Verse. 6226 (AR)

١١٣ - ٱلْفَلَق

113 - Al-Falaq (AR)

قُلْ اَعُوْذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ۝۱ۙ
Qul aAAoothu birabbi alfalaqi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أعوذ برب الفلق» الصبح.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {قُلْ } فوائد أحدها: أنه سبحانه لما أمر بقراءة سورة الإخلاص تنزيهاً له عما لا يليق به في ذاته وصفاته، وكان ذلك من أعظم الطاعات، فكأن العبد قال: إلهنا هذه الطاعة عظيمة جداً لا أثق بنفسي في الوفاء بها، فأجاب بأن قال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } أي استعذ بالله، والتجيء إليه حتى يوفقك لهذه الطاعة على أكمل الوجوه وثانيها: أن الكفار لما سألوا الرسول عن نسب الله وصفته، فكأن الرسول عليه السلام قال: كيف أنجو من هؤلاء الجهال الذين تجاسروا وقالوا: فيك مالا يليق بك، فقال الله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } أي استعذ بي حتى أصونك عن شرهم وثالثها: كأنه تعالى يقول: من التجأ إلى بيتي شرفته وجعلته آمناً فقلت: {أية : ومن دخله كان آمناً} تفسير : [آل عمران: 97] فالتجىء أنت أيضاً إلي حتى أجعلك آمناً: فقل أعوذ برب الفلق. المسألة الثانية: اختلفوا في أنه هل يجوز الاستعانة بالرقى والعوذ أم لا؟ منهم قال: إنه يجوز واحتجوا بوجوه أحدها: ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى فرقاه جبريل عليه السلام، فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، والله يشفيك وثانيها: قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا من الأوجاع كلها والحمى هذا الدعاء: «حديث : بسم الله الكريم، أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار، ومن شر حر النار» تفسير : وثالثها: قال عليه السلام: من دخل على مريض لم يحضره أجله؛ فقال: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات شفي ورابعها: عن علي عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض قال: «حديث : أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت» تفسير : وخامسها: عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول: «حديث : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة»تفسير : ويقول: هكذا كان أبي إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق وسادسها: قال عثمان بن أبي العاص الثقفي: قدمت على رسول الله وبي وجع قد كاد يبطلني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اجعل يدك اليمنى عليه، وقل بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد سبع مرات» تفسير : ففعلت ذلك فشفاني الله وسابعها: روي أنه عليه السلام كان إذا سافر فنزل منزلاً يقول: «حديث : يا أرض، ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يخرج منك، وشر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود وحية وعقرب، ومن شر ساكني البلد ووالد وما ولد» تفسير : وثامنها: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا اشتكى شيئاً من جسده قرأ: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } والمعوذتين في كفه اليمنى ومسح بها المكان الذي يشتكي ومن الناس من منع من الرقى لما روي عن جابر، قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، وقال عليه السلام: «حديث : إن لله عباداً لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون» تفسير : وقال عليه السلام: «حديث : لم يتوكل على الله من اكتوى واسترقى» تفسير : وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون النهي عن الرقى المجهولة التي لا تعرف حقائقها، فأما ما كان له أصل موثوق، فلا نهي عنه، واختلفوا في التعليق، فروى أنه عليه السلام قال: «حديث : من علق شيئاً وكل إليه» تفسير : وعن ابن مسعود: أنه رأى على أم ولده تميمة مربوطة بعضدها، فجذبها جذباً عنيفاً فقطعها، ومنهم من جوزه، سئل الباقر عليه السلام عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه، واختلفوا في النفث أيضاً، فروي عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه إذا اشتكى بالمعوذات ويمسح بيده، فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه بالمعوذات التي كان ينفث بها على نفسه، وعنه عليه السلام: «أنه كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ فيهما بالمعوذات، ثم مسح بهما جسده» ومنهم من أنكر النفث، قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد. وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون النفث في الرقى، وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجيع، فقلت: ألا أعوذك يا أبا محمد؟ قال: بلى ولكن لا تنفث، فعوذته بالمعوذتين. قال الحليمي: الذي روي عن عكرمة أنه ينبغي للراقي أن لا ينفث ولا يمسح ولا يعقد، فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفث في العقد مما يستعاذ منه، فوجب أن يكون منهياً عنه إلا أن هذا ضعيف، لأن النفث في العقد إنما يكون مذموماً إذا كان سحراً مضراً بالأرواح والأبدان. فأما إذا كان هذا النفث لإصلاح الأرواح والأبدان وجب أن لا يكون حراماً. المسألة الثالثة: أنه تعالى قال في مفتاح القراءة: {أية : فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 200] وقال ههنا: {أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } وفي موضع آخر: {أية : وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ } تفسير : [المؤمنون: 97] وجاء في الأحاديث: أعوذ بكلمـات الله التامات ولا شك أن أفضل أسماء الله هو الله، وأما الرب فإنه قد يطلق على غيره، قال تعالى: {أية : ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ } تفسير : [يوسف: 39] فما السبب في أنه تعالى عند الأمر بالتعوذ لم يقل: أعوذ بالله بل قال: {بِرَبّ ٱلْفَلَقِ }؟ وأجابوا عنه من وجوه: أحدها: أنه في قوله: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 98] إنما أمره بالاستعاذة هناك لأجل قراءة القرآن، وإنما أمره بالاستعاذة ههنا في هذه السورة لأجل حفظ النفس والبدن عن السحر، والمهم الأول أعظم، فلا جرم ذكر هناك الاسم الأعظم وثانيها: أن الشيطان يبالغ حال منعك من العبادة أشد مبالغة في إيصال الضر إلى بدنك وروحك، فلا جرم ذكر الاسم الأعظم هناك دون ههنا وثالثها: أن اسم الرب يشير إلى التربية فكأنه جعل تربية الله له فيما تقدم وسيلة إلى تربيته له في الزمان الآتي، أو كان العبد يقول: التربية والإحسان حرفتك فلا تهملني، ولا تخيب رجائي ورابعها: أن بالتربية صار شارعاً في الإحسان، والشروع ملزم وخامسها: أن هذه السورة آخر سور القرآن فذكر لفظ الرب تنبيهاً على أنه سبحانه لا تنقطع عنك تربيته وإحسانه، فإن قيل: إنه ختم القرآن على اسم الإله حيث قال: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ } قلنا: فيه لطيفة وهي كونه تعالى قال: قل أعوذ بمن هو ربي ولكنه إله قاهر لوسوسة الخناس فهو كالأب المشفق الذي يقول ارجع عند مهماتك إلى أبيك المشفق عليك الذي هو كالسيف القاطع والنار المحرقة لأعدائك فيكون هذا من أعظم أنواع الوعد بالإحسان والتربية وسادسها: كان الحق قال لمحمد عليه السلام: قلبك لي فلا تدخل فيه حب غيري، ولسانك لي فلا تذكر به أحداً غيري، وبدنك لي فلا تشغله بخدمة غيري، وإن أردت شيئاً فلا تطلبه إلا مني، فإن أردت العلم فقل: رب زدني علماً وإن أردت الدنيا فاسألوا الله من فضله، وإن خفت ضرراً فقل: أعوذ برب الفلق فإني أنا الذي وصفت نفسي بأني خالق الإصباح. وبأني فالق الحب والنوى، وما فعلت هذه الأشياء إلا لأجلك، فإذا كنت أفعل كل هذه الأمور لأجلك، أفلا أصونك عن الآفات والمخافات. المسألة الرابعة: ذكروا في: الفلق وجوهاً أحدها: أنه الصبح وهو قول الأكثرين قال الزجاج: لأن الليل يفلق عنه الصبح ويفرق فعل بمعنى مفعول يقال: هو أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح وتخصيصه في التعوذ لوجوه الأول: أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضاً أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج، فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظراً لطلوع الصباح كذلك الخائف يكون مترقياً لطلوع صباح النجاح الثالث: أن الصبح كالبشرى فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر، فالحق سبحانه يقول: قل أعوذ برب يعطي إنعام فلق الصبح قبل السؤال، فكيف بعد السؤال الرابع: قال بعضهم: إن يوسف عليه السلام لما ألقي في الجب وجعت ركبته وجعاً شديداً فبات ليلته ساهراً فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل عليه السلام بإذن الله يسليه ويأمره بأن يدعوا ربه فقال: يا جبريل ادع أنت وأؤمن أنا فدعا جبريل وأمن يوسف فكشف الله ما كان به من الضر، فلما طاب وقت يوسف قال جبريل: وأنا أدعو أيضاً وتؤمن أنت، فسأل يوسف ربه أن يكشف الضر عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت، فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل، وروي أن دعاءه في الجب: يا عدتي في شدتي ويا مؤنسي في وحشتي ويا راحم غربتي ويا كاشف كربتي ويا مجيب دعوتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ارحم صغر سني وضعف ركني وقلة حيلتي يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام الخامس: لعل تخصيص الصبح بالذكر في هذا الموضع لأنه وقت دعاء المضطرين وإجابة الملهوفين فكأنه يقول: قل أعوذ برب الوقت الذي يفرج فيه عن كل مهموم السادس: يحتمل أنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة لأن الخلق كالأموات والدور كالقبور، ثم منهم من يخرج من داره مفلساً عرياناً لا يلتفت إليه، ومنهم من كان مديوناً فيجر إلى الحبس، ومنهم من كان ملكاً مطاعاً فتقدم إليه المراكب ويقوم الناس بين يديه، كذا في يوم القيامة بعضهم مفلس عن الثواب عار عن لباس التقوى يجر إلى الملك الجبار، ومن عبد كان مطيعاً لربه في الدنيا فصار ملكاً مطاعاً في العقبى يقدم إليه البراق السابع: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه وقت الصلاة الجامعة لأحوال القيامة فالقيام في الصلاة يذكر القيام يوم القيامة كما قال: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [المطففين: 6] والقراءة في الصلاة تذكر قراءة الكتب والركوع في الصلاة يذكر من القيامة قوله: {أية : نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ } تفسير : [السجدة: 12] والسجود في الصلاة يذكر قوله: {أية : وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } تفسير : [القلم: 42] والقعود يذكر قوله: {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } تفسير : [الجاثية: 28] فكان العبد يقول: إلهي كما خلصتني من ظلمة الليل فخلصني من هذه الأهوال، وإنما خص وقت صلاة الصبح لأن لها مزيد شرف على ما قال: {أية : إن قرآن الفجر كان مشهوداً } تفسير : [الإسراء: 78] أي تحضرها ملائكة الليل والنهار الثامن: أنه وقت الاستغفار والتضرع على ما قال: {أية : وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } تفسير : [آل عمران: 17] القول الثاني: في الفلق أنه عبارة عن كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ }تفسير : [الأنعام: 95] والجبال عن العيون: {أية : وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأَنهـار } تفسير : [البقرة: 74] والسحاب عن الأمطار والأرحام عن الأولاد والبيض عن الفرخ والقلوب عن المعارف، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انقلاب، بل العدم كأنه ظلمة والنور كأنه الوجود، وثبت أنه كان الله في الأزل ولم يكن معه شيء ألبتة فكأنه سبحانه هو الذي فلق بحار ظلمات العدم بأنوار الإيجاد والتكوين والإبداع، فهذا هو المراد من الفلق، وهذا التأويل أقرب من وجوه أحدها: هو أن الموجود إما الخالق وإما الخلق، فإذا فسرنا الفلق بهذا التفسير صار كأنه قال: قل أعوذ برب جميع الممكنات، ومكون كل المحدثات والمبدعات فيكون التعظيم فيه أعظم، ويكون الصبح أحد الأمور الداخلة في هذا المعنى وثانيها: أن كل موجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، والممكن لذاته يكون موجوداً بغيره، معدوماً في حد ذاته، فإذن كل ممكن فلا بد له من مؤثر يؤثر فيه حال حدوثه ويبقيه حال بقائه، فإن الممكن حال بقائه يفتقر إلى المؤثر والتربية، إشارة لا إلى حال الحدوث بل إلى حال البقاء، فكأنه يقول: إنك لست محتاجاً إلى حال الحدوث فقط بل في حال الحدوث وحال البقاء معاً في الذات وفي جميع الصفات، فقوله: {بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } يدل على احتياج كل ما عداه إليه حالتي الحدوث والبقاء في الماهية والوجود بحسب الذوات والصفات وسر التوحيد لا يصفو عن شوائب الشرك إلا عند مشاهدة هذه المعاني، وثالثها: أن التصوير والتكوين في الظلمة أصعب منه في النور، فكأنه يقول: أنا الذي أفعل ما أفعله قبل طلوع الأنوار وظهور الأضواء ومثل ذلك مما لا يتأتى إلا بالعلم التام والحكمة البالغة وإليه الإشارة بقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [آل عمران: 6]. القول الثالث: أنه واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض الفلق والجمع فلقان، وعن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرآى دور أهل الذمة وما هم فيه من خصب العيش فقال لا أبالي، أليس من ورائهم الفلق، فقيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، وإنما خصه بالذكر ههنا لأنه هو القادر على مثل هذا التعذيب العظيم الخارج عن حد أوهام الخلق، ثم قد ثبت أن رحمته أعظم وأكمل وأتم من عذابه، فكأنه يقول: يا صاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التي هي أعظم وأكمل وأتم وأسبق وأقدم من عذابك.

القرطبي

تفسير : فيه تسع مسائل: الأولى: روى النسائيّ « حديث : عن عقبة بن عامر، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه، فقلت: أقرئني سورة هُودٍ أقرئني سورة يوسف. فقال لي: «ولَنْ تَقْرأ شيئاً أبلغ عند الله من {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ}» » تفسير : . وعنه قال: « حديث : بينا أنا أسير مع النبيّ صلى الله عليه وسلم بين الجحْفَة والأَبواءِ، إذ غشتنا ريح مظلمة شديدة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوّذ بـ{ـأَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ}، و{أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ}، ويقول:«يا عقبة، تعوّذ بهما، فما تعوّذ متعوّذ بمثلهما». قال: وسمعته يقرأ بهما في الصلاة » تفسير : . وروى النَّسائي « حديث : عن عبد الله قال: أصابنا طَشٌّ وظُلْمة، فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يَخْرج. ثم ذكر كلاماً معناه: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لِيُصلِّيَ بنا، فقال:«قُلْ». فقلت: ما أقول؟ قال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين حين تمسي، وحين تصبح ثلاثاً، يكفِك كل شيء» »حديث : وعن عقبة بن عامر الجُهَنِي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:«قُلْ». قلت: ما أقول؟ قال «قل: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ } {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ } ـ فقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال ـ لم يتعوّذ الناس بمثلهن، أو لا يتعوّذ الناس بمثلِهِن» » تفسير : . وفي حديث ابن عباس: « حديث : قل أَعوذ بِرب الفلقِ وقُلْ أَعوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، هاتين السورتين » تفسير : . وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمُعَوذَّتَيْن ويَنْفِثُ، فلما اشتدّ وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده، رجاءَ بركتها. النَّفْث: النفخ ليس معه ريق. الثانية: ثبت في الصحيحين من حديث عائشة: « حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سحره يهوديّ من يهود بني زُرَيْق، يقال له لَبِيدُ بن الأَعْصم، حتى يخيلُ إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث ـ في غير الصحيح: سنة ـ ثم قال: «يا عائشة، أُشْعرت، أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. أتاني ملكان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي: ما شأن الرجل؟ قال: مَطْبوب. قال ومَنْ طَبَّهُ؟ قال لَبيد بن الأَعصم. قال في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشاطة وجفّ طلعةٍ ذكر، تحت راعوفة في بئر ذي أَوْران» فجاء البئر واستخرجه » تفسير : . انتهى الصحيح. وقال ابن عباس: « حديث : أما شَعَرْتِ يا عائشة أن الله تعالى أخبرني بدائي» ثم بعث علِياً والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وهي الراعوفة ـ صخرة تترك أسفل البئر يقوم عليها المائح، وأخرجوا الجُفّ، فإذا مُشَاطة رأس إنسان، وأسنان من مُشْط، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر، فأنزل الله تعالى هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية على عدد تلك العُقْد، وأمر أن يُتَعَوَّذ بهما؛ فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد النبيّ صلى الله عليه وسلم خِفّة، حتى انحلت العقدة الأخيرة، فكأنما أُنشِط من عِقال، وقال: ليس به بأس. وجعل جبريل يَرْقِي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «باسم الله أَرْقِيك، من كل شيء يؤذيك، من شر حاسدٍ وعَيْن، والله يَشْفِيك». فقالوا: يا رسول الله، ألا نقتل الخبيث. فقال: «أمّا أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثيرَ على الناس شَرًّا »تفسير : . وذكر القشيري في تفسيره أنه ورد في الصِّحاح: أن غلاماً من اليهود كان يخدُم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فدسَّتْ إليه اليهود، ولم يزالوا به حتى أَخَذ مُشاطة رأس النبيّ صلى الله عليه وسلم. والمُشاطة (بضم الميم): ما يسقُط من الشعر عند المشط. وأخذ عدّة من أسنان مُشْطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وكان الذي تولى ذلك لَبيدُ بن الأَعْصم اليهوديّ. وذكر نحو ما تقدّم عن ابن عباس. الثالثة: تقدّم في البقرة القول في السحر وحقيقته، وما ينشأ عنه من الآلام والمفاسد، وحكم الساحر؛ فلا معنى لإعادته. الرابعة: قوله تعالى: {ٱلْفَلَقِ } اختُلف فيه؛ فقيل: سِجن في جَهنم؛ قاله ابن عباس. وقال أُبَيُّ بن كعب: بيت في جهنم إذا فُتح صاح أهل النار من حره. وقال الحُبُليّ أبو عبد الرحمن: هو اسم من أسماء جهنم. وقال الكلبي: واد في جهنم. وقال عبد الله بن عمر: شجرة في النار. سعيد بن جبير: جُبُّ في النار. النحاس: يقال لما اطمأنّ من الأرض فَلَق؛ فعلى هذا يصح هذا القول. وقال جابر بن عبد الله والحسن وسعيد بن جبير أيضاً ومجاهد وقتادة والقُرَظِيّ وابن زيد: الفَلَق، الصُّبْح. وقاله ابن عباس. تقول العرب: هو أبين من فَلَقِ الصُّبْح وفرقَ الصبح. وقال الشاعر: شعر : يا ليلةً لم أَنمْهَا بِتُّ مُرْتَفِقاً أَرْعَى النجومَ إلى أَنْ نَوَّرَ الفَلقُ تفسير : وقيل: الفلق: الجبال والصخور تنفلق بالمياه؛ أي تتشقق. وقيل: هو التفليق بين الجبال والصخور؛ لأنها تتشقق من خوف الله عز وجل. قال زهير: شعر : ما زِلْتَ أَرْمُقُهُم حتّى إذا هَبَطَتْ أيدِي الرِّكابِ بِهِمْ مِن راكِسٍ فَلَقَا تفسير : الراكس: بطن الوادي. وكذلك هو في قول النابغة: شعر : أَتـانِـي ودُونِـي راكِـسٌ فـالضَّـواجِـعُ تفسير : والراكس أيضاً: الهادي، وهو الثور وسط البَيْدَر، تدور عليه الثّيران في الدِّياسة. وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان. وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ما خَلَق من الحيوان والصبحِ والحبّ والنَّوَى، وكل شيء من نبات وغيره؛ قاله الحسن وغيره. قال الضحاك: الفَلقُ الخلْق كُلُّه؛ قال: شعر : وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً رَبَّ الْفَلقْ سِرًّا وقدْ أَوَّنَ تَأْوِين العُقُقْ تفسير : قلت: هذا القول يشهد له الاشتقاق؛ فإن الفَلْق الشق. فَلقْت الشيء فلقاً أي شققته. والتفليق مثله. يقال: فَلقته فانفلق وتَفَلَّق. فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونَوًى وماء فهو فَلَق؛ قال الله تعالى: { أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } تفسير : [الأنعام: 96] قال: { أية : فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ } تفسير : [الأنعام: 95]. وقال ذو الرمّة يصف الثور الوَحْشِيّ: شعر : حَتَّى إذَا ما انْجَلَى عن وجهِه فَلَقٌ هادِيهِ في أُخْرَيَاتِ اللَّيلِ مُنْتَصِبُ تفسير : يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه. والفلق أيضاً: المطمئن من الأرض بين الربْوتين، وجمعه؛ فُلْقان؛ مثل خَلَق وخُلْقان. وربما قالوا: كان ذلك بفالق كذا وكذا؛ يريدون المكان المنحدر بين الربوتين. والفلَق أيضاً مِقطرة السَّجان. فأما الفِلْق (بالكسر): فالداهية والأمر العجب؛ تقول منه: أفلق الرجل وافتلق. وشاعر مُفْلِق، وقد جاء بالفِلْق (أي بالداهية). والفِلْق أيضاً: القضيب يُشَقُّ باثنين، فيعمل منه قَوْسان؛ يقال لكل واحدة منهما فِلْق. وقولهم؛ جاء بعُلَقَ فُلَق؛ وهي الداهية؛ لا يُجرى مُجرَى عُمر. يقال منه: أعلقت وأفلقت؛ أي جئت بعُلَق فُلَقَ. ومرّ يفتلق في عدوِه؛ أي يأتي بالعجب من شدّته. وقوله تعالى: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ } قيل: هو إبليس وذرّيته. وقيل جهنم. وقيل: هو عامّ؛ أي من شر كل ذي شر خلقه الله عز وجل. الخامسة: قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } اختُلف فيه؛ فقيل: هو الليل. والغَسَق: أوّل ظلمة الليل؛ يقال منه: غَسَق الليلُ يَغْسِق أي أظلم. قال (ابن) قيس الرقيات: شعر : إِنَّ هَذَا الليلَ قد غَسَقا واشْتكَيْتُ الهمَّ والأَرَقَا تفسير : وقال آخر: شعر : يا طيفَ هِندٍ لَقَدْ أَبْقَيت لِي أَرَقاً إِذْ جِئتنا طارِقاً والليلُ قَدْ غَسَقَا تفسير : هذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسُّدّيّ وغيرهم. و«وَقَبَ» على هذا التفسير: أظلم؛ قاله ابن عباس. والضحاك: دَخَلَ. قتادة: ذَهَبَ. يَمانُ بن رِئاب: سَكَن. وقيل: نزل؛ يقال: وَقَب العذاب على الكافرين؛ نَزَل. قال الشاعر: شعر : وَقَبَ العذابُ عليهمُ فكَأَنَّهُمْ لَحِقتْهُمُ نارُ السَّمُومِ فأُحْصِدُوا تفسير : وقال الزجاج: قيل الليل غاسق لأنه أبرد من النهار. والغاسق: البارد. والغَسَق: البرد؛ ولأن في الليل تخرج السِّباع من آجامها، والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشر على العيث والفساد. وقيل: الغاسق: الثُّريَّا؛ وذلك أنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك؛ قاله عبد الرحمن بن زيد. وقيل: هو الشمس إذا غربت؛ قاله ابن شهاب. وقيل: هو القمر. قال القُتَبِيّ: {إِذَا وَقَبَ} القمر: إذا دخل في ساهوره، وهو كالغلاف له، وذلك إذا خُسِفَ به. وكل شيء أسود فهو غَسَق. وقال قتادة: «إِذا وَقَب» إذا غابَ. وهو أصح؛ لأن في الترمذيّ « حديث : عن عائشة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر، فقال: «يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وَقَبَ» »تفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال أحمد بن يحيـى ثعلب عن ابن الأعرابي في تأويل هذا الحديث: وذلك أن أهل الريبَ يَتَحينون وَجبة القمر. وأنشد: شعر : أراحنِي اللَّهُ مِن أشياءَ أَكرهُها منها العجوزُ ومنها الكلبُ والقمرُ هذا يبوحُ وهذا يُستضاء بِه وهذه ضِمْرِزٌ قَوَّامَةُ السَّحَرِ تفسير : وقيل: الغاسق: الحية إذا لدغت. وكأن الغاسق نابُها؛ لأن السم يغسق منه؛ أي يسيل. ووقب نابها: إذا دخل في اللدِيغ. وقيل: الغاسق: كل هاجم يضر، كائناً ما كان؛ من قولهم: غسقتِ القرحة: إذا جرى صديدُها. السادسة: قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ } يعني الساحرات اللائي ينفُثْن في عُقَد الخيط حين يَرْقِينَ عليها. شبه النفخ كما يعمل من يرقِي. قال الشاعر: شعر : أَعُوذُ بِربِّي مِن النَّافِثَا تِ في عِضهِ العاضِهِ المُعْضِه تفسير : وقال مُتَمِّم بن نُوَيْرة: شعر : نَفَثْتَ في الخيطِ شَبِيهَ الرُّقَى مِن خشية الجِنةِ والحاسِدِ تفسير : وقال عنترة: شعر : فإنْ يَبْرَأْ فلَمْ أَنْفُثْ عَليْهِ وإنْ يُفْقَدْ فَحُق لَهُ الفُقُودُ تفسير : السابعة: روى النَّسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من عَقَد عُقدة ثم نَفَثَ فيها، فقد سَحَر، ومن سحر فقد أَشْرَك، ومَنْ تَعَلَّق شيئاً وُكِل إليه »تفسير : . واختلِف في النفْث عند الرُّقَى، فمنعه قوم، وأجازه آخرون. قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفُث، ولا يمسح ولا يعقِد. قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث في الرُّقَى. وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجِع، فقلت: ألا أُعَوِّذَك يا أبا محمد؟ قال: بلى، ولكن لا تنفث؛ فعوّذته بالمعوذتين. وقال ابن جريج قلت لعطاء: القرآن يُنفَخ به أو يُنْفَثُ؟ قال: لا شيء من ذلك ولكن تقرؤه هكذا. ثم قال بعد: انفُثِ إن شئت. وسئل محمد بن سِيرين عن الرُّقية يُنْفث فيها، فقال: لا أعلم بها بأساً، وإذا اختلفوا فالحاكم بينهم السنة. روت عائشة: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينفِث في الرُّقيةتفسير : ؛ رواه الأئمة، وقد ذكرناه أوّل السورة وفي (سُبْحان). وعن محمد بن حاطب أن يده احترقت فأتت به أمّه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجعل ينفُث عليها ويتكلم بكلام؛ زعم أنه لم يحفظه. وقال محمد بن الأشعث: ذُهِب بي إلى عائشة رضي الله عنها وفي عينيّ سوء، فرقَتْنِي ونَفَثَت. وأما ما رُوي عن عكرمة من قوله: لا ينبغي للراقي أن ينفُث؛ فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفْث في العُقَد مما يستعاذ به، فلا يكون بنفسه عُوذة. وليس هذا هكذا؛ لأن النفث في العُقَد إذا كان مذموماً لم يجب أن يكون النفث بلا عُقد مذموماً. ولأن النفث في العُقَد إنما أريد به السحر المضِرّ بالأرواح، وهذا النفث لاستصلاح الأبدان، فلا يقاس ما ينفع بما يضر. وأما كراهة عكرمة المسحَ فخلاف السنة. حديث : قال علي رضي الله عنه: اشتكيت، فدخل عليّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: اللهمَّ إنْ كان أجلي قد حَضَرَ فأرِحنِي، وإن كان متأخراً فاشفني وعافني، وإن كان بلاء فصبرني. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كيف قلت»؟ فقلت له. فَمَسحني بيده، ثم قال: «اللهم اشْفِه» فما عاد ذلك الوجع بعد » تفسير : . وقرأ عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر ورويس عن يعقوب «ومِن شر النافِثاتِ» في وزن (فاعلات). ورُوِيت عن عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. وروي أن نساء سحرن النبيّ صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة عقدة؛ فأنزل الله المعوذتين إحدى عشرة آية. قال ابن زيد: كنّ من اليهود؛ يعني السواحر المذكورات. وقيل: هنّ بنات لَبِيد بن الأعصم. الثامنة: قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } قد تقدم في سورة «النساء» معنى الحسد، وأنه تمني زوالِ نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها. والمنافسة هي تمني مثلها وإن لم تزل. فالحسدُ شرٌّ مذموم. والمنافسة مباحة وهي الغِبطة. وقد روي: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : المؤمن يَغْبِطُ، والمنافق يَحْسُد » تفسير : . وفي الصحيحين: « حديث : لا حسَد إلا في اثنتين » تفسير : يريد لا غِبْطَة. وقد مضى في سورة «النساء» والحمد لله. قلت: قال العلماء: الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فيَتْبَع مساوئه ويطلب عَثَراته. قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : إِذا حَسَدت فلا تَبْغِ... » تفسير : الحديث. وقد تقدم. والحسد أوّل ذنب عُصِي الله به في السماء، وأول ذنب عُصِي به في الأرض، فحسَدَ إبليس آدَمَ، وحسد قابيلُ هابيلَ. والحاسد ممقوت مبْغوض مطرود ملعون. ولقد أحسن من قال: شعر : قل للحسود إذا تَنَفَّس طَعْنةً يا ظالماً وكأنهُ مَظْلُومُ تفسير : التاسعة: هذه سورة دالة على أن الله سبحانه خالق كل شر، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوّذ من جميع الشرور. فقال: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ }. وجعل خاتمة ذلك الحسد، تنبيهاً على عِظمه، وكثرة ضرره، والحاسد عدوّ نعمة الله. قال بعض الحكماء: بارزَ الحاسد ربه من خمسة أوجه: أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت هذه القسمة؟ وثالثها: أنه ضادَّ فعل الله، أي إن فضل الله يؤتِيه من يشاء، وهو يبخَل بفضل الله. ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم وزوال النعمة عنهم. وخامسها: أنه أعان عدوّه إبليس. وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لَعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جَزَعاً وغماً، ولا ينال في الآخرة إلا حُزْناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً. ورُوي: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ثلاثة لا يُستجاب دعاؤهم: آكل الحرام، ومُكثِر الغِيبة، ومن كان في قلبه غِلُّ أو حسد للمسلمين » تفسير : . والله سبحانه وتعالى أعلم.

البيضاوي

تفسير : مختلف فيها، وآيها خمس آيات بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ الفَلَقِ} ما يفلق عنه أي يفرق كالفرق فعل بمعنى مفعول، وهو يعم جميع الممكنات، فإنه تعالى فلق ظلمة العدم بنور الإِيجاد عنها، سيما ما يخرج من أصل كالعيون والأمطار والنبات والأولاد، ويختص عرفاً بالصبح ولذلك فسر به. وتخصيصه لما فيه من تغير الحال وتبدل وحشة الليل بسرور النور ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإِشعار بأن من قدر أن يزيل به ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه، ولفظ الرب هنا أوقع من سائر أسمائه تعالى لأن الإِعاذة من المضار قريبة. {مِن شَرّ مَا خَلَقَ } خص عالم الخلق بالإستعاذة عنه لانحصار الشرفية، فإن عالم الأمر خير كله، وشره اختياري لازم ومتعد كالكفر والظلم، وطبيعي كإحراق النار وإهلاك السموم. {وَمِن شَرّ غَاسِقٍ } ليل عظيم ظلامه من قوله: {أية : إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ}تفسير : [الإسراء: 78] وأصله الامتلاء يقال غسقت العين إذا امتلأت دمعاً. وقيل السيلان و {غَسَقِ ٱلَّيْلِ } انصباب ظلامه وغسق العين سيلان دمعه. {إِذَا وَقَبَ } دخل ظلامه في كل شيء، وتخصيصه لأن المضار فيه تكثر ويعسر الدفع، ولذلك قيل الليل أخفى للويل. وقيل المراد به القمر فإنه يكسف فيغسق ووقوبه دخوله في الكسوف. {وَمِن شَرّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ } ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن عليها، والنفث النفخ مع ريق وتخصيصه. حديث : لما روي أن يهودياً سحر النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة عقدة في وتر دسه في بئر، فمرض النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت المعوذتانتفسير : وأخبره جبريل عليه الصلاة والسلام بموضع السحر فأرسل علياً رضي الله تعالى عنه فجاء به فقرأهما عليه، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد بعض الخفة، ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور، لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر. وقيل المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل مستعار من تليين العقد بنفث الريق ليسهل حلها وإفرادها بالتعريف لأن كل نفاثة شريرة بخلاف كل غاسق وحاسد. {وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه، فإنه لا يعود ضرر منه قبل ذلك إلى المحسود بل يخص به لاغتمامه بسروره، وتخصيصه لأنه العمدة في إضرار الإِنسان بل الحيوان غيره، ويجوز أن يراد بالغاسق ما يخلو عن النور وما يضاهيه كالقوى وبـ {ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ } النباتات، فإن قواها النباتية من حيث أنها تزيد في طولها وعرضها وعمقها كانت تنفث في العقد الثلاثة، وبالحاسد الحيوان فإنه إنما يقصد غيره غالباً طمعاً فيما عنده، ولعل إفرادها من عالم الخلق لأنها الأسباب القريبة للمضرة. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد أنزلت عليَّ سورتان ما أنزل مثلهما وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما يعني المعوذتين».

ابن كثير

تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: الفلق: الصبح. وقال العوفي عن ابن عباس: {ٱلْفَلَقِ} الصبح. وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعبد الله بن محمد بن عقيل والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي، وابن زيد ومالك عن زيد بن أسلم مثل هذا، قال القرظي وابن زيد وابن جرير: وهي كقوله تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} تفسير : [الأنعام: 96] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {ٱلْفَلَقِ}: الخلق، وكذا قال الضحاك: أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله. وقال كعب الأحبار: {ٱلْفَلَقِ}: بيت في جهنم، إذا فتح، صاح جميع أهل النار من شدة حره، ورواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سهيل بن عثمان عن رجل سماه، عن السدي، عن زيد بن علي، عن آبائه أنهم قالوا: {ٱلْفَلَقِ}: جب في قعر جهنم عليه غطاء، فإذا كشف عنه، خرجت منه نار تضج منه جهنم من شدة حر ما يخرج منه، وكذا روي عن عمرو بن عبسة وابن عباس والسدي وغيرهم. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر، فقال ابن جرير: حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الخراساني عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الفلق: جب في جهنم مغطى» تفسير : إسناده غريب، ولا يصح رفعه. وقال أبو عبد الرحمن الحبلي: {ٱلْفَلَقِ}: من أسماء جهنم، وقال ابن جرير: والصواب القول الأول: إنه فلق الصبح، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري في صحيحه رحمه الله تعالى. وقوله تعالى: { مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} أي: من شر جميع المخلوقات، وقال ثابت البناني والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته مما خلق، {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} قال مجاهد: غاسق الليل إذا وقب: غروب الشمس، حكاه البخاري عنه، وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والضحاك وخصيف والحسن وقتادة: إذا وقب الليل: إذا أقبل بظلامه. وقال الزهري: { وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}: الشمس إذا غربت، وعن عطية وقتادة: إذا وقب الليل: إذا ذهب، وقال أبو المهزم عن أبي هريرة: { وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}: الكوكب، وقال ابن زيد: كانت العرب تقول: الغاسق: سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها. قال ابن جرير: ولهؤلاء من الآثار ما حدثني نصر بن علي، حدثني بكار بن عبد الله ابن أخي همام، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ومن شر غاسق إذا وقب: النجم الغاسق» تفسير : (قلت): وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن جرير: وقال آخرون: هو القمر. (قلت): وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثناأبو داود الحفري عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن أبي سلمة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فأراني القمرحين طلع، وقال: «حديث : تعوذي با لله من شر هذا الغاسق إذا وقب» تفسير : ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن خاله الحارث بن عبد الرحمن به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ولفظه: «حديث : تعوذي با لله من شر هذا الغاسق إذا وقب» تفسير : ولفظ النسائي: «حديث : تعوذي با لله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب»تفسير : قال أصحاب القول الأول: وهو آية الليل إذا ولج، هذا لا ينافي قولنا؛ لأن القمر آية الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضيء إلا بالليل، فهو يرجع إلى ما قلناه، والله أعلم. وقوله تعالى: { وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ} قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك: يعني: السواحر، قال مجاهد: إذا رقين ونفثن في العقد. وقال ابن جرير: حدثناابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: ما من شيء أقرب إلى الشرك من رقية الحية والمجانين، وفي الحديث الآخر: أن جبريل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اشتكيت يا محمد؟ فقال: «حديث : نعم» تفسير : فقال: باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك، ولعل هذا كان من شكواه صلى الله عليه وسلم حين سحر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه، ورد كيد السحرة الحساد من اليهود في رؤوسهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وفضحهم، ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الدهر، بل كفى الله، وشفى وعافى. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن يزيد بن حبان عن زيد بن أرقم قال: سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياماً. قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك، وعقد لك في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخرجها، فجاءه بها، فحللها، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه حتى مات، ورواه النسائي عن هناد عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير. وقال البخاري في كتاب الطب من صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج يقول: حدثني آل عروة عن عروة، فسألت هشاماً عنه، فحدثنا عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا، فقال: «حديث : يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه، قال: لبيد بن أعصم، رجل من بني زريق حليف اليهود كان منافقاً، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة، قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر، تحت راعوفة في بئر ذروان» تفسير : قالت: فأتى البئر حتى استخرجه، فقال: «حديث : هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين» تفسير : قال: فاستخرج فقلت: أفلا تنشرت؟ فقال: «حديث : أما الله، فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شراً»تفسير : وأسنده من حديث عيسى بن يونس وأبي ضمرة أنس بن عياض وأبي أسامة ويحيى القطان، وفيه: قالت: حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، وعنده: فأمر بالبئر فدفنت، وذكر أنه رواه عن هشام أيضاً ابن أبي الزناد والليث بن سعد، وقد رواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة وعبد الله بن نمير، ورواه أحمد عن عفان عن وهيب عن هشام به. ورواه الإمام أحمد أيضاً عن إبراهيم بن خالد عن معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لبث النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، يرى أنه يأتي ولا يأتي، فأتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، وذكر تمام الحديث. وقال الأستاذ المفسر الثعلبي في تفسيره، قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدبت إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وعدة من أسنان مشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها. وكان الذي تولى ذلك رجل منهم يقال له: ابن أعصم، ثم دسها في بئر لبني زريق يقال له: ذروان، فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتثر شعر رأسه، ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يذوب ولا يدري ما عراه، فبينما هو نائم، إذ أتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طب، قال: وما طب؟ قال: سحر؟ قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: وبم طبه؟ قال: بمشط ومشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان. والجف: قشر الطلع، والراعوفة: حجر في أسفل البئر ناتىء يقوم عليه الماتح، فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مذعوراً، وقال: «حديث : يا عائشة أما شعرت أن الله أخبرني بدائي» تفسير : ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه، وأسنان من مشطه، وإذا فيه وتر معقود فيه اثنا عشر عقدة مغروزة بالإبر، فأنزل الله تعالى السورتين، فجعل كلما قرأ آية، انحلت عقدة، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حين انحلت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نشط من عقال، وجعل جبريل عليه السلام يقول: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من حاسد وعين، الله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما أنا، فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على الناس شراً» تفسير : هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة، وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ } الصبح.

الشوكاني

تفسير : {ٱلْفَلَقِ } الصبح، يقال: هو أبين من فلق الصبح. وسمي فلقاً، لأنه يفلق عنه الليل. وهو فعل بمعنى مفعول. قال الزجاج: لأن الليل ينفلق عنه الصبح، ويكون بمعنى مفعول. يقال: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح، وهذا قول جمهور المفسرين، ومنه قول ذي الرّمة:شعر : حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق هادئة في أخريات الليل منتصب تفسير : وقول الآخر: شعر : يا ليلة لم أنمها بتّ مرتفقا أرعى النجوم لي أن نوّر الفلق تفسير : وقيل: هو سجن في جهنم. وقيل: هو اسم من أسماء جهنم. وقيل: شجرة في النار. وقيل: هو الجبال والصخور، لأنها تفلق بالمياه، أي: تشقق. وقيل: هو التفليق بين الجبال؛ لأنها تنشق من خوف الله. قال النحاس: يقال لكل ما اطمأنّ من الأرض فلق، ومنه قول زهير:شعر : ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت أيدي الركاب بهم من راكس فلقا تفسير : والراكس: بطن الوادي، ومثله قول النابغة:شعر : أتاني ودوني راكس فالضواجع تفسير : وقيل: هو الرحم تنفلق بالحيوان. وقيل: هو كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله من الحيوان والصبح والحبّ والنوى، وكلّ شيء من نبات، وغيره قاله الحسن، والضحاك. قال القرطبي: هذا القول يشهد له الانشقاق، فإن الفلق الشقّ، فلقت الشيء فلقاً: شققته، والتفليق مثله، يقال فلقته، فانفلق وتفلق، فكلّ ما انفلق عن شيء من حيوان، وصبح، وحبّ، ونوى، وماء فهو فلق، قال الله سبحانه: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } تفسير : [الأنعام: 96] وقال: {أية : فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } تفسير : [الأنعام: 95]. انتهى. والقول الأوّل أولى؛ لأن المعنى، وإن كان أعمّ منه وأوسع مما تضمنه لكنه المتبادر عند الإطلاق. وقد قيل في وجه تخصيص الفلق الإيماء إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كلّ هذا العالم يقدر أيضاً أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه، ويخشاه. وقيل: طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرح؛ فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظراً لطلوع الصباح. كذلك الخائف يكون مترقباً لطلوع صباح النجاح، وقيل: غير هذا مما هو مجرّد بيان مناسبة ليس فيها كثير فائدة تتعلق بالتفسير. {مِن شَرّ مَا خَلَقَ } متعلق بـ {أعوذ} أي: من شرّ كلّ ما خلقه سبحانه من جميع مخلوقاته، فيعمّ جميع الشرور. وقيل: هو إبليس وذرّيته. وقيل: جهنم، ولا وجه لهذا التخصيص، كما أنه لا وجه لتخصيص من خصّص هذا العموم بالمضارّ البدنية. وقد حرّف بعض المتعصبين هذه الآية مدافعة عن مذهبه، وتقويماً لباطله، فقرءوا بتنوين: "شرّ" على أن: «ما» نافية. والمعنى: من شرّ لم يخلقه. ومنهم عمرو بن عبيد، وعمرو بن عائذ. {وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } الغاسق الليل. والغسق الظلمة. يقال غسق الليل يغسق إذا أظلم. قال الفراء: يقال غسق الليل، وأغسق إذا أظلم، ومنه قول قيس بن الرقيات:شعر : إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهمّ والأرقا تفسير : وقال الزجاج: قيل لليل غاسق؛ لأنه أبرد من النهار، والغاسق البارد، والغسق البرد، ولأن في الليل تخرج السباع من آجامها، والهوامّ من أماكنها، وينبعث أهل الشرّ على العبث والفساد، كذا قال، وهو: قول بارد، فإن أهل اللغة على خلافه، وكذا جمهور المفسرين ووقوبه: دخول ظلامه، ومنه قول الشاعر:شعر : وقب العذاب عليهم فكأنهم لحقتهم نار السموم فأخمدوا تفسير : أي: دخل العذاب عليهم. ويقال وقبت الشمس: إذا غابت. وقيل: الغاسق الثريا. وذلك أنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك، وبه قال ابن زيد. وهذا محتاج إلى نقل عن العرب أنهم يصفون الثريا بالغسوق. وقال الزهري: هو الشمس إذا غربت، وكأنه لاحظ معنى الوقوب، ولم يلاحظ معنى الغسوق. وقيل: هو القمر إذا خسف. وقيل: إذا غاب. وبهذا قال قتادة، وغيره. واستدلوا بحديث أخرجه أحمد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عائشة قالت: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى القمر لما طلع فقال: «حديث : يا عائشة استعيذي بالله من شرّ هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب»تفسير : قال الترمذي: بعد إخراجه حسن صحيح، وهذا لا ينافي قول الجمهور؛ لأن القمر آية الليل، ولا يوجد له سلطان إلاّ فيه، وهكذا يقال في جواب من قال: إنه الثريا. قال ابن الأعرابي في تأويل هذا الحديث: وذلك أن أهل الريب يتحينون وجبة القمر. وقيل الغاسق: الحية إذا لدغت. وقيل الغاسق: كل هاجم يضرّ كائناً ما كان، من قولهم غسقت القرحة: إذا جرى صديدها. وقيل: الغاسق هو السائل، وقد عرّفناك أن الراجح في تفسير هذه الآية هو ما قاله أهل القول الأوّل، ووجه تخصيصه أن الشرّ فيه أكثر، والتحرز من الشرور فيه أصعب، ومنه قولهم: الليل أخفى للويل. {وَمِن شَرّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ } النفاثات هنّ السواحر، أي: ومن شر النفوس النفاثات، أو النساء النفاثات، والنفث النفخ، كما يفعل ذلك من يرقي ويسحر. وقيل: مع ريق. وقيل: بدون ريق، والعقد جمع عقدة، وذلك أنهنّ كن ينفثن في عقد الخيوط حين يسحرن بها، ومنه قول عنترة:شعر : فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يعقد فحقّ له العقود تفسير : وقول متمم بن نويرة:شعر : نفث في الخيط شبيه الرقى من خشية الجنة والحاسد تفسير : قال أبو عبيدة: النفاثات هيّ: بنات لبيد الأعصم اليهودي، سحرن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قرأ الجمهور: {النفاثات} جمع نفاثة على المبالغة. وقرأ يعقوب، وعبد الرحمٰن بن ساباط، وعيسى بن عمر: (النافثات) جمع نافثة. وقرأ الحسن: (النفاثات) بضم النون. وقرأ أبو الربيع: (النفثات) بدون ألف. {وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } الحسد: تمني زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود. ومعنى {إذا حسد}: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه، وحمله الحسد على إيقاع الشرّ بالمحسود. قال عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالماً أشبه بالمظلوم من حاسد، وقد نظم الشاعر هذا المعنى فقال:شعر : قل للحسود إذا تنفس طعنة يا ظالماً وكأنه مظلوم تفسير : ذكر الله سبحانه في هذه السورة إرشاد رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الاستعاذة من شرّ كل مخلوقاته على العموم، ثم ذكر بعض الشرور على الخصوص مع اندراجه تحت العموم لزيادة شرّه، ومزيد ضرّه، وهو الغاسق، والنفاثات، والحاسد، فكأن هؤلاء لما فيهم من مزيد الشرّ حقيقون بإفراد كل واحد منهم بالذكر. وقد أخرج ابن مردويه عن عمرو بن عبسة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } فقال:حديث : يا ابن عبسة أتدري ما الفلق؟ تفسير : قلت: الله ورسوله أعلم، قال:حديث : بئر في جهنم»تفسير : وأخرجه ابن أبي حاتم من قول عمرو بن عبسة غير مرفوع. وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقرأ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } هل تدري ما الفلق؟ باب في النار إذا فتحت سعرت جهنم»تفسير : وأخرج ابن مردويه، والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عزّ وجلّ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } فقال: «حديث : هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون، وإن جهنم لتتعوّذ بالله منه»تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الفلق جبّ في جهنم»تفسير : وهذه الأحاديث لو كانت صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان المصير إليها واجباً، والقول بها متعيناً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الفلق سجن في جهنم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: الفلق الصبح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: الفلق الخلق. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } وقال: النجم هو الغاسق، وهو الثريا. وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم من وجه آخر عنه غير مرفوع. وقد قدّمنا تأويل هذا، وتأويل ما ورد أن الغاسق القمر. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا ارتفعت النجوم رفعت كل عاهة عن كل بلد»تفسير : وهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أن الغاسق هو النجم أو النجوم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس: {وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } قال: الليل إذا أقبل. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: {وَمِن شَرّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ } قال: الساحرات. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: هو ما خالط السحر من الرقي. وأخرج النسائي، وابن مردويه عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه»تفسير : وأخرج ابن سعد، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم يعودني فقال: «حديث : ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل؟تفسير : فقلت: بلى بأبي أنت وأمي، قال: حديث : بسم الله أرقيك، والله يشفيك من كل داء فيك مِن شَرّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ، وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ »تفسير : فرقى بها ثلاث مرّات. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } قال: نفس ابن آدم وعينه.

الماوردي

تفسير : وهذه والناس معوذتا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سحرته اليهود، وقيل إن المعوذتين كان يقال لهما " المقشقشتان" أي مبرئتان من النفاق، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء تعوذ به وليستا من القرآن، وهذا قول خالف به الإجماع من الصحابة وأهل البيت. {قُلْ أَعُوذُ بربِّ الفَلَقِ} فيه ستة تأويلات: أحدها: أن الفلق سجن في جهنم، قاله ابن عباس. الثاني: أنه اسم من أسماء جهنم، قاله أبو عبد الرحمن. الثالث: أنه الخلق كله، قاله الضحاك. الرابع: أنه فلق الصبح، قاله جابر بن عبد الله ومنه قول الشاعر: شعر : يا ليلةً لم أَنَمْها بِتُّ مُرْتفقا أرْعى النجومَ إلى أنْ نوَّرَ الفَلَقُ. تفسير : الخامس: أنها الجبال والصخور تنفلق بالمياه. السادس: أنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والصبح والحب والنوى وكل شيء من نبات وغيره، قاله الحسن. ولأصحاب الغوامض أنه فلق القلوب للأفهام حتى وصلت إليها ووصلت فيها، وأصل الفلق الشق الواسع، وقيل للصبح فلق لفلق الظلام عنه كما قيل له فجر لانفجار الضوء منه. {مِن شَرِّ ما خَلَق} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن شر ما خلق جهنم، قاله ثابت البناني. الثاني: إبليس وذريته، قاله الحسن. الثالث: من شر ما خلق في الدنيا والآخرة، قاله ابن شجرة. وفي هذا الشر وجهان: أحدهما: أنه محمول على عمومه في كل شر. الثاني: أنه خاص في الشر الذي يستحق المصاب به الثواب. {ومن شَرِّ غاسقٍ إذا وَقَبَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني الشمس إذا غربت، قاله ابن شهاب. الثاني: القمر إذا ولج أي دخل في الظلام. روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم نظر إلى القمر فقال: يا عائشة تعوذي بالله من شر غاسقٍ إذا وقب، وهذا الغاسق إذا وقب. الثالث: أنه الثريا إذا سقطت، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عنذ وقوعها، وترتفع عند طلوعها، قاله ابن زيد. الرابع: أنه الليل، لأنه يخرج السباع من آجامها، والهوام من مكامنها ويبعث أهل الشر على العبث والفساد، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي، قال الشاعر: شعر : يا طيْفَ هِنْدٍ لقد أبقيْتَ لي أرَقا إذ جئْتَنا طارِقاً والليلُ قد غَسَقا تفسير : وأصل الغسق الجريان بالضرر، مأخوذ من قولهم غسقت القرحة إذا جرى صديدها، والغسّاق: صديد أهل النار، لجريانه بالعذاب وغسقت عينه إذا جرى دمعها بالضرر في الحلق. فعلى تأويله أنه الليل في قوله " إذا وقب" أربعة تأويلات: أحدها: إذا أظلم، قاله ابن عباس. الثاني: إذا دخل، قاله الضحاك. الثالث: إذا ذهب، قاله قتادة. الرابع: إذا سكن، قاله اليمان بن رئاب. {ومِن شَرِّ النّفّاثاتِ في العُقَدِ} قال أهل التأويل: من السواحر ينفثن في عقد الخيوط للسحر، قال الشاعر: شعر : أعوذ بربي من النافثا تِ في عِضَه العاضه المعْضِه تفسير : وربما فعل قوم في الرقى مثل ذلك، طلباً للشفاء، كما قال متمم بن نويرة: شعر : نَفَثْت في الخيط شبيه الرُّقَى من خشيةِ الجِنّة والحاسدِ. تفسير : وقد روى الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه تفسير : ، النفث: النفخ في العقد بلا ريق، والتفل: النفخ فيها بريق، وفي {شر النفاثات في العقد} ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إيهام للأذى وتخيل للمرض من غير أن يكون له تأثير في الأذى والمرض، إلا استشعار ربما أحزن، أو طعام ضار ربما نفذ بحيلة خفية. الثاني: أنه قد يؤذى بمرض لعارض ينفصل فيتصل بالمسحور فيؤثر فيه كتأثير العين، وكما ينفصل من فم المتثائب ما يحدث في المقابل له مثله. الثالث: أنه قد يكون ذلك بمعونة من خدم الجن يمتحن الله بعض عباده. فأما المروي من سحر النبي صلى الله عليه وسلم فقد أثبته أكثرهم، وأن قوماً من اليهود سحروه وألقوا عقدة سحره في بئر حتى أظهره الله عليها. روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى شكوى شديدة، فبينا هو بين النائم واليقظان إذا ملكان أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: ما شكواه؟ فقال الآخر: مطبوب، (أي مسحور، والطب: السحر) قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي فطرحه في بئر ذروان تحت صخرة فيها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر فاستخرج السحر منها، ويروى أن فيه إحدى عشرة عقدة، فأمر بحل العقد، فكان كلما حل عقدة وجد راحة، حتى حلت العقد كلها، فكأنما أنشط من عقال، فنزلت عليه المعوذتان، وهما إحدى عشرة آية بعدد العقد، وأمر أن يتعوذ بهما. وأنكره آخرون، ومنعوا منه في رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن صح في غيره، لما في استمراره عليه من خبل العقل، وأن الله تعالى قد أنكر على من قال في رسوله حيث يقول: {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً}. {ومن شر حاسد إذا حسد} أما الحسد فهو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة هي تمني مثلها وإن لم تزل، فالحسد شر مذموم، والمنافسة رغبة مباحة، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : المؤمن يغبط والمنافق يحسد . تفسير : وفي الاستعاذة من شر حاسد إذا حسد وجهان: أحدهما: من شر نفسه وعينه، فإنه ربما أصاب بها فعان وضر، والمعيون المصاب بالعين، وقال الشاعر: شعر : قد كان قومُك يَحْسبونك سيّدا وإخال أنك سيدٌ مَعْيونُ تفسير : الثاني: أن يحمله فرط الحسد على إيقاع الشر بالمحسود فإنه يتبع المساوىء ويطلب العثرات، وقد قيل إن الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض فحسد إبليس آدم حتى أخرجه من الجنة، وأما في الأرض فحسد قابيل بن آدم لأخيه هابيل حتى قتله، نعوذ بالله من شر ما استعاذنا منه. وافتتح السورة بـ " قُلْ " لأن الله تعالى أمر نبيه أن يقولها، وهي من السورة لنزولها معها، وقد قال بعض فصحاء السلف: احفظ القلاقل، وفيه تأويلان: أحدهما: قل " قل " في كل سورة ذكر في أوائلها لأنه منها. والثاني: احفظ السورة التي في أولها " قل " لتأكيدها بالأمر بقراءتها.

ابن عطية

تفسير : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو آحاد أمته، وقال ابن عباس وابن جبير والحسن والقرظي وقتادة ومجاهد وابن زيد: {الفلق}: الصبح، كقوله تعالى: {أية : فالق الإصباح} تفسير : [الأنعام: 96] وقال ابن عباس أيضاً وجماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم: {الفلق}: جب في جهنم ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: {من شر ما خلق} يعم كل موجود له شر، وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة القائلين: بأن الله لم يخلق الشر "من شرِّ ما خلق" على النفي وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، الله خالق كل شيء، واختلف الناس في: " الغاسق إذا وقب" فقال ابن عباس ومجاهد والحسن: "الغاسق": الليل و {وقب} معناه: أظلم ودخل على الناس، وقال الشاعر [ابن قيس الرقيات]: [المديد] شعر : إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهم والأرقا تفسير : وقال محمد بن كعب: "الغاسق إذا وقب" النهار دخل في الليل، وقال ابن زيد عن العرب، " الغاسق" سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده، وقال عليه السلام: حديث : النجم هو الغاسق تفسير : فيحتمل أن يريد الثريا، وحديث : قال لعائشة وقد نظر إلى القمر: " تعوذي بالله {من شر غاسق إذا وقب}تفسير : ، فهذا هو"، وقال القتبي وغيره: هو البدر إذا دخل في ساهوره فخسف، قال الزهري في " الغاسق إذا وقب ": الشمس إذا غربت، و {وقب} في كلام العرب: دخل، وقد قال ابن عباس في كتاب النقاش: "الغاسق إذا وقب": ذكر الرجل، فهذا التعوذ في هذا التأويل نحو قوله عليه السلام وهو يعلم السائل التعوذ: "حديث : قل أعوذ بالله من شر سمعي وشر قلبي وشر بصري وشر لساني وشر منيي" تفسير : ، ذكر الحديث جماعة و {النفاثات في العقد} السواحر، ويقال إن الإشارة أولاً إلى بنات لبيد بن الأعصم اليهودي كن ساحرات وهن اللواتي سحرن مع أبيهم النبي صلى الله عليه وسلم وعقدن له إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله تعالى إحدى عشرة آية بعد العقد، هي المعوذتان، فشفى الله النبي صلى الله عليه وسلم، والنفث شبه النفخ دون تفل ريق، وهذا النفث هو على عقد تعقد في خيوط ونحوها على اسم المسحور فيؤذى بذلك، وهذا الشأن في زمننا موجود شائع في صحراء المغرب، وحدثني ثقة أنه رأى عند بعضهم خيطاً أحمر قد عقد فيه عقد على فصلان فمنعت بذلك رضاع أمهاتها، فكان إذا حل جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين فرضع أعاذنا الله من شر السحر والسحرة بقدرته، وقرأ عبد الله بن القاسم والحسن وابن عمر: "النافثات في العقد"، وقوله تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد} قال قتادة: من شر عينه ونفسه، يريد بالنفس السعي الخبيث والإذاية كيف قدر لأنه عدو مجد ممتحن، وقال الشاعر: شعر : كل عداوة قد ترجى إفاقتها إلا عداوة من عاداك من حسد تفسير : وعين الحاسد في الأغلب لاقعة نعوذ بالله من شرها ولا أعدمنا الله حسدة. [الكامل] شعر : وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود تفسير : والحسد: في الأثنتين اللتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حسد مستحسن غير ضار"تفسير : ، وإنما هو باعث على خير، وهذه السورة خمس آيات فقال بعض الحذاق: وهي مراد الناس بقولهم للحاسد إذا نظر إليهم: الخمس على عينيك، وقد غلطت العامة في هذا فيشيرون في ذلك بالأصابع لكونها خمسة، وأمال أبو عمرو {حاسد}، والباقون بفتح الحاء وقال الحسن بن الفضل: ذكر الله تعالى الشر في هذه السورة ثم ختمها بالحسد ليظهر أنه أخس طبع.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْفَلَقِ} اسم لجهنم أو لسجن فيها "ع" أو الخلق كلهم أو فلق الصبح أو الجبال والصخور تنفلق بالمياه أو كل ما انفلق عن كل ما خلق من صبح وحيوان وصخور [وجبال] وحب ونوى وكل شيء من نبات وغيره وأصل الفلق الشق الواسع قيل للصبح فلق لانفلاق الظلام عنه كما قيل له فجر لانفجار الضوء منه والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله رب العالمين.

النسفي

تفسير : مختلف فيها وهي خمس آيات بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } أي الصبح أو الخلق أو هو واد في جهنم أوجبٌّ فيها {مِن شَرّ مَا خَلَقَ } أي النار أو الشيطان. و«ما» موصولة والعائد محذوف، أو مصدرية ويكون الخلق بمعنى المخلوق. وقرأ أبو حنيفة رضي الله عنه {مِن شَرّ } بالتنوين و«ما» على هذا مع الفعل بتأويل المصدر في موضع الجر بدل من {شَرُّ } أي شر خلقه أي من خلق شر، أو زائدة {وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } الغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه، ووقوبه دخول ظلامه في كل شيء، وعن عائشة رضي الله عنها: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال: تعوذي بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب، ووقوبه دخوله في الكسوف واسوداده {وَمِن شَرّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ } النفاثات: النساء أو النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن عليها ويرقين، والنفث: النفخ مع ريق وهو دليل على بطلان قول المعتزلة في إنكار تحقق السحر وظهور أثره {وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } أي إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه لأنه إذا لم يظهر فلا ضرر يعود منه على حسده بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره، وهو الأسف على الخير عند الغير. والاستعاذة من شر هذه الأشياء بعد الاستعاذة من شر ما خلق إشعار بأن شر هؤلاء أشد، وختم بالحسد ليعلم أنه شرها وهو أول ذنب عصي الله به في السماء من إبليس، وفي الأرض من قابيل. وإنما عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه، لأن كل نفاثة شريرة فلذا عرفت {ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ } ونكر {غَاسِقٍ } لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضر، ورب حسد يكون محموداً كالحسد في الخيرات والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل أعوذ برب الفلق} قال ابن عباس وعائشة: "كان غلام من اليهود يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فدبت إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ من مشاطة رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدة من أسنان مشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم رجل من اليهود فنزلت السورتان فيه". (ق) عن عائشة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يخيل إليه أن يصنع الشيء ولم يصنعه"تفسير : وفي رواية "حديث : أنه يخيل إليه فعل الشيء، وما فعله حتى إذا كان يوم، وهو عندي دعا الله، ودعاه ثم قال أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه قلت: وما ذاك يا رسول الله قد جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال مطبوب، قال ومن طبه قال لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق قال: فيما ذا قال في مشط ومشاطة، وجف طلعة ذكر قال فأين هو قال في بئر ذروان، ومن الرواة من قال في بئر بني زريق فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل ثم رجع إلى عائشة فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين قلت يا رسول الله فأخرجه. قال أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخفت أن أثيرعلى الناس منه شراً"تفسير : . وفي رواية للبخاري "حديث : أنه كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن قال سفيان وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذلك" تفسير : عن زيد بن أرقم قال "حديث : سحر رجل من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى ذلك أياماً فأتاه جبريل فقال إن رجلاً من اليهود سحرك، وعقد لك عقداً في بئر كذا فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فاستخرجها، فجاء بها فحلها فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط" تفسير : أخرجه النسائي وروي "أنه كان تحت صخرة في البئر فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة، فإذا فيه مشاطة من رأسه صلى الله عليه وسلم وأسنان من مشطه"، وقيل كان في وتر عقد عليه إحدى عشرة عقدة وقيل كان مغروزاً بالإبر فأنزل الله هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال وروي "أنه لبث ستة أشهر، واشتد عليه ذلك ثلاث ليال فنزلت المعوذتان" (م) عن أبي سعيد الخدري "حديث : أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد اشتكيت قال نعم قال بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك ". تفسير : (فصل وقبل الشروع في التفسير نذكر معنى الحديث، وما قيل فيه، وما قيل في السحر، وما قيل في الرقى) قولها في الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشيء، ولم يصنعه. قال الإمام المازري: مذهب أهل السّنة، وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثّابتة خلافاً لمن أنكر ذلك، ونفى حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله في كتابه، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء، وزوجه وهذا كله لا يمكن أن يكون مما لا حقيقة له وهذا الحديث الصحيح مصرح بإثباته، ولا يستنكر في العقل أن الله تعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب أجسام أو المزج بين قوي لا يعرفها إلا الساحر، وأنه لا فاعل إلا الله تعالى، وما يقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى على يد من يشاء من عباده. فإن قلت المستعاذ منه هل هو بقضاء الله، وقدره فذلك قدح في القدرة. قلت كل ما وقع في الوجود هو بقضاء الله وقدره، والاستشفاء بالتّعوذ، والرّقى من قضاء الله، وقدره يدل على صحة ذلك. ما روى التّرمذي "حديث : عن ابن أبي خزامة عن أبيه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً، قال: هي من قدر الله تعالى"" تفسير : قال التّرمذي: هذا حديث حسن وعن عمر نفر من قدر الله إلى قدر الله تعالى. (فصل) وقد أنكر بعض المبتدعة حديث عائشة المتفق عليه، وزعم أنه يحط منصب النّبوة ويشكك فيها وأن تجويزه يمنع الثّقة بالشّرع. ورد على هذا المبتدع بأن الذي ادعاه باطل لأن الدّلائل القطعية، والنقلية قد قامت على صدقه صلى الله عليه وسلم، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا، وهو ما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له. وقد قيل إنه كان يخيل إليه أنه وطىء زوجاته، وليس واطىء، وهذا مثل ما يتخيله الإنسان في المنام. فلا يبعد أن يتخيله في اليقظة، ولا حقيقة له، وقيل إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله، ولكن لا يعتقد ما تخيله فتكون اعتقاداته على السّداد قال القاضي: وقد جاءت في بعض روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما سلط على بدنه وظواهر جوارحه لا على قلبه وعقله واعتقاده وليس في ذلك ما يوجب لبساً على الرسالة ولا طعناً لأهل الزّيغ والضّلالة، وقوله ما وجع الرجل قال مطبوب أي مسحور قوله، وجف طلعة ذكر يروى بالباء ويروى بالفاء، وهو وعاء طلع النخل. وأما الرّقى والتّعاويذ فقد اتفق الاجماع على جواز ذلك إذا كان بآيات من القرآن، أو إذ كانت وردت في الحديث، ويدل على صحته الأحاديث الواردة في ذلك منها حديث أبي سعيد المتقدم أن جبريل رقي النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما روي عن عبيد بن رفاعة الزرقي "حديث : أن أسماء بنت عميس قالت يا رسول الله إن ولد جعفر تسرع إليهم العين. أفأسترقي لهم قال نعم فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" تفسير : أخرجه التّرمذي وقال: حديث صحيح وعن أبي سعيد الخدري "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ ويقول أعوذ بالله من الجان، وعين الإنسان فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما" تفسير : أخرجه التّرمذي وقال: حديث حسن غريب فهذه الأحاديث تدل على جواز الرّقية، وإنما المنهي عنه منها ما كان فيه كفر أو شرك أو ما لا يعرف معناه مما ليس بعربي لجواز أن يكون فيه كفر والله أعلم. (وأما التفسير) فقوله عز وجل {قل أعوذ برب الفلق}، أراد بالفلق الصبح، وهو قول الأكثرين، ورواية عن ابن عباس لأن الليل ينفلق عن الصبح وسبب تخصيصه في التعوذ أن القادر على إزالة هذه الظلمة عن العالم قادر على أن يدفع عن المستعيذ ما يخافه، ويخشاه، وقيل إن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج، كما أن الإنسان ينتظر طلوع الصّباح، فكذلك الخائف يترقب مجيء النجاح، وقيل إن تخصيص الصبح بالذكر في هذا الموضع لأنه وقت دعاء المضطرين، وإجابة الملهوفين، فكأنه يقول قل أعوذ برب الوقت، الذي يفرج فيه هم المهمومين والمغمومين، وروي عن ابن عباس أن الفلق سجن في جهنم، وقيل هو واد في جهنم إذ فتح استعاذ أهل النار من حره، ووجهه أن المستعيذ قال: أعوذ برب هذا العذاب، القادر عليه من شر عذابه، وغيره وروي عن ابن عباس أيضاً أن الفلق الخلق، ووجه هذا التأويل، أن الله تعالى فلق ظلمات بحر العدم بإيجاد الأنوار، وخلق منه الخلق، فكأنه قال قل أعوذ برب جميع الممكنات، ومكون جميع المحدثات {من شر ما خلق} قيل يريد به إبليس خاصة لأنه لم يخلق الله خلقاً هو شر منه، ولأن السحر لا يتم إلا به وبأعوانه وجنوده، وقيل من شر كل ذي شر، وقيل من شر ما خلق من الجن، والإنس. {ومن شر غاسق إذا وقب} عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت "حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر فقال يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب" تفسير : أخرجه التّرمذي وقال حديث حسن صحيح، فعلى هذا الحديث المراد به القمر إذا خسف، واسود ومعنى وقب دخل في الخسوف، أو أخذ في الغيبوبة، وقيل سمي به لأنه إذا خسف اسود، وذهب ضوءه وقيل إذا وقب دخل في المحاق، وهو آخر الشهر وفي ذلك الوقت يتم السحر المورث للتمريض، وهذا مناسب لسبب نزول هذه الآية. وقال ابن عباس: الغاسق الليل إذا وقب أي أقبل لظلمته من المشرق، وقيل سمي الليل غاسقاً لأنه أبرد من النهار، والغسق البرد وإنما أمر بالتعوذ من الليل لأن فيه تنشر الآفات، ويقل الغوث وفيه يتم السحر، وقيل الغاسق الثريا إذا سقطت، وغابت، وقيل إن الأسقام تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها فلهذا أمر بالتعوذ من الثريا عند سقوطها {ومن شر النفاثات في العقد} يعني السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها، وقيل المراد بالنفاثات بنات لبيد بن الأعصم اللاتي سحرن النبي صلى الله عليه وسلم، والنفث النفخ مع ريق قليل، وقيل إنه النفخ فقط. واختلفوا في جواز النّفث في الرّقى، والتّعاويذ الشّرعية المستحبة فجوزه الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، ويدل عليه حديث عائشة قالت: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات" تفسير : الحديث وأنكر جماعة التّفل، والنّفث في الرقى، وأجازوا النّفخ بلا ريق قال عكرمة: لا ينبغي للرّاقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد، وقيل النفث في العقد إنما يكون مذموماً إذا كان سحراً مضراً بالأرواح والأبدان، وإذا كان النفث لإصلاح الأرواح والأبدان وجب أن لا يكون مذموماً، ولا مكروهاً بل هو مندوب إليه. {ومن شر حاسد إذا حسد} الحاسد هو الذي يتمنى زوال نعمة الغير، وربما يكون مع ذلك سعي، فلذلك أمر الله تعالى بالتعوذ منه، وأراد بالحاسد هنا اليهود، فإنهم كانوا يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم أو لبيد بن الأعصم وحده والله سبحانه، وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.

القمي النيسابوري

تفسير : الوقوف: {الفلق} ه لا {خلق} ه لا {وقب} ه لا {العقد} ه لا {حاسد} {إذا حسد} ه. التفسير: لما أمره بقراءة سورة الإخلاص تنزيهاً له عما لا يليق به في ذاته وصفاته وكان ذلك من أشرف الطاعات، أمره أن يستعيذ به من شر من يصده عن ذلك كالمشركين وكسائر شياطين الإنس والجن. يروى أن جبرائيل أتاه وقال: إن عفريتاً من الجن يكيدك فقل إذا أتيت على فراشك: أعوذ برب الفلق أعوذ برب الناس. وعن سعيد بن المسيب أن قريشاً قالوا نتجوع فنعين محمداً ففعلوا ثم أتوه وقالوا: ما أشدّ عضدك وأقوى ظهرك وأنضر وجهك! فأنزل الله المعوّذتين. وقال جمهور المفسرين: إن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة عقدة في وتر ودسه في بئر ذي أروان، فمرض النبي صلى الله عليه وسلم واشتدّ ذلك عليه ثلاث ليال فنزلت المعوّذتان، وأخبره جبرائيل بموضع السحر فأرسل علياً بطلبه وجاء به وقال جبرائيل: اقرأ السورتين. فكان كلما يقرأ آية تنحل عقدة فيجد بعض الراحة والخفة، حتى إذا أتمهما فكأنما أنشط من عقال. طعنت المعتزلة في هذه الرواية بأنها توجب تسلط الكفار والأشرار على الأنبياء. وأيضاً لو صححت لصح قولهم {أية : إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً}تفسير : [الإسراء: 47] والجواب أن التسليط الكلي بحيث يمنعه عن تبليغ الرسالة لا يجوز، ولكن لا نسلم أن بعض الأضرار في بدنه لا يجوز لا سيما وقد تداركه الله تعالى بفضله وخصوصاً إذا كان فيه لطف لغيره من أمته حتى يفعلوا في مثل تلك الواقعة كما فعل، ولهذا استدل أكثر العلماء على أنه يجوز الاستعانة بالرقى والعوذ ويؤيده ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" حديث : بسم الله أرقيك من كل يؤذيك والله يشفيك "تفسير : وعن ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوّذ الحسن والحسين رضي الله عنهما بقوله "حديث : أعيذكما بكلمات الله التامّه من كل شيطان وهامّه ومن كل عين لامّه " تفسير : ويقول هكذا كان أبي إبراهيم يقول لابنيه إسماعيل وإسحق. وعنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا من الحمى والأوجاع كلعا " حديث : بسم الله الكريم أعوذ بالله العظيم ومن شر كل عرق نعار ومن شر حرّ النار"تفسير : وعن علي رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض قال " حديث : أذهب البأس رب الناس أشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت " تفسير : وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فنزل منزلاً يقول "حديث : يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرّك ومن شرّ ما فيك وشرّ ما يخرج منك ومن شرّ ما يدب عليك، وأعوذ بالله من شرّ أسد وأسود وحية وعقرب، ومن شرّ ساكن البلد ووالد ما ولد "تفسير : وعن عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى شيئاً من جسده قرأ قل هو الله أحد والمعوّذتين في كفه اليمنى ومسح بها المكان الذي يشتكي. حديث : وروي أنه صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون فعوّذه بـ {قل هو الله أحد} وبهاتين السورتين. ثم قال: تعوّذ بهن فما تعوّذت بخير منها تفسير : .وأما قول الكفار إنه مسحور فإنما أرادوا به الجنون والسحر الذي أثر في عقله ودام مع فلذلك وقع الإنكار عليهم. ومن الناس من لم يرحض في الرقى لرواية جابر نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقة وقال " حديث : إن لله عباداً لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون "تفسير : وأجيب بأن النهي وارد على الرقى المجهولة التي يفهم معناها. واختلف في التعليق؛ فروى أنه صلى الله عليه وسلم قال " حديث : من علق شيئاً وكل إليه" تفسير : وعن ابن مسعود أنه رأى على أم ولده تميمه مربوطة بعضدها فجذبها جذباً عنيفاً فقطعها. ومنهم من حوزه؛ سئل الباقر رضي الله عنه عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه. واختلفوا في النفث أيضاً فروي عن عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه إذا اشتكى بالمعوذات ويمسح بيده، فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه صلى الله عليه وسلم بالمعوّذات التي كان ينفث بها على نفسه. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ فيهما بالمعوّذات ثم مسح جسده. ومنهم من أنكر النفث؛ عن عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد. وعن إبراهيم: كانوا يكرهون النفث في الرقى. وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجع فقلت: ألا أعوّذك يا أبا محمد؟ قال: بلى ولكن لا تنفث فعوّذته بالمعوّذتين. قال بعض العلماء: لعلهم كرهوا النفث لأن الله تعالى جعل النفث مما يستعاذ منه فوجب أن يكون منهياً عنه. وقال بعضهم: النفث في العقد المنهي عنه هو الذي يكون سحراً مضراً بالأرواح والأبدان، وأما الذي يكون لإصلاح الأرواح والأبدان فيجب أن لا يكون حراماً. سؤال: كيف قال في افتتاح القراءة {أية : فاستعذ بالله}تفسير : [الأعراف: 200] وقال ههنا {أعوذ برب} دون أن يقول " بالله "؟ وأجيب بأن المهم الأوّل أعظم من حفظ النفس والبدن عن السحر والوسوسة فلا جرم ذكر هناك الاسم الأعظم، وأيضاً الشيطان يبالغ في منع الطاعة أكثر مما يبالغ في إيصال الضرر إلى النفس وأيضاً كأن العبد يجعل تربيته السابقة وسيلة في التربية اللاحقة. وفي الفلق وجوه؛ فالأكثرون على أنه الصبح من قوله {أية : فالق الإصباح}تفسير : [الأنعام: 96] وخص ههنا بالذكر لأنه أنموذج من صبح يوم القيامة ولأنه وقت الصلاة والجماعة والاستغفار {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} وفيه إشارة إلى أن القادر على إزالة الظلمة عن وجه الأرض قادر على دفع ظلمة الشرور والآفات عن العبد بصلاح النجاح. روي أن يوسف عليه السلام حين ألقي في الجبّ وجعت ركبته وجعاً شديداً فبات ليلته ساهراً، فلما قرب طلوع الصبح نزل جبرائيل عليه السلام يسليه ويأمره بأن يدعو ربه فقال: يا جبرائيل ادع أنت وأؤمن أنا. فدعا جبرائيل فأمن يوسف فكشف الله ما كان به من الضرّ، فلما حصل له الراحة قال: يا جبرائيل أنا أدعو وتؤمن أنت فسأل يوسف ربه أن يكشف الضرّ عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت، فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل. وروي أن دعاءه في الجبّ: يا عدّتي عند شدتي، ويا مؤنسي في وحشتي، ويا راحم غربتي، ويا كاشف كربتي، ويا مجيب دعوتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب، راحم صغر سني، وضعف ركني، وقلة حيلتي، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. وقل: هو كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات {أية : إن الله فالق الحب والنوى} تفسير : [ألأنعام: 95] والجبال عن العيون {أية : وإن منها لما يتفجر منه الأنهار} تفسير : [البقرة: 74] والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والقبض عن البسط، والشدّة عن الفرج، والقلوب عن المعارف. وقيل: هو واد في جهنم إذا فتح صاح جميع من في جهنم من شدّة حره كأن العبد قال: يا صاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التي هي أعظم وأكمل وأسبق وأقدم من عذابك. وصاحب هذا القول زعم أن المراد من شر ما خلق أي من شدائد ما خلق فيها. وعن ابن عباس: يريد إبليس خاصة لأن الله تعالى لم يخلق خلقاً هو شرّ منه. ويدخل فيه الاستعاذة من السحرة لأنهم أعوانه وجنوده. وقل: أراد أصناف الحيوانات المؤذية من الهوام والسباع. وقيل: الأسقام والآفات والمحن فإنها شرور إضافية وإن جاز أن تكون خيرات باعتبارات أخر والكل بقدر كما مر في مقدمة الكتاب في تفسير الاستعاذة. وذكر في الغاسق وجوه؛ فعن الفراء وأبي عبيدة: هو الليل إذا جنّ ظلامه ومنه غسقت العين أو الجراحة إذا امتلأت دمعاً أو دماً. وقال الزجاج: هو البارد وسمي الليل غاسقاً لأنه أبرد من النهار، فعلى هذا لعله أريد به الزمهرير. وقال قوم: هو السائل من قولهم غسقت العين تغسق غسقاً إذا سالت بالماء، وسمي الليل غاسقاً لانصباب ظلامه على الأرض. قلت: ولعل الاستعاذة على هذا التفسير إنما تكون من الغساق في قوله تعالى {أية : إلا حميماً وغساقاً}تفسير : [النبأ: 25] والوقوب الدخول في الشيء بحيث يغيب عن العين. هذا من حيث اللغة. ثم أن الغاسق إذا فسر بالليل فوقوبه دخوله وهو ظاهر. ووجه التعوذ من شره أن السباع فيه تخرج من آجامها والهوام من مكامنها، وأهل الشر والفتنة من أماكنها، ويقل فيه الغوث ولهذا قالت الفهقاء: لو شهر أحد سلاحاً على إنسان ليلاً فقتله المشهور عليه لم يلزمه قصاص ولو كان نهاراً لزمه لوجود الغوث. وقد يقال: إنه تنشر في الليل الأرواح المؤذية المسماة بالجن والشياطين، وذلك لأن قوة الشمس وشعاعها كأنها تقهرهم، أما في الليل فيحصل لهم نوع استيلاء. وعن ابن عباس: هو ظلمة الشهوة البهيمية إذا غلبت داعية العقل. قال ابن قتيبة: الغاسق القمر لأنه يذهب ضوءه عند الخسوف، ووقوبه دخوله في ذلك الاسوداد. حديث : وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدها وقال لها: استعيذي بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقبتفسير : ، وعلى هذا التفسير يمكن تصحيح قول الحكيم إن القمر جرم كثيف مظلم في ذاته لكنه يقبل الضوء عن الشمس ويختلف حاله في ذلك بحسب قربه منها وبعده عنها. ووقوبه إما دخوله في دائرة الظلام في الخسوفات، وإما دخوله تحت شعاع الشمس في آخر كل شهر، وحينئذ يكون منحوساً قليل القوة ولذلك تختار السحرة ذلك الوقت للتمريض والإضرار والتفريق ونحوها. وقيل: الغاسق الثريا إذا سقط في المغرب. قال ابن زيد: وكانت الأسقام تكثر حينئذ. وقال في الكشاف: يجوز أن يراد به الأسود من الحيات ووقبه خربه ونقبه. وقيل: هو الشمس إذا غابت وسميت غاسقاً لسيلانها ودوام حركتها. وأما النفث فهو النفخ بريق. وقيل: النفخ فقط. والعقد جمع عقدة. والسبب فيه أن الساحر إذا أخذ في قراءة الرقية أخذ خيطاً ولا يزال يعقد عليه عقداً بعد عقد وينفث في تلك العقد. ووجه التأنيث إما الجماعة لأن اجتماع السحرة على عمل واحد أبلغ تأثيراً، وإما لأن هذه الصناعة إنما تعرف بالنساء لأنهن يعقدن وينفثن وذلك أن الأصل الكلي في ذلك الفن هو ربط القلب وتعليق الوهم بذلك الأمر وأنه في النساء أوفر لقلة علمهن وشدّة شهوتهن. وقال أبو عبيدة: إنهن بنات لبيد بن الأعصم اليهودي اللاتي سحرن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو مسلم: العقد عزائم الرجال والنفث حلها لأن من يريد حل عقدة الحبل ينفث عليه بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلاً. والمعنى: إن النساء لكثرة حيلهن يتصرفن في عزائم الرجال يحوّلنهم من رأي إلى رأي ومن عزيمة إلى عزيمة، فأمر الله رسوله بالتعوّذ من شرهن، وهذا القول مناسب لما جاء في مواضع أخر من القرآن {أية : إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم} تفسير : [التغابن: 14] {أية : إن كيدكن عظيم} تفسير : [يوسف: 28] والاستعاذة منهن الاستعاذة من إثم عملهن، أو من فتنتهن الناس بسحرهن، أو من إطعامهن الأطعمة الردية المورثة للجنون، و الموت. والحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه حتى لو تمكن من ذلك بالحيل لفعل فلذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالتعوذ منه. وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوقى ويتحرّز منه ديناً ودنيا فلذلك لما نزلت فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بها لكونها مع أختها جامعة في التعوذ من كل شيء بل قوله {من شر ما خلق} عام والبواقي تخصيص بعد تعميم تنبيهاً على أنها أعظم الشرور، وأهم شيء يستعاذ منه. وعرفت النفاثات لأن كل نفاثة شريرة. ونكر {غاسق} و {حاسد} لأنه ليس كل غاسق بشره بل الليل للغاسقين شر وليس كل حسد مذموماً بل منه ما هو خير كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فقام به آناء الليل وآناء النهار ورجل أعطاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار" تفسير : وفائدة الظرف هو قوله {إذا حسد} أنه لا يستعاذ من الحاسد من جهات أخرى ولكن من هذه الجهة، ولو جعل الحاسد بمعنى الغابط أو بمعنى أعم وقوله {حسد} بالمعنى المذموم كان له وجه.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} الخِطَابُ للنبي صلى الله عليه وسلم والمُرَادُ هُوَ وآحادُ أمتِهِ، قَالَ ابن عباس وغيره: الفَلَقُ الصُّبْحُ، وقال ابن عباس أيضاً وجماعةٌ من الصحابة: الفلقُ جُبُّ في جَهَنَّم، ورَوَاه أبو هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} يَعُمُّ كلَّ مَوْجُودٍ له شر، واخْتُلِفَ في: «الغاسِقِ» فَقَال ابن عباس وغيره: الغَاسِقُ الليلُ وَوَقَبَ: أظْلَمَ، ودَخَل عَلى الناسِ، وفي الحديثِ الصحيح عن عائشة حديث : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أشَارَ إلى القَمَرِ وقال: يا عائشة؛ تَعَوَّذِي باللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الغَاسِقِ إذَا وَقَبَتفسير : ، قال السهيلي: وهذا أصحُّ ما قِيل لِهذَا الحديثِ الصحيحِ، انتهى، ولفظ صاحبِ «سلاحِ المؤمِنِ»: عن عائشةَ ـــ رضي اللَّه عنها ـــ حديث : أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَظَرَ إلَى القَمَرِ، فَقَالَ: يا عائشةُ؛ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا فإنَّ هَذَا الغَاسِقُ إذَا وَقَبَتفسير : ، رَوَاه الترمذيُّ والنسائي، والحاكم في «المستدرك»، واللفظُ للترمذي، وقَالَ حسنٌ صحيحٌ، وقال الحاكم: صحيحُ الإسنادِ، وَوَقَبَ القَمَر وُقُوباً: دَخَلَ في الظِّلِّ الذي يَكْسِفُه؛ قَالَه ابن سِيدَة، انتهى من «السلاح». و{ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ} السَّوَاحِر، ويقال: إن الإشَارَة أوَّلاً إلى بَنَاتِ لَبِيدِ بن الأَعْصَمِ اليهودي؛ كُنَّ سَاحِرَاتٍ، وهُنَّ اللواتي سَحَرْنَ مَعَ أبيهِنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، والنَّفْثُ شِبْهُ النَّفخِ دُونَ تَفلِ رِيقٍ، وهذا النَّفْثُ هُوَ عَلى عُقَدٍ تَعْقَدُ في خيوطٍ، ونحوِها؛ على اسْمِ المَسْحُورِ فيؤذى بذلك. قال * ع *: وهَذَا الشَّأْنُ في زمانِنَا موجودٌ شائعٌ في صحراء المغرب، وحدَّثني ثقةٌ؛ أنه رأَىٰ عنْدَ بعضهم خيطاً أحْمَرَ قَدْ عُقِدَتْ فِيهِ عُقَدٌ عَلىٰ فُصْلاَنٍ، فَمُنِعَتْ بذلك رَضَاعَ أمهاتِها فكان إذا حَلَّ عقدةً جرَىٰ ذلك الفصيلُ إلَىٰ أُمِّه في الحِينِ، فَرَضَعَ، أعاذنا اللَّه مِنْ شَرِّ السِّحْرِ والسَّحَرَةَ. وقوله تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} قال قتادة: مِنْ شَرِّ عَيْنِهِ ونَفْسِهِ، يريد بـ«النَّفْس»: السعْيَ الخَبِيثَ، وقال الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: ذكَر اللَّه تعالى الشُّرُور في هذه السُّورة، ثم ختمها بالحَسَدِ؛ ليعلم أنَّه أخسُّ الطَبائع.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ}. هذه السورة، وسورة "النَّاس"، و "الإخلاص" نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سحرته اليهود، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء، وليستا من القرآن، وخالف به الإجماع من الصحابة، وأهل البيت. قال ابن قتيبة: لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوِّذتين؛ لأنه كان يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين بهما، فقدر أنهما بمنزلة: "أعوذُ بكَلمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ من كُلِّ شيطانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ". قال ابن الأنباري: وهذا مردود على ابن قتيبة؛ لأن المعوذتين من كلام ربِّ العالمين؛ المعجز لجميع المخلوقين، و "أعِيذُكما بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامةِ" من قول البشر، وكلام الخالق الذي هو آية، وحجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على جميع الكافرين، لا يلتبس بكلام الأدميين على مثل عبد الله بن مسعود، الفصيح اللسان، العالم باللغة العارف بأجناس الكلام. وقال بعضُ الناس: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه من أمن عليهما من النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك في إتقانه، وحفظه لهما، ورد هذا القول على قائله، واحتج عليه بأنه قد كتب: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1] و {أية : إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ} تفسير : [الكوثر: 1] و {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الاخلاص: 1] وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال، والحفظ إليهن أسرع، والنسيان مأمون، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب؛ إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها، وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من نسيانها، صحيح، وليس من السور في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها. فصل في تفسير السورة تقدم الكلام على الاستعاذة، و "الفلقُ": هو الصبح، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مفلوق، وفي الحديث: "حديث : الرُّؤيَا مثلُ فلقِ الصُّبْحِ ". تفسير : قال الشاعر: [البسيط] شعر : 5360- يَـا ليْلَـةً لَـمْ أنمْهَــا بِــتُّ مُرتفـقــاً أرْعَى النُّجُومَ إلــى أن نَــوَّرَ الفلــقُ تفسير : وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: [البسيط] شعر : 5361- حتَّى إذَا ما انْجَلَى عَنْ وجْههِ فلقٌ هَاديهِ فِي أخريَاتِ اللَّيْلِ مُنتَصِبُ تفسير : يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه. وقيل: الفلق: الجبال، والصخور، تنفلق بالمياه، أي: تتشقق وقيل: هو التفليق بين الجبال، لأنها تنشق من خوف الله تعالى. قال زهير: [البسيط] شعر : 5362- مَا زِلتُ أرْمُقهُـمْ حتَّى إذَا هَبطَــتْ أيْدِي الرِّكـابِ بِهِمْ من راكِسٍ فَلقَا تفسير : والراكس: بطن الوادي. وكذلك هو في قول النابغة: [الطويل] شعر : 5363-.................................... أتَانِي ودُونِي رَاكِسٌ فالضَـواجِــعُ تفسير : والراكس أيضاً: الهادي، وهو الثور وسط البيدرِ تدور عليه الثيران في الدِّياسة. وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان. وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان، والصبح، والحب، والنوى وكل شيء من نبات وغيره. قاله الحسن وغيره. قال الضحاك: الفلق: الخلق كله، قال: [الرجز] شعر : 5364- وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً ربِّ الفَلق سِـرَّا وقَدْ أوَّنَ تَأويــن العَـقَــــقْ تفسير : قال القرطبيُّ: "وهذا القول يشهد له الاشتقاقُ، فإن الفلق: الشَّق، يقال: فلقت الشيء فلقاً، أي: شققته، والتفليق مثله، يقال: فلقته فانفلق وتفلق، فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق: قال تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} تفسير : [الأنعام: 96] وقال - عز وجل -: {أية : فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} تفسير : [الأنعام:95]. [والفلق مقطرة السمّان، فأما الفِلق بالكسر فهو الداهية، والأمر العجيب يقال منه: أفلق الرجل وافتلق، وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 5365- واعجَبَــاً لِهَــذِهِ الفَليقـــهْ هَـلْ يُذْهِبَــنَّ القُوَبَـــاءَ الريقَـــهْ تفسير : والفِلْقُ أيضاً: القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، يقال لكل منهما: فِلْق، وقولهم: جاء بعُلق فلق وهي الداهيةِ، يقال منه أعلقت وأفلقت. أي جئت بعُلق فلق، ومر يفتلق في عدوه أي بالعجب من شدته]. قوله: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ}، متعلق بـ "أعوذ"، والعامة: على إضافة "شرِّ" إلى "ما"، وقرأ عمرو بن فايد: "مِنْ شرِّ" بالتنوين. وقال ابن عطية: وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشَّر: "مِنْ شرِّ" بالتنوين، "مَا خلقَ" على النفي وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيةٌ على مذهب باطل انتهى. ولا يتعين أن تكون "ما" نافية، بل يجوز أن تكون موصولة بدلاً من "شرِّ" على حذف مضاف، أي: من شر شر ما خلق، عمم أولاً، ثم خصص ثانياً. وقال أبو البقاء: و "ما" على هذا بدل من "شر"، أو زائدة، ولا يجوز أن تكون نافية؛ لأن النافية، لا يتقدم عليها ما في حيزها، فلذلك لم يجز أن يكون التقدير: ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى. وهو رد حسن صناعي، ولا يقال: إن "مِنْ شرِّ" متعلق بـ "أعُوذُ" وقد أنحى مكي على هذا القائل، ورده بما يقدم. و "ما" مصدرية، أو بمعنى "الذي". فصل في المقصود بشر ما خلق روى عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس خاصة؛ لأن الله تعالى لم يخلق أشرَّ منه، وأن السورة إنما نزلت في الاستعاذة من السِّحر، وذلك إنَّما يتم بإبليس وجنوده، لعنهم الله، وقيل: جهنم وما خلق فيها. وقيل: عام؛ أي من شر كل ما خلقه الله وقيل: ما خلق الله من الأمراض، والأسقام [والقحط] وأنواع المِحَنْ. وقال الجبائي والقاضي: هذا التقييد باطل؛ لأن فعل الله - تعالى - لا يجوز أن يوصف بأنه شر؛ لأن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمر به، وذلك متناقض؛ لأن أفعاله - تعالى - كلها حكمة وصواب، فلا يجوز أن يقال: شرّ. وأيضاً: فلأن فعل الله لو كان شرَّا؛ لوصف فاعله بأنه شر، وتعالى الله عن ذلك. والجواب عن الأول: أنه لا امتناع في قوله: أعوذ بك منك، كما رد عن الثاني أن الإنسان لم تألم وصف بالألم كقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40]، وقوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194]. وعن الثالث: أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى: {أية : إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً} تفسير : [المعارج: 20]. قوله: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}، "إذا" منصوب بـ "أعوذ" أي: أعوذ بالله من هذا في وقت كذا، كذا. والغسقُ: هو أول ظلمةِ الليل، يقال منه: غسق الليل يغسق، أي: يظلم. قال ابن قيس الرقيَّات: [المديد] شعر : 5366- إنَّ هَـــذا اللَّيْــلَ قــدْ غَسقَــــا واشْتكَيْــتُ الهَـــمَّ والأرَقَـــــا تفسير : وهذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، ووقب على هذا: أظلم. وقيل: نزل، قال: وقب العذاب على الكافرين: نزل. شعر : 5367- وقَبَ العَذابُ عَليْهِـمُ فكَأنَّهُـــمْ لحِقَتْهُمْ نَارُ السَّمُومِ فأحْصِدُوا تفسير : وقال الزجاج: قيل لليل غاسق، لأنه أبرد من النَّهار، والغاسق: البارد، والغسق: البرد؛ ولأنَّ في الليل تخرج السِّباع من آجامها والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشرِّ على العبث، والفسادِ، فاستعير من الليل. قال الشاعر: [البسيط] شعر : 5368- يَا طَيْفَ هِنْدٍ لقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرقاً إذْ جِئْتنَا طَارِقاً والليلُ قَدْ غَسَقا تفسير : أي: أظلم واعتكر، وقيل: الغاسق: الثُّريَّا، لأنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك. قاله عبد الرحمن بن زيد. وقال القتبي: القمر إذا وقب إذا دخل في ساهورة كالغلاف إذا خسف وكل شيء أسود فهو غسق. وقال قتادة: "إذَا وقَبَ" إذا غاب. قال القرطبي: وهو أصح، لماروى الترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر، فقال: "يا عَائِشةُ، استَعِيذِي باللهِ من شرِّ هذا، فإنَّ هذا هُوَ الغاسقُ إذا وقبَ""تفسير : ، قال: هذا حديث حسن صحيح. [وقيل: الغاسق: الحيَّة إذا لدغت، وكأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه أي: يسيل، يقال: غسقت العين تغسق غسقاً، إذا سالت بالماء، وسمي الليل غاسقاً، لانصباب ظلامه على الأرض، ووقب نابها إذا قامت باللدغ]. وقيل: الغاسقُ: كل هاجم يضر، كائناً ما كان، من قولهم: غسقت القرحة، إذا جرى صديدها. قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، لو أنه صح، أن [القمر في جرمه غير مستنير، بل هو مظلم، فهذا هو المراد من كوته غاسقاً، وأما وقوبه فهو انمحاء نوره في آخر] الشهر والمنجمون يقولون: إنه في آخر الشهر منحوس، قليل القوة؛ لأنه لا يزال نوره بسبب ذلك تزداد نحوسته، فإن السحرة إنما يشتغلون في السحر الموروث، للتمريض في هذا الوقت، وهذا مناسب لسبب نزول السورة, فإنها نزلت؛ لأجل أنهم سحروا النبي صلى الله عيه وسلم لأجل التمريض. قوله: {وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ}، النَّفَّاثات: جمع نفاثة، مثال مبالغة من نفث، أي: نفخ، واختلف فيه. فقال أبو الفضل: شبه النفخ من الفم بالرقية، ولا شيء معه. قال عنترة: [الوافر] شعر : 5369- فإنْ يَبْرَأ فلمْ أنفُثْ عليْهِ وإنْ يُفْقَدْ فحُقَّ لهُ الفُقُودُ تفسير : وقال الزمخشري: "النفخُ مع ريق". وقرأ الحسن: "النُّفَّاثات" بضم النون، وهو اسم كالنفاثة. ويعقوب وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر وعبد الله بن القاسم: "النافثات"، وهي محتملة لقراءة العامة. والحسن وأبو الربيع: "النفثات" دون ألف محاذر وحذر، ونكّر عاسقاً وحاسداً؛ لأنه قد يتخلف الضرر فيهما؛ فإن التنكير للتبعيض، وعرف النفاثات إما للعهد كما يروى في التفسير، وإما للمبالغة في الشَّر. فصل في معنى النَّفَّاثات قال المفسرون: يعني السَّاحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها. قال أبو عبيدة: النفاثات هي بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الشاعر: [المتقارب] شعر : 5370- أعُـوذُ بربِّـي مِــنَ النَّـافِـثَـــا تِ في عِضَـهِ العَاضـهِ المُعْضِـهِ تفسير : وقال متمم بن نويرة: [السريع] شعر : 5371- نَفَثْتُ فِي الخيْطِ شَبيهَ الرُّقَى مِـنْ خَشْيـةِ الجِنَّــة والحَـاســـدِ تفسير : فصل روى النسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ عَقَدَ عُقدةً ثُمَّ نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئاً وكُلَ إليْهِ ". تفسير : واختلف في النَّفث عند الرقى: فمنعه قوم، وأجازه آخرون. قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح، ولا يعقد. قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث من الراقي، والصحيح الجواز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث في الرقية. وروي محمد بن حاطب أن يده احترقت، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل ينفث عليها، ويتكلم بكلام، وزعم أنه لم يحفظه. وروي أن قوماً لدغ فيهم رجل، فأتوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل فيكم من راقٍ؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقى ويتفل حتى برئ، فأخذوها، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم سهماً. وأما ما روي عن عكرمة فكأنه ذهب فيه إلى أن النفث في العقد مما يستعاذ به بخلاف النفث بلا عقد. قال ابن الخطيب: هذه الصناعة إنما تعرف بالنِّساء، لأنهن يعقدن في الخيط، وينفثن، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر، وإحكام الهمَّة والوهم فيه، وذلك إنما يتأتَّى من النساء لقلة عملهن، وشدة شهوتهن، فلا جرم كان هذا العمل منهن أقوى. قوله: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}، الحسدُ: هو تمني زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة: هي تمنّي مثلها وإن لم تزل من المحسود، وهي الغبطة، فالحسد: شر مذموم، والمنافسة مباحة. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن يغبط والمنافق يحسد" تفسير : وقال: "حديث : لا حَسَدَ إلاَّ في اثنتينِ"تفسير : . يريد الغبطة. قال ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما -: لما كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قربت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذوا مشاطة من أثر النبي صلى الله عليه وسلم وعدة من أسنان مشطه، فأعطاه اليهود؛ ليسحروه بها صلى الله عليه وسلم وتولى ذلك ابن الأعصم، رجل من اليهود. فصل في أن الله خلق الخير والشر هذه السورة دالة على أن الله خلق كل شر، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من جميع الشرور، فقال - عز وجل -: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} وذلك خاتمة ذلك الحسد تنبيهاً على عظمته، وكثرة ضرره، والحاسد عدو نعمة الله تعالى. قال بعض الحكماء: الحاسد بارز ربَّه من خمسة أوجه: أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت إلي هذه القسمة. وثالثها: أنه ضاد الله، أي: أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله. ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم. وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس. وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً، وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً، واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاثةٌ لا يُسْتَجَابُ دعاؤهُم: آكلُ الحرامِ، ومُكثرُ الغِيبةِ، ومنْ كانَ في قلبِهِ غلٌّ أو حسدٌ للمسلمين ". تفسير : روى [الثعلبي عن أبيّ] - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها"تفسير : . وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا أخْبرُكَ بأفضل ما تعوَّذ بهِ المتعوِّذُونَ"؟ قلت: بلى يا رسُول اللهِ، قال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ}تفسير : . والله أعلم.

البقاعي

تفسير : أمر بالتعوذ برب هذا الدين، موافقة لإياك نعبد وإياك نستعين، من شر ما يقدح فيه بضرر في الظاهر أو في الباطن وهم الخلائق حتى على الفنا في الغنا، وبدأ بما يعم شياطين الإنس والجن في الظاهر والباطن، ثم اتبع بما يعم القبيلين ويخص الباطن الذي يستلزم صلاحه صلاح الظاهر، إعلاماً بشرف الباطن على وجه لا يخل بالظاهر، وفي ذلك إشارة إلى الحث على معاودة القراءة من أول القرآن كما يشير إليه قوله تعالى:{أية : فإذا قرأت القرآنتفسير : [النحل:98] - أي أردت قراءته -أية : فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}تفسير : [النحل: 98] فقال تعالى: {قل} أي لكل من يبلغه القول من جميع الخلائق تعليماً لهم وأمراً، فإنهم كلهم مربوبون مقهورون لا نجاة لهم في شيء من الضرر إلا بعصمته سبحانه وتعالى، فعلى كل منهم أن يفزع أول ما تصيبه المصيبة إلى مولاه القادر على كشفها تصحيحاً لتوكله فإنه يرتقي بذلك إلى حال الرضا بمر القضاء، ولا يأخذ في الاعتماد على جلادته وتدبيره بحوله وقوته فإنه يشتد أسفه ولا يرد ذلك عنه شيئاً: {أعوذ} أي أستجير وألتجىء وأعتصم وأحترز. ولما كان هذا المعنى أليق شيء بصفة الربوبية لأن الإعاذة من المضار أعظم تربية قال: {برب الفلق *} أي الذي يربيه وينشىء منه ما يريد، وهو الشيء المفلوق بإيجاده ظلمة العدم كالعيون التي فلقت بها ظلمة الأرض والجبال، وكالأمطار التي فلقت بها ظلمة الجو والسحاب، وكالنبات الذي فلقت به ظلمة الصعيد، وكالأولاد التي فلقت بها ظلمة الأحشاء، وكالصبح الذي فلقت به ظلمة الليل، وما كان من الوحشة إلى ما حصل من ذلك من الطمأنينة والسكون والأنس والسرور إلى غير ذلك من سائر المخلوقات، قال الملوي: والفلق - بالسكون والحركة كل شيء انشق عنه ظلمة العدم وأوجد من الكائنات جميعها - انتهى. وخص في العرف بالصبح فقيل: فلق الصبح، ومنه قوله تعالى:{أية : فالق الإصباح}تفسير : [الأنعام: 96] لأنه ظاهر في تغير الحال ومحاكاة يوم القيامة الذي هو أعظم فلق يشق ظلمة الفنا والهلاك بالبعث والإحياء، فإن القادر على ما قبله بما نشاهده قادر عليه، لأنه لا فرق، بل البعث أهون في عوائد الناس لأنه إعادة، كذا سائر الممكنات، ومن قدر على ذلك قدر على إعاذة المستعيذ من كل ما يخافه ويخشاه. ولما كانت الأشياء قسمين: عالم الخلق، وعالم الأمر، وكان عالم الأمر خيراً كله، فكان الشر منحصراً في عالم الخلق خاصة بالاستعاذة فقال تعالى معمماً فيها: {من شر ما خلق *} أي من كل شيء سوى الله تعالى عز وجل وصفاته، والشر تارة يكون اختيارياً من العاقل الداخل تحت مدلول "لا" وغيره من سائر الحيوان كالكفر والظلم ونهش السباع ولدغ ذوات السموم، وتارة طبيعياً كإحراق النار وإهلاك السموم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: قد أشير، أي في الكلام على ارتباط الإخلاص - إلى وجه ارتباطها آنفاً، وذلك واضح إن شاء الله تعالى - انتهى. ولما كان عطف الخاص على العام يعرف بأن ذلك الخاص أولى أفراد العام بما ذكر له من الحكم، وكان شر الأشياء الظلام، فإنه أصل كل فساد، وكانت شرارته مع ذلك وشرارة السحر والحسد خفية، خصها بالذكر من بين ما عمه الخلق لأن الخفي يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان فيكون أضر. ولذا قيل: شر العداة المداجي، وكانت مادة "غسق" تدور على الظلام والانصباب، فالغسق - محركة: ظلمة أول الليل، وغسقت العين: أظلمت أو دمعت، واللبن: انصب من الضرع، والليل: اشتدت ظلمته، والغسقان - محركة: الانصباب، والغاسق: القمر، وكأنه سمي به لسرعة سيره وانصبابه في البروج ولأنه ليس له من نفسه إلا الإظلام، والثريا - إذا سقطت - والله أعلم، قال في القاموس: لكثرة الطواعين والأسقام عند سقوطها، والذكر - إذا قام، كما قاله جماعة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو سبب للجهل الذي هو ظلام كله، فقال تعالى: {ومن شر غاسق} أي مظلم بارد منصب ظلامه وبرده سواء كان أصلاً في الظلام حسياً أو معنوياً أو كان حاملاً عليه مثل الذكر إذا قام لما يجر إليه من الوساوس الرديئة لغلبة الشهوة واستحكام سلطان الهوى، ومثل القمر لما يحدث منه من الرطوبات المفسدة للأبدان وغير ذلك انصباباً له غاية القوة كانصباب ما يفيض عن امتلاء في انحدار، ونكّره إشارة إلى أنه ليس كل غاسق مذموماً - والله أعلم. ولما كان الشيء الذي اتصف بالظلام يكثف فيشتد انصبابه وأخذه في السفول إلى أن يستقر ويستحكم فيما صوب إليه مجتمعاً جداً كاجتماع الشيء في الوقبة وهي النقرة في الصخرة، وكان الظلام لا يشتد أذاه إلا إذا استقر وثبت، قال معبراً بأداة التحقق: {إذا وقب *} أي اعتكر ظلامه ودخل في الأشياء بغاية القوة كمدخول الثقيل الكثيف المنصب في النقرة التي تكون كالبئر في الصخرة الصماء الملساء، وهذا إشارة إلى أنه يسهل علاجه وزواله قبل تمكنه، وفي الحديث"حديث : لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها"تفسير : يعني صلاة المغرب، وفيه عند أبي يعلى أنه"حديث : قال لعائشة رضي الله تعالى عنها عن القمر: تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب"تفسير : . وأكثر الأقوال أنه الليل، خص بالاستعاذة لأن المضار فيه تكثر ويعسر دفعها، وأصل الغسق الظلام، ويلزم منه الامتلاء، وقيل: إن الامتلاء هو الأصل، وأصل الوقوب الدخول في وقبة أو ما هو كالوقبة وهي النقرة. ولما كان السحر أعظم ما يكون من ظلام الشر المستحكم في العروق الداخل في وقوبها. لما فيه من تفريق المرء من زوجه وأبيه وابنه، ونحو ذلك، وما فيه من ضنى الأجسام وقتل النفوس، عقب ذلك بقوله تعالى: {ومن شر}. ولما كان كل ساحر شريراً بخلاف الغاسق والحاسد، وكان السحر أضر من الغسق والحسد من جهة أنه شر كله، ومن جهة أنه أخفى من غيره، وكان ما هو منه من النساء أعظم لأن مبنى صحته وقوة تأثيره قلة العقل والدين ورداءة الطبع وضعف اليقين وسرعة الاستحالة، وهن أعرق في كل من هذه الصفات وأرسخ، وكان ما وجد منه من جمع وعلى وجه المبالغة أعظم من غيره عرف وبالغ وجمع وأنث ليدخل فيه ما دونه من باب الأولى فقال تعالى: {النفّاثات} أي النفوس الساحرة سواء كانت نفوس الرجال أو نفوس النساء أي التي تبالغ في النفث وهو التفل وهو النفخ مع بعض الريق - هكذا في الكشاف، وقال صاحب القاموس: وهو كانفخ وأقل من التفل، وقال: تفل: بزق، وفي التفسير عن الزجاج أنه التفل بلا ريق، {في العقد *} أي تعقدها للسحر في الخيوط وما أشبهها، وسبب نزول ذلك أن يهودياً سحر النبي صلى الله عليه وسلم فمرض كما ياتي تخريجه، فإن السحر يؤثر بإذن الله تعالى المرض ويصل إلى أن يقتل، فإذا أقر الساحر أنه قتل بسحره وهو مما يقتل غالباً قتل بذلك عند الشافعي، ولا ينافي قوله تعالى:{أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67] كما مضى بيانه في المائدة، ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه مسحور، فإنهم ما أرادوا إلا الجنون أو ما يشبهه من فساد العقل واختلاله، والمبالغة في أن كل ما يقوله لا حقيقه له كما أن ما ينشأ عن المسحور يكون مختلطاً لا تعرف حقيقته. ولما كان أعظم حامل على السحر وغيره من أذى الناس الحسد، وهو تمني زوال نعمة المحسود: شعر : وداريت كل الناس إلا لحاسد مداراته عزت وشق نوالها وكيف يداري المرء حاسد نعمة إذا كان لا يرضيه إلا زوالها تفسير : قال تعالى: {ومن شر حاسد} أي ثابت الاتصاف بالحسد معرق فيه، ونكّره لأنه ليس كل حاسد مذموماً، وأعظم الحسدة الشيطان الذي ليس له دأب إلا السعي في إزالة نعم العبادات عن الإنسان بالغفلات. ولما كان الضار من الحسد إنما هو ما أظهر وعمل بمقتضاه بالإصابة بالعين أو غيرها قال مقيداً له: {إذا حسد *} أي حسد بالفعل بعينه الحاسدة، وأما - إذا لم يظهر الحسد فإنه لا يتأذى به إلا الحاسد لاغتمامه بنعمة غيره، وفي إشعار الآية الدعاء بما يحسد عليه من نعم الدارين لأن خير الناس من عاش محسوداً ومات محسوداً، ولمن لم يلق بالاً للدعاء بذلك ويهتم بتحصيل ما يحسد عليه ضحك منه إبليس إذا تلا هذه الآية لكونه ليس له فضيلة يحسد عليها، ولعله عبر بأداة التحقيق إشعاراً بأن من كان ثابت الحسد متمكناً من الاتصاف به بما أشعر به التعبير بالوصف تحقق منه إظهاره، ولم يقدر على مدافعته في الأغلب إلا من عصم الله تعالى، وقد علم بكون الحسد علة السحر - الموقع في القتل الذي هو أعظم المعاصي بعد الشرك وفي الشرك، لأنه لا يصح غاية الصحة إلا مع الشرك - أن الحسد شر ما انفلق عنه ظلام العدم، والشاهد لذلك غلبته على الأمم السالفة وتحذير الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس منه بشهادة هاديها صلى الله عليه وسلم، أخرج الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، ألا والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين"تفسير : . وفي الباب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن مسعود رضي الله عنه، وأعظم أسباب الحالقة أو كلها الحسد، فعلم بهذا رجوع آخر السورة على أولها، وانعطاف مفصلها على موصلها، ومن أعيذ من هذه المذكورات انفلق سماء قلبه عن شمس المعرفة بعد ظلام ليل الجهل، فأشرقت أرجاؤه بأنوار الحكم، إلى أن يضيق الوصف له عن بدائع الكشف: شعر : هناك ترى ما يملأ العين قرة ويسلي عن الأوطان كل غريب تفسير : فينقطع التعلق عما سوى الله بمحض الاتباع والبعد عن الابتداع بمقتضى{أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}تفسير : [آل عمران: 31] وقد بطل بالأمر بالاستعاذة قول الجبرية: إنا كالآلة لا فعل لنا أصلاً، وإنما نحن كالحجر لا يتحرك إلا بمحرك، لأنه لو كان هو المحرك لنا بغير اختيار لم يكن للأمر فائدة، وقول القدرية: إنا نخلق أفعالنا، وقول الفلاسفة: إنه - إذا وجد السبب والمسبب حصل التأثير من غير احتياج إلى ربط إلهي كالنار والحطب، لأنه لو كان ذلك لكانت هذه الأفعال المسببات إذا وجدت من فاعليها الذين هم الأسباب، أو الأفعال التي هي الأسباب، والمسببات التي هي الأبدان المراد تأثيرها أثرت ولم تنفع الاستعاذة، والشاهد خلافه، وثبت قول الأشاعرة أهل السنة والجماعة أنه إذا وجد السبب والمسبب توقف وجود الأثر على إيجاد الله تعالى، فإن أنفذ السبب وجد الأثر، وإن لم ينفذه لم يوجد، والسورتان معلمتان بأن البلايا كثيرة وهو قادر على دفعها، فهما حاملتان على الخوف والرجاء، وذلك هو لباب العبودية، وسبب نزول المعوذتين على ما نقل الواحدي عن المفسرين رحمة الله عليهم أجمعين والبغوي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهمحديث : أن غلاماً من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فدبت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم اليهودي، فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر شعر رأسه، ويرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، يذوب ولا يدري ما عراه، فبينا هو نائم ذات يوم أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طب، قال: وما طب؟ قال: سحر، قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: وبما طبه؟ قال: بمشط ومشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راغوفة في بئر ذروان - بئر في بني زريق، والجف: قشر الطلع، والراغوفة: حجر في أسفل البئر يقوم عليه المائح، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال لعائشة رضي الله عنها: "يا عائشة! أما شعرت أن الله أخبرني بدائي! ثم بعث علياً والزبير وعمار بن ياسر رضي الله عنهم فنزحوا البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم نزعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر" فأنزل الله سبحانه وتعالى سورتي المعوذتين، وهما إحدى عشرة آية: الفلق خمس والناس ست، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حتى انحلت العقدة الأخيرة فقام كأنما نشط من عقال، وجعل جبرائيل عليه الصلاة والسلام يقول: "بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن حاسد وعين والله يشفيك" فقالوا: يا رسول الله! أفلا نأخذه فنقتله؟ فقال: "أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على الناس شراً" وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم أتى البئر بنفسه ثم رجع إلى عائشة رضي الله عنها فقال: "والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، لكأن نخلها رؤوس الشياطين، فقلت له: يا رسول الله! "أهلا أخرجته؟ فقال: "أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شراً" ويجمع بأنه أتاها صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة فلم يخرجه ثم إنه وجد بعض الألم فأرسل إليه، فأخرجه فزال الألم كله، وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه، ثم قال: "أشعرت يا عائشة أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيته فيه"، قلت: وما ذاك يا رسول الله، قال: "أتاني ملكان"تفسير : فذكره، وروى النسائي في المحاربة من سننه وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع وعبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم والبغوي في تفسيره كلهم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كان رجل يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ له فسحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياماً فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: "حديث : إن رجلاً من اليهود سحرك، عقد لك عقداً في بئر كذا وكذا، أو قال: فطرحه في بئر رجل من الأنصار، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخرجوها فجيء بها فحلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال"تفسير : فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط، وفي رواية: فأتاه ملكان يعوذانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجله فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: كأن الذي يدخل عليه عقد له وألقاه في بئر، فأرسل إليه رجلاً، وفي رواية: علياً رضي الله عنه، فأخذ العقد فوجد الماء قد اصفر، قال: فأخذ العقد فحلها فبرأ، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر له شيئاً ولم يعاتبه فيه، وهذا الفضل لمنفعة المعوذتين كما منح الله به رسوله صلى الله عليه وسلم فكذا تفضل به على سائر أمته، وروى أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح - والنسائي مسنداً أو مرسلاً - قال النووي: بالأسانيد الصحيحة - عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثة مرات - يكفيك كل شيء"تفسير : والأحاديث في فضل هذه السور الثلاث كثيرة جداً، وجعل التعويذ في سورتين إشارة إلى استحباب تكريره، وجعلتا إحدى عشرة آية ندباً إلى تكثيره في تكريره، وقدمت الفلق التي خمس آيات مع ما مضى المناسبات لأن اقترانها بسورة التوحيد أنسب، وشفعها بسورة الناس التي هي ست آيات أنسب، ليكون الشفع بالشفع، والابتداء بالوتر بعد سورة الوتر، وحاصل هذه السورة العظمى في معناها الأبدع الأسمى الاستعاذة بالله بذكر اسمه "الرب" المقتضي للإحسان والتربية بجلب النعم ودفع النقم من شر ما خلق ومن السحر والحسد، كما كان أكثر البقرة المناظرة لها في رد المقطع على المطلع لكونها ثانية من الأول كما أن هذه ثانية من الآخر في ذكر أعداء النبي صلى الله عليه وسلم الحاسدين له على ما أوتي من النعم، وفي تذكيرهم بما منحهم من النعم التي كفروها، وأكثر ذلك في بني إسرائيل الذين كانوا أشد الناس حسداً له صلى الله عليه وسلم، وكان من أعظم ما ضلوا به السحر المشار إليه بقوله تعالى:{أية : واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان}تفسير : [البقرة: 102] حتى قال: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} إلى أن قال:{أية : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم}تفسير : [البقرة: 109] وكان السحر من أعظم ما أثر في النبي صلى الله عليه وسلم من كيدهم حتى أنزل فيه المعوذتان، وكان الساحر له منهم، وقد انقضى ما يسر الله من الكلام على انتظام معانيها بحسب تركيب كلماتها، وبقي الكلام على كلماتها من حيث العدد، فيما تشير إليه من البركات والمدد، هي ثلاث وعشرون كلمة إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة والعشرين من النبوة يأمن من أذى حاسديه، وذلك بالوفاة عند تمام الدين ويأس الحاسدين من كل شيء من الأذى في الدين والدنيا، وخلاص النبي صلى الله عليه وسلم من كل كدر، فإذا ضممت إليها الضمائر وهي خمسة كانت ثماني وعشرين، وهي توازي سنة خمس عشرة من الهجرة، وذلك عند استحكام أمر عمر رضي الله عنه في السنة الثانية من خلافته ببث العساكر وإنفاذه إلى ملك الفرس والروم وتغلغل هيبته في قلوبهم وتضعضع الفرس بغلب العرب على رستم أكبر أمرائهم، والروم بغلبهم على ماهان أعظم رؤسائهم، فاضمحل أمر المنافقين والحاسدين، وأيسوا من تأثير أدنى كيد من أحد من الكائدين، فإذا ضم إليها أربع كلمات البسملة كانت اثنتين وثلاثين، إذا حسبت من أول النبوة وازتها السنة التاسعة عشرة من الهجرة، وفيها كان فتح قيسارية الروم من بلاد الشام، وبفتحها كان فتح جميع بلاد الشام، لم يبق بها بلد إلا وهي في أيدي المسلمين، فزالت عنها دولة الروم، وفيها أيضاً كان فتح جلولاء من بلاد فارس وكان فتحاً عظيماً جداً هدّ أجنادهم وملوكهم، ولذلك سمي فتح الفتوح، وحصل حينئذ أعظم الخزي للفرس والروم الذين هم أحسد الحسدة، لما كان لهم من العزة والقوة بالأموال والرجال، وإن حسبت من الهجرة وازتها سنة انقراض ملك أعظم الحسدة الأكاسرة الذين شقق ملكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل إلى عامله باذان - الذي كان استخلفه على بلاد اليمن - يأمره أن يغزو النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه يقتله سبحانه في ليلة سماها، فلما أتت تلك الليلة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم رسل باذان بذلك، فرجعوا إلى باذان فأخبروه فقال: إن كان صادقاً فسيأتي الخبر في يوم كذا، فأتى الخبر في ذلك اليوم بصدقه صلى الله عليه وسلم فأسلم باذان ومن معه من الأبناء الذين كانوا في بلاد اليمن لم يتخلف منهم أحد، وأوفد منهم وفداً على النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وتولى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهم والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود أنه كان يحك المعوّذتين من المصحف ويقول‏:‏ لا تخلطوا القرآن بما ليس منه، إنهما ليستا من كتاب الله، إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوّذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما‏.‏ قال البزار‏:‏ لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن مسعود‏:‏ ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هاتين السورتين فقال‏:‏ قيل لي فقلت فقولوا كما قلت ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبخاري والنسائي وابن الضريس وابن الأنباري وابن حبان وابن مردويه عن زر بن حبيش قال‏:‏ أتيت المدينة فلقيت أبيّ بن كعب فقلت‏:‏ يا أبا المنذر إني رأيت ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فقال‏:‏ أما والذي بعث محمداً بالحق قد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما وما سألني عنهما أحد منذ سألته غيرك‏.‏ قال‏:‏ قيل لي قل فقلت فقولوا، فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج مسدد وابن مردويه عن حنظلة السدوسي قال‏:‏ قلت لعكرمة‏:‏ إني أصلي بقوم فأقرأ بـ ‏ {‏قل أعوذ برب الفلق‏} ‏ و ‏{‏قل أعوذ برب الناس‏}‏ فقال‏:‏ اقرأ بهما فإنهما من القرآن‏.‏ وأخرج أحمد وابن الضريس بسند صحيح عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قال رجل‏:‏ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فجاءت نزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلتي فلحقني فضرب منكبي فقال‏: {‏قل أعوذ برب الفلق‏}‏ فقلت ‏{‏أعوذ برب الفلق‏}‏ فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأتها معه، ثم قال‏: {‏قل أعوذ برب الناس‏} فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأتها معه‏.‏ قال‏: إذا أنت صليت فاقرأ بهما‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لقد أنزل عليَّ آيات لم ينزل علي مثلهن المعوّذتين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أنزلت علي الليلة آيات لم أر مثلهن قط ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏}‏ و ‏{قل أعوذ برب الناس‏}‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن الضريس وابن الأنباري والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر قال‏:‏ حديث : بينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين الجحفة والأبواء إذ غشينا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوّذ بـ ‏{‏أعوذ برب الفلق‏}‏ و ‏{‏أعوذ برب الناس‏}‏ ويقول‏: "يا عقبة تعوّذ بهما فما تعوذ متعوّذ بمثلهما‏"تفسير : ‏ قال‏:‏ وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة‏. وأخرج ابن سعد والنسائي والبغوي والبيهقي عن أبي حابس الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏"حديث : ‏يا أبا حابس ألا أخبرك بأفضل ما تعوّذ به المتعوّذون‏؟‏ قال‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ {‏قل أعوذ برب الفلق‏}‏ و ‏{‏قل أعوذ برب الناس‏}‏ هما المعوّذتان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عين الجان ومن عين الإِنس فلما نزلت سورة المعوّذتين أخذ بهما وترك ما سوى ذلك‏.‏ وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن ابن مسعود أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يكره عشر خصال‏:‏ الصفرة يعني الخلوق، وتغيير الشيب، وجر الإِزار، والتختم بالذهب، وعقد التمائم والرقى إلا بالمعوذات والضرب بالكعاب، والتبرج بالزينة لغير بعلها، وعزل الماء لغير حله، وفساد الصبي غير محرمه‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الرقى إلا بالمعوذات‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إقرؤوا بالمعوذات في دبر كل صلاة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أ بي شيبة وابن مردويه عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما سأل سائل ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما يعني المعوذتين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يا عقبة اقرأ بـ ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏}‏ و ‏{‏قل أعوذ برب الناس‏} فإنك لن تقرأ أبلغ منهما ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من أحب السور إلى الله ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏}‏ و {‏قل أعوذ برب الناس‏}‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل قال‏:‏ ‏"‏حديث : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فصلى الغداة فقرأ فيها بالمعوذتين، ثم قال‏:‏ يا معاذ هل سمعت‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏: ما قرأ الناس بمثلهن ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي وابن الضريس وابن الأنباري وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ ‏"‏حديث : أخذ منكبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ اقرأ قلت‏:‏ ما أقرأ‏؟‏ بأبي أنت وأمي قال‏: ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏} ثم قال‏: اقرأ قلت‏:‏ بأبي أنت وأمي ما أقرأ‏:‏ قال‏: {قل أعوذ برب الناس‏}‏ ولن تقرأ بمثلهما‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد عن يوسف بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس حديث : أن ثابت بن قيس اشتكى فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض فرقاه بالمعوّذات ونفث عليه، وقال‏:‏ ‏‏"اللهم رب الناس اكشف الباس عن ثابت بن قيس بن شماس" ثم أخذ تراباً من واديهم ذلك يعني بطحان فألقاه في ماء فسقاه‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن عقبة بن عامر الجهني قال‏:‏حديث : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فلما طلع الفجر أذن وأقام ثم أقامني عن يمينه ثم قرأ بالمعوذتين، فلما انصرف قال‏:‏ كيف رأيت‏؟ قلت‏:‏ قد رأيت يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ "فاقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن الأنباري عن قتادة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر‏: "حديث : اقرأ بـ ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏}‏ و ‏{‏قل أعوذ برب الناس‏}‏ فإنهما من أحب القرآن إلى الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم عن عقبة بن عامر قال‏:‏ ‏"حديث : ‏كنت أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته في السفر فقال‏: يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا‏؟ قلت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏}‏ و ‏{‏قل أعوذ برب الناس‏} فلما نزل صلى بهما صلاة الغداة، ثم قال له‏: كيف ترى يا عقبة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب بغلة فحادت به فحبسها وأمر رجلاً أن يقرأ عليها ‏ {‏قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق‏} ‏ فسكنت ومضت‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏"‏حديث : أهدى النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة شهباء فكان فيها صعوبة فقال للزبير‏:‏ اركبها وذللها فكأن الزبير اتقى فقال له‏: أركبها واقرأ القرآن‏.‏ قال‏:‏ ما أقرأ‏؟‏ قال‏:‏ اقرأ ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏} فوالذي نفسي بيده ما قمت تصلي بمثلها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن الأنباري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذتين وتفل أو نفث‏.‏ وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمر قال‏:‏ إذا قرأت {‏قل أعوذ برب الفلق‏} ‏ فقل أعوذ برب الفلق، وإذا قرأت بـ ‏{‏قل أعوذ برب الناس‏}‏ فقل‏:‏ أعوذ برب الناس‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن أبي ضمرة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الثانية التي يوتر بها بـ ‏{‏قل هو الله أحد‏} والمعوذتين‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه رأى في عنق امرأة من أهله سيراً فيه تمائم فقطعه، وقال‏:‏ إن آل عبد الله أغنياء عن الشرك، ثم قال‏:‏ التولة والتمائم والرقى من الشرك، فقالت امرأة‏:‏ إن إحدانا لتشتكي رأسها فتسترقى، فإذا استرقت ظنت أن ذلك قد نفعها، فقال عبد الله إن الشيطان يأتي أحداكن فينخس في رأسها فإذا استرقت حبس، فإذا لم تسترق نحر فلو أن إحداكن تدعو بماء فتنضحه على رأسها ووجهها ثم تقول‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم ثم تقرأ ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ و ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏} ‏ و ‏{‏قل أعوذ برب الناس‏}‏ نفعها ذلك إن شاء الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن زيد بن أسلم قال‏:‏ سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وقال‏:‏ إن رجلاً من اليهود سحرك، والسحر في بئر فلان، فأرسل علياً فجاء به فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية فجعل يقرأ ويحل حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال‏.‏ وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت‏:‏ حديث : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلام يهودي يخدمه يقال له لبيد بن أعصم، فلم تزل به يهود حتى سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذوب ولا يدري ما وجعه، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة نائم إذا أتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه للذي عند رجليه‏:‏ ما وجعه‏؟‏ قال‏:‏ مطبوب‏.‏ قال‏:‏ من طبه‏؟‏ قال‏:‏ لبيد بن أعصم‏.‏ قال‏:‏ بم طبه‏؟‏ قال‏:‏ بمشط وماشطة وجف طلعة ذكر بذي أروان وهي تحت راعوفة البئر‏.‏ فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا ومعه أصحابه إلى البئر فنزل رجل فاستخرج جف طلعة من تحت الراعوفة، فإذا فيها مشط رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مشاطة رأسه، وإذا تمثال من شمع تمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا فيها أبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فأتاه جبريل بالمعوّذتين فقال‏:‏ يا محمد ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏} ‏ وحل عقدة ‏{‏من شر ما خلق‏}‏ وحل عقده حتى فرغ منها وحل العقد كلها وجعل لا ينزع إبرة إلا يجد لها ألماً ثم يجد بعد ذلك راحة، فقيل‏:‏ يا رسول الله لو قتلت اليهودي فقال‏:‏ قد عافاني الله وما وراءه من عذاب الله أشد فأخرجه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل فيه تمثالاً فيه إحدى عشرة عقدة، فأصابه من ذلك وجع شديد، فأتاه جبريل وميكائيل يعوذانه فقال ميكائيل يا جبريل إن صاحبك شاك‏.‏ قال أجل‏.‏ قال‏:‏ أصابه لبيد بن الأعصم اليهودي وهو في بئر ميمون في كدية تحت صخرة الماء‏.‏ قال‏:‏ فما وراء ذلك‏؟‏ قال‏:‏ تنزح البئر ثم تقلب الصخرة فتأخذ الكدية فيها تمثال فيه إحدى عشرة عقدة فتحرق فإنه يبرأ بإذن الله، فأرسل إلى رهط فيهم عمار بن ياسر فنزح الماء فوجدوه قد صار كأنه ماء الحناء، ثم قلبت الصخرة إذا كدية فيها صخرة فيها تمثال فيها إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله يا محمد ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏} ‏ الصبح فانحلت عقدة ‏ {‏من شر ما خلق‏} ‏ من الجن والإِنس فانحلت عقدة ‏ {‏ومن شر غاسق إذا وقب‏}‏ الليل وما يجيء به الليل ‏ {‏ومن شر النفاثات في العقد‏}‏ السحارات المؤذيات فانحلت ‏ {‏ومن شر حاسد إذا حسد‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ صنعت اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فأصابه منه وجع شديد، فدخل عليه أصحابه فخرجوا من عنده وهم يرون أنه ألم به فأتاه جبريل بالمعوّذتين فعوّذه بهما ثم قال‏:‏ بسم الله أرقيك من كل شر يؤذيك ومن كل عين ونفس حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك‏"‏‏. أخرج ابن مردويه عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ‏ {‏قل أعوذ برب الفلق‏} ‏ فقال‏:‏ "‏يا ابن عبسه أتدري ما الفلق‏؟ قلت الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏: بئر في جهنم إذا سعرت جهنم فمنه تسعر، وإنها لتتأذى به كما يتأذى بنو آدم من جهنم‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : أقرأ ‏{‏قل أعوذ بر الفلق‏}‏ هل تدري ما الفلق‏؟‏ باب في النار إذا فتح سعرت جهنم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"حديث : ‏سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله‏:‏ ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏}‏ قال‏: هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون، وإن جهنم لتعوذ بالله منه "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏الفلق جب في جهنم مغطى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن علي وعن آبائه قال‏:‏ الفلق جب في قعر جهنم عليه غطاء، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم من شدة حر ما يخرج منه‏.‏ وأخرج ابن جريرعن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الفلق الصبح‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله تعالى‏‏ ‏ {‏قل أعوذ برب الفلق‏} ‏ قال‏:‏ أعوذ برب الصبح إذا انفلق عن ظلمة الليل‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول‏: شعر : الفارج الهمّ مسدولاً عساكره كما يفرج غم الظلمة الفلق تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الفلق الخلق‏.‏ أخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏حديث : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى القمر لما طلع فقال يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا الغاسق إذا وقب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏ومن شر غاسق إذا وقب‏} ‏ قال‏:‏ النجم هو الغاسق، وهو الثريا "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله‏:‏ {‏ومن شر غاسق إذا وقب‏} ‏ قال‏:‏ كانت العرب تقول الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ حديث : إذا ارتفعت النجوم رفعت العاهة عن كل بلد‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية ‏ {‏ومن شر غاسق إذا وقب‏}‏ قال‏:‏ الليل إذا ذهب‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب رضي الله عنه قال‏:‏ الغاسق سقوط الثريا، والغاسق إذا وقب الشمس إذا غربت‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏ومن شر غاسق إذا وقب‏} ‏ قال‏:‏ الليل إذا أقبل‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ عز وجل ‏ {‏ومن شر غاسق إذا وقب‏}‏ قال‏:‏ الغاسق الظلمة والوقب شدة سواده إذا دخل في كل شيء قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت زهيراً يقول‏:‏ شعر : ظلت تجوب يداها وهي لاهية حتى إذا جنح الإِظلام والغسق تفسير : وقال في الوقب‏:‏ شعر : وقب العذاب عليهم فكأنهم لحقتهم نار السماء فأخمدوا تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏غاسق إذا وقب‏} ‏ قال‏:‏ الليل إذا دخل‏.‏ أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏ومن شر النفاثات‏} ‏ قال‏:‏ الساحرات‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏النفاثات في العقد‏} ‏ قال‏:‏ ما خالط السحر من الرقى‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏النفاثات‏} ‏ قال‏:‏ السواحر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏النفاثات في العقد‏}‏ قال‏:‏ الرقى في عقد الخيط‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وابن مردويه حديث : ‏عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ ‏"أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه يعوده فقال‏:‏ ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل‏؟ قلت بلى، بأبي أنت وأمي‏.‏ قال‏: بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك ‏{‏من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد‏}‏ فرقى بها ثلاث مرات"‏‏ ‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد وجعاً في رأسه فأبطأ على أصحابه ثم خرج إليهم فقال له عمر‏:‏ ما الذي بطأ بك عنا‏؟‏ فقال‏: وجع وجدته في رأس فهبط عليّ جبريل، فوضع يده على رأسي ثم قال‏:‏ بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك أو يصيبك ومن شر كل ذي شر معلن أو مسر، ومن شر الجن والإِنس ‏{‏ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد‏}‏ قال‏:‏ فبرأت ‏"‏‏.‏ تفسير : أخرج ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏ومن شر حاسد إذا حسد‏} ‏ قال‏:‏ هو أول ذنب كان في السماء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ‏{‏ومن شر حاسد إذا حسد‏} ‏ يعني اليهود هم حسدة الإِسلام‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏ومن شر حاسد إذا حسد‏} ‏ قال‏:‏ نفس ابن آدم وعينه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ومن شر حاسد‏} ‏ قال‏:‏ من شر عينه ونفسه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جبريل أتاه وهو يوعك فقال‏:‏ بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من حسد حاسد، وكل عين، اسم الله يشفيك‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أو عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى فأتاه جبريل فقال‏:‏ بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من كل كاهن وحاسد، والله يشفيك‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا يحل الدرجات العلى اللعان ولا منان ولا بخيل ولا باغ ولا حسود ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏حديث : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال‏: يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه في يده الشمال فسلم، فلما كان من الغد، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع الرجل مثل مرته الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأول، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال‏:‏ إني لاحيت أبي فاقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تأويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت قال‏:‏ نعم‏.‏ قال أنس‏:‏ فكان عبد الله يحدث أنه بات معه ثلاث ليال فلم يره يقوم إلا لصلاة الفجر، وإذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبره، ولا يقول إلا خيرا‏ً.‏ فلما مضى الثلاث ليال وكدت احتقر عمله قلت يا عبد الله‏:‏ لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرات، فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فلم أرك تعمل كثير عمل، فلما وليت دعاني فقال‏:‏ ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي غشاً على أحد من المسلمين ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه‏.‏ قال عبد الله‏:‏ فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق‏ .‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : الصلاة نور، والصيام جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن الأصمعي رضي الله عنه قال‏:‏ بلغني أن الله عز وجل يقول‏:‏ الحاسد عدو نعمتي، متسخط لقضائي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب "‏‏.

ابو السعود

تفسير : مختلف فيها، وآيها خمس {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ} الفَلَقُ الصُّبْحُ كالفرقِ لأنَّه يفلقُ عنْهُ الليلُ والفرقُ فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ فإنَّ كُلَّ واحدٍ منَ المفلوقِ والمفلوقِ عنْهُ مفعولٌ وقيلَ هُوَ ما انفلقَ منْ عمودِهِ وقيلَ هُو كُلَّ ما يفلُقُهُ الله تعالَى كالأرضِ عنِ النباتِ والجبالِ عنِ العيونِ والسحابِ عنِ الأمطارِ والحبِّ والنَّوى عما يخرجُ منهُمَا وغيرُ ذلكَ وفِي تعليقِ العياذِ باسمِ الرَّبِّ المضافِ إلى الفلقِ المنبىءِ عنِ النورِ عَقيبَ الظلمةِ والسَّعةِ بعدَ الضيقِ والفتقِ بعدَ الرتقِ عدةٌ كريمةٌ بإعاذةِ العائذِ مِمَّا يعوذُ منْهُ وإنجائِهِ منْهُ وتقويةٌ لرجائِهِ بتذكيرِ بعضِ نظائِرِهِ ومزيدُ ترغيبٍ لَهُ في الجدِّ والاعتناءِ بقرعِ بابِ الالتجاءِ إليهِ تعالَى، وأمَّا الإشعارُ بأنَّ منْ قدرَ أنْ يزيلَ ظلمةَ الليلِ منْ هذَا العالمِ قدرَ أنْ يزيلَ عنِ العائذِ ما يخافُهُ كما قيلَ فَلاَ إذْ لا ريبَ للعائذِ في قدرتِهِ تَعَالَى عَلى ذلكَ حتى يحتاجَ إلى التنبـيهِ عليهَا. {مِن شَرّ مَا خَلَقَ} أَيْ مِنْ شَرِّ ما خلقَهُ منَ الثقلينِ وَغيرِهِما كائناً ما كانَ منْ ذواتِ الطبائعِ والاختيارِ وهَذَا كَمَا تَرَى شَاملٌ لجميعِ الشرورِ فمَنْ توهَم أنَّ الاستعاذةَ هَهُنا من المضارِّ البدنيةِ وأنَّها تعمُّ الإنسانَ وغيرَهُ مِمَّا ليسَ بصددِ الاستعاذةِ ثُمَّ جعلَ عُمومَهَا مَداراً لإضافةِ الربِّ إلى الفلقِ فقدْ نَأَى عنِ الحَقِّ بمراحلَ وإضافةُ الشرِّ إليهِ لاختصاصِهِ بعالمِ الخلقِ المؤسسِ على امتزاجِ الموادِّ المتباينةِ وتفاعلِ كيفياتِهَا المتضادةِ المستتبعةِ للكونِ والفسادِ وأما عالمُ الأمرِ فهُوَ خيرٌ محضٌ منزهٌ عنْ شوائبِ الشرِّ بالمرةِ وقولُهُ تعالَى: {وَمِن شَرّ غَاسِقٍ} تخصيصٌ لبعضِ الشرورِ بالذكرِ معَ اندراجِهِ فيما قبلَهُ لزيادةِ مساسِ الحاجةِ إلى الاستعاذةِ منْهُ لكثرةِ وقوعِهِ ولأنَّ تعيـينَ المستعاذِ منْهُ أدلّ على الاعتناءِ بالاستعاذةِ وأدعَى إلى الإعاذةِ أيْ وَمِنْ شرِّ ليلٍ مُعتكرٍ ظَلامُهُ مِنْ قوله تعالَى: { أية : إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ} تفسير : [سورة الإسراء، الآية 78] وأصْلُ الغسْقِ الامتلاءُ يقالُ غسقتِ العينُ إذا امتلأتْ دمعاً وقيلَ هُوَ السيلانُ وغسقُ الليلِ انصبابُ ظَلامِهِ وغسقُ العينِ سيلانُ دمعِهَا وإضافةُ الشرِّ إلى الليلِ لملابستِهِ لَهُ بحدوثِهِ فيهِ وتنكيرُهُ لعدمِ شمولِ الشرِّ لجميعِ أفرادِهِ ولا لكُلِّ أجزائِهِ وتقيـيدُهُ بقولِهِ تعالَى: {إِذَا وَقَبَ} أيْ دخلَ ظلامُهُ في كُلِّ شيءٍ لأَنَّ حدوثَهُ فيهِ أكثرُ والتحرزَ منْهُ أصعبُ وأعسرُ ولذلكَ قيلَ الليلُ أَخْفَى للويلِ وقيلَ الغاسقُ هُوَ القمرُ إذَا امتلأَ ووقوبُهُ دخولُهُ في الخسوفِ واسودادُهُ لمَا رُوِيَ حديث : عَنْ عائِشَةَ رضيَ الله عنْهَا أنَّها قالتْ أخذَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بـيدي فأشارَ إلى القمرِ فقالَ "تعوذِي بالله تَعَالَى منْ شَرِّ هَذا فإنَّهُ الغاسقُ إذَا وقبَ" تفسير : وقيلَ التعبـيرُ عنِ القمرِ بالغاسقِ لأنَّ جُرْمَهُ مظلمٌ وإنما يستنيرُ بضوءِ الشمسِ ووقوبُهُ المحاقُ في آخرِ الشهرِ والمنجمونَ يعدونَهُ نحساً ولذلكَ لا يشتغلُ السحرةُ بالسحرِ الموروثِ للتمريضِ إلاَّ في ذلكَ الوقتِ قيلَ وهُو المناسبُ لسببِ النزولِ وقيلَ الغاسقُ الثُّريا ووقوبُهَا سقوطُها لأنَّها إذَا سقطتْ كثرتِ الأمراضُ والطواعينُ وقيلَ هُو كلُّ شرَ يعترِي الإنسانَ ووقوبُهُ هجومُهُ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ}[1] قال: إن الله تعالى أمره في هاتين السورتين بالاعتصام والاستعانة به، وإظهار الفقر إليه. قيل: ما إظهار الفقر؟ قال: هو الحال بالحال، لأن الطبع ميت وإظهاره حياته. وقال: أفضل الطهارة أن يطهر العبد من حوله وقوته، وكل فعل أو قول لا يقارنه "لا حول ولا قوة إلا بالله" لا يتولاه الله عزَّ وجلَّ، وكل قول لا يقارنه استثناء عوقب عليه، وإن كان براً، وكل مصيبة لا يقارنها استرجاع لم يثبت عليها صاحبها يوم القيامة. قال: والفلق: الصبح عند ابن عباس رضي الله عنه، وهو عند الضحاك: وادٍ في النار، وعند وهب: بيت في النار، وعند الحسن: جب في النار. وقيل: أراد به جميع الخلق، وقيل: هو الصخور تنفلق عن المياه.

السلمي

تفسير : سئل الواسطى رحمه الله: ما الربوبية فقال: التفرد بإيجاد المفقودات والتوحد بإظهار الخفيات من الموافقة والمخالفة. قال بعضهم فى قوله: {ٱلْفَلَقِ} قال: فلق الملكوت من القلوب فأبداها على الألسنة. قال محمد بن على الترمذى: عطف الله على القلوب خواص عباده المسلمين فقذف النور فيها فانفلق الحجاب وانكشف الغطاء وهو قوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} [الآية: 1]. قال الحسين: أشار الحق إلى جميع خلقه فى معنى القطيعة عنه بكلمة واحدة، وهى من لطائف القرآن {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} و {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} تفسير : [الأنعام: 96]، و{أية : فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} تفسير : [الأنعام: 95]، وفالق البحر لموسى، وفالق الأسماع والأبصار، وفالق القلوب حتى انكشف لها الغيوب، قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : سجد وجهى للذى خلقه وشق سمعه وبصره" تفسير : وفلق الصدور وفتقها وشرحها لتدارك ما جرى فيها من المباشرة إذ فى ذلك صحة الحيرة وصفائها وصفادها. {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} أن يكون مربوطًا فإن علت أحواله وعظمت أخطاره فإن الانقطاع علامته الارتباط بما دونه من خلقه وفلقه.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ}. أي امتنع واعتصم بربِّ الفَلَقَ. والفلقُ الصُّبْحُ. ويقال: هو الخَلْقُ كلُّهم وقيل الفَلَقُ وادٍ في جهنم. {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ}. أي من الشرور كلِّها. {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}. قيل: الليلُ إذا دخَلَ. وفي خبرٍ، أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عائشة ونَظَرَ إلى القمر فقال: "حديث : يا عائشة، تَعَوَّذِي بالله من شرِّ هذا فإنه الغاسقُ إذا وقب ". تفسير : {وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ}. وهن السواحر اللواتي ينفخن في عُقَد الخيط (عند الرُّقية) ويوهمنَّ إدخال الضرْرِ بذلك. {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}. والحَسَدُ شرُّ الأخلاق. وفي السورة تعليمُ استدفاع الشرور من الله. ومَنْ صَحَّ توكُّلُه على الله فهو الذي صحَّ تحقُّقُه بالله، فإذا توكَّلَ لم يُوَفِّقْه اللَّهُ للتوكُّلِ إلاَّ والمعلومُ من حاله أنه يكفيه ما توكَّلَ به عليه؛ وإنَّ العبدَ به حاجةٌ إلى دَفْعِ البلاء عنه - فإن أخَذَ في التحرُّز من تدبيره وحَوْله وقُوَّته، وفَهْمِه وبصيرته في كلِّ وقتٍ استراح من تعب تردُّدِ القلبِ في التدبير، وعن قريبٍ يُرَقَّى إلى حالة الرضا.. كُفِيَ مُرَادَه أم لا. وعند ذلك الملك الأعظم، فهو بظاهره لا يفتر عن الاستعاذه، وبقلبه لا يخلو من التسليم والرضا.

البقلي

تفسير : فى هذه الكلمة سرائر حبيبه بالاستعاذة به ثم ذكر وصف تربيته بقوله رب ثم ذكر وصفه وصفاته ---------الفلق والفلق الطلاق صحور العارفين بمياه المحبة والمعرفة من تاثير انكشف سبحات الغيرة ----مشاهدة وطلوع صباح --------الاحدية امره بالاستعاذة به منه حتى لا يكون بين الرسل والفصل محجوبا عن عين -----دراك حقيقة الحقيقة بعوارض البشرية.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل اعوذ برب الفلق} الفلق الصبح لانه يفلق عنه الليل ويفرق فهو من باب الحذف والايصال فعل بمعنى مفعول كالصمد والقبض بمعنى المصمود اليه والمقبوض كما مر فان كل واحد من المفلوق والمفلق عنه مفعول وذلك انما يتحقق بأن يكون الشئ مستورا ومحجوبا بآخر ثم يشقق الحجاب الساتر عن وجه المستور ويزول فيظهر ذلك المستور وينكشف بسبب زواله وذلك الحجاب المشقق مفلوق والمحجوب المنكشف بزواله مفلوق عنه والصبح صار مفلوقا عنه بازالة ما عليه من ظلمة الليل يقال فى المثل هو أبين من فلق الصبح والفلق ايضا الخلق لان الممكنات بأسرها كانت اعيانا ثابتة فى علم الله مستورة تحت ظلمة العدم فالله تعالى فلق تلك اللظلمات بنور التكوين والايجاد فاظهر ما فى علمه من المكونات فصارت مفلوقا عنها وفى تعليق العياذ باسم الرب المضاف الى الفلق المنبئ عن النور عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق والفتق بعد الرتق عدة كريمة باعادة العائد مما يعوذ منه وانجائه منه وتقوية لرجائه لتذكير بعض نظائره ومزيد ترغيب له فى الجد والاعتناء بقرع باب الالتجاء اليه والاعاذة بربه قالوا اذا طلع الصبح تتبدل الثقلة بالخفة والغم بالسرور روى ان يوسف عليه السلام لما ألقى فى الجب وجعت ركبته وجعا شديدا فبات ليلته ساهرا فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل باذن الله تعالى يسأله ويأمره بان يدعو ربه فقال يا جبريل ادع انت واؤ من فدعا جبريل وامن يوسف عليهما السلام فكشف الله تعالى ما كان به من الضر فلما طاب وقت يوسف قال يا جبريل وانا ادعو ايضا وتؤمن أنت فسأل يوسف ربه ان يكشف الضر عن جميع أهل البلاء فى ذلك الوقت فلا جرم ما من مريض الا ويجد نوع خفة فى آخرا لليل وعن بعض الصحابة رضى الله عنهم انه قدم الشأم فرأى دور أهل الذمة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم به من دنياهم فقال لا أبالى اليس من ورآئهم الفلق فقيل وما الفلق قال بيت فى جهنم اذا فتح صاح جميع أهل النار.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قلْ} يا محمد {أعوذُ بربِّ الفلقِ} أي: أتحصّن وأستجيرُ برب الفلق. والفلق: الصُبح، كالفرق، لأنه يفلق عنه الليل, فعل بمعنى مفعول. وقيل: هو كل ما يفلقه الله تعالى، كالأرض عن النبات, والجبال عن العيون، والسحاب عن الأمطار، والحب والنوى عما يخرج منهما، والبطون والفروج عما يخرج منهما، وغير ذلك مما يفلق ويخرج منه شيء. وقيل: هو جب في جهنم. وفي تعليق العياذ بالرب، المضاف إلى الفلق، المنبىء عن النور بعد الظلمة, وعن السعة بعد الضيق، والفتق بعد الرتَق، عِدَة كريمة بإعاذة العامة مما يتعوّذ منه، وإنجائه منه وفَلْق ما عقد له من السحر وانحلاله عنه، وتقوية رجائه بتذكير بعض نظائره, ومزيد ترغيب في الاعتناء بقرع باب الالتجاء إلى الله تعالى. ثم ذكر المتعوَّذ منه فقال: {من شرِّ ما خَلَقَ} من الثقلين وغيرهم، كائناً ما كان، وهذا كما ترى شامل لجميع الشرور الجمادية، والحيوانية، والسماوية، كالصواعق وغيرها. وإضافة الشر إليه ـ أي: إلى كل ما خلق ـ لاختصاصه بعالَم الخلق، المؤسس على امتزاج المراد المتباينة، وتفاصيل كيفياتها المتضادة المستتبعة للكون والفساد في عالَم الحكمة، وأمّا عالَم الأمر فهو منزّه عن العلل والأسباب، والمراد به: كن فيكون. وقوله تعالى: {ومن شر غَاسِقٍ إِذا وَقَبَ} تخصيص لبعض الشرور بالذكر، بعد اندراجه فيما قبله، لزيادة مساس الحاجة إلى الاستعاذة منه، لكثرة وقوعه، أي: ومن شر الليل إذا أظلم واشتد ظلامه، كقوله تعالى: {أية : إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ}تفسير : [الإسراء:78]. وأصل الغسق: الامتلاء. يقال: غسقت عينيه إذا امتلأت دمعاً, وغَسَقُ الليل: انضباب ظلامه. وقوله: {إذا وقب} أي: دخل ظلامه، وإنما تعوَّذ من الليل لأنه صاحب العجائب، وقيل: الغاسق: القمر، ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده، لِما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدي، وقال: " حديث : تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب " تفسير : . وقيل: وقوب القمر: محاقه في آخر الشهر، والمنجِّمون يعدونه نحساً، ولذلك لا تستعمل السحرةُ السحرَ المُورث للمرض إلاَّ في ذلك الوقت، قيل: وهو المناسب لسبب النزول. وقيل: الغاسق: الثريا, ووقوبها: سقوطها، لأنها إذا سقطت كثرت الأمراض والطواعين. وقيل: هو كل شر يعتري الإنسان، ووقوبه هجومه، فيدخل فيه الذكَر عند الشهوة المحرمة وغيره. {ومن شر النفاثاتِ في العُقَد} أي: ومن شر النفوس, أو: النساء النفاثات، أي: السواحر اللاتي يعقدن عقداً في خيوط، وينفثن عليها، والنفث: النفخ مع ريق، وقيل: بدون ريق، وتعريفها إمّا للعهد الذهني، وهن بنات لَبِيد، أو: للجنس، لشمول جميع أفراد السواحر, وتدخل بنات لَبيد دخولاً أولياً. {ومن شر حاسدٍ إِذا حَسَدَ} إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه، بترتيب مقدمات الشر، ومبادىء الإضرار بالمحسود، قولاً وفعلاً، والتقييد بذلك؛ لأنَّ ضرر الحسد قبله إنما يحيق بالحاسد، وقد تكلم ابن جزي هنا على الحسد بكلام نقلناه في سورة النساء، فانظره فيه. الإشارة: الفلق هو النور الذي انفلق عنه بحر الجبروت، وهي القبضة المحمدية، التي هي بذرة الكائنات، فأمر الله بالتعوُّذ بربها الذي أبرزها منه، من شر كل ما يشغل عن الله، من سائر المخلوقات، ومن شر ما يهجم على الإنسان، ويقوم عليه من نفسه وهواه وغضبه وسخطه، ومن شر ما يكيده من السحرة أو الحُساد. والحسد مذموم عند الخاص والعام، فالحسود لا يسود. وحقيقة الحسد: الأسف على الخير عند الغير، وتمني زواله عنه، وأمّا تمني مثله مع بقائه لصاحبه فهي الغِبطة، وهي ممدوحة في الكمالات، كالعلم والعمل، والذوق والحال. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الطوسي

تفسير : روى قتيبة إمالة {حاسد}. هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله ومتوجه إلى جميع الخلق المكلفين بان يستعيذوا من شر ما خلق، فالفلق الصبح - في قول ابن عباس والحسن وسعيد ابن جبير وجابر ومجاهد وقتادة وابن زيد - وفي رواية عن ابن عباس: إن الفلق الخلق. وقال قوم من أهل اللغة: الفلق الخلق، لأنه مفلوق. ومنه {أية : فالق الإصباح}تفسير : و {أية : فالق الحب والنوى}تفسير : وقيل للداهية فلقة، لانها تفلق الظهر وأصل الفلق الفرق الواسع من قولهم: فلق رأسه بالسيف يفلقه فلقاً إذا فرقه فرقاً واسعاً. ويقال: أبين من فلق الصبح، لأن عموده ينفلق بالضياء عن وفرق الصبح الظلام. وقيل له فجر لانفجاره بذهاب ظلامه. وقوله {من شر ما خلق} عام في جميع ما خلقه الله فأنه ينبغى أن يستعاذ من شره ممن يجوز أن يحصل منه الشر، وقيل: المراد من شر الاشياء التي خلقها مثل السباع والهوام والشياطين وغير ذلك. وقوله {ومن شر غاسق إذا وقب} قال ابن عباس والحسن ومجاهد: من شر الليل إذا دخل بظلامه، وقيل: الغاسق كل هاجم بضرر كائناً ما كان، فالغاسق في اللغة هو الهاجم بضرره، وهو هنا الليل، لانه يخرج السباع من آجامها والهوام من مكامنها، وأصله الجريان بالضرر من قولهم: غسقت القرحة إذا جرى صديدها. والغساق صديد أهل النار لسيلانه بالعذاب، وغسقت عينه غسقاناً إذا جرى دمعها بالضرر في الخلق. والليل غاسق لجريانه بالضرر في اخراج السباع وقال كعب: الغسق بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حرّه، ومعنى {وقب} دخل، وقب يقب وقوباً إذا دخل. ومنه الوقبة النقرة، لأنه يدخل فيها. وقوله {ومن شر النفاثات في العقد} قال الحسن وقتادة: يعني السحرة الذين كل ما عقدوا عقداً نفثوا فيه، وهو شبيه بالنفخ، فأما الثفل فنفخ بريق، فهذا الفرق بين النفث والتفل، قال الفرزدق: شعر : هما نفثا في فيّ من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام تفسير : وقيل في شر النفاثات قولان: أحدهما - إيهامهم أنهم يمرضون ويعافون، ويجوز ذلك مما يخيل رأي الانسان من غير حقيقة لما يدعون من الحيلة بالاطعمة الضارة والامور المفسدة. الثاني - أنه بضرب من خدمة الجن يمتحن الله تعالى بتخليتهم بعض الناس دون بعض. ولا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله سحر على ما رواه القصاص الجهال، لأن من يوصف بأنه مسحور، فقد خبل عقله. وقد أنكر الله تعالى ذلك فى قوله {أية : وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً}تفسير : ولكن قد يجوز أن يكون بعض اليهود اجتهد في ذلك فلم يقدر عليه، فأطلع الله نبيه على ما فعله حتى استخرج ما فعلوه من التمويه، وكان دلالة على صدقه ومعجزة له. وقوله {ومن شر حاسد إذا حسد} فالحاسد هو الذي يتمنى زوال النعمة عن صاحبها، وإن لم يردها لنفسه. والغبطة أن يريد من النعمة لنفسه مثل ما لصاحبه وأن لم يرد زوالها عنه، فالغبطة محمودة والحسد مذموم. وفي السورة ما يستدفع به الشرور باذن الله على تلاوة ذلك بالاخلاص فيه، والاتباع لأمر الله. وكان النبي صلى الله عليه وآله كثيراً ما يعوّذ به الحسن والحسين وبهاتين السورتين. وقيل إن اللواتي سحرن النبي صلى الله عليه وآله بنات لبيد بن أعصم اليهودي، سحرنه في أحدى عشرة عقدة، فأنزل الله تعالى السورتين، وهما أحدى عشرة آية فحل بكل آية عقدة.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} يعنى قل يا محمّد (ص) اذا تنزّلت الى مقام بشريّتك وصرت بحال تتأثّر ممّا يرد عليك اذا لم يكن ملائماً لك ويؤثّر فيك تصرّفات الخلق وسحرهم اعوذ بربّ الفلق يعنى أنشئ العوذ بهذه الكلمة او اخبر من عوذى بهذه الكلمة حتّى تكون بذلك العوذ محفوظاً من شرّ الاشرار، والفلق محرّكة الصّبح، او ما انفلق من عموده، او الفجر، او الخلق كلّهم او جهنّم اوجب فيها، والمناسب ان يكون الاستعاذة فى حال نزوله (ص) الى مقام البشريّة الى ربّ الصّبح منتظراً لطلوعه وذهاب ظلمة ليلة بشريّته.

فرات الكوفي

تفسير : قال أبو الخير [مقداد بن علي] حدثنا أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان العلوي الحسني قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرو [ب: عمر] الخراز (الخزاز) قال: حدثنا إبراهيم - يعني ابن محمد بن ميمون - عن عيسى يعنى ابن محمد عن [أبيه عن] جده: عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال:حديث : سحر لبيد بن أعصم اليهودي وأم عبد الله اليهودية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عقد من قز أحمر وأخضر وأصفر فعقدوه له في إحدى عشر عقدة ثم جعلوه في جف من طلع - قال: يعني قشور اللوز [ر: الكف!]- ثم أدخلوه في بئر بوادٍ [أ: وادى] في المدينة [أ: بالمدينة] في مراقي البئر تحت راعوفة - يعني الحجر الخارج - فأقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب ولا يسمع ولا يبصر ولا يأتي النساء!!! فنزل عليه جبرئيل عليه السلام ونزل معه بالمعوذتين [ن: بالمعوذات] فقال له: يا محمد ما شأنك؟ قال: ما أدري أنا بالحال الذي ترى! فقال: إن [ر: قال: فإن] أم عبد الله ولبيد بن أعصم سحراك، وأخبره بالسحر [و] حيث هو. ثم قرأ جبرئيل عليه السلام: {بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق} فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فانحلت عقدة ثم لم يزل يقرأ آية ويقرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتنحل عقدة حتى أقرأها عليه إحدى عشر آية وانحلت إحدى عشر عقدة وجلس النبي ودخل أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره بما جاء به [ر: أخبره] جبرئيل [به. ر] وقال [له. ب]: انطلق فاتني بالسحر فخرج علي فجاء به فأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنقض ثم تفل [أ: ثقل] عليه وأرسل إلى لبيد بن أعصم وأم عبدالله اليهودية فقال: ما دعاكم إلى ما صنعتم؟! ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على لبيد وقال: لا أخرجك الله من الدنيا سالماً قال: وكان موسراً كثير المال فمر به غلام يسعى في أذنه قرط قيمته دينار فجاذبه فخرم أذن الصبي فأخذ وقطعت يده فمات من وقته [ب، ر: وقتها] .

الأعقم

تفسير : {قل أعوذ برب الفلق} قيل: كل موضع من القرآن فيه قل فإنه يقدمه سؤال كقوله: يسألونك عن الأنفال ونظائرها والخطاب لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي قل يا محمد، والمراد جميع أمته {أعوذ} أمتنع وأعتصم {برب الفلق} الصبح، ومنه فالق الاصباح، وقيل: الفجر، وقيل: شجر في جهنم، وقيل: الفلق بيت في النار إذا فتح صاح جميع من في النار من شدة حرته، وقيل: الفلق جميع الخلق، وقيل: جب في جهنم، وقيل: وادي في جهنم، وقيل: الحب والنوى يتعلق بالنبات {من شر ما خلق} أي من شر جميع الخلق، وقيل: ما بمعنى المصدر أي من شر خلقه، وقيل: من شر ذي شر مما خلق والجن والانس والسباع والطيور والهوام، وقيل: هو استعاذة من كل مكروه فانه ينزل كل شر في الدين والدنيا من علماء السوء وأهل البدع، فأمر بالاستعاذة من الجميع {ومن شر غاسق إذا وقب} أي من شر الليل إذا دخل بظلامه، سمي بذلك لظلمته، والمراد ما يحدث في الليل من الشر والمكروه، وخصّ الليل بالذكر لأنَّ الغالب من الشرّ يقع فيه، والغساق يقدمون على الجنايات فيه ليلاً وكذلك السباع والهوام، أما الناس والسباع وكثير من الانس والجن فشرهم في الليل والظلمة، وقيل: الغاسق القمر، وقيل: الثريا إذا سقطت وكانت الاشعاع تكثر في ذلك الوقت وترتفع إذا طلعت {ومن شر النفاثات في العقد} قيل: السحر، وذكر ابو مسلم أن النفاثات في العقد هي النساء {ومن شر حاسد إذا حسد} قيل: لأنه عند الحسد يبتغ الغوائل ويتمنى زوال النعمة فأمر بالتعويذ منه.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الفلق، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الفلق سجن في جهنم تفسير : . وقال جابر بن عبد الله: الفلق فلق الصبح. وقال الحسن مثله، وكل شيء تفلق من الحب والنوى للنبات. {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} أي: ومن شر الليل إذا أطبق. قال بعضهم: عن ابن عباس في قوله تعالى: (أية : إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) تفسير : [الإِسراء:78] أي اجتماع الليل وظلمته. ذكر ذلك داود بن حصين عن ابن عباس. وقال بعضهم: بدو الليل. قال تعالى: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} وهن السواحر ينفثن في العقد للسحر. قال تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} يحيى عن الحسن بن دينار عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : غُمّوا هذا الحسد بينكم فإنه من الشيطان، وإنه ما من أحد إلا وهو يعرض له منه شيء، وإنه ليس بضائر عبداً لم يَعْدُ بلسان أو يد .

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ} سجن في جهنم وعن ابن عباس وغيره جب في جهنم وقال الأكثرون الصبح ينفلق عنه الليل وهو رواية عن ابن عباس وهو تفسير جابر بن عبد الله وسبب تخصيصه تغيير الحال وتبديل وحشة الليل بسرور النهار وهو كالمثال لمجيء الفرح ومن قدر أن يزيل بالصبح ظلمة الليل قادر على إزالة المخوف، قيل وفيه محاكاة لفاتحة يوم القيامة وقيل خص الصباح لأنه وقت إجابة الملهوفين ودعاء المضطرين وقيل واد في جهنم إذا فتح استعاذ منه ليلها كلهم لشدة حره وقيل الخلق ونسب لابن عباس مثل الثقلين والملائكة والدواب والطير والعيون والأمطار والنبات انفلقا عنه بحر العدم وعلى كل حال هو فعل بفتح الفاء والعين بمعنى مفلوق عنه أي مكشوف عنه فإن بحر العدم يفلق عن الموجودات. وقال الحسن ما تفلق من الحب والنوى ولفظ الرب هنا أوقع من سائر أسمائه لأن المعاذ من المضار تربية وقدم بعض أصحابه الشام فرأى دور أهل الذمة وما هم فيه من سعة العيش فقال لا أبا لي أليس من وراءهم الفلق فقيل وما الفلق فقال بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أعُوذُ} ألتجىء. {بِرَبِّ الْفَلَقِ} أل للاستغراق والفلق بمعنى مفلوق على الحذف والإيصال والمعنى المفلوق عنه ومن ذلك بلا حذف وأيصال قصص بمعنى مقصوص، أى رب المخلوقات كلها والعدم كالشىء المغطى لها شقه الله فأوجدهن فى الماضى ويوجدهن فى الحال والاستقبال أجساماً وأعراضاً وكل موجود فلقه الله من العدم حال خلقه فلق الله العرش أخرجه عن العدم وفلق الله السماوات والأَرضين أوجدهن من العدم ثم فلق الأَرض عن النبات والعيون وفلق الجبال عن الشجر والعيون وقد قيل الفلق الخلق أى أعوذ برب جميع المخلوقات وفلق الله الإنسان عن فعاله أى أصدرها منه أى خلقها وفلق الصباح عن الليل ويقال فلق الليل عن الصبح كما يقال سلخت الجلد عن الشاة والشاة عن الجلد، وروى موقوفاً عن ابن عباس الفلق جب فى جهنم، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً سجن فى جهنم يحبس فيه المتكبرون والجبارون وإن جهنم لتعوذ منه بالله تعالى، وعن عمر بن عنبسة مرفوعاً أيضاً الفلق بئر فى جهنم فإذا سعرت البئر منها سعرت جهنم وان جهنم تتأذى منه كما يتأَذى منه آدم بجهنم، وعن كعب موقوفاً بيت فى جهنم إذا فتح صاح أهل النار من شدة حره، وعن الكلبى واد فى جهنم، وقيل هو جهنم قيل خص بالفلق على معنى البيت أو البئر فى النار بالذكر لأنه مسكن اليهود رأى بعض الصحابة سعة عيش أهل الذمة فى الشام فقال لا أُبالى أليس وراءَهم الفلق وفسر بأَحدهما وناسب سحر اليهود له - صلى الله عليه وسلم - فى بئر دوران، والصحيح التفسير الأَول بالعموم.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَعُوذُ } أي ألتجيء وأعتصم وأتحرز {بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } فَعَل بمعنى مفعول صفة مشبهة كقصص بمعنى مقصوص من فلق شق وفرق وهو يعم جميع الموجودات الممكنة فإنه تعالى فلق [ظلمة العدم] بنور الإيجاد عنها سيما ما يخرج من أصل كالعيون من الجبال والأمطار من السحاب والنبات من الأرض والأولاد من الأرحام، وخص عرفاً بالصبح وإطلاقهم المفلوق عليه مع قولهم فلق الله تعالى الليل عن الصبح على نحو إطلاق المسلوخ على الشاة مع قولهم سلخت الجلد من الشاة وتفسيره بالمعنى العام أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس ولفظه الفلق الخلق وأخرج الطستي عنه أنه فسره بالصبح وأنشد رضي الله تعالى عنه قول زهير: شعر : الفارج الهم مسد ولا عساكره كما يفرج غم الظلمة الفلق تفسير : وهو مروي عن جابر بن عبد الله ومجاهد وقتادة وابن جبير والقرطبـي وابن زيد، وعليه فتعليق العياذ باسم الرب المضاف إلى الفلق المنبىء عن النور عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق، والفتق بعد الرتق عدة كريمة بإعاذة العائذ مما يعوذ منه وإنجائه / منه وتقوية لرجائه بتذكير بعض نظائره ومزيد ترغيب له في الجد والاعتناء بقرع باب الالتجاء إليه عز وجل. وقيل إن في تخصيص الفلق بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة فالدور كالقبور والنوم أخو الموت والخارجون من منازلهم صباحاً منهم من يذهب لنضرة وسرور ومنهم من يكون من مطالبة ديون في غموم وشرور إلى أحوال أخر تكون للعباد هي أشبه شيء بما يكون لهم في المعاد. وفي «تفسير القاضي» ((أن لفظ الرب هٰهنا أوقع من سائر الأسماء - أي التي يجوز إضافتها إلى (الفلق) على ما قيل - لأن الإعاذة من المضار تربية)) وهو على تعميم الفلق ظاهر لشموله للمستعيذ والمستعاذ منه وعلى تخصيصه بالصبح قيل لأنه مشعر بأنه سبحانه قادر مغير للأحوال مقلب للأطوار فيزيل الهموم والأكدار. وقال الرئيس بن سينا بعد أن حمل (الفلق) على ظلمة العدم المفلوقة بنور الوجود: إن في ذكر الرب سراً لطيفاً من حقائق العلم وذلك أن المربوب لا يستغني في شيء من حالاته عن الرب كما يشاهد في الطفل ما دام مربوباً ولما كانت الماهيات الممكنة غير مستغنية عن إفاضة المبدأ الأول لا جرم ذكر لفظ الرب للإشارة إلى ذلك، وفيه إشارة أخرى من خفيات العلوم وهو أن العوذ والعياذ في اللغة عبارة عن الالتجاء إلى الغير فلما أمر بمجرد الالتجاء إلى الغير وعبر عنه بالرب دل ذلك على أن عدم الحصول ليس لأمر يرجع إلى المستعاذ به المفيض للخيرات بل لأمر يرجع إلى قابلها فإن من المقرر أنه ليس شيء من الكمالات وغيرها مبخولاً به من جانب المبدأ الأول سبحانه بل الكل حاصل موقوف على أن يصرف المستعد جهة قبوله إليه وهو المعنى بالإشارة النبوية حديث : إن لربكم في أيام دهركم نفحات من رحمته ألا فتعرضوا لهاتفسير : بَيَّنَ أن نفحات الألطاف دائمة وإنما الخلل من المستعد انتهى. وفي رواية عن ابن عباس أيضاً وجماعة من الصحابة والتابعين أن (الفلق) جب في جهنم وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } قال هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون وإن جهنم لتعوذ بالله تعالى منهتفسير : وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن عنبسة قال حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } فقال يا ابن عنبسة أتدري ما الفلق؟ قلت الله ورسوله أعلم قال بئر في جهنم فإذا سعرت البئر فمنها تسعر جهنم وإن جهنم لتتأذى منه كما يتأذى ابن آدم من جهنمتفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن كعب قال الفلق بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من شدة حره وعن الكلبـي أنه واد في جهنم وقيل هو جهنم. وهو على ما في «الكشاف» ((من قولهم لما اطمأن من الأرض الفلق والجمع فلقان)) كخلق وخلقان وتخصيصه بالذكر قيل لأنه مسكن اليهود فعن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرأى دور أهل الذمة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم فقال لا أبالي أليس من ورائهم الفلق؟ وفسر بما روى آنفاً عن كعب، ومنهم الذي سحر النبـي صلى الله عليه وسلم ففي تعليق العياذ بالرب مضافاً إليه عدة كريمة بإعاذته صلى الله عليه وسلم من شرهم ولا يخفى أن هذا مما لا يثلج الصدر وأظن ضعف الأخبار السالفة ويترجح في نظري المعنى الأول للفلق.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة والتي بعدها توجيه من الله ـ سبحانه وتعالى ـ لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابتداء وللمؤمنين من بعده جميعاً، للعياذ بكنفه، واللياذ بحماه، من كل مخوف: خاف وظاهر، مجهول ومعلوم، على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل.. وكأنما يفتح الله ـ سبحانه ـ لهم حماه، ويبسط لهم كنفه، ويقول لهم، في مودة وعطف: تعالوا إلى هنا. تعالوا إلى الحمى. تعالوا إلى مأمنكم الذي تطمئنون فيه. تعالوا فأنا أعلم أنكم ضعاف وأن لكم أعداء وأن حولكم مخاوف وهنا.. هنا الأمن والطمأنينة والسلام.. ومن ثم تبدأ كل منهما بهذا التوجيه. {قل: أعوذ برب الفلق}.. {قل: أعوذ برب الناس}.. وفي قصة نزولها وقصة تداولها وردت عدة آثار، تتفق كلها مع هذا الظل الذي استروحناه، والذي يتضح من الآثار المروية أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ استروحه في عمق وفرح وانطلاق: عن عقبة ـ ابن عامر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: حديث : ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يُر مثلهن قط؟ قل: أعوذ برب الفلق وقل: أعوذ برب الناس ". تفسير : وعن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : اقرأ يا جابر. قلت ماذا بأبي أنت وأمي؟ قال: اقرأ. قل أعوذ برب الفلق. وقل أعوذ برب الناس"تفسير : فقرأتهما. فقال: "حديث : اقرأ بهما فلن تقرأ بمثلهما ".. تفسير : وعن ذر بن حبيش قال: سألت أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ عن المعوذتين. قلت: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا (وكان ابن مسعود لا يثبتهما في مصحفه ثم ثاب إلى رأي الجماعة وقد أثبتهما في المصحف) فقال: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "حديث : قيل لي: قل. فقلت"تفسير : . فنحن نقول كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكل هذه الآثار تشي بتلك الظلال الحانية الحبيبة.. وهنا في هذه السورة يذكر الله ـ سبحانه ـ نفسه بصفته التي بها يكون العياذ من شر ما ذكر في السورة. {قل أعوذ برب الفلق}.. الفلق من معانيه الصبح، ومن معانيه الخلق كله. بالإشارة إلى كل ما يفلق عنه الوجود والحياة، كما قال في الأنعام: {أية : إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي}.. تفسير : وكما قال: {أية : فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً }.. تفسير : وسواء كان هو الصبح فالاستعاذة برب الصبح الذي يؤمّن بالنور من شر كل غامض مستور، أو كان هو الخلق فالاستعاذة برب الخلق الذي يؤمّن من شر خلقه، فالمعنى يتناسق مع ما بعده.. {من شر ما خلق}.. أي من شر خلقه إطلاقاً وإجمالاً. وللخلائق شرور في حالات اتصال بعضها ببعض. كما أن لها خيراً ونفعاً في حالات أخرى. والاستعاذة بالله هنا من شرها ليبقى خيرها. والله الذي خلقها قادر على توجيهها وتدبير الحالات التي يتضح فيها خيرها لا شرها! {ومن شر غاسق إذا وقب}.. والغاسق في اللغة الدافق، والوقب النقرة في الجبل يسيل منها الماء. والمقصود هنا ـ غالباً ـ هو الليل وما فيه. الليل حين يتدفق فيغمر البسيطة. والليل حينئذ مخوف بذاته. فضلاً على ما يثيره من توقع للمجهول الخافي من كل شيء: من وحش مفترس يهجم. ومتلصص فاتك يقتحم. وعدو مخادع يتمكن. وحشرة سامة تزحف. ومن وساوس وهواجس وهموم وأشجان تتسرب في الليل، وتخنق المشاعر والوجدان، ومن شيطان تساعده الظلمة على الانطلاق والإيحاء. ومن شهوة تستيقظ في الوحدة والظلام. ومن ظاهر وخاف يدب ويثب، في الغاسق إذا وقب! {ومن شر النفاثات في العقد}.. والنفاثات في العقد: السواحر الساعيات بالأذى عن طريق خداع الحواس، خداع الأعصاب، والإيحاء إلى النفوس والتأثير والمشاعر. وهن يعقدن العقد في نحو خيط أو منديل وينفثن فيها كتقليد من تقاليد السحر والإيحاء! والسحر لا يغير من طبيعة الأشياء؛ ولا ينشئ حقيقة جديدة لها. ولكنه يخيل للحواس والمشاعر بما يريده الساحر. وهذا هو السحر كما صوره القرآن الكريم في قصة موسى عليه السلام: سورة طه {أية : قالوا: يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى. قال: بل ألقوا. فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. فأوجس في نفسه خيفة موسى. قلنا: لا تخف إنك أنت الأعلى. وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى.. }. تفسير : وهكذا لم تنقلب حبالهم وعصيهم حيات فعلاً، ولكن خيل إلى الناس ـ وموسى معهم ـ أنها تسعى إلى حد أن أوجس في نفسه خيفة، حتى جاءه التثبيت. ثم انكشفت الحقيقة حين انقلبت عصا موسى بالفعل حية فلقفت الحبال والعصي المزروة المسحورة. وهذه هي طبيعة السحر كما ينبغي لنا أن نسلم بها. وهو بهذه الطبيعة يؤثر في الناس، وينشئ لهم مشاعر وفق إيحائه.. مشاعر تخيفهم وتؤذيهم وتوجههم الوجهة التي يريدها الساحر، وعند هذا الحد نقف في فهم طبيعة السحر والنفث في العقد.. وهي شر يستعاذ منه بالله، ويلجأ منه إلى حماه. وقد وردت روايات ـ بعضها صحيح ولكنه غير متواتر ـ أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة قيل أياماً، وقيل أشهراً.. حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء وهو لا يأتيهن في رواية، وحتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله في رواية، وأن السورتين نزلتا رقية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما استحضر السحر المقصود ــ كما أخبر في رؤياه ـ وقرأ السورتين انحلت العقد، وذهب عنه السوء. ولكن هذه الروايات تخالف أصل العصمة النبوية في الفعل والتبليغ، ولا تستقيم مع الاعتقاد بأن كل فعل من أفعاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكل قول من أقواله سنة وشريعة، كما أنها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه مسحور، وتكذيب المشركين فيما كانوا يدعونه من هذا الإفك. ومن ثم تستبَعد هذه الروايات.. وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة. والمرجع هو القرآن. والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد. وهذه الروايات ليست من المتواتر. فضلاً على أن نزول هاتين السورتين في مكة هو الراجح. مما يوهن أساس الروايات الأخرى. {ومن شر حاسد إذا حسد}.. والحسد انفعال نفسي إزاء نعمة الله على بعض عباده مع تمني زوالها. وسواء أتبع الحاسد هذا الانفعال بسعي منه لإزالة النعمة تحت تأثير الحقد والغيظ، أو وقف عند حد الانفعال النفسي، فإن شراً يمكن أن يعقب هذا الانفعال. ونحن مضطرون أن نطامن من حدة النفي لما لا نعرف من أسرار هذا الوجود، وأسرار النفس البشرية، وأسرار هذا الجهاز الإنساني. فهنالك وقائع كثيرة تصدر عن هذه الأسرار، ولا نملك لها حتى اليوم تعليلاً.. هنالك مثلاً ذلك التخاطر على البعد. وفيه تتم اتصالات بين أشخاص متباعدين. اتصالات لا سبيل إلى الشك في وقوعها بعد تواتر الأخبار بها وقيام التجارب الكثيرة المثبتة لها. ولا سبيل كذلك لتعليلها بما بين أيدينا من معلومات. وكذلك التنويم المغناطيسي. وقد أصبح الآن موضعاً للتجربة المتكررة المثبتة. وهو مجهول السر والكيفية.. وغير التخاطر والتنويم كثير من أسرار الوجود وأسرار النفس وأسرار هذا الجهاز الإنساني.. فإذا حسد الحاسد، ووجه انفعالاً نفسياً معيناً إلى المحسود فلا سبيل لنفي أثر هذا التوجيه لمجرد أن ما لدينا من العلم وأدوات الاختبار، لا تصل إلى سر هذا الأثر وكيفيته. فنحن لا ندري إلا القليل في هذا الميدان. وهذا القليل يُكشف لنا عنه مصادفة في الغالب، ثم يستقر كحقيقة واقعة بعد ذلك! فهنا شر يستعاذ منه بالله، ويستجار منه بحماه. والله برحمته وفضله هو الذي يوجه رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته من ورائه إلى الاستعاذة به من هذه الشرور. ومن المقطوع به أنهم متى استعاذوا به ـ وفق توجيهه ـ أعاذهم. وحماهم من هذه الشرور إجمالاً وتفصيلاً. وقد روى البخاري ـ بإسناده ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما، {قل هو الله أحد}. و{قل: أعوذ برب الفلق}. و{قل: أعوذ برب الناس}. ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه. وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات".. وهكذا رواه أصحاب السنن..

ابن عاشور

تفسير : الأمر بالقول يقتضي المحافظة على هذه الألفاظ لأنها التي عينها الله للنبي صلى الله عليه وسلم ليتعوذ بها فإجابتُها مرجوة، إذ ليس هذا المقول مشتملاً على شيء يُكلف به أو يُعمل حتى يكون المراد: قل لهم كذا كما في قوله: { أية : قل هو الله أحد } تفسير : [الإخلاص: 1]، وإنما هو إنشاء معنى في النفس تدل عليه هذه الأقوال الخاصة. وقد روي حديث : عن ابن مسعود في أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين فقال: «قِيل لي قُل فقلتُ لكم فقولوا»تفسير : . يريد بذلك المحافظة على هذه الألفاظ للتعوذ وإذ قد كانت من القرآن فالمحافظة على ألفاظها متعينة والتعوذ يحصل بمعناها وبألفاظها حتى كَلِمة {قُل}. والخطاب بـ {قُل} للنبي صلى الله عليه وسلم وإذ قد كان قرآناً كان خطاب النبي صلى الله عليه وسلم به يشمل الأمة حيث لا دليل على تخصيصه به، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعضَ أصحابه بالتعوذ بهذه السورة ولذلك أيضاً كان يعوِّذ بهما الحَسَن والحُسَيْن كما ثبت في «الصحيح»، فتكون صيغة الأمر الموجهة إلى المخاطب مستعملة في معنَيي الخطاب من توجُّهه إلى معيّن وهو الأصل، ومن إرادة كلّ من يصح خطابُه وهو طريق من طرق الخطاب تدل على قصده القرائن، فيكون من استعمال المشترك في معنييه. واستعمال صيغة التكلم في فعل {أعوذ} يتبع ما يراد بصيغة الخطاب في فعل {قل} فهو مأمور به لكل من يريد التعوذ بها. وأما تعويذُ قارئها غيرَه بها كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بالمعوذتين الحسن والحسين، وما رُوي عن عائشة قالت: «حديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوِّذات، فلما ثَقُل كنت أنفث عليه بهن وأمْسح بيدِ نفسه لبركتها»تفسير : ، فذلك على نية النيابة عمن لا يحسن أن يعوذ نفسه بنفسه بتلك الكلمات لعجز أو صغر أو عدم حفظ. والعَوْذ: اللجأ إلى شيء يقِي من يلجأُ إليه ما يخافه، يُقال: عاذ بفلان، وعاذ بحصن، ويقال: استعاذ، إذا سأل غيره أن يُعيذه قال تعالى: { أية : فاستعِذ باللَّه إنه سميع عليم } تفسير : [الأعراف: 200]. وعاذ من كذا، إذا صار إلى ما يعيذه منه قال تعالى: { أية : فاستعذ باللَّه من الشيطان الرجيم } تفسير : [النحل: 98]. و{الفلق}: الصبح، وهو فَعَل بمعنى مفعول مثل الصَّمَد لأن الليل شبه بشَيء مغلق ينفلق عن الصبح، وحقيقة الفَلْق: الانشقاق عن باطن شيء، واستعير لظهور الصبح بعد ظلمة الليل، وهذا مثل استعارة الإخراج لظهور النور بعد الظلام في قوله تعالى: { أية : وأغطش ليلها وأخرج ضحاها } تفسير : [النازعات: 29]، واستعارة السلخ له في قوله تعالى: { أية : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } تفسير : [يس: 37]. وربُّ الفلق: هو الله، لأنه الذي خلق أسبابَ ظهور الصبح، وتخصيص وصف الله بأنه رب الفلق دون وصف آخر لأن شراً كثيراً يحدث في الليل من لصوص، وسباع، وذوات سموم، وتعذر السير، وعُسر النجدة، وبُعد الاستغاثة واشتداد آلام المرضى، حتى ظن بعض أهل الضلالة الليل إلٰه الشر. والمعنى: أعوذ بفالق الصبح مَنجاةً من شرور الليل، فإنه قادر على أن ينجيني في الليل من الشر كما أنجى أهل الأرض كلهم بأن خلق لهم الصبح، فوُصفَ الله بالصفة التي فيها تمهيدٌ للإِجابة.

الشنقيطي

تفسير : قال أبو حيان وغيره: الفلق فعل بمعنى مفعول أي مفلوق، واختلف في المراد بذلك. فقيل: إنه الصبح يتفلق عنه الليل. وقيل: الحب والنوى. وقيل: هو جب في جهنم. وقال بعض المفسرين: كل ما فلقه الله عن غيره، كالليل عن الصبح، والحب عن النبت، والأرض عن النبات، والجبال عن العون، والأرحام عن الأولاد، والسحاب عن المطر. وقال ابن جرير: إن الله أطلق ولم يقيد، فتطيق كذلك كما أطلق. والذي يظهر أن كل الأقوال ما عدا القول بأنه جب في جهنم من قبيل اختلاف التنوع، وأنها كلها محتملة، قال ابن جرير على الإطلاق. أما القول بأنه جب في جهنم، فلم يثبت فيه نص، وليست فيه أية مشاهدة يحال عليها للدلالة على قدرة الله تعالى، كما في الأشياء الأخرى المشاهدة. والذي يشهد له القرآن هو الأول، كما جاء النص الصريح في الصبح والحب والنوى، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} تفسير : [الأنعام: 95-96]. وكلها آيات دالة على قدرة الله، وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي، وأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يرى رؤيا، إلا جاءت كفلق الصبح. والفلق: بمعنى الصبح معروف في كلام العرب. وعليه قول الشاعر: شعر : يا ليلة لم أنمها بت مرتقبا أرعى النجوم إلى أن قدر الفلق تفسير : وقول الآخر مثله وفيه: إلى أن نور الفلق بدل قدر، والواقع أنه في قوة الإقسام برب الكون كله يتفلق بعضه عن بعض.

الواحدي

تفسير : {قل أعوذ برب الفلق} نزلت هذه السُّورة والتي بعدها لمَّا سحر لبيدُ بن الأعصم اليهوديّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتكى شكوى شديدةً، فأعلمه الله بما سحر به، وأين هو، فبعث مَنْ أتى به، وكان وَتَراً فيه إحدى عشرة عقدةً، فجعلوا كلما حلُّوا عقدةً وجد راحةً حتى حلُّوا العقد كلَّها، وأمره الله تعالى أن يتعوَّذ بهاتين السُّورتين، وهما إحدى عشرة آية على عدد العقد، وقوله: {برب الفلق} يعني: الصُّبح.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- قل أعتصم برب الصبح الذى ينجلى الليل عنه. 2- من شر كل ذى شر من المخلوقات التى لا يدفع شرها إلا مالك أمرها. 3- ومن شر الليل إذا اشتد ظلامه. 4- ومن شر من يسعى بين الناس بالإفساد باستخدام السحر. 5- ومن شر حاسد يتمنى زوال النعمة عن غيره. &

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أعوذ: أي أستجير وأتحصن. الفلق: أي الصبح. من شر ما خلق: من حيوان وجماد. غاسق إذا وقب: أي الليل إذا أظلم أو القمر إذا غاب. النفاثات: أي السواحر اللاتي ينفثن. في العقد: أي في العقد التي يعقدنها. حاسد إذا حسد: أي إذا أظهر حسده وأعمله. معنى الآيات: قوله تعالى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} أنه لما سحر لبيد بن معصم اليهودي بالمدينة النبي صلى الله عليه وسلم أنزل تعالى المعوذتين فرقاه بهما جبريل فشفاه الله تعالى ولذا فالسورتان مدنيتان وقوله تعالى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} أي قل يا رسولنا أعوذ أي أستجير وأتحصن برب الفلق وهو الله عز وجل إذ هو فالق الإِصباح وفالق الحب والنوى ولا يقدر على ذلك إلا هو لعظيم قدرته وسعة علمه. {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} أي من شر ما خلق تعالى من الكائنات من حيوان مكلف كالإِنسان وغير مكلف كسائر الحيوانات ومن الجمادات أي من شر كل ذي شر منها ومن سائر المخلوقات. وقوله {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} أي الليل إذا أظلم والقمر إذا غاب إذ الظلام بدخول الليل أو بغياب القمر يكون مظنه خروج الحيات السامة والحيوانات المفترسة والجماعات المتلصصة للسطو والسرقة وابتغاء الشر والفساد. وقوله تعالى {وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ} أي وتعوذ بالله برب الفلق من شر السواحر وهن النساء اللاتي ينفثن في كل عقدة يرقين عليها ويعقدونها والنفث هي إخراج هواء من الفم بدون ريق ولذا ورد من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر. وقوله تعالى {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} أي وتعوذ برب الفلق من شر حاسد أي من الناس إذا حسد أي أظهر حسده فابتغاك بضر أو أرادك بشر أو طلبك بسوء بحسده لك لأن الحسد زوال النعمة عن المحسود وسواء أرادها أو لم يردها وهو شر الحسد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب التعوذ بالله والاستعاذة بجنابه تعالى من كل مخوف لا يقدر المرء على دفعه لخفائه أو عدم القدرة عليه. 2- تحريم النفث في العقد إذ هو من السحر. والسحر كفر وحد الساحر ضربة بالسيف. 3- تحريم الحسد قطعياً وهو داء خطير حمل ابن آدم على قتل أخيه وحمل إخوة يوسف على الكيد له. 4- الغبطة ليست من الحسد لحديث الصحيح حديث : لا حسد إلا في اثنتين إذ المراد به الغبطة .

القطان

تفسير : أعوذ: أَلجأ، وأعتصم. الفلَق: ضوء الصبح والخَلْق. الغاسق: الليل اذا اشتدّت ظُلمتُه. النفّاثات: الساحرات، واحدها نفّاثَة، وهي التي تنفُثُ بِرِيقِها على عُقَدِ الخِيطان لتسحَر. الحاسد: الذي يتمنى زوالَ النعمة عن الغير. {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} قل يا محمد: إني أَعتصِمُ بربّ الصُّبح الذي ينجَلي عنه الظلام. {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} من شرِّ كل مؤذٍ من جميع المخلوقات، فلا يدفعُ شرَّها الا مالكُ أمرِها. {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} ومن شرِّ الليلِ إذا أظلمَ واشتدّ ظلامه. وقد أمرَنا الله ان نتعوّذ من شرِّ الليل لأنّه فيه تحدُث معظم الجرائم، ففي ظلامه سَتر لكلّ مجرِم، وفيه تخرج السِّباع من آجامها، والهوامُ من أَمكنتها. {وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ} ومن شر كلّ من يسعَى بين الناس بالإفساد، ومنهم تلك السواحِرُ اللاتي يَنْفُثْن في العُقَد لضررِ عبادِ الله، وليفرّقنَ بين المرءِ وزوجه. وهناك رواياتٌ في سبب نزول هذه السورة والّتي تَليها تذكُر ان النبيّ صلى الله عليه وسلم سَحَرَه يهوديٌّ اسمه لَبيد بن الأعصم. فنزلت المعوِّذتان وزال السِّحر عندما قرأهما الرسول الكريم. ومع أن بعض هذه الروايات في الصحيح ولكنها مخالِفَة للعقيدة، وتناقض العِصمةَ التي أُعطيت للرسول بقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67]. والواقع أنّ هاتين السورتين مكيّتان، وفي ذلك ما يُوهِنُ صحة الروايات. {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} ونعوذُ بالله تعالى من شرِّ الحاسدِ الذي يتمنَّى زوالَ النعمة عن غيره، والحسدُ خلُق مذموم.حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسدُ يأكل الحسناتِ كما تأكل النارُ الحطب . تفسير : والحسد أول معصية عُصِيَ اللهُ بها في السماء وفي الأرض، فَحَسَدَ ابليسُ آدمَ، وحسد قابيلُ أخاه هابيل فقتَله. والحاسد يضرّ نفسَه ثلاث مضرّات: أحداها اكتسابُ الذنوب، لأن الحسدَ حرام. الثانية: سوءُ الأدبِ مع الله تعالى، فإن حقيقةَ الحسد كراهيةُ إِنعام الله على عبده، واعتراضٌ على الله. الثالثة: تألُّم قلبِ الحاسِد من كثرةِ همِّه وغمِّه. شعر : كلُّ العداوة قد تُرجَى إزالتها إلا عداوةُ من عاداكَ من حسَد تفسير : وخلاصة معنى السورة الكريمة: إن الله تعالى طلبَ من الرسول الكريم أن يلجأَ الى ربّه، ويعتصمَ به من شرِّ كل مؤذٍ من مخلوقاته، ومن شرِّ الليل إذا أظلمَ لما يصيب النفوسَ فيه من الوحشة، ولما يتعذَّر من دَفع ضرره. ومن شرِّ المفسِدات الساعيات في حَلِّ ما بينَ الناسِ من روابطَ وصِلات، ومن شرِّ الحاسدين الذين يتمنّون زوالَ ما أسبغَ الله على عباده من النعم. اللهم اجعلْنا من المحسُودين لا من الحاسِدين.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - قُلْ: أَعْتَصِمُ وَاسْتَجِيرُ بِالرَّبِّ الذِي فَلَقَ الصُّبْحَ. الفَلَقُ - الشّقُّ وَمِنْهُ فَلَقَ الحَبَّ وَالنَّوَى. أَعُوذُ - أَعْتَصِمُ وَأَسْتَجِيرُ.

الثعلبي

تفسير : {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} قال ابن عباس: هو سجن في جهنم، وحدّثنا يعقوب عن هشيم قال: أخبرنا العوام عن عبد الجبار الخولاني قال: قدم رجل من أصحاب النبي عليه السلام الشام فنظر الى دور أهل الذمة وما فيها من العيش والنضارة، وما وسع عليهم في دنياهم فقال: لا أُبالي، أليس من ورائهم الفلق؟ قال: قيل: وما الفلق؟ قال: بيت إذا انفتح صاح جميع أهل النار من شدَّة حرَّه. وقال أبو عبد الرحمن الحبلي: الفلق هي جهنم، وقال جابر بن عبد الله والحسن وسعيد ابن جبير ومجاهد وقتادة والقرظي وابن زيد: الفلق: الصبح، وإليه ذهب ابن عباس، ودليل هذا التأويل قوله تعالى:{أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ}تفسير : [الأنعام: 96]. الضحّاك والوالبي عن ابن عباس: معنى الفلق: الخلق. وهب: هو باب في جهنم. الكلبي: هو واد في جهنم، وقال عبد الله بن عمرو: شجرة في النار، وقيل: الفلق الجبال والصخور تنفلق بالمياه أي تتشقق، وقيل: هو الرحم تنفلق عن الحيوان، وقيل: الحبَّ والنوى تنفلق عن التراب، دليله قوله سبحانه وتعالى:{أية : فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ}تفسير : [الأنعام: 95] والأصل فيه الشق. وقال محمد بن علي الترمذي في هذه: كشف الله تعالى على قلوب خواص عباده فقذف النور فيها، فانفلق الحجاب وانكشف الغطاء. {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو برزة أو أحد بني شريك البزار قال: حدّثنا آدم بن أبي أياس قال: حدّثنا ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمنحديث : عن عائشة قالت: أخذ رسول الله عليه السلام بيدي فأشار الى القمر فقال: "يا عائشة استعيذي بالله من شرِّ هذا؛ فإنّ هذا الغاسق إذا وقب ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا عبد الرحمن بن خرزاد البصري بمكة قال: حدّثنا نصر بن علي قال: حدّثنا بكار بن عبد الله قال: حدّثنا ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرةحديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} قال: النجم إذا طلع . تفسير : وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والقرظي والفرّاء وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجّاج: الليل. قال ابن زيد: يعني والثريا إذ سقطت، قال: وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها، وأصل الغسق الظلمة والوقوف [....] إذا دخل وقال: أمان سكن نظلامه. وقيل: سُمّي الليل غاسقاً لأنه أبرد من النهار، والغاسق: البارد، والغسق: البرد. {وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ} يعني الساحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها، والنفث: وشبه النفخ كما يعمل من يرقي. قال عنترة: شعر : فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإنَّ يفقد محقّ له العقود تفسير : وقرأ عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن سابط: من شرِّ النافثات في وزن: فاعلات. {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} قال الحسين بن الفضل: إنَّ الله جمع الشرور في هذه الآية وختمها بالحسد ليعلم أنه أخسّ الطبائع.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلْفَلَقِ} [الآية: 1]: الصبح. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} [الآية: 3]. قال: الغاسق هو الليل {إِذَا وَقَبَ}. يعني. إِذا دخل، يعني غروب الشمس.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلْفَلَقِ} الفَلَق: الصبح تقول العرب: هو أبين من فلق الصبح، والفِلْق بالكسر الداهية والأمر العجب، وأصله من فلقتُ الشيء أي شققته، فكل ما انفلق من شيء من حيوان، وحب، ونوى فهو فلق، ومنه "فالق الإِصباح" قال ذو الرمة: "حتى إِذا ما انجلى عن وجهه فلق" أي انجلى الصبح عن وجهه {غَاسِقٍ} الغاسق: الليل إِذا اشتد ظلامه، والغسق أول ظلمة غسق الليل يقال: غسق الليل أي أظلم قال الشاعر: شعر : إِنَّ هذا الليل قد غسقا واشتكيتُ الهمَّ والأرقا تفسير : {وَقَبَ} دخل بظلامه، والوقوب: الدخول {ٱلنَّفَّاثَاتِ} النفث: شبه النفخ دون تفلٍ بالريق، فإِذا كان معه ريق فهو التفل قال عنترة: شعر : فإِنْ يبرأ فلم أنفث عليه وإِن يُفْقد فحُقَّ له الفُقود تفسير : التفسِير: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} أي قل يا محمد ألتجىء وأعتصم برب الصبح الذي ينفلق عنه الليل، وينجلي عنه الظلام قال ابن عباس: {ٱلْفَلَقِ} الصبحُ كقوله تعالى {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ}تفسير : [الأنعام: 96] وفي أمثال العرب: هو أبينُ من فلق الصبح قال المفسرون: سبب تخصيص الصبح بالتعوذ أن انبثاق نور الصبح بعد شدة الظلمة، كالمثل لمجيء الفرج بعد الشدة، فكما أن الإِنسان يكون منتظراً لطلوع الصباح، فكذلك الخائف يترقب مجيء النجاح {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} أي من شر جميع المخلوقات من الإِنس، والجن، والدواب، والهوام، ومن شر كل مؤذٍ خلقه الله تعالى {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} أي ومن شر الليل إِذا أظلم واشتد ظلامه، فإِن ظلمة الليل ينتشر عندها أهل الشر من الإِنس والجن ولهذا قالوا في المثل "الليلُ أخفى للويل" قال الرازي: وإِنما أُمر أن يتعوذ من شر الليل، لأن في الليل تخرج السباع من آجامها، والهوام من مكانها، ويهجم السارقُ والمكابر، ويقع الحريق، ويقل فيه الغوث {وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ} أي ومن شر السواحر اللواتي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن - أي ينفخن - فيها ليضروا عباد الله بسحرهن، ويفرقوا بين الرجل وزوجه {أية : وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:102] قال في البحر: وسبب نزول المعوذتين قصة "لبيد بن الأعصم" الذي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشطٍ ومشاطة وجف - قشر الطلع - طلعةٍ ذكر، ووترٍ معقود فيه إِحدى عشرة عقدة، مغروزٍ بالإِبر، فأنزلت عليه المعوذتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد في نفسه خفه صلى الله عليه وسلم حتى انحلت العقدة الأخيرة فقام فكأنما نشط من عقال {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} أي ومن شر الحاسد الذي يتمنى زوال النعمة عن غيره، ولا يرضى بما قسمه الله تعالى له. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الجناس الناقص بين {فَلَقِ} و{خَلَقَ}. 2- الإِطناب بتكرار الاسم {شَرِّ} مراتٍ في السورة {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ} {وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ} الخ تنبيهاً على شناعة هذه الأوصاف. 3- ذكر الخاص بعد العام للاعتناء بالذكور {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} فإِنه عموم يدخل تحته شر الغاسق، وشر النفاثات، وشر الحاسد. 4- جناس الاشتقاق بين {حَاسِدٍ} و{حَسَدَ}. 5- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات.

زيد بن علي

تفسير : قولهِ تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} معناه بربِّ الصُّبحِ ويقالُ: الفَلقُ وادٍ في جَهنمَ. والفَلقُ: الطَّريقُ بَينَ الصّدينِ. ويقال: الفَلقُ: الخَلقُ، فأَمرَ الله تعالى نبيَهُ صلى الله عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ أن يتَعوذَ مِنْ شَرِّ ذَلِكَ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} هذه السورة مكية وسبب نزولها المعوذتين قصة لبيد وما حكي عنه ولما شرح أمر الإِلٰهية في السورة قبلها شرحا يستعاذ منه بالله من الشر الذي في العالم ومراتب مخلوقاته، و{ٱلْفَلَقِ} الصبح قاله ابن عباس. {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} عام يدخل فيه جميع من يوجد منه الشىء من حيوان مكلف وغير مكلف وجماد كالإِحراق بالنار والإِغراق بالبحر والقتل باسم والـ{غَاسِقٍ} الليل و{وَقَبَ} أظلم ودخل على الناس قاله ابن عباس و{ٱلنَّفَّاثَاتِ} النساء السواحر يعقدون عقداً في خيوط وينفثن عليها ويرقين والإِستعاذة من شرهن هو ما يصيب الله به من الشر عند فعلهن ذلك وقيد الغاسق والحاسد بالظرف لأنه إذا لم يدخل الليل لا يكون شر منسوب إلي والحاسد لا يؤثر حسده إلا إذا أظهره بأن يحتال للمحسود فيما يؤذيه أما إذا لم يظهر الحسد فما يتأذى به إلا الحاسد لاغتمامه بنعمة غيره.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل بعدما أصابتك من أعدائك مصيبة وعرضتك بشؤم أعينهم عارضة؛ إزالة لها ودفعاً لضررها: {أَعُوذُ} وألوذ مخلصاً {بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} [الفلق: 1] أي: بالذي فلق وشق ظلام الليل بنور الصبح المنير، وفلق ظلمة العدم بإشراق نور الوجود. {مِن شَرِّ} جميع {مَا خَلَقَ} [الفلق: 2] في عالم الكون والفساد من النفوس الخبيثة. {وَ} كذا ألوذ به سبحانه {مِن شَرِّ} كل {غَاسِقٍ} مظلم محيل {إِذَا وَقَبَ} [الفلق: 3] دخل وانغمس في ظلامه ليحيل ويمكر. {وَ} كذا {مِن شَرِّ} النساء السواحر {ٱلنَّفَّاثَاتِ} النافخات بريق أفواههن {فِي ٱلْعُقَدِ} [الفلق: 4] التي عقدن على الخيط؛ ليسحرن الناس بها. {وَ} بالجملة: أعوذ برب الفلق {مِن شَرِّ} كل {حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5] وقصد أن يحسد، فإنه سبحانه يكفي مؤنة شرورهم عنك بحوله وقوته. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المتلجئ إلى الله، المستعد بفضله وحوله وقوته أن تداوم على ذكر الله وقراءة القرآن، وتكرار الأذكار والتسابيح المأثورة من النبي المختار في عموم أوقاتك وحالاتك، سيما في خلال الليالي والأسحار، وفي آناء الليل وأطراف النهار، لعل الله يرقيك عن فتنة ما ذرأ وبرأ في الليل والنهار، ويكفي عنك مؤنة شرور من عاداك بالسحر وغيره بحوله وقوته.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها المتعوذ من شر القوى القالبية والنفسية المردية المؤدية المعنوية، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} [الفلق: 1] إذا دخلت عالم القلب والنفس المظلمة بظلمات الهوى؛ يعني: استعذ برب الفلق وهو طلوع صبح القلب موافق النفس. {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 2]، من القوى القالبية والنفسية في هذا العالم الظلماني الكثير المهالك، {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} [الفلق: 3]؛ أي: من شر الظلماني الذي وقب عند اشتغال قوة من القوى إلى استيفاء شهواتها في عالمها بالهوى. {وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ} [الفلق: 4]؛ أي: من شر الخواطر الطارئة على النفس من نفس الشيطان في عقد عقيدتها المستحكمة بهواها، المستودعة تحت حجر القالب في بئر طبيعتها. {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5]؛ أي: من شر قوة حسدية نفسه حسدت على القوة القلبية عند انبعاثها وقت طلوع الفلق، وهذه الاستعاذة واجبة على اللطيفة عند سلوكها ووصولها إلى أفق القلب في عالم النفس، وأيضاً واجبة على اللطيفة القلبية السالكية الواصلة إلى أفق السر في عالم القلب، وأيضاً واجبة على اللطيفة القالبية السائرة الواصلة إلى الروح في عالم السر، وأيضاً واجبة على اللطيفة السرية السائرة الواصلة إلى أفق الخفى في الروح، وأيضاً واجبة على اللطيفة الخفية بتجلي اللطيفة على لطيفة أنانيتها، فأما استعاذة اللطيفة الخفية المنسوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم يقول في هذا المقام: "حديث : اللهم إني أعوذ بك منك، اللهم أعذني من شري وشر ما يقوم بي، وأخرجني مني، وخذني عني"،تفسير : على متابعة من قال من كمال معرفته، فأما أنا فلا أقول إلا: اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { قل } متعوذًا { أَعُوذُ } أي: ألجأ وألوذ، وأعتصم { بِرَبِّ الْفَلَقِ } أي: فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح. { مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ } وهذا يشمل جميع ما خلق الله، من إنس، وجن، وحيوانات، فيستعاذ بخالقها، من الشر الذي فيها، ثم خص بعد ما عم، فقال: { وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } أي: من شر ما يكون في الليل، حين يغشى الناس، وتنتشر فيه كثير من الأرواح الشريرة، والحيوانات المؤذية. { وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } أي: ومن شر السواحر، اللاتي يستعن على سحرهن بالنفث في العقد، التي يعقدنها على السحر. { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } والحاسد، هو الذي يحب زوال النعمة عن المحسود فيسعى في زوالها بما يقدر عليه من الأسباب، فاحتيج إلى الاستعاذة بالله من شره، وإبطال كيده، ويدخل في الحاسد العاين، لأنه لا تصدر العين إلا من حاسد شرير الطبع، خبيث النفس، فهذه السورة، تضمنت الاستعاذة من جميع أنواع الشرور، عمومًا وخصوصًا. ودلت على أن السحر له حقيقة يخشى من ضرره، ويستعاذ بالله منه [ومن أهله].

همام الصنعاني

تفسير : 3744- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلْفَلَقِ}: [الآية: 1]، قال: هو فلق الصباح.