Verse. 6206 (AR)

١٠٨ - ٱلْكَوْثَر

108 - Al-Kawthar (AR)

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ۝۲ۭ
Fasalli lirabbika wainhar

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فصلِّ لربك» صلاة عيد النحر «وانحر» نسكك.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {فَصْلٌ } وجوه الأول: أن المراد هو الأمر بالصلاة، فإن قيل: اللائق عند النعمة الشكر، فلم قال: فصل ولم يقل: فاشكر؟ الجواب: من وجوه الأول: أن الشكر عبارة عن التعظيم وله ثلاثة أركان أحدها: يتعلق بالقلب وهو أن يعلم أن تلك النعمة منه لا من غيره والثاني: باللسان وهو أن يمدحه والثالث: بالعمل وهو أن يخدمه ويتواضع له، والصلاة مشتملة على هذه المعاني، وعلى ما هو أزيد منها فالأمر بالصلاة أمر بالشكر وزيادة فكان الأمر بالصلاة أحسن وثانيها أنه لو قال فاشكر لكان ذلك يوهم أنه ما كان شاكراً لكنه كان من أول أمره عارفاً بربه مطيعاً له شاكراً لنعمه، أما الصلاة فإنه إنما عرفها بالوحي، قال: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ }تفسير : [الشورى:52] الثالث: أنه في أول ما أمره بالصلاة. قال محمد عليه الصلاة والسلام: كيف أصلي ولست على الوضوء، فقال الله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } ثم ضرب جبريل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ فقيل له عند ذلك: {فصل}، فأما إذا حملنا الكوثر على الرسالة، فكأنه قال: أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات وأشرفها الصلاة فصل لربك القول الثاني: {فصل لربك} أي فاشكر لربك، وهو قول مجاهد وعكرمة، وعلى هذا القول ذكروا في فائدة الفاء في قوله {فصل} وجوهاً أحدها: التنبيه على أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي وثانيها: أن المراد من فاء التعقيب ههنا الإشارة، إلى ما قرره بقوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات:56] ثم إنه خص محمداً صلى الله عليه وسلم في هذا الباب بمزيد مبالغة، وهو قوله: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }تفسير : [الحجر:99] ولأنه قال له: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ } أي فعليك بأخرى عقيب الأولى فكيف بعد وصول نعمتي إليك، ألا يجب عليك أن تشرع في الشكر عقيب ذلك القول الثالث: {فصل} أي فادع الله لأن الصلاة هي الدعاء، وفائدة الفاء على هذا التقدير كأنه تعالى يقول: قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك: {بالكوثر} فكيف بعد سؤالك لكن: «سل تعطه واشفع تشفع» وذلك لأنه كان أبداً في هم أمته، واعلم أن القول الأول أولى لأنه أقرب إلى عرف الشرع. المسألة الثانية: في قوله: { وَٱنْحَرْ } قولان: الأول: وهو قول عامة المفسرين: أن المراد هو نحر البدن والقول الثاني: أن المراد بقوله: {وَٱنْحَرْ } فعل يتعلق بالصلاة، إما قبلها أو فيها أو بعدها، ثم ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قال الفراء: معناها استقبل القبلة وثانيها: روى الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال: لما نزلت هذه السورة قال النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل: «حديث : ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فإنه صلاتنا، وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة» تفسير : وثالثها: روي عن علي بن أبي طالب أنه فسر هذا النحر بوضع اليدين على النحر في الصلاة، وقال: رفع اليدين قبل الصلاة عادة المستجير العائذ، ووضعها على النحر عادة الخاضع الخاشع ورابعها: قال عطاء: معناه اقعد بين السجدتين حتى يبدو نحرك وخامسها: روي عن الضحاك، وسليمان التيمي أنهما قالا: {وانحر} معناه ارفع يديك عقيب الدعاء إلى نحرك، قال الواحدي: وأصل هذه الأقوال كلها من النحر الذي هو الصدر يقال لمذبح البعير النحر لأن منحره في صدره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر فمعنى النحر في هذا الموضع هو إصابة النحر كما يقال: رأسه وبطنه إذا أصاب ذلك منه. وأما قول الفراء إنه عبارة عن استقبال القبلة فقال ابن الأعرابي: النحر انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب وهو أن ينصب نحره بإزاء القبلة، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، وقال الفراء: منازلهم تتناحر أي تتقابل وأنشد:شعر : أبا حكم هل أنت عم مجالد وسيد أهل الأبطح المتناحر تفسير : والنكتة المعنوية فيه كأنه تعالى يقول الكعبة بيتي وهي قبلة صلاتك وقلبك وقبلة رحمتي ونظر عنايتي فلتكن القبلتان متناحرتين قال: الأكثرون حمله على نحر البدن أولى لوجوه أحدها: هو أن الله تعالى كلما ذكر الصلاة في كتابه ذكر الزكاة بعدها وثانيها: أن القوم كانوا يصلون وينحرون للأوثان فقيل له: فصل وانحر لربك وثالثها: أن هذه الأشياء آداب الصلاة وأبعاضها فكانت داخلة تحت قوله: { فَصَلّ لِرَبّكَ } فوجب أن يكون المراد من النحر غيرها لأنه يبعد أن يعطف بعض الشيء على جميعه ورابعها: أن قوله: {فَصَلِّ} إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله: {وَٱنْحَرْ } إشارة إلى الشفقة على خلق الله وجملة العبودية لا تخرج عن هذين الأصلين وخامسها: أن استعمال لفظة النحر على نحر البدن أشهر من استعماله في سائر الوجوه المذكورة، فيجب حمل كلام الله عليه، وإذا ثبت هذا فنقول استدلت الحنفية على وجوب الأضحية بأن الله تعالى أمره بالنحر، ولا بد وأن يكون قد فعله، لأن ترك الواجب عليه غير جائر، وإذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام وجب علينا مثله لقوله: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ }تفسير : [الأعراف:158] ولقوله: {أية : فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [آل عمران:31] وأصحابنا قالوا: الأمر بالمتابعة مخصوص بقوله: «حديث : ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الضحى والأضحى والوتر»تفسير : . المسألة الثالثة: اختلف من فسر قوله: {فَصَلِّ } بالصلاة على وجوه الأول: أنه أراد بالصلاة جنس الصلاة لأنهم كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله فأمره أن لا يصلي ولا ينحر إلا لله تعالى، واحتج من جوز تأخير بيان المجمل بهذه الآية، وذلك لأنه تعالى أمر بالصلاة مع أنه ما بين كيفية هذه الصلاة أجاب أبو مسلم، وقال: أراد به الصلاة المفروضة أعني الخمس وإنما لم يذكر الكيفية، لأن الكيفية كانت معلومة من قبل القول الثاني: أراد صلاة العيد والأضحية لأنهم كانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فنزلت هذه الآية، قال المحققون: هذا قول ضعيف لأن عطف الشيء على غيره بالواو لا يوجب الترتيب القول الثالث: عن سعيد بن جبير صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى، والأقرب القول الأول لأنه لا يجب إذا قرن ذكر النحر بالصلاة أن تحمل الصلاة على ما يقع يوم النحر. المسألة الرابعة: اللام في قوله: {لِرَبّكِ } فيها فوائد الفائدة الأولى: هذه اللام للصلاة كالروح للبدن، فكما أن البدن من الفرق إلى القدم، إنما يكون حسناً ممدوحاً إذا كان فيه روح أما إذا كان ميتاً فيكون مرمياً، كذا الصلاة والركوع والسجود، وإن حسنت في الصورة وطالت، لو لم يكن فيها لام لربك كانت ميتة مرمية، والمراد من قوله تعالى لموسى: {أية : وأقم الصلاة لذكرى}تفسير : [طه:14] وقيل: إنه كانت صلاتهم ونحرهم للصنم فقيل له: لتكن صلاتك ونحرك لله. الفائدة الثانية: كأنه تعالى يقول: ذكر في السورة المتقدمة أنهم كانوا يصلون للمراءآة فصل أنت لا للرياء لكن على سبيل الإخلاص. المسألة الخامسة: الفاء في قوله: {فَصَلِّ } تفيد سببية أمرين أحدهما: سببية العبادة كأنه قيل: تكثير الإنعام عليك يوجب عليك الاشتغال بالعبودية والثاني: سببية ترك المبالاة كأنهم لما قالوا له: إنك أبتر فقيل له: كما أنعمنا عليك بهذه النعم الكثيرة، فاشتغل أنت بطاعتك ولا تبال بقولهم وهذيانهم. واعلم أنه لما كانت النعم الكثيرة محبوبة ولازم المحبوب محبوب، والفاء في قوله: {فَصَلِّ } اقتضت كون الصلاة من لوازم تلك النعم، لا جرم صارت الصلاة أحب الأشياء للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: «حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة» تفسير : ولقد صلى حتى تورمت قدماه، فقيل له: أوليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً» تفسير : فقوله: «حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً» تفسير : إشارة إلى أنه يجب على الاشتغال بالطاعة بمقتضى الفاء في قوله: {فَصَلِّ }. المسألة السادسة: كان الأليق في الظاهر أن يقول: إن أعطيناك الكوثر، فصل لنا وانحر. لكنه ترك ذلك إلى قوله: {فَصَلّ لِرَبّكَ } لفوائد إحداها: أن وروده على طريق الالتفات من أمهات أبواب الفصاحة وثانيها: أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم: يأمرك أمير المؤمنين، وينهاك أمير المؤمنين وثالثها: أن قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ } ليس في صريح لفظه أن هذا القائل هو الله أو غيره، وأيضاً كلمة {إنا} تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه، فلو قال: صل لنا، لنفي ذلك الاحتمال وهو أنه ما كان يعرف أن هذه الصلاة لله وحده أم له ولغيره على سبيل التشريك، فلهذا ترك اللفظ، وقال: {فَصَلّ لِرَبّكَ } ليكون ذلك إزالة لذلك الاحتمال وتصريحاً بالتوحيد في الطاعة والعمل لله تعالى. المسألة السابعة: قوله: {فَصَلّ لِرَبّكَ } أبلغ من قوله: فصل لله لأن لفظ الرب يفيد التربية المتقدمة المشار إليها بقوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } ويفيد الوعد الجميل في المستقبل أنه يربيه ولا يتركه. المسألة الثامنة: في الآية سؤالان: أحدهما: أن المذكور عقب الصلاة هو الزكاة، فلم كان المذكور ههنا هو النحر؟ والثاني: لما لم يقل: ضحي حتى يشمل جميع أنواع الضحايا؟ والجواب: عن الأول، أما على قول من قال: المراد من الصلاة صلاة العيد، فالأمر ظاهر فيه، وأما على قول من حمله على مطلق الصلاة، فلوجوه أحدها: أن المشركين كانت صلواتهم وقرابينهم للأوثان، فقيل له: اجعلهما لله وثانيها: أن من الناس من قال: إنه عليه السلام ما كان يدخل في ملكه شيء من الدنيا، بل كان يملك بقدر الحاجة، فلا جرم لم تجب الزكاة عليه، أما النحر فقد كان واجباً عليه لقوله: «حديث : ثلاث كتبت علي ولم تكتب على أمتي؛ الضحى والأضحى والوتر»تفسير : وثالثها: أن أعز الأموال عند العرب، هو الإبل فأمره بنحرها وصرفها إلى طاعة الله تعالى تنبيهاً على قطع العلائق النفسانية عن لذات الدنيا وطيباتها، روي أنه عليه السلام أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب فنحر هو عليه السلام حتى أعيا، ثم أمر علياً عليه السلام بذلك، وكانت النوق يزدحمن على رسول الله، فلما أخذ على السكين تباعدت منه والجواب عن الثاني: أن الصلاة أعظم العبادات البدنية فقرن بها أعظم أنواع الضحايا، وأيضاً فيه إشارة إلى أنك بعد فقرك تصير بحيث تنحر المائة من الإبل. المسألة التاسعة: دلت الآية على وجوب تقديم الصلاة على النحر، لا لأن الواو توجب الترتيب، بل لقوله عليه السلام: «حديث : ابدؤا بمابدأ الله به».تفسير : المسألة العاشرة: السورة مكية في أصح الأقوال، وكان الأمر بالنحر جارياً مجرى البشارة بحصول الدولة، وزوال الفقر والخوف.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَصَلِّ} أي أقم الصلاة المفروضة عليك؛ كذا رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال قتادة وعطاء وعِكرمة: «فصل لِربك» صلاة العيد يوم النحر. «وانْحَرْ» نُسُكك. وقال أنس: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم ينحر ثم يصلي، فأُمِر أن يُصَلِّي ثم يَنْحَر. وقال سعيد بن جبير أيضاً: صَلِّ لربك صلاة الصبح المفروضة بَجْمعٍ، وانْحرِ البُدْن بِمنًى. وقال سعيد بن جبير أيضاً: نزلت في الحُدَيْبِيَةِ حين حُصِر النبيّ صلى الله عليه وسلم عن البيت، فأمره الله تعالى أن يُصلِّيَ ويَنْحَر البُدْنَ وينصرف؛ ففعل ذلك. قال ابن العربيّ: «أما من قال: إن المراد بقوله تعالى: {فَصَلِّ} الصلوات الخمس؛ فلأنها ركن العبادات، وقاعدة الإسلام، وأعظم دعائم الدين. وأما من قال: إنها صلاة الصبح بالمزدَلِفة؛ فلأنها مقرونة بالنحْر، وهو في ذلك اليوم، ولا صلاة فيه قبل النحر غيرَها؛ فخصها بالذكر من جملة الصلوات لاقترانها بالنحْر». قلت: وأما من قال إنها صلاة العِيد؛ فذلك بغير مكة؛ إذ ليس بمكة صلاة عيدٍ بإجماع، فيما حكاه ابن عمر. قال ابن العربيّ: «فأما مالك فقال: ما سمعت فيه شيئاً، والذي يقع في نفسي أن المراد بذلك صلاة يوم النحْر، والنحْر بعدها». وقال عليّ رضي الله عنه ومحمد بن كعب: المعنى ضع اليُمْنَى على اليسرى حِذاء النحْر في الصلاة. ورُوِي عن ابن عباس أيضاً. وروي عن عليّ أيضاً: أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره. وكذا قال جعفر بن عليّ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ } قال: يرفع يديه أوّلَ ما يُكَبِّر للإحرام إلى النحر. وعن عليّ رضي الله عنه قال: لما نزلت {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ } « حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لجبريل: «ما هذه النحِيرة التي أمرني الله بها»؟ قال: «ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرّمت للصلاة، أن ترفع يديكَ إذا كَبَّرت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة، وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة»تفسير : . وعن أبي صالح عن ابن عباس قال: استَقْبِل القبلة بنحرك؛ وقاله الفرّاء والكلبيّ وأبو الأحوص. ومنه قول الشاعر: شعر : أبا حكم ما أَنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهلِ الأَبطَحِ المُتَناحِرِ تفسير : أي المتقابل. قال الفرّاء: سمعت بعض العرب يقول: منازلنا تتناحر؛ أي نتقابل، نحر هذا بنحر هذا؛ أي قُبالتِه. وقال ابن الأعرابيّ: هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المِحراب؛ من قولهم: منازلهم تتناحر؛ أي تتقابل. ورُوي عن عطاء قال: أمره أن يستوي بين السجدتين جالساً حتى يبدو نحره. وقال سليمان التَّيمِيّ: يعني وارفع يدك بالدعاء إلى نحرك. وقيل: «فَصلِّ» معناه: واعبد. وقال محمد بن كعب القُرَظيّ: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ } يقول: إن ناساً يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله؛ وقد أعطيناك الكوثر، فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله. قال ابن العربي: «والذي عندي أنه أراد: اعبد ربك، وانحر له، فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر، وبالْحَرَى أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخُصوصية من الكوثر، وهو الخير الكثير، الذي أعطاكه الله، أو النهر الذي طِينه مسك، وعدد آنيته نجوم السماء؛ أما أن يوازِيَ هذا صلاة يوم النحر، وذبح كبش أو بقرة أو بدَنَة، فذلك يبعد في التقدير والتدبير، وموازنة الثواب للعبادة». والله أعلم. الثانية: قد مضى القول فى سورة «الصَّافّات» في الأُضحِية وفضلها، ووقت ذبحها؛ فلا معنى لإعادة ذلك. وذكرنا أيضاً في سورة «الحج» جملة من أحكامها. قال ابن العربيّ: «ومن عجيب الأمر: أن الشافعي قال: إن من ضحَّى قبل الصلاة أجزأه، والله تعالى يقول في كتابه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ }، فبدأ بالصلاة قبل النحر، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم (في البخاريّ وغيره، عن البراء بن عازب، قال): « حديث : أوّل ما نبْدَأ به في يومنا هذا: أن نُصلِّيَ، ثم نرجعَ فننحر، من فعل فقد أصاب نُسُكاً، ومن ذَبَح قبل، فإنما هو لحم قدّمه لأهله، ليس من النُّسك في شيء » تفسير : . وأصحابه ينكرونه، وحبذا الموافقة». الثالثة: وأما ما روي عن عليّ عليه السلام «فصل لِربك وانحر» قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة (خرّجه الدارَقُطْنيّ)، فقد اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال: الأوّل: لا توضع فريضة ولا نافلة؛ لأن ذلك من باب الاعتماد. ولا يجوز في الفرض، ولا يستحب في النفل. الثاني: لا يفعلها في الفريضة، ويفعلها في النافلة استعانة؛ لأنه موضع ترخص. الثالث: يفعلها في الفريضة والنافلة. وهو الصحيح؛ لأنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على اليسرى من حديث وائل بن حجر وغيره. قال ابن المنذر: وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، وحكي ذلك عن الشافعيّ. واستحب ذلك أصحاب الرأي. ورأت جماعة إرسال اليد. وممن روينا ذلك عنه ابن المنذر والحسن البصريّ وإبراهيم النخعِيّ. قلت: وهو مَرْوِيّ أيضاً عن مالك. قال ابن عبد البر: إرسال اليدين، ووضع اليمنى على الشمال، كل ذلك من سنة الصلاة. الرابعة: واختلفوا في الموضع الذي توضع عليه اليد؛ فروِي عن عليّ بن أبي طالب: أنه وضعهما على صدره. وقال سعيد بن جُبير وأحمد بن حنبل: فوق السرّة. وقال: لا بأس إن كانت تحت السرّة. وقالت طائفة: توضع تحت السرّة. وروي ذلك عن عليّ وأبي هُريرة والنخعيّ وأبي مِجلَز. وبه قال سفيان الثوريّ وإسحاق. الخامسة: وأما رفع اليدين في التكبير عند الافتتاح والركوع والرفع من الركوع والسجود، فاختلف في ذلك؛ فروى الدّارقطنِيُّ من حديث حميد عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد. لم يروِه عن حميد مرفوعاً إلا عبد الوهاب الثقفيّ. والصواب: من فعل أنس. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى تكونا حذو منكِبيه، ثم يكبر، وكان يفعل ذلك حين يكَبِّر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول سمِع الله لمن حمِده. ولا يفعل ذلك حين يرفع رأسه من السجود. قال ابن المنذر: وهذا قول الليث بن سعد، والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وحكى ابن وهب عن مالك هذا القول. وبه أقول؛ لأن الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفة: يرفع المصلي يديه حين يفتتح الصلاة، ولا يرفع فيما سوى ذلك. هذا قول سفيان الثوريّ وأصحاب الرأي. قلت: وهو المشهور من مذهب مالك؛ لحديث ابن مسعود، (خرّجه الدّارقطنِيّ من حديث إسحاق بن أبي إسرائيل)، قال: حدّثنا محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: صليت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ فلم يرفعوا أيديهم إلا أوّلاً عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة. قال إسحاق: به نأخذ في الصلاة كلها. قال الدّارقطنِيّ: تفرّد به محمد بن جابر (وكان ضعيفاً) عن حماد عن إبراهيم. وغير حماد يروِيه عن إبراهيم مرسلاً عن عبد الله، من فعله، غير مرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وهو الصواب. وقد روى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البَرَاء: أنه رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذِيَ بهما أُذنيه، ثم لم يعد إلى شيء من ذلك حتى فرغ من الصلاة. قال الدّارقطنيّ: وإنما لقن يزيد في آخر عمره: «ثُمَّ لَمْ يَعُدْ»؛ فتلقنه وكان قد اختلط. وفي (مختصر ما ليس في المختصر) عن مالك: لا يرفع اليدين في شيء من الصلاة. قال ابن القاسم: ولم أر مالكاً يرفع يديه عند الإحرام. قال: وأَحبُّ إليّ ترك رفع اليدين عند الإحرام.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَصَلِّ لِرَبِّكَ } صلاة عيد النحر {وَٱنْحَرْ } نسكك.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَصَلِّ} الصبح بمزدلفة أو صلاة العيد أو اشكر ربك {وَانْحَرْ} الهدي أو الأضحية أو وأسل أو وضع اليمين على الشمال عند النحر في الصلاة "ع" أو رفع اليدين في التكبير إلى النحر أو استقبال القبلة في الصلاة بنحره.

التستري

تفسير : {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ}[2-3] عن خير الدارين أجمع. والله سبحانه وتعالى أعلم.

البقلي

تفسير : اى اتصل بنور الربوبية بخالص العبودية وانحر نفسك قربا بالكشف مشاهدتى.

اسماعيل حقي

تفسير : {فصل لربك وانحر} اى وانحر له فحذف اكتفاء بما قبله والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فان اعطاءه تعالى اياه عليه السلام ما ذكر من العطية التى لم يعطها ولن يعطيها احدا من العالمين مستوجب للمأمور به اى استيجاب والنحر فى للية كالذبح فى الحلق والمعنى قدم على الصلاة لربك الذى افاض عليك هذه النعمة الجليلة التى لا تضاهيها نعمة خالصا لوجهه كما دل عليه اللام الاختصاصية خلافا للساهين عنها المرآئين فيها ادآء لحقوق شكرها فان الصلاة جامعة لجميع اقسام الشكر وهى ثلاثة الشكر بالقلب وهو أن يعلم ان تلك النعم منه لا من غيره والشكر باللسان وهو أن يمدح المنعم ويثنى عليه والشكر بالجوارح وهو ان يخدمه ويتواضع له والصلاة جامعة لهذه الاقسام وانحر البدن التى هى خيار اموال العرب بأسمه تعالى يعنى وشتر قربان كن براى وى. وتصدق على المحاويج خلافا لمن يدعهم ويمنع منهم الماعون فالسورة كالمقابلة للسورة المتقدمة وقد فسرت الصلاة بصلاة العيد والنحر بالتضحية وهذا يناسب كون السورة مدنية وعن عطية هى صلاة الفجر بجمع والنحر بمنى. مصطفى را عليه السلام برسيدندكه اكركسى درويش بودوطاقت قربان ندارد جكونه كند تاثواب قربان اورا حاصل شود كفت جهار ركعت نمازكند درهر ركعتى يكبار الحمد خواند ويازده بارانا اعطيناك الكوثر الله تعالى اوراثواب شصت قربان در ديوان وى ثبت كندكما فى كشف الاسرار وعن على رضى الله عنه النحر ههنا وضع اليدين فى الصلاة على النحر وعن سليمان التيمى ارفع يديك بالدعاء الى نحرك وفى التأويلات النجمية وانحر بدن انانيتك وانيتك بوضع يدك اليمنى الروحانية على يدك اليسرى الجسمانية على نحرك المشروح بسيف نص ألم نشرح لك صدرك.

الجنابذي

تفسير : {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} اى اذا كان الله اعطاك الكوثر فتوجّه وتضرّع عليه وادعه شكراً لهذه النّعمة، او صلّ الغداة من العيد بجمعٍ {وَٱنْحَرْ} بمنى، او صلّ صلاة العيد وانحر اضحيّتك، قيل: كان ينحر النّبىّ (ص) قبل ان يصلّى فامر ان يصلّى ثمّ ينحر، وقيل: كان اقوام يصلّون لغير الله وينحرون لغير الله فأمره ان يصلّى لله وينحر لله، وقيل: صلّ الصّلاة المكتوبة واستقبل القبلة بنحرك فانّه يقول العرب: منازلنا تتناحر يعنى بعضها يستقبل بعضاً، وفى خبرٍ قال ابو عبد الله (ع) فى قوله: فصلّ لربّك وانحر هو رفع يديك حذاء وجهك، وفى خبرٍ قال النّبىّ (ص) لجبرئيل: ما هذه النّحيرة الّتى امرنى بها ربّى؟ - قال: ليست بنحيرةٍ ولكنّه يأمرك اذا تحرّمت للصّلاة ان ترفع يديك اذا كبّرت، واذا ركعت، واذا رفعت رأسك من الرّكوع، واذا سجدت؛ فانّه صلاتنا وصلاة الملائكة فى السّماوات السّبع.

الهواري

تفسير : قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} أي: صلاة العيد {وَانْحَرْ} أي: يوم النحر. قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ} أي: مبغضك {هُوَ الأَبْتَرُ} تفسير الحسن: تفسير الحسن: المنقطع به، أي: يقطع به أمره دون أن يبلغ فيه ما يأمل. وقال الكلبي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد والعاص بن وائل داخلٌ المسجدَ فالتقيا عند الباب فقالت قريش للعاص: من الذي استقبلك عند الباب؟ فقال: ذلك الأبتر؛ فقال الله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}. وقال الله للنبي عليه السلام: لا أُذكر حتى تذكر معي، وأما عدو الله العاص فهو أبتر من كل خير، فلا يذكر بخير. وقال بعضهم: نزلت في عمرو بن هشام.

اطفيش

تفسير : {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} الفاء سببية والمراد مطلق الصلاة. {وَانْحَرْ} المراد مطلق النحر أي اخلص صلاتك ودم عليها واخلص نحرك الله واذكر اسمه فيه لأنه الذي أعطاك وأعزك وخالفهم في عبادتهم الأصنام والنحر باسمها أو دم على الصلاة لربك وأخلاصها محالفا للساهي المرائي بها شكرا لإنعامه فإن الصلاة جامعة لأقسام الشكر والنحر البدن التي هي خيار الأموال العرب فهي النوق وتصدق بها على اليتامى عطفا عليهم مخالفا لمن يدفعهم بعنف ويمنع عنهم القليل الحقير وعلى هذا فهذه السورة كأنها مقابلة للتي قبلها وقيل المراد صلاة العيد ونحر الضحية وقيل الصلاة مطلقا ونحر الهدي والنسك والضحية ونسب الجمهور وقيل صلاة الفرض ونحر البدن بمنى وقيل صلاة الفجر بجمع والنحر بمنى وكذب من فسر الصلاة بالصلاة مطلقا أو بالفرض والنحر وضع اليد اليمنى على اليسرى في تلك الصلاة وأكذب منه من روي ذلك عن ابن عباس وكذب أيضا من قال النحر رفع اليدين مع التكبير الى المنحر فإن النبي صلى الله عليه وسلم ولو رفعهما لكن في صلاة واحدة ليقع السلاح من ابط من كان تحته ولم يعد ذلك ولم تفعله الصحابة.

اطفيش

تفسير : {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} الصلوات الخمس وغيرها كصلاة العيد والضحى خلافاً لمن يصلى لغير الله وينحر لغير الله تعالى. {وَانْحَرْ} ما قدرت عليه من الأَنعام ولا سيما البدن والضحية وتصدق بها على المساكين وغيرهم لأَجل ذلك الإعطاءِ شكراً له وخلافاً للساهين عن الصلاة وللذى يدع اليتيم ويمنع الماعون، والجمهور على أن المراد نحر الأضاحى وقيل نزلت لصلاة عيد الأَضحى ونحر الضحية، وقيل أمر بصلاة الصبح فى مزدلفة والنحر بمنى، وقيل انحر وارجع فى الحديبية فخطب وصلى ركعتين ونحر، وفى البيهقى والحاكم وابن أبى حاتم وابن مردوية سأَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النحر جبريل فقال رفع يديك أى إلى نحرك عند كل تكبيرة فى الصلاة وإن ذلك صلاتنا معشر الملائكة وزينة الصلاة قلنا هذا حديث موضوع لو صح للزمه النبى - صلى الله عليه وسلم - أو أكثر منه فى صلواته وكذلك الصحابة ولم نجد حديثاً صحيحاً فى أنه فعله ولا فى صحته ثم رأيت ابن كثير قال إنه حديث منكر جداً وابن الجوزى قال إنه موضوع وكذا حديث ابن جرير عن أبى جعفر مرفوعاً أنه رفع اليدين عن تكبيرة افتتاح الصلاة وحديث البخارى وغيره أنه وضع يمناك على يسراك ثم وضعهما على صدرك فى الصلاة وكذا فى البيهقى عن أنس وجماعة عن ابن عباس كل ذلك موضوع لا يصح فهذه الأُمة كلهم يعملون بنحو الضحية وغيرها فى هذه الآية، ومر ذكر أن سنة القرآن ذكر الزكاة بعد الصلاة وما ذكرته قريب منها بخلاف الحمل على رفع اليدين وبخلاف ما ذكره الضحاك من أنه رفعها إلى النحر للدعاءِ بعد الصلاة وهو كلام غير حديث وكان المشركون يصلون وينحرون للأَوثان فأَمرنا الله تعالى أن نصلى له وننحر له.

الالوسي

تفسير : الفاء في قوله تعالى: {فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إعطاءه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام ما ذكر من العطية التي لم يعطها أحداً من العالمين مستوجب للمأمور به أي استيجاب أي فدم على الصلاة لربك الذي أفاض عليك ما أفاض من الخير خالصاً لوجهه عز وجل خلاف الساهين عنها المرائين فيها أداء لحق شكره تعالى على ذلك فإن الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر ولذا قيل {فَصَلّ} دون فاشكر {وَٱنْحَرْ} البدن التي هي خيار أموال العرب باسمه تعالى وتصدق على المحاويج خلافاً لمن يَدُعُّهم ويمنع عنهم الماعون كذا قيل، وجعل السورة عليه كالمقابلة لما قبلها كما فعل الإمام ولم يذكروا مقابل التكذيب بالدين. وقال الشهاب الخفاجي ((إن الكوثر بمعنى الخير الكثير الشامل للأخروي يقابل ذلك لما فيه من إثباته ضمناً وكذا إذا كان بمعنى النهر والحوض)) والأمر على تفسيره بالإسلام وتفسير الدين به أيضاً في غاية الظهور. والمراد بالصلاة عند أبـي مسلم الصلاة المفروضة وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبـي حاتم عن الضحاك وأخرجه الأول وابن المنذر عن ابن عباس وذهب جمع إلى أنها جنس الصلاة وقيل المراد بها صلاة العيد وبالنحر التضحية أخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال كانت هذه الآية يوم الحديبية أتاه جبريل عليهما الصلاة والسلام فقال انحر وارجع فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب خطبة الأضحى ثم ركع ركعتين ثم انصرف إلى البدن فنحرها فذلك قوله تعالى: {فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } واستدل به على وجوب تقديم الصلاة على التضحية وليس بشيء. وأخرج عبد الرزاق وغيره عن مجاهد وعطاء وعكرمة أنهم قالوا المراد صلاة الصبح بمزدلفة والنحر بمنى والأكثرون على أن المراد بالنحر نحر الأضاحي واستدل به بعضهم على وجوب الأضحية لمكان الأمر مع قوله تعالى {أية : وَٱتَّبِعُوهُ}تفسير : [الأعراف: 158] وأجيب بالتخصص بقوله صلى الله عليه وسلم((حديث : ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الضحى / والأضحية والوتر))تفسير : . وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي الأحوص أنه قال {وَٱنْحَرْ} أي استقبل القبلة بنحرك وإليه ذهب الفراء وقال يقال منازلهم تتناحر أي تتقابل وأنشد قوله: شعر : أبا حكم هل أنت عم مجالد وسيد أهل الأبطح المتناحر تفسير : وأخرج ابن أبـي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال حديث : لما نزلت هذه السورة على النبـي صلى الله عليه وسلم {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ } الخ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه السلام ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربـي فقال إنها ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذي هم في السماوات السبع وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرةتفسير : وأخرج ابن جرير عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه قال في ذلك ترفع يديك أول ما تكبر في الافتتاح وأخرج البخاري في «تاريخه» والدارقطني في «الأفراد» وآخرون عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال ضع يدك اليمنى على ساعد اليسرى ثم ضعهما على صدرك في الصلاة وأخرج نحوه أبو الشيخ والبيهقي في «سننه» عن أنس مرفوعاً ورواه جماعة عن ابن عباس وروى عباس وروي عن عطاء أن معناه اقعد بين السجدتين حتى يبدو نحرك وعن الضحاك وسليمان التيمي أنهما قالا معناه ارفع يديك عقيب الصلاة عند الدعاء إلى نحرك ولعل في صحة الأحاديث عند الأكثرين مقالاً وإلا فما قالوا الذي قالوا وقد قال الجلال السيوطي في حديث علي كرم الله تعالى وجهه الأول إنه أخرجه ابن أبـي حاتم والحاكم في «المستدرك» بسند ضعيف وقال فيه ابن كثير إنه حديث منكر جداً بل أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» وقال الجلال في الحديث الآخر عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أخرجه ابن أبـي حاتم والحاكم بسند لا بأس به ويرجح قول الأكثرين إن لم يصح عن النبـي صلى الله عليه وسلم ما يخالفه أن الأشهر استعمال النحر في نحر الإبل دون تلك المعاني وإن سنة القرآن ذكر الزكاة بعد الصلاة وما ذكر بذلك المعنى قريب منها بخلافه على تلك المعاني وأن ما ذكروه من المعاني يرجع إلى آداب الصلاة أو أبعاضها فيدخل تحت {فَصَلّ لِرَبّكَ} ويبعد عطفه عليه دون ما عليه الأكثر مع أن القوم كانوا يصلون وينحرون للأوثان فالأنسب أن يؤمر صلى الله عليه وسلم في مقابلتهم بالصلاة والنحر له عز وجل. هذا واعتبار الخلوص في {فصَلِّ } الخ كما أشرنا إليه لدلالة السياق عليه وقيل لدلالة لام الاختصاص وفي الالتفات عن ضمير العظمة إلى خصوص الرب مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تأكيد لترغيبه صلى الله عليه وسلم في أداء ما أمر به على الوجه الأكمل.

الشنقيطي

تفسير : في هذا مع ما قبله ربط بين النعم وشكرها، وبين العبادات وموجبها، فكما أعطاه الكوثر فليصل لربه سبحانه ولينحر له، كما تقدم في سورة لإيلاف قريش، في قوله تعالى: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3-4]. وهناك {أية : إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} تفسير : [الكوثر: 1]، وهو أكثر من رحلتيهم وأمنهم، {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} مقابل {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} تفسير : [قريش: 3]. وقيل: إنه لما كان في السورة قبلها بيان حال المنافقين في السهو عن الصلاة والرياء في العمل، جاء هنا بالقدوة الحسنة {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} مخلصاً له في عبادتك، كما تقدم في السورة قبلها {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} تفسير : [الكهف: 110]. وقوله تعالى في تعليم الأمة، في خطاب شخصه صلى الله عليه وسلم {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]، مع عصمته صلى الله عليه وسلم من أقل من ذلك، والصلاة عامة والفريضة أخصها. وقيل: صلاة العيد، والنحر: قيل فيه أقوال عديدة: أولها: في نهر الهدى أو نحر الضحية: وهي مرتبطة بقول من حمل الصلاة على صلاة العيد، وأن النحر بعد الصلاة كما في حديث البراء بن عازب "حديث : لما ضحى قبل أن يلي، وسمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يحث على الضحية بعد الصلاة، فقال: إني علمت اليوم يوم لحم فعجلت بضحيتي، فقال له: شاتك شاة لحم؟ فقال: إن عندنا لعناقاً أحب إلينا من شاة، أتجزئ عني؟ قال: اذبحها، ولن تجزئ عن أحد غيرك ". تفسير : وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه مبحث الضحية وافياً عند قوله تعالى: {أية : فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} تفسير : [الحج: 28]، وقد ذكروا في معاني: وانحر: أي ضع يدك اليمنى على اليسرى على نحرك في الصلاة، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه. وأقوال أخرى ليس عليها نص. والنحر: هو طعن الإبل في اللبة عند المنحر ملتقى الرقبة، بالصدر. وأصح الأقوال في الصلاة. وفي النحر هو ما تقدم من عموم الصلاة وعموم النحر أو الذبح لما جاء في قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 162]. واتفق الفقهاء أن النحر للإبل، والذبح للغنم، والبقر متردد فيه بين النحر والذبح، وأجمعوا على أن ذلك هو الأفضل، ولو عمم النحر في الجميع، أو عمم الذبح في الجميع لكان جائزاً، ولكنه خلاف السنة. وقالوا: إن الحكمة في تخصيص الإبل بالنحر، وهو طول العنق، إذ لو ذبحت لكان مجرى الدم من القلب إلى محل الذبح بعيداً فلا يساعد على إخراج جميع الدم بيسر، بخلاف النحر في المنحر، فإنه يقرب المسافة ويساعد القلب على دفع الدم كله، أما الغنم فالذبح مناسب لها، والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (2) - فَاجْعَلْ عِبَادَتَكَ وَصَلاَتَكَ لِربِّكَ وَحْدَهُ، وَانْحَرْ ذَبِيحَتَكَ عَلَى اسْمِهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الذِي تَعَهَّدَكَ وَأَسْبَغَ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَفَضْلَهُ دُونَ سِوَاهُ. (وَقِيلَ بَلِ المَعْنَى هُوَ: أَنَّ النَّبِيَّ يُصَلِّي صَلاَةَ عِيدِ النَّحْرِ ثُمَّ يَذْبَحُ هَدْيَهُ).

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} معناه صلِّ بجَمعٍ، وانحرْ بِمنى. ويقال: وانحرْ معناه استقبلْ القِبلةَ.

همام الصنعاني

تفسير : 3720- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ}: [الآية: 2]، قال: هي صلاة الأضحى. 3721- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: نَحْرُ البدن لقوله {وَٱنْحَرْ}. 3722- حدثنا عبد الرزاق، عن وكيع، عن (يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد)، عن (عاصم الجحدري، عن (عقبة بن ظهير)، عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ}: [الآية: 2]، قال: هو وضع اليمنى على اليُسْرضى في الصلاة. 3723- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، و(فِطر) عن عطاء، في قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ}: [الآية: 2]، قالا: صلِّ الصبح بِجَمْعٍ، وانحر البدن بمنى.