Verse. 6205 (AR)

١٠٨ - ٱلْكَوْثَر

108 - Al-Kawthar (AR)

اِنَّاۗ اَعْطَيْنٰكَ الْكَوْثَرَ۝۱ۭ
Inna aAAtaynaka alkawthara

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا أعطيناك» يا محمد «الكوثر» هو نهر في الجنة هو حوضه ترد عليه أمته، والكوثر: الخير الكثير من النبوَّة والقرآن والشفاعة ونحوها.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه السورة على اختصارها فيها لطائف: إحداها: أن هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، وذلك لأن في السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأمور أربعة: أولها: البخل وهو المراد من قوله: {أية : يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } تفسير : [الماعون:2،3] الثاني: ترك الصلاة وهو المراد من قوله: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ }تفسير : [الماعون:5] والثالث: المراءاة في الصلاة هو المراد من قوله: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ }تفسير : [الماعون:6] والرابع: المنع من الزكاة وهو المراد من قوله: {أية : وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ }تفسير : [الماعون:7] فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعة، فذكر في مقابلة البخل قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } أي إنا أعطيناك الكثير، فأعط أنت الكثير ولا تبخل، وذكر في مقابلة: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } قوله: {فَصَلِّ} أي دم على الصلاة، وذكر في مقابلة: {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ } قوله: {لِرَبّكِ } أي ائت بالصلاة لرضا ربك، لا لمراءاة الناس، وذكر في مقابلة: {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ } قوله: {وَٱنْحَرْ } وأراد به التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة، ثم ختم السورة بقوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ } أي المنافق الذي يأتي بتلك الأفعال القبيحة المذكورة في تلك السورة سيموت ولا يبقى من دناه أثر ولا خبر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل. والوجه الثاني: في لطائف هذه السورة أن السالكين إلى الله تعالى لهم ثلاث درجات: أعلاها أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله وثانيها: أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية وثالثها: أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانصباب إلى اللذات المحسوسة والشهوات العاجلة، فقوله: { إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } إشارة إلى المقام الأول وهو كون روحه القدسية متميزة عن سائر الأرواح البشرية بالكم والكيف. أمابالكم فلأنها أكثر مقدمات، وأما بالكيف فلأنها أسرع انتقالاً من تلك المقدمات إلى النتائج من سائر الأرواح، وأما قوله: {فَصَلّ لِرَبّكَ } فهو إشارة إلى المرتبة الثانية، وقوله: {وَٱنْحَرْ } إشارة إلى المرتبة الثالثة، فإن منع النفس عن اللذات العاجلة جار مجرى النحر والذبح، ثم قال: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ } ومعناه أن النفس التي تدعوك إلى طلب هذه المحسوسات والشهوات العاجلة، أنها دائرة فانية، وإنما الباقيات الصالحات خير عند ربك، وهي السعادات الروحانية والمعارف الربانية التي هي باقية أبدية. ولنشرع الآن في التفسير قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } اعلم أن فيه فوائد: الفائدة الأولى: أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور، وكالأصل لما بعدها من السور. أما أنها كالتتمة لما قبلها من السور، فلأن الله تعالى جعل سورة وَٱلضُّحَىٰ في مدح محمد عليه الصلاة والسلام وتفصيل أحواله، فذكر في أول السورة ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته أولها: قوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ }، وثانيها: قوله: {أية : وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأَولَىٰ }تفسير : [الضحى:4] وثالثها: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } ثم ختم هذه السورة بذكر ثلاثة أحوال من أحواله عليه السلام فيما يتعلق بالدنيا وهي قوله: {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَاوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَىٰ }تفسير : . [الضحى:6-8] ثم ذكر في سورة: {أَلَمْ نَشْرَحْ } أنه شرفه بثلاثة أشياء أولها: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } وثانيها: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ }، وثالثها: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }. ثم إنه تعالى شرفه في سورة: التين بثلاثة أنواع من التشريف أولها: أنه أقسم ببلده وهو قوله: { وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ }، وثانيها: أنه أخبر عن خلاص أمته عن النار وهو قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }، وثالثها: وصولهم إلى الثواب وهو قوله: {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ }. ثم شرفه في سورة اقرأ بثلاثة أنواع من التشريفات أولها: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } أي اقرأ القرآن على الحق مستعيناً باسم ربك وثانيها: أنه قهر خصمه بقوله: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ }، وثالثها: أنه خصه بالقربة التامة وهو: {وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب }. وشرفه في سورة القدر بليلة القدر التي لها ثلاثة أنواع من الفضيلة أولها: كونها: خَيْرًا مّن أَلْفِ شَهْرٍ، وثانيها: نزول: ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا وثالثها: كونها: سَلاَماً حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ. وشرفه في سورة: لَمْ يَكُنِ بأن شرف أمته بثلاثة تشريفات أولها: أنهم: خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ وثانيها: أن جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتُ، وثالثها: رضا الله عنهم. وشرفه في سورة إذا زلزلت بثلاث تشريفات: أولها: قوله: {يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا } وذلك يقتضي أن الأرض تشهد يوم القيامة لأمته بالطاعة والعبودية والثاني: قوله: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ } وذلك يدل على أنه تعرض عليهم طاعاتهم فيحصل لهم الفرح والسرور، وثالثها: قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } ومعرفة الله لا شك أنها أعظم من كل عظيم فلا بد وأن يصلوا إلى ثوابها ثم شرفه في سورة العاديات بأن أقسم بخيل الغزاة من أمته فوصف تلك الخيل بصفات ثلاث: {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً فَٱلْمُغِيرٰتِ صُبْحاً }. ثم شرف أمته في سورة القارعة بأمور ثلاثة أولها: فمن ثقلت موازينه وثانيها: أنهم في عيشة راضية وثالثها: أنهم يرون أعداءهم في نار حامية. في شرفه ثم سورة الهاكم بأن بين أن المعرضين عن دينه وشرعه يصيرون معذبين من ثلاثة أوجه أولها: أنهم يرون الجحيم وثانيها: أنهم يرونها عين اليقين وثالثها: أنهم يسألون عن النعيم. ثم شرف أمته في سورة والعصر بأمور ثلاثة أولها: الإيمان: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }، وثانيها: {وعملوا الصالحات} وثالثها: إرشاد الخلق إلى الأعمال الصالحة، وهو التواصي بالحق، والتواصي بالصبر. ثم شرفه في سورة الهمزة بأن ذكر أن من همز ولمز، فله ثلاثة أنواع من العذاب أولها: أنه لا ينتفع بدنياه البتة، وهو قوله: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ } وثانيها: أنه ينبذ في الحطمة، وثالثها: أنه يغلق عليه تلك الأبواب حتى لا يبقى له رجاء في الخروج، وهو قوله: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ }. ثم شرف في سورة الفيل بأن رد كيد أعدائه في نحرهم من ثلاثة أوجه أولها: جعل كيدهم في تضليل وثانيها: أرسل عليهم طير أبابيل وثالثها: جعلهم كعصف مأكول. ثم شرفه في سورة قريش بأنه راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه أولها: جعلهم مؤتلفين متوافقين لإيلاف قريش وثانيها: أطعمهم من جوع وثالثها: أنه آمنهم من خوف. وشرفه في سورة الماعون، بأن وصف المكذبين بدينه بثلاثة أنواع من الصفات المذمومة أولها: الدناءة واللؤم، وهو قوله: {يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } وثانيها: ترك تعظيم الخالق، وهو قوله: {عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ *ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ } وثالثها: ترك انتفاع الخلق، وهو قوله: {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ }. ثم إنه سبحانه وتعالى لما شرفه في هذه السور من هذه الوجوه العظيمة، قال بعدها: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } أي إنا أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة المذكورة في السوره المتقدمة التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها، فاشتغل أنت بعبادة هذا الرب، وبإرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم، أما عبادة الرب فإما بالنفس، وهو قوله: {فَصَلّ لِرَبّكَ } وإما بالمال، وهو قوله: {وَٱنْحَرْ } وأما إرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم في دينهم ودنياهم، فهو قوله: { يأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } فثبت أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور، وأما أنها كالأصل لما بعدها، فهو أنه تعالى يأمره بعد هذه السورة بأن يكفر جميع أهل الدنيا بقوله: {قُلْ يأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } ومعلوم أن عسف الناس على مذاهبهم وأديانهم أشد من عسفهم على أرواحهم وأموالهم، وذلك أنهم يبذلون أموالهم وأرواحهم في نصرة أديانهم، فلا جرم كان الطعن في مذاهب الناس يثير من العداوة والغضب مالا يثير سائر المطاعن، فلما أمره بأن يكفر جميع أهل الدنيا، ويبطل أديانهم لزم أن يصير جميع أهل الدنيا في غاية العداوة له، وذلك مما يحترف عنه كل أحد من الخلق فلا يكاد يقدم عليه، وانظر إلى موسى عليه السلام كيف كان يخاف من فرعون وعسكره. وأما ههنا فإن محمداً عليه السلام لما كان مبعوثاً إلى جميع أهل الدنيا، كان كل واحد من الخلق، كفرعون بالنسبة إليه، فدبر تعالى في إزالة هذا الخوف الشديد تدبيراً لطيفاً، وهو أنه قدم على تلك السورة هذه السورة فإن قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } يزيل عنه ذلك الخوف من وجوه أحدها: أن قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } أي الخير الكثير في الدنيا والدين، فيكون ذلك وعداً من الله إياه بالنصرة والحفظ، وهو كقوله:{أية : يا أيها النبي حسبك الله}تفسير : [الأنفال:64]وقوله: { أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة:67]وقوله: {أية : إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ }تفسير : [التوبة:4] ومن كان الله تعالى ضامناً لحفظه، فإنه لا يخشى أحداً وثانيها: أنه تعالى لما قال: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } وهذا اللفظ يتناول خيرات الدنيا وخيرات الآخرة، وأن خيرات الدنيا ما كانت واصلة إليه حين كان بمكة، والخلف في كلام الله تعالى محال، فوجب في حكمة الله تعالى إبقاؤه في دار الدنيا إلى حيث يصل إليه تلك الخيرات، فكان ذلك كالبشارة له والوعد بأنهم لا يقتلونه، ولا يقهرونه، ولا يصل إليه مكرهم بل يصير أمره كل يوم في الازدياد والقوة وثالثها: أنه عليه السلام لما كفروا وزيف أديانهم ودعاهم إلى الإيمان اجتمعوا عنده، وقالوا: إن كنت تفعل هذا طلباً للمال فنعطيك من المال ما تصير به أغنى الناس، وإن كان مطلوبك الزوجة نزوجك أكرم نسائنا، وإن كان مطلوبك الرياسة فنحن نجعلك رئيساً على أنفسنا، فقال الله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } أي لما أعطاك خالق السموات والأرض خيرات الدنيا والآخرة، فلا تغتر لما لهم ومراعاتهم ورابعها: أن قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } يفيد أن الله تعالى تكلم معه لا بواسطة، فهذا يقوم مقام قوله: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً }تفسير : [النساء:164] بل هذا أشرف لأن المولى إذا شافه عبده بالتزام التربية والإحسان كان ذلك أعلى مما إذا شافهه في غير هذا المعنى، بل يفيده قوة في القلب ويزيل الجبن عن النفس، فثبت أن مخاطبة الله إياه بقوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } مما يزيل الخوف عن القلب والجبن عن النفس، فقدم هذه السورة على سورة: {قُلْ يٰ أَيُّهَاٱلْكَـٰفِرُونَ } حتى يمكنه الاشتغال بذلك التكليف الشاق والإقدام على تكفير جميع العالم، وإظهار البراءة عن معبودهم فلما امتثلت أمري، فانظر كيف أنجزت لك الوعد، وأعطيتك كثرة الأتباع والأشياع، إن أهل الدنيا يدخلون في دين الله أفواجاً، ثم إنه لما تم أمر الدعوة وإظهار الشريعة، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن، وذلك لأن الطالب إما أن يكون طلبه مقصوراً على الدنيا، أو يكون طالباً للآخرة، أما طالب الدنيا فليس له إلا الخسار والذل والهوان، ثم يكون مصيره إلى النار، وهو المراد من سورة تبت، وأما طالب الآخرة فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات، وقد ثبت في العلوم العقلية أن طريق الخلق في معرفة الصانع على وجهين: منهم من عرف الصانع، ثم توسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته، وهذا هو الطريق الأشرف الأعلى، ومنهم من عكس وهو طريق الجمهور. ثم إنه سبحانه ختم كتابه الكريم بتلك الطريق التي هي أشرف الطريقين، فبدأ بذكر صفات الله وشرح جلاله، وهو سورة: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في سورة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } ثم ختم بذكر مراتب النفس الإنسانية، وعند ذلك ختم الكتاب، وهذه الجملة إنما يتضح تفصيلها عند تفسير هذه السورة على التفصيل، فسبحان من أرشد العقول إلى معرفة هذه الأسرار الشريفة المودعة في كتابه الكريم. الفائدة الثانية: في قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } هي أن كلمة: {إِنّا } تارة يراد بها الجمع وتارة يراد بها التعظيم. أما الأول: فقد دل على أن الإله واحد، فلا يمكن حمله على الجمع، إلا إذا أريد أن هذه العطية مما سعى في تحصيلها الملائكة وجبريل وميكائيل والأنبياء المتقدمون، حين سأل إبراهيم إرسالك، فقال: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ }تفسير : [البقرة:129] وقال موسى: رب اجعلني من أمة أحمد. وهو المراد من قوله:{أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى ٱلاْمْرَ } تفسير : [القصص:44]وبشر بك المسيح في قوله: {أية : وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ }تفسير : . [الصف:6] وأما الثاني: وهو أن يكون ذلك محمولاً على التعظيم، ففيه تنبيه على عظمة العطية لأن الواهب هو جبار السموات والأرض والموهوب منه، هو المشار إليه بكاف الخطاب في قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ } والهبة هي الشيء المسمى بالكوثر، وهو ما يفيد المبالغة في الكثرة، ولما أشعر اللفظ بعظم الواهب والموهوب منه والموهوب، فيالها من نعمة ما أعظمها، وما أجلها، وياله من تشريف ما أعلاه. الفائدة الثالثة: أن الهدية وإن كانتقليلة لكنها بسبب كونها واصلة من المهدي العظيم تصير عظيمة، ولذلك فإن الملك العظيم إذا رمى تفاحة لبعض عبيده على سبيل الإكرام يعد ذلك إكراماً عظيماً، لا لأن لذة الهدية في نفسها، بل لأن صدورها من المهدي العظيم يوجب كونها عظيمة، فههنا الكوثر وإن كان في نفسه في غاية الكثرة، لكنه بسبب صدوره من ملك الخلائق يزداد عظمة وكمالاً. الفائدة الرابعة: أنه لما قال: {أَعْطَيْنَـٰكَ } قرن به قرينة دالة على أنه لا يسترجعها، وذلك لأن من مذهب أبي حنيفة أنه يجوز للأجنبي أن يسترجع موهوبه، فإن أخذ عوضاً وإن قل لم يجز له ذلك الرجوع، لأن من وهب شيئاً يساوي ألف دينار إنساناً، ثم طلب منه مشطاً يساوي فلساً فأعطاه، سقط حق الرجوع فههنا لما قال: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } طلب منه الصلاة والنحر وفائدته إسقاط حق الرجوع. الفائدة الخامسة: أنه بنى الفعل على المبتدأ، وذلك يفيد التأكيد والدليل عليه أنك لما ذكرت الاسم المحدث عنه عرف العقل أنه يخبر عنه بأمر فيصبر مشتاقاً إلى معرفة أنه بماذا يخبر عنه، فإذا ذكر ذلك الخبر قبله قبول العاشق لمعشوقه، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفى الشبهة ومن ههنا تعرف الفخامة في قوله: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تعمى ٱلاْبْصَـٰرِ }تفسير : [الحج:46] فإنه أكثر فخامة مما لو قال: فإن الأبصار لا تعمى، ومما يحقق قولنا قول الملك العظيم لمن يعده ويضمن له: أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بأمرك. وذلك إذا كان الموعود به أمراً عظيماً.فلما تقع المسامحة به فعظمه يورث الشك في الوفاء به، فإذا أسند إلى المتكفل العظيم، فحينئذ يزول ذلك الشك، وهذه الآية من هذا الباب لأن الكوثر شيء عظيم، قلما تقع المسامحة به. فلما قدم المبتدأ، وهو قوله: {إنا} صار ذلك الإسناد مزيلاً لذلك الشك ودافعاً لتلك الشبهة. الفائدة السادسة: أنه تعالى صدر الجملة بحرف التأكيد الجاري محرى القسم، وكلام الصادق مصون عن الخلف، فكيف إذا بالغ في التأكيد. الفائدة السابعة: قال: {أَعْطَيْنَـٰكَ } ولم يقل: سنعطيك لأن قوله: {أَعْطَيْنَـٰكَ } يدل على أن هذا الإعطاء كان حاصلاً في الماضي، وهذا فيه أنواع من الفوائد إحداها: أن من كان في الزمان الماضي أبداً عزيزاً مرعي الجانب مقضي الحاجة أشرف ممن سيصير كذلك، ولهذا قال عليه السلام: «حديث : كنت نبياً وآدم بين الماء والطين»تفسير : وثانيها: أنها إشارة إلى أن حكم الله بالإسعاد والإشقاء والإغناء والإفقار، ليس أمراً يحدث الآن، بل كان حاصلاً في الأزل وثالثها: كأنه يقول: إنا قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في الوجود فكيف نهمل أمرك بعد وجودك واشتغالك بالعبودية! ورابعها: كأنه تعالى يقول: نحن ما اخترناك وما فضلناك، لأجل طاعتك، وإلا كان يجب أن لا نعطيك إلا بعد إقدامك على الطاعة، بل إنما اخترناك بمجرد الفضل والإحسان منا إليك من غير موجب، وهو إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : قبل من قبل لا لعلة، ورد من رد لا لعلة»تفسير : . الفائدة الثامنة: قال: {أَعْطَيْنَـٰكَ } ولم يقل أعطينا الرسول أو النبي أو العالم أو المطيع، لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية وقعت معللة بذلك الوصف، فلما قال: {أَعْطَيْنَـٰكَ } علم أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلاً بل هي محض الاختيار والمشيئة، كما قال: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا }تفسير : [الزخرف:32]{أية : ٱللَّهِ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ }تفسير : [الحج:75] الفائدة التاسعة: قال أولاً: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ } ثم قال ثانياً: {فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } وهذا يدل على أن إعطاؤه للتوفيق والإرشاد سابق على طاعاتنا، وكيف لا يكون كذلك وإعطاؤه إيانا صفته وطاعتنا له صفتنا، وصفة الخلق لا تكون مؤثرة في صفة الخالق إنما المؤثر هو صفة الخالق في صفة الخلق، ولهذا نقل عن الواسطي أنه قال: لا أعبد رباً يرضيه طاعتي ويسخطه معصيتي. ومعناه أن رضاه وسخطه قديمان وطاعتي ومعصيتي محدثتان والمحدث لا أثر له في قديم، بل رضاه عن العبد هو الذي حمله على طاعته فيما لا يزال، وكذا القول في السخط والمعصية. الفائدة العاشرة: قال: {أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } ولم يقل: آتيناك الكوثر، والسبب فيه أمران الأول: أن الإيتاء يحتمل أن يكون واجباً وأن يكون تفضلاً، وأما الإعطاء فإنه بالتفضل أشبه فقوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } يعني هذه الخيرات الكثيرة وهي الإسلام والقرآن والنبوة والذكر الجميل في الدنيا والآخرة، محض التفضل منا إليك وليس منه شيء على سبيل الاستحقاق والوجوب، وفيه بشارة من وجهين أحدهما: أن الكريم إذا شرع في التربية على سبيل التفضل، فالظاهر أنه لا يبطلها، بل كان كل يوم يزيد فيها الثاني: أن ما يكون سبب الاستحقاق، فإنه يتقدر بقدر الاستحقاق، وفعل العبد متناه، فيكون الاستحقاق الحاصل بسببه متناهياً، أما التفضل فإنه نتيجة كرم الله غير متناه، فيكون تفضله أيضاً غير متناه، فلما دل قوله: {أَعْطَيْنَـٰكَ } على أنه تفضل لا استحقاق أشعر ذلك بالدوام والتزايد أبداً. فإن قيل: أليس قال: {آتيناك سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي}؟ قلنا: الجواب من وجهين الأول: أن الإعطاء يوجب التمليك، والملك سبب الاختصاص، والدليل عليه أنه لما قال سليمان: {أية : هَبْ لِى مَلَكًا }تفسير : فقال[ص:35]: {أية : هَـٰذَا عَطَاؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ }تفسير : [ص:39] ولهذا السبب من حمل الكوثر على الحوض قال: الأمة تكون أضيافاً له، أما الإيتاء فإنه لا يفيد الملك، فلهذا قال في القرآن: {ءاتَيْنَـٰكَ } فإنه لا يجوز للنبي أن يكتم شيئاً منه الثاني: أن الشركة في القرآن شركة في العلوم ولا عيب فيها، أما الشركة في النهر، فهي شركة في الأعيان وهي عيب الوجه الثاني: في بيان أن الإعطاء أليق بهذا المقام من الإيتاء، هو أن الإعطاء يستعمل في القليل والكثير، قال الله تعالى: {أية : وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ }تفسير : [النجم:34] أما الإيتاء، فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم، قال الله تعالى:{أية : وَآتٰه ٱللهُ ٱلْمُلْكَ} تفسير : [البقرة:251] {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلاً } تفسير : [سبأ:10] والأتي السيل المنصب، إذا ثبت هذا فقوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } يفيد تعظيم حال محمد صلى الله عليه وسلم من وجوه أحدها: يعني هذا الحوض كالشيء القليل الحقير بالنسبة إلى ما هو مدخر لك من الدرجات العالية والمراتب الشريفة، فهو يتضمن البشارة بأشياء هي أعظم من هذا المذكور وثانيها: أن الكوثر إشارة إلى الماء، كأنه تعالى يقول: الماء في الدنيا دون الطعام، فإذا كان نعيم الماء كوثراً، فكيف سائر النعيم وثالثها: أن نعيم الماء إعطاء ونعيم الجنة إيتاء ورابعها: كأنه تعالى يقول: هذا الذي أعطيتك، وإن كان كوثراً لكنه في حقك إعطاء لا إيتاء لأنه دون حقك، وفي العادة أن المهدي إذا كان عظيماً فالهدية وإن كانت عظيمة، إلا أنه يقال: إنها حقيرة أي هي حقيرة بالنسبة إلى عظمة المهدي له فكذا ههنا وخامسها: أن نقول: إنما قال فيما أعطاه من الكوثر أعطيناك لأنه دنيا، والقرآن إيتاء لأنه دين وسادسها: كأنه يقول: جميع ما نلت مني عطية وإن كانت كوثراً إلا أن الأعظم من ذلك الكوثر أن تبقى مظفراً وخصمك أبتر، فإنا أعطيناك بالتقدمة هذا الكوثر، أما الذكر الباقي والظفر على العدو فلا يحسن إعطاؤه إلا بعد التقدمة بطاعة تحصل منك: {فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } أي فاعبد لي وسل الظفر بعد العبادة فإني أوجبت على كرمي أن بعد كل فريضة دعوة مستجابة، كذا روى في الحديث المسند، فحينئذ أستجيب فيصير خصمك أبتر وهو الإيتاء، فهذا ما يخطر بالبال في تفسير قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ } أما الكوثر فهو في اللغة فوعل من الكثرة وهو المفرط في الكثرة، قيل: لأعرابية رجع ابنها من السفر، بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر، أي بالعدد الكثير، ويقال للرجل الكثير العطاء: كوثر، قال الكميت:شعر : وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن الفضائل كوثراً تفسير : ويقال للغبار إذا سطع وكثر كوثر هذا معنى الكوثر في اللغة، واختلف المفسرون فيه على وجوه الأول: وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة، روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رأيت نهراً في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر، فقلت: ما هذا؟ قيل: الكوثر الذي أعطاك الله»تفسير : وفي رواية أنس: «حديث : أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان»تفسير : ولعله إنما سمي ذلك النهر كوثراً إما لأنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيراً أو لأنه انفجر منه أنهار الجنة، كما روي أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار، أو لكثر الذين يشربون منها، أو لكثرة ما فيها من المنافع على ما قال عليه السلام: «حديث : إنه نهر وعدنيه ربي فيه خير كثير»تفسير : القول الثاني: أنه حوض والأخبار فيه مشهورة ووجه التوفيق بين هذا القول، والقول الأول أن يقال: لعل النهر ينصب في الحوض أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض فيكون ذلك الحوض كالمنبع والقول الثالث: الكوثر أولاده قالوا: لأن هذه السورة إنما نزلت رداً على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد، فالمعنى أنه يعطيه نسلاً يبقون على مر الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت، ثم العالم ممتلىء منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، ثم أنظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية وأمثالهم القول الرابع: الكوثر علماء أمته وهو لعمري الخير الكثير لأنهم كأنبياء بني إسرائيل، وهم يحبون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشرون آثار دينه وأعلام شرعه، ووجه التشبيه أن الأنبياء كانوا متفقين على أصول معرفة الله مختلفين في الشريعة رحمة على الخلق ليصل كل أحد إلى ما هو صلاحه، كذا علماء أمته متفقون بأسرهم على أصول شرعه، لكنهم مختلفون في فروع الشريعة رحمة على الخلق، ثم الفضيلة من وجهين أحدهما: أنه يروى أنه يجاء يوم القيامة بكل نبي ويتبعه أمته فربما يجيء الرسول ومعه الرجل والرجلان، ويجاء بكل عالم من علماء أمته ومعه الألوف الكثيرة فيجتمعون عند الرسول فربما يزيد عدد متبعي بعض العلماء على عدد متبعي ألف من الأنبياء الوجه الثاني: أنهم كانوا مصيبين لأتباعهم النصوص المأخوذة من الوحي، وعلماء هذه الأمة يكونون مصيبين مع كد الاستنباط والاجتهاد، أو على قول البعض: إن كان بعضهم مخطئاً لكن المخطىء يكون أيضاً مأجوراً القول الخامس: الكوثر هو النبوة، ولا شك أنها الخير الكثير لأنها المنزلة التي هي ثانية الربوبية ولهذا قال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }تفسير : [النساء:8] وهو شطر الإيمان بل هي كالغصن في معرفة الله تعالى، لأن معرفة النبوة لا بد وأن يتقدمها معرفة ذات الله وعلمه وقدرته وحكمته، ثم إذا حصلت معرفة النبوة فحينئذ يستفاد منها معرفة بقية الصفات كالسمع والبصر والصفات الخيرية والوجدانية على قول بعضهم، ثم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه المنقبة، لأنه المذكور قبل سائر الأنبياء والمبعوث بعدهم، ثم هو مبعوث إلى الثقلين، وهو الذي يحشر قبل كل الأنبياء، ولا يجوز ورود الشرع على نسخه وفضائله أكثر من أن تعد وتحصى. ولنذكر ههنا قليلاً منها، فنقول: إن كتاب آدم عليه السلام كان كلمات على ما قال تعالى: {أية : فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ }تفسير : [البقرة:37] وكتاب إبراهيم أيضاً كان كلمات على ما قال: {أية : وَإِذَ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ }تفسير : [البقرة:124] وكتاب موسى كان صحفاً، كما قال: {أية : صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ }تفسير : [الأعلى:19] أما كتاب محمد عليه السلام، فإنه هو الكتاب المهيمن على الكل، قال: {أية : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ }تفسير : [المائدة:48] وأيضاً فإن آدم عليه السلام إنما تحدى بالأسماء المنثورة{أية : فقال أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء }تفسير : [البقرة:35]ومحمد عليه الصلاة والسلام إنما تحدى بالمنظوم: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ } تفسير : [الإسراء:88] وأما نوح عليه السلام، فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء، وفعل في محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم منه. روي أن النبي عليه الصلاة والسلام: «حديث : كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل، فقال: لئن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار الرسول إليه، فانقلع الحجر الذي أشار إليه من مكانه، وسبح حتى صار بين يدي الرسول عليه السلام وسلم عليه، وشهد له بالرسالة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يكفيك هذا؟ قال: حتى يرجع إلى مكانه، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام، فرجع إلى مكانهتفسير : ، وأكرم إبراهيم فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وفعل في حق محمد أعظم من ذلك. عن محمد بن حاطب قال: «حديث : كنت طفلاً فانصب القدر علي من النار، فاحترق جلدي كله فحملتني أمي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت: هذا ابن حاطب احترق كما ترى فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جلدي ومسح بيده على المحترق منه، وقال: أذهب البأس رب الناس، فصرت صحيحاً لا بأس بي» تفسير : وأكرم موسى ففلق له البحر في الأرض، وكرم محمداً ففلق له القمر في السماء، ثم أنظر إلى فرق ما بين السماء والأرض، وفجر له الماء من الحجر، وفجر لمحمد أصابعه عيوناً، وأكرم موسى بأن ظلل عليه الغمام، وكذا أكرم محمداً بذلك فكان الغمام يظلله، وأكرم موسى باليد البيضاء، وأكرم محمداً بأعظم من ذلك وهو القرآن العظيم، الذي وصل نوره إلى الشرق والغرب، وقلب الله عصا موسى ثعباناً، ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين، فانصرف مرعوباً، وسبحت الجبال مع داود وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه، وكان داود إذا مسك الحديد لان، وكان هو لما مسح الشاة الجرباء درت، وأكرم داود بالطير المحشورة ومحمداً بالبراق، وأكرم عيسى عليه السلام بإحياء الموتى، وأكرمه بجنس ذلك حين أضافه اليهود بالشاة المسمومة، فلما وضع اللقمة في فمه أخبرته، وأبرأ الأكمه والأبرص، روي أن امرأة معاذ بن عفراء أتته وكانت برصاء، وشكت ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمسح عليها رسول الله بغصن فأذهب الله البرص، وحين سقطت حدقة الرجل يوم أحد فرفعها وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردها إلى مكانها، وكان عيسى يعرف ما يخفيه الناس في بيوتهم، والرسول عرف ما أخفاه عمه مع أم الفضل، فأخبره فأسلم العباس لذلك، وأما سليمان فإن الله تعالى رد له الشمس مرة، وفعل ذلك أيضاً للرسول حين نام ورأسه في حجر علي فانتبه وقد غربت الشمس، فردها حتى صلى، وردها مرة أخرى لعلي فصلى العصر في وقته، وعلم سليمان منطق الطير، وفعل ذلك في حق محمد، روي أن طيراً فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال: أيكم فجع هذه بولدها؟ فقال رجل: أنا، فقال: أردد إليها ولدهاٰ وكلام الذئب معه مشهور، وأكرم سليمان بمسيرة غدوة شهراً وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، وكان حماره يعفور يرسله إلى من يريد فيجيء به، وقد شكوا إليه من ناقة أنها أغيلت، وأنهم لا يقدرون عليها فذهب إليها، فلما رأته خضعت له، وأرسل معاذاً إلى بعض النواحي، فلما وصل إلى المفازة، فإذا أسد جاثم فهاله ذلك ولم يستجر(ىء) أن يرجع، فتقدم وقال: إني رسول رسول الله فتبصبص، وكما انقاد الجن لسليمان، فكذلك انقادوا لمحمد عليه الصلاة والسلام، وحين جاء الأعرابي بالضب، وقال لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الضب، فتكلم الضب معترفاً برسالته، وحين كفل الظبية حين أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة وحنت الحنانة لفراقه، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار، قالت: كنت مشتاقة إليه منذ كذا سنين فلم حجبتني عنه! وأطعم الخلق الكثير، من الطعام القليل ومعجزاته أكثر من أن تحصى وتعد، فلهذا قدمه الله على الذين اصطفاهم، فقال: {أية : وَإِذ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ }تفسير : [الأحزاب:7] فلما كانت رسالته كذلك جاز أن يسميها الله تعالى كوثراً، فقال: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } القول السادس: الكوثر هو القرآن، وفضائله لا تحصى، {أية : وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقلام }تفسير : [لقمان:27] {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَـٰتِ رَبّى }تفسير : [الكهف:109] القول السابع: الكوثر الإسلام، وهو لعمري الخير الكثير، فإن به يحصل خير الدنيا والآخرة. وبفواته يفوت خير الدنيا وخير الآخرة، وكيف لا والإسلام عبارة عن المعرفة، أو مالا بد فيه من المعرفة، قال: {أية : وَمِنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : وإذا كان الإسلام خيراً كثيراً فهو الكوثر، فإن قيل: لم خصه بالإسلام، مع أن نعمه عمت الكل؟ قلنا: لأن الإسلام وصل منه إلى غيره، فكان عليه السلام كالأصل فيه القول الثامن: الكوثر كثرة الأتباع والأشياع، ولا شك أن له من الأتباع مالا يحصيهم إلا الله، وروي أنه عليه الصلاة والسلام، قال: «حديث : أنا دعوة خليل الله إبراهيم، وأنا بشرى عيسى، وأنا مقبول الشفاعة يوم القيامة، فبيناً أكون مع الأنبياء، إذ تظهر لنا أمة من الناس فنبتدرهم بأبصارنا ما منا من نبي إلا وهو يرجو أن تكون أمته، فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء، فأقول: أمتي ورب الكعبة فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يظهر لنا مثلاً ما ظهر أولاً فنبتدرهم بأبصارنا ما من نبي إلا ويرجو أن تكون أمته فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء فأقول: أمتي ورب الكعبة، فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يرفع لنا ثلاثة أمثال ما قد رفع فنبتدرهم، وذكر كما ذكر في المرة الأولى والثانية، ثم قال: {ليدخلن} ثلاث فرق من أمتي الجنة قبل أن يدخلها أحد من الناس»تفسير : ولقد قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : تناكحوا تناسلوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة، ولو بالسقط» تفسير : فإذا كان يباهي بمن لم يبلغ حد التكليف، فكيف بمثل هذا الجم الغفير، فلا جرم حسن منه تعالى أن يذكره هذه النعمة الجسيمة فقال: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } القول التاسع: ٱلْكَوْثَرَ الفضائل الكثيرة التي فيه، فإنه باتفاق الأمة أفضل من جميع الأنبياء، قال المفضل بن سلمة: يقال رجل كوثر إذا كان سخياً كثير الخير، وفي "صحاح اللغة": ٱلْكَوْثَرَ السيد الكثير الخير، فلما رزق الله تعالى محمداً هذه الفضائل العظيمه حسن منه تعالى أن يذكره تلك النعمة الجسيمة فيقول: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } القول العاشر: الكوثر رفعة الذكر، وقد مر تفسيره في قوله: {أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }تفسير : [الشرح:4] القول الحادي عشر: أنه العلم قالوا: وحمل الكوثر على هذا أولى لوجوه أحدها: أن العلم هو الخير الكثير قال: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }تفسير : [النساء:113] وأمره بطلب العلم، فقال: {أية : وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً }تفسير : [طه:114] وسمى الحكمة خيراً كثيراً، فقال: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة:269] وثانيها: أنا إما أن نحمل الكوثر على نعم الآخرة، أو على نعم الدنيا، والأول غير جائز لأنه قال: أعطينا، ونعم الجنة سيعطيها لا أنه أعطاها، فوجب حمل الكوثر على ما وصل إليه في الدنيا، وأشرف الأمور الواصلة إليه في الدنيا هو العلم والنبوة داخلة في العلم، فوجب حمل اللفظ على العلم وثالثها: أنه لما قال: {أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } قال عقيبه: {فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } والشيء الذي يكون متقدماً على العبادة هو المعرفة، ولذلك قال في سورة النحل(2): {أية : أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱتَّقُونِ }تفسير : وقال في طه(14): {أية : إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱعْبُدْنِى }تفسير : فقدم في السورتين المعرفة على العبادة، ولأن فاء التعقيب في قوله {فصل} تدل على أن إعطاء الكوثر كالموجب لهذه العبادة، ومعلوم أن الموجب للعبادة ليس إلا العلم، القول الثاني عشر: أن الكوثر هو الخلق الحسن، قالوا: الانتفاع بالخلق الحسن عام ينتفع به العالم والجاهل والبهيمة والعاقل، فأما الانتفاع بالعلم، فهو مختص بالعقلاء، فكان نفع الخلق الحسن أعم، فوجب حمل الكوثر عليه، ولقد كان عليه السلام كذلك كان للأجانب كالوالد يحل عقدهم ويكفي مهمهم، وبلغ حسن خلقه إلى أنهم لما كسروا سنه، قال: «حديث : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»تفسير : القول الثالث عشر: الكوثر هو المقام المحمود الذي هو الشفاعة، فقال في الدنيا: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ }تفسير : [الأنفال:33] وقال في الآخرة: «حديث : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» تفسير : وعن أبي هريرة قال عليه السلام: «حديث : إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» تفسير : القول الرابع عشر: أن المراد من الكوثر هو هذه السورة، قال: وذلك لأنها مع قصرها وافية بجميع منافع الدنيا والآخرة، وذلك لأنها مشتملة على المعجز من وجوه أولها: أنا إذا حملنا الكوثر على كثرة الأتباع، أو على كثرة الأولاد، وعدم انقطاع النسل كان هذا إخباراً عن الغيب، وقد وقع مطابقاً له، فكان معجزاً وثانيها: أنه قال: {فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } وهو إشارة إلى زوال الفقر حتى يقدر على النحر، وقد وقع فيكون هذا أيضاً إخباراً عن الغيب وثالثها: قوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ } وكان الأمر على ما أخبر فكان معجزاً ورابعها: أنهم عجزوا عن معارضتها مع صغرها، فثبت أن وجه الإعجاز في كمال القرآن، إنما تقرر بها لأنهم لما عجزوا عن معارضتها مع صغرها فبأن يعجزوا عن معارضة كل القرآن أولى، ولما ظهر وجه الإعجاز فيها من هذه الوجوه فقد تقررت النبوة وإذا تقررت النبوة فقد تقرر التوحيد ومعرفة الصانع، وتقرر الدين والإسلام، وتقرر أن القرآن كلام الله وإذا تقررت هذه الأشياء تقرر جميع خيرات الدنيا والآخرة فهذه السورة جارية مجرى النكتة المختصرة القوية الوافية بإثبات جميع المقاصد فكانت صغيرة في الصورة كبيرة في المعنى، ثم لها خاصية ليست لغيرها وهي أنها ثلاث آيات، وقد بينا أن كل واحدة منها معجز فهي بكل واحدة من آياتها معجز وبمجموعها معجز وهذه الخاصية لا توجد في سائر السور فيحتمل أن يكون المراد من الكوثر هو هذه السورة القول الخامس عشر: أن المراد من الكوثر جميع نعم الله على محمد عليه السلام، وهو المنقول عن ابن عباس لأن لفظ الكوثر يتناول الكثرة الكثيرة، فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي فوجب حملها على الكل، وروي أن سعيد بن جبير، لما روى هذا القول عن ابن عباس قال له بعضهم: إنا ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، وقال بعض العلماء ظاهر قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } يقتضي أنه تعالى قد أعطاه ذلك الكوثر فيجب أن يكون الأقرب حمله على ما آتاه الله تعالى من النبوة والقرآن والذكر الحكيم والنصرة على الأعداء، وأما الحوض وسائر ما أعد له من الثواب فهو وإن جاز أن يقال: إنه داخل فيه لأن ما ثبت بحكم وعد الله فهو كالواقع إلا أن الحقيقة ما قدمناه لأن ذلك وإن أعد له فلا يصح أن يقال: على الحقيقة إنه أعطاه في حال نزول هذه السورة بمكة، ويمكن أن يجاب عنه بأن من أقر لولده الصغير بضيعة له يصح أن يقال: إنه أعطاه تلك الضيعة مع أن الصبي في تلك الحال لا يكون أهلاً للتصرف، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ } قراءة العامة. «إِنا أَعْطيناك» بالعين. وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف: «أَنْطَيْنَاكَ» بالنون؛ وروته أمّ سلمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وهي لغة في العطاء؛ أنطيته: أعطيته. و«الكوثر»: فوعل من الكثرة؛ مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر. والعرب تسمي كل شيء كثيرٍ في العدد والقدر والخطر كوثراً. قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر؛ أي بمال كثير. والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير. قال الكميت: شعر : وأنت كثيرٌ يابنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ وكان أبوك ابنُ العقائِلِ كَوْثرا تفسير : والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأشياع. والكوثر من الغبار: الكثير. وقد تكوثر (إذا كثر)؛ قال الشاعر: شعر : وقـد ثـارَ نقـع المـوتِ حـتـى تَكَـوثـرا تفسير : الثانية: واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطِيه النبي صلى الله عليه وسلم على ستة عشر قولاً: الأوّل: أنه نهر في الجنة؛ رواه البخاريّ عن أنس والترمذيّ أيضاً وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وروى الترمذي أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكَوْثر: نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدرّ والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج»تفسير : . هذا حديث حسن صحيح. الثاني: أنه حوض النبيّ صلى الله عليه وسلم في الموقف؛ قاله عطاء. وفي صحيح مسلم « حديث : عن أنس قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «نزلت عليَّ آنفاً سورة ـ فقرأ ـ بسم الله الرحمن الرحيم: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ } ـ ثم قال ـ أتدرون ما الكوثر»؟ قلنا الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّه نَهرٌ وَعَدنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَ، عليه خَيرٌ كَثِير هُو حَوْضٌ تَرِد عَلَيْهِ أمّتي يَوْمَ القيامة آنِيَتُهُ عَددُ النُّجُوم، فيُخْتلَجُ العبدُ منهمْ فأقولُ إنَّهُ من أمّتي، فيقال إنك لا تَدْرِي ما أَحْدَثَ بَعْدَكَ».تفسير : والأخبار في حوضه في الموقف كثيرة، ذكرناها في كتاب «التذكرة». وأن على أركانه الأربعة خُلفَاءَه الأربعة؛ رضوان الله عليهم. وأنَّ من أبغض واحداً منهم لم يسقِه الآخر، وذكرنا هُناكَ من يُطْرَد عنه. فمن أراد الوقوف على ذلك تأمله هناك. ثم يجوز أن يسمى ذلك النهر أو الحوض كوثراً، لكثرة الواردة والشاربة من أمّة محمد عليه السلام هناك. ويسمى به لما فيه من الخير الكثير والماء الكثير. الثالث: أن الكوثَر النبوّةُ والكتابُ؛ قاله عكرمة. الرابع: القرآن؛ قاله الحسن. الخامس: الإسلام؛ حكاه المغيرة. السادس: تيسير القرآن وتخفيف الشرائع؛ قاله الحسين بن الفضل. السابع: هو كثرة الأصحاب والأمة والأشياع؛ قاله أبو بكر بن عياش ويمان بن رِئاب. الثامن: أنه الإيثار؛ قاله ابن كَيْسان. التاسع: أنه رِفعة الذكر. حكاه الماورديّ. العاشر: أنه نور في قلبك دلك عليّ، وقطعك عما سوايَ. وعنه: هو الشفاعة؛ وهو الحادي عشر. وقيل: معجزات الربّ هُدِيَ بها أهلُ الإجابة لدعوتك؛ حكاه الثعلبيّ، وهو الثاني عشر. الثالث عشر: قال هلال بن يساف: هو لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله. وقيل: الفقه في الدين. وقيل: الصلوات الخمس؛ وهما الرابع عشر والخامس عشر. وقال ابن إسحاق: هو العظيم من الأمر؛ وذكر بيت لبِيد: شعر : وصاحب مَلْحوبٍ فُجِعْنا بفقدِهِ وعِندَ الرَّداعِ بيت آخرَ كَوْثَر تفسير : أي عظيم. قلت: أصح هذه الأقوال الأوّل والثاني؛ لأنه ثابت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نص في الكوثر. وسمِع أنس قوماً يتذاكرون الحوض فقال: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يَتَمارَوْن في الحوض، لقد تركت عجائز خلفي، ما تصلِّي امرأة منهنّ إلا سألت الله أن يسقِيها من حوض النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي حوضه يقول الشاعر: شعر : يا صاحبَ الحوضِ مَنْ يُدَانيكَا وأنتَ حَقًّا حبيبُ بارِيكا تفسير : وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أُعْطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة على حوضه صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

البيضاوي

تفسير : مكية، وآيها ثلاث آيات بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} وقرىء «أنطيناك». {ٱلْكَوْثَرَ } الخير المفرط الكثرة من العلم والعمل وشرف الدارين.حديث : وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهر في الجنة وعدنيه ربي فيه خير كثير أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأبرد من الثلج وألين من الزبد، حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة لا يظمأ من شرب منه»، تفسير : وقيل حوض فيها وقيل أولاده وأتباعه، أو علماء أمته والقرآن العظيم. {فَصَلّ لِرَبّكَ} فَدُمْ على الصلاة خالصاً لوجه الله تعالى خلاف الساهي عنها المرائي فيها شكراً لإِنعامه، فإن الصلاة جامعة لأقسام الشكر. {وَٱنْحَرْ } البدن التي هي خيار أموال العرب وتصدق على المحاويج خلافاً لمن يدعهم ويمنع عنهم الماعون، فالسورة كالمقابلة للسورة المتقدمة وقد فسرت الصلاة بصلاة العيد والنحر بالتضحية. {إِنَّ شَانِئَكَ } إن من أبغضك لبغضه الله. {هُوَ ٱلأَبْتَرُ} الذي لا عقب له إذ لا يبقى له نسل ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر له في الجنة، ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر العظيم».

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله إغفاءة، فرفع رأسه متبسماً، إما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه أنزلت علي آنفاً سورة» تفسير : فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ} حتى ختمها فقال: «حديث : هل تدرون ما الكوثر؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : هو نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» تفسير : هكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي، وهذا السياق عن محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك. وقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة: أنه يشخب فيه ميزابان من السماء من نهر الكوثر، وأن آنيته عدد نجوم السماء، وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي من طريق علي بن مسهر ومحمد بن فضيل، كلاهما عن المختار بن فلفل عن أنس، ولفظ مسلم قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «حديث : لقد أنزلت علي آنفاً سورة» تفسير : فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} ثم قال: «حديث : أتدرون ما هو الكوثر؟» تفسير : قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم في السماء، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك»تفسير : وقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية، وكثير من الفقهاء على أن البسملة من السورة، وأنها منزلة معها. فأما قوله تعالى: { إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ}، فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة، وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى عن أنس فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت عن أنس: أنه قرأ هذه الآية: { إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت الكوثر، فإذا هو نهر يجري، ولم يشق شقاً، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ، فضربت بيدي في تربته، فإذا مسك أذفر، وإذا حصباؤه اللؤلؤ»تفسير : . وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دخلت الجنة، فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللولؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك أذفر، قلت: ماهذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله عز وجل» تفسير : ورواه البخاري في صحيحه، ومسلم من حديث شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة عن أنس بن مالك قال: لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: «حديث : أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر» تفسير : وهو لفظ البخاري رحمه الله. وقال ابن جرير: حدثنا الربيع، أخبرنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، مضى به جبريل إلى السماء الدنيا، فإذا هو بنهر عليه قصر من اللؤلؤ وزبرجد، فذهب يشم ترابه، فإذا هو مسك، قال: «حديث : يا جبريل ما هذا النهر؟ قال: هو الكوثر الذي خبأ لك ربك» تفسير : وقد تقدم حديث الإسراء في سورة سبحان من طريق شريك عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مخرج في الصحيحين. وقال سعيد عن قتادة عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بينما أنا أسير في الجنة، إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقال الملك ــــ الذي معه ــــ: أتدري ما هذا؟ هذا الكوثرالذي أعطاك الله، وضرب بيده إلى أرضه، فأخرج من طينه المسك» تفسير : وكذا رواه سليمان بن طرخان ومعمر وهمام وغيرهم عن قتادة به. قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا أبو أيوب العباس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثني محمد بن عبد الوهاب ابن أخي ابن شهاب عن أبيه عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر فقال: «حديث : هو نهر أعطانيه الله تعالى في الجنة، ترابه مسك، أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طير أعناقها مثل أعناق الجزر» تفسير : قال أبو بكر: يا رسول الله إنها لناعمة، قال: «حديث : آكلها أنعم منها.»تفسير : وقال أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا الليث عن يزيد بن الهاد عن عبد الوهاب عن عبد الله بن مسلم بن شهاب عن أنس: أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الكوثر؟ قال: «حديث : هو نهر في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيورأعناقها كأعناق الجزر» تفسير : قال عمر: يا رسول الله إنها لناعمة، قال: «حديث : آكلها أنعم منها يا عمر» تفسير : رواه ابن جرير من حديث الزهري عن أخيه عبد الله عن أنس: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر، فذكر مثله سواء. وقال البخاري: حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة رضي الله عنها قال: سألتها عن قوله تعالى: { إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ} قالت: نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم، ثم قال البخاري: رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف عن أبي إسحاق، ورواه أحمد والنسائي من طريق مطرف به. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة قالت: الكوثر: نهر في الجنة، شاطئاه در مجوف. وقال إسرائيل: هو نهر في الجنة، عليه من الآنية عدد نجوم السماء. وحدثنا ابن حميد: حدثنا يعقوب القمي عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق أو مسروق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين حدثيني عن الكوثر، قالت: نهر في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، وترابه المسك، وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت. وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن أبي جعفر الرازي عن ابن أبي نجيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر، فليجعل أصبعيه في أذنيه، هذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة، وفي بعض الروايات: عن رجل عنها، ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك، لا أنه يسمعه نفسه، والله أعلم. قال السهيلي: ورواه الدارقطني مرفوعاً من طريق مالك بن مغول عن الشعبي عن مسروق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، قال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه، ورواه أيضاً من حديث هشيم عن أبي بشر وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكوثر: الخير الكثير. وقال الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر: الخير الكثير، وهذا التفسير يعم النهر وغيره؛ لأن الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر؛ كما قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحارب بن دثار والحسن بن أبي الحسن البصري، حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وقال عكرمة: هو النبوة، والقرآن، وثواب الآخرة. وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضاً، فقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عمر بن عبيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل، وروى العوفي عن ابن عباس نحو ذلك. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وكذا رواه الترمذي عن ابن حميد عن جرير عن عطاء بن السائب به مثله موقوفاً، وقد روي مرفوعاً، فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء قال: وقال عطاء عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل» تفسير : وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب به مرفوعاً، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير، فقال: صدق والله إنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما نزلت: { إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، يجري على الدر والياقوت»تفسير : . وقال ابن جرير: حدثني ابن البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حرام بن عثمان عن عبد الرحمن الأعرج عن أسامة بن زيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حمزة بن عبد المطلب يوماً، فلم يجده، سأل عنه امرأته، وكانت من بني النجار، فقالت: خرج يا نبي الله آنفاً، عامداً نحوك، فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار، أولا تدخل يا رسول الله؟ فدخل، فقدمت إليه حيساً، فأكل منه، فقالت: يا رسول الله هنيئاً لك ومريئاً، لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك، أخبرني أبو عمارة: أنك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر فقال: «حديث : أجل، وعرضه ــــ يعني: أرضه ــــ ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ» تفسير : حرام بن عثمان ضعيف، ولكن هذا سياق حسن، وقد صح أصل هذا، بل قد تواتر من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض، وهكذا روي عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف: أن الكوثر نهر في الجنة، وقال عطاء: هو حوض في الجنة. وقوله تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } تفسير : [الأنعام: 162 ــــ 163] قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن: يعني بذلك: نحر البدن ونحوها، وكذا قال قتادة ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والربيع وعطاء الخراساني والحكم وإسماعيل بن أبي خالد وغير واحد من السلف، وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون؛ من السجود لغير الله، والذبح على غير اسمه؛ كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} تفسير : الآية [الأنعام: 121]، وقيل: المراد بقوله: {وَٱنْحَرْ}: وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر، يروى هذا عن علي، ولا يصح، وعن الشعبي مثله، وعن أبي جعفر الباقر: {وَٱنْحَرْ} يعني: رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وقيل: {وَٱنْحَرْ} أي: واستقبل بنحرك القبلة، ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير. وقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثاً منكراً جداً فقال: حدثنا وهب بن إبراهيم الفامي سنة خمس وخمسين ومئتين، حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي، حدثنا مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم: { إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا جبريل ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟» تفسير : فقال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة، ارفع يديك إذا كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت؛ فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة. وهكذا رواه الحاكم في المستدرك من حديث إسرائيل بن حاتم به، وعن عطاء الخراساني: {وَٱنْحَرْ} أي: ارفع صلبك بعد الركوع، واعتدل، وأبرز نحرك، يعني به: الاعتدال، رواه ابن أبي حاتم. وكل هذه الأقوال غريبة جداً، والصحيح القول الأول: أن المراد بالنحر: ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العيد، ثم ينحر نسكه ويقول: «حديث : من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة، فلا نسك له» تفسير : فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال: «حديث : شاتك شاة لحم» تفسير : قال: فإن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين، أفتجزىء عني؟ قال: «حديث : تجزئك، ولا تجزىء أحداً بعدك.»تفسير : قال أبو جعفر بن جرير: والصواب قول من قال: إن معنى ذلك فاجعل صلاتك كلها لربك خالصاً دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان؛ شكراً له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفاء له، وخصك به، وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظي وعطاء. وقوله تعالى: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} أي: إن مبغضك يا محمد ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين، هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: نزلت في العاص بن وائل، وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دعوه؛ فإنه رجل أبتر، لا عقب له، فإذا هلك، انقطع ذكره، فأنزل الله هذه السورة، وقال شمر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي معيط. وقال ابن عباس أيضاً وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من كفار قريش. وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحساني، حدثنا ابن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت له قريش: أنت سيدهم، ألا ترى إلى هذا الصنبر المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية، فقال: أنتم خير منه، قال: فنزلت: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} هكذا رواه البزار، وهو إسناد صحيح، وعن عطاء قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب أبو لهب إلى المشركين فقال: بتر محمد الليلة، فأنزل الله في ذلك: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ}. وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل، وعنه: {إِنَّ شَانِئَكَ} يعني: عدوك، وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذكر وغيرهم، وقال عكرمة: الأبتر: الفرد. وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل، قالوا: بتر، فلما مات أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: بتر محمد، فأنزل الله: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه، انقطع ذكره، وحاشا وكلا، بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمراً على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم التناد. آخر تفسير سورة الكوثر، و لله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّآ أَعْطَيْنَٰكَ } يا محمد {ٱلْكَوْثَرَ } هو نهر في الجنة وهو حوضه تَرِدُ عليه أمته، والكوثر: الخير الكثير من النبوة والقرآن والشفاعة ونحوها.

الشوكاني

تفسير : قرأ الجمهور: {إنا أعطيناك} وقرأ الحسن، وابن محيصن، وطلحة، والزعفراني: (أنطيناك) بالنون. قيل: هي لغة العرب العاربة. قال الأعشى:شعر : حباؤك خير حبا الملوك يصان الحلال وتنطى الحلولا تفسير : و {ٱلْكَوْثَرَ } فوعل من الكثرة وصف به للمبالغة في الكثرة، مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر. العرب تسمي كلّ شيء كثير في العدد، أو القدر، أو الخطر كوثراً، ومنه قول الشاعر:شعر : وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا تفسير : فالمعنى على هذا: إنا أعطيناك يا محمد الخير الكثير البالغ في الكثرة إلى الغاية. وذهب أكثر المفسرين، كما حكاه الواحدي إلى أن الكوثر نهر في الجنة. وقيل: هو حوض النبيّ صلى الله عليه وسلم في الموقف قاله عطاء. وقال عكرمة: الكوثر النبوّة. وقال الحسن: هو القرآن. وقال الحسن بن الفضل: هو تفسير القرآن، وتخفيف الشرائع. وقال أبو بكر بن عياش: هو كثرة الأصحاب والأمة. وقال ابن كيسان: هو الإيثار. وقيل هو الإسلام. وقيل: رفعة الذكر. وقيل: نور القلب. وقيل: الشفاعة. وقيل: المعجزات. وقيل: إجابة الدعوة. وقيل: لا إلٰه إلاّ الله. وقيل: الفقه في الدين. وقيل: الصلوات الخمس، وسيأتي بيان ما هو الحق {فَصَلّ لِرَبّكَ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد الأمر له صلى الله عليه وسلم بالدوام على إقامة الصلوات المفروضة. {وَٱنْحَرْ } البدن التي هي خيار أموال العرب. قال محمد بن كعب: إن ناساً كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن تكون صلاته ونحره له. وقال قتادة، وعطاء، وعكرمة: المراد صلاة العيد، ونحر الأضحية. وقال سعيد بن جبير: صلّ لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع. وانحر البدن في منى. وقيل: النحر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حذاء النحر قاله محمد بن كعب. وقيل: هو أن يرفع يديه في الصلاة عند التكبيرة إلى حذاء نحره. وقيل: هو أن يستقبل القبلة بنحره قاله الفراء، والكلبي، وأبو الأحوص. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول نتناحر، أي: نتقابل: نحر هذا، إلى نحر هذا أي: قبالته، ومنه قول الشاعر:شعر : أبا حكم ما أنت عمّ مجالد وسيد أهل الأبطح المتناحر تفسير : أي: المتقابل. وقال ابن الأعرابي: هو: انتصاب الرجل في الصلاة بازاء المحراب. من قولهم: منازلهم تتناحر تتقابل. وروي عن عطاء أنه قال: أمره أن يستوي بين السجدتين جالساً حتى يبدو نحره. وقال سليمان التيمي: المعنى: وارفع يديك بالدعاء إلى نحرك، وظاهر الآية الأمر له صلى الله عليه وسلم بمطلق الصلاة، ومطلق النحر، وأن يجعلهما لله عزّ وجلّ لا لغيره، وما ورد في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص، فهو في حكم التقييد له، وسيأتي إن شاء الله. {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأبْتَرُ } أي: إن مبغضك هو المنقطع عن الخير على العموم. فيعمّ خيري الدنيا والآخرة، أو الذي لا عقب له، أو الذي لا يبقى ذكره بعد موته، وظاهر الآية العموم، وأن هذا شأن كل من يبغض النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما مرّ غير مرّة. قيل: كان أهل الجاهلية إذا مات الذكور من أولاد الرجل قالوا: قد بتر فلان، فلما مات ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال: بتر محمد، فنزلت الآية. وقيل: القائل بذلك عقبة بن أبي معيط. قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال: الذي لا ولد له، ومن الدوابّ: الذي لا ذنب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر، وأصل البتر القطع، يقال بترت الشيء بتراً: قطعته. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أنس قال: أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفع رأسه مبتسماً فقال: «حديث : إنه أنزل عليّ آنفاً سورة»تفسير : فقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } حتى ختمها قال: حديث : هل تدرون ما الكوثر؟ تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:حديث : هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته كعدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول يا ربّ إنه من أمتي، فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدكتفسير : وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دخلت الجنة، فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك أذفر، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله»تفسير : وقد روي عن أنس من طرق كلها مصرحة بأن الكوثر هو النهر الذي في الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن جرير، وابن مردويه عن عائشة أنها سئلت عن قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } قالت: هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم في بطنان الجنة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه نهر في الجنة. وأخرج الطبراني في الأوسط عن حذيفة في قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } قال: نهر في الجنة. وحسن السيوطي إسناده. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن أسامة بن زيد مرفوعاً: أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر، فقال: «حديث : أجل، وأرضه ياقوت، ومرجان، وزبرجد، ولؤلؤ»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الكوثر؟ قال: «حديث : هو نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله»تفسير : فهذه الأحاديث تدلّ على أن الكوثر هو النهر الذي في الجنة، فيتعين المصير إليها، وعدم التعويل على غيرها، وإن كان معنى الكوثر: هو الخير الكثير في لغة العرب، فمن فسره بما هو أعمّ مما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهو تفسير ناظر إلى المعنى اللغويّ. كما أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عطاء بن السائب قال: قال محارب بن دثار: قال سعيد بن جبير في الكوثر: قلت حدّثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير، فقال: صدق إنه للخير الكثير، ولكن حدّثنا ابن عمر قال: نزلت: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدرّ، والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل»تفسير : وأخرج البخاري، وابن جرير، والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير، فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. وهذا التفسير من حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه ناظر إلى المعنى اللغويّ كما عرّفناك، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فسّره فيما صح عنه أنه النهر الذي في الجنة، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عليّ بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبيّ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «حديث : ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ تفسير : فقال: إنها ليست بنحيرة، ولكن يأمرك إذا تحرّمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا، وصلاة الملائكة الذين هم في السماوات السبع، وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله: {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }»تفسير : [المؤمنون: 76] هو من طريق مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن عليّ. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: «إن الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة، فذاك النحر». وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره في الصلاة. وأخرج أبو الشيخ، والبيهقي في سننه عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن شاهين في سننه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس {فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } قال: إذا صليت، فرفعت رأسك من الركوع، فاستو قائماً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: الصلاة المكتوبة، والذبح يوم الأضحى. وأخرج البيهقي في سننه عنه: {وَٱنْحَرْ } قال: يقول: واذبح يوم النحر. وأخرج البزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة. فقالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم، ألا ترى إلى هذا الصابىء المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السقاية، وأهل السدانة، قال: أنتم خير منه، فنزلت: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأبْتَرُ } ونزلت: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ }تفسير : [النساء: 51] إلى قوله: {أية : فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً }تفسير : [النساء: 52]. قال ابن كثير: وإسناده صحيح. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن أبي أيوب قال: لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا: إن هذا الصابىء قد بتر الليلة، فأنزل الله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } إلى آخر السورة. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، فمات القاسم، وهو: أوّل ميت من أهله، وولده بمكة، ثم مات عبد الله، فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأبْتَرُ }. وفي إسناده الكلبي. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأبْتَرُ } قال: أبو جهل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه {إِنَّ شَانِئَكَ } يقول: عدوّك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {إنّا أَعْطَيْناك الكَوْثَر} فيه تسعة تأويلات: أحدها: أن الكوثر النبوة، قاله عكرمة. الثاني: القرآن، قاله الحسن. الثالث: الإسلام، حكاه المغيرة. الرابع: أنه نهر في الجنة، رواه ابن عمر وأنس مرفوعاً. الخامس: أنه حوض النبي صلى الله عليه وسلم الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة قاله عطاء. السادس: أنه الخير الكثير، قاله ابن عباس. السابع: أنه كثرة أمته، قاله أبو بكر بن عياش. الثامن: أنه الإيثار، قاله ابن كيسان. التاسع: أنه رفعة الذكر، وهو فوعل من الكثرة. {فَصَلِّ لِربِّكَ وانحَرْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الصلاة المكتوبة، وهي صلاة الصبح بمزدلفة، قاله مجاهد. الثاني: صلاة العيد، قاله عطاء. الثالث: معناه اشكر ربك، قاله عكرمة. {وانحَرْ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: وانحر هديك أو أضحيتك، قاله ابن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة. الثاني: وانحر أي وسل، قاله الضحاك. الثالث: معناه أن يضع اليمين على الشمال عند نحره في الصلاة، قاله عليّ وابن عباس رضي الله عنهما. الرابع: أن يرفع يديه في التكبير، رواه عليّ. الخامس: أنه أراد واستقبل القبلة في الصلاة بنحرك، قاله أبو الأحوص ومنه قول الشاعر: شعر : أبا حَكَمٍ هَلْ أَنْتَ عَمُّ مُجالدٍ وسيدُ أهْلِ الأبْطحِ المتناحرِ تفسير : أي المتقابل. {إنّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ} في شانئك وجهان: أحدهما: مبغضك، قاله ابن شجرة. الثاني: عدوّك، قاله ابن عباس. وفي " الأبتر" خمسة تأويلات: أحدها: أنه الحقير الذليل، قاله قتادة. الثاني: معناه الفرد الوحيد، قاله عكرمة. الثالث: أنه الذي لا خير فيه حتى صار مثل الأبتر، وهذا قول مأثور الرابع: أن قريشاً كانوا يقولون لمن مات ذكور ولده، قد بتر فلان فلما مات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه القاسم بمكة، وابراهيم بالمدينة، قالوا بتر محمد فليس له من يقوم بأمره من بعده، فنزلت الآية، قاله السدي وابن زيد. الخامس: أن الله تعالى لما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا قريش إلى الإيمان، قالوا ابتتر منا محمد، أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر الله تعالى رسوله أنهم هم المبترون، قاله عكرمة وشهر بن حوشب. واختلف في المراد من قريش بقوله {إنّ شانئك هو الأبتر} على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أبو لهب، قاله عطاء. الثاني: أبو حهل، قاله ابن عباس. الثالث: أنه العاص بن وائل، قاله عكرمة، والله أعلم.

ابن عطية

تفسير : قرأ الحسن: "إنا أنطيناك"، وهي لغة في أعطى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : واليد المنطية خير من السفلى" تفسير : ، وقال الأعشى: [المتقارب] شعر : جيادك خير جياد الملوك تصان الجلال وتنطى الشعير تفسير : قال أنس وابن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين: {الكوثر}: نهر في الجنة، حافتاه قباب من در مجوف وطينه مسك وحصباؤه ياقوت، ونحو هذا من صفاته، وإن اختلفت ألفاظ الرواة، وقال ابن عباس أيضاً: {الكوثر}: الخير الكثير. قال القاضي أبو محمد: كوثر: بناء مبالغة من الكثرة، ولا مجال أن الذي أعطى الله محمداً عليه السلام من النبوة والحكمة والعلم بربه والفوز برضوانه والشرف على عباده هو أكثر الأشياء وأعظمها كأنه يقول في هذه الآية: {إنا أعطيناك} الحظ الأعظم، قال سعيد بن جبير: النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه، فنعم ما ذهب إليه ابن عباس، ونعم ما تمم ابن جبير رضي الله عنهم، وأمر النهر ثابت في الآثار في حديث الإسراء وغيره صلى الله على محمد ونفعنا بما منحنا من الهداية، قال الحسن: {الكوثر}، القرآن، وقال أبو بكر بن عياش: هو كثرة الأصحاب والأتباع، وقال جعفر الصادق: نور في قلبه ودله عليه وقطعه عما سواه، وقال أيضاً: هو الشفاعة، وقال هلال بن يساف: هو التوحيد، وقوله تعالى: {فصلّ لربك وانحر} أمر بالصلاة على العموم، ففيه المكتوبات بشروطها والنوافل على ندبها، والنحر: نحر البدن والنسك في الضحايا في قول جمهور الناس، فكأنه قال: ليكن شغلك هذين، ولم يكن في ذلك الوقت جهاد، وقال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، فأمر أن يصلي وينحر وقاله قتادة، والقرطبي وغيره في الآية طعن على كفار مكة، أي إنهم يصلون لغير الله مكاء وتصدية، وينحرون للأصنام ونحوه، فافعل أنت هذين لربك تكن على صراط مستقيم، وقال ابن جبير: نزلت هذه الآية يوم الحديبية وقت صلح قريش قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: صل وانحر الهدي، وعلى هذا تكون الآية من المدني، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: معنى الآية: صل لربك وضع يمينك على شمالك عند نحرك في الصلاة، فالنحر على هذين ليس بمصدر نحر بل هو الصدر، وقال آخرون المعنى: ارفع يدك في استفتاح صلاتك عند نحرك، وقوله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} رد على مقالة كان كثير من سفهاء قريش يقولها لما لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولد فكانوا يقولون: هو أبتر يموت فنستريح منه ويموت أمره بموته، فقال الله تعالى وقوله الحق: {إن شانئك هو الأبتر}، أي المقطوع المبتور من رحمة الله تعالى ولو كان له بنون فهم غير نافعيه، "والشانىء": المبغض، وقال قتادة {الأبتر} هنا يراد به الحقير الذليل، وقال عكرمة: مات ابن للنبي صلى الله عليه وسلم فخرج أبو جهل يقول: بتر محمد، فنزلت السورة، وقال ابن عباس: نزلت في العاصي بن وائل سمى النبي صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه عبد الله أبتر.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْكَوْثَرَ} النبوة والقرآن أو الإسلام أو نهر في الجنة مأثور أو حوضه يوم القيامة أو كثرة أمته أو الإيثار أو رفعة الذكر وهو فوعل من الكثرة.

النسفي

تفسير : مكية وهي ثلاث آيات بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } هو فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة، وقيل: هو نهر في الجنة أحلى من العسل، وأشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو الخير الكثير فقيل له: إن ناساً يقولون هو نهر في الجنة فقال: هو من الخير الكثير {فَصَلّ لِرَبّكَ } فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه وشرفك وصانك من منن الخلق مراغماً لقومك الذين يعبدون غير الله {وَٱنْحَرْ } لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفاً لعبدة الأوثان في النحر لها {إِنَّ شَانِئَكَ } أي من أبغضك من قومك بمخالفتك لهم {هُوَ ٱلاْبْتَرُ } المنقطع عن كل خير لا أنت، لأن كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك مرفوع على المنابر وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثني بذكرك، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له أبتر إنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة. قيل: نزلت في العاص بن وائل سماه الأبتر، والأبتر الذي لا عقب له وهو خبر «إن» و«هو» فصل.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {إنا أعطيناك الكوثر} نهر في الجنة أعطاه الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وقيل الكوثر القرآن العظيم، وقيل هو النّبوة، والكتاب، والحكمة، وقيل هو كثرة أتباعه، وأمته، وقيل الكوثر الخير الكثير كما فسره ابن عباس (خ) عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير أن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، وأصل الكوثر فوعل من الكثرة، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو كثير القدر والخطر كوثراً، وقيل الكوثر الفضائل الكثيرة التي فضل بها على جميع الخلق فجميع ما جاء في تفسير الكوثر فقد أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم أعطي النبوة، والكتاب، والحكمة، والعلم، والشفاعة، والحوض المورود، والمقام المحمود، وكثرة الأتباع، والإسلام، وإظهاره على الأديان كلها، والنّصر على الأعداء، وكثرة الفتوح في زمنه وبعده إلى يوم القيامة. وأولى الأقاويل في الكوثر الذي عليه جمهور العلماء، أنه نهر في الجنة كما جاء مبيناً في الحديث (ق) "حديث : عن أنس قال "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءه ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال أنزلت عليَّ آنفاً سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر}، ثم قال أتدرون ما الكوثر، قلنا الله ورسوله أعلم قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عزّ وجلّ فيه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة. آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم، فأقول رب إنه من أمتي. فيقول ما تدري ما أحدث بعدك"" تفسير : لفظ مسلم وللبخاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما عرج بي إلى السّماء أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فإذا طينه أو طينته مسك أذفر" تفسير : شك الراوي عن أنس رضي الله عنه قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الكوثر قال ذلك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزور، قال عمر إن هذه لناعمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلتها أنعم منها"تفسير : أخرجه التّرمذي، وقال حديث حسن صحيح. عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر، والياقوت تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج"تفسير : أخرجه التّرمذي، وقال حديث حسن صحيح (خ) "عن عامر بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال سألت عائشة عن قوله تعالى {إنا أعطيناك الكوثر}، فقالت الكوثر نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم شاطئاه در مجوف آنيته كعدد نجوم السماء" (ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء من شرب منها لا يظمأ أبداً" تفسير : زاد في رواية "حديث : وزواياه سواء" تفسير : (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أمامكم حوضي ما بين جنبيه كما بين جربا وأذرح" تفسير : قال بعض الرواة هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام، وفي رواية "حديث : فيه أباريق كنجوم السّماء من ورده فشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً" تفسير : (ق) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما بين ناحيتي وفي رواية لابتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة" تفسير : وفي رواية "حديث : مثل ما بين المدينة وعمان" تفسير : وفي رواية قال "حديث : إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء" تفسير : (م) "حديث : عن أبي ذر رضي الله عنه قال "قلت يا رسول الله ما آنية الحوض قال والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء، وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ عرضه، مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل"" تفسير : (م) عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي، أي حتى يرفض عليهم، فسئل عن عرضه فقال من مقامي إلى عمان وسئل عن شرابه فقال أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما: من ذهب، والآخر من الورق" تفسير : (ق) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا فرطكم على الحوض وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول أي ربي أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" تفسير : (ق) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قال ليردن عليَّ الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا إليّ اختلجوا دوني، فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي فليقالن لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" تفسير : وفي رواية "حديث : يردن عليَّ ناس من أمتي الحديث" تفسير : وفي آخره "حديث : فأقول سحقاً لمن بدل بعدي" تفسير : (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يرد عليَّ يوم القيامة رهطان من أصحابي أو قال من أمتي فيجلون عن الحوض، فأقول رب أصحابي، فيقول إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى" تفسير : ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ترد عليَّ أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله قالوا أيا نبي الله تعرفنا قال نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون على غرّاً محجلين من آثار الوضوء وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون إليّ فأقول يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول وهل تدري ما أحدثوا بعدك"تفسير : (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفسي بيده لأذودن رجالاً عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض" تفسير : (م) عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن، والذي نفسي بيده لأذودن عنه الرجل كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن إبله قالوا يا رسول الله وتعرفنا؟ قال نعم تردون على غرّاً محجلين من آثار الوضوء ليس لأحد غيركم" حديث : عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزلاً فقال ما أنتم إلا جزء من مائة ألف جزء ممن يرد على الحوض، قيل كم كنتم يومئذ قال سبعمائة أو ثمانمائة"" تفسير : أخرجه أبو داود. (فصل في شرح هذه الأحاديث وذكر ما يتعلق بالحوض) قال الشّيخ محيي الدّين النّووي: قال القاضي عياض أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة، والجماعة لا يتأول، ولا يختلف فيه، وحديثه متواتر النقل رواه الخلائق من الصحابة، فذكره مسلم من رواية ابن عمر وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وجندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وعائشة وأم سلمة، وعقبة بن عامر، وابن مسعود، وحذيفة، وحارثة بن وهب، والمستورد وأبي ذر وثوبان، وأنس، وجابر بن سمرة، ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر الصّديق وزيد بن أرقم وأبي أمامة وعبد الله بن زيد وأبي برزة وسويد بن حبلة وعبد الله بن الصنابحي والبراء بن عازب وأسماء بنت أبي بكر الصّديق وخولة بنت قيس وغيرهم، قال الشيخ محيي الدّين، ورواه البخاري ومسلم أيضاً من رواية أبي هريرة ورواه غيرهما في رواية عمر بن الخطاب وعائذ بن عمرو وآخرين، وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرة قلت وقد اتفقا على إخراج حديث الحوض وعن جماعة ممن تقدم ذكرهم من الصّحابة على ما سبق ذكره في الأحاديث، وفيه بيان ما اتفقا عليه، وانفرد به كل واحد منهما، وأخرجا أيضاً حديث الحوض عن أسماء بنت أبي بكر الصّديق وذكرها القاضي عياض، فيمن خرج له في غير الصحيحين قال القاضي عياض وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواتراً، وأما صفة الحوض ومقداره فقد قال في رواية "حديث : حوضي مسيرة شهر وفي رواية ما بين جنبيه كما بين جرباء، وأذرح، وفي رواية كما بين أيلة، وصنعاء اليمن، وفي رواية عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة، وفي رواية إن حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن" تفسير : فهذا الاختلاف في هذه الروايات في قدر الحوض ليس موجباً للاضطراب فيها لأنه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعات من الصّحابة سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن مختلفة ضربها النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لبعد أقطار الحوض وسعته وقرب ذلك على أفهام السامعين لبعد ما بين هذه البلاد المذكورة لأعلى التقدير الموضوع للتحديد بل لإعلام السامعين عظم بعد المسافة وسعة الحوض وليس في ذكر القليل من هذه المسافة منع من الكثير، فإن الكثير ثابت على ظاهره، وصحت الرواية به، والقليل داخل فيه فلا معارضة، ولا منافاة بينهما وكذلك القول في آنية الحوض من أن العدد المذكور في الأحاديث على ظاهره، وأنها أكثر عدداً من نجوم السّماء ولا مانع يمنع من ذلك إذ قد وردت الأحاديث الصّحيحة الثّابتة بذلك وكذلك القول في الواردين إلى الحوض الشّاربين منه، وكثرتهم وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أنتم إلا جزء من مائة ألف جزء ممن يرد الحوض" تفسير : لم يرد به الحصر بهذا العدد المذكور وإنما ضربه مثلاً لأكثر العدد المعروف للسّامعين ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من ورد شرب منه" تفسير : فهذا صريح في أن جميع الواردين يشربون، وإنما يمنع منه الذين يزدادون، ويمنعون الورود لارتدادهم، وتبديلهم وهو قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي، فيقول ما تدري ما أحدث بعدك، وفي رواية وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول أي رب أصحابي، فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" تفسير : ونحو هذا من الروايات المذكورة في الأحاديث السابقة، وهذا مما اختلف العلماء في معناه، وفي المراد به من هم، فقيل المراد بهم المنافقون، والمرتدون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنهم إذا حشروا عرفهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم فيناديهم، فيقال له ليس هؤلاء ممن وعدت بهم إنهم قد بدلوا بعدك، أي لم يكونوا على ما ظهر من إسلامهم، وقيل المراد بهم من أسلموا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتدوا بعده في زمن أبي بكر الصّديق وهم الذين قاتلهم على الردة، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يعرفه من إيمانهم في حياته فيقال له قد ارتدوا بعدك، وقيل المراد بهم أصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وأصحاب المعاصي، والكبائر الذين ماتوا على التّوحيد، ولم يتوبوا من بدعتهم ومعاصيهم فعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء المطرودين عن الحوض بالنّار بل يجوز أن يزادوا عنه عقوبة لهم ثم يرحمهم الله، فيدخلهم الجنة من غير عذاب، وقال ابن عبد البر كل من أحدث في الدين كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء فهو من المطرودين عن الحوض قال وكذلك الظلمة المسرفون في الجور، وغمط الحق، والمعلنون بالكبائر فكل هؤلاء يخاف أن يكونوا ممن عنى بهذا الحديث وقوله من شرب منه لم يظمأ أبداً قال القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أن الشرب منه يكون بعد الحساب، والنجاة من النار، ويحتمل أن من شرب منه من هذه الأمة وقدر عليه دخول النار لا يعذب فيها بالظمأ بل يكون عذابه بغير ذلك لأن ظاهر الحديث أن جميع الأمة تشرب منه إلا من ارتد، وصار كافراً، وقيل إن جميع المؤمنين يأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم يعذب الله من شاء من عصاتهم، وقيل إنما يأخذ بيمينه الناجون منهم خاصة، والشرب من الحوض مثله. (شرح غريب ألفاظ الأحاديث) قوله فيختلج العبد منهم، أي ينتزع ويجذب منهم، قوله ما بين جنبيه كما بين جربا، وأذرح أما جربا فبجيم ثم راء ساكنة ثم باء موحدة ثم ألف مقصورة، ووقع عند بعض رواة البخاري فيها المد والقصر أولى، وهي قرية من الشام، وأما أذرح فبهمزة ثم ذال معجمة ثم راء ثم حاء مهملة، وهي في طرف الشام قريب من الشّوبك، وأما عمان فبفتح العين وتشديد الميم بليدة بالبلقاء من أرض الشّام، وأما أيلياء فبفتح الهمزة وإسكان المثناة تحت وفتح اللام مدينة معروفة في طرف الشام على ساحل البحر متوسطة بين دمشق ومصر بينها وبين المدينة نحو خمس عشرة مرحلة وبينها وبين مصر ثمان مراحل وإلى دمشق اثنا عشر مرحلة وهي آخر الحجاز وأول الشّام، وأما صنعاء فهي قاعدة اليمن، وأكبر مدنه، وإنما قيد باليمن في الحديث لأن بدمشق موضعاً يعرف بصنعاء دمشق وقد تقدم الكلام على اختلاف هذه المسافات والجمع بين رواتها قوله يشخب فيه ميزابان هو بفتح الياء المثناة تحت وبالشين والخاء المعجمتين، أي يسيل فيه وفي الحديث الآخر يغت بفتح الياء وبالغين المعجمة وكسرها، وتشديد التاء المثناة فوق، أي يدفق منه ميزابان تدفقاً شديداً متتابعاً قوله إني لبعقر حوضي هو بضم العين المهملة، وإسكان القاف وهو موقف الإبل من الحوض إذا وردته للشرب، وقيل هو مؤخر الحوض قوله أذود الناس، أي أضرب الناس لأهل اليمن بعصاي حتى يرفض عليهم، معناه أطرد الناس عنه غير أهل اليمن، ومعنى يرفض أي يسيل عليهم، وفيه منقبة عظيمة لأهل اليمن قوله أنا فرطكم على الحوض الفرط بفتح الفاء والراء هو الذي يتقدم على الواردين ليصلح لهم الحياض، والدّلاء ونحوها من آلات الاستقاء، والمعنى أنا سابقكم على الحوض كالمهيىء له قوله سحقاً، أي بعداً وفيه دليل لمن قال إنهم أهل الردة إذ لا يقال للمؤمن سحقاً بل يشفع قلت في حديث أنس الأول دليل لمن يقول أن سورة الكوثر مدنية وهو الأظهر لقوله بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءه يعني نام نومة ثم رفع رأسه متبسماً والله أعلم. قوله تعالى: {فصل لربك وانحر} معناه أن ناساً كانوا يصلون لغير الله تعالى وينحرون لغير الله فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي له وينحر له متقرباً إلى ربه بذلك، وقيل معناه فصل لربك صلاة العيد يوم النحر، وانحر نسكك، وقيل معناه فصل الصّلاة المفروضة بجمع، وانحر البدن بمنى وقال ابن عباس: {فصل لربك وانحر} أي ضع يدك اليمنى على اليسرى في الصّلاة عند النّحر، وقيل هو رفع اليدين مع التكبير إلى النّحر حكاه ابن الجوزي، ومعنى الآية قد أعطيتك ما لا نهاية لكثرته من خير الدّارين وخصصتك بما لم أخص به أحداً غيرك، فاعبد ربك الذي أعطاك هذا العطاء الجزيل، والخير الكثير، وأعزك، وشرفك على كافة الخلق، ورفع منزلتك فوقهم فصل له واشكره على إنعامه عليك، وانحر البدن متقرباً إليه {إن شانئك} يعني عدوك ومبغضك {هو الأبتر} يعني هو الأذل المنقطع دابره نزلت في العاص بن وائل السهمي وذلك أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم خارجاً من المسجد وهو داخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس من صناديد قريش جلوس في المسجد فلما دخل العاص قالوا له من الذي كنت تتحدث معه فقال ذلك الأبتر يعني به النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد توفي ابن لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة، وقيل إن العاص بن وائل كان إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره، فأنزل الله تعالى هذه السّورة وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن الأشرف، وجماعة من قريش، وذلك أنه لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل المدينة فنحن خير أم هذا الصّنبور المنبتر من قومه، فقال أنتم فنزلت فيه {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} تفسير : [النساء: 51] ونزلت في الذين قالوا إنه أبتر {إن شانئك هو الأبتر} أي المنقطع من كل خير قولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصّنبور أرادوا أنه فرد ليس له ولد، فإذا مات انقطع ذكره شبهوه بالنخلة المفردة يدق أسفلها، وتسمى الصنبور، وقيل هي النّخلة التي تخرج في أصل أخرى تغرس، وقيل الصّنابر سعفات تنبت من جذع النّخلة تضربها ودواؤها أن تنقطع تلك الصّنابر منها فأراد كفار مكة أن محمداً صلى الله عليه وسلم بمنزلة الصّنابر تنبت في جذع نخلة فإذا انقلع استراحت النّخلة فكذا محمد إذا مات انقطع ذكره، وقيل الصّنبور الوحيد الضعيف الذي لا ولد له ولا عشيرة ولا ناصر من قريب ولا غريب فأكذبهم الله تعالى في ذلك ورد عليهم أشنع رد فقال إن شانئك يا محمد هو الأبتر الضعيف الوحيد، الحقير، وأنت الأعز، الأشرف الأعظم، والله أعلم بمراده.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {شانيك} بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف. وقرأ قتيبة ونصير مهموزاً ممالة. الوقوف {الكوثر} ه ط {وانحر} ه ط {الأبتر} ه. التفسير: هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، لأن تلك مثال لكون الإنسان في خسر، وهذه للمستثنين منهم بل لأشرفهم وأفضلهم وهو النبي صلى الله عليه وسلم بل له ولشانيه، فكأنها مثال للفريقين جميعاً. هذا وجه إجمالي وأما الوجه التفصيلي فقوله {إنا أعطيناك الكوثر} أي الخير الكثير وقع في مقابلة الدع والمنع من الإطعام وقوله {فصل} أي دم على الصلاة وقع بإزاء قوله {أية : عن صلاتهم ساهون}تفسير : [الماعون: 5] وقوله {لربك} مكان قوله {أية : يراءون} تفسير : [الماعون: 6] وقوله {وانحر} والمراد به التصدق بلحوم الأضاحي بحذاء قوله {أية : ويمنعون الماعون}تفسير : [الماعون: 7] ثم ختم السورة بقوله {إن شانئك هو الأبتر} أي الذي تضاد طريقته طريقتك سيزول عنه ما يفتخر به من المال والجاه والأحساب والأنساب ويبقى لك ولمتابعيك الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، بل يدوم لك النسب الصوري بسبب أولادك الشرفاء والنسب المعنوي بواسطة أتباعك العلماء، ثم في الآية أصناف من المبالغة منها: التصدير بـ " إن " ومنها الجمع المفيد للتعظيم، ومنها لفظ الإعطاء دون الإيتاء ففي الإعطاء دليل التمليك دون الإيتاء ولهذا حين قال {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني}تفسير : [الحجر: 7] كان أمته مشاركين له في فوائدها ولم يكن له منعهم منها. ومنها صيغة المضي الدالة على التحقيق في وعد الله تعالى كما هي عادة القرآن، ومنها لفظ الكوثر وهو مبالغة في الكثرة بزيادة الواو كجدول فيشمل خيرات الدنيا والآخرة، إلا أن أكثر المفسرين خصوه فحملوه على أنه اسم نهر في الجنة. عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : رأيت نهراً في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت: ما هذا؟ فقيل: هو الكوثر الذي أعطاك الله" تفسير : وفي رواية "حديث : ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان " تفسير : قال أهل المعنى: ولعله إنما سمى كوثراً لأنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيراً، أو لان أنهار الجنة تتفجر منه كما روي أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار أو لكثرة شاربيه. وقد يقال: إن الكوثر حوض في الجنة على ما ورد في الأخبار فلعل منبعه حوض ومنه تسيل الأنهار، والقول الثالث أن الكوثر أولاده لأن هذه السورة نزلت رداً على من زعم أنه الأبتر كما يجيء والمعنى أنه يعطيه بفاطمة نسلاً يبقون على مر الزمان. فانظر كم قتل من أهل البيت ثم العالم مملوء منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، والعلماء الأكابر منهم لا حد ولا حصر لهم. منهم الباقر والصادق والكاظم والرضي والتقي والنقي والزكي وغيرهم. القول الرابع: الكوثر علماء أمته لأنهم كأنبياء بني إسرائيل واختلافهم في فروع الشريعة رحمة كما كان اختلاف الأنبياء في الفروع رحمة مع اتفاقهم على الأصول فالتوحيد والنبوة والمعاد كأصول الشجرة وأديان الأنبياء كشعبها الكبار، والمذاهب كالأغصان المتفرعة عن الشعب. الخامس: الكوثر النبوة ولا يخفى ما فيها من الخير الكثير لأنها ثانية رتبة الربوبية ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة الله ثم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه الفضيلة لأنه المذكور قبل سائر الأنبياء والمبعوث بعدهم، ثم هو مبعوث إلى الثقلين ولن يصير شرعه منسوخاً وله كل معجزة كانت لغيره من الأنيباء المشهورين، وكتاب آدم كان كلمات كما قال {أية : فتلقى آدم من ربه كلمات}تفسير : [البقرة: 37] وكتاب إبراهيم وموسى كان كلمات وصحفاً {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات}تفسير : [البقرة: 124] و {أية : صحف إبراهيم وموسى} تفسير : [الأعلى: 19] وكتاب محمد صلى الله عليه وسلم مهيمن على الكل كما قال {أية : ومهيمنا عليه} تفسير : [المائدة: 48] وإن آدم عليه السلام تحدى بالكلمات والأسماء {أية : أنبئوني بأسماء هؤلاء}تفسير : [البقرة: 31] ومحمد صلى الله عليه وسلم إنما تحدى بالمنظوم {أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن}تفسير : [الإسراء: 88] الآية. وأما نوح عليه السلام فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء، وفي حق محمد صلى الله عليه وسلم وقف الحجر على الماء. وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل فقال: إن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب فليسبح ولا يغرق، فأشار الرسول صلى الله عليه وسلم إليه فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وشهد له بالرسالة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يكفيك هذا؟ قال: حتى يرجع إلى مكانه. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى مكانه. وأكرم إبراهيم فجعل النار برداً وسلاماً عليه. وروى محمد بن حاطب قال: كنت طفلاً فانصب القدر من على النار علي فاحترق جلدي كله فحملتني أمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: هذا ابن حاطب احترق كام ترى، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جلدي ومسح بيده على المحترق منه وقال صلى الله عليه وسلم: أذهب البأس رب الناس. فصرت صحيحاً لا بأس بي. وأكرم موسى بفلق البحر في الأرض وأكرم محمداًً صلى الله عليه وسلم ففلق له القمر فوق السماء، وفجر له الماء من الحجر، وفجر لمحمد صلى الله عليه وسلم أصابعه عيوناً، وأكرم موسى بتظليل الغمام في زمان نبوته، وأكرم محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك قبل ظهور نبوته، وأكرم موسى عليه السلام باليد البيضاء وأكرم محمداً صلى الله عليه وسلم بالقرآن العظيم الذي هو نور من الله برهان. وقلب الله عصى موسى ثعباناً. ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين فانصرف مرعوباً. وسبحت الجبال مع داود عليه السلام وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه. وكان داود عليه السلام إذا مسح الحديد لان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين مسح الشاة الجدباء درت. وأكرم داود بالطير المحشورة ومحمداً صلى الله عليه وسلم بالبراق، وأكرم عيسى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. وأكرمه صلى الله عليه وسلم بإحياء الشاة المسمومة وبتكلمها أنها مسمومة. وروي أن معاذ بن عفراء كانت له امرأة برصاء فشكت ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمسح عليها بغصن فأذهب الله عنها البرص، وحين سقطت حدقة رجل يوم أحد رفعها رسول الله صلى الله عيله وسلم فردها إلى مكانها. وكان عيسى يخبر بما في بيوت الناس والرسول صلى الله عليه وسلم عرف ما أخفته أم الفضل فأسلم العباس لذلك، ورد الشمس لسليمان مرة والرسول كان نائماً ورأسه في حجر علي عليه السلام فانتبه وقد غربت الشمس فردّها حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردها مرة أخرى لعلي عليه السلام فصلى العصر لوقته. وعلم سليمان منطق الطير وفعل ذلك في حق محمد صلى الله عليه وسلم، روي أن طائراً فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال: أيكم فجع هذه بولدها؟ فقال رجل: أنا فقال: أردد ولدها، وكلام الذئب والناقة معه مشهور. وأكرم سليمان بمسير غدو شهر وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، وكان له صلى الله عليه وسلم يعفور يرسله إلى من يريد فيجيء به. وأرسل معاذاً إلى بعض النواحي فلما وصل إلى المفازة فإذا أسد جاثٍ فهاله ذلك ولم يستجرىء أن يرجع فتقدم وقال: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبصبص، وكما انقاد الجن لسليمان انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم. وحين جاء الأعرابي بالضب تكلم الضب معترفاً برسالته، وحين كفل الظبية حتى أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار قالت: كنت مشتاقة إليه. منذ كذا سنين فلم حجبتني عنه. وأطعم الخلق الكثير من الطعام القليل. ومعجزاته صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصى خصوصاً في هذا المقام فثبت صحة قوله {إنّا أعطيناك الكوثر} قيل: هو القرآن لأن فوائده عديد الحصى. وقيل: الإسلام أو الشفاعة أو رفع الذكر أو العلم {أية : وعلمك ما لم تكن تعلم}تفسير : [النساء: 113] أو الخلق الحسن {أية : وإنك لعلى خلق عظيم}تفسير : [القلم: 4] وقد يقال: إن هذه السورة مع قصرها معجرة من وجوه لما فيها من الإخبار بالغيوب وهو الوعد بكثرة الأتباع والأولاد وزوال الفقر حتى نحر مائة بدنة في يوم واحد وقد وقع مطابقاً، ولأنهم عجزوا عن معارضتها مع قصرها فإنها أقصر سورة من القرآن. قوله {فصل لربك وانحر} في الصلاة أقوال: فعن مجاهد وعكرمة معناه اشكر لربك، وفائدة الفاء أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي، وقيل: هي الدعاء كأنه قال: قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك بالكوثر فكيف بعد سؤالك فسل تعط واشفع تشفع وذلك أنه أبداً كان في هم أمته. والأقرب وعليه الأكثرون أنها الصلاة ذات الهيئات والأركان لأنها مشتملة على الدعاء والشكر وعلى سائر المعاني المنبئة عن التواضع والخدمة، ولأن حمله على الشكر يوهم أنه ما كان شاكراً قبل ذلك لكنه كان من أول أمره مطيعاً لربه شاكراً لنعمه. أما الصلاة فإنه إنما عرفاه بالوحي، يروى أنه حين أمر بالصلاة قال: كيف أصلي ولست على وضوء؟ فقال الله: {إنا أعطيناك الكوثر} وضرب جبرائيل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ فقيل له عند ذلك {فصل} وإن حمل الكوثر على الرسالة فكأنه قال: أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات {فصل} وفي قوله {لربك} إشارة إلى وجوب الأضحى مخالفة عبدة الأوثان. وإنما لم يقل لنا سلوكاً لطريقة الالتفات وإفادة لنوع من التعظيم كقول الخلفاء " يرسم أمير المؤمنين كذا " ولأن الجمعية في هذا المقام توهم الاشتراك والعدول إلى الوحدة لو قال " لي " انقطع النظم، ولأنه يفيد أن سبب العبادة هو التربية، ثم الذين فسروا الصلاة بما عرف في الشرع اختلفوا؛ فالأكثرون على أنها جنس الصلاة لإطلاق اللفظ، وإنما لم يذكر الكيفية لأنها كانت معلومة قبل ذلك. وقال الآخرون: إنها صلاة عيد الأضحى لاقترانها بقوله {وانحر} وكانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فأمروا بتأخيرها عنها. والواو تفيد الترتيب استحساناً وأدباً وإن لم تفده قطعاً. وقال سعيد بن جيبر: صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى والمناسبة بين نحر البدن وبين جنس الصلاة أن المشركين كانت صلاتهم وقراً بينهم للأصنام فأمر صلى الله عليه وسلم بأن تكون صلاته وقربانه لله تعالى، وكان النحر واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاث كتبن عليّ ولم تكتب على أمتي. الضحى والأضحى والوتر"تفسير : وإنما لم يقل ضح وإن كان أشمل لأن أعز الأموال عند العرب هو الإبل فأمر بنحرها وصرفها إلى طاعة الله ففي ذلك قطع العلائق الجسمانية ورفع العوائق النفسانية. يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، فنحرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعيا صلى الله عليه وسلم، ثم أمر علياً بذلك وكانت النوق يزدحمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخذ علي عليه السلام السكين تباعدت منه عليه السلام، قال عامة أهل التفسير كابن عباس ومقاتل والكلبي: إن العاص بن وائل وجمعاً من صناديد قريش يقولون: إن محمداً أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحنا منه، وكان قد مات ابنه عبد الله ابن خديجة فأنزل الله تعالى هذه السورة كما مر في أول " المائدة " والشنء البغض والشانىء المبغض والبتر في اللغة استئصال القطع ومنه الأبتر المقطوع الذنب، فاستعير للذي لا عقب له ولمن انقطع خبره وذكره، فبين الله تعالى بهذه الصيغة المفيدة للحصر أن أولئك الكفرة هم الذين ينقطع نسلهم وذكرهم، وأن نسل محمد صلى الله عليه وسلم ثابت باق إلى يوم القيامة كما أخبر بقوله " حديث : كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي"تفسير : وإن دين الإسلام لا يزال يعلو ويزيد والكفر يعلى ويقهر إلى أن يبلغ الدين مشارق الأرض ومغاربهما كما قال {أية : أو لم يروا إنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} تفسير : [الرعد: 41] قال بعض أهل العلم: إن الكفار لما شتموه بأنه أبتر أجاب الله عنه من غير واسطة فقال {إن شانئك هو الأبتر} وهكذا سنة الأحباب إذا سمعوا من يشتم حبيبهم تولوا بأنفسهم جوابه، ونظيره في القرآن كثير {أية : قالوا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم} تفسير : [سبأ: 7] إلى قوله {أية : أم به جنة} تفسير : [سبأ: 8] فقال سبحانه {أية : بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} تفسير : [سبأ: 8] وقالوا هو مجنون فأقسم الله {أية : ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون} تفسير : [القلم: 1 - 2] وقالوا لست مرسلاً فقال {أية : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم}تفسير : [يس: ا - 3] {أية : وقالوا أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون}تفسير : [الصافات: 36] فرد عليهم بقوله {أية : بل جاء بالحق وصدق المرسلين} تفسير : [الصافات: 36] ثم ذكر وعيد خصمائه بقوله {أية : إنكم لذائقوا العذاب الأليم} تفسير : [الصافات: 38] وحين قال حاكياً {أية : أم يقولون شاعر}تفسير : [الطور: 30] قال {أية : وما علمناه الشعر}تفسير : [يس: 69] وقالوا {أية : إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون} تفسير : [الفرقان: 4] فأجابهم بقوله {أية : فقد جاؤا ظلماً وزوراًً}تفسير : [الفرقان: 4] {أية : وقالوا أساطير الأولين} تفسير : [الفرقان: 5 - 6] فقال {أية : قل أنزله الذي يعلم السر} تفسير : [الفرقان: 5 - 6] {أية : وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}تفسير : [الفرقان: 7] فأجابهم بقوله {أية : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق}تفسير : [الفرقان: 20] فما أجل هذه الكرامة! وقال أهل التحقيق السالكون: بل الواصلون لهم ثلاث درجات أعلاها أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله وأشار إليهما بقوله {إنا أعطيناك الكوثر} فإن روحه القدسية متميزة في الكثرة عن سائر الأرواح البشرية بالكم لأنها أكثر مقدمات، وبالكيف لأنها أسرع انتقالاً من المقدمات إلى النتائج. وأوسطها أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية وأشار إليها بقوله {فصل لربك} وأدناها أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانتصاب إلى اللذات العاجلة وهي قوله {وانحر} فإن منع النفس الشهوية جارية مجرى الذبح والنحر. ومن البيان أن ترتيب السالك هو الأخذ من الأدون إلى الأعلى، وإنما ورد القرآن بما ورد تنبيهاً على أنه صلى الله عليه وسلم كان في نهاية الوصول. وأن هذا الترتيب بالنسبة إليه ينعكس وذلك أنه جاء من الحق إلى الخلق. ثم أشار بقوله {إن شانئك هو الأبتر} إلى أن دواعي النفس التي هي أعدى الأعداء لا بقاء لها، وإنما هي لذات زائلة وتخيلات فانية {أية : والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً} تفسير : [الكهف: 46].

الثعالبي

تفسير : قال جماعة من الصحابة والتابعين: {ٱلْكَوْثَرَ} نَهْرٌ في الجنةِ حافَّتَاه قِبَابٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ مجوَّفٍ، وطينُه مِسْكٌ وحَصْبَاؤه يَاقُوتٌ، ونحوُ هذا مِنْ صفاتِه، وإنِ اختلفتْ ألْفَاظُ رُوَاتِه، وقال ابن عباس: الكَوثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ قال ابن جُبَيْرٍ: النَّهْرُ الذي في الجنةِ هُو من الخيرِ الذي أعْطَاه اللَّهُ إياه * ت *: وخَرَّجَ مسلمٌ عَنْ أنسٍ قَال: «حديث : بينَما رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يومٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؛ إذْ أغْفَىٰ إغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّماً، فَقَالَ: نَزَلَتْ عَلَيَّ آنِفاً سُورَةٌ، فَقَرَأَ: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ} إلَىٰ آخِرِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الكَوْثَرُ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» تفسير : الحديثُ، انتهى، وخَرَّج ابنُ ماجه من حديثِ ثَوْبَانَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أوَّلَ مَنْ يَرِدُ عَلى الحَوْضِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ الدُّنْسُ ثِياباً الشُّعْثُ رُؤوساً، الَّذِينَ لاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَاتِ، وَلاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السُّدَدِ»تفسير : ، قال الراوي: فبكَىٰ عمرُ بن عبدِ العزيزِ حتَّىٰ ٱخْضَلَّ لِحْيَتُهُ، حِينَ بلغهُ الحديثُ، وقال: لاَ جَرَمَ، إنِّي لاَ أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حَتَّىٰ يَتَّسِخَ، وَلاَ أَدْهِنُ رَأْسِي حَتَّىٰ يَشْعَثَ، وخَرَّجَه أبو عيسى الترمذيُّ عن ثَوْبَانَ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمعناه، ونَقَلَ صاحبُ «التذكرة» عن أنس بن مالك قال: أَوَّلُ مَنْ يَرِدُ الحَوْضَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الذَّابِلُونَ النَّاحِلُونَ السَّائِحُونَ الَّذِينَ إذَا أَجَنَّهُمُ اللَّيْلُ ٱسْتَقْبَلُوهُ بِالحُزْنِ، انتهى من «التذكرة»، حديث : ورَوَى أبو داودَ في سننِه عن أبي حمزةَ عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَقَالَ:مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يُرِدُ عَلَي الحَوْضِ، قَال: قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَومَئِذٍ؟ قَالَ: سَبْعُمِائَةٍ، أَوْ ثَمَانِمِائَةٍتفسير : ، انتهى. وقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} أمْرٌ بالصلاةِ على العمومِ، والنَّحْرُ نَحْرُ الهَدْيِ، والنُّسُكِ، والضَّحَايَا عَلى قول الجمهور. وقوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ } ردٌّ على مقالةِ بَعْضِ سفهاءِ قريشٍ كأبي جهل وغيرِه، قال عكرمةُ وغيرُه: مَاتَ وَلَدٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال أَبُو جَهْلٍ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ، فنزلت السُّورةُ، وقال تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} أي: المَقْطُوعُ المَبْتُورُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، والشَّانىءُ المُبْغِضُ، قال الداووديُّ: كل شَانِىء لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فهو أبْتَرُ، لَيْسَ له يَوْمَ القيامة شَفِيعٌ ولا حَمِيمٌ يطاعُ، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ}، قرأ الحسن وابن محيصن، وطلحة، والزعفراني: "أنْطَيْنَاكَ" بالنون. قال الرازي، والتبريزي: أبدل من العين نوناً. فإن عنينا البدل الصناعي فليس بمسلَّم، لأن كل مادة مستقلة بنفسها، بدليل كمال تصريفها، وإن عنينا بالبدل: أن هذه وقعت موقع هذه لغة، فقريب، ولا شكَّ أنها لغة ثابتة. قال التبريزي: هي لغة العربِ العاربةِ من أولى قريش. وفي الحديث: "حديث : اليَدُ العُلْيَا المُنطِيةُ، واليَدُ السُّفلَى المُنطَاةُ ". تفسير : وقال الشاعر وهو الأعشى: [المتقارب] شعر : 5324- جِيـادُكَ خَيْــرُ جِيــادِ المُلـــوكِ تُصَانُ الجِلالَ وتُنْطَـى الحُلُـولاَ تفسير : قال القرطبي: "وروته أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة، وهي لغة في العطاء أنطيته: أعطيته". والكوثر: "فَوْعَل"، من الكثرةِ، وصف مبالغة في المفرط الكثرة، مثل النوفل من النَّفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيءٍ كثيراً في العدد، والقدر، والخطر: كوثراً؛ قال: [الطويل] شعر : 5325- وأنْتَ كَثيرٌ يَا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ وكَانَ أبُوكَ ابْنَ العقَائِلِ كَوثَرا تفسير : قيل لعجوز رجع ابنها من السَّفر: بم آب ابنك؟. قالت: آب بكوثر، أي: بمال كثير. والكوثر من الغبار الكثير، وقد تكوثر إذا كثر؛ وقال الشاعر: شعر : 5326- وقَدْ ثَارَ نَقْعُ المَوْتِ حتَّى تَكْوثَرَا تفسير : فصل في المراد بالكوثر اختلفوا في الكوثر الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: نهر في الجنة رواه البخاري وغيره. وروى الترمذي عن ابن عمران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكَوْثَرُ: نهرٌ فِي الجنَّةِ، حَافتَاهُ مِنْ ذهَبٍ، ومَجْراهُ عَلى الدُّرّ والياقوت، تُربتُهُ أطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وماؤه أحْلَى مِنَ العَسلِ، وأبْيَضُ مِنَ الثّلْجِ ". تفسير : وقال عطاء: هو حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف وفيه أحاديث كثيرة. وقال عكرمة: الكوثر: النبوة، والكتاب. وقال الحسن: هوالقرآن. وقال ابن المغيرة: الإسلام. وقال ابن كيسان: هو الإيثار. وقال الحسن بن الفضل: هو تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع. وقال أبو بكر بن عياش ويمان بن رئاب هو كثرة الأصحاب والأتباع والأمة. وحكى الماورديُّ: أنه رفعة الذكر. وقيل: [الشفاعة: وقال هلال بن يساف: هو لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيل: الصلوات الخمس. وقيل الفقه في الدين. وقيل غير ذلك]. قال القرطبيُّ: وأصح الأقوال: الأول، والثاني؛ لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم نصًّا في الكوثر. فصل في الكلام على هذه السورة قال ابنُ الخطيب: هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها، فإنه ذكر في الأول البُخل، وترك الصلاة، والرياء، ومنع الماعون، وذكر هنا في مقابلة البخل: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} وفي مقابلة ترك الصلاة: قوله: "فَصلِّ" أي: دُمْ على الصلاة، وفي مقابلة الرياء قوله تعالى: {لِرَبِّكَ} أي: لرضاه خالصاً، وفي مقابلة منع الماعون قوله: "وانْحَرْ"، أي: تصدَّق بلحم الأضاحي، ثم ختم السُّورة سبحانه وتعالى بقوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ}، أي: أنَّ المنافق الذي أتى بتلك الأفعال القبيحة سَيمُوتُ ولا يبقى له أثر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، في الآخرة الثواب الجزيل. قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ}. قال ابن عبًّاس - رضي الله عنهما - أقم الصلاة المفروضة عليك. وقال قتادة، وعطاء، وعكرمة: فصل لربك صلاة العيد يوم النحر، "وانْحَرْ" نسُككَ. وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر، ثم يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر. قال سعيد بن جبير: نزلت في "الحديبية" حين حصر النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت، فأمره الله تعالى، أن يصلي، وينحر البدن، وينصرف، ففعل ذلك. قال ابن العربي: "أما من قال: إن المراد بقوله تعالى: {فَصَلِّ} الصلوات الخمس، فلأنها رُكْن العبادات، وقاعدة الإسلام، وأعظم دعائم الدين. وأما من قال: إنها صلاة الصبح بالمزدلفة، فلأنها مقرونة بالنحر، وهو في ذلك اليوم، ولا صلاة فيه قبل النحر غيرها، فخصها بالذكر من جملة الصلوات لاقترانها بالنحر". قال القرطبي: وأما من قال: إنها صلاة العيد، فذلك بغير "مكة"، إذ ليس بـ "مكة" صلاة عيد بإجماع، فيما حكاه أبو بكر رضي الله عنه. فصل الفاء في قوله: "فصلِّ" للتعقيب والتسبب، أي: تسبب هذه المنة العظيمة وعقبها أمرك بالتخلي لعبادة المنعم عليك، وقصدك إليه بالنحر لا كما تفعل قريش من صلاتها، ونحرها لأضيافها، وأما قوله تعالى: {وَٱنْحَرْ}، قال علي - رضي الله عنه - ومحمد بن كعب القرظي: المعنى ضع اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة. وعن علي - رضي الله عنه - أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: استقبل القبلة مكة بنحرك، وهو قول الفراء، والكلبي وأبي الأحوص. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: منازلنا تتناحر أي تتقابل نحر هذا بنحر هذا. وقال ابن الأعرابي: هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب، من قولهم: منازلهم تتناحر، أي: تتقابل. [وعن عطاء: أنه أمره أن يستوي بين السجدتين جالساً حتى يبدو نحره. وقال محمد بن كعب القرظي: يقول: إن ناساً يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله - تعالى - فقد أعطيناك الكوثر، فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله تعالى. والنَّحر في الإبل بمنزلة الذَّبح في البقر والغنم]. قوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ}. يجوز أن يكون "هُوَ" مبتدأ و "الأبتر" خبره، والجملة خبر "إن"، وأن يكون فصلاً. وقال أبو البقاء: "أو توكيد"، وهو غلط؛ لأن المظهر لا يؤكد بالمضمر. والأبترُ: الذي لا عقب له، وهو في الأصل: الشيء المقطوع، من بترهُ، أي: قطعه. وحمار أبتر: لا ذنب له، ورجل أباتر - بضم الهمزة -: الذي يقطع رحمه. قال: [الطويل] شعر : 5327- لَئِيمٌ نَزتْ فِي أنْفهِ خُنزُوانَةٌ عَلى قَطْعِ ذِي القُرْبَى أحَذُّ أباتِرُ تفسير : وبتر - بالكسر -: انقطع ذنبه. قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال: من لا ولد له ومن الدواب: الذي لا ذنب له. [وكل من انقطع من الخير أثره، فهو أبتر. والبترُ: القطع بترت الشيء بتراً قطعته قبل الإتمام، والانبتار: الانقطاع، والباتر: السيف القاطع]. وفي الحديث: "حديث : مَا هَذهِ البُتَيْرَاء؟" تفسير : لمن أوتر بركعة واحدة، فأنكر عليه ابن مسعود. وخطب زياد خطبة بتراء، لم يذكر الله تعالى، ولا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم. وكان للنبي درع يقال لها: "البتراء" سميت بذلك لقصرها وقال ابن السكيت الأبتران: العِيْرُ والعبد، سيما بذلك لقلة خيرهما. [والبتريّة فرقة من الزيدية نسبوا إلى المغيرة بن سعد، ولقبه الأبتر]. وقرأ العامة: "شَانِئك" بالألف، اسم فاعل بمعنى الحال، أو الاستقبال أو الماضي. وقرأ ابن عبَّاس: "شنئك" بغير ألف. فقيل: يجوز أن تكون بناء مبالغة كـ "فعال" و "مفعال"، وقد أثبته سيبويه؛ وأنشد: [الكامل] شعر : 5328- حَذِرٌ أموراً لا تَضِيرُ، وآمِنٌ ما ليْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأقْدَارِ تفسير : وقول زيد الخيل: [الوافر] شعر : 5329- أتَانِي أنَّهُمْ مَزقُونَ عِرْضِي جحَاشُ الكِرمَليْنِ لهَا قَديدُ تفسير : [فإن كان بمعنى الحال، والاستقبال، فإضافته لمفعوله من نصب، وإن كان بمعنى المضي فهي لا من نصب. وقيل: يجوز أن يكون مقصوراً من فاعل كقولهم: بر وبار، وبرد وبارد]. فصل في أقوال العلماء في الآية اختلف المفسرون [في المراد] بقوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} فقيل: هو العاص بن وائل، وكانت العرب تسمي من له بنون، وبنات، ثم مات البنون، وبقي البنات: أبتر. فقيل: إن العاص وقف مع النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه، فقال له جمع من صناديد قريش: مع من كنت واقفاً؟ فقال: مع ذلك الأبتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من خديجة - رضي الله عنها - فأنزل الله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} أي: المقطوع ذكره من خير الدنيا، والآخرة. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان أهل الجاهلية، إذا مات ابن الرجل قالوا: بُتر فلان، فلما توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم خرج أبو جهل لأصحابه، فقال: بتر محمد، فأنزل الله تعالى إن شانئك هو الأبتر يعني أبا جهل. وقال شهر بن عطية: هو عقبة بن أبي معيط. وقال السديُّ وابن زيد: إن قريشاً كانوا يقولون لمن مات له ذكور ولده: قد بتر فلان، فلما مات لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسمُ بـ "مكة"، وإبراهيم بـ "المدينة"، قالوا: بتر محمد، أي: فليس من يقوم بأمره من بعده، فنزلت الآية. وقيل: لما أوحى الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم دعا قريشاً إلى الإيمان قالوا: انبتر منا محمد أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم هم المبتورون قاله عكرمة وشهر بن حوشب. فصل في المعاني التي احتوتها هذه السورة قال أهل العلم: قد احتوت هذه السورة على كونها أقصر سورة في القرآن على معان بليغة، وأساليب بديعة، منها: دلالة استهلال السورة على أنه - تعالى - أعطاه كثيراً من كثير. ومنها: إسناد الفعل للمتكلم المعظم نفسه، ومنها: إيراده بصيغة الماضي تحقيقاً لوقوعه كـ "أتَى أمْرُ اللهِ". ومنها: تأكيد الجملة بـ "إنَّ". ومنها: بناء الفعل على الاسم ليفيد بالإسناد مرتين، ومنها: الإتيان بصيغة تدل على مبالغة الكثرةِ، ومنها حذف الموصوف بالكوثر؛ لأن في حذفه من فرط الإبهام ما ليس في إثباته. ومنها: تعريفه بـ "أل" الجنسية الدالة على الاستغراق، ومنها: فاء التعقيب الدالة على التسبب كما تقدم في "الأنعام" سبب الشكر والعبادة. ومنها: التعريض بمن كانت صلاته ونحره لغير الله تعالى. ومنها: أن الأمر بالصلاة إشارة إلى الأعمال الدينية التي هي الصلاة وأفضلها كالأمر بالنَّحر. ومنها: حذف متعلق "انْحَرْ" إذ التقدير: فصلِّ لربِّك وانحر له. ومنها: مراعاة السجع، فإنه من صناعة البديع العاري عن التكلُّف. ومنها: قوله تعالى: {لِرَبِّكَ} في الإتيان بهذه الصفة دون سائر صفاته الحسنى دلالة على أنه المربِّي، والمصلح بنعمه، فلا يلتمس كلَّ خير إلا منه. ومنها: الالتفات من ضمير المتكلم إلى الغائب في قوله تعالى: {لِرَبِّكَ}. ومنها: جعل الأمر بترك الاحتمال للاستئناف, وجعله خاتمة للإعراض عن الشانئ, ولم يسمه ليشمل كلَّ من اتصف - والعياذ بالله - بهذه الصفة القبيحة, وإن كان المراد به شخصاً معيناً, لَعَيَّنَه الله تعالى. ومنها: التنبيه بذكر هذه الصفة القبيحة، على أنه لم يتصف إلا بمجرد قيام الصفةِ به، من غير أن يؤثر في من شنأه شيئاً - ألبتة - لأن من شنأ شخصاً، قد يؤثر فيه شنؤه. ومنها تأكيد الجملة بـ "إنَّ" المؤذنة بتأكيد الخبر، ولذلك يتلقى بها القسم، وتقدير القسم يصلح هاهنا. ومنها: الإتيان بضمير الفصل المؤذن بالاختصاص والتأكيد إن جعلنا "هُوَ" فصلاً، وإن جعلناه مبتدأ فكذلك يفيد التأكيد إذ يصير الإسناد مرتين. ومنها: تعريف الأبتر بـ "أل" المؤذنة بالخصوصية بهذه الصفة، كأنه قيل: الكامل في هذه الصفة. ومنها: إقباله تعالى على رسوله بالخطاب، من أول السورة إلى آخرها. روى الثعلبي عن أبيّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} سقاه اللَّـهُ - تعالى - من أنهار الجنَّةِ, وأعطي مِنَ الأجْرِ عَشْر حسناتٍ, بعَددِ كُلِّ قربَانٍ قرَّبهُ العبادُ في كُلَّ عيدٍ أو يُقرِّبُونَهُ ". تفسير : وعن مكحول - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} كَانَ لَهُ ما بيْنَ المَشرِقِ والمَغربِ أبعِرةٌ، على كُلِّ كرَاريسُ، كُل كرَّاس مثلُ الدُّنيَا ومَا فيهَا، كتب بدقة الشَّعرِ ليْسَ فِيهَا إلاَّ صفة قصوره، ومنَازله في الجنَّةِ".

البقاعي

تفسير : لما كانت سورة الدين بإفصاحها ناهية عن مساوىء الأخلاق، كانت بإفهامها داعية إلى معالي الشيم، فجاءت الكوثر لذلك، وكانت الدين قد ختمت بأبخل البخلاء وأدنى الخلائق: المنع تنفيراً من البخل ومما جره من التكذيب، فابتدئت الكوثر بأجود الجود. العطاء لأشرف الخلائق ترغيباً فيه وندباً إليه، فكان كأنه قيل: أنت يا خير الخلق غير متلبس بشيء مما نهت عنه تلك المختتمة بمنع الماعون: {إنا} بما لنا من العظمة وأكد لأجل تكذيبهم: {أعطيناك} أي خولناك مع التمكين العظيم، ولم يقل: آتيناك، لأن الإيتاء أصله الإحضار وإن اشتهر في معنى الإعطاء {الكوثر *} الذي هو من جملة الجود على المصدقين بيوم الدين. ولما كان كثير الرئيس أكثر من كثير غيره، فكيف بالملك فكيف بملك الملوك، فكيف إذا أخرجه في صيغة مبالغة فكيف إذا كان في مظهر العظمه، فكيف إذا بنيت الصيغة على الواو الذي له العلو والغلبة فكيف إذا أتت إثر الفتحة التي لها من ذلك مثل ذلك بل أعظم، كان المعنى: أفضنا عليك وأبحناك من كل شيء من الأعيان والمعاني من العلم والعمل وغيرهما من معادن الدارين ومعاونهما الخير الذي لا غاية له، فلا يدخل تحت الوصف، فأغنيناك عن أن تؤثر بذلك أو توفر مالك بجلب نفع أو دفع ضر، ومنه النهر الذي في الجنة ويسقي المؤمنين من الحوض الممدود منه في المحشر الذي مثاله في الدنيا شريعته صلى الله عليه وسلم التي عراها وأسبابها عدد النجوم الذين هم علماء أمته المقتدى بهم، فقد اجتمع لك الغبطتان: أشرف العطاء من أكرم المعطين وأعظمهم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما نهى عباده عما يلتذ به من أراد الدنيا وزينتها من الإكثار والكبر والتعزز بالمال والجاه وطلب الدنيا، أتبع ذلك بما منح نبيه مما هو خير مما يجمعون، وهو الكوثر وهو الخير الكثير، ومنه الحوض الذي ترده أمته في القيامة، لا يظمأ من شرب منه، ومنه مقامه المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون عند شفاعته العامة للخلق وإراحتهم من هول الموقف، ومن هذا الخير ما قدم له في دنياه من تحليل الغنائم والنصر بالرعب والخلق العظيم إلى ما لا يحصى من خيري الدنيا والآخرة مما بعض ذلك خير من الدنيا وما فيها إذ لا تعدل الدنيا وما فيها واحدة من هذه العطايا{أية : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}تفسير : [يونس: 58] ومن الكوثر والخير الذي أعطاه الله كتابه المبين، الجامع لعقل الأولين والآخرين، والشفاء لما في الصدور. ولما كمل له سبحانه من النعم ما لا يأتي عليه حصر مما لا يناسب أدناه نعيم الدنيا بجملتها، قال مبيناً له منبهاً على عظيم ما أعطاه {أية : لا تمدن عينيك إلى ما متعنا}تفسير : [طه: 131] إلى قوله {ورزق ربك خير وأبقى} فقد اضمحل في جانب نعمة الكوثر الذي أوتي كلُّ ما ذكره الله تعالى في الكتاب من نعيم أهل الدنيا وتمكن من تمكن منهم، وهذا أحد موجبات تأخير هذه السورة، فلم يقع بعدها ذكر شيء من نعيم الدنيا ولا ذكر أحد من المتنعمين بها لانقضاء هذا الغرض وتمامه، وسورة الدين آخر ما تضمن الإشارة إلى شيء من ذلك كما تقدم من تمهيد إشاراتها، وتبين بهذا وجه تعقيبها بها - والله تعالى أعلم - انتهى. ولما أعطاه ما فرغه به للعبادة وأكسبه غنى لا حاجة معه، سبب عنه قوله آمراً بما هو جامع لمجامع الشكر: {فصل} أي بقطع العلائق من الخلائق بالوقوف بين يدي الله في حضرة المراقبة شكراً لإحسان المنعم خلافاً للساهي عنها والمرائي فيها. ولما أتى بمظهر العظمة لتكثير العطاء فتسبب عنه الأمر بما للملك من العلو، وكان أمره صلى الله عليه وسلم تكوينياً لا إباء معه، وقع الالتفات إلى صفة الإحسان المقتضي للترغيب والإقبال لما يفيد من التحبيب، مع التصريح بالتوحيد، وإفادة أن العبادة لا تقع إلا شكراً فقال تعالى: {لربك} أي المحسن إليك بذلك سراً وعلناً مراغماً من شئت فلا سبيل لأحد عليك {وانحر *} أي أنفق له الكوثر من المال على المحاويج خلافاً لم يدعهم ويمنعهم الماعون لأن النحر أفضل نفقات العرب لأن الجزور الواحد يغني مائة مسكين، وإذا أطلق العرب المال انصرف إلى الإبل، ولذا عبر عن هذا المراد بالنحر ليفهم الزجر عما كانوا يفعلونه من الذبح للأوثان، ومن معناه أيضاً أظهر الذل والمسكنة والخشوع في الصلاة بوضع اليمنى على اليسرى تحت النحر هيئة الذليل الخاضع، وقد قابل في هذا أربعاً من سورة الدين بأربع، وهي البخل بالإعطاء، وإضاعة الصلاة بالأمر بها، والرياء بالتخصيص بالرب، ومنع الزكاة بالنحر. ولما أمره باستغراق الزمان في عبادة الخالق، والإحسان إلى الخلائق بأعلى الخلائق، علله بما حاصله أنه لا شاغل له ولا حاجة أصلاً تلم به فقال: {إن شانئك} أي مبغضك والمتبرىء منك والمستهين بك مع ما أوتيت من الجمال، والخصال الفاضلة والكمال {هو} أي خاصة {الأبتر *} أي المقطوع من أصله والمقطوع النسل والمعدم والمنقطع الخير والبركة والذكر، لا يعقبه من يقوم بأمره ويذكر به وإن جمع المال، وفرغ بدنه لكل جمال، وأنت الموصول الأمر، النابه الذكر، المرفوع القدر، فلا تلتفت إليهم بوجه من الوجوه، فإنهم أقل من أن يبالي بهم من يفرغ نفسه للفوز بالمثول في حضراتنا الشريفة، والافتخار بالعكوف في أبوابنا العالية المنيفة، لك ما أنت عليه، ولهم ما هم فيه، فالآية الأخيرة النتيجة لأن من الكوثر علو أمره وأمر محبيه وأتباعه في ملكوت السماء والأرض ونهر الجنة وسفول شأن عدوه فيهما، فقد التف كما ترى مفصلها بموصلها، وعرف آخرها من أولها، وعرف أن وسطاها كالحدود الوسطى معانقة للأولى بكونها من ثمارها، ومتصلة بالأخرى لأنها من غايات مضمارها، وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلاً، لم يبق لأحد من مبغضيه ذكر بولد ولا تابع، ولا يوجد لهم شاكر ولا مادح ولا رافع، وأما هو صلى الله عليه وسلم فقد ملأت ذريته من فاطمة الزهراء الأرض، وهم الأشرف مع مبالغة الملوك في قتلهم، وإخلاء الأرض من نسلهم، خوفاً من شرفهم العالي على شرفهم، ورفعتهم بالتواضع الغالب لصلفهم، وإذا راجعت آية{أية : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله}تفسير : [الأحزاب: 40] من الأحزاب علمت أن توفي بنيه عليهم السلام قبله من إعلاء قدره ومزيد تشريفه بتوحيد ذكره، وأما اتباعه فقد استولوا على أكثر الأرض وهم أولو الفرقان، والعلم الباهر والعرفان، ويؤخذ منها أن من فرغ نفسه لربه أهلك عدوه وكفاه كل واحد منهم، وقد علم أن حاصل هذه السورة المن عليه صلى الله عليه وسلم بالخير العظيم الذي من جملته النهر المادّ من الجنة في المحشر المورود لمن اتبعه، الممنوع ممن تأبى عنه وقطعه، وأمره بالصلاة والنحر للتوسعة على المحاويج، والبشارة بقطع دابر أعدائه ونصر جماعة أوليائه، كما أن من مقاصد الأعراف المناظرة لها في رد المقطع على المطلع تهديد الظالمين بالإهلاك في قوله{أية : وكم من قرية أهلكناها}تفسير : [الأعراف: 4]، وتصوير ذلك بذكر مصارع الماضين لمخالفتهم الرسل عليهم الصلاة والسلام والأمر بالصلاة وستر العورة وما يقصد بالنحر بقوله:{أية : خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا}تفسير : الآيات [الأعراف: 31]، وذكر من يمنح ماء الجنة ومن يمنعه بقوله تعالى:{أية : ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أو أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله}تفسير : الآيات [الأعراف: 50]، وقوله تعالى:{أية : ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم}تفسير : [الأعراف: 157] هذا ما يتعلق بتفسير تراكبيها وجملها، وتأويل تفاصيلها ومجملها، وكذا نظيرتها في مبادىء أمرها ومكملها، ثم إن هذه السورة عشر كلمات في الكتابة إشارة إلى أن تمام بتر شانئه يكون مع تمام السنة العاشرة من الهجرة، وكذا كان، لم تمض السنة الحادية عشر من الهجرة وفي جزيرة العرب إلا من يرى أشرف أحواله بذل نفسه وماله في حبه، وإذا أضفنا إليها الضميرين المستترين كانت اثنتا عشرة، وفي السنة الثانية عشرة من النبوة بايعه صلى الله عليه وسلم الأنصار على منابذة الكفار، وإذا أضيف إلى العشرة الضمائر البارزة الخمسة كانت خمس عشرة، فتكون إشارة إنه صلى الله عليه وسلم عند تمام السنة الخامسة عشر من نبوته يبسط يده العالية لبتر أعدائه وكذا كان في وقعة بدر الرفيعة القدر، ففي ضمائر الاستتار كانت البيعة وهي مستترة، وفي الضمائر البارزة كانت بدر وهي مشتهرة، وإذا أضيف إلى ذلك الضميران المستتران كانت سبع عشرة، وفي السنة السابعة عشرة من نبوته كانت غزوة بدر الموعد، وفى فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالوعد في الإتيان إلى بدر للقاء قريش للقتال ومقارعة الأبطال، فآذنهم الله فلم يأتوا، وإنما اعتبر ما بعد الهجرة من أحوال النبوة عندما عدت الكلمات الخطية العشر لكونها أقوى أحوال النبوة كما أن الكلمات الخطية أقوى من الضمائر وإن اشترك الكل في اسم الكلمات، فلذلك أخذ تمام البتر للشانىء وهو ما كان في السنة الحادية عشرة من هلاك أهل الردة وثبات العرب في صفة الإسلام، ولما ضمت الضمائر البارزة الخمسة - التي هي أقرب من المستترة - إلى الكلمات الخطية وأضعف من الكلمات الخطية اعتبر من أول السورة لمناسبة ما كان من ضعف الحال فيما كان قبل الهجرة، فوازى ذلك السنة الثانية من الهجرة التي كانت فيها غزوة بدر الكبرى، وهي وإن كانت من العظم على أمر بالغ جداً لكنها كانت على وجه مخالف للقياس، فإن حال الصحابة رضي الله عنهم كان فيها في غاية الضعف، ولكونها أول ما وقع فيه النصر من الغزوات لم تكن نفوس المخالفين مذعنة لأن ما بعدها يكون مثلها، فإذا ضم إلى ذلك الضميران المستتران - وهما أضعف من البارز - انطبق العدد على سنة غزوة بدر الموعد في سنة أربع، وهي وإن كانت قوية لكون قريش ضعفوا عن اللقاء لكن كان حالها أضعف من بدر التي وقع فيها القتال وأستر، وكون كلماتها الخطية والاصطلاحية التي هي أبعاض الكلمات الخطية سبع عشرة مؤذن بأن الأمر في {فصلِّ} مصوب بالذات بالقصد الأول إلى الصلوات الخمس التي هي سبع عشرة ركعة، وأن من ثابر عليها كان مصلياً خارجاً من عهدة الأمر، فإذا قصدت في السفر بما اقتضته صفة التربية بالإحسان نقصت بقدر عدة الضمائر سوى الذي وفى الأمر بها لأن الأمر الناشىء عن مظهر العظمة لا يليق فيه التخفيف بنفسه كلمة الأمر، وإذا أضفنا إليها كلمات البسملة الأربعة كان لها أسرار كبرى من جهة أخرى، وذلك أن الكلمات الخطية تكون أربع عشرة إشارة إلى أن ابتداء البتر للأضداد يكون بالقوة القريبة من الفعل بالتهييء له في السنة الرابعة عشرة من النبوة، وذلك عام الهجرة، فإذا أضفنا إليها الضمائر البارزة التي هي أقرب إلى الكلمات الخطية وهي خمسة كانت تسع عشرة، وفي السنة التاسعة عشرة من النبوة وهي السادسة من الهجرة كان الفتح المبين على الشانئين الذي أنزل الله فيه سورة الفتح، فإذا أضفنا إليها الضميرين المستترين كانت إحدى وعشرين وهي سنة ثمان من الهجرة سنة الفتح الأكبر الذي عم العلم فيه بأن الشانىء هو الأبتر، وإذا اعتبرت حروفها المتلفظ بها كانت أربعة وأربعين حرفاً، فإذا ناظرتها بالسنين من أول حين النبوة كان آخرها سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، وهي سنة البتر الأعظم لشانئه الأكبر الذي مزق كتابه، وكان مالكاً لبلاد اليمن، وهو قدر كبير من بلاد العرب وكذا لغيرهم مما قارب بلاده، وكانت قريش تجعله من عدادهم كما مضى بيانه في سورة الروم وهو كسرى ملك الفرس، ففيها كان انقراض ملكهم بقتل آخر ملوكهم يزدجرد، كما أنك إذا اعتبرت كلماتها الخطية مع الضمائر البارزة التي هي كلمات اصطلاحية دون ما استتر - فإن وجوب استتاره منع من عده - كانت تسع عشرة كلمة، فإن اعتبرت بها ما بعد الهجرة وازت وقت موت قيصر طاغية الروم في سنة تسع عشرة من الهجرة أهلكه الله، وقد تجهز إلى قتال العرب بالإسكندرية بنفسه، وأمر ألا يتخلف عنه أحد من الروم فكسر الله بموته شوكة الروم، واستأسدت العرب عند ذلك، فكانت الأحرف مشيرة إلى بتر الشانىء من الفرس، والكلمات مشيرة إلى بتر الشانىء من الروم والفرس أولى بإشارة الأحرف لأنهم ليسوا بذوي علم، والروم بالكلمات لأنهم أهل علم، والكلمات أقرب إلى العلم، وإذا اعتبرت أحرف البسملة اللفظية كانت ثمانية عشر حرفاً، فإذا جعلتها سنين من أول النبوة كان آخرها سنة خمس من الهجرة، وفيها "حديث : كانت غزوة الأحزاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافهم منها الآن نغزوهم ولا يغزونا"تفسير : فهو أول أخذ الشانىء في الانبتار، وإذا اعتبرت الأحرف بحسب الرسم كانت تسعة عشر آخرها سنة ست، وهي عمرة الحديبية سنة الفتح السببي وهو الصلح الذي نزلت فيه سورة الفتح وسماه الله فتحاً، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنه أعظم الفتح" تفسير : فكان سبب الفتح الأعظم بخلطة الكفار لأهل الإسلام بالصلح، فأسرعوا إلى الإسلام بالدخول فيه لما رأوا من محاسن الدين وإعجاز القرآن، فكانوا يوم الفتح عشرة آلاف بعد أن كانوا قبل ذلك بسنتين يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة - والله الموفق، هذا يسير من أسرار هذه السورة وقد علم منه من إعجازها ما يشرح الخواطر ويبهج النواظر، لأنه يفوق حسناً على الرياض النواضر، وعلم أيضاً جنون الخبيث المسخرة مسيلمة الكذاب - عليه اللعنة والتباب، وله سوء المنقلب والمآب، حيث قال في معارضتها: إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وهاجر، إنا كفيناك المكابر أو المجاهر، لأنه كلام، مع أنه قصير المدى، ركيك اللحمة والسدى، غريق الساحة والفنا في الهلك والفنا، ليس فيه غنى، بل كله نصب وعنا، هلهل النسج رث القوى، منفصم العرى، مخلخل الأرجا، فاسد المعنى والبنا، سافل الألفاظ مر الجنى، لأن العلل منافية للمعلولات، والشوامل منافرة للمشمولات، ثم رأيت في دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني أن الوسطى من قال: العاهر وجاهر فإن كان بالدين لم يمنع الصدح بالباطل، وذلك لا يرضى به عاقل، وإن كان بالحرب كان على النصف لكل من تدبر فعرف، ولا نص فيه على الغلب بمطلوبيه، ولا طلب مع نقص الجود على كل تقدير، الذي هو المقصود للغني والفقير، والمأمور والأمير، هذا مع الإغارة على الأسلوب والحذو على المعهود غير محاذ {أية : في القصاص حياة}تفسير : [البقرة: 179] في إسقاط "القتل أنفى للقتل" بالرشاقة مع الوجازة، والعذوبة مع البلاغة، في إصابة حاق المعنى بما يقود إلى السماح بالنفس، ويحمل على المبادرة إلى امتثال الأمر، والأولى من سخيف عقل الخسيف، وأكله؟ إلى الخلق مع نقصان المعنى السار للإسرار والأخرى مهملة لذوي الشبه والستر مع ما فاتها من قصر الخسار وخصوص التبار إلى ما حوت من بيان الكذب البتار للأعمار المخرب للديار تصديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم البار بأيدي صحابته الأخيار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار - فسبحان من علا فعلا كلامه كل كلام والسلام والحمد لله على كل حال.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن ميمون قال‏:‏ لما طعن عمر وماج الناس تقدم عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن ‏{‏إنا أعطيناك الكوثر‏} ‏ و ‏{أية : ‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏تفسير : [النصر‏: 1]. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن شبرمة قال‏:‏ ليس في القرآن سورة أقل من ثلاث آيات‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أعطيناك الكوثر‏} ‏ قال‏:‏ نهر في بطنان الجنة حافتاه قباب الدر والياقوت فيه أزواجه وخدمه‏.‏ قال‏:‏ وبأي شيء ذكر ذلك‏؟‏ قال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل من باب الصفا وخرج من باب المروة، فاستقبله العاص بن وائل السهمي، فرجع العاص إلى قريش، فقالت له قريش‏:‏ من استقبلك يا أبا عمرو آنفا‏ً؟‏ قال‏:‏ ذلك الأبتر، يريد به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنزل الله هذه السورة ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر‏}‏ يعني عدوّك العاص بن وائل وهو الأبتر من الخير لا أذكر في مكان إلا ذكرت معي يا محمد، فمن ذكرني ولم يذكرك ليس له في الجنة نصيب، قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت حسان بن ثابت يقول‏: شعر : وحباه الإِله بالكوثر الأكبر فيه النعيم والخيرات تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال‏:‏ ‏حديث : أغفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفع رأسه متبسماً فقال‏:‏ "‏إنه نزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر‏}‏ حتى ختمها، قال‏:‏ هل تدرون ما الكوثر‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم قال‏:‏ هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترده أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي، فيقال‏:‏ إنك لا تدري ما أحدث بعدك" ‏‏‏. تفسير : وأخرج مسلم والبيهقي من وجه آخر بلفظ ثم رفع رأسه فقرأ إلى آخر السورة، قال البيهقي والمشهور فيما بين أهل التفاسير والمغازي أن هذه السورة مكية وهذا اللفظ لا يخالفه فيشبه أن يكون أولى‏.‏ وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏}‏‏ .‏ وأخرج أحمد وابن المنذر وابن مردويه عن أنس أنه قرأ هذه الآية ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏} ‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : أعطيت الكوثر فإذا هو نهر في الجنة يجري ولم يشق شقاً، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي إلى تربته فإذا هو مسكة ذفرة وإذا حصاه اللؤلؤ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"حديث : ‏دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك اذفر‏.‏ قلت‏:‏ ما هذا يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس‏:‏ ‏"حديث : ‏أن رجلاً قال يا رسول الله‏:‏ ما الكوثر‏؟‏ قال‏: نهر في الجنة أعطانيه ربي لهو أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر‏.‏ قال عمر‏:‏ يا رسول الله إنها لناعمة‏.‏ قال‏: آكلها أنعم منها يا عمر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال‏:‏‏ ‏حديث : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: ‏"قد أعطيت الكوثر، قلت يا رسول الله‏:‏ ما الكوثر‏؟‏ قال‏: نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ ولا يتوضأ منه أحد فيتشعث أبداً، لا يشرب منه من أخفر ذمتي ولا من قتل أهل بيتي"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عطاء بن السائب قال‏:‏ قال لي محارب بن دثار ما قال سعيد بن جبير في الكوثر‏؟‏ قلت‏:‏ حدثنا عن ابن عباس أنه الخير الكثير‏.‏ فقال‏:‏ صدقت والله إنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال‏:‏ نزلت ‏{‏إنا أعطيناك الكوثر‏} ‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى‏:‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏}‏ قالت‏:‏ هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم في بطنان الجنة شاطئاه عليه در مجوّف فيه من الآنية والأباريق عدد النجوم‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏}‏ قال‏:‏ الخير الكثير‏.‏ وقال أنس بن مالك‏:‏ نهر في الجنة، وقالت عائشة‏:‏ هو نهر في الجنة ليس أحد يدخل أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أوتيت الكوثر آنيته عدد النجوم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏إنا أعطيناك الكوثر‏} ‏ قال‏:‏ نهر أعطاه الله محمداً في الجنة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر، وماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏}‏ قال‏:‏ نهر في الجنة عمقه سبعون ألف فرسخ ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، شاطئاه الدر والياقوت والزبرجد خص الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم دون الأنبياء‏. وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال‏:‏ الكوثر الخير الذي أعطاه الله إياه‏.‏ قال أبو بشر‏:‏ قلت لسعيد بن جبير‏:‏ فإن ناساً يزعمون أنه نهر الجنة قال‏:‏ النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط عن حذيفة في قوله‏:‏ ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏} ‏ قال‏:‏ نهر في الجنة أجوف فيه آنية من الذهب والفضة لا يعلمها ألا الله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أسامة بن زيد‏:‏ ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حمزة بن عبد المطلب يوماً فلم يجده فسأل امرأته عنه‏؟‏ فقالت‏:‏ خرج آنفاً أو لا تدخل يا رسول الله‏؟‏ فدخل فقدمت له حيساً فأكل فقالت‏:‏ هنيئاً لك يا رسول الله ومريئاً لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك، أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر فقال‏:‏ أجل وأرضه ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‏:‏ ‏"حديث : ‏أن رجلاً قال يا رسول الله‏:‏ ما الكوثر‏؟‏ قال‏: نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله عرضه ما بين إيلة وعدن‏. قال‏:‏ يا رسول الله أله طين أو حال‏.‏ قال‏: نعم المسك الأبيض‏. قال‏:‏ له رضراض حصى‏؟‏ قال‏: نعم رضراضه الجوهر وحصباؤه اللؤلؤ‏.‏ قال‏:‏ أله شجر‏؟‏ قال‏: نعم، حافتاه قضبان ذهب رطبة شارعة عليه‏.‏ قال‏:‏ ألتلك القضبان ثمار‏؟‏ قال‏: نعم تنبت أصناف الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، فيه أكواب وآنية وأقداح تسعى إلى من أراد أن يشرب منها منتشرة في وسطه كأنها الكوكب الدري‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏}‏ قال‏:‏ نهر في الجنة حافتاه قباب الدر فيه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج هناد وابن جرير عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليجعل أصبعيه في أذنيه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ الكوثر خير الدنيا والآخرة‏.‏ وأخرج هناد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ الكوثر ما أعطاه الله من النبوّة والخير والقرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال‏:‏ الكوثر القرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ حديث : لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏}‏ قال‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي‏؟‏ قال‏:‏ إنها ليست بنحيرة، ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله‏:‏ ‏{‏فما استكانوا لربهم وما يتضرعون‏}‏ ‏[المؤمنون: 76‏] "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر في قوله‏:‏ ‏ {‏فصل لربك‏} ‏ قال‏:‏ الصلاة ‏ {‏وانحر‏}‏ قال‏:‏ يرفع يديه أول ما يكبر في الافتتاح‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏فصل لربك وانحر‏} ‏ قال‏:‏ إن الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة فذاك النحر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فصل لربك وانحر‏}‏ قال‏:‏ وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة‏. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏فصل لربك وانحر‏}‏ قال‏:‏ وضع اليمنى على الشمال عند التحرم في الصلاة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ‏ {‏فصل لربك وانحر‏} ‏ قال‏:‏ إذا صليت فرفعت رأسك من الركوع فاستو قائما‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص ‏ {‏فصل لربك وانحر‏} ‏ قال‏:‏ استقبل القبلة بنحرك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏فصل لربك وانحر‏}‏ قال‏:‏ صلي لربك الصلاة المكتوبة واسأل‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه ‏{‏فصل لربك‏}‏ قال‏:‏ اشكر لربك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال‏:‏ كانت هذه الآية يوم الحديبية أتاه جبريل فقال‏ انحر وارجع، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب خطبة الأضحى، ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، فذلك حين يقول‏:‏ ‏{‏فصل لربك وانحر‏}‏ ‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وعطاء وعكرمة ‏ {‏فصل لربك وانحر‏} ‏ قالوا‏:‏ صلاة الصبح بجمع ونحر البدن بمنى‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏وانحر‏}‏ قال‏:‏ الصلاة المكتوبة والذبح يوم الأضحى‏.‏ وأخرج ابن جريرعن قتادة ‏ {‏فصل لربك وانحر‏}‏ قال‏:‏ الأضحى والنحر نحر البدن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ‏ {‏فصل لربك‏}‏ قال‏:‏ صلاة العيد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏وانحر‏}‏ قال‏:‏ البدن‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أنس قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر قبل أن يصلي فأمر أن يصلي ثم ينحر‏.‏ وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وانحر‏} ‏ قال‏:‏ يقول فادع يوم النحر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ لما أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت قريش‏:‏ بتر محمد منا فنزلت ‏{‏إن شانئك هو الأبتر‏}‏‏ . وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش‏:‏ أنت خير أهل المدينة وسيدهم ألا ترى إلى هذا الصابىء المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية وأهل السدانة‏؟‏ قال‏:‏ أنتم خير منه‏.‏ فنزلت ‏ {‏إن شانئك هو الأبتر‏}‏ ونزلت ‏{أية : ‏ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب}‏ تفسير : ‏[النساء: 51]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{أية : ‏فلن تجد له نصيراً‏}تفسير : [النساء: 52] ‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال‏:‏ لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا‏:‏ إن هذا الصابىء قد بتر الليلة، فأنزل الله ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏} ‏ إلى آخر السورة‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال‏:‏ كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية، فمات القاسم وهو أول ميت من ولده بمكة، ثما مات عبد الله، فقال العاصي بن وائل السهمي‏:‏ قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله ‏{‏إن شانئك هو الأبتر‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس قال‏:‏ ولدت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، ثم أبطأ عليه الولد من بعده، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم رجلاً والعاصي بن وائل ينظر إليه إذ قال له رجل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا الأبتر يعني النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت قريش إذا ولد للرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا الأبتر، فأنزل الله ‏ {‏إن شانئك هو الأبتر‏} ‏ أي مبغضك هو الأبتر الذي بتر من كل خير‏. وأخرج البيهقي في الدلائل عن محمد بن علي قال‏:‏ كان القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ أن يركب على الدابة ويسير على النجيبة، فلما قبضه الله قال عمرو بن العاصي‏:‏ لقد أصبح محمد أبتر من ابنه، فأنزل الله ‏ {‏إنا أعطيناك الكوثر‏}‏ عوضاً يا محمد عن مصيبتك بالقاسم ‏{‏فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر‏}‏ قال البيهقي‏:‏ هكذا روي بهذا الإِسناد وهو ضعيف والمشهور أنها نزلت في العاصي بن وائل‏. وأخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه قال‏:‏ توفي القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو آت من جنازته، على العاصي بن وائل وابنه عمرو فقال حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأشنئوه فقال العاصي بن وائل‏:‏ لا جرم لقد أصبح أبتر، فأنزل الله ‏{‏إن شانئك هو الأبتر‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏إن شانئك هو الأبتر‏} ‏ قال‏:‏ هو العاصي بن وائل‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ كانت قريش تقول إذا مات ذكور الرجل‏:‏ بتر فلان، فلما مات ولد النبي صلى الله عليه وسلم قال العاصي بن وائل‏:‏ بتر، والأبتر الفرد‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن جرير وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏إن شانئك‏} ‏ يقول‏:‏ عدوّك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ‏ {‏إن شانئك‏} ‏ قال‏:‏ أبو جهل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن عطية عن إبراهيم قال‏:‏ كان عقبة بن أبي معيط يقول‏:‏ إنه لا يبقى للنبي صلى الله عليه وسلم ولد وهو أبتر، فأنزل الله فيه ‏ {‏إن شانئك هو الأبتر‏}‏ ‏.

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها ثلاث {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ} وقُرِىءَ أَنْطَينَاكَ {ٱلْكَوْثَرَ} أيِ الخيرُ المفرطُ الكثيرُ من شرفِ النبوةِ الجامعةِ لخيريِّ الدارينِ والرياسةِ العامةِ المستتبعةِ لسعادةِ الدُّنيا والدين، فوعلٌ منَ الكثرةِ وقيلَ: هُوَ نهرٌ في الجنةِ وعنِ النبـيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أنه قرأهَا فقالَ: « حديث : أتدرونَ ما الكوثَرُ؟ إنَّه نهرٌ في الجنةِ وَعَدنيهِ ربِّـي فيهِ خيرٌ كثيرٌ » تفسير : ورُويَ في صفتِهِ أنَّه أَحْلَى من العسلِ وأشدُّ بـياضاً من اللبنِ وأبردُ من الثلجِ وألينُ من الزبدِ حافتاهُ الزبرجدُ وأوانيهِ من فضةٍ عددَ نجومِ السماءِ. ورُوي لا يظمأُ من شربَ منْهُ أبداً أولُ وارديهِ فقراءُ المهاجرينَ الدَّنِسُو الثيابِ الشُّعْثُ الرؤوسِ الذينَ لا يزوجونَ المنعمّاتِ ولا تفتحُ لهم أبوابُ السُّدَدِ يموتُ أحدُهم وحاجتُهُ تتلجلجُ في صدرِه لو أقسمَ على الله لأبرَّهُ. وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُما أنه فسرَ الكوثرَ بالخيرِ الكثيرِ فقالَ لَه سعيدُ بنُ جُبـيرٍ: فإنَّ ناساً يقولونَ: هُوَ نهرٌ في الجنةِ فقالَ: هُو منَ الخيرِ الكثيرِ وقيلَ: هو حوضٌ فيهَا وقيلَ: هو أولادُه وأتباعُه أو علماءُ أمتِه أو القرآنُ الحاوِي لخيرِ الدُّنيا والدينِ. والفاءُ في قولِه تعَالَى: {فَصَلّ لِرَبّكَ} لترتيبِ ما بعدَهَا على ما قبلَها فإنَّ إعطاءَهُ تعالَى إيَّاهُ عليهِ السلامُ ما ذكرَ من العطيةِ التي لم يُعطِهَا ولنْ يعطيهَا أحداً منَ العالمينَ مستوجبٌ للمأمورِ بهِ أيَّ استيجابٍ أي فدُمْ على الصلاةِ لربكَ الذي أفاضَ عليكَ هذه النعمةَ الجليلةَ التي لاَ يضاهيهَا نعمةٌ خالصةً لوجهِه خلافَ الساهينَ عنهَا المرائينَ فيهَا أداءً لحقوقِ شكرِهَا فإنَّ الصلاةَ جامعةٌ لجميعِ أقسامِ الشكرِ {وَٱنْحَرْ} البدنَ التي هيَ خيارُ أموالِ العربِ باسمِه تعالَى وتصدقْ على المحاويجِ خلافاً لمن يدعهُمْ ويمنعُ عنهُم الماعونَ. وعن عطيةَ: هيَ صلاةُ الفجرِ بجمعٍ والنحُرُ بمنًى وقيلَ: صلاةُ العيدِ والتضحيةُ وقيلَ: هيَ جنسُ الصلاةِ والنحرُ وضعُ اليمينِ على الشمالِ وقيلَ: هُوَ أنْ يرفعَ يديهِ في التكبـيرِ إلى نحرِه هُوَ المرويُّ عنِ النبـيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ. وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهمَا: استقبلِ القبلةَ بنحركَ وهُو قولُ الفَرَّاءِ والكَلْبـي وأبـي الأَحْوَص {إِنَّ شَانِئَكَ} أيْ مبغضكَ كائناً منْ كانَ {هُوَ ٱلأَبْتَرُ} الذي لاَ عقِبَ لَهُ حيثُ لا يبقَى منهُ نسلٌ ولا حُسنُ ذكرٍ، وأمَّا أنتَ فتبقَى ذريتُكَ وحسنُ صيتكَ وآثارُ فضلكَ إلى يومِ القيامةِ ولكَ في الآخرةِ ما لا يندرجُ تحتَ البـيانِ وقيلَ: نزلتْ في العاصِ بنِ وائلٍ وأياً ما كانَ فلا ريبَ في عمومِ الحكمِ. عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ الكوثرِ سقاهُ الله تعالَى مِنْ كُلِّ نهرٍ في الجنةِ ويكتبُ لهُ عشرُ حسناتٍ بعددِ كُلِّ قُربانٍ قربَهُ العبادُ في يومِ النحرِ".

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ}[1] قال: لما مات القاسم بمكة وإبراهيم بالمدينة قالت قريش: أصبح محمد صلى الله عليه وسلم أبتر، فغاظه ذلك، فنزلت: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ}[1] نعزيه ونعوضه الكوثر، وهو الحوض، تسقي من شئت بإذني، وتمنع من شئت بإذني.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} [الآية: 1]. قال الصادق فى قوله: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} قال: نور فى قلبك دلك علىَّ، وقطعك عما سواى. قال أيضاً: الشفاعة لأمتك. وقال بعضهم: {أَعْطَيْنَاكَ} معجزة أكثرت بها أهل الإجابة لدعوتك. وقال ابن عطاء: الرسالة والنبوة. وقال ابن عطاء معرفة بربوبيتى، وانفراد بوحدانيتى وقدرتى، ومشيئتى. وقال سهل: الحوض، تسقى من شئت بإذنى وتمنع من شئت بإذنى. وقال القاسم فى قوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} [الآية: 3]. أى: متعطل منقطعٌ عن خيرات الدارين أجمع. وقال أبو سعيد القرشى: لما نزلت على النبى صلى الله عليه وسلم: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}تفسير : [الإسراء: 57] قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وموسى كليمًا فبماذا خصصتنى فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} فلم يكتف بذلك فأنزل الله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ} فلم يكتف بذلك، وحوّله أن لا يكتفى لأن السكون إلى الحال سبب قطع المزيد فأنزل الله: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} فلم يكتف بذلك حتى بلغنا أن جبريل صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقرئك السلام وقال: إن كنت اتخذت إبراهيم خليلاً، وموسى كليمًا فقد اتخذتك حبيبًا، وعزتى لأختار حبيبى على خليلى وكليمى فسكنتفسير : ، وهذا أجل من الرضا لأن هذه الدَّالة، والمجادلة لأن الرضا للحبيب، والواله والانبساط للخليل، ألا ترى إلى قصة إبراهيم صلوات الله عليه وحاله البشرى يجادلنا وهو على الانبساط.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ}. {ٱلْكَوْثَرَ}: أي الخبر الكثير. ويقال: هو نَهْرٌ في الجنة. ويقال: النبوَّةُ والكتابُ. وقيل: تخفيف الشريعة. ويقال: كثرةُ أُمَّتِه. ويقال: الأصحابُ والأشياع. ويقال: نورٌ في قلبه. ويقال: معرفته بربوبيته. {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ}. أي صَلِّ صلاةَ العيد {وَٱنْحَرْ} النُّسُك. ويقال: جمع له في الأمر بين: العبادة البدنية، والمالية. ويقال "وانحر" أي استقبِلْ القبلة بنحرك. أو ارفع يديك في صلاتك إلى نحرك. ويقال: ضَعْ يمينك على يسارك في الصلاة واجعلها تحت نَحْرِك. {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ}. أي: لا يُذْكَرُ بخيرٍ، مُنْقَطِعٌ عنه كل خير.

البقلي

تفسير : الكوثر الحقيقة استغراقه فى بحر جماله ودنوه فى منازل توبة وله كوثر القلب يجرى فيه انهار انوار مشاهدة الحق من بحار الازل والابد يزيد فى كل نفس سواقيها الى الابد قال جعفر فى قلبك ذلك على قطعك عما سواى وقال الشفاعة لامتك وقال ابن عطا الرسالة والنبوة وقال معرفة بروبيتى وانفراد بوحدانيى وقدرى ومشيتى وقال الجنيد اعطيناك نور المعرفة وانفراد الوحدانية.

اسماعيل حقي

تفسير : {انا} ان جار مجرى القسم فى تأكيد الجملة {اعطيناك} بصيغة الماضى مع ان العطايا الاخروية واكثر ما يكون فى الدنيا لم تحصل بعد تحقيقا لوقوعها {الكوثر} اى الخير المفرط الكثرة من العلم والعمل وشرف الدارين فوعل من الكثرة كنوفل من النفل وجوهر من الجهر قيل لاعرابية آب ابنها من السفر ثم آب ابنك قالت آب بكوثر اى بالعدد الكثير من الخير قال فى القاموس الكوثر الكثير من كل شئ وفى المفردات وقد يقال للرجل السخى كوثر ويقال تكوثر الشئ كثر كثرة متناهية وروى عنه عليه السلام انه قرأها فقال حديث : اتدرون ما الكوثر انه نهر فى الجنة وعدنيه ربى فيه خير كثير أحلى من العسل وأشد بياضا من اللبن وأبرد من الثلج وألين من الزبد حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء لا يظمأ من شرب منه ابدا اول وارد به فقراء المهاجرين لدنسوا الثياب الشعث الرؤس الذين لا يزوحون المنعمات ولا تفتح لهم ابواب السدد ويموت احدهم وحاجته تتلجلج فى صدره لو أقسم على الله لأبرهتفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه فسر الكوثر بالخير الكثير فقال له سعيد بن جبير ان ناسا يقولون هو نهر فى الجنة فقال هو الخير الكثير وعن عائشة رضى الله عنها من اراد ان يسمع خرير الكوثر فليدخل اصبعيه فى اذنيه وقال عطاء هو حوضه لكثرة وارديه وفى الحديث حديث : حوضى ما بين صنعاء الى ايلة على احدى زواياه ابو بكر وعلى الثانية عمر وعلى الثالثة عثمان وعلى الرابعة على فمن ابغض واحدا منهم لم يسقه الآخرتفسير : فيكون الحوض فى المحشر والاظهر ان جميع نعم الله داخلة فى الكوثر ظاهرة او بطانه فمن الظاهرة خيرات الدنيا والآخرة ومن الباطنة العلوم اللدنية الحاصلة بالفيض الالهى بغير اكتساب بواسطة القوى الظاهرة الباطنة. صاحب تأويلات فرموده كه كوثر معرفت كثرتست بوحدت وشهود وحدت درعين كثرت واين نهريست دربستان معرفت هركه ازو سيراب شدايد ازتشكئ جهالت ايمن است واين معنى خاصه حضرت رسالت عليه السلام وكمل اولياء امت او.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا أعطيناك الكوثرَ} أي: الخير الكثير، مَن شرف النبوة الجامعة لخير الدارين، والرئاسة العامة، وسعادة الدنيا والآخرة, "فَوْعل" من الكثرة، وقيل: هو نهر في الجنة، أحلى من العسل، وأشد بياضاً منَ اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، حافتاه: اللؤلؤ والزبرجد، وأوانيه من فضّةٍ عدد نجوم السماء، لا يظمأ مَن شرب منه أبداً، وأول وارديه: فقراء المهاجرين، الدنسو الثياب، الشعث الرؤوس، الذي لا يتزوّجون المنعَّمات، ولا يفتح لهم أبواب الشُدد ـ أي: أبواب الملوك ـ لخمولهم، يموت أحدهم وحاجته تلجلج في صدره، لو أقسم على الله لأبرَّه. هـ. وفسَّره ابن عباس بالخير الكثير، فقيل له: إنَّ الناس يقولون: هو نهر في الجنة، فقال: النهر من ذلك الخير، وقيل: هو: كثرة أولاده وأتباعه، أو علماء أمته، أو: القرآن الحاوي لخيَري الدنيا والدين. رُوي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : يا رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً، فبماذا خصصتني؟" تفسير : فنزلت: {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ}تفسير : [الضحى:6]، فلم يكتفِ بذلك، فنزلت: {إِنَّا أعطيناك الكوثر} فلم يكتفِ بذلك، وحُقَّ له ألاَّ يكتفي؛ لأنَّ القناعة من الله حرمان، والركون إلى الحال يقطع المزيد، فنزل جبريلُ, وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله تبارك وتعالى يقرئك السلام، ويقول لك: إن كنتُ اتخدتُ إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً، فقد اتخذتك حبيباً، فوعزتي وجلالي لأختارن حبيبي على خليلي وكليمي، فسكن صلى الله عليه وسلم. والفاء في قوله: {فَصَلِّ لربك وانْحَرْ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنَّ إعطاءه تعالى إياه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما ذكر من العطية التي لم يُعطها ولن يُعطها أحد من العالمين، مستوجبة للمأمور به أيّ استيجاب, أي: فدُم على الصلاة لربك، الذي أفاض عليك هذه النِعم الجليلة، التي لا تُضاهيها نعمة، خالصاً لوجهه، خلافاً للساهين المرائين فيها، لتقوم بحقوق شكرها، فإنَّ الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر. {وانْحَرْ} البُدن، التي هي خيار أموال العرب، وتصدَّق على المحاويج, خلافاً لمَن يَدَعَهم ويمنعهم ويمنع عنهم الماعون، وعن عطية: هي صلاة الفجر بجَمْعٍ، والنحر بمِنى، وقيل: صلاة العيد والضَحية، وقيل: هي جنس الصلاة، والنحر وضْعُ اليمين على الشمال تحت نحره. وقيل: هو أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره. وعن ابن عباس: استقبل القبلة بنحرك، أي: في الصلاة. وقاله الفراء والكلبي. {إِنَّ شَانِئَكَ} أي: مُبغضك كانئاً مَن كان {هو الأبْتَرُ} الذي لا عَقِب له، حيث لم يبق له نسْل، ولا حُسن ذكر، وأمّا أنت فتبقى ذريتك، وحُسن صيتك, وآثار فضلك إلى يوم القيامة، لأنَّ كل مَن يُولد مِن المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذِكْرك مرفوع على المنابر، وعلى لسان كل عالم وذاكر، إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله, ويُثني بذكرك، ولك في الآخرة ما لا يندرج تحت البيان، فمثلك لا يقال فيه أبتر, إنما الأبتر شانئك المَنْسي في الدنيا والآخرة. قيل: نزلت في العاص بن وائل، كان يُسَمِّي النبيَّ صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه "عبد الله": أبتر، ووقف مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: مع مَن كنت واقفاً؟ فقال: مع ذلك الأبتر، وكذلك سمّته قريش أبتر وصُنبوراً، ولمّا قَدِمَ كعب بن الأشرف ـ لعنه الله ـ لمكة، يُحرِّض قريشاً عليه صلى الله عليه وسلم قالوا له: نحن أهل السِّقايةِ والسِّدَانة، وأنت سَيِّدُ أهل المدينة، فنحن خير أمْ هذا الصنبور المُنْبَتِر من قومه؟ فقال: أنتم خير، فنزلت في كعب: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ..} تفسير : [النساء:51]، الآية، ونزلت فيهم: {إن شانئك هو الأبتر}. الإشارة: يُقال لخليفة الرسول، الذي تَخلَّق بخُلقه، وكان على قدمه: إنَّا أعطيناك الكوثر: الخير الكثير، لأنَّ مَن ظفر بمعرفة الله فقد حاز الخير كله "ماذا فقد مَن وجدك" فَصَلّ لربك صلاة القلوب، وانحر نفسك وهواك، إنَّ شانئك ومُبغضك هو الأبتر, وأمَّا أنت فذكرك دائم, وحياتك لا تنقطع, لإنَّ موت أهل التُقى حياة لا فناء بعدها. وقال الجنيد: إن شانئك هو الأبتر، إي: المنقطع عن بلوغ أمله فيك. هـ. وصلّى الله على سيدنا محمد، وآله.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله لنبيه صلى الله عليه وآله على وجه تعداد نعمه عليه. يقول {إنا أعطيناك الكوثر} فالاعطاء إخراج الشيء إلى آخذ له، وهو على وجهين: اعطاء تمليك واعطاء غير تمليك. فاعطاء الكوثر إعطاء تمليك، كاعطاء الاجر، وأصله التناول من عطا يعطوا إذا تناول. و {الكوثر} الشيء الذي من شأنه الكثرة، والكوثر الخير الكثير. وهو (فوعل) من الكثرة، قال عطاء: هو حوض النبي صلى الله عليه وآله الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة. وقال ابن عباس: هو الخير الكثير. وروي عن عائشة: أن الكوثر نهر في الجنة جانباه قباب الدرّ والياقوت، وقال الحسن: الكوثر القرآن. وقال ابن عمر: هو نهر يجري في الجنة على الدر والياقوت وقوله {فصل لربك} أمر من الله تعالى لنبيه ويدخل معه جميع المكلفين يأمرهم بالصلاة وأن ينحروا وقال ابن عباس وأنس بن مالك ومجاهد وعطاء: معنى وانحر انحر البدن متقرباً إلى الله بنحرها خلافاً لمن نحرها للاوثان. وقيل: معناه {فصل لربك} صلاة العيد {وانحر} البدن والاضاحي. وقيل: معناه صل لربك الصلاة المكتوبة واستقبل القبلة بنحرك. تقول العرب: منازلنا نتناحر هذا ينحر هذا أي مستقبلة، وانشد بعضهم: شعر : ابا حكم ها انت عم مجالد وسيد أهل الابطح المتناحر تفسير : وروي عن علي عليه السلام أن معناه ضع نئك هو الأبتر} يعني الذي انقطع عنه كل خير. وقيل: إنه أراد به انه لا ولد له على الحقيقة، وأن من اليمنى على اليسرى حذاء النحر - وهذه الرواية غير صحيحة - والمروي عن ابي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أن معناه وانحر البدن والاضاحي. وقوله {إن شانئك هو الأبتر} فالشانئ المبغض تقول: شنئته اشنؤه شناء إذا أبغضته، وقال ابن عباس: معناه عدوك، وهو قول سعيد بن جبير، وقال: هو العاص بن وائل السهمي، فانه قال فى النبي صلى الله عليه وآله إنه أبتر لا عقب له، فقال الله تعالى {إن شاينسب اليه ليس بولد له، والابتر هو المنقطع عن الخير. وقيل: هو الذي لا عقب له - ذكره مجاهد - وقال قتادة: معناه الاقل الاذل بانقطاعه عن الخير. وقيل: قوله {إن شانئك هو الأبتر} جواب لقول قريش انه أبتر لا ولد له ذكر إذا مات قام مقامه يدعو اليه، وقد انقطع أمره. فقيل: إن شانئك هو الابتر الذي ينقطع ما هو عليه من كفره بموته، فكان الامر كما اخبر به، وقيل: الحمار الابتر المقطوع الذنب، فشبه به. وقيل: فى السورة تشاكل المقاطع للفواصل وسهولة مخارج الحروف بحسن التأليف وتقابل المعاني بما هو أولى لان قوله {فصل لربك} احسن من صل لنا، لانه يجب أن يذكر في الصلاة بصفة الربوبية {وانحر} ها هنا أحسن من قوله (وانسكه) لانه على برّ يعم بعد برّ يخص. و {الأبتر} احسن من (الاخس) لانه أدل على الكناية في النفس، فهذه الحروف القليلة قد جمعت المحاسن الكثيرة. ومالها في النفس من المنزلة اكثر بالفخامة والجزالة وعظم الفائدة التي يعمل عليها وينتهى اليها.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} قد فسّر الكوثر بنهرٍ فى الجنّة وهو حوض النّبىّ (ص) عليه آنية عدد نجوم السّماء يذود محمّد (ص) وعلىّ (ع) عنه اعداءهما ويسقيان شيعة علىٍّ (ع) عنه، والكوثر فى اللّغة الكثير من كلّ شيءٍ والكثير الملتفّ من الغبار، والاسلام، والنّبوّة، والرّجل الخيّر المعطاء كالكثير مثل الصّقيل، والسّيّد، ومطلق النّهر ونهر فى الجنّة يتفجّر منه جميع انهارها. اعلم، انّ الولاية هى الكوثر باكثر معانيه وهى الّتى اعطاها بتمام حقيقتها محمّداً (ص) وبسببها اعطاه النّبوّة والرّسالة والعلم والحكم والاتباع الكثير والاولاد الكثيرين والقرآن ودين الاسلام والصّيت والسّلطنة والخير الكثير فى الدّنيا والآخرة، وهى الّتى تكون بصورة النّهر والحوض فى الآخرة وهى الّتى تصوّرت بصورة علىٍّ (ع) فى الدّنيا، وقد اعطاه الله محمّداً (ص) ومنّ به عليه.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي قال: حدثنا فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: لما أنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {إنا أعطيناك الكوثر} قال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: يا رسول الله لقد شرف الله هذا النهر وكرّمه فانعته لنا؟ قال: حديث : نعم يا علي الكوثر نهر يجري من تحت عرش الله، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد، حصاه [ر: حصباؤه] الدر والياقوت والمرجان، ترابه المسك الأذفر وحشيشه الزعفران، سنخ قوائمه عرش رب العالمين، ثمره كأمثال القلال من الزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر والدر الأبيض [ر، أ: ودر أبيض] يستبين ظاهره من باطنه وباطنه من ظاهره. فبكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ثم ضرب بيده إلى علي بن أبي طالب [2: على جنبي] فقال: [أما. 2] والله يا علي ما هو لي وحدي وإنما هو لي ولك ولمحبيك من بعدي . تفسير : فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن المختار بن فلفل قال: سمعت عن أنس يقول:حديث : أغفا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اغفاءة فرفع رأسه متبسماً فقال لهم وقالوا له: يا رسول الله لم ضحكت؟ قال [رسول الله. أ. صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] أنزلت [أ: أنزل. ب: نزلت] علي آنفاً سورة فقرأها {بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك...} حتى ختمها .

الأعقم

تفسير : {إنا أعطيناك الكوثر} نزلت السورة في العاص، وروي أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خرج من المسجد وهو يريد يدخله فتحدثا فسأله ناس من قريش: من الذي كنت تحدث؟ قال: ذلك الأبتر، يعني النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنزلت السورة، وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيَط قال للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأبتر، وقيل: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من قريش، وقيل: توفي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولد يسمّى عبد الله فسمته قريش أبتر، وقيل: نزل قوله: {فصل لربك وانحر} يوم الحديبيَّة حين أحصر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصدوه عن البيت، وقيل: غير ذلك لأن السورة مكية، الكوثر هو في الجنة، وعن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قرأها حين أنزلت فقال: "حديث : أتدرون ما الكوثر؟ انه نهر في الجنة وعدنيه ربي" تفسير : وروي في صفته: "حديث : أحلى من العسل، وأشد بياضاً من اللبن، حافتاه الزبرجد، وآنيتَه من فضة، أكوابه عدد نجوم السَّماء" تفسير : وروي: "حديث : لا يظمأ من شرب منه أبداً أول وارديه فقراء المهاجرين"تفسير : ، وقيل: هو حوض النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقيل: هو الخير الكثير، وقيل: هو القرآن العظيم، وقيل: النبوة، وقيل: كثرة الأشياع والأصحاب، وقيل: الشفاعة، وقيل: المعجزات، وقيل: النسل الكثير كما ظهر في ذريته {فصل لربك وانحر} نحر البدن، وعن عطاء: صلاة الفجر بجمع والنحر بمنى، وقيل: هي صلاة العيد والتضحية، وقيل: جنس صلاة النحر وضع اليمين على الشمال، وقيل: انحر ارفع يدك الى نحرك عند افتتاح الصلاة، وقيل: استقبال القبلة بنحرك، وقيل: ارفع يدك الى نحرك {إن شانئك} أي عدوك {هو الأبتر} أي منقطع عن كل خير، وقيل: الذي لا عقبَ له، وقيل: الأذل الاقل لانقطاعه عن الخير، وانما الابتر هو شانئك المشنئ في الدنيا والآخرة، وكانوا يقولون ان محمداً إذا مات مات ذكره، والشانئ البغيض، الأبتر المقطوع عن الخير وأصل البتر: القطع، وبترت الشيء: قطعته، وسيف باتر: قاطع، ورجل أبتر: لا عقبَ له كأنه قطع نسله، والأبتر من الدواب مقطوع الذنب.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الكوثر، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : بينما أنا في الجنة إذا أنا بنهر حافاته قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا مسك أذفر. فقلت ما هذا يا جبريل، فقال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به قال: حديث : انفجر لي من السلسبيل نهران نهر الرحمة ونهر الكوثر، فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأعطيت الكوثر فسلكته حتى انفجر بي في الجنة . تفسير : وقال مجاهد: الكوثر: الخير كله. وقال الحسن: الكوثر: القرآن. وقال عطاء: الكوثر حوض أعطاه الله النبي عليه السلام في الجنة. ذكروا عن ثوبان، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الكوثر الذي تحدث عنه، فقال: حديث : هو من أيلة إلى عمان، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. أول الناس به وارداً فقراء المهاجرين، الشعث الرؤوس، الدنس الثياب، الذين تفتح لهم أبواب المتعات، الذين يعطون الذي عليهم ولا يعطون الذي لهم .

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} يا محمد وروي أنه قرئ أنا انطيناك بابدال العين نونا وروي أنها قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهي لغة اليمن *{الكَوْثَرَ} فوعل من الكثرة للافراط في الكثرة قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر بم آب ابنك فقالت آب بكوثر. قال الشاعر: شعر : وأنت كبير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثرا تفسير : فقيل المراد القرآن العظيم وهو مذهب الحسن وقيل هو والنبوة والحكمة وقيل كثرة اتباعه وقيل علماء أمه اللهم برحمتك اجعلنا منهم، وقيل أولاده واتباع أمته وقيل حوض في الجنة وقيل نهر فيها وقيل الخير الكثير ذلك وغيره النبوة والقرآن والحكمة والعلم والشفاعة والحوض وكثرة الإتباع والإظهار على الأديان والنصر وكثرة الفتوح في زمانه وبعده والنهر في الجنة وغير ذلك. قال ابن عباس الكوثر الخير الكثير فقال له سعيد بن جبير فإن ناسا يقولون إنه نهر في الجنة فقال هو خير كثير من الخير الكثير، وقال الجمهور أنه نهر في الجنة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : بينما أنا في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه اللؤلؤ فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا مشربه مسك أذفر فقلت ما هذا يا جبريل فقال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك"تفسير : ، وذكر في حديث الإسراء أنه زاده الله شرفا قال "حديث : انفجر لي من السلسبيل نهر الكوثر ونهر الرحمة فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر وسلكت الكوثر حتى انفجر لي في الجنة ". تفسير : وعن أنس "حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ غفا غفوة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله عليه وسلم قال أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} ثم قال أتدرون ما الكوثر قلنا الله ورسوله أعلم قال نهر في الجنة وعدنيه ربي عز وجل فيه خير كثير وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة" تفسير : وفي الحديث دلالة على أن البسملة من السورة لأنه قال أنزلت علي سورة فقرأ البسملة وما بعدها ودلالة على أن السورة مدنية فإن أنسا في المدينة وعن ثوبان عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أول من يرد على الحوض فقراء المهاجرين" تفسير : الدنس ثيابا الشعث رؤوسا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد ويموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره ولو أقسم على الله لأبره وحكى ذلك لعمر بن عبد العزيز فبكى حتى خضل لحيته بالدموع وقال لا جرم أني لا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ ولا أدهن رأسي حتى يشعث والأشعث المغبر الرأس والسدد جمع سدة وهي عتبة باب الدار وروى أنس أول من يرد الحوض على الدابلون الناحلون السائحون الذين إذا جنهم الليل استقبلوه بالحزن والدابل الذي جسده غير ذي وضاة لجوع أو عطش أو تعب أو نحو ذلك والناحل الهزيل، "حديث : وعن زيد بن أرقم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزلا ما فقال أنتم جزء من مائة ألف جزء ممن يريد الحوض قيل كم كنتم يومئذ قال سبعمائة أو ثمان مائة" تفسير : قيل هذا مثال للكثرة والمراد أكثر قلت الحديث نص في الأكثر أو كالنص وجاء أنه أحلى من العسل وأشد بياضا من اللبن وأبرد من الثلج وألين من الزبد حافتاه من الزبرجد وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء وأن من شرب منه لا يضمأ أبدا وجاء أن حافتيه قباب من لؤلؤ أجوف وأن طينه مسك أذفر أي شديد الرائحة وجاء أن فيه طيرا أعناقها كأعناق الجزر، وأن عمر قال له ألعامتنا هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم نعم وجاء أن حصباه الياقوت وجاء عن ابن عمر أن حافية من ذهب وأنه يجري على الدر والياقوت وتربته أطيب من المسك وماؤه أبيض من الثلج وجاء عن عمرو بن العاص أنه مسيرة شهر وريحه أطيب من المسك وعن ابن عمر أمامكم حوضي ما بين جنبيه كما بين جرباء وأدرح وهما قريتان بالشام بينهما ثلاثة أيام والأخيرة في طرف الشام والأولى بجيم فراء ساكنة فباء فألف مقصورة وتمد أيضا والآخرة بهمزة فبدال فراء فجاء مهملة، وعن أنس ما بين صنعاء والمدينة، وفي رواية ما بين آيلة وصنعاء اليمن وعن أبي ذر آنيته أكثر من عدد نجوم السماء في الليلة المظلمة الصاحية فيه ميزبان من الجنة عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى آيلة وعمان بفتح العين وتشديد الميم بلدة بالبلقاء من أرض الشام وآيلة بفتح فإسكان مدينة في طرف الشام على ساحل البحر بين دمشق ومصر آخر الحجاز وأول الشام بينها وبين المدينة خمس عشرة مرحلة أو نحو ذلك وإلى مصر ثمان مراحل وإلى دمشق إثنتا عشرة واحترز بصنعاء اليمن من صنعاء دمشق "حديث : وعن ثوبان أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أرضه فقال من مقامي إلى عمان وإن الميزانين أحدهما من ذهب والآخر من ورق" تفسير : وروي ميزبان يمدانه من الجنة وروي يشخبان بالإعجام أي يسيلان وروي يغشبان بالإعجام والتشديد وكسر الغين وفتحها أي يتتابع دفعهما ويشتد وجاء أنه يرده أمتي فيختلج العبد منه أي يجذب فأقول يا رب إنه من أمتي فقال ما تدري ما أحدث بعدك. وعن ابن مسعود أنا فرطكم على الحوض وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا هويت لأناولهم اختلجوا دوني فأقول أي ربي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وفي رواية عن أنس ليردن على الحوض رجال من صحابتي فيختلجوا دوني فلأقولن رب أصحابي فليقالن إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك وفي رواية فأقول سحقا لمن بدل بعدي، والفرط بفتحتين الذي يتقدم للماء ويهيأ الدلو والحوض ونحوهما وروي أني عند عقدي حوضي أذوذ الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرقص عليهم والعقد ضم العين المهملة وإسكان القاف موقف الإبل من الحوض وقيل مؤخر الحوض وأذوذ أضرب ويرقص يسيل وهذه منقبة عظيمة لأهل اليمن وعن أبي هريرة يرد على الحوض رهطان من أصحابي وقال من أمتي يختلجون عن الحوض فأقول أي ربي أصحابي فيقال لا علم لك بما أحدثوا ارتدوا علي أدبارهم القهقرى وفي رواية أذوذ غير أمتي فقيل لي هل تعرفنا قال تردون غرا محجلين من الوضوء وتصد طائفة منكم فأقول أي رب من أصحابي فيجيبني ملك بقول وهل تدري ما أحدثوا بعدك. وعن حذيفة وأبي هريرة أن حوضي لأبعد من آيلة إلى عدن ولا أذودن رجالا كما يذاذ البعير لغير صاحب الحوض، وتلك الأحاديث صحيحة قريبة من التواتر، قال عياض يجب الإيمان بها ومسافة طول الحوض وقربه مختلفة في الروايات السابقة والوقوف على أبعدها ولما القريبة فتمثيل كما يضرب المثل بالسبعين عن الألف وأكثر والذين يختلجون المرتدون وأصحاب الكبائر غير التائبين وهم أهل السحق والخلود في النار هذا مذهبنا معشر الأباضية واختلف قومنا فقيل المراد المنافقون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وقيل المرتدون في زمان أبي بكر رضي الله عنه حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب مسيلمة الكذاب، وقيل أصحاب الكبائر من أهل التوحيد قالوا يجوز أن يزادوا عنه عقوبة ثم يدخلوا الجنة بلا عذاب في النار قال عياض منهم ظاهر حديث من شرب منه لم يظمأ أبدا إن الشرب بعد الحساب والنجاة من النار وإنه يحتمل أن من شرب منه ولو دخل النار لا يعذب فيها بالظمأ وبعض الأحاديث يدل على أن الحوض من الجنة إلى خارجها ويشربون منه خارجها ثم يدخلونها، وبعضها علي أنه فيها وذكر الشنواني أن الأظهر عند المحققين وقيل المعجزات الكثيرة وقيل المعرفة وأن في رواية ماؤه أبيض من الورق وفي رواية ولا يسود وجهه أبدا وإنه قيل لا يشرب منه إلا من قدرت له السلامة من النار وإن المراد بالسدد أبواب السلاتين وقيل الحوض في المحشر والكوثر في الجنة يصب في الحوض. قال الشهبلي ومما جاء في معنى الكوثر ما رواه ابن أبي تجيش عن عائشة رضي الله عنها الكوثر نهر في الجنة لا يدخل أحد أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر وفي رواية عنها قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله أعطاني نهرا يقال له الكوثر لا يشاء أحد من أمتي أن يسمع خريره إلا سمعه قلت يا رسول الله وكيف ذلك قال ادخلي اصبعيك في أذنيك فالذي تسمعين فيها هو من خرير الكوثر ".

اطفيش

تفسير : فوعل من الكثرة المفرطة وهو صيغة مبالغة وهو صفة لمحذوف أى الخير الكوثر ومذهب الجمهور أنه نهر فى الجنة قال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : هل تدرون ما الكوثر قالوا الله ورسوله أعلم قال: هو نهرٌ أعطانبه ربى فى الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتى يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أُمتى فيقال إنك لا تدرى ما أحدث بعدك"تفسير : ويروى حديث : يذاد عنه رجال من أصحابى فأقول يا رب أصحابى فيقال ما تدرى ما أحدثوا بعدك، فأَقول سحقاً سحقاً تفسير : قال أنس دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال حديث : قد أعطيت الكوثر قلت يا رسول ما الكوثر قال نهر فى الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ ولا يتوضأ منه أحد فيشعت أبداً، لا يشرب منه من أخفر ذمتى ولا من قتل أهل بيتىتفسير : ، وعن عائشة هو نهر فى الجنة عمقه سبعون ألف فرسخ ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل شاطئاه الدر والياقوت والزبرجد خص الله به نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - من بين الأَنبياءِ عليهم السلام وقالت ليس أحد يدخل إصبعه فى أذنيه إلاَّ سمع خرير ذلك النهر أى صوته كصوت الأُذنين إذا سدتا، وعن أنس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري في الماء فإذا مسك أذفر قلت ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله تعالى"تفسير : وقيل هو حوضه في المحشر ينصب فيه ماء من عينه في الجنة قيل هو قريب من الجنة حيث يحتبس أهلها ليحالوا من المظالم بينهم فى الأرض المبدلة، وعلى نهره فى الجنة طير أعناقها كأعناق الجزور قال عمر هى ناعمة فقال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : اكلها أنعم "تفسير : وعنه - صلى الله عليه وسلم - حديث : حوضي كما بين جرباء وأدرج تفسير : وهما قريتان فى الشام بينهما ثلاثة أيام ويروى كما بين صنعاء والمدينة ويروى ما بين المدينة وعمان بفتح العين وشد الميم موضع فى الشام ويروى ما بين صنعاء وأيلة ويروى ما بين صنعاءِ والمدينة، ويروى ما بين أيلة وعدن واختلاف الروايات يدل على أن المراد التمثيل بالوسع لكل أحد بما يعقل وبين أيلة والمدينة خمس عشرة مرحلة وأيلة آخر الحجاز وأول الشام والمخصوص به هو هو الذى فى الجنة وأما فى المحشر فلكل نبى حوض وأنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإنى ارجو أن أكون أكثرهم واردة، وقيل الكوثر أولاده لأَن السورة رد على من قال أبتر، وقيل أصحابه وأشياعه إلى يوم القيامة وقيل علماء أمته، وعن الحسن أنه القرآن وفضائله لا تحصى وقيل تيسير القرآن وتخفيف الشرائع، وقيل الإسلام، وقيل التوحيد، وقيل النبوة، وقيل نور قلبه - صلى الله عليه وسلم - وقيل العلم والحكمة، وقيل إيثاره غيره على نفسه فى المنافع، وقيل فضائله، وقيل المقام المحمود، وقيل الخير الكثير والنعم الدنيوية والأُخروية من الفضائل والفواصل وما خص فهو تمثيل لا حصر ومعنى أعطيناك الكوثر ملكناكه من الآن وستقبضه يوم القيامة وفى هذا غنى عن قولك الماضى بمعنى المضارع، وفى الخطاب مزيد تعظيم وتبشير وأنه مجرد فضل ولو قيل أعطينا الرسول أو النبى أو نحو ذلك من المشتقات فربما توهم أنه أعطيه لمضمون ذلك المشتق من الرسالة أو النبوة أو نحو ذلك.

الالوسي

تفسير : {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ } وقرأ الحسن وطلحة وابن محيصن والزعفراني (أنطيناك) بالنون وهي على ما قال التبريزي لغة العرب العرباء من أولي قريش وذكر غيره أنها لغة بني تميم وأهل اليمن وليست من الإبدال الصناعي في شيء ومن كلامه صلى الله عليه وسلم ((حديث : اليد العليا المنطية واليد السفلى المنطاة))تفسير : وكتب عليه الصلاة والسلام لوائل حديث : أنطوا الثبجة أي الوسط في الصدقة تفسير : . {ٱلْكَوْثَرَ } فيه أقوال كثيرة فذهب أكثر المفسرين إلى أنه نهر في الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث المتقدم آنفاً المروي عن الإمام أحمد ومسلم ومن معهما حديث : هل تدرون ما الكوثر قالوا الله تعالى ورسوله أعلم قال هو نهر أعطانيه ربـي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدكتفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام على ما أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم ((حديث : دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك إذفر قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله تعالى))تفسير : وجاء في حديث عن أنس أيضاً قال حديث : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد أعطيت الكوثر قلت يا رسول الله وما الكوثر قال نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ ولا يتوضأ منه أحد فيشعث أبداً لا يشرب منه من أخفر ذمتي ولا من قتل أهل بيتي.تفسير : وروي عن عائشة أنها قالت هو نهر في الجنة عمقه سبعون ألف فرسخ ماؤه أشد بياضاً / من اللبن وأحلى من العسل شاطئاه الدر والياقوت والزبرجد خص الله تعالى به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقالت ليس أحد يدخل أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر وهو على التشبيه البليغ. وقيل هو حوض له عليه الصلاة والسلام في المحشر. وقول بعضهم الاختلاف في الروايات سببه ملاحظة اختلاف سرعة السير وعدمها وهو قبل الميزان والصراط عند بعض وبعدهما قريباً من باب الجنة حيث يحبس أهلها من أمته صلى الله عليه وسلم ليتحاللوا من المظالم التي بينهم عند آخرين ويكون على هذا في الأرض المبدلة. وقيل له صلى الله عليه وسلم حوضان حوض قبل الصراط وحوض بعده ويسمى كل منهما على ما حكاه القاضي زكريا كوثراً وصحح رحمه الله تعالى أنه بعد الصراط وأن الكوثر في الجنة وأن ماءه ينصب فيه ولذا يسمى كوثراً وليس هو من خواصه عليه الصلاة والسلام كالنهر السابق بل يكون لسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يرده مؤمنو أممهم ففي حديث الترمذي حديث : إن لكل نبـي حوضاً وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردةتفسير : وهو كما قال حديث حسن غريب. وهذه الحياض لا يجب الإيمان بها كما يجب الإيمان بحوضه عليه الصلاة والسلام عندنا خلافاً للمعتزلة النافين له لكون أحاديثه بلغت مبلغ التواتر بخلاف أحاديثها فإنها آحاد بل قيل لا تكاد تبلغ الصحة ورأيت في بعض الكتب أن الكوثر هو النهر الذي ذكره أولاً وهو الحوض وهو على ظهر ملك عظيم يكون مع النبـي صلى الله عليه وسلم حيث يكون فيكون في المحشر إذ يكون عليه الصلاة والسلام فيه وفي الجنة إذ يكون عليه الصلاة والسلام فيها ولا يعجز الله تعالى شيء. وقيل هو أولاده عليه الصلاة والسلام لأن السورة نزلت رداً على من عابه صلى الله عليه وسلم وهم والحمد لله تعالى كثيرون قد ملؤا البسيطة وقال أبو بكر بن عباس ويمان بن وثاب أصحابه وأشياعه صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة وقيل علماء أمته صلى الله عليه وسلم وهم أيضاً كثيرون في كل قطر وإن كانوا اليوم في بعض الأقطار والأمر لله تعالى أقل قليل وعن الحسن أنه القرآن وفضائله لا تحصى وقال الحسين بن الفضل هو تيسير القرآن وتخفيف الشرائع وقيل هو الإسلام وقال هلال هو التوحيد وقال عكرمة هو النبوة وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه هو نور قلبه صلى الله عليه وسلم وقيل هو العلم والحكمة وقال ابن كيسان هو الإيثار وقيل هو الفضائل الكثيرة المتصف بها عليه الصلاة والسلام وقيل المقام المحمود وقيل غير ذلك وقد ذكر في «التحرير» ستة وعشرين قولاً فيه وصحح في «البحر» قول النهر وجماعة أنه الخير الكثير والنعم الدنيوية والأخروية من الفضائل والفواضل ورواه ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد وهو المشهور عن الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقد أخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبـي بشر عن سعيد بن جبير عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال الكوثر الخير الذي أعطاه الله تعالى إياه عليه الصلاة والسلام قال أبو بشر قلت لسعيد فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة قال النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله عز وجل إياه صلى الله عليه وسلم وحكى هذا الجواب عن ابن عباس نفسه أيضاً وفيه إشارة إلى أن ما صح في الأحاديث من تفسيره صلى الله عليه وسلم إياه بالنهر من باب التمثيل والتخصيص لنكتة وإلا فبعد أن صح الحديث في ذلك بل كاد يكون متواتراً كيف يعدل عنه إلى تفسير آخر وكذا يقال في سائر ما في الأقوال السابقة وغيرها. وهو فوعل من الكثرة صيغة مبالغة الشيء الكثير كثرة مفرطة قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر بم آب ابنك قالت بكوثر وقال الكميت: شعر : وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثرا تفسير : / وفي حذف موصوفه ما لا يخفى من المبالغة على ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية. وفي إسناد الإعطاء إليه دون الإيتاء إشارة إلى أن ذلك إيتاء على جهة التمليك فإن الإعطاء دونه كثيراً ما يستعمل في ذلك ومنه قوله تعالى لسليمان عليه السلام: {أية : هذا عَطَاؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ}تفسير : [ص: 39] بعد قوله {أية : هَبْ لِى مَلَكًا}تفسير : [ص: 35] وقيل فيه إشارة إلى أن المعطي وإن كان كثيراً في نفسه قليل بالنسبة إلى شأنه عليه الصلاة والسلام بناء على أن الإيتاء لا يستعمل إلا في الشيء العظيم كقوله تعالى: {أية : وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ }تفسير : [البقرة: 251]{أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً}تفسير : [سبأ: 10]{أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ}تفسير : [الحجر: 87] والإعطاء يستعمل في القليل والكثير كما قال تعالى {أية : وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ}تفسير : [النجم: 34] ففيه من تعظيمه عليه الصلاة والسلام ما فيه. وقيل التعبير بذلك لأنه بالتفضل أشبه بخلاف الإيتاء فإنه قد يكون واجباً ففيه إشارة إلى الدوام والتزايد أبداً لأن التفضل نتيجة كرم الله تعالى الغير المتناهي وفي جعل المفعول الأول ضمير المخاطب دون الرسول أو نحوه إشعار بأن الإعطاء غير معلل هو من محض الاختيار والمشيئة وفيه أيضاً من تعظيمه عليه الصلاة والسلام بالخطاب ما لا يخفى. وجوز أن يكون في إسناد الإعطاء إلى نا إشارة إلى أنه مما سعى فيه الملائكة والأنبياء المتقدمون عليهم السلام. وفي التعبير بالماضي قيل إشارة إلى تحقق الوقوع وقيل إشارة إلى تعظيم الإعطاء وأنه أمر مرعى لم يترك إلى أن يفعل بعدو قيل إشارة إلى بشارة أخرى كأنه قيل إنا هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في الوجود فكيف نهمل أمرك بعد وجودك واشتغالك بالعبودية وقيل إشارة إلى أن حكم الله تعالى بالإغناء والإفقار والإسعاد والإشقاء ليس أمراً محدثاً بل هو حاصل في الأزل. وبنى الفعل على المبتدأ للتأكيد والتقوي وجوز أن يكون للتخصيص على بعض الأقوال السابقة في الكوثر وفي تأكيد الجملة بإن ما لا يخفى من الاعتناء بشأن الخبر وقيل لرد استبعاد السامع الإعطاء لما أنه لم يعلل والمعطى في غاية الكثرة وجوز أن يكون لرد الإنكار على بعض الأقوال في الكوثر أيضاً والفاء في قوله تعالى: {فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ}.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة خالصة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كسورة الضحى، وسورة الشرح. يسري عنه ربه فيها، ويعده بالخير، ويوعد أعداءه بالبتر، ويوجهه إلى طريق الشكر. ومن ثم فهي تمثل صورة من حياة الدعوة، وحياة الداعية في أول العهد بمكة. صورة من الكيد والأذى للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعوة الله التي يبشر بها؛ وصورة من رعاية الله المباشرة لعبده وللقلة المؤمنة معه؛ ومن تثبيت الله وتطمينه وجميل وعده لنبيه ومرهوب وعيده لشانئه. كذلك تمثل حقيقة الهدى والخير والإيمان. وحقيقة الضلال والشر والكفران.. الأولى كثرة وفيض وامتداد. والثانية قلة وانحسار وانبتار. وإن ظن الغافلون غير هذا وذاك. ورد أن سفهاء قريش ممن كانوا يتابعون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعوته بالكيد والمكر وإظهار السخرية والاستهزاء. ليصرفوا جمهرة الناس عن الاستماع للحق الذي جاءهم به من عند الله، من أمثال العاص ابن وائل، وعقبة بن أبي معيط، وأبي لهب، وأبي جهل، وغيرهم، كانوا يقولون عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنه أبتر. يشيرون بهذا إلى موت الذكور من أولاده. وقال أحدهم: دعوه فإنه سيموت بلا عقب وينتهي أمره! وكان هذا اللون من الكيد اللئيم الصغير يجد له في البيئة العربية التي تتكاثر بالأبناء صدى ووقعاً. وتجد هذه الوخزة الهابطة من يهش لها من أعداء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشانئيه، ولعلها أوجعت قلبه الشريف ومسته بالغم أيضاً. ومن ثم نزلت هذه السورة تمسح على قلبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالرّوح والندى، وتقرر حقيقة الخير الباقي الممتد الذي اختاره له ربه؛ وحقيقة الانقطاع والبتر المقدر لأعدائه. {إنا أعطيناك الكوثر}.. والكوثر صيغة من الكثرة.. وهو مطلق غير محدود. يشير إلى عكس المعنى الذي أطلقه هؤلاء السفهاء.. إنا أعطيناك ما هو كثر فائض غزير. غير ممنوع ولا مبتور.. فإذا أراد أحد أن يتتبع هذا الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه فهو واجده حيثما نظر أو تصور. هو واجده في النبوة. في هذا الاتصال بالحق الكبير، والوجود الكبير. الوجود الذي لا وجود غيره ولا شيء في الحقيقة سواه. وماذا فقد من وجد الله؟ وهو واجده في هذا القرآن الذي نزل عليه. وسورة واحدة منه كوثر لا نهاية لكثرته، وينبوع ثر لا نهاية لفيضه وغزارته! وهو واجده في الملأ الأعلى الذي يصلي عليه، ويصلي على من يصلي عليه في الأرض، حيث يقترن اسمه باسم الله في الأرض والسماء. وهو واجده في سنته الممتدة على مدار القرون، في أرجاء الأرض. وفي الملايين بعد الملايين السائرة على أثره، وملايين الملايين من الألسنة والشفاه الهاتفة باسمه، وملايين الملايين من القلوب المحبة لسيرته وذكراه إلى يوم القيامة. وهو واجده في الخير الذي فاض على البشرية في جميع أجيالها بسببه وعن طريقه. سواء من عرفوا هذا الخير فآمنوا به، ومن لم يعرفوه ولكنه فاض عليهم فيما فاض! وهو واجده في مظاهر شتى، محاولة إحصائها ضرب من تقليلها وتصغيرها! إنه الكوثر، الذي لا نهاية لفيضه، ولا إحصاء لعوارفه، ولا حد لمدلوله. ومن ثم تركه النص بلا تحديد، يشمل كل ما يكثر من الخير ويزيد.. وقد وردت روايات من طرق كثيرة أن الكوثر نهر في الجنة أوتيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن ابن عباس أجاب بأن هذا النهر هو من بين الخير الكثير الذي أوتيه الرسول. فهو كوثر من الكوثر! وهذا هو الأنسب في هذا السياق وفي هذه الملابسات. {فصل لربك وانحر}. بعد توكيد هذا العطاء الكثير الفائض الكثرة، على غير ما أرجف المرجفون وقال الكائدون، وجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى شكر النعمة بحقها الأول. حق الإخلاص والتجرد لله في العبادة وفي الاتجاه.. في الصلاة وفي ذبح النسك خالصاً لله: {فصل لربك وانحر}.. غير ملق بالاً إلى شرك المشركين، وغير مشارك لهم في عبادتهم أو في ذكر غير اسم الله على ذبائحهم. وفي تكرار الإشارة إلى ذكر اسم الله على الذبائح، وتحريم ما أهل به لغير الله، وما لم يذكر اسم الله عليه.. ما يشي بعناية هذا الدين بتخليص الحياة كلها من عقابيل الشرك وآثاره. لا تخليص التصور والضمير وحدهما. فهو دين الوحدة بكل معنى من معانيها، وكل ظل من ظلالها؛ كما أنه دين التوحيد الخالص المجرد الواضح. ومن ثم فهو يتتبع الشرك في كل مظاهره، وفي كل مكامنه؛ ويطارده مطاردة عنيفة دقيقة سواء استكن في الضمير، أم ظهر في العبادة، أم تسرب إلى تقاليد الحياة فالحياة وحدة ما ظهر منها وما بطن، والإسلام يأخذها كلا لا يتجزأ، ويخلصها من شوائب الشرك جميعاً، ويتجه بها إلى الله خالصة واضحة ناصعة، كما نرى في مسألة الذبائح وفي غيرها من شعائر العبادة أو تقاليد الحياة.. {إن شانئك هو الأبتر}.. في الآية الأولى قرر أنه ليس أبتر بل هو صاحب الكوثر. وفي هذه الآية يرد الكيد على كائديه، ويؤكد ـ سبحانه ـ أن الأبتر ليس هو محمد، إنما هم شانئوه وكارهوه. ولقد صدق فيهم وعيد الله. فقد انقطع ذكرهم وانطوى. بينما امتد ذكر محمد وعلا. ونحن نشهد اليوم مصداق هذا القول الكريم، في صورة باهرة واسعة المدى كما لم يشهده سامعوه الأولون! إن الإيمان والحق والخير لا يمكن أن يكون أبتر. فهو ممتد الفروع عميق الجذور.وإنما الكفر والباطل والشر هو الأبتر مهما ترعرع وزها وتجبر.. إن مقاييس الله غير مقاييس البشر. ولكن البشر ينخدعون ويغترون فيحسبون مقاييسهم هي التي تقرر حقائق الأمور! وأمامنا هذا المثل الناطق الخالد.. فأين الذين كانوا يقولون عن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولتهم اللئيمة، وينالون بها من قلوب الجماهير، ويحسبون حينئذ أنهم قد قضوا على محمد وقطعوا عليه الطريق؟ أين هم؟ وأين ذكراهم، وأين آثارهم؟ إلى جوار الكوثر من كل شيء، ذلك الذي أوتيه من كانوا يقولون عنه: الأبتر؟! إن الدعوة إلى الله والحق والخير لا يمكن أن تكون بتراء ولا أن يكون صاحبها أبتر، وكيف وهي موصولة بالله الحي الباقي الأزلي الخالد؟ إنما يبتر الكفر والباطل والشر ويبتر أهله، مهما بدا في لحظة من اللحظات أنه طويل ممتد الجذور.. وصدق الله العظيم. وكذب الكائدون الماكرون..

ابن عاشور

تفسير : افتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر. والإِشعار بأنه شيء عظيم يستتبع الإِشعار بتنويه شأن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في { أية : إنا أنزلناه في ليلة القدر } تفسير : [القدر: 1]. والكلام مسوق مساق البشارة وإنشاء العطاء لا مساق الإخبار بعطاء سابق. وضمير العظمة مشعر بالامتنان بعطاء عظيم. و{الكوثر}: اسم في اللغة للخير الكثير صيغ على زِنة فوْعل، وهي من صيغ الأسماء الجامدة غالباً نحو الكوكب، والجورب، والحوشب والدوسر، ولا تدل في الجوامد على غير مسماها، ولما وقع هنا فيها مادة الكَثْر كانت صيغته مفيدة شدة ما اشتقت منه بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى، ولذلك فسره الزمخشري بالمفرط في الكثرة، وهو أحسن ما فُسر به وأضبطُه، ونظيره: جَوْهر، بمعنى الشجاع كأنه يجاهر عدوّه، والصومعة لاشتقاقها من وصف أصمع وهو دقيق الأعضاء لأن الصومعة دقيقة لأن طولها أفرط من غلظها. ويوصفُ الرجل صاحب الخير الكثير بكَوثر من باب الوصف بالمصدر كما في قول لبيد في رثاء عوف بن الأحوص: الأسدي شعر : وصاحب ملحوب فُجعنا بفقده وعند الرّداع بيتُ آخر كوثر تفسير : (ملحوب والرداع) كلاهما ماء لبني أسد بن خزيمة، فوصف البيت بكوثر ولاحظ الكميت هذا في قوله في مدح عبد الملك بن مروان: شعر : وأنتَ كثيرٌ يا ابنَ مروان طيبٌ وكان أبوك ابنُ العقايل كَوْثرا تفسير : وسمي نهر الجنة كوثراً كما في حديث مسلم عن أنس بن مالك المتقدم آنفاً. وقد فسر السلف الكوثر في هذه الآية بتفاسير أعمها أنه الخير الكثير، وروي عن ابن عباس، قال سعيد بن جبير فقلت لابن عباس: إن ناساً يقولون هو نهر في الجنة، فقال: هو من الخير الكثير. وعن عكرمة: الكوثر هنا: النبوءة والكتاب، وعن الحسن: هو القرآن، وعن المغيرة: أنه الإِسلام، وعن أبي بكر بن عَيَّاش: هو كثرة الأمة، وحكى الماوردي: أنه رفعة الذكر، وأنه نور القلب، وأنه الشفاعة، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم المروي في حديث أنس لا يقتضي حصر معاني اللفظ فيما ذكره. وأريد من هذا الخبر بشارة النبي صلى الله عليه وسلم وإزالةُ ما عسى أن يكون في خاطره من قول من قال فيه: هو أبتر، فقوبل معنى الأبتر بمعنى الكوثر، إبطالاً لقولهم. وقوله: {فصل لربك} اعتراض والفاء للتفريع على هذه البشارة بأن يشكر ربه عليها، فإن الصلاة أفعال وأقوال دالة على تعظيم الله والثناء عليه وذلك شكر لنعمته. وناسب أن يكون الشكر بالازدياد مما عاداه عليه المشركون وغيرهم ممن قالوا مقالتهم الشنعاء: إنه أبتر، فإن الصلاة لله شكر له وإغاظة للذين ينهونه عن الصلاة كما قال تعالى: { أية : أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى } تفسير : [العلق: 9، 10] لأنهم إنما نهَوْه عن الصلاة التي هي لوجه الله دون العبادة لأصنامهم، وكذلك النحر لله. والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في قوله: {فصل لربك} دون: فصلِّ لنا، لما في لفظ الرب من الإِيماء إلى استحقاقه العبادة لأجل ربوبيته فضلاً عن فرط إنعامه. وإضافة (رب) إلى ضمير المخاطب لقصد تشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتقريبه، وفيه تعريض بأنه يربُّه ويرأف به. ويتعين أن في تفريع الأمر بالنحر مع الأمر بالصلاة على أن أعطاه الكوثر خصوصية تناسب الغرض الذي نزلت السورة له، ألا ترى أنه لم يذكر الأمر بالنحر مع الصلاة في قوله تعالى: { أية : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } تفسير : في سورة الحجر (97، 98). ويظهر أن هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صدّ المشركين إيّاه عن البيت في الحديبية، فأعلمه الله تعالى بأنه أعطاه خيراً كثيراً، أي قدره له في المستقبل وعُبر عنه بالماضي لتحقيق وقوعه، فيكون معنى الآية كمعنى قوله تعالى: { أية : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } تفسير : [الفتح: 1] فإنه نزل في أمر الحديبية فقد قال له عمر بن الخطاب: أفتح هذا؟ قال: نعم. وهذا يرجع إلى ما رواه الطبري عن قول سعيد بن جبير: أن قوله: {فصلّ لربك وانحر} أمر بأن يصلي وينحر هديه وينصرفَ من الحديبية. وأفادت اللام من قوله: {لربك} أنه يخُص الله بصلاته فلا يصلي لغيره. ففيه تعريض بالمشركين بأنهم يصلون للأصنام بالسجود لها والطواف حولها. وعطف {وانحر} على {فصلّ لربك} يقتضي تقدير متعلِّقه مماثلاً لمتعلِّق {فصل لربك} لدلالة ما قبله عليه كما في قوله تعالى: { أية : أسمِع بهم وأبصر } تفسير : [مريم: 38] أي وأبصر بهم، فالتقدير: وانحر له. وهو إيماء إلى إبطال نحر المشركين قرباناً للأصنام فإن كانت السورة مكية فلعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اقترب وقت الحج وكان يحج كل عام قبلَ البعثة وبعدها قد تردد في نحر هداياه في الحج بعد بعثته، وهو يود أن يُطعم المحاويج من أهل مكة ومن يحضر في الموسم ويتحرجُ من أن يشارك أهل الشرك في أعمالهم فأمره الله أن ينحر الهدي لله ويطعمها المسلمين، أي لا يمنعك نحرهم للأصنام أن تنحر أنت ناوياً بما تنحره أنه لله. وإن كانت السورة مدنية، وكان نزولها قبل فرض الحج كان النحر مراداً به الضحايا يومَ عيد النحر ولذلك قال كثير من الفقهاء إن قوله: {فصلّ لربك} مراد به صلاة العيد، ورُوي ذلك عن مالكٍ في تفسير الآية وقال: لم يبلغني فيه شيء. وأخذوا من وقوع الأمر بالنحر بعد الأمر بالصلاة دلالةً على أن الضحية تكون بعد الصلاة، وعليه فالأمر بالنحر دون الذبح مع أن الضّأن أفضل في الضحايا وهي لا تنحر وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضحّ إلا بالضأن تغليب للفظ النحر وهو الذي روعي في تسمية يوم الأضحى يومَ النحر وليشمل الضحايا في البدن والهدايا في الحج أو ليشمل الهدايا التي عُطل إرسالها في يوم الحديبية كما علمت آنفاً. ويرشح إيثارَ النحر رَعْيُ فاصلة الراء في السورة. وللمفسرين الأولين أقوال أخر في تفسير «انحر» تجعله لفظاً غريباً.

الشنقيطي

تفسير : الكوثر فوعل من الكثرة، وأعطيناك قرئ: أعطيناك، بإبدال العين نوناً، وليست النون مبدلة عن العين، كإبدال الألف من الواو أو العين في الأجوف ونحوه، ولكن كلاً منهما أصل بذاته، وقراءة مستقلة. قاله أبو حيان. واختلف في الكوثر. فقيل: علم. وقيل: وصف. وعلى العلمية قالوا: إنه علم على نهر في الجنة، وعلى الوصف قالوا: الخير الكثير. ومما استدل به على العلمية، ما جاء في السنة من الأحاديث الصحاح، ذكرها ابن كثير وغيره. وفي صحيح البخاري عن أنس قال: حديث : لما عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: "أتيت نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر" . تفسير : وبسنده أيضاً عن عائشة رضي الله عنها "سئلت عن قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1]، قالت: هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم، شاطئاه عليهما در مجوف، آنيته كعدد النجوم". وبسنده أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير، الذي أعطاه الله إياه. وذكر ابن كثير هذه الأحاديث وغيرها عن أحمد رحمه الله: ومنها بسند أحمد إلى أنس بن مالك قال: "حديث : أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفع رأسه مبتسماً إما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه نزلت عليَّ أنفاً سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر، حتى ختمها، فقال: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". تفسير : وذكر ابن كثير ما جاء في صفة الحوض، وهذه النصوص على أن الكوثر نهر في الجنة، أعطاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث الأخير عن الإمام أحمد قوله: "عليه خير كثير" يشعر بأن معنى الوصفية موجود. ولذا قال بعض المفسرين: إنه الخير الكثير. وممن قال ذلك ابن عباس، كما تقدم في حديث البخاري عنه. واستدلوا على المعنى، بقول الشاعر الكميت: شعر : وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن الفصائل تفسير : والذي تطمئن إليه النفس أن الكوثر: هو الخير الكثير، وأن الحوض أو النهر من جملة ذلك. وقد أتت آيات تدل على إعطاء الله لرسوله الخير الكثير، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} تفسير : [الحجر: 87] الآية. وفي القريب سورة الضحى وفيها: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5]، أعقبها بنعم جليلة من شرح الصدور، ووضع الوزر، ورفع الذكر، واليسر بعد العسر. وبعدها في سورة التين جعل بلده الأمين، وأعطى المؤمنين الذين يعملون الصالحات أجراً غير ممنون. وبعدها سورة اقرأ. امتن عليه القرآن، وعلمه ما لم يكن يعلم. وبعدها سورة القدر: أعطاه ليلة خيراً من ألف شهر. وبعدها سورة البينة: جعل أمته خير البرية، ومنحهم رضاه عنهم، وأرضاهم عنه. وبعدها سورة الزلزلة: حفظ لهم أعمالهم، فلم يضيع عليهم مثقال الذرة من الخير. وفي سورة العاديات: أكبر عمل الجهاد، فأقسم بالعاديات في سبيل الله، والنصر على الأعداء. وفي سورة التكاثر: تربيتهم على نعمه ليشكروا، فيزيدهم من فضله. وفي سورة العصر: جعل أمته خير أمة أخرجت للناس، تؤمن بالله وتعمل الصالحات وتتواصى بالحق وتدعو إليه، وتتواصى بالصبر، وتصبر عليه. وبعدها في سورة قريش: أكرم الله قومه، فآمنهم وأعطاهم رحلتيهم. وفي السورة التي قبلها مباشرة، وهي سورة الماعون: يمكن عمل مقارنة تامة أولاً. وفي الجملة، لئن كان المنافقون يمنعون الماعون، فقد أعطيناك الخير الكثير، ثانياً. وعلى التفصيل ففي الأولى، وصف المنافقين والمكذبين بدع اليتيم، وفي الضحى قد بين له حق اليتيم {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} تفسير : [الضحى: 9]، فكان هو خير موكل، وخير كافل، ووصفهم هنا بأنهم لا يحضون على طعام المسكين. وقد أوضح له في الضحى، {أية : وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} تفسير : [الضحى: 10]، فكان يؤثر السائل على نفسه، وهؤلاء ساهون عن صلاتهم يراءون بأعمالهم. وفي هذه السورة {أية : فَصَلِّ لِرَبِّكَ} تفسير : [الكوثر: 2]، أداء الصلاة وخالصة لربه، وإطعام المسكين بنحر الهدى والضحية والصدقة، وكل ذلك خير كثير، يضاف إليه ما جاءت به السنة، كما في حديث: "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة، وحلّت لي الغنائم، ولم تكن تحل لأحد قبلي. وكان النَّبي يبعث لقومه خاصة، فبعث للناس كافة، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل ". تفسير : وقوله: "حديث : رفع لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ". تفسير : وفي قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 286]. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى قال: قد فعلت، قد فعلت ". تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} تفسير : [الإسراء: 79]، وهو المقام الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون. إلى غير ذلك من النصوص، بما يؤكد قول ابن عباس، عند البخاري: إن الكوثر: الخير الكثير. وأن النهر في الجنة من هذا الكوثر الذي أعطيه صلى الله عليه وسلم.

الواحدي

تفسير : {إنَّا أعطيناك الكوثر} قيل: هو نهرٌ في الجنَّة حافتاه الدُّرُّ. وقيل: هو الخير الكثير. {فصلِّ لربك} صلاة العيد، يعني: يوم النَّحر {وانحر} نُسكك. وقيل: {فصلِّ} فضع يدك على نحرك في صلاتك. {إنَّ شانئك} مُبغضك {هو الأبتر} المُنقطع العقب. [وقيل: المنقطع عن كلِّ خير. نزلت في العاص بن وائل سمَّى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أبتر عند موت ابنه القاسم].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- إنا أوليناك الخير الكثير الدائم فى الدنيا والآخرة. 2- وإذا أعطيت ذلك فَدُمْ على الصلاة لربك خالصة له، وانحر ذبائحك شكرا لله على ما أولاك من كرامة، وخصَّك من خير. 3- إن مَن يكرهك هو المنقطع عن كل خير.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إنا أعطيناك الكوثر: أي إنا ربُّ العزة والجلال وهبناك يا نبينا الكوثر أي نهراً في الجنة. فصل لربك وانحر: أي فاشكر ذلك بصلاتك لربك المنعم عليك وحده وانحر له وحده. إن شانئك: أي مبغضك. هو الأبتر: أي الأقل الأذل المنقطع عقبه. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} هذه الآيات الثلاث مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو المخاطب بها وأنها تحمل طابع التعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه لما مات ابن النبي صلى الله عليه وسلم القاسم قال العاص بن وائل السهمي بتر محمد أو هو أبتر أي لا عقب له بعده فأنزل الله تعالى هذه السورة تحمل الرد على العاص والتعزية للرسول صلى الله عليه وسلم والبشرى له ولأمته بالكوثر الذي هو نهر في الجنة حافتاه من الذهب ومجراه على الدر والياقوت وتربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج، ومن الكوثر يملأ الحوض الذي في عرصات القيامة ولا يرده إلا الصالحون من أمته صلى الله عليه وسلم. فقوله تعالى {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ} أي خصصناك بالكوثر الذي هو نهر في الجنة من أعظم أنهارها مع الخير الكثير الذي وهبه الله تعالى لك من النبوة والدين الحق ورفع الذكر والمقام المحمود وقوله { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} أي فاشكر هذا الإِنعام بأن تصلي لربك وحده ولا تشرك به غيره وكذا النحر فلا تذبح لغيره تعالى وفي هذا تعليم لأمته وهل المراد من الصلاة صلاة العيد والنحر الأضحية لا مانع من دخول هذا في سائر الصلوات والنسك وقوله تعالى إن شانئك هو الأبتر أي إن مبغضك في كل زمان ومكان هو الأقل الأذل المنقطع النسل والعقب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان إكرام الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. 2- تأكيد أحاديث الكوثر وأنه نهر في الجنة. 3- وجوب الإِخلاص في العبادات كلها لا سيما الصلاة والنحر. 4- مشروعية الدعاء على الظالم.

القطان

تفسير : الكوثر: الخير الكثير، ونهرٌ في الجنة. شانئك: مُبغِضَك. يقال: شَنَأ يَشْنأ. شَنْئاً، وشَنَآنا: أبغَضَ. واسمُ الفاعل شانئ. والمؤنث شانئة. الأبتر: المنقطع عن كل خير. {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} الخطابُ للرسول الكريم جاءَ تسليةً عمّا يلاقيه من أذى وأنّ العاقبة له. لقد أعطيناك يا محمدُ الخيرَ الكثيرَ من النبوّة والدينِ والحقّ والعدْلِ وكلّ ما فيه سعادة الدنيا والآخرة. {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} أقدِم على الصّلاةِ لربّك شُكراً له على ما أعطاك، وانحَرِ الإبلَ ليأكلَ منها الفقيرُ والمسكين. ثم بعد ان بشّره بهذا الخير الكثير، وطالَبَه بالشّكر عليه - زاد في البُشْرى بأنّ كلّ من يُبغِضُه ويَكيدُ له مُنْقَطِعون مَبْتُورون. وقد كانَ ذلك. {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} إن مُبْغِضَك يا محمد هو المنقطعُ عن كل خير. وقد حقق اللهُ له ذلكَ فانقطعَ ذِكر كلّ المشرِكين من العَرب وغيرِهم، فيما بقيَ ذِكره خالداً في العالمين.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَعْطَيْنَاكَ} (1) - إِنَّا أَعْطَينَاكَ الخَيْرَ الكَثِيرَ، وَمَنَحْنَاكَ مِنَ الفَضَائِلِ مَا لاَ سَبِيلَ لِلْوُصُولِ إِلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِنِ اسْتَخَفَّ بِهَا أَعْدَاؤُكَ، وَاسْتَقَلُّوهَا. (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ الكَوْثَرَ هُوَ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّهُ أَيْضاً مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ الذِي تَفَضَّلَ اللهُ بِهِ عَلَى رَسُولِهِ الكَرِيمِ). الكَوْثَرُ - الخَيْرُ الكَثِيرُ - أَوْ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ.

الثعلبي

تفسير : {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} قال ابن عباس: نزلت هذه السورة في العاص بن وائل ابن هشام بن سعيد بن سهم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من المسجد وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدّثا وأناس من صناديد قريش في المسجد جلوس، فلما دخل العاص قالوا له: من الذي كنت تحدث؟ قال: ذاك الأبتر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد توفى قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من خديجة، وكانوا يسمّون من ليس له ابن أبتر، فسمّته قريش عند موت إبنه أبتر وصنبوراً فأنزل الله سبحانه {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ}. قراءة العامة بالعين، وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف (أنطيناك) بالنون، وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. أخبرناه أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن علي المطوعي بقرأتي عليه قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصفهاني قال: أخبرنا أبو المثنى معادين المثنى بن معاد ابن نصر العبيدي قال: حدّثنا عمرو بن المحرّم أبو قتادة البصري قال: حدّثنا عبد الوارث بن عمرو عن الحسن عن أمّه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: إنّا أنطيناك الكوثر. والكوثر فوعل من الكثرة كنوفل من النفل وحوقر من الحقر، والعرب يسمي كل شيء كثير في العدد أو كثير في المقدار الخطر: كوثراً. قال سفيان بن عيينة: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر بم آب أبنك؟ قالت آب بكوثر، يعني بمال كثير. وأختلفوا في المراد به هاهنا فحدّثنا أبو محمد المخلدي قال: أخبرنا أبو العباس الثقفي قال: حدّثنا أبو همام الوليد بن شجاع السكوني وعبد الله بن عمر بن أبان قالا: حدّثنا عبد الرحمن بن سلمان عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا إذا غفى أغفاءة أو أغمى عليه، فرفع رأسه مبتسماً فقال: "هل تدرون ممن ضحكت" فقالوا الله ورسوله أعلم، قال: "إنه نزل عليّ سورة" فقرأ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ *إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} فقرأ حتى ختم السورة فلما قرأها قال: "أتدرون ما الكوثر؟ أنه نهر في الجنة وعدنيه ربّي عز وجلّ فيه خير كثير، لذلك النهر حوض يرد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب [فيختلج] منهم فأقول: ربِّ إنَّه من أمتي فيقال: أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". تفسير : وأخبرنا أبو سعيد بن حمدون قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد قال: حدّثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي قال: حدّثنا أيوب بن سويد قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم عن عمّه العباس بن عبد الله بن معيد عن ابن عباس قال: حديث : لما نزلت {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها على الناس، فلما نزل قالوا: يا رسول الله ما هذا الذي قد أعطاكه الله سبحانه؟ قال: "نهر في الجنة أشدّ بياضاً من اللبن، وأشد أستقامة من القدح حافتاه قباب الدر الدر والياقوت ترده طير خضر لها أعناق كأعناق البخت" قالوا: يارسول الله ما أنعم هذا لطائر؟ قال "أفلا أخبركم بأنعم منه؟ " قالوا بلى: قال: "من أكل الطائر وشرب الماء فاز برضوان الله سبحانه ". تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر المطيري قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا ابن فضيل قال: حدّثنا عطاء عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكوثر نهر في الجنة حافتاه من الذهب ومجراه على الدر والياقوت وتربته أطيب من المسك وماءُه أحلى من العسل وأشد بياضاً من الثلج" تفسير : وقالت عائشة رضى الله عنها: الكوثر نهر في الجنّة يخرخر في الحوض فمن أحب أن يسمع خريره فليجعل أصبعيه في أذنيه. وقال بعضهم: هو الحوض بعينه، وصفته على ما جاء في الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف حوض الكوثر فقال: "حديث : حصباؤه الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والدر والمرجان وحمأتهُ المسك الأذفر وترابه الكافور، وماءه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج، يخرج: من أصل السدرة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب، حافتاه الزعفران وقباب الدر والمرجان، من دخله أمن من الغرق، ولا يشرب منه أحد فيظمأ، ولا يتوضأ منه أحد فيشعث، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر" فقال أبو بكر وعمر: إنها لناعمة فقال: "أُكلُها أنعم منها ". تفسير : وفي خبر آخر: "حديث : لتزدحمنّ هذه الأمة على الحوض أزدحام واردات الحمر ". تفسير : وأخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثلثمائة: قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار الأصفهاني قال: أخبرنا أبو عبد الله العمري الكوفي بالكوفة قال: حدّثنا بشر بن داود القرشي قال: حدّثنا مسعود بن سابور عن علي بن عاصم عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ لحوضي أربعة أركان: فأول ركن منها في يد أبي بكر والثاني في يد عمر والثالث في يد عثمان والرابع في يد علي، فمن أحب أبا بكر وأبغض عمر لم يسقه أبو بكر ومن أحب عمر وأبغض أبا بكر لم يسقه عمر ومن أحب عثمان وأبغض علياً لم يسقه عثمان ومن أحب علياً وأبغض عثمان لم يسقه علي، ومن أحسن القول في أبي بكر فقد أقام الدين، ومن أحسن القول في عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحسن القول في عثمان فقد أستنار بنور الله، ومن أحسن القول في علي فقد أستمسك بالعروة الوثقى، من أحسن القول في أصحابي فهو مؤمن ومن أساء القول في أصحابي فهو منافق ". تفسير : وقال قطر بن خليفة: سألت عطاء عن الكوثر ونحن نطوف في البيت فقال: حوض أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم في الجنة، وروى حميد عن أنس قال: دخلنا على عبيد الله بن زياد وهم يتذاكرون الحوض فقلت: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض، لقد تركت خلفي عجائز ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض محمد وفيه يقول الشاعر: شعر : يا صاحب الحوض من يدانيكا وأنت حقاً حبيب باريكا تفسير : وقال سعيد بن جبير ومجاهد: هو الخير الكثير، وقال الحسن: هو القرآن العظيم، عكرمة: النبوة والكتاب، محمد بن إسحاق هو العظيم من الأمر وذكر بيت لبيد شعر : صاحب ملحوب فجعنا بفقده وعند الرداع بيت آخر كوثر تفسير : يقول: أي عظيم. وقال أبو بكر بن عباس ويمان بن ذياب: هو كثرة الأصحاب والاشياع، ابن كيسان: هو كلمة من الكتب الأولى ومعناها الإيثار، الحسين بن الفضل: الكوثر شيئان تيسير القرآن وتخفيف الشرائع، جعفر الصادق: الكوثر نور في قبلك دّلك عليّ، وقطعك عما سواي، وعنه أيضاً: الشفاعة، وقيل: معجزات أكثرت بها أهل الإجابة لدعوتك، هلال بن يساق: هو قول لا اله الله محمد رسول الله، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: الصلوات الخمس. {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} قال محمد بن كعب: يقول: إن ناساً يصلّون لغير الله وينحرون لغير الله فإنَّا أعطيناك الكوثر فلا تكن صلاتك ونحرك إلاّ لي، وقال عكرمة وعطاء وقتادة: فصلِّ لربك صلاة العيد يوم النحر، قال سعيد بن جبير ومجاهد: فصل لربّك صلاة الغداة المفروضة بجَمْع وأنحر البدن بمنى. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية يوم الحديبية حين حضر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصدّوا عن البيت فأمره الله سبحانه أن يصلي وينحر البدن وينصرف، وفعل ذلك، وهو رواية أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن يوسف قال: حدّثنا حجاج قال: حدّثنا حماد عن عاصم الحجدري عن أبيه عن عقبة بن طبيان عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} قال: وضع اليد اليمنى على ساعده اليسرى ثم وضعها على صدره. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا علي ابن إبراهيم بن أحمد العطار قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا هاشم بن الحرث المروزي قال: حدّثنا محمد بن ربيعة قال: حدّثنا يزيد بن ذياب بن أبي السعد عن عاصم الحجدري عن عقبة بن ظهير عن علي بن أبي طالب في قوله {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة. وأخبرنا عبد الخالق قال: حدّثنا ابن جنب قال: حدّثنا يحيى بن أبي طالب قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: حدّثنا روح بن المسيّب قال: أخبرني عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس في قوله الله سبحانه {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر. يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدثنا المعافى بن داود قال: حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب بأحدى يديه على الأخرى في الصلاة . تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن قال: أخبرنا سفيان عن سماك عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: حديث : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعاً يمينه على شماله في الصلاةتفسير : ، هلب لقب وأسمه يزيد بن قتادة. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا ابراهيم بن الحرث قال: حدّثنا يحيى بن أبي بكر قال: حدّثنا زهير بن معاوية قال: حدّثنا أبو إسحاق عن عبد الجبار بن وائل عن وائل بن حجر قال: حديث : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة قريباً من الرفع، ويرفع يديه حتى يبلغا أذنيه . تفسير : وأخبرنا عبد الله قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن يوسف قال: حدّثنا حجاج قال: حدّثنا هشيم عن الحجاج بن أبي زينب السلمي قال: حدّثنا أبو عثمان النهدي عن ابن مسعود حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وهو يصلي واضعاً يده اليسرى على اليمنى فنزع اليسرى عن اليمنى ووضع اليمنى على اليسرى . تفسير : وأخبرنا أبو محمد المخلدي قال: أخبرنا أبو الفضل يعقوب بن يوسف بن عاصم البخاري الفقيه قال: حدّثنا الحسين بن الفضل النصراني قال: حدّثنا وهب بن إبراهيم الرازي قال: حدّثنا أبو عبد الله إسرائيل بن حاتم المروزي وكان ثقة مأموناً قال: أخبرنا مقاتل بن حيان عن أصبغ ابن نباتة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت هذه السورة {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبرائيل: "ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ " قال: ليست بنحيرة ولكنه يأمرك اذا تحرمت للصلاة أن ترفع يدك إذا كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنه صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السماوات السبع وإن لكل شيء زينة وأن زينة الصلاة رفع الأيدي عند التكبيرة . تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رفع الأيدي في الصلاة من الأستكانة" قلت: فما الاستكانة؟ قال: "ألا تقرأ هذه الآية: {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76] " قال: هو الخضوع . تفسير : يدل عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال قال: حدّثنا أبو زرعة الرازي قال: حدّثنا عبد الجبار بن سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحق العامري قال: حدّثنا ابن أبي الزياد عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه كان إذا قام الى الصلاة المكتوبة كبّر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع ويضعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد. وأخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسن أحمد بن أبراهيم بن علوية بن سلوس العبدوي في رجب سنة أربع وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الأزهر الأزهري وعبد الله بن يحيى بن أحمد بن مهران المذكر قالا: سمعنا أبا إسماعيل الترمذي وحدّثنا أبو محمّد المخلدي إملاء قال: أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن يحيى بن أحمد المذكر قال: حدّثنا أبو اسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي قال: صليّت خلف أبي عارم أي النعمان فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فقلت ما هذا؟ فقال: صليت خلف حماد بن زيد فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فقلت له: ما هذا؟ فقال: صليت خلف أيوب السجستاني فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فقلت له: ماهذا؟ قال: صلّيت الى جنب عطاء بن أبي رياح فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فقلت له: ما هذا؟ قال: صليت خلف أبي بكر الصديق فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فقلت له: ما هذا؟ قال: صلّيت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع. وأنبأني عقيل قال: أخبرنا المعافى قال: أخبرنا ابن جرير قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا وكيع عن أسرائيل عن جابر عن أبي جعفر {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} قال: يرفع يديه أول ما يكبّر في الإفتتاح الى النحر. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفراء قال: يقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} أي أستقبل القبلة بنحرك، سمعت بعض العرب يقول: منازلنا تتناحر، أي هذا ينحر هذا، أي قبالته، وأنشدني بعض أسد: شعر : أبا حكم هل أنت عم مجالد وسيّد أهل الأبطح المتناحر تفسير : أي ينحر بعضه بعضاً، وإليه ذهب الضحاك والكلبي، وقال واصل بن السائب: سألت عطاء عن قوله سبحانه {وَٱنْحَرْ } قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستوي بين السجدتين جالساً حتى يبدوا نحره، سليمان التيمي: يعني وأرفع يديك بالدعاء الى نحرك، ذو النون: أي أذبح هواك في قلبك. {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} يعني أن عدوك ومبغضك هو الأقل الأذلّ المنقطع دابره، نزلت في العاص بن وائل، وقال شمر بن عطية: هو عقبة بن أبي معيط، وقال عكرمة عن ابن عباس: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من قريش، وذلك أنه لما قدم كعب مكّة قالت له قريش: نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيّد أهل المدينة فنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه؟ فقال: بل أنتم خير منه. فنزلت في كعب {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [آل عمران: 23] الآية ونزلت في الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أبتر. {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} يعني المنقطع من كل خير، قال الجنيد: المنقطع عن بلوغ أمله فيك.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شيبان عن قتادة، عن أَنس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لما عرج بي إِلى السماءِ، أَتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أَعطاك ربك. فأَهوى الملك بيده واستخرج من طينه مسكاً اذفر [الآية: 1]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب عن محارب بن دثار، عن ابن عمر قال: لما نزلت: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} [الآية: 1]، حديث : قال: لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هو نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، يجري على الدر والياقوت، ترتبه أَطيب ريحاً من المسك وماؤه أَشد بياضاً من الثلج، وطعمه أَشد حلاوة من العسل . تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا عيسى ابن ميمون قال: ثنا محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أُوتيت "الكوثر"، آنيته عدد النجوم [الآية: 1]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا عيسى ابن ميمون، عن القاسم بن محمد، عن عائشة عن النبي، صلى الله عليه [وسلم] مثله. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا إِسرائيل عن أَبي إِسحاق، عن أَبي عبيدة، قال: سأَلت عائشة، أُم المؤمنين، عن الكوثر فقالت: هو نهر أُعطي نبيكم صلى الله عليه [وسلم]، في الجنة شاطئاه درّ مجوف، عليه من الآنية عدد النجوم . [الآية: 1]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا هشيم عن عطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: {ٱلْكَوْثَرَ} الخير الكثير [الآية: 1]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا، آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلْكَوْثَرَ} [الآية: 1]: الخير كله.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلْكَوْثَرَ} الخير الكثير وهو مبالغة من الكثرة، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد، والقدْر والخطر كوْثراً قال الشاعر: شعر : وأنت كثيرٌ يا ابن مروان طيّبٌ وكانَ أبوك ابنُ العقائل كوثرا تفسير : {ٱنْحَرْ} النحر خاصٌ بالإِبل، وهو بمنزلة الذبح في البقر والغنم {شَانِئَكَ} الشانيء: المبغض من الشنآن بمعنى العداوة والبغض ومنه {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ}تفسير : [المائدة: 2] أي بغضهم {ٱلأَبْتَرُ} المنقطع عن كل خير، من البتر وهو القطعُ يقال: بترتُ الشيء بتراً قطعته، والسيف الباترُ: القاطعُ، ويقال للذي لا نسل له أبتر، لأنه انقطع نسبه، وسميت خطبة زياد بالخطبة البتراء لأنه لم يحمد الله فيها ولم يصلّ على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. التفسِير: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم تكريماً لمقامه الرفيع وتشريفاً أي نحن أعطيناك يا محمد الخير الكثير الدائم في الدنيا والآخرة، ومن هذا الخير "نهر الكوثر" وهو كما ثبت في الصحيح "حديث : نهرٌ في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدُّر والياقوت، تربتُه أطيبُ من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلح، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً"تفسير : عن أنس قال: "حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إِذْ أغفى إِغفاءةً ثم رفع رأسه مبتسماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أُنزلت عليَّ آنفاً سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} السورة ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: فإِنه نهرٌ وعدنيه ربي عز وجل، فيه خيرٌ كثير، هو حوضٌ ترد عليه أُمتي يوم القيامة، آنيتُه عدد النجوم، فيختلج العبد - أي ينتزع ويقتطع منهم فأقول: إِنه من أمتي! فيقال إِنك لا تدري ما أحدث بعدك"تفسير : قال أبو حيان: وذكر في الكوثر ستةٌ وعشرون قولاً، والصحيحُ هو ما فسره به رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: "حديث : هو نهرٌ في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربتُه أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل"تفسير : وعن ابن عباس: الكوثرُ: الخير الكثير {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} أي فصلِّ لربك الذي أفاض ما أفاض عليك من الخير خالصاً لوجهه الكريم، وانحر الإِبل التي هي خيار أموال العرب شكراً له على ما أولاك ربك من الخيرات والكرامات قال في التسهيل: كان المشركون يصلون مكاءً وتصدية، وينحرون للأصنام فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: صلِّ لربك وحده، وانحر لوجهه لا لغيره، فيكون ذلك أمراً بالتوحيد والإِخلاص {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} أي إِن مبغضك يا محمد هو المنقطع عن كل خير قال المفسرون: لما مات "القاسم" ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال العاص بن وائل: دعوه فإِنه رجلٌ أبتر لا عقب له - أي لا نسل له - فإِذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله تعالى هذه السورة، وأخبر تعالى أن هذا الكافر هو الأبتر وإِن كان له أولاد، لأنه مبتور من رحمة الله - أي مقطوع عنها - ولأنه لا يُذكر إِلا ذكر باللعنة، بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإِن ذكره خالد إِلى آخر الدهر، مرفوع على المآذن والمنابر، مقرون بذكر الله تعالى، والمؤمنون من زمانه إِلى يوم القيامة أتباعه فهو كالوالد لهم صلوات الله وسلامه عليه. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- صيغة الجمع الدالة على التعظيم {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: أنا أعطيتك. 2- تصدير الجملة بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم {إِنَّآ} لأن أصلها إِنَّ ونحن. 3- صيغة الماضي المفيدة للوقوع {أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: سنعطيك لأن الوعد لما كان محققاً عبَّر عنه بالماضي مبالغة كأنه حدث ووقع. 4- المبالغة في لفظه الكوثر. 5- الإِضافة للتكريم والتشريف {فَصَلِّ لِرَبِّكَ}. 6- إِفادة الحصر {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ}. 7- المطابقة بين أول السورة وآخرها بين {ٱلْكَوْثَرَ} و {ٱلأَبْتَرُ} فالكوثر الخير الكثير، والأبتر المنقطع عن كل خير، فهذه السورة على وجازتها جمعت فنون البلاغة والبيان فسبحان منزل القرآن!!

زيد بن علي

تفسير : قولهِ تعالى: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} هو نَهرٌ في الجَنةِ عليهِ من الآنيةِ عددُ نجومُ السَّماءِ. والكَوثرُ: الخَيرُ الكَثيرُ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} هذه السورة مكية ولما ذكر فيما قبلها وصف المنافق بالبخل وترك الصلاة والرياء ومنع الزكاة قابل في هذه السورة البخل بإِنا أعطيناك الكوثر والسهو عن الصلاة بقوله: {فَصَلِّ} والرياء بقوله: {لِرَبِّكَ} ومنع الزكاة بقوله: {وَٱنْحَرْ} أراد به التصديق بلحم الأضاحي فقابل أربعاً بأربع ونزلت في العاصي ابن وائل كان يسمي الرسول صلى الله عليه وسلم بالأبتر وكان يقول دعوه إنما هو رجل أبتر لا عقب له ولو هلك انقطع ذكره واسترحم منه وذكر الفخر في الكوثر أقوالاً كثيرة والصحيح هو ما فسره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : هو نهر في الجنة حافتاه من الذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج تفسير : قال الترمذي: هذا حديث صحيح وفي صحيح مسلم واقتطعناه منه فقال حديث : أتدرون ما الكوثر قلنا: الله ورسوله أعلم قال: نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم تفسير : قال ذلك صلى الله عليه وسلم عندما نزلت هذه السورة وقرأها عليهم. {إِنَّ شَانِئَكَ} أي مبغضك تقدم أنه العاصي بن وائل وقيل أبو جهل قال ابن عباس: لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال: بتر محمد فأنزل الله تعالى إن شائنك هو الأبتر.

الجيلاني

تفسير : {إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا ومحض كرامتنا {أَعْطَيْنَاكَ} يا أكمل الرسل إعطاء وكرامة {ٱلْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] الذي هو التحقق بوحدة الذات والانكشاف بها والوقوف عليها. وبعدما أعطيناك ما أعطيناك، وخصَّصناك بالكرامة التي لم نعط أحداً من الأنبياء والرسل الذين مضوا قبلك {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} ودم على التوجه وأخلص فيه، واستقم عليه {وَٱنْحَرْ} [الكوثر: 2] بدنة ناسوتك بعدما وصلت إلى كعب الذات، وفزت بعرفات الأسماء والصفات؛ تقرباً إلى الله، ولا تلتفت إلى من يشينك ويعيبك من الجهلة المكابرين. {إِنَّ شَانِئَكَ} الذي يشينك ويبغضك في شأنك وأمرك هذا {هُوَ ٱلأَبْتَرُ} [الكوثر: 3] المقطوع العقب والأثر من كل خير، وأثرك يبقى إلى قيام الساعة. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي القاصد للورود إلى الحوض والكوثر والشرب منها أن تتوجه في عموم أوقاتك وحالاتك إلى الله على وجه التبتل والإخلاص، وتميت بهيمة بدنك بالموت الإرادي، وتهديها في طريق الحق؛ تقرباً إليه سبحانه؛ لتنال خير الدارين وفلاح النشأتين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا طالب كوثر المعرفة، اعلم أنك ما دمت في تيه القالب وبيداء النفس متردداً متحيراً لا تصل إلى الكوثر المعرفة؛ لأنه في روضة القلب ورياض الجنة محفور، فإذا طففت في السلوك، وجاوزت تيه القالب، وخرجت من براري النفس ودخلت في [دار] عروس القلب، وشممت نسيم رياض الوادي الأيمن، ووصلت إلى وادي القدس الذي هو منتهى أطوار القلب في علم الخفي يعطيك بالسبعية الكوثر الذي أعطاه للحبيب بالأصالة، كما قال في كتابه العزيز: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1]، ويسقيك من ذلك الحوض طهور شراب المعرفة في كأس المحبة على ساقي اللطف والكرم، كما قال تعالى: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21]. فينبغي أن تصل بجميع قوى لطائفك لهذا المقام، كما قال لحبيبه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} [الكوثر: 2]؛ أي: فانحر ذات النفس لقربانك إلى عالم الذات، كما أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم: {وَٱنْحَرْ} [الكوثر: 2] ولا تخف مما يلقي إليك الشيطان، ويقول لك: إن كنت تنحر ذات النفس تبقى ابترا، {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} [الكوثر: 3]؛ أي: عدوك أبتر عن الحظوظ، فالمتيقظ هو الذي لا يتكلم في المقام كله من المعارف نظراً إلى أن تبقى منه هذه المعرفة تذكرة، لأن الله تعالى بغضب عليه، وأمر بنحر ذات نفسه في هذا المقام لأجل هذا السر، فإن أدى السالك حق هذا المقام بإسبال الأستار على وجه الأسرار، يجري الله سبحانه على قلبه ولسانه أسرار ومعارف من غير شعوره بها على وجه لا ينقض الظاهر، ويبقى اسمه في العالم من أولاد قلبه وأثمار أشجار وجوده الباقي أبد الآباد آمناً عن الفناء والنفاذ. اللهم أعنا على نحر ذاتنا، ووفقنا لنصلي ي كعبعة القلب متوجهين إلى قبلة الوجه بجميع قوى لطائفنا كما تحب وترضى

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ممتنا عليه: { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } أي: الخير الكثير، والفضل الغزير، الذي من جملته، ما يعطيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، من النهر الذي يقال له { الكوثر } ومن الحوض. طوله شهر، وعرضه شهر، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته كنجوم السماء في كثرتها واستنارتها، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا. ولما ذكر منته عليه، أمره بشكرها فقال: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } خص هاتين العبادتين بالذكر، لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات. ولأن الصلاة تتضمن الخضوع [في] القلب والجوارح لله، وتنقلها في أنواع العبودية، وفي النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر، وإخراج للمال الذي جبلت النفوس على محبته والشح به. { إِنَّ شَانِئَكَ } أي: مبغضك وذامك ومنتقصك { هُوَ الأبْتَرُ } أي: المقطوع من كل خير، مقطوع العمل، مقطوع الذكر. وأما محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الكامل حقًا، الذي له الكمال الممكن في حق المخلوق، من رفع الذكر، وكثرة الأنصار، والأتباع صلى الله عليه وسلم.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} [1] 722- أنا علي بن حُجر، أنا علي بن مُسهر، عن المختار بن فُلفُل، عن أنس بن مالك، قال: حديث : بينما [رسول الله صلى الله عليه وسلم] ذات يوم بين أظْهُرنا في المسجد، إذ أَغْفَى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسِّما، فقلت له: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "نزلت عليَّ آنفا سورة؛ بسم الله الرحمن الرحيم، {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ [1] فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ [2] إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ [3]} ثم قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة تبارك وتعالى، آنيته أكثر من عدد الكواكب، ترِده عليَّ أمتي، فيُختلج العبد منهم، فأقول: يا ربِّ إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك ". تفسير : 723- / وأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، حدثنا الليث، عن ابن الهاد، عند عبد الوهاب، عن عبد الله بن مسلم، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، حديث : أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما الكوثر؟ قال: "نهر أعطانيه ربي في الجنة، هو أشدُّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجُزر"، قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله إنها لناعمة قال: "آكِلُها أنعم منها ". تفسير : 724- أنا محمد بن كامل، أنا هشيم، عن أبي بشر وعطاء بن السَّائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال في الكوثر، قال: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله تبارك وتعالى إيَّاه. 725- أنا أحمد بن حرب، نا أسباط، عن مُطرِّف، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قلت لعائشة: ما الكوثر؟ قالت: نهر أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بُطْنان الجنة. قلت: وما بُطْنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافتاه درٌّ مُجوَّف. 726- أنا هناد بن السَّري، عن عبيدة، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك - وأنا إسماعيل بن مسعود، نا يزيد بن زُريع، عن حميد، نا أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دخلت الجنة، فإذا أنا بنهر حافتاه اللؤلؤ، فغرفت في مجرى ماءه، وإذا مِسْك أَذفْر. قلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ".

همام الصنعاني

تفسير : 3719- عبد الرزاق، عن معمر، عن أنس بن مالك في قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ}: [الآية: 1]، أنَّ النبي صلى كالله عليه وسلم قال: "حديث : هو نهر في الجنة"،تفسير : قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت نهراً في الجنة، حافتيه قباب اللؤلؤ، لت: ما هذا يا جبريل؟ قال هو الكوثر الذي أعطاكَه الله ".