَها. رُوِىَ أنَّ بَنِي عبدِ مَنَافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفَاخرُوا وَتعادُّوا وَتكاثرُوا بالسَّادةِ والأشرافِ في الإسلامِ فقالَ كلٌّ منَ الفريقينِ نحنُ أكثرُ منكُم سيداً وأعزُّ عزيزاً وَأعظمُ نفراً فكثرَهُمْ بنُو عبدِ مَنَافٍ فَقَالَ بنُو سَهْمٍ إِنْ البغَي أفنانَا في الجَاهليةِ فعادُّونَا بِالأَحياءِ وَالأَمْواتِ فكثَرهُمْ بنُو سَهْمٍ وَالمَعنى أنكُم تكاثرتُمْ بالأَحياءِ {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} أيْ حَتَّى إذَا استوعبتُمْ عددهُم صْرِتُمْ إِلى التفاخرِ والتكاثرِ بالأمواتِ فعبرَ عنْ بلوغِهم ذكرَ المَوتى بزيارةِ القبورِ تهكُماً بِهمْ وقيلَ كَانُوا يزورونَ المقابَر فيقولونَ هَذَا قبرُ فُلانٍ وهَذا قبرُ فُلانٍ يفتخرونَ بذلكَ وقيلَ: المَعْنى ألهاكُم التكاثُر بالأموالِ وَالأولادِ إلى أَنْ متمْ وقبرتمْ مضيعينَ أعمارَكُم في طلبِ الدُّنيا معرضينَ عَمَّا يهمكُم من السعي لأُخرَاكُم فتكونُ زيارةُ القبورِ عبارةً عنِ الموتِ وقُرِىءَ أألهاكُم عَلى الاستفهامِ التقريريِّ {كَلاَّ} رَدْعٌ وتنبـيهٌ عَلَى أنَّ العاقَل بنبغي أنْ لا يكونَ معظمُ هَمِّه مقصُوراً عَلى الدُّنيا فإنَّ عاقبةَ ذلكَ وخَيمةٌ {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} سوءَ مغبةِ مَا أنتُم عليهِ إذَا عاينتُمْ عاقبَتهُ. {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} تكريرٌ للتأكيدِ وثمَّ للدلالةِ عَلَى أَنَّ الثَّانِي أبلغُ منَ الأولِ أوِ الأولُ عندَ الموتِ أو في القبرِ والثَّانِي عندَ النشورِ {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} أَيْ لَوْ تعلمونَ ما بـينَ أيديكُم علَم الأمرِ اليقينِ أيْ كعلمكِم ما تستيقنونَهُ لفعلتُم ما لاَ يُوصفُ ولاَ يكتنهُ فحذفَ الجوابَ للتهويلِ وقولُه تعالَى: {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ} جوابُ قسمٍ مضمرٍ أُكِّدَ بهِ لَهُ الوعيدُ وشددَ بهِ التهديدُ وأوضحَ بِهِ مَا أُنذروُه بعدَ إبهامِهِ تفخيماً.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: شغلكم التكاثر بموتاكم عن الحياة بذكرى.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ}. أي: شَغَلَكم تَفَاخُرُكم فيما بينكم إلى آخر أعماركم إلى أَنْ مِتُّم. ويقال: كانوا يفتخرون بآبائهم وأسلافهم؛ فكانوا يشيدون بذكر الأحياء، وبمن مضى من أسلافهم. فقال لهم: شَغَلكم تفاخركم فيما بينكم حتى عَدَدْتم أمواتكم مع أحيائِكم. وأنساكم تكاثركم بالأموال والأولاد طاعةَ الله. {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}. على جهة التهويل. {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ}. أي: لو علمتم حقَّ اليقين لارتدعتم عمَّا أنتم فيه من التكذيب. {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ}. أراد جميعَ ما أعطاهم اللَّهُ من النعمة، وطالَبهم بالشكر عليها. ومن النعيم الذي يُسَألُ عنه العبد تخفيفُ الشرائع؛ والرُّخَصُ في العبادات. ويقال: الماء الحار في الشتاء، الماء البارد في الصيف. ويقال: منه الصحَّةُ في الجسد، والفراغ. ويقال: الرضاءُ بالقضاء. ويقال: القناعة في المعيشة. ويقال: هو المصطفى صلى الله عليه وسلم.

البقلي

تفسير : {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} شغلكم النظر الى احوالكم واعمالكم والاقتداء بالتقليد على السلف عن مشاهدتنا وقربنا قال بعضهم شغلكم التكاثر بموتاكم عن الحياة بذكرى.

اسماعيل حقي

تفسير : {الهاكم التكاثر} اللهو ما يشغل الانسان عما يعنيه ويهمه ويقال لهوت بكذا ولهوت عن كذا اى اشتغلت عنه بلهو ويعبر به عن كل ما به استمتاع ويقال ألهى عن كذا اى شغل عما هو أهم والتكاثر التبارى فى الكثرة والتباهى بها وان يقول هؤلاء نحن اكثر وهؤلاء نحن اكثر والمعنى شغلكم التغالب فى الكثرة والتفاخر بها وبالفارسية مشغول كرد شمارا فخر كردن به بسيارئ قوم. قال ابن الشيخ الالهاء الصرف الى اللهو والبعث والتكاثر اذا صرف العبد الى اللهو يكون البعد منصرفا اليه ومعلوم ان الانصراف الى الشئ يقتضى الاعراض عن غيره فتفسير ألهاكم كذا بشغلكم تفسير له بما يلزم اصل معناه الا انه صار حقيقة عرفية فيه بالغلبة وحذف الملهى عنه اى الذى الهى عنه وهو ما يعنيهم من امر الدين للتعظيم والمبالغة اما الاول فلان الحذف كالتنكير قد يجعل ذريعة الى التعظيم لاشتراكهما فى الابهام واما الثانى فلان تذهب النفس كل مذهب ممكن فيدخل فيه جميع ما يحتمل المقام مثل الهاكم التكاثر عن ذكر الله وعن الواجبات والمندوبات مما يتعلق بالقلب كالعلم والتفكر والاعتبار او بالجوارح كأنواع الطاعات وتعريف التكاثر للعهد والعهد المذموم هو التكاثر فى الامور الدنيوية الفانية كالتفاخر بالمال والجاه والاعوان والاقرباء واما التفاخر بالامور الاخروية الباقية فممدوح كالتفاخر بالعلم والعمل والاخلاق والصحة والقوة والغنى والجمال وحسن الصوت اذا كان بطريق تحديث النعمة ومن ذلك تفاخر العباس رضى الله عنه بان السقاية بيده وتفاخر شيبة بان مفتاح البيت بيده الى ان قال على رضى الله عنه وانا قطعت خرطوم الكفر بسيفى فصار الكفر مثلة والتكاثر مكاثرة اثنين مالا او عددا بأن يقول كل منهما لصاحبه انا اكثر منك مالا وأعز نفرا والمراد هنا هو التكاثر فى العدد لانه روى ان بنى عبد مناف وبنى سهم تفاخروا وتعادوا وتكاثروا بالسعادة والاشراف فى الاسلام فقال كل من الفريقين نحن اكثر منكم سيدا واعظم نفرا فكثرهم بنوا عبد مناف اى غلبهم بالكثرة فقال بنوا سهم ان البغى افنانا فى الجاهلية فعادونا بالاحياء والاموات (قال الكاشفى) بكورستان رفتند وكورها بر شمردندكه اين قبر فلان واين قبر فلان قبور أشراف قبيله خود شمردند. فكثرهم بنوا سهم يعنى سه خابدان بنى سهم زياده آمد بربنى عبد مناف برين نسق بريكديكر تطاول نمودند وتفاخر كردند. والمعنى انكم تكاثر تم بالاحياء.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ألهاكم التكاثُر} أي: شغلكم التغالب في الكثرة والتفاخر بها. رُوي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا، وتعادُّوا بالسادة والأشراف، فقال كُلُّ فريق منهم: نحن أكثر منكم سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، فكثرهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إنَّ البغي في الجاهلية أهلكنا، فعادّونا بالأحياء والأموات، ففعلوا، وقالوا: قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم. والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء {حتى زُرتم المقابر} أي: إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات، فعبّر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكُّماً بهم. وقيل: كانوا يزورون القبور، ويقولون هذا قبر فلان، يفتخرون بذلك، وقيل: المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، حتى متُّم وقُبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا، معرضين عما يمهمكم من السعي للآخرة، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت. قال عبد الله بن الشخِّير: قرأ النبيًّ صلى الله عليه وسلم {ألهاكم التكاثر} فقال: "حديث : يقول ابن آدم: ما لي، وليس له من ماله إلا ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تَصَدَّق فأبقى " تفسير : وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. واللام في (التكاثر) للعهد الذهني، وهو التكاثر بما يشغل عن الله، فلا يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق، فإنَّ ذلك مطلوب؛ لأنَّ بذلك تُنال السعادة في الدارين، وقرينة ذلك قوله تعالى: {ألهاكم} فإنه خاص بما يُلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة، حتى أنه لو تناول الدنيا على ذكر الله لم تُذمّ, وليست بلهو حينئذ، ولذلك جاء: "حديث : الدنيا ملعونةٌ ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه " تفسير : قال الإمامُ: ولم يقل: ألهاكم التكاثر عن كذا، بل تركه مطلقاً؛ ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ، فهو أبلغ؛ لأنه يذهب فيه الوهم كُلَّ مذهب، أي: ألهاكُم عن ذكر الله، وعن التفكًّر في أمور القارعة، وعن الاستعداد لها، وغير ذلك. هـ. وقال بان عطية في قوله: {حتى زُرتم المقابرَ}: عن عمر بن عبد العزيز، قال: الآية: تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثُّراً بمَن سلف وإشادة عن ذكره، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : كنت نهيتُكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هُجْراً" تفسير : فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، ثم أباح بَعْدُ للاتعاظ، لا لمعنى المباهاة والافتخار، كما يصنع الناس في ملازمتها وتعليتها بالحجارة والرخام، وتلوينها شرفاً وبنيان النواويس عليها. هـ. وقال ابن عرفة: زيارة المقابر محدودة، أي: كيوم في شهر، مثلاً، وكان بعضهم يقول: إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر، ومن مطالعة رسالة القشيري، فاعلم أنه لا يفلح؛ لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يُجدي شيئاً. هـ. أي: لا يفوز بعلم الظاهر؛ لأنَّ علم الباطن يُفتِّر عن الظاهر، فينبغي لمَن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده، حتى يحرز منه ما قسم له، ثم يشتغل بعلم الباطن، بصُحبة أهله، وإلاَّ فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه، وإنما ينال بمحبة القوم فقط، وفيها مقنع لمَن ضعفت همته. ثم زجر عن التكاثر فقال: {كَلاَّ} أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه، أو كما يتوهمه هؤلاء، فهو رَدْع وتنيبه على أنَّ العاقل ينبغي ألاَّ يكون معظم همه مقصوراً على الدنيا، فإنَّ عاقبة ذلك وخيمة، {سوف تعلمون} سوء عاقبة ما أنتم عليه إذا عاينتم عاقبته، {ثم كّلاَّ سوف تعلمون}، تكرير للتأكيد، و(ثم) دلالة على أنَّ الثاني أبلغ من الأول، والأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور. {كَلاَّ لو تعلمون عِلمَ اليقين} أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم من الطاعات ما لا يوصف، ولا يكتنه كنهة، فحذف الجواب للتهويل. قال الفخر: الآية تهديد عظيم للعلماء، فإنها دلّت على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر، وهذا يقتضي أنَّ مَن لا يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلاً له، فالويل للعالم الذي لا يكون عاملاً، ثم الويل له. هـ. {لَتَرَوُنَّ الجحيمَ}: جواب قسم محذوف، أكّد به الوعيد وشدّد به التهديد، {ثم لَتَرَوُنَّها}: تكرير للتأكيد، أو: الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها، أو الأولى بالقلب، والثانية بالعين، ولذلك قال: {عَينَ اليقين} أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وحاصلته، فإنَّ علم المشاهدة أقْصَى مراتب اليقين. {ثم لتُسألُن يومئذٍ عن النعيم} أي: عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، فإنَّ الخطاب مخصوص بمَن عكفت همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلاَّ ليأكل الطَيّب، ويلبس الطَيّب، وقطع أوقاته في اللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه على مشاق الطاعة، فأمّا مَن تمتّع بنعمة الله تعالى، وتقوّى بها على طاعته، قائماً بالشكر، فهو من ذلك بمعزلٍ بعيد. وفي الحديث: " حديث : يقول الله تبارك وتعالى: ثلاث من النعم لا اسأل عبدي عن شكرهن، وأسأله عما سواه: بيت يكنُّه, وما يُقيم به صلبه من الطعام، وما يُواري به عورَته من اللباس" تفسير : . فالخلائق مسؤولون يوم القيامة عما أنعم عليهم به في الدنيا. والله تعالى أعلم بحالهم، فالكافر يُسأل تبكيتاً وتوبيخاً على شِركه بمَن أنعم عليه، والمؤمن يُسأل عن شكر ما أنعم عليه. هـ. قلت: فكل مَن استعمل الأدب في تناول النعمة، بأن شَهِدَها من المنعِم بها، وذكر الله عند أخذها أو أَكْلِها, وشكر عند تمامها، فلا يتوجه إليه سؤال, أو يتوجه إظهاراً لمزيته وشرفه، وعليه يتنزّل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا من النعيم الذي تُسألون عنه"تفسير : في حديث أبي الهيثم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، أو بالعلوم الرسمية، عن التوجُّه إلى الله، لتحصيل معرفة العيان، حتى متُّم غافلين، كلاَّ سوف تعلمون عاقبةَ أمركم، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين، وتبقوا معاشر أهل الدليل مع عامة أهل اليمين، كلاَّ لو تعلمون علم اليقين؛ لتوجهتم إليه بكل حال, لَترون الجحيم، أي: نار القطيعة, ثم لَترونها عين اليقين، ثم لتُسألن يومئذ عن النعيم، هل قمتم بشكره أو لا، وشكره: شهود المنعِم في النعمة، فقد رأيتُ في عالم النوم شيخين كبيرين، فقلت لهما: ما حقيقة الشكر؟ فقال أحدهما: ألاَّ يُعصى بنعمه، فقلت: هذا شكر العوام، فما شكر الخواص؟ فسكتا، فقلت لهما: شكر الخواص: الاستغراق في شهود المنعِم. هـ. وهو كذلك؛ لأنَّ عدم العصيان بالنِعم يحصل من بعض الأبرار, كالعُبَّاد والزُهَّاد، بخلاف الاستغراق في الشهود، فإنه خاص بأهل العرفان، أهل الرسوخ والتمكين, وقد تقدّم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر {آلهاكم} ممدوداً، وروي عن الكسائي - بهمزتين - والمراد به الانكار وقرأ ابن عامر والكسائي {لترون} مضمومة التاء {ثم لترونها} مفتوحة التاء. الباقون بالفتح فيهما. قال أبو علي: وجه الضم أنهم يحشرون اليها فيرونها فى حشرهم إليها فيرونها، ولذلك قرأ الثانية بالفتح، كأنه أراد لترونها. ومن فتح فعلى انهم يرونها. وقوله {ثم لترونها} مثل الأول فى أنه من إبصار العين. وقيل: إن هذه السورة نزلت فى حيين من قريش، وهما بنو أسهم وبنو عبد مناف، تفاخروا حتى ذكروا الأموات، فقال الله تعالى مخاطباً لهم {ألهاكم التكاثر} فالالهاء الصرف إلى اللهو واللهو الانصراف إلى ما يدعو اليه الهوى، يقال: لها يلهو لهواً، ولهى عن الشيء، يلهي لهياً، ومنه قوله (إذا استأثر الله بشيء فاله عنه) والتكاثر التفاخر بكثرة المناقب، يقال: تكاثروا إذا تعادّوا ما لهم من كثرة المناقب، والمتفاخر متكبر لأنه تطاول بغير حق. فالتكاثر التباهي بكثرة المال والعدد. وقيل: ما زالوا يتباهون بالعز والكثرة حتى صاروا من أهل القبور وماتوا - ذكره قتادة -. وقوله {حتى زرتم المقابر} فالزيارة إتيان الموضع، كاتيان المأوى فى الالفة على غير اقامة، زاره يزوره زيارة، ومنه زوّر تزويراً إذا شبه الخط فى ما يوهم أنه خط فلان وليس به، والمزورة من ذلك اشتقت. وقيل فى معناه قولان: احدهما حتى ذكرتم الأموات. وقال الحسن: معناه حتى متم. وقوله {كلا سوف تعلمون، ثم كلا} معناه ارتدعو وانزجروا {سوف تعلمون} فى القبر {ثم كلا سوف تعلمون} بعد الموت - روي ذلك عن علي عليه السلام - وقيل إنه يدل على عذاب القبر. وقوله {كلا لو تعلمون علم اليقين} نصب {علم اليقين} على المصدر، ومعناه ارتدعوا وانزجروا، لو تعلمون علم اليقين، وهو الذي يثلج الصدر بعد اضطراب الشك ولهذا لا يوصف الله بأنه متيقن. وقوله {لترون الجحيم} يعني قبل دخولهم اليها فى الموقف. وقوله {ثم لترونها} بعد الدخول اليها. وقوله {عين اليقين} كقولهم هذا محض اليقين. والمعنى إنكم لو تحققتم وتيقنتم أنكم ترون الجحيم وأنكم إذا عصيتم وكفرتم عوقبتم، لشغلكم هذا عن طلب التكاثر فى الاموال فى الدنيا، ولا يجوز همز واو "لترون" لأنها واو الجمع ومثله، واو "لتبلون" لا تهمز. وقوله {ثم لتسئلن} يعني معاشر المكلفين {يومئذ عن النعيم} قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. وقال سعيد بن جبير وقتادة: النعيم فى المأكل والمشرب وغيرهما من الملاذ. وقال عبد الله بن مسعود ومجاهد: النعيم الصحة. وقال قوم: يسألهم الله عن كل نعمة. والفرق بين النعيم والنعمة أن النعمة كالانعام فى التضمين لمعنى منعم، أنعم انعاماً ونعمة، وكلاهما يوجب الشكر. والنعيم ليس كذلك، لانه من نعم نعيماً فلو عمل ذلك بنفسه لكان نعيماً لا يوجب شكراً. والنعمة - بفتح النون - من نعم - بضم العين - إذا لان. وقيل المعنى {لتسألن يومئذ عن النعيم} عن ولاية علي عليه السلام. وقيل: عن شرب الماء البارد. وقيل عن الأمن والصحة. وقيل عن النورة فى الحمام. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب.

الجنابذي

تفسير : {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} اى التّفاخر والتّغالب بكثرة المال والاولاد، او بكثرة العشائر والقبائل، او الاهتمام فى تكثير الاموال والاولاد، والى كلٍّ اشير فى الاخبار.

الأعقم

تفسير : النزول: وروي ان سورة {الهاكم} نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف، وبني سهم، تفاخروا أيّهم أكثر عدداً، فكثرهم بنو عبد مناف فقالت بنو سهم: ان البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالاحياء والأموات فكثرهم بنو سهم، والمعنى أنكم تكاثرتم بالاحياء حتى اذا استوعبتم عددهم صرتم الى المقابر فتكاثرتم بالأموات، وقيل: كانوا يزورون المقابر فيقولون: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان عند تفاخرهم. والمعنى: {ألهاكم} ذلك وهو مما لا يعنيكم في دنياكم وآخرتكم، أو أراد {ألهاكم التكاثر} بالأموات والأولاد أنَّى متم وقبرتم منفقين أعماركم في طلب الدنيا والاشتياق اليها والتهالك عليها، أي الى أن أتاكم الموت لا همّ لكم غيرها، وقيل: نزلت في فخذ من الانصار، وقيل: نزلت في اليهود، ومعنى ألهاكم: شغلكم التكاثر في الدنيا والحرص على جمعكم عما أمركم ربكم حتى مِتم وصرتم من أهل المقابر، وقيل: حتى متم على ذلك ولم تتوبوا، وقيل: {حتى زرتم المقابر} فقد زرتم المقابر والأموات {كلا} ردعٌ وزجرٌ، أي تقولوا ذلك، وأراد ازدجروا واشتغِلوا بما أمركم الله وقيل: معناه حقاً أنكم ستعلمون أن الأمر بخلاف ما ظننتم {سوف تعلمون} وعيدٌ لهم أي عن قريب تعلمون ما وعدتم، وقيل: تعلمون بطلان ما قلتم وما أنتم عليه {ثم كلا سوف تعلمون} قيل: ستعلمون في القبر ثم ستعلمون في الحشر بعد البعث، وعن علي: "ما زلنا نسأل عن عذاب القبر حتى نزلت الهاكم" قيل: {كلا سوف تعلمون} إذا رأيتم منازل الأبرار {ثم كلا سوف تعلمون} إذا رأيتم دار الفجار، وقيل: كرر تأكيداً ووعيداً، وقيل: تعلمون عند الناس ثم تعلمون في المحشر {كلا} ردعٌ وزجرٌ، وقيل: هو تأكيد في الوعيد، والعرب تؤكد بكلا وحقاً، وقيل: هو قسم {لو تعلمون علم اليقين} أي علماً يقيناً {لترون الجحيم} يعني القيامة {ثم لترونها عين اليقين} بالمشاهدة إذا دخلوها وعذبوا بها {ثم لتسألن يومئذ} أي يوم القيامة {عن النعيم} يعني عن النعم التي كنتم فيها في الدنيا، قيل: عن جميع أجناس النعم ديناً ودنيا كيف صنعتم فيها؟ وقيل: عن الحواس السليمة والماء البارد، وقيل: عن القرآن وشرائع الاسلام كيف عملتم؟ وقيل: عما أنعم عليكم بمحمد، وروي أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سئل عن ذلك فقال: "حديث : بيت يكفيك وخرقة تواري عورتك وكسرة تسد بها حلتك ما سوى ذلك عن النعيم" تفسير : وروي أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) "حديث : قرأ ألهاكم فقال: تكاثر الأموال جمعها ومنعها عن حقها {حتى زرتم المقابر} دخلتم قبوركم {كلا سوف تعلمون} حين تخرجون الى المحشر {كلا لو تعلمون علم اليقين} عند نشر الصحائف وشقي وسعيد {لترون الجحيم} {ثم لترونها عين اليقين} وذلك حين ينصب الصراط بين جسر جهنم {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} عن خمس: شبع البطون وبارد الشراب ولذة النوم وظِلال المساكن واعتدال الخلق" تفسير : وقيل: المآكل والمشارب وسائر الملاذ، وقيل: العافية عن علي (عليه السلام)، وقيل: عن الاسلام، وجميع ذلك داخل فيما ذكرنا انه يسأل عن نعم الدنيا والدين، واختلفوا أي سؤال هو فقيل: سؤال توبيخ وتقريع، وقيل: سؤال ليظهروا أعمالهم للخلق، وعن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انه قرأ ألهاكم التكاثر ثم قال: "حديث : يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ".

الهواري

تفسير : تفسير سورة ألهاكم، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} أي: في الدنيا عن الآخرة، وهو التكاثر في المال والولد. ذكروا عن مطرف بن عبد الله عن أبيه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه يقرأ هذه الآية: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} فقال: يقول ابن آدم مالي مالي. وما لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت، وهو أنفع لو دريت. ذكروا عن أبي الدرداء قال: إذا مات ابن آدم قالت الملائكة: ما قدّم، وقال بنو آدم: ما ترك. قوله عز وجل: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} أي: حتى متم. {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهذا وعيد بعد وعيد. {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} أي: إن علمكم ليس بعلم اليقين، يعني المشركين، وإن علم المؤمنين هو علم اليقين.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {أَلْهَاكُمُ} أشغلكم وأصله الصرف إلى اللهو والإدخال فيه تعدى بالهمزة وثلاثيه لازم وهو لها بمعنى غفل واشتغل فالهمزة زائدة للتعدية واللام فاء الكلمة وألهى فعل ماض والكاف مفعول والميم دليل الجماعة قال الدماميني وتوهم بعض الطلبة أن هاكم مبتدأ فسأل هل الداخلة عليه للعهد أو لماذا *{التَّكَاثُرُ} المفاخرة والمباهات بكثرة المال والولد والعدد والمناقب عن طاعة الله وما ينجيه من سخطه ومعلوم أن من اشتغل بشيء من أمور الدنيا فإنه يقدر ذلك من الآخرة قال الرازي ال في التكاثر للمعهود السابق في الذهن وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها فإنه هو الذي يمنع عن طاعة الله وعبوديته، ولما كان ذلك مقررا في العقول ومتفقا عليه في الأديان لا جرم حسن دخول حرف التعريف عليه فالآية دالة على أن التكاثر في الدنيا مذموم انتهى. وعن مطرف بن عبد الله عن أبيه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} وقال يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأبقيت أو أكلت فأفنيت وما لبست فأبليت، وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله"تفسير : ، وعن أبي الدرداء إذا مات ابن آدم قالت الملائكة ما قدم وقال بنو آدم ما ترك، وقرأ ابن عباس الهاكم بالمد استفهاما توبيخيا أو تقريريا وقرأ الكسائي في رواية عنه بهمزتين.

اطفيش

تفسير : {ألْهَاكُمُ} صرفكم عن الاشتغال بالعبادة وهو مأخوذ من اللهو وأصل اللهو الغفلة وشاع فى كل شغل وخص فى عرف الناس بالشغل الذى يسر المرء وهو قريب من اللعب، وفسره بعض بالإغفال أى صيركم التكاثر غافلين عن أمر الدين الذى هو أهم ما يشتغل به. {التَّكَاثُرُ} معاطاة كل أن يكون أكثر من الآخر مالا وولداً أو أن يكون أكثر ناساً، وفى الترمذى عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ هذه الآية ألهاكم التكاثر فقال حديث : يقول ابن آدم مالى وهل لك من مالك إلاَّ ما تصدقت فأَمضيت أو أكلت فأَفنيت أو لبست فأَبليتتفسير : ، وفى مسلم عن أنس بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد يتبعه ماله وأهله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله .

الالوسي

تفسير : {أَلْهَـٰكُمُ } أي شغلكم وأصل اللهو الغفلة ثم شاع في كل شاغل وخصه العرف بالشاغل الذي يسر المرء وهو قريب من اللعب ولذا ورد بمعناه كثيراً وقال الراغب اللهو ما يشغلك عما يعني ويهم وقيل وليس بذاك المراد به هنا الغفلة والمعنى جعلكم لاهين غافلين {ٱلتَّكَّاثُرُ } أي التباري في الكثرة والتباهي بها بأن يقول هؤلاء نحن أكثر وهؤلاء نحن أكثر.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة ذات إيقاع جليل رهيب عميق وكأنما هي صوت نذير، قائم على شرف عال. يمد بصوته ويدوي بنبرته. يصيح بنوّم غافلين مخمورين سادرين، أشرفوا على الهاوية وعيونهم مغمضة، وحسهم مسحور. فهو يمد بصوته إلى أعلى وأبعد ما يبلغ: {ألهاكم التكاثر. حتى زرتم المقابر}.. أيها السادرون المخمورون. أيها اللاهون المتكاثرون بالأموال والأولاد وأعراض الحياة وأنتم مفارقون. أيها المخدوعون بما أنتم فيه عما يليه. أيها التاركون ما تتكاثرون فيه وتتفاخرون إلى حفرة ضيقة لا تكاثر فيها ولا تفاخر.. استيقظوا وانظروا.. فقد {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر}. ثم يقرع قلوبهم بهول ما ينتظرهم هناك بعد زيارة المقابر في إيقاع رزين: {كلا سوف تعلمون}.. ويكرر هذا الإيقاع بألفاظه وجرسه الرهيب الرصين: {ثم كلا سوف تعلمون}. ثم يزيد التوكيد عمقاً ورهبة. وتلويحاً بما وراءه من أمر ثقيل. لا يتبينون حقيقته الهائلة في غمرة الخمار والاستكثار: {كلا لو تعلمون علم اليقين}.. ثم يكشف عن هذه الحقيقة المطوية الرهيبة: {لتروُنّ الجحيم}.. ثم يؤكد هذه الحقيقة ويعمق وقعها الرهيب في القلوب: {ثم لتروّنها عين اليقين}.. ثم يلقي بالإيقاع الأخير، الذي يدع المخمور يفيق، والغافل يتنبه، والسادر يتلفت، والناعم يرتعش ويرتجف مما في يديه من نعيم: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}! لتسألن عنه من أين نلتموه؟ وفيم أنفقتموه؟ أمن طاعة وفي طاعة؟ أم من معصية وفي معصية؟ أمن حلال وفي حلال؟ أم من حرام وفي حرام؟. هل شكرتم؟ هل أديتم؟ هل شاركتم؟ هل استأثرتم؟ {لتسألن} عما تتكاثرون به وتتفاخرون.. فهو عبء تستخفونه في غمرتكم ولهوكم ولكن وراءه ما وراءه من هم ثقيل! إنها سورة تعبر بذاتها عن ذاتها. وتلقي في الحس ما تلقي بمعناها وإيقاعها. وتدع القلب مثقلاً مشغولاً بهم الآخرة عن سفساف الحياة الدنيا وصغائر اهتماماتها التي يهش لها الفارغون! إنها تصور الحياة الدنيا كالومضة الخاطفة في الشريط الطويل.. {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر}.. وتنتهي ومضة الحياة وتنطوي صفحتها الصغيرة.. ثم يمتد الزمن بعد ذلك وتمتد الأثقال؛ ويقوم الأداء التعبيري ذاته بهذا الإيحاء. فتتسق الحقيقة مع النسق التعبيري الفريد.. وما يقرأ الإنسان هذه السورة الجليلة الرهيبة العميقة، بإيقاعاتها الصاعدة الذاهبة في الفضاء إلى بعيد في مطلعها، الرصينة الذاهبة إلى القرار العميق في نهايتها.. حتى يشعر بثقل ما على عاتقه من أعقاب هذه الحياة الوامضة التي يحياها على الأرض، ثم يحمل ما يحمل منها ويمضي به مثقلاً في الطريق! ثم ينشئ يحاسب نفسه على الصغير والزهيد!!!

ابن عاشور

تفسير : {ألهاكم} أي شغلكم عما يجب عليكم الاشتغالُ به لأن اللهو شغل يصرف عن تحصيل أمرٍ مهم. و{التكاثر}: تفاعل في الكثْر أي التباري في الإِكثار من شيء مرغوب في كثرته. فمنه تكاثر في الأموال، ومنه تكاثر في العَدد من الأولاد والأحلاف للاعتزاز بهم. وقد فسرت الآية بهما قال تعالى: { أية : وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين } تفسير : [سبأ: 35]. وقال الأعشى: شعر : ولستَ بالأكْثر منهم حَصًى وإنما العِزة للكَاثر تفسير : روى مسلم حديث : عن عبد الله بن الشِّخِّير قال: «انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: {ألهاكم التكاثر} قال: يقول ابنُ آدم مالي مالي، وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنَيْت أو لَبست فَأَبْلَيْت أو تصدقت فأمضَيْت» تفسير : فهذا جارٍ مجرى التفسير لمعنى من معاني التكاثر اقتضاه حال الموعظة ساعتئذ وتحتمله الآية. والخطاب للمشركين بقرينة غلظة الوعيد بقوله: {كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون} وقوله: { أية : لترون الجحيم } تفسير : [التكاثر: 6] إلى آخر السورة، ولأن هذا ليس من خُلق المسلمين يومئذ. والمراد بالخطاب: سادتُهم وأهلُ الثراء منهم لقوله: { أية : ثم لتسئلُنَّ يومئذٍ عن النعيم } تفسير : [التكاثر: 8]، ولأن سادة المشركين هم الذين آثاروا ما هم فيه من النعمة على التهمّم بتلقي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فتصدَّوا لتكذيبه وإغراء الدهماء بعدم الإِصغاء له. فلم يُذكَر المُلْهَى عنه لظهور أنه القرآن والتدبر فيه، والإِنصاف بتصديقه. وهذا الإِلهاء حصل منهم وتحقق كما دل عليه حكايته بالفعل الماضي. وإذا كان الخطاب للمشركين فلأن المسلمين يعلمون أن التلبس بشيء من هذا الخلق مذموم عند الله، وأنه من خصال أهل الشرك فيعلمون أنهم محذرون من التلبس بشيء من ذلك فيحذرون من أن يُلهيهم حب المال عن شيء من فعل الخير، ويتوقعون أن يفاجئهم الموت وهم لاهون عن الخير، قال تعالى يخاطب المؤمنين: { أية : اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته } تفسير : [الحديد: 20] الآية. وقوله: {حتى زرتم المقابر} غاية، فيحتمل أن يكون غاية لفعل {ألهاكم} كما في قوله تعالى: { أية : قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } تفسير : [طه: 91]، أي دَام إلهاء التكاثر إلى أن زرتم المقابر، أي استمرّ بكم طولَ حياتكم، فالغاية مستعملة في الإِحاطة بأزمان المغيَّا لا في تنهيته وحصول ضده لأنهم إذا صاروا إلى المقابر انقطعت أعمالهم كلها. ولكون زيارة المقابر على هذا الوجه عبارة عن الحلول فيها، أي قبورَ المقابر. وحقيقة الزيارة الحلول في المكان حلولاً غير مستمر، فأطلق فعل الزيارة هنا تعريضاً بهم بأن حلولهم في القبور يعقبه خروج منها. والتعبير بالفعل الماضي في {زُرتم} لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لأنه محقق وقوعه مثل: { أية : أتى أمرُ اللَّه } تفسير : [النحل: 1]. ويحتمل أن تكون الغاية للمتكاثر بهِ الدالِّ عليه التكاثُر، أي بكل شيء حتى بالقبور تعدونها. وهذا يجري على ما رَوَى مقاتل والكلبي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بكثرة السادة منهم، كما تقدم في سبب نزولها آنفاً، فتكون الزيارة مستعملة في معناها الحقيقي، أي زرتم المقابر لتَعُدُّوا القبور، والعرب يكنّون بالقبر عن صاحبه قال النابغة: شعر : لَئِنْ كان للقَبْرين قَبْرٍ بجِلَّقٍ وقَبر بصيداءَ الذي عند حَارِب تفسير : وقال عصام بن عُبيد الزّمَّاني، أو همّام الرَّقَاشي: شعر : لو عُدَّ قَبْرٌ وقبرٌ كُنتُ أقربَهم قبراً وأبْعَدَهم من مَنزِل الذَّام تفسير : أي كنتُ أقربهم منكَ قبراً، أي صاحبَ قبر. و{المقابر}: جمع مقبَرة بفتح الموحدة وبضمها. والمقبرة الأرض التي فيها قبور كثيرة. والتوبيخ الذي استُعمل فيه الخبر أُتبع بالوعيد على ذلك بعد الموت، وبحرف الزجر والإِبطال بقوله: {كلا سوف تعلمون} فأفاد {كلا} زجراً وإبطالاً لإِنهاء التكاثر. و{سوف} لتحقيق حصول العلم. وحدف مفعول {تعلمون} لظهور أن المراد: تعلمون سوء مَغَبَّة لهوكم بالتكاثر عن قبول دعوة الإِسلام. وأكد الزجر والوعيد بقوله: {ثم كلا سوف تعلمون} فعطف عطفاً لفظيّاً بحرف التراخي أيضاً للإِشارة إلى تراخي رتبة هذا الزجر والوعيد عن رتبة الزجر والوعيد الذي قبله، فهذا زجر ووعيد مماثل للأول لكن عطفه بحرف {ثم} اقتضى كونه أقوى من الأول لأنه أفاد تحقيق الأول وتهويله. فجملة: {ثم كلا سوف تعلمون} توكيد لفظي لجملة: {كلا سوف تعلمون} وعن ابن عباس: {كلا سوف تعلمون} ما ينزل بكم من عذاب في القبر: {ثم كلا سوف تعلمون} عند البعث أن ما وعدتم به صِدق، أي تُجعل كلَّ جملة مراداً بها تهديد بشيء خاص. وهذا من مُسْتَتْبَعات التراكيب والتعويل على معونة القرائن بتقدير مفعول خاص لكلِّ من فِعلي {تعلمون}، وليس تكرير الجملة بمقتضٍ ذلك في أصل الكلام. ومفاد التكرير حاصل على كل حال.

الشنقيطي

تفسير : ألهاكم: أي شغلكم، ولهاه: تلهيه، أي علله. ومنه قول امرئ القيس: شعر : فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول تفسير : أي شغلتها. والتكاثر: المكاثرة. ولم يذكر هنا في أي شيء كانت المكاثرة، التي ألهتهم. قال ابن القيم: ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء لا المتكاثر به وإما إرادة الإطلاق. 1هـ. ويعنى رحمة الله بالأول: ذم الهلع، والنهم. وبالثاني: ليعم كل ما هو صالح للتكاثر به، مال وولد وجاه، وبناه وغراس. ولم أجد لأحد من المفسرين ذكر نظير لهذه الآية. ولكنهم اتفقوا على ذكر سبب نزولها في الجملة، من أن حيين تفاخرا بالآباء وأمجاد الأجداد، فعددوا الأحياء، ثم ذهبوا إلى المقابر، وعدَّد كل منهما مالهم من الموتى يفخرون بهم، ويتكاثرون بتعدادهم. وقيل: في قريش بين بني عبد مناف وبني سهم. وقيل: في الأنصار. وقيل: في اليهود وغيرهم، مما يشعر بأن التكاثر كان في مفاخر الآباء. وقال القرطبي: الآية تعم جميع ما ذكره وغيره. وسياق حديث الصحيح: "حديث : لو أن لابن آدم وادياً من ذهب، لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". تفسير : قال ثابت: عن أنس عن أُبَيّ: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} [التكاثر: 1]. وكأن القرطبي يشير بذلك، إلى أن التكاثر بالمال أيضاً. وقد جاءت نصوص من كتاب الله تدل على أن التكاثر الذي ألهاهم، والذي ذمَّهم الله بسببه أو حذَّرهم منه، إنما هو في الجميع، كما في قوله تعالى: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} تفسير : [الحديد: 20] - إلى قوله - {أية : وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} تفسير : [الحديد: 20]. ففيه التصريح: بأن التفاخر والتكاثر بينهم في الأموال والأولاد. ثم جاءت نصوص أخرى في هذا المعنى كقوله: {أية : وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} تفسير : [الأنعام: 32]. وقوله: {أية : وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64]. ولكون الحياة الدنيا بهذه المثابة، جاء التحذير منها والنهي عن أن تلههم، وفي قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [المنافقون: 9]. وبين تعالى أن ما عند الله للمؤمنين خير من هذا كله في قوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} تفسير : [الجمعة: 11]. ومما يرجح أن التكاثر في الأموال والأولاد في نفس السورة، ما جاء في آخرها من قوله: {أية : ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} تفسير : [التكاثر: 8]، لمناسبتها لأول السورة. كما هو ظاهر بشمول النعيم للمال شمولاً أولياً. وقوله: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ}. أخذ منه من قال: أن تفاخرهم، حملهم على الذهاب إلى المقابر ليتكاثروا بأمواتهم، كما في أخبار أسباب النزول المتقدمة. والصحيح في زرتم المقابر: يعني متم: لأن الميت يأتي القبر كالزائر لأن وجوده فيه مؤقتاً. وقد روي: أن أعرابياً سمع هذه الآية، فقال: بعثوا ورب الكعبة، فقيل له في ذلك، فقال: لأن الزائر لا بد أن يرتحل. تنبيه قد بحث بعض العلماء مسألة زيارة القبور هنا لحديث: "حديث : كنت نهيتكم عن زيادة القبور، ألا فزوروها فإنها تزهِّد في الدنيا وتذكِّر في الآخرة ". تفسير : وقالوا: إن المنع كان عاماً من أجل ذكر مآثر الآباء والموتى، ثم بعد ذلك رخص في الزيارة، واختلفوا فيمن رخص له. فقيل: للرجال دون النساء لعدم دخولهن في واو الجماعة في قوله: "حديث : فزوروها ". تفسير : وقيل: هو عام للرجال وللنساء، واستدل كل فريق بأدلة يطول إيرادها. ولكن على سبيل الإجمال لبيان الأرجح، نورد نبذة من البحث. فقال المانعون للنساء: إنهن على أصل المنع، ولم تشملهن الرخصة، ومجيء اللعن بالزيارة فيهن. وقال المجيزون: إنهن يدخلن ضمناً في خطاب الرجال، كدخولهن في مثل قوله: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [البقرة: 43]، فإنهن يدخلن قطعاً. وقالوا: إن اللعن المنوه عنه جاء في الحديث بروايتين رواية: "حديث : لعن الله زائرات القبور ". تفسير : وجاء "حديث : لعن الله زوَّارات القبور والمتَّخذات عليهن السرج" تفسير : إلى آخره. فعلى صيغة المبالغة: زوَّارات لا تشمل مطلق الزيارة، وإنما تختص للمكثرات، لأنهن بالإكثار لا يسلمن من عادات الجاهلية من تعداد مآثر الموتى المحظور في أصل الآية. أما مجرد زيارة بدون إكثار ولا مكث، فلا. واستدلوا لذلك. بحديث حديث : عائشة رضي الله عنها لما ذكر لها صلى الله عليه وسلم، السلام على أهل البقيع، فقالت: "وماذا أقول يا رسول الله، إن أنا زرت القبور؟ قال: قولي: السلام عليكم آل دار قوم مؤمنين" تفسير : الحديث. فأقرها صلى الله عليه وسلم، على أنها تزور القبور وعلمها ماذا تقول إن هي زارت. وكذلك بقصة مروره على المرأة التي تبكي عند القبر فكلَّمها، فقالت: إليك عني: وهي لا تعلم من هو، فلما ذهب عنها قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءت تعتذر فقال لها، "حديث : إنما الصبر عند الصدمة الأولى ". تفسير : ولم يذكر لها المنع من زيارة القبور، مع أنه رآها تبكي. وهذه أدلة صريحة في السماح بالزيارة. ومن ناحية المعنى، فإن النتيجة من الزيارة للرجال من في حاجة إليها كذلك، وهي كون زيارة القبور تزهِّد في الدنيا وترغِّب في الآخرة. وليست هذه بخاصة في الرجال دون النساء، بل قد يكن أحوج إليه من الرجال. وعلى كل، فإن الراجح من هذه النصوص والله تعالى أعلم، هو الجواز لمن يكثرن ولا يتكلمن بما لا يليق، مما كان سبباً للمنع الأول، والعلم عند الله تعالى. تنبيه آخر من لطائف القول في التفسير، ما ذكره أبو حيان عن التكاثر في قوله: {أية : حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} تفسير : [التكاثر: 2]، ما نصه: وقيل هذا تأنيب على الإكثار من زيارة، تكثيراً بمن سلف وإشادة بذكره،حديث : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم قال "فزوروها" تفسير : أمر إباحة للاتعاظ بها، لا لمعنى المباهاة والتفاخر. ثم قال: قال ابن عطية: كما يصنع الناس في ملازمتها وتسنيمها بالحجارة والرخام وتلوينها شرفاً، وبيان النواويس عليها، أي الفوانيس، وهي السرج. ثم قال أبو حيان: وابن عطية: لم ير إلا قبور أهل الأندلس، فكيف لو رأى ما يتباهى به أهل مصر في مدافنهم بالقرافة الكبرى والقرافة الصغرى، وباب النصر وغير ذلك. وما يضيع فيها من الأموال، لتعجب من ذلك ولرأى ما لم يخطر ببال. وأما التباهي بالزيارة: ففي هؤلاء المنتمين إلى الصوفية أقوام ليس لهم شغل إلا زيارة القبور: زرت قبر سيدي فلان بكذا، وقبر فلان بكذا، والشيخ فلاناً بكذا، فيتذكرون أقاليم طافوها على قدم التجريد. وقد حفظوا حكايات عن أصحاب تلك القبور وأولئك المشايخ، بحيث لو كتبت لجاءت أسفاراً. وهم مع ذلك لا يعرفون فروض الوضوء ولا سننه. وقد سخر لهم الملوك وعوام الناس في تحسين الظن بهم وبذل المال لهم، وأما من شذ منهم لأنه يتكلم للعامة فيأتي بعجائب، يقولون: هذا فتح من العلم اللدني على الخضر. حتى إن من ينتمي إلى العلم، لما رأى رواج هذه الطائفة سلك مسلكهم، ونقل كثيراً من حكاياتهم، ومزج ذلك بيسير من العلم طلباً للمال والجاه وتقبيل اليد. ونحن نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لطاعته. 1هـ. بحروفه. وهذا الذي قاله رحمه الله من أعظم ما افتتن به المسلمون في دينهم ودنياهم معاً. أما في دينهم: فهو الغلو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم، صيانة للتوحيد، من سؤال غير الله. وأما في الدنيا فإن الكثير من هؤلاء يتركون مصالح دنياهم من زراعة أو تجارة أو صناعة، ويطوف بتلك الأماكن تاركاً ومضيعاً من يكون السعي عليه أفضل من نوافل العبادات. مما يلزم على طلبة العلم في كل مكان وزمان، أن يرشدوا الجهلة منهم، وأن يبينوا للناس عامة خطأ وجهل أولئك، وأن الرحيل لتلك القبور ليس من سنة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا كان من عمل الخلفاء الراشدين، ولا من عامة الصحابة ولا التابعين، ولا من عمل أئمة المذاهب الأربعة رحمهم الله. وإنما كان عمل الجميع زيارة ما جاورهم من المقابر للسلام عليهم والدعاء لهم، والأتعاظ بحالهم، والاستعداد لما صاروا إليه. نسأل الله الهداية والتوفيق، لاتّباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتفاء بآثار سلفة الأمة، آمين.

الواحدي

تفسير : {ألهاكم التكاثر}. {حتى زرتم المقابر} شغلكم التَّكاثر بالأموال والأولاد والعدد عن طاعة الله تعالى: {حتى زرتم المقابر}: حتى أدرككم الموت على تلك الحالة. نزلت في اليهود قالوا: نحن أكثرُ من بني فلانٍ، وبنو فلان أكثرُ من بني فلانٍ، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضُلالاً. {كلا} ليس الأمر الذي ينبغي أَنْ تكونوا عليه التَّكاثر {سوف تعلمون} عند النَّزع سوء عاقبة ما كنتم عليه. {ثمَّ كلا سوف تعلمون} سوء عاقبة ما كنتم عليه في القبر، والتَّكرير لتأكيد التَّهديد. [ {كلا لو تعلمون علم اليقين} أَيْ: لو علمتم الأمرَ حقَّ علمه لشغلكم ذلك عمَّا أنتم فيه، وجواب {لو} محذوف] ثمَّ ابتدأ فقال: {لترون الجحيم}. {ثم لترونها} تأكيدٌ أيضاً {عَيْنَ اليقين} عياناً لستم عنها بغائبين. {ثمَّ لتسألُنَّ يومئذ عن النعيم} عن الأمن والصَّحة فيما أفنيتموها.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1، 2- شغلكم عن الواجبات والطاعات تباهيكم بالأولاد والأنصار، وتفاخركم بالأموال والأحساب والأنساب حتى أصابكم الموت. 3- حقا سوف تعلمون عاقبة سفهكم وتفريطكم. 4- ثم حقا سوف تعلمون حتماً تلك العاقبة. 5- حقا لو تعلمون يقيناً سوء مصيركم لفزعتم من تكاثركم وتزودتم لآخرتكم. 6- أقسم لكم وأؤكد - أيها الناس - أنكم ستشاهدون النار الموقدة. 7- ثم أقسم وأؤكد أنكم ستشاهدونها عياناً ويقيناً. 8- ثم أقسم وأؤكد أنكم ستحاسبون على ألوان النعيم الذى أُترفتم فيه واستمتعتم به، ولم تؤدوا فيه حق لله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ألهاكم: أي شغلكم عن طاعة الله تعالى. التكاثر: أي التباهي بكثرة المال. حتى زرتم المقابر: أي تشاغلتم بجمع المال والتباهي بكثرته حتى متم ونقلتم إلى المقابر. كلا: أي ما هكذا ينبغي أن تفعلوا فارتدعوا عن هذا التكاثر. سوف تعلمون: أي إذا دخلتم قبوركم علمتم خطأكم في التكاثر في الأموال والأولاد. كلا: أي حقا. لو تعلمون علم اليقين: أي علما يقينيا عاقبة التكاثر لما تفاخرتم بكثرة أموالكم. لترون الجحيم: أي النار. يومئذ: أي يوم ترون الجحيم عين اليقين. عن النعيم: أي تنعمتم به وتلذذتم من الصحة والفراغ والأمن والمطاعم والمشارب. معنى الآيات: قوله تعالى {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} هذا خطاب الله تعالى للمشتغلين بجمع المال وتكثيره للمباهاة به والتفاخر الأمر الذي ألهاهم عن طاعة الله ورسوله فماتوا ولم يقدموا لأنفسهم خيراً فقال تعالى لهم ألهاكم أي شغلكم التكاثر أي في الأموال للتفاخر بها والمباهاة بكثرتها {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} أي بعد موتكم نقلتم إليها لتبقوا فيها إلى أن تخرجوا منها للحساب والجزاء أي يوم القيامة. وقوله لهم {كَلاَّ} أي ما هكذا ينبغي أن تفعلوا فارتدعوا عن هذا السلوك المفضي بكم إلى الهلاك والخسران سوف تعلمون عاقبة تشاغلكم عن طاعة الله وطاعة رسوله والتزود للدار الآخرة {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} كرّر الوعيد والتهديد. وقوله {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} أي حقا لو تعلمون ما تجدونه في قبوركم ويوم بعثكم ونشوركم لما تشاغلتم بالأموال وتكاثرتم فيها. وقوله {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} هذا جواب قسم نحو وعزتنا لترون الجحيم أي النار وذلك يوم القيامة المشرك يراها ويصلاها والمؤمن يراها وينجيه الله تعالى منها. ثم لترونها عين اليقين أي الأمر الذي لا شك فيه إذ يؤتى بجهنم فيراها أهل الموقف أجمعون وقوله {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ} أي يوم ترون الجحيم عين اليقين {عَنِ ٱلنَّعِيمِ} الذي كان لكم في الدنيا من صحة وفراغ وأمن وطعام وشراب. فمن أدى شكره نجا، ومن لم يؤد شكره أخذ به ولا يعفى إلا عن ثوب يستر العورة وكسرة خبز تسد الجوعة وجحر يكن من الحر والبرد وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمرو ابن التيهان "حديث : هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة يشير إلى بسر ورطب وماء بارد" تفسير : وصح أيضا "حديث : أنه لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ ". تفسير : هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التحذير من جمع المال وتكثيره مع عدم شكره وترك طاعة الله ورسوله من أجله. 2- إثبات عذاب القبر وتأكيده بقوله حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون أي في القبر. 3- تقرير عقيدة البعث وحتمية الجزاء بعد الحساب والاستنطاق والاستجواب. 4- حتمية سؤال العبد عن النعم التي أنعم الله تعالى عليه بها في الدنيا فإِن كان شاكرا لها فاز وإن كان كافرا لها أخذ والعياذ بالله.

القطان

تفسير : ألهاكم: شَغَلكم، واللهو ما يشغل الانسان ويُضيع وقته. التكاثُر: جمع الأموال والتفاخر والتباهي بحطام الدنيا. تكاثَرَ المالُ: كثر، وتكاثر القومُ: تفاخروا بكثرة العدد والمال. زرتم المقابر: مِتُّم ودخلتم القبور لوقتٍ محدَّد كأنه زيارة. علمَ اليقين: العلم الحقيقي. عَيْنَ اليقين: اليقين هو المؤكد الذي لا شكّ فيه. {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} أيّها الناس، لقد شَغَلكم الانهماكُ في جَمْعِ الأموالِ، والتفاخرُ والتّباهي بحُطامِ الدنيا ومتاعها، وكثرةُ الأَشياع والأولاد.. حتى نَسِيتم أنكم ستموتون وتُدفَنون في القبور، وغفلتُم عن أنكم إنما تمكثون فيها وقتاً محدَّداً ثم تُخْرَجون منها يومَ القيامة إلى الحسابِ والجزاء. ولذلك جاء التعبيرُ بقوله {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} يعني أن دُخولكم في القبرِ أشبهُ ما يكونُ بالزِيارة، ثم منه تُخْرَجون. ويفهم كثيرٌ من الناس من قوله {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} انه حضٌّ على زيارة القبور، وليس هذا هو المقصود. وفي صحيح مسلم: حديث : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ألهاكُم التكاثُر، ثم قال: يقولُ ابنُ آدم مالي ومالُك. يا ابنَ آدم، ليس لك من مالِكَ إلا ما أكلتَ فأفنيت، أو لبستَ فأبْلَيتَ، أو تصدَّقتَ فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهبٌ وتاركُه للناس. تفسير : وبعد تنبيه الناس لأن يستيقظوا ويعملوا صالحاً - جاء التوكيدُ على ان الناس سيُبْعَثون يوم القيامة، ويرون بأعينِهم جهنّم. وسوف يُسألون عن كل ما تنعّموا به في الدنيا فيقول: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ}. لقد كرّر كلمة كَلا ثلاثَ مرّات، وفي هذا زجرٌ وتهديد حتى يتنبّه الناسُ ويستيقظوا، فتنبَّهوا أيها الناسُ وسارِعوا الى الخيرات، اعملوا لربّكم ودِينكم وأُمتكم ومجتمعكم.. فسوف تَعْلَمون العِلم الذي لا شَكّ فيه يومَ تَرَوْنَ الجحيم. وأكد بأنهم سيرونها عِياناً ويقينا. اما كيف تتمّ هذه الرؤية، وكيف يكون ذلك اليوم.. فكلُّ هذا من الغيبِ الّذي يختلف عن واقِعنا وحياتنا الدنيا. ثم أكّد تعالى أنّ الناسَ سيُسألون ويحاسَبون. {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} ثَم لتُسْألُنَّ يا بني آدمَ عن كل ما أُوتيتم وما تمتّعتم به: من أين نِلْتُموه؟ وفِيمَ أنفقْتُموه؟ وهل أدّيتم ما وجَبَ عليكم؟ واللهُ أعلمُ بكل ذلك، لكنّه يَسألهم ليحاسِبَ الناسَ، فيجزي من شَكَرَ ويُعذّب من كفَر. قراءات: قرأ ابن عامر والكسائي: لتُرَوُنَّ بضم التاء. والباقون: بفتح التاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَلْهَاكُمُ} (1) - شَغَلَكُمُ التَّفَاخُرُ بِكَثْرَةِ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ وَالأَنْصَارِ وَالأَشْيَاعِ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، وَالعَمَلِ لَهَا. أَلْهَاكُمْ - شَغَلَكُمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ. التَّكَاثُرُ - التَّبَاهِي بِكَثْرَةِ المَالِ مَتَاعِ الدُّنْيَا.

الثعلبي

تفسير : {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} يقول: شغلتكم المباهاة والمفاخرة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربّكم وما ينجيكم من سخطه عليكم {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} أي مُتُّم فدفنتم فيها. قال قتادة: نزلت في اليهود قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضُلاّلا. وقال ابن بريدة: نزلت في فخذ من الأنصار تفاخروا. مقاتل والكلبي: نزلت في حيّين من قريش: بني عبد مناف وبني قصي، وبني سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب، كان بينهم لحاء فتعادّوا السادة والأشراف أيّهم أكثر فقال بنو عبد مناف: نحن أكثر سيّداً وأعزّ عزيزاً وأعظم نفراً وأكثر عدداً. وقال بنو سهم مثل ذلك فكثرهم بنو عبد مناف ثم قالوا: نعدّ موتانا حتى زاروا القبور فعدّوهم، وقالوا: هذا قبرُ فلان وهذا قبرُ فلان، فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات؛ لأنهم كانوا أكثر عدداً في الجاهلية فأنزل اللّه سبحانه هذه الآية. أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن جعفر، وأبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحبربان قالا: أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد بن [سفيان] قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مسيّب قال: حدّثنا النضر بن شميل قال: أخبرنا شعبة عن قتادة عن مطرف بن عبد اللّه عن النخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول اللّه (عليه السلام) وهو يقرأ هذه الآية: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} قال: حديث : يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت . تفسير : وروى زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب قال: ما زلنا نشكّ في عذاب القبر حتى نزلت {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} إلى {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} يعني في القبر. {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وعيد لهم {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} والتكرير على التأكيد، وقال الضحّاك: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} يعني الكفّار {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} يعني المؤمنين، وكذلك كان يقرأها: الأُولى بالتاء والثانية بالياء ثم {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} أي علماً يقيناً فأضاف العلم إلى اليقين لقوله سبحانه: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [الواقعة: 95] قال قتادة: كنّا نحدّث أن علم اليقين أن يعلم أن اللّه باعثه بعد الموت. {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ } يصلح أن يكون في معنى المضي جواباً ل (لو)، تقديره: لو تعلمون العلم اليقين لرأيتم الجحيم بقلوبكم، ثم رأيتموها بالعين اليقين. وقيل: معناه لو تعلمون علم اليقين لشغلكم عن التكاثر والتفاخر، ثم استأنف {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ} على نيّة القَسَم، وإلى هذا ذهب مقاتل، وقيل: معناه: لو علمتم يقيناً أنكم ترون النار لشغلكم ذلك عما أنتم فيه. وقيل: ذكر (كلاّ) ثلاث مرّات أرادَ: تعلمون عند النزوع، وتعلمون في القبر، وتعلمون في القيامة، ثم ذكر في الثالثة علم اليقين؛ لأنّه صار عياناً ما كان مُغيّباً. وقراءة العامّة لتُرونّ بضم التاء في الحرفين، وضَمَّ الكسائي التاء في الأُولى منهما وفتح الأُخرى، ورواه عن علي رضي الله عنه. أخبرنا محمد بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: أخبرني محمد بن الفضل عن عطاء عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي أنه قرأ {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا} بضم التاء الأُولى وفتح الثانية، وقال الفرّاء: الأول أشبه بكلام العرب؛ لأنّه تغليظ فلا ينبغي أن يختلف لفظه. {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} اختلفوا فيه وأكثروا، فأخبرنا أبو علي الحسين بن محمد ابن علي بن إبراهيم السراج بقراءتي عليه في الجامع يوم الجمعة في المحرم سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن علي بن مهران الخشّاب، قال حدّثنا علي بن سعيد العسكري قال: حدّثنا الحسين بن معاذ الأخفش مُستملي أبي حفص الفلاس قال: حدّثنا إبراهيم ابن أبي سويد الذارع قال: حدّثنا سويد أبو حاتم عن قتادة عن عبد اللّه بن سفيان عن أبي هريرة عن النبي (عليه السلام) {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال: "عن الماء البارد". وحدّثنا أبو الحسن محمد بن علي بن الحسين بن القيّم الحسني السُّني قال: حدّثنا أحمد ابن علي بن مهدي بن صدقة بالرملة قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا علي بن موسى الرضا قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي جعفر بن محمد قال: حدّثني أبي محمد بن علي، قال حدّثني أبي علي بن الحسين قال: حدّثني أبي الحسين بن علي قال: حدّثني أبي علي بن أبي طالب قال: قال رسول اللّه (عليه السلام) في قول سبحانه: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال: "حديث : الرطب والماء البارد ". تفسير : وقال عبد اللّه بن عمر: هو الماء البارد في الصيف، ودليل هذا التأويل الخبر المأثور: "أن أول ما يسأل اللّه سبحانه العبد يوم القيامة أن يقول له: ألم أصحّ جسمك وأروك من الماء البارد". وقال أنس بن مالك: حديث : ضاف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى المقداد بن الأسود فقدم إليه طعاماً فأكله ثم سقاه ماءً بارداً فاستطابه وقال: "يا بردها على الكبد"، ثم قال: "إذا شرب أحدكم الماء فليشرت أبرد ما يقدر عليه" قيل ولم؟ قال "أطيب للمعدة، وأنفع للعلّة، وأبعث على الشكر ". تفسير : وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريّا العنبري يقول: سمعت أبا العباس الأزهري يقول: سمعت أبا حاتم يقول: الماء البارد العذب يستخرج الحمد من جوف القلب. وقال مالك بن دينار: قال رجل للحسن: إنّ لنا جاراً لا يأكل الفالود ويقول: لا أقوم بشكره، فقال: ما أجهل جاركم بنعمة اللّه عليه بالماء البارد أكثر من نعمة بجميع الحلاوي! وأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال: أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن أحمد [بن محمد الرومي] قال: حدّثنا أبو حفص محمد بن حفص البصري قال: حدّثنا عبد اللّه بن سلمة بن عياش قال: حدّثنا الأشعث بن نزار عن قتادة عن عبد اللّه بن شقيق عن أبي هريرة أن النبي (عليه السلام) في قول اللّه جلّ ثناؤه {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال: "حديث : من أكل خبز البُرّ، وشرب الماء المبرّد، وكان له ظل، فذلك النعيم الذي يُسأل عنه ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني الوليد بن شجاع قال: حدّثنا محمد بن سعيد الأصبهاني عن ابن أبي ليلى عن الشعبي عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال: "حديث : الأمن والصحة ". تفسير : وأخبرني بن فنجويه قال: حدّثنا ابن برزة قال: حدّثنا محمد بن غالب بن حرب قال: حدّثني زكريّا بن يحيى الرقاشي المنقري قال: حدّثنا عبد اللّه بن عيسى بن خلف قال: حدّثنا يونس بن عبد عن عكرمة عن ابن عباس أنّه سمع عمر بن الخطاب يقول: حديث : خرج علينا رسول اللّه (عليه السلام) عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد فقال: "يا أبا بكر ما أخرجك في هذه الساعة ؟" قال: يا رسول اللّه أخرجني الذي أخرجك. قال: وجاء عمر فقال له رسول اللّه: "يا أبا الخطّاب ما أخرجك؟" قال: يا رسول اللّه الذي أخرجكما. وقعد معهما عمر قال: فأقبل رسول اللّه (عليه السلام) يحدّثهما ثم قال: "هل لكما من قوّة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعاماً وشراباً وظلاًّ؟" قلنا: نعم، قال: "مرّوا بنا إلى أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري" فتقدّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين أيدينا فاستأذن وسلّم عليهم ثلاث مرّات، وأُمّ الهيثم تسمع الكلام من وراء الباب، وتريد أن يزيدهم رسول اللّه (عليه السلام)، فلمّا أراد رسول اللّه (عليه السلام) أن ينصرف خرجت أُمّ الهيثم تسعى خلفهم فقالت: يا رسول اللّه لقد سمعت تسليمك ولكنّي أردت أن تزيدنا من سلامك. فقال لها رسول اللّه (عليه السلام): "أين أبو الهيثم؟" قالت: يا رسول اللّه هو قريب، ذهب يستعذب لنا من الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء اللّه. وبسطت لهم بساطاً تحت شجرة حتى جاء أبو الهيثم، ففرح بهم أبو الهيثم وقرّت عينه، وصعد أبو الهيثم على نخلة يصرم لهم عذقاً، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حسبك يا أبا الهيثم" قال: يا رسول اللّه تأكلون من بسره ومن رطبه وتذنوبه ثم أتاهم فشربوا عليه فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "هذا من النعيم الذي تُسألون عنه ". ثم قام أبو الهيثم إلى شاة لهم ليذبحها، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "إياك واللبون" وقامت أُمّ الهيثم تعجن لهم وتخبز فوضع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رؤوسهم للقائلة، فانتبهوا وقد أدرك طعامهم فوضع بين أيديهم الطعام فأكلوا وشبعوا وحمدوا اللّه عزّ وجلّ، ثم ردّ عليهم أبو الهيثم بقية الأعذاق فأكلوا من رطبه [ومن تذنوبه] فسلّم عليهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ودعا لهم بخير . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدّثنا أبو سعيد المؤذّن وهو محمد بن مسلم بن أبي للوضّاح عن محمد بن عمر عن صفوان بن سليم عن محمود بن لبيد قال: حديث : لمّا نزلت هذه الآية: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قالوا: يا رسول اللّه عن أيّ نعيم نُسأل وإنّما هما هذان الأسودان التمر والماء، وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: "إنّ ذاك لكائن ". تفسير : وأخبرنا الفنجوي قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عنّان قال: حدّثنا يزيد بن إبراهيم قال: أخبرنا يوسف ابن أخت ابن سيرين عن أبي قلابة حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول اللّه سبحانه: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال: "ناس من أُمّتي يعقدون السمن والعسل بالنقي فيأكلونه ". تفسير : وأخبرنا بن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد اللّه قال: أخبرنا هيثم قال: أخبرنا منصور بن زاذان عن ابن سيرين عن ابن عمر قال: لا يدخل الحمّام فإنّه ممّا أحدثوا من النعيم، قال: وكان منصور لا يدخل الحمّام. وأخبرني الحسين قال: حدّثنا [أحمد بن جعفر بن حمدان] قال: حدّثنا محمود بن الفرج قال: حدّثنا ابن أبي الشوارب قال: حدّثنا أبو عوانة عن ابراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد اللّه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "حديث : إن اللّه سبحانه ليعدد نعمه على العبد في المصدر: [يوم القيامة حتى يعد عليه]: سألتني فلانة أن أزوجكها، يسمّيها باسمها فزوجتكها ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن صقلاب قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب قال: حدّثني محمد بن عيسى قال: حدّثنا فضل بن سهل قال: حدّثنا حفص بن عمر قال: حدّثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: حديث : لمّا نزلت {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قالت الصحابة: يا رسول اللّه وأي نعيم نحن فيه. وإنما نأكل في أنصاف بطوننا الشبع؟ فأوحى اللّه سبحانه إلى نبيّه: قل لهم: "أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا أبو زرعة الرازي قال: حدّثنا أبو الحسن الأشناني القاضي قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد الخراز قال: حدّثني أبي قال: حدّثني محمد بن مروان عن أبان بن تغلب عن أنس بن مالك قال: حديث : لما نزلت {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} جاء رجل محتاج فقال: يا رسول اللّه هل عليّ من النعمة شيء؟ قال: "نعم، النعلان، والظل، والماء البارد ". تفسير : وأخبرنا محمد بن محمد بن هانئ قال: حدّثنا أبو عبد اللّه محمد بن محمد الرواساني قال: حدّثنا أبو سعيد الأشجّ قال: حدّثنا ابن نمير عن ابن جريج عن مجاهد {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال: عن كل لذّة من لذات الدنيا. وأنبأني عبد اللّه بن حامد، قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: حدّثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى قال: حدّثنا يحيى بن يحيى قال: حدّثنا أبو عامر بن أُساف اليمامي عن يحيى وهو عبد لابن أبي كثير قال: حديث : قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} على أصحابه فلمّا بلغ {لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال: "هل تدرون ما ذاك النعيم؟" قالوا: اللّه ورسوله أعلم. قال: "بيت يقلّك، وخرقة تواري عورتك، وكسرة تشدُ بها صلبك ما سوى ذلك نعيم ". تفسير : وأخبرنا عبد اللّه بن حامد إجازة قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى المكّي قال: حدّثني أبو بكر محمد بن جعفر المقري بشمشاط قال: حدّثنا أحمد بن سفيان بن علقمة بن عبد اللّه المقدمي قال: حدّثنا عمرو بن خالد قال: حدّثنا النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس قال: حديث : قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} قال: "تكاثر الأموال: جمعها من غير حقّها، ومنعها عن حقّها، وشدّها في الأوعية، {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} حتى دخلتم قبوركم {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} لو قد دخلتم قبوركم {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} لو قد تطايرت الصُحف فشقيٌّ وسعيد {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ} {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} قال: وذلك حين يؤتى بالصراط فينصب بين حفرتي جهنم {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} قال عن خمس: عن شبع البطون، وبارد الشراب، ولذّة النوم، وظلال المساكن، واعتدال الخلق ". تفسير : وأخبرنا عبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد اللّه قال: حدّثنا محمد بن عبد اللّه قال: حدّثنا الحسن بن زياد قال: حدّثنا أبو خلد الأحمر عن مفضل عن مغيرة عن إبراهيم قال: من أكل فسمّى اللّه وفرغ فحمد اللّه لم يسئل عن نعيم ذلك الطعام. وقال ابن عباس: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، قال: يسأل اللّه العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 36]، أبو جعفر: العافية. وأنبأني عقيل قال: أخبرنا المعافى قال: أخبرنا ابن جرير قال: أخبرنا بن حميد قال: حدّثنا مهران عن إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن الحرث التميمي عن ثابت البناني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : النعيم المسؤول عنه يوم القيامة: كسرة تقوّيه، وماء يرويه، وثوب يواريه ". تفسير : وبه عن مهران عن سفيان عن بكر بن [عتيق] العامري قال: أُتي سعيد بن جبير بشربة عسل فقال: أما إنّ هذا من النعيم الذي يُسئل عنه. وقال محمد بن كعب: يعني عمّا أنعم عليكم بمحمد (عليه السلام)، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه {أية : يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} تفسير : [النحل: 83]، عكرمة: عن الصحة والفراغ. سعيد بن جبير: عن الصحة والفراغ والمال، ودليله ما روى ابن عباس عن النبي (عليه السلام) أنّه قال: "حديث : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ". تفسير : وقال عروة بن محمد: كنّا مع وهب بن منبه فرأينا رجلا أصمّ أعمى مقعداً مجذوماً مصاباً فقلنا: هل بقي على هذا شيءٌ من النعيم؟ قال: نعم، أعظمه بشبعه ما يأكل ويشرب ويسهل عليه إذا خرج لذلك. قال بكر عن عبد اللّه المزني: يالها من نعمة يأكل لذّة ويخرج سرجاً. أبو العالية: عن الإسلام والستر. الحسين بن الفضل: تخفيف الشرايع وتيسير القرآن. أبو بكر الورّاق: عن الآلاء والنعماء.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {أَلْهَاكُمُ} الإِلهاء: الشغل والانصراف عن الشيء الهام إِلى ما يدعو إِليه الهوى، وأصل اللهو الغفلةُ ثم شاع في كل شاغلٍ قال الراغب: اللهو ما يشغلك عما يعني ويهمُّ {ٱلتَّكَّاثُرُ} التباهي بكثرة المال والجاه وهو بمعنى المكاثرة {ٱلْمَقَابِرَ} القبور جمع مقبرة، والقبور جمع القبر قال الشاعر: شعر : أرى أهل القُصور إِذا أُميتوا بَنَوْا فوق المقابر بالصخور أبو إِلاّ مباهاةً وفخراً على الفقراء حتى في القبور تفسير : التفسِير: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} أي شغلكم أيها الناسُ التفاخر بالأموال والأولاد والرجال عن طاعة الله، وعن الاستعداد للآخرة {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} أي حتى أدرككم الموت، ودفنتم في المقابر، والجملةُ خيرٌ يراد به الوعظ والتوبيخ قال القرطبي: المعنى شغلكم المباهاة بكثرة المال والأولاد عن طاعة الله، حتى مُتُّم ودفنتم في المقابر {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} زجرٌ وتهديدٌ أي ارتدعوا أيها الناس وانزجروا عن الاشتغال بما لا ينفع ولا يفيد، فسوف تعلمون عاقبة جهلكم وتفريطكم في جنب الله، وانشغالكم بالفاني عن الباقي {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وعيدٌ إِثر وعيد، زيادة في الزجر والتهديد أي سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إِذا نزل بكم الموت وعاينتم أهواله وشدائده قال ابن عباس: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} ما ينزل بكم من العذاب في القبر {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي في الآخرة إِذا حلَّ بكم العذاب {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} أي ارتدعوا وانزجروا فلو علمتم العلم الحقيقي الذي لا شك فيه ولا امتراء، وجواب {لَوْ} محذوفٌ لقصد التهويل أي لو عرفتم ذلك لما ألهاكم التكاثر بالدنيا عن طاعة الله، ولما خُدعتم بنعيم الدنيا عن أهوال الآخرة وشدائدها كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً"تفسير : الحديث قال في التسهيل: وجوابُ {لَوْ} محذوفٌ تقديره: لو تعلمون لازدجرتم واستعددتم للآخرة، وإِنما حذف لقصد التهويل، فيقدر السامع، أعظم ما يخطر بباله كقوله تعالى {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [الأنعام: 27] {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ} أي أُقسم وأؤكد بأنكم ستشاهدون الجحيم عياناً ويقيناً قال الألوسي: هذا جواب قسم مضمر، أكد به الوعيد، وشدَّد به التهديد، وأوضح به ما أنذروه بعد إِبهامه تفخيماً أي والله لترون الجحيم {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} أي ثم لترونها رؤية حقيقية بالمشاهدة العينية قال في البحر: زاد التوكيد بقوله {عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} أي ثم لتسألنَّ في الآخرة عن نعيم الدنيا من الأمن والصحة، وسائر ما يُتلذذ به من مطعم، ومشرب، ومركب، ومفرش. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الوعظ والتوبيخ {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} فقد خرج الخبر عن حقيقته إِلى التذكير والتوبيخ. 2- التكرار للتهديد والإِنذار {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وعطفه بـ {ثُمَّ} للتنبيه على أن الثاني أبلغ من الأول، كما يقول العظيم لعبده: أقول لك ثم أقول لك لا تفعل، ولكونه أبلغ نُزّل منزلة المغايرة فعطف بثم. 3- حذف جواب {لَوْ} للتهويل {لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} أي لرأيتم ما تشيب له الرءوس، وتفزع له النفوس من الشدائد والأهوال. 4- الإِطناب بتكرار الفعل {لَتَرَوُنَّ} {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا} لبيان شدة الهول. 5- الكناية {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} كنَّى عن الموت بزيارة القبور والمراد حتى مُتُّم. 6- المطابقة بين {ٱلنَّعِيمِ.. ٱلْجَحِيمَ}. 7- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات وهو من المحسنات البديعية. تنبيه: روى الترمذي عن عبد الله بن الشخِّير قال: حديث : انتهيت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} فقال: "يقول ابن آدم مالي، مالي، وهل لك من مالك إِلا ما أكلت فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأمضيت" "؟ تفسير : لطيفَة: روى مسلم عن أبي هريرة قال: "حديث : خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإِذا هو بأبي بكر وعمر، فقال صلى الله عليه وسلم ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوعُ يا رسول الله، قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما! فقوموا فقاموا معه، فأتى رجلاً من الأنصار فإِذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين فلان! قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إِذ جاء الأنصاري فنظر إِلى رسول الله وصاحبيه ثم قال: الحمد لله ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافاً مني، فانطلق فجاءهم بعذق - عنقود - فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا، وأخذ المدية - السكين - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِياك والحلوب! فذبح لهم شاة فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذْق وشربوا، فلما شبعوا ورَووْا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتسألنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم ".

زيد بن علي

تفسير : عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} معناه أَنسَاكُمْ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها ظاهرة وسبب نزولها فيما روي أنه كان بين بني بن سهم وبني عبد مناف لحاء فتعادوا الاشراف الاحياء أيهم أكثر فكثرهم بنو عبد مناف ثم تعادوا بالأموات فكثرهم بنو سهم لأنهم كانوا أكثر عدداً في الجاهلية وألهاكم شغلكم المعنى أنكم تكاثرتم بالاحياء حتى استوعبتم عددهم وسمع بعض الأعراب {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} فقال: بعث القوم للقيامة وربع الكعبة فإِن الزائر منصرف لا مقيم وقال علي كرم الله وجهه: كلا سوف تعلمون في القبور. {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} في البعث غاير ما بينهما بحسب التعلق وتبقى ثم على بابها من المهلة في الزمان. {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ} أي ما بين أيديكم مما تقدمون عليه وجواب له محذوف تقديره ما {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} واللام في لترون جواب قسم محذوف والجملة بعدها تأكيد لها ونص على قوله: {عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} رفعاً للمجاز الذي قبله. {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} الظاهر العموم في النعيم وهو كل ما يتلذذ به من مطعم ومشرب ومفرش ومركب فالمؤمن يسأل سؤال إكرام وتشريف والكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع.

الجيلاني

تفسير : {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} [التكاثر: 1] أي: شغلتكم المفاخرة والمباهاة بكثرة الأموال والأولاد أيها المنهمكون في بحر الغفلة والضلال عن توحيد ربكم وطاعته، وكنتم على هذا طول عمركم. {حَتَّىٰ زُرْتُمُ} ولحقتم {ٱلْمَقَابِرَ} [التكاثر: 2] وصرتم أمواتاً مثلهم، وما صدر عنكم، وما جُبلتم لأجله طول دهركم. ثمَّ قال سبحانه؛ ردعاً لهم وتهديداً: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 3] أن أمركم وشأنكم ما هذا التفاخر والتكاثر، وستعلمون ما يترتب عليها. {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 4] أن الأمر ليس هذا، كرره؛ تأكيداً ومبالغة في التهديد والوعيد، وتهويلاً للوعود.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا أيها المتكاثر المتفاخر بكثرة القبائل والعشائر، اللاهي بالأموات في المقابر عن الحي الذي يطَّلع على الصغائر والكبائر، اعلم أن قالبك قبرك المدفون والقوى التي تتشعب من قالبك هي قبائلك وعشائرك القريبة إلى نفسك الأمارة، ونفسك أبداً تتفاخر بتلك القوى، وبها تستمد وتبارز القوى القلبية والروحية، وتشتهي أن تغلب عليها وتباشرها وتستخدمها القوى القالبية، وتسترد فيها القوى النفسية، فإذا انتشرت من غير قالبك وحشرت في الموقف العظيم وشاهدت القوى القلبية والروحية؛ أي: لما يخاصمونك، والحق يأخذ بظلمك الذي ظلمت عليه، ولا مفر ولا مهرب [من] عذبه لا يعذب بها أحد إلا الذي كان عمله مثل عملك؛ ولأجل هذا قال في كتابه تعالى: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 1-3] بعد النشر. {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 4] ما في الموقف {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} [التكاثر: 5] اليوم ما ادخرتم لأنفسكم من العذاب المهين، {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ} [التكاثر: 6] التي استقررتموها بظلمكم على القوى القلبية والروحية. {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} [التكاثر: 7] ما كوشفتم من قبل بعلم اليقين، {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} [التكاثر: 8] القالبي العاجلي الفاني، الذي ألهاكم عن النعيم الآجل الباقي للسالك إذا اشتغل بالسلوك يكشف عليه أحوال الموت والقبر، والنشر والحشر، والموقف والحساب، والصراط والجنة والجحيم بطريق المكاشفة، بحيث يراها علم اليقين، ثم إذا أشرقت أرضها باطنة بتولد ربه، يشاهد بعين اليقين جميع ما يكاشف به بطريق اليقين. وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"،تفسير : ومن به يطلع اليوم على أحواله يعسر عليه الأمر غداً جداً، ولا تنفعه الحسرة حقاً، ولا يزيد إلا عذاباً صعداً. فاجتهدوا أيها الساعين في كشف غطائكم بذكر ربكم، {أية : وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}تفسير : [فاطر: 5]، أما تسمعون ما يقول ربكم تعالى: {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ}تفسير : [الانفطار: 6]. واعلم أن في قالبك أربع قيامات: ترابية ومائية وهوائية ونارية، فاجتهد اليوم في الذكر فربما تشاهد هذه القيامات قبل أن تقوم القيامة الوسطى والكبرى، وتقف في هذه المواقف في القيامة الصغرى وتحاسب نفسك فيها وتتخلص فيها؛ لئلا تعد في القيامة الوسطى ولا الكبرى بعد نزع الآلات والأدوات والاستعدادات والأقاويل عليك، [و] الملاهي بالباطل عن الحق الغافل عن الموت، الشاغل قواك باللهو والهزل، المشتغل بالأموات المشتغل في صدرك سمات حسرة الفوت. اللهم نبهنا من نومة الغافلين، واجعلنا من المستيقظين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى موبخًا عباده عن اشتغالهم عما خلقوا له من عبادته وحده لا شريك له، ومعرفته، والإنابة إليه، وتقديم محبته على كل شيء: { أَلْهَاكُمُ } عن ذلك المذكور { التَّكَاثُرُ } ولم يذكر المتكاثر به، ليشمل ذلك كل ما يتكاثر به المتكاثرون، ويفتخر به المفتخرون، من التكاثر في الأموال، والأولاد، والأنصار، والجنود، والخدم، والجاه، وغير ذلك مما يقصد منه مكاثرة كل واحد للآخر، وليس المقصود به الإخلاص لله تعالى. فاستمرت غفلتكم ولهوتكم [وتشاغلكم] { حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } فانكشف لكم حينئذ الغطاء، ولكن بعد ما تعذر عليكم استئنافه. ودل قوله: { حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } أن البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية، أن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين. فدل ذلك على البعث والجزاء بالأعمال في دار باقية غير فانية، ولهذا توعدهم بقوله: { كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } أي: لو تعلمون ما أمامكم علمًا يصل إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة. ولكن عدم العلم الحقيقي، صيركم إلى ما ترون، { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ } أي: لتردن القيامة، فلترون الجحيم التي أعدها الله للكافرين. { ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ } أي: رؤية بصرية، كما قال تعالى: {أية : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا }. تفسير : { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } الذي تنعمتم به في دار الدنيا، هل قمتم بشكره، وأديتم حق الله فيه، ولم تستعينوا به، على معاصيه، فينعمكم نعيمًا أعلى منه وأفضل. أم اغتررتم به، ولم تقوموا بشكره؟ بل ربما استعنتم به على معاصي الله فيعاقبكم على ذلك، قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } تفسير : الآية.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} 715- أنا أحمد بن مصرِّف بن عمرو، نا زيد بن حُباب، نا شداد بن سعيد، نا غيلان بن جرير، عن مطرف بن عبد الله، عن أبيه، قال: حديث : جئت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ} حتى ختمها . تفسير : 716- أنا محمد بن عمرو، نا يحيى بن سعيد، نا شعبة، عن قتادة، عن مطرف، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ [1] حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ [2]} قال: "حديث : يقول ابن آدم مالي مالي، وإنَّما لك من مالِكَ ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت ". تفسير : 717- أنا محمد بن يحيى: أبو علي، نا عبد الله بن عثمان، عن أبي حمزة، عن عبد الملك بن عُمير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا والذي نفسي بيده النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: الظِّل البارد، والرُّطب البارد، عليه الماء البارد ". تفسير : - مختصر.

همام الصنعاني

تفسير : 3691- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ}: [الآية: 1]، قال: قالوا نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، فألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً.