٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
162
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المراد من ذلك عبدالله بن سلام وأصحابه الراسخون في العلم الثابتون فيه، وهم في الحقيقة المستدلون بأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشك، وأما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة، فالراسخون هم المستدلون والمؤمنون، يعني المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار وارتفع الراسخون على الابتداء و {يُؤْمِنُونَ } خبره، وأما قوله {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } ففيه أقوال: الأول: روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها. واعلم أن هذا بعيد لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه، الثاني: وهو قول البصريين: أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، قالوا إذا قلت: مررت بزيد الكريم فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد، ولك أن تنصبه على تقدير أعني، وإن شئت رفعت على تقدير هو الكريم، وعلى هذا يقال: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد، والتقدير جاءني قومك أعني المطعمين في المحل وهم المغيثون في الشدائد فكذا ههنا تقدير الآية: أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة، طعن الكسائي في هذا القول وقال: النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام، وههنا لم يتم الكلام، لأن قوله {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ } منتظر للخبر، والخبر هو قوله {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً }. والجواب: لا نسلم أن الكلام لا يتم إلا عند قوله {أُوْلَـٰئِكَ } لأنا بينا أن الخبر هو قوله {يُؤْمِنُونَ } وأيضاً لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر؛ وما الدليل على امتناعه؟ فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية. والقول الثالث: وهو اختيار الكسائي، وهو أن المقيمين خفض بالعطف على (ما) في قوله {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } والمعنى: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة، ثم عطف على قوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ } قوله {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } والمراد بالمقيمين الصلاة الأنبياء، وذلك لأنه لم يخل شرع أحد منهم من الصلاة. قال تعالى في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد أن ذكر أعداداً منهم {أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فعل الخيرات وإقام الصلاة } تفسير : [الأنبياء: 73] وقيل: المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم الصافون وهم المسبحون وأنهم يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، فقوله {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } يعني يؤمنون بالكتب، وقوله {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ } يعني يؤمنون بالرسل. الرابع: جاء في مصحف عبدالله بن مسعود {والمقيمون ٱلصَّلَوٰة } بالواو، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي. المسألة الثانية: اعلم أن العلماء على ثلاثة أقسام: الأول: العلماء بأحكام الله تعالى فقط. والثاني: العلماء بذات الله وصفات الله فقط. والثالث: العلماء بأحكام الله وبذات الله، أما الفريق الأول فهم العالمون بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، وأما الثاني: فهم العالمون بذات الله وبصفاته الواجبة والجائزة والممتنعة، وأما الثالث: فهم الموصوفون بالعاملين وهم أكابر العلماء، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء».تفسير : وإذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى وصفهم بكونهم راسخين في العلم، ثم شرح ذلك فبيّن أولاً: كونهم عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بتلك الأحكام، فأما علمهم بأحكام الله فهو المراد من قوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } وأما عملهم بتلك الأحكام فهو المراد بقوله {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } وخصهما بالذكر لكونهما أشرف الطاعات لأن الصلاة أشرف الطاعات البدينة، والزكاة أشرف الطاعات المالية، ولما شرح كونهم عالمين بأحكام الله وعاملين بها شرح بعد ذلك كونهم عالمين بالله، وأشرف المعارف العلم بالمبدأ والمعاد، فالعلم بالمبدأ هو المراد بقوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } والعلم بالمعاد هو المراد من قوله {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } ولما شرح هذه الأقسام ظهر كون هؤلاء المذكورين عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بها وظهر كونهم عالمين بالله وبأحوال المعاد، وإذا حصلت هذه العلوم والمعارف ظهر كونهم راسخين في العلم لأن الإنسان لا يمكنه أن يتجاوز هذا المقام في الكمال وعلو الدرجة، ثم أخبر عنهم بقوله {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} استثنى مؤمني أهل الكتاب؛ وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا: إن هذه الأشياء كانت حراما في الأصل وأنت تحلها ولم تكن حرّمت بظلمنا: فنزل {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} والراسخ هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه، والرّسوخ الثبوت؛ وقد تقدّم في «آل عمران» والمراد عبدالله بن سلام وكعب الأحبار ونظراؤهما. {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي من المهاجرين والأنصار، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} وقرأ الحسن ومالك بن دينار وجماعة: «والمقيمون» على العطف، وكذا هو في حرف عبدالله، وأما حرف أبيّ فهو فيه «والمُقِيمِين» كما في المصاحف. واختلف في نصبه على أقوال ستة؛ أصحها قول سيبويه بأنه نصِب على المدح؛ أي وأعني المقيمين؛ قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب على التعظيم ومن ذلك «والمُقِيمِين الصَّلاَةَ» وأنشد. شعر : وكل قومٍ أطاعوا أمر سيِدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها تفسير : ويروى أمر مرشدهم. شعر : الظّاعِنين ولما يُظْعِنُوا أحداً والقائِلُونَ لِمَنْ دارٌ نُخَلِّيها تفسير : وأنشد: شعر : لا يَبْعدَنْ قومي الَّذين هُمُ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْر النّازِلِين بكُلِّ مُعْتَرَكٍ والطّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأُزْرِ تفسير : قال النحاس: وهذا أصحّ ما قيل في «المقيمين» وقال الكسائي: «والمقيمين» معطوف على «ما» قال النحاس قال الأخفش: وهذا بعيد؛ لأن المعنى يكون ويؤمنون بالمقيمين. وحكى محمد بن جرير أنه قيل له: إن المقيمين هٰهنا الملائكة عليهم السلام؛ لدوامهم على الصلاة والتسبيح والاستغفار، وأختار هذا القول، وحكى أن النصب على المدح بعيد؛ لأن المدح إنما يأتي بعد تمام الخبر، وخبر الراسخين في «أُولَئِكَ سَنُؤتَيِهِمْ أَجْراً عَظِيماً» فلا ينتصب «المقيمين» على المدح. قال النحاس: ومذهب سيبويه في قوله: «والمؤتون» رفع بالإبتداء. وقال غيره: هو مرفوع على إضمار مبتدأ؛ أي هم المؤتون الزكاة وقيل: «والمقِيِمين» عطف على الكاف التي في «قَبلِكَ» أي من قبلك ومن قبل المقيمين. وقيل: «المقِيمين» عطف على الكاف التي في «إلَيْكَ» وقيل: هو عطف على الهاء والميم أي منهم ومن المقيمين؛ وهذه الأجوبة الثلاثة لا تجوز؛ لأن فيها عطف مظهر على مضمر مخفوض. والجواب السادس ـ ما روى أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن هذه الآية وعن قوله: { أية : إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ } تفسير : [طه: 63] وقوله: { أية : وَٱلصَّابِئُونَ } تفسير : [المائدة: 69] في «المائدة» فقالت للسائل: يا بن أخي الكُتّاب أخطئوا. وقال أبان بن عثمان: كان الكاتب يُملَى عليه فيكتب فكتب {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} ثم قال له: ما أكتب؟ فقيل له: اكتب {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} فمن ثَمّ وقع هذا. قال القُشيري: وهذا المسلك باطل؛ لأن الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوة في اللغة، فلا يظنّ بهم أنهم يدرجون في القرآن ما لم ينزل. وأصح هذه الأقوال قول سيبويه وهو قول الخليل، وقول الكسائي هو اختيار القَفّال والطبري، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} كعبد الله بن سلام وأصحابه. {وَٱلْمُؤْمِنُونَ } أي منهم أو من المهاجرين والأنصار. {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} خبر المبتدأ {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ} نصب على المدح إن جعل يؤمنون الخبر لأولئك، أو عطف على ما أنزل إليك والمراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي: يؤمنون بالكتب والأنبياء. وقرىء بالرفع عطفاً على {ٱلرَّاسِخُونَ} أو على الضمير في {يُؤْمِنُونَ} أو على أنه مبتدأ والخبر {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ }. {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} رفعه لأحد الأوجه المذكورة. {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} قدم عليه الإِيمان بالأنبياء والكتب وما يصدقه من اتباع الشرائع لأنه المقصود بالآية. {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً } على جمعهم بين الإِيمان الصحيح والعمل الصالح وقرأ حمزة «سيؤتيهم» بالياء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَّٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ } الثابتون {فِى ٱلْعِلْم مِنْهُمْ } كعبد الله بن سلام {وَٱلْمُؤْمِنُونَ } المهاجرون والأنصار {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } من الكتب {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ } نصب على المدح وقرىء بالرفع {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ أُوْلَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ } بالنون والياء {أَجْراً عَظِيماً } هو الجنة.
البقاعي
تفسير : ولما بين تعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب، بين ما لنّيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال: {لكن الراسخون في العلم منهم} أي الذي هيئت قلوبهم في أصل الخلقة لقبول العلم فأبعد عنها الطبع، وجلت الحكمة، ورسخت بالرحمة، فامتلأت من نور العلم، وتمكنت بأنس الإيمان. ولما ذكر نعت العلم المفيد لجميع الفضائل أبتعه ما نشأ عنه فقال: {والمؤمنون} أي الذين هيئوا للإيمان ودخلوا فيه، فصار لهم خلقاً لازماً، منهم ومن غيرهم {يؤمنون} أي يجددون الإيمان في كل لحظة {بما أنزل إليك} لأنهم أعرف الناس بأنه حق {وما أنزل من قبلك} أي على موسى عليه الصلاة والسلام، وبسبب إيمانهم الخالص أمنوا بما أنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام، ثم بما أنزل إليك. ولما كانت الصلاة أعظم دعائم الدين، ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر، نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهاراً لفضلها فقال تعالى: {والمقيمين الصلاة} أي بفعلها بجميع حدودها، ويجوز على بُعد أن يكون المقتضي لنصبها جعل "لكن" بالنسبة إليها بمعنى "إلا" وتضمينها لفظها، لما بينهما من التآخي، فيكون المعنى أنهم مستثنون ممن أعد لهم العذاب الأليم على معنى أن الله سبحانه وتعالى - وهو الفاعل المختار - سبق علمه بأن مقيم الصلاة بجميع حدودها لا يموت كما يموت كافر, بل تناله بركتها فيسلم, وهذا أعظم مدح لها, والحاصل أن (لكن) استعيرت لمعنى (إلا) بجامع أن ما بعد كل منهما مخالف في الحكم لما قبله, كما استعيرت "إلا" لمعنى "لكن" في الاستثناء المنقطع. ولما كان الرجوع بما بعدها إلى الأسلوب الماضي أبين في مدحها قال: {والمؤتون الزكاة} ولما ذكر أنهم جمعوا إلى صلة الخالق الإحسان إلى الخلائق ذكر الإيمان بانياً على عظمته مفصلاً له بعض التفصيل ومشيراً غلأآ أن نفعه كما يشترط أن يكون فاتحاً يشترط أن يكون خاتماً فقال: {والمؤمنون بالله} أي مستحضرين ما له من صفات الكمال، وضم إليه الحامل على كل خير والمقعد عن كل شر ترغيباً وترهيباً فقال: {واليوم الآخر} فصار الإيمان مذكوراً خمس مرات، فإن هذه الأوصاف لموصوف واحد عطفت بالواو تفخيماً لها وإشارة إلى أن وصف الرسوخ في العلم مقتض لأنهم في الذروة من كل وصف منها, والاتصافُ بكل منها يتضمن الإيمان بيوم الدين، فإنه لا يمدح أحد اتصف بشيء منها عرياً عن الإيمان به، لا جرم نبه على فخامة أمرهم وعلو شأنهم بأداة البعد فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة والهمم، ولكون السياق في الراسخين العاملين أنهى في التأكيد بالسين لأن المكر هنا أقل منه في الأولى، ولم يعرف الأجر، ووصفه بالعظم فقال: {سنؤتيهم} أي بعظمتنا الباهرة بوعد لا خلف فيه {أجراً عظيماً}. ولما كانت هذه الأوصاف منطبقة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان من أحوالهم الوحي، قال تعالى إبطالاً لشبهتهم القائلة: لو كان نبياً أتى بكتابه جملة من السماء كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بالتوارة كذلك، بإقرارهم بنبوة هؤلاء الأنبياء عليهم السلام مع كونهم ليس لهم تلك الصفة، ولم يكن ذلك قادحاً في نبوة أحد منهم ولا رسالته: {إنا} ويصح أن يكون هذا تعليلاً ليؤمنون، أي إنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا {أوحينا إليك كما} أي مثل ما {أوحينا إلى نوح} وقد آمنوا بما به لما أتى به من المعجز الموجب للإيمان من غير توقف على معجز آخر ولا غيره، لأن إثبات المدلول إنما يتوقف على ثبوت الدليل، فإذا تم الدليل كانت المطالبة بدليل آخر طلباً للزيادة وإظهاراً للتعنت واللجاج - والله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ولما كان مقام الإيحاء - وهو الأنبياء - من قِبَل الله تعالى قال: {والنبيِّين من بعده} أي فهم يعلمون ذلك بما لهم من الرسوخ في العلم وطهارة الأوصاف، ولا يشكون في أن الكل من مشكاة واحدة، مع أن هذا الكتاب أبلغ، والتعبير فيه عن المقاصد أجلى وأجمع، فهم إليه أميل، وله أقبل، وأما المطبوع على قلوبهم، الممنوعون من رسوخ العلم فيها بكثافة الحجاب، حتى أنها لا تنظر إلى اسراره إلا من وراء غشاء، فهم غير قابلين لنور العلم المتهيىء للإيمان، فأسرعوا إلى الكفر، وبادروا بالذل والصغار، وفي الآخرة بالسخط والنار. ولما أجمل تعالى ذكر النبيين فصّل فقال منبهاً على شرف من ذكرهم وشهرتهم: {وأوحينا إلى إبراهيم} أي أبيكم وأبيهم كذلك {وإسماعيل} أي ابنه الأكبر الذي هو أبوكم دونهم {وإسحاق} وهو ابنه الثاني وأبوهم {ويعقوب} أي ابن إسحاق {والأسباط} أي أولاد يعقوب. ولما أجمل بذكر الأسباط بعد تفصيل مَنْ قبلهم فصّل من بعدهم فقال: {وعيسى} أي الذي هو آخرهم من ذرية يعقوب {وأيوب} وهو من ذرية عيصو بن إسحاق على ما ذكروا {ويونس وهارون وسليمان} ولما كان المقام للتعظيم بالوحي، وكان داود عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب قال: {وآتينا داود زبوراً *} أي وهم يدعون الإيمان به مع اعترافهم بأنه لم ينزل جملة ولا مكتوباً من السماء. ولما تم ما اقتضاه مقام النبوة، وكان فيهم رسل، وكان ربما قال متعنت: إن شأن الرسل غير شأن الأنيباء في الوحي، قال عاطفاً على ما تقديره من معنى "أوحينا": أرسلنا من شئنا من هؤلاء الذين قصصناهم عليك هنا إلى من شئنا من الناس: {ورسلاً} أي غير هؤلاء {قد قصصناهم} أي تلونا ذكرهم {عليك} ولما كان القص عليه غير مستغرق للزمان الماضي قال: {من قبل} أي من قبل إنزال هذه الآية {ورسلاً لم نقصصهم عليك} أي إلى الآن. ولما كان المراد أنه لا فرق بين النبي والرسول في الوحي, نبه على ذلك بقوله: {وكلم الله} أي الذي له الكمال كله, فهو يفعل ما يريد, لا أمر لأحد معه {موسى تكليماً *} أي على التدرج شيئاً فشيئاً بحسب المصالح من غير واسطة ملك، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة وبين ما كان بلا واسطة، والمعنى أنكم لو كنتم إنما تتوقفون عن الإيمان ببعض الأنبياء تثبتاً لتعلموا أنه فعل به ما فعل بموسى عليه الصلاة والسلام من الكرامة، لم تؤمنوا بإبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وهارون وغيرهم، فإنه خص بالتكليم دونهم، فلِمَ جعلتم الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام شرطاً في الإيمان ببعض الأنبياء دون بعض؟ وإن جعلتم الشرط الإتيان بالكتاب جملة ومن السماء مدعين أنه كان له ذلك دون التكليم وغيره مما جعل له، كان ذلك - على تقدير التسليم تنزلاً - تحكماً وترجيحاً من غير مرجح، على أن التوراة أيضاً - كما تقدم بيانه - كهذا القرآن في إنزالها منجمة على حسب الوقائع على ما أشار إليه قوله (تكليماً) ولم يكتب منها جملة إلا اللوحان اللذان وضعا في تابوت الشهادة كما أنزل بعض سور القرآن جملة كسورة الأنعام، وليس في نزول موسى عليه الصلاة والسلام بهما من جبل الطور مكتوبَين دليل على نزولهما من السماء, ويدل على ذلك كثير من نصوصها أصرحها أنه تعالى حرم عليهم العمل في السبت عقب إخراجهم من البحر عند إنزال المن - كما بين في السفر الثاني منهما - ولم يبين كيف يفعل بالعاصي فيه إلا بعد ذلك بدهر، بدليل ما في السفر الرابع منها في قصة التيه: ومكث بنو إسرائيل في البرية ووجدوا رجلاً يحتطب حطباً يوم السبت، فقدمه الذين وجدوه يحتطب إلى موسى وهارون وإلى الجماعة كلها، وحبسوه في السجن، لأنه لم يكن أوحى إلى موسى كيف يصنع به؟ فقال الرب لموسى: يقتل هذا الرجل، يرجم بالحجارة خارجاً من العسكر، ورجمه الجماعة كلها بالحجارة ومات - كما أمر الرب موسى؛ ومنها أنه أمرهم - كما بين في السفر الثاني - بنصب قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها، ويسمع موسى الكلام منها، ثم بعد ذلك بمدة أمرهم - كما بين في السفر الرابع - بالزيادة فيها؛ ومنها أنه كتب له الألواح في الطور: اللوحين اللذين كسرهما غضباً من اتخاذهم العجل، ثم لوحين عوضاً عنهما، ثم لما نصبت قبة الزمان صار سبحانه وتعالى يكلمه منها، وغالب أحكامهم إنما شرعت بالكلام الذي كان في قبة الزمان - كما هو في غاية الوضوح في التوراة؛ ومنها ما قال في أوخر السفر الخامس وهو آخرها: فلما أكمل موسى كتاب آيات هذه التوراة في السفر وفرغ منها، أمر موسى الأحبار الذين يحملون تابوت عهد الرب وقال لهم: خذوا سفر هذه السنن واجعلوه في جوف تابوت عهد الله ربكم في جانب من جوانبه، ليكون هناك شاهداً، لأني قد عرفت جفاءكم وقساوة قلوبكم وما تصيرون إليه، وكيف لا يكون ذلك وقد أغضبتم الرب وأنا حي معكم؟ فمن بعد موتي أحرى أن تفعلوا ذلك، فليجتمع إليّ أشياخ أسباطكم وكتّابكم فأتلو عليهم هذه الأقوال، ولأشهد عليهم السماء والأرض، لأنكم مفسدون من بعد وفاتي، تحيدون عن الطريق الذي آمركم به، شر شديد في آخر الأيام إذا عملتم السيئات بين يدي الرب، وأغضبتموه بأعمال أيديكم، وقال موسى بين يدي جماعة بني إسرائيل: انصتي أيتها السماء فأتكلم، ولتسمع الأرض النطق من فيّ - وقال كلاماً كثيراً في ذمهم أذكره إن شاء الله تعالى في المائدة عند {أية : من لعنه الله وغضب عليه} تفسير : [المائدة: 60] ثم قال: يقول الله: أسخطوني مع الغرباء بأوثانهم، وأغضبوني حين ذبحوا للشياطين - ومضى يتكلم من كلام الله الذي هو من أحسن التوراة إلى أن قال: فلما أكمل موسى هذه الآيات كلها لبني إسرائيل قال لهم: أقبلوا بقلوبكم إلى هذه الأقوال؛ ثم قال: وكلم الرب موسى ذلك اليوم وقال: اصعد إلى جبل العبرانيين، هذا جبل نابو الذي في أرض مواب حيال إيريحا، وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثاً - وذكر بعد ذلك كلاماً طويلاً فيها كلها لمن يتأملها كثير مما هو ظاهر في ذلك، بل صريح، وفي قصة نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام ما هو صريح في أن الإيحاء إليهما كان منجماً - كما مضى عنهما في قصة إبراهيم عليه السلام في البقرة، ويأتي إن شاء الله تعالى في ذكر الأحبار في الأعراف وفي قصة نوح عليه الصلاة والسلام في سورة هود - والله الموفق، وقد ابتدأ سبحانه في هذه الآية بنوح عليه الصلاة والسلام أول أولي العزم وأصحاب الشرائع وجوداً، وهو من أوائل الأنبياء، وزمانه في القدم بحيث لا يعلم مقداره على الحقيقة إلا الله تعالى، ثم ثنى بثانيهم في الوجود وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر أولاده على ترتيبهم، والأسباط يحتمل أن يراد بهم أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام أنفسهم وقبائلهم، ويكون المعنى حينئذ: وأنبياء الأسباط، ويكون مما استعمل في حقيقته ومجازه، ويكون شاملاً لجميع أنبياء بني إسرائيل، ثم صرح ببعض من دخل منهم في العموم فبدأهم بآخرهم بعثاً وهو عيسى عليه الصلاة والسلام الذي هو أحد نبي أهل الكتابين، وختم الآية بأحد أصحاب الكتب منهم، وهو جده المشهور بالنسبة إليه، فإن اليهود يقولون لعيسى عليه الصلاة والسلام: يا ابن داود! لأن أمه في ذريته، وختم الآية بأول نبي أهل الكتابين موسى عليه الصلاة والسلام الذي آخر آجرّ تبنى على الإسلام، فانتقله المنتمون إلى أتباعه، ووسّط أخاه هارون عليه الصلاة والسلام بين اثنين من أهل البلاء: أيوب ويونس واثنين من أهل الملك - وأحدهم صاحب كتاب - وهما سليمان وداود، وكل ذلك إشارة إلى أنه لا فرق في كيفية الإيحاء بحوما إلى الأنبياء بين متقدمهم ومتأخرهم، سواء كان من بني إسرائيل أو من غيرهم، وسواء منهم من أوتي الملك ومن لم يؤته، ومن أتى بكتاب ومن لم يأت؛ ومن لطائف هذا الترتيب أن المخصوصين بالذكر في الآية الأولى بعد دخولهم في العموم أحد عشر أسماء، الأسباط أحدها، والمشهور بالكتب والصحف منهم ثلاثة: إبراهيم وعيسى وداود، وقد وقع كل منهم سادساً لصاحبه، وهو العد الذي كان فيه الخلق، فلعل ذلك إشارة إلى أن الله لا يحب العجلة، فكما أنه لم يعجل في إنشاء الخلق, فكذلك لم يعجل بإنزال الكتب التي بها قوامهم وبقاؤهم دفعة، بل أنزلها منجمة تبعاً لمصالحهم وتثبيتاً لدعائمهم، ومن لطائفه أنه تعالى بدأ المذكورين، وختمهم باثنين من أولي العزم اشتركا في أن كلاً منهما أهلك من عانده كنفس واحدة بالإغراء، ترهيباً لهؤلاء الملبسين على أهل الإسلام بالباطل المدعين أنهم أتباع، ووسّط بينهم وبين بقية المسمين عموم النبيين والمرسلين، ولعله آخر الرسل ليفهم أن كل من عطفوا عليه مرسل، ولأن رتبة النبوة قبل رتبة الرسالة، بمعنى أنها أعم منها. ولما سرد أسماء من دخل في العموم بدأهم بأشرفهم ثم بالأقرب إلى هذا النبي الكريم فالأقرب من المرتبين على حسب ترتيب الوجود، إشارة إلى أنه سن به في الوحي سنة آبائه وإخوانهم وذرياتهم - والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله {لكن الراسخون في العلم منهم} قال: استثنى الله منهم، فكان منهم من يؤمن بالله، وما أُنزل عليهم، وما أُنزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدقون به، ويعلمون أنه الحق من ربهم. وأخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله {لكن الراسخون في العلم منهم...} الآية. قال: نزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن سعية، وثعلبة بن سعية، حين فارقوا يهود وأسلموا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن الزبير بن خالد قال: قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة} ما بين يديها وما خلفها رفع وهي نصب؟ قال: إن الكاتب لما كتب {لكن الراسخون} حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له: اكتب {والمقيمين الصلاة} فكتب ما قيل له. وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي داود وابن المنذر عن عروة قال: سألت عائشة عن لحن القرآن {أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون} تفسير : [المائدة: 69] {والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة} {أية : إن هذان لساحران} تفسير : [طه: 63]؟ فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب. وأخرج ابن أبي داود عن سعيد بن جبير قال: في القرآن أربعة أحرف. الصابئون، والمقيمين، {أية : فأصَّدَّق وأكن من الصالحين} تفسير : [المنافقون: 10] {أية : إن هذان لساحران} تفسير : [طه: 63]. وأخرج ابن أبي داود عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال: لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، قال ابن أبي داود: هذا عندي يعني بلغتها فينا، وإلا فلو كان فيه لحن لا يجوز في كلام العرب جميعاً لما استجاز أن يبعث إلى قوم يقرأونه. وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة قال: لما أتى عثمان بالمصحف رأى فيه شيئاً من لحن، فقال: لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا. وأخرج ابن أبي داود عن قتادة. أن عثمان لما رفع إليه المصحف قال: إن فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها. وأخرج ابن أبي داود عن يحيى بن يعمر قال: قال عثمان: إن في القرآن لحناً وستقيمه العرب بألسنتها.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} [الآية: 162]. قيل: الراسخون فى العلم هم: العلماء بالله، والعلماء بأمر الله، والمتبعون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الراسخون فى العلم هم الواقفون مع حدود العلم وشرائطه لا يتجاوزونه بالرُّخَص والتأويلات.
القشيري
تفسير : الراسخ في العلم هو ألا يكون في الدليل مُقَلِّداً، كما لا يكون في الحكم مقلداً، بل يضع النظر موضعه إلى أن ينتهي إلى حد لا يكون للشكِّ في عقله مساغ. ويقال الراسخ في العلم من يرتقي عن حد تأمل البرهان ويصل إلى حقائق البيان. ويقال الراسخ في العلم أن يكون بعلمه عامِلاً حتى يفيد عِلمَ ما خفي على غيره، ففي الخبر: "حديث : من عمل بما علمه ورَّثه الله علم ما لم يعلم ". تفسير : وخَصَّ {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} في الإعراب فَنَصَب اللفظ بإضمار أعني على المدح لِمَا للصلاة من التخصيص من بين العبادات لأنها تالية الإيمان في أكثر المواضع في القرآن، ولأن الله - سبحانه - أمر الرسول صلى الله عليه وسلم (بها) ليلةَ المعراج بغير واسطة جبريل عليه السلام... وغير هذا من الوجوه. قوله تعالى: {أَجْراً عَظِيماً}: الأجر العظيم هو الذي يزيد على قدر الاستحقاق بالعمل.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} المستقيمون فى سماع خطاب الخاص من الله سبحانه بغير معارضة النفوس واضطراب الاسرار لانهم عالمون الهام الحق من وسوسة الشيطان وهم مفرقون بين لمة الشيطان ولمة الملك ويعرفون خطاب العقل والقلب والنفس والروح والملك والسر والشيطان بنور خطاب الله ويعرف به مكان كل خطاب علمهم لدنى ولسانهم الهى وقلبهم عرش روحهم ملكوتية واسارهم مشحونة بالعلوم المجهولة والانباء العجيبة الغيبية ويزنونها فى جميع الانفاس بميزان القرأن والسنة وكلام الاولياء قيل هم العلماء بالله والعلماء بامر الله والمتبعون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل هم الوافقون مع حدود العلم وشرائطه لا يجاوزونه بالرخص والتاويلات ويقال الراسخ فى العلم من يرتقى عن حد تامل البرهان ويصل الى حقائق البيان.
اسماعيل حقي
تفسير : {لكن الراسخون فى العلم منهم} اى التائبون من اهل الكتاب كعبد الله بن سلام واصحابه وسماهم راسخين فى العلم لثباتهم فى العلم وتجردهم فيه لا يضطربون ولا تميل بهم الشبه بمنزلة الشجرة الراسخة بعروقها فى الارض {والمؤمنون} اى من غير اهل الكتاب من المهاجرين والانصار {يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك} خبر المبتدأ وهو الراسخون وما عطف عليه. قال فى التأويلات النجمية كان عبد الله بن سلام عالما بالتوراة وقد قرأ فيها صفة النبى عليه السلام فلما كان راسخا فى العلم اتصل علم قراءته بعلم المعرفة فقال لما رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت انه ليس بوجه كذاب فآمن به ولما لم يكن للاحبار رسوخ فى العلم وان قرأوا صفة النبى عليه السلام فى التوراة فلما رأوا النبى عليه السلام ما عرفوه فكفروا به انتهى ونعم ما قيل فى حق الشرفاء شعر : جعلوا لابناء الرسول علامة ان العلامة شان من لم يشهر نور النبوة فى كريم وجوههم يغنى الشريف عن الطراز الاخطر تفسير : {و} اعنى {المقيمين الصلٰوة} فنصبه على المدح لبيان فضل الصلاة {و} هم {المؤتون الزكٰوة} فرفعه على المدح ايضا وكذا رفع قوله تعالى {والمؤمنون بالله واليوم الآخر} قدم عليه الايمان بالانبياء والكتب وما يصدقه من اتباع الشرائع لانه المقصود بالآية {اولئك سنؤتيهم اجرا عظيما} اى ثوابا وافرا فى الجنة على جمعهم بين الايمان والعمل الصالح وهو ما اريد به وجه الله تعالى. ومن افاضل الاعمال الصلوات الخمس واقامتها وفى الحديث "حديث : من حافظ منكم على الصلوات الخمس حيث كان واين ما كان جاز الصراط يوم القيامة كالبرق اللامع فى اول زمرة السابقين وجاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر وكان له كل يوم وليلة حافظ عليهن اجر شهيد " .تفسير : وسر هذا الحديث مفهوم من لفظ الصلاة ووجه تسميتها بها لان اشتقاقها من الصلى وهو النار والخشبة المعوجة اذا ارادوا تقويمها يعرضونها على النار فتقوم وفى العبد اعوجاج لوجود نفسه الامارة فيه وسبحات وجه الله الكريم حارة بحيث لو كشف حجابها لاحرقت تلك السبحات من ادركته ومن انتهى اليه البصر كما ورد فى الحديث فبدخول المصلى فى الصلاة يستقبل تلك السبحات فيصيب المصلى من وهج السطوة الآلهية والعظمة الربانية ما يزول به اعوجاجه بل يتحقق به معراجه فالمصلى كالمصطلى بالنار ومن اصطلى بها زال بها اعوجاجه فلا يعرض على نار جهنم الا تحلة القسم وبذلك المقدار من المرور يذهب اثر دونه ولا يبقى له احتياج الى المكث على الصراط فيمر كالبرق اللامع وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع "حديث : "ان اولياء الله المصلون ومن يقيم الصلوات الخمس التى كتبهن الله عليه ويصوم رمضان ويحتسب صومه ويؤتى الزكاة محتسبا طيبة بها نفسه ويجتنب الكبائر التى نهى الله عنها" فقال رجل من اصحابه يا رسول الله وكم الكبائر قال "تسع اعظمهن الاشراك بالله وقتل المؤمن بغير حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر واكل الربا واكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين واستحلال البيت العتيق الحرام قبلتكم احياء وامواتا لا يموت رجل لم يعمل هؤلاء الكبائر ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة الا رافق محمدا فى بحبوبة جنة ابوابها مصاريع الذهب" ". تفسير : واعلم ان الراسخين فى العلم هم الذين رسخوا بقدمى العمل والعلم الى ان بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية اللدنية وفى الحديث "حديث : "طلعت ليلة المعراج على النار فرأيت اكثر اهلها الفقراء" قالوا يا رسول الله من المال قال "لا من العلم" " .تفسير : وفى الحديث "حديث : العلم امام العمل والعمل تابعه ". تفسير : قال حجة الاسلام الغزالى رحمه الله فى منهاج العابدين ولقد صرت من علماء امة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الراسخين فى العلم ان انت عملت بعلمك واقبلت على عمارة معادك وكنت عبدا عالما عاملا لله تعالى على بصيرة غير جاهل ولا مقلد غير غافل فلك الشرف العظيم ولعلمك القيمة الكثيرة والثواب الجزيل وبناء امر العبادة كله على العلم سيما علم التوحيد وعلم السر فلقد روى ان الله تعالى اوحى الى داود عليه السلام فقال [يا داود تعلم العلم النافع] قال آلهى وما العلم النافع قال [ان تعرف جلالى وعظمتى وكبريائى وكمال قدرتى على كل شىء فان هذا الذى يقربك الى] وعن على رضى الله عنه ما يسرنى انى لو مت طفلا فادخلت الجنة ولم اكبر فاعرف ربى فان اعلم الناس بالله اشدهم خشية واكثرهم عبادة واحسنهم فى الله نصيحة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {والمؤمنون} عطف على الراسخين، و {يؤمنون}: حال منهم. و {المقيمين}: نصب على المدح، لأن العرب إذا تطاولت في مدح شيء أو ذمه خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه، نظيره: { أية : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ } تفسير : [البَقَرَة:177]. وقالت عائشة رضي الله عنهما: هو لحن من الكُتَّاب، وفي مصحف ابن مسعود: {والمقيمون} بالرفع على الأصل. يقول الحقّ جلّ جلاله: ليس أهل الكتاب كلهم كما ذكرنا، {لكن الراسخون في العلم منهم} كعبد الله بن سلام، ومخيريق، وغيرهما ممن له علم بالكتب المتقدمة، {والمؤمنون} منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، من وعوامهم حال كونهم {يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} أي: يؤمنون إيمانًا كاملاً بلا تفريق، وأخص {المقيمين الصلاة}، المتقنين لها، {المؤتون الزكاة} المفروضة، {والمؤمنون} منهم {بالله واليوم الآخر}، على صفة ما جاء به القرآن من البعث بالأجسام والحساب وغير ذلك؛ مما هو مقرر في السنة، {أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا}، فتكون الآية كلها في أهل الكتاب. أو يقول الحقّ جلّ جلاله: {لكن الراسخون في العلم} من أهل الكتاب، {والمؤمنون} بمحمد صلى الله عليه وسلم، من العرب، {والمقيمين الصلوة} منهم، {والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا}. الإشارة: كل من تحقّقت توبته بعد عصيانه، وظهرت يقظته بعد غفلاته، ورسخ في العلم بالله وبصفاته وأسمائه؛ التحق بالسابقين، وحشر مع المقربين، وكان ممن أوتي أجرًا عظيمًا وخيرًا جسيمًا، والحمد الله رب العالمين.
الطوسي
تفسير : استثنى الله تعالى من اليهود الذين وصف صفتهم فيما مضى من الآيات في قوله: يسألك أهل الكتاب إلى ها هنا من هداه الله لدينه، ووفقه لرشده فقال: {لكن الراسخون} وهم الذين رسخوا في العلم وثبتوا فيه. وقد مضى معنى الرسوخ فيما مضى في العلم الذي جاء به الانبياء، واحكام الله التي ادوها إلى عباده، والمؤمنون بالله ورسوله منهم يؤمنون بالقرآن الذي أنزله الله اليك يا محمد (صلى الله عليه وسلم) وبالكتب التي انزلها على من قبلك من الانبياء، والرسل، ولا يسألونك ما يسأل هؤلاء الجهال من انزال كتاب من السماء، لانهم قد علموا صدق قولك بما قرأوا من الكتب التي انزلها على الانبياء، ووصفك فيها وأنه يجب عليهم اتباعك، فلا حاجة بهم إلى ان يسألوك معجزة اخرى، ولا دلالة غير ما علموا من امرك بالعلم الراسخ في قلوبهم وهو قول قتادة والمفسرين. وقوله: {والمقيمين الصلاة} اختلفوا هل هم الراسخون في العلم أو غيرهم؟ فقال قوم: هم هم. واختلف هؤلاء في إعرابه ومخالفته لاعراب الراسخين فقال قوم منهم: هو غلط من الكتب وانما هو، لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون والمقيمون الصلاة ذكر ذلك حماد بن سلمة عن الزبير. قال: قلت لابان بن عثمان بن عفان. ما شانها كتبت لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون والمقيمين الصلاة فقال: قال: إن الكاتب لما كتب لكن الراسخون في العلم منهم إلى قوله: من قبلك قال: ما اكتب؟ قيل له: اكتب والمقيمين الصلاة. وروى عروة بن الزبير قال: سألت عائشة عن قوله: {والمقيمين الصلاة}، وعن قوله: {والصابئون} وعن قوله: {إن هذان} فقالت: يا بن اخي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتابة وفي مصحف ابن مسعود {والمقيمون الصلوة} وقال الفراء أو الزجاج وغيرهما من النحويين: هو من صفة الراسخين، لكن لما طال، واعترض بينهما كلام نصب المقيمين على المدح وذلك سائغ في اللغة كما قال في ألايات التي تلوناها، وفي قوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء} وقال اخرون: هو من صفة الراسخين في العلم ها هنا، وان كان الراسخون في العلم من المقيمين. قالوا: وموضع {المقيمين} خفض عطفاً على ما في قوله: يؤمنون بما أنزل اليك وما انزل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة. والمعنى يؤمنون باقام الصلاة وقوله: والمؤتون الزكاة. قالوا: عطف على قوله: {والمؤمنون} وقال آخرون المقيمون الصلاة هم الملائكة. واقامتهم للصلاة تسبيحهم ربهم، واستغفارهم لمن في الارض. ومعنى الكلام والمؤمنون يؤمنون بما انزل اليك وما انزله من قبلك، وبالملائكة. واختاره الطبري. قال لانه في قراءة أبي كذلك، وكذلك هو في مصحفه. فلما وافق مصحفه لمصحفنا ذلك على انه ليس بغلط. وقال اخرون: المعنى المؤمنون يؤمنون بما انزل اليك، وما انزل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، وهم الائمة المعصومون، والمؤتون الزكاة، كما قال: يؤمن بالله، ويؤمن للمؤمنين. وانكروا النصب على المدح. قالوا: وانما يجوز ذلك بعد تمام خبره قالوا وخبر الراسخين قوله: {أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً} فلا يجوز نصب المؤمنين على المدح في وسط الكلام قبل تمام الخبر. واختار الزجاج ذلك. قال: يجوز أن تقول مررت بزيد كريم. بالجر والنصب والرفع: النصب على المدح، والخفض على الصفة، والرفع على تقدير هو الكريم. وانشد في النصب على المدح بيت خرنق: شعر : لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وافة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الازر تفسير : على معنى اذكر النازلين وهم الطيبون. ولو نصب لكان جائزاً. وقال قوم المعنى لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة قالوا فموضعه خفض. وقال: قوم: المعنى يؤمنون بما أنزل. اليك وإلى المقيمين الصلاة وهذان الوجهان الأخيران ضعيفان عند النحويين، لانه لا يكاد يعطف ظاهر على مكنى. قوله: {أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً} إشارة الى هؤلاء الذين وصفهم الله فاخبر أنه سيعطينهم أجراً أي ثواباً، وجزآء على ما كان منهم من طاعة الله واتباع أمره من الخلود في الجنة. وقيل من جملة الراسخين: عبد الله بن سلام وابن يامين وابن صوريا، واسد وثعلبة، وسلام وغيرهم من علماء اليهود الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم).
الجنابذي
تفسير : {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} اى منهم فالمعنى والمنقادون المسلمون بأنبيائهم وخلفاء انبيائهم او المؤمنون من امّتك فالمعنى والمناقدون المسلمون بك من امّتك او منهم ومن امّتك {يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ} عموماً ومنه الولاية او بما انزل اليك من ولاية علىّ (ع) خصوصاً فانّها منظورة من كلّما ذكر {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} فى علىٍّ (ع) او عموماً {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} ويؤمنون بالمقيمين الصّلوة ولمّا وسم عليّاً (ع) باسم مقيم الصّلوة ومؤتى الزّكوة بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} تفسير : [المائدة:55] ورّى عنه بالمقيمين الصّلوة وأتى بالمؤتون الزّكوة بالرّفع ليكون توريةً اخرى حتّى لا يسقطوه كسائر موارد التّصريح به وعلى هذا فقوله تعالى {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} خبر مبتدءٍ محذوفٍ كأنّه قال: وهم المعهودون بايتاء الزّكوة فى الرّكوع وقد بيّن العامّة وجوهاً لاعراب الآية لا فائدة فى ايرادها وان كانت محتملةً بحسب اللّفظ {وَ} هم {ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـۤئِكَ} الرّاسخون المؤمنون {سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} لايمانهم بما انزل اليك فى علىٍّ (ع).
الأعقم
تفسير : {لكن الراسخون في العلم} الثابتون فيه المتقنون المستبصرون، والآية نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه {منهم} أي من أهل الكتاب الذين علموا ما جاء به الأنبياء {والمؤمنون يؤمنون} يصدقون {بما أنزل إليك} من القرآن والشرائع إنه حق {وما أنزل من قبلك} من الكتب {والمقيمين الصلاة} هو صفة للراسخين على ما تقدم، وقيل: هم غيرهم والمراد به الأنبياء، وقيل: هم الملائكة، وقيل: هم المؤمنون، وإقامة الصلاة آداؤها بشرائطها {والمؤتون الزكاة} المعطون {والمؤمنون بالله} وحده من غير تشبيه {واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً} أي ثواباً جزيلاً وهو الجنة جزاء بما عملوا {إنَّا أوحينا إليك} قيل: لما نزل قوله: {أية : يسألك أهل الكتاب} تفسير : [النساء: 153] وما تقدم من ذمهم غضبوا وقالوا: {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء} تفسير : [الأنعام: 91] فأنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها {إنا أوحينا إليك} والأسباط هم أولاد يعقوب {وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبوراً} كتاباً يسمى زبوراً، ثم أجمل تعالى ذكر الرسل بعد تسمية بعضهم فقال: {ورسلاً} أي أرسلنا {رسلاً قد قصصناهم عليك من قبل} أي حكينا لك أخبارهم هود وصالح وشعيب وموسى وعيسى وغيرهم ممن ذكر الله في القرآن {ورسلاً لم نقصصهم عليك} لم نحكِ أخبارهم لك لما كان مصلحة {وكلَّم الله موسى تكليماً} والمراد كلمة بغير واسطة رسلاً أي أرسلنا من سميناهم ومن أجملنا ذكرهم {رسلاً مبشِّرين} مخوفين بالعقاب {لئلا يكون للناس على الله حجة} يعني ولكن لا يحتج من كفر فيقولون لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك فقط هذا العذر {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون} قيل: "حديث : أن جماعة من اليهود دخلوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لهم: "والله إني أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله" قالوا: ما نعلم ذلك، فنزلت"تفسير : ، وقيل: إن قريشاً قالت له: من يشهد لك بما تقول؟ فنزلت {أنزله بعلمه} معناه: أنزله ملتبساً بعلمه الخالص الذي لا يعلمه غيره بالثقة على علم أو أسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان {إنّ الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً} أي لا يلطف بهم أو لا يهديهم يوم القيامة طريق {إلا طريق جهنم} التي استحقوها بأعمالهم، وقيل: كفروا بالله وظلموا محمد بالتكذيب، وقيل: كفروا بالله وظلموا بمحاربتهم عباد الله. {يأيها الناس} خطاب عام لجميع المكلفين {قد جاءكم الرسول} يعني محمد (صلى الله عيه وآله وسلم) {بالحق} يريد الاسلام {فآمنوا خيراً لكم} مما أنتم فيه من الكفر.
اطفيش
تفسير : {لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ}: مبتدأ خبره جملة يؤمنون بعده. {فِى العِلْمِ مِنْهُمْ}: كعبد الله بن سلام وأصحابه، دلت الآية أن الرسوخ فى العلم انما هو العمل به، والثبوت عليه، لا كثرة حفظه، وجمع مسائله، لأن فى اليهود من هو مثل عبد الله بن سلام أو أعلم منه، لكنه كفر فعدم عمله بما علم زلق عن العلم، وعدم ثبوت ورسوخ فيه. {وَالمُؤمِنُونَ}: من أهل الكتاب، وهم الذين لا يعدون فى العلماء لكن معهم من العلم ما يؤدون به الفرض، ويتركون المحرم، وقيل: هم الراسخون أى متصفون بالرسوخ والايمان، وقيل: المراد المؤمنون من المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن آمن من العجم، كسلمان وبلال، وعلى كل حال المراد المؤمنون بالله ورسوله تحقيقا، فانهم يؤمنون بالنبى محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن يوصلهم تحقق ايمانهم الى الايمان بهما، كما يوصل الراسخين اليه رسوخهم، وتحقيق العلم كما قال الله جل وعلا: {يُؤمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}: من القرآن وسائر الوحى. {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ}: من كتب الله وسائر وحيه، والايمان بكتاب نبى ما ايمان بذلك النبى، والايمان بنبى ما ايمان بما أنزل اليه. {وَالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ}: أى واذكر يا محمد فى هذا المقام المؤمنين المقيمين الصلاة، أو لا تنسى المقيمين أو أعنى المقيمين أيضا، أو أمدح المقيمين، أو أذكر المقيمين، وحكمة المجىء به مخالفا لما قبله الاشعار بفضلهم، ومثل هذا عندى يجوز فى الوسط والآخر لا فى الآخر فقط، كما قيل، لأن هذا عطف، وليس من قطع النعت فضلا عن أن يقال لا اتباع بعد قطع، فهذا النصب جائز، سواء جعلنا يؤمنون خبر الراسخون، وأولئك سنؤتيهم خبر المؤتون، أو يؤمنون حالا من ضمير المؤمنون على بقاء الوصفية، مقيدة بما أنزل اليك لا مؤكدة، وجعلنا أولئك سنؤتيهم خبر الراسخون، وما عطف عليه. ومن قال لا يجوز ذلك ولو فى العطف الا فى الآخر قال: يؤمنون خبر الراسخون، أو جعل المقيمين معطوفا على ما أنزل اليك، فيكون المقيمين هم الأنبياء، أى يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك، وبالأنبياء المقيمين، فيكون تصريحا بالايمان بهم بعد أن لوح الى الايمان بهم بدل الايمان بما أنزل عليهم تأكيدا، أو يكونوا المقيمين الملائكة، لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وقيل: المقيمين المؤمنون من هذه الأمة، معطوف على الكاف، وفيه أنه لو كان كذلك لترجح إعادة الخافض ولقيل، وقيل المقيمين. وفى مصحف عبد الله بن مسعود: والمقيمون بالواو، وهى قراءة مالك بن دينار رضى الله عنه، والجحدرى، وعيسى الثقفى، وهو معطوف على الراسخون، أوعلى ضمير يؤمنون، وخبر المرفوعات كلها أولئك سنؤتيهم، ويؤمنون حال على ما مر، أو يؤمنون خبر، والمقيمون مبتدأ خبره أولئك الى آخره، يجوز عطف المرفوعات بعد يؤمنون على واوه، أو على الراسخون، والخبر يؤمنون، فتكون واو يؤمنون عائدة على ما بعدها وقبلها اذا عطفهن على الراسخون، ويكون أولئك مستأنفا اذا لم نجعله خبرا، فأنت خبير بأوجه نصب المقيمين وأوجه رفعه عطفناهن. وليس كما قيل أنه روى عن عائشة، وابان بن عثمان: أن النصب غلط من الكتاب، ولا كما قيل عن عثمان بن عفان: أن فى المصحف من الكاتب لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، وأنه قيد له، أفلا تغيره؟ فقال: دعوه لأنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، فان سبب كتابة المصاحف فى زمان عثمان وأبى بكر أن لا يختلف الناس، فكيف يثبت فيها ما غلط فيه الكاتب اعتمادا على اصلاح العرب باللسان، فان اللسان غير المصحف، وكيف تترك الصحابة ثلمة فى المصحف ليسدها من بعدهم. والرواية عن عثمان فى ذلك منقطعة، كيف لا يذب الصحابة عنها وهم يذبون عن أدنى شىء فى الدين، وأما أن يقال ذلك لحن من كلام الله، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من الكاتب فاشراك، والقرآن متواتر. قال السيوطى عن هشام بن عروة عن أبيه: سألت عائشة عن لحن القرآن قوله تعالى: {أية : ان هذان لساحران }تفسير : وقوله تعالى: {وَالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وقوله تعالى: {أية : ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون }تفسير : فقاله: يا ابن أخى هذا عمد الكتاب اخطاؤه فى الكتاب، هذا اسناد صحيح على شرط الشيخين، وعن عكرمة: كما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن فقال: لا تغيروها فان العرب ستغيرها، أو قال ستعربها بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف، والمملى من هذيل لم توجد فيه هذه الأحرف. وكان سعيد بن جبير يقرأ: والمقيمين الصلاة، ويقول: هو لحن من الكتاب، وذلك مشكل، كيف يلحن الصحابة، ولا سيما القرآن الذى ضبطوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف يجتمعون عليه؟ وكيف لا يرجعون عنه؟ وكيف ينهى عثمان عن تغييره؟ وكيف تستمر القراءة عليه؟ وأجيب: بأن ذلك لم يصح عن عثمان، ففى سنده ضعف واضطراب وانقطاع وعثمان قدوة كيف يترك لحنا لا يغيره، وقد كتبوا مصاحف لا مصحفا، فكيف يعمها اللحن وان كان فى بعضها ذلك دون بعض فلا أحد يقول فى بعضها لحن، وان صح أنه قال ذلك لحن، فلعله أراد الانحراف عن الظاهر، وان كان ذلك مطلقا لا بخصوص هؤلاء الآيات، فلعله أراد مواضع الحذف كالكتاب والصابرين، اذ حذف ألفهما والزيادة كلأذبحنه، ولا يمكن أن يترك اللحن فى الخط اعتمادا على اصلاحه فى اللسان، لأن النطق يؤخذ عن الكتاب، والكتاب ينبىء عن النطق، وقد أصلح عثمان ما ليس بلحن، فكيف يقر اللحن؟ وجد يتسن فأصلحه فى الخط بالحاق الهاء، ووجد فأمهل الكافرين فأصلحه فمهل بمحو الألف. وروى أنه لما فرغوا من المصحف، أتى به الى عثمان فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا ولا اشكال فى هذا، فان مثل هذا مثل الحذف الذى لم يقيد فى الخط والزيادة كذلك، فكانوا ينطقون بما حذف خطا، ويسقطون النطق ما زيد فى الخط، أو مثل التابوه بالهاء أصلحه بلغة قريش بالتابوت بالتاء، وأجيب عن قول عائشة أخطأوا بأنهم أخطأوا فى اختيار الأولى من الأحرف السبعة، وفيه أنه لا يصلح ذلك، وعن قول سعيد لحن من الكاتب أنه لغة كاتبه، وفيه أنه لا لغة بالياء فى النصب مع فتح نون الجمع وفيه لا يصلح ذلك. {وَالمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}: أصله المؤتيون، نقلت ضمة الياء للتاء لثقلها عليها فحذفت للساكن بعدها. {وَالمُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}: يوم البعث والجزاء قدم عليه الايمان بالأنبياء والكتب، وما يصدق الايمان والعمل بالشريعة، لأن المقصود بالآيات الزجر عن الشرك والنفاق. {أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً}: اذ آمنوا وعملوا الصالحات، ولو لم يعملوا أو لم يؤمنوا لم يكن لهم أجر عظيم ولا خير عظيم، وقرأ حمزة: سيؤتيهم بالياء المثناة التحتية والأجر العظيم نصيبهم فى الجنة.
اطفيش
تفسير : {لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ} الثابتون {فِى العِلْمِ مِنهُمْ} كعبد الله بن سلام وأصحابه كأسيد وثعلبة، وفيهم نزلت الآية، كما قال ابن عباس، وقد ذكرت منهم جملة فيما مر {وَالْمُؤْمِنُونَ} منهم، بأن آمنوا وصح إيمانهم دون أن يكونوا فى رقبة من اتصف منهم بالرسوخ فى العلم، أو المؤمنون المهاجرون والأنصار وغيرهم ممن آمن وصح إيمانه مطلقاً، او الراسخ والمؤمن ذات واحدة، أى لكن المتصفون بالرسوخ فى العلم والإيمان {يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ} أى واذكر المقيمين ولا تنسهم أو أعنى المقيمين، أو يتعلق بمحذوف، أى يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين على أنهم الأنبياء، قيل على إقامتها هى إشعارها، بين الناس، أو على أنهم الملائكة، وقد قال الله، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولا يخلو نبى عن إقامة الصلاة، وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة، أولئك وإلى المقيمين، وهم الأنبياء، وقيل: وبدين المقيمين، أو لكن الراسخون فى العلم منهم، ومن المقيمين، فإنه ربما عطف على الضمير المجرور المتصل بلا إعادة جار، وقد قيل بجوازه مع الفصل كما هنا، كما جاز مع الفصل فى العطف على الضمير المرفوع المتصل المفصول، وقرأ مالك ابن دينار وعيسى الثقفى والجحدرى بالواو، كما فى مصحف ابن مسعود {وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} مبتدأ أو معطوف عليه، وذلك عام خبره قوله تعالى {أَوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عظِيماً} أو عطف على واو يؤمنون، أو على الراسخون، وخبر الراسخون أولئك الخ وما بينهما معترض، والأجر العظيم الجنة، لجمعهم بين الإيمان والعمل الصالح واجتناب المحرمات، وصف الله تعالى مؤمنى أهل الكتاب بالرسوخ فى العلم، وبالإيمان بكل ما يجب الإيمان به وإيتاء الزكاة.
الالوسي
تفسير : {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} استدراك من قوله سبحانه: {أية : وَأَعْتَدْنَا} تفسير : [النساء: 161] الخ، وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلاً وآجلاً، و {مِنْهُمْ} في موضع الحال، أي لكن الثابتون المتقنون منهم في العلم المستبصرون فيه غير التابعين للظن كأولئك الجهلة، والمراد بهم عبد الله بن سلام وأسيد وثعلبة وأضرابهم، وفي المذكورين نزلت الآية كما أخرجه البيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي منهم، وإليه يشير كلام قتادة، وقد وصفوا بالإيمان بعدما وصفوا بما يوجبه من الرسوخ في العلم بطريق العطف المبني على المغايرة بين المتعاطفين تنزيلاً للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي كما مر، وقوله سبحانه: {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} من القرآن {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} من الكتب على الأنبياء والرسل حال من ـ المؤمنون ـ مبينة لكيفية إيمانهم، وقيل: اعتراض مؤكد لما قبله. وقوله تعالى: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ} قال سيبويه وسائر البصريين: نصب على المدح، وطعن فيه الكسائي بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام، وهنا ليس كذلك لأن الخبر سيأتي، وأجيب بأنه لا دليل على أنه لا يجوز الاعتراض بين المبتدأ وخبره، وحكى ابن عطية عن قوم منع نصبه على القطع من أجل حرف العطف لأن القطع لا يكون في العطف وإنما يكون في النعوت، ومن ادعى أن هذا من باب القطع في العطف تمسك بما أنشده سيبويه للقطع مع حرف العطف من قوله:شعر : ويأوي إلى نسوة عطل وشعثاً مراضيع مثل السعالى تفسير : وقال الكسائي: هو مجرور بالعطف على (ما أنزل إليك) على أن المراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، / قيل: وليس المراد بإقامة الصلاة على هذا أداؤها بل إظهارها بين الناس وتشريعها ليكون وصفاً خاصاً، وقيل: المراد بالمقيمين الملائكة لقوله تعالى: {أية : يُسَبّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 20]، وقيل: المسلمون بتقدير مضاف أي وبدين المقيمين، وقال قوم: إنه معطوف على ضمير {مِنْهُمْ}، وقيل ضمير {إِلَيْكَ}، وقيل: ضمير {قَبْلِكَ} والبصريون لا يجيزون هذه الأوجه الثلاثة لما فيها من العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وقد تقدم الكلام في ذلك، وزعم بعض المتأخرين أن الأشبه نصبه على التوهم لكون السابق مقام ـ لكن ـ المثقلة وضع موضعها {لَكِنِ} المخففة، ولا يخفى ما فيه، وبالجملة لا يلتفت إلى من زعم أن هذا من لحن القرآن، وأن الصواب والمقيمون بالواو كما في مصحف عبد الله، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي إذ لا كلام في نقل النظم تواتراً فلا يجوز اللحن فيه أصلاً، وأما ما روي أنه لما فرغ من المصحف أتى به إلى عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: قد أحسنتم وأجملتم أرى شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، ولو كان المملي من هذيل والكاتب من قريش لم يوجد فيه هذا، فقد قال السخاوي: إنه ضعيف، والإسناد فيه اضطراب وانقطاع فإن عثمان رضي الله تعالى عنه جعل للناس إماماً يقتدون به، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، وقد كتب عدة مصاحف وليس فيها اختلاف أصلاً إلا فيما هو من وجوه القراءات، وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع وهم هم كيف يقيمه غيرهم؟! وتأول قوم اللحن في كلامه على تقدير صحته عنه بأن المراد الرمز والإيماء كما في قوله:شعر : منطق رائع وتلحن أحيا ناً وخير الكلام ما كان لحناً تفسير : أي المراد به الرمز بحذف بعض الحروف خطاً كألف الصابرين مما يعرفه القراء إذا رأوه، وكذا زيادة بعض الحروف وقد قدمنا لك ما ينفعك هنا فتذكر. ثم الظاهر أن المقيمين على قراءة الرفع معطوف على سابقه وينزل أيضاً التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي، والعطف على ضمير {يُؤْمِنُونَ} ليس بشيء وكذا الحال في قوله تعالى: {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} فإن المراد بالكل مؤمنو أهل الكتاب وصفوا أولاً بكونهم راسخين في علم الكتاب لا يعترضهم شك ولا تزلزلهم شبهة إيذاناً بأن ذلك موجب للإيمان وأن من عداهم إنما بقوا مصرين [على الكفر] لعدم رسوخهم فيه، بل هم كريشة في بيداء الضلال تقلبهم زعازع الشكوك والأوهام، ثم بكونهم مؤمنين بجميع ما أنزل من الكتب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم بكونهم عاملين بما فيها من الأحكام، واكتفى من بينها بذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المستتبعين لسائر العبادات البدنية والمالية، ولما أن في إقامة الصلاة على وجهها انتصاباً بين يدي الحق جل جلاله، وانقطاعاً عن السوى، وتوجهاً إلى المولى كسى المقيمين حلة النصب ليهون عليهم النصب وقطعهم عن التبعية، فيا ما أحيلى قطع يشير إلى الاتصال بأعلى الرتب، ثم وصفهم بكونهم [مؤمنين] بالمبدأ والمعاد تحقيقاً لحيازتهم الإيمان بقطريه، وإحاطتهم به من طرفيه، وتعريضاً بأن من عداهم من أهل الكتاب ليسوا مؤمنين بواحد منهما حقيقة لأنهم قد مزجوا الشهد سماً وغدوا عن اتباع الحق الصرف عمياً وصماً. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الموصوفين بما تقدم من الصفات الجليلة الشأن المحكمة البنيان، وهو مبتدأ وقوله تعالى: {سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} خبره، والجملة خبر المبتدأ الذي هو / الراسخون، والسين لتوكيد الوعد كما قدمنا، وتنكير الأجر للتفخيم كما مر غير مرة، ولا يخفى ما في هذا من المناسبة التامة بين طرفي الاستدراك حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم، ووعد الآخرون بالأجر العظيم، وجوز غير واحد من المفسرين كون خبر المبتدأ الأول جملة {يُؤْمِنُونَ} وحمل المؤمنين على أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم ممن عدا أهل الكتاب والمناسبة عليه غير تامة، وذهب بعضهم إلى أن الاستدراك إنما هو من قوله تعالى: {أية : يَسْـئَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [النساء: 153] الآية كأنه قيل: لكن هؤلاء لا يسألونك ما يسألك هؤلاء الجهال من إنزال كتاب من السماء لأنهم قد علموا صدق قولك فيما قرأوا من الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووجوب اتباعك عليهم فلا حاجة بهم أن يسألوك معجزة أخرى إذ قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم ما يكفيهم عن ذلك، وروي هذا عن قتادة. وتجاوب طرفي الاستدراك عليه أتم منه على قول الجمهور. وقرأ حمزة {سيؤتيهم} بالياء مراعاة لظاهر قوله تعالى: {ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}.
الواحدي
تفسير : ثمَّ استثنى مؤمنيهم فقال: {لكن الراسخون} يعني: المبالغين في علم الكتاب منهم، كعبد الله بن سلام وأصحابه {والمؤمنون} من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم {يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولٰئك سنؤتيهم أجراً عظيماً} ظاهرةً إلى قوله: {رسلاً مبشرين}.
القطان
تفسير : ولكن.. هناك في اليهود والنصارى علماء راسخون في العلم، يؤمنون، شأن المؤمنين من أُمتك أيها النبي، بما أوحي اليك، أنت والرسل من قبلك (مثل عبد الله بن سلام وأسيد بن سعية وثعلبة بن سعية، وغيرهم)، ويقيمون الصلاة ويؤدونها على أحسن وجوهها، ويدفعون الزكاة ولا يبخلون بها، ويؤمنون بالله واليوم الآخر.. هؤلاء جميعاً سيجزيهم الله جزاءً وافياً وأجراً عظيماً لا يدرك وصفه إلا هو.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلرَّاسِخُونَ} {ٱلصَّلاَةَ} {ٱلزَّكَاةَ} {أُوْلَـۤئِكَ} (162) - لكِن الثَّابِتُونَ فِي العِلْمِ، مِنَ اليَهُودِ، وَالمُؤْمِنُونَ مِنْ أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ، يُصَدِّقُونَ بِمَا أوحِيَ إلَيْكَ، وَمَا أُوْحِيَ إلَى الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ. وَالذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ حَقَّ أدَائِهَا، وَيَدْفَعُونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، وَيُصَدِّقُونَ بِاللهِ وَبِالبَعْثِ وَالحِسَابِ، فَهَؤُلاءِ جَمِيعاً سَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمُ الجَنَّةَ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ. (خَصَّ اللهُ تَعَالَى المُقِيمِينَ الصَّلاَةَ بِالمَدْحِ فَنَصَبَ (المُقِيمِينَ) عَلَى المَدْحِ، لأنَّ الذِي يُقيمُ الصَّلاَةَ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ لاَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ). وَالمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ - مَنْصُوبٌ عَلَى المَدْحِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن لم يعمم الله الحكم على أهل الكتاب، الذي سبق بكفرهم وظلمهم لأنفسهم وأخذهم الربا وغير ذلك، بل وضع الاستثناء، ومثال لذلك "عبدالله بن سلام" الذي أدار مسألة الإيمان برسول الله في رأسه وكان يعلم أن اليهود قوم بُهت. فقال لرسول الله: إني أومن بك رسولاً، والله لقد عرفتك حين رأيتك كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد. ويقول الحق عن مثل هذا الموقف: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}. ولا أحد يتوه عن معرفة ابنه؛ كذلك الراسخون في العلم يعرفون محمداً رسولاً من الله ومبلغاً عنه، والراسخ في العلم هو الثابت على إيمانه لا يتزحزح عنه ولا تأخذه الأهواء والنزوات. بل هو صاحب ارتقاء صفائي في اليقين لا تشوبه شائبة أو شبهة. {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ}، وقوله الحق: {بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ} هو القرآن، وهو أصل يُرد إليه كل كتاب سابق عليه، فحين يؤمنون بما أنزل إلى سيدنا رسول الله، لابد أن يؤمنوا بما جاء من كتب سابقة. والملاحظ للنسق الأسلوبي سيجد أن هناك اختلافاً فيما يأتي من قول الحق: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} فقد بدأ الحق الآية: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ}. ونحن نعلم أن جمع المذكر السالم يُرفع بالواو وينصب ويُجر بالياء، ونجد هنا "المقيمين" جاءت بالياء، على الرغم من أنها معطوفة على مرفوع، ويسمي علماء اللغة هذا الأمر بـ "كسر الإعراب"؛ لأن الإعراب يقتضي حكماً، وهنا نلتفت لكسر الحكم. والأذن العربية التي نزل فيها القرآن طُبِعَتْ على الفصاحة تنتبه لحظة كسر الإعراب. لذلك فساعة يسمع العربي لحناً في اللغة فهو يفزع. وكلنا يعرف قصة العربي الذي سمع خليفة من الخلفاء يخطب، فلحن الخليفة لحنة فصرّ الأعرابي أذنيه، أي جعل أصابعه خلف أذنيه يديرهما وينصبهما ليسمع جيداً ما يقول الخليفة، ثم لحن الخليفة لحنة أخرى، فهب الأعرابي واقفاً، ثم لحن الثالثة فقال الأعرابي: أشهد أنك وُلِّيت هذا الأمر بقضاء وقدر. وكأنه يريد أن يقول: "أنت لا تستحق أن تكون في هذه المكانة". وعندما تأتي آية في الكتاب الذي يتحدى الفصحاء وفيها كسر في الإعراب، كان على أهل الفصاحة أن يقولوا: كيف يقول محمد إنه يتحدى بالفصاحة ولم يستقم له الإعراب؛ لكن أحداً لم يقلها، مما يدل على أنهم تنبهوا إلى السرّ في كسر الإعراب الذي يلفت به الحق كل نفس إلى استحضار الوعي بهذه القضية التي يجب أن يقف الذهن عندها: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ}. لماذا؟ لأن الصلاة تضم وتشمل العماد الأساسي في أركان الإسلام؛ لأن كل ركن من الأركان له مدة وله زمن وله مناط تكليف. فالشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يكفي أن يقولها المسلم مرة واحدة في العمر، والصوم شهر في العام وقد لا يصوم الإنسان ويأخذ برخص الإفطار إن كانت له من واقع حياته أسباب للأخذ برخص الإفطار. والزكاة يؤديها المرء كل عام أو كل زراعة إن كان لديه وعاء للزكاة. والحج قد يستطيعه الإنسان وقد لا يستطيعه. وتبقى الصلاة كركن أساسي للدين. ولذلك نجد هذا القول الكريم: {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} تفسير : [المدثر: 42-43] وأركان الإسلام - كما نعلم - خمسة وهي واضحة، ومن الجائز ألا يستطيع المسلم إقامتها كلها بل يقيم فقط ركنين اثنين، كالشهادة وإقامة الصلاة. وحين يقول الحق: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ}. يلفت كل مؤمن إلى استمرارية الودادة مع الله؛ فهم قد يودُّون الله شهراً في السنة بالصيام، أو يؤدُّون بإيتاء الزكاة كلما جاء لهم عطاء من أرض أو مال، أو يودون الله فقط إن استطاعوا الذهاب إلى الحج. وبالصلاة يودُّ المؤمن ربَّه كل يوم خمس مرات، هي - إذن - إعلان دائم للولاء لقد قلنا: إن الصلاة جمعت كل أركان الدين، ففيها نقول: "أشهد أن لاإله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله"، ونعلم أننا نزكي بالمال، والمال فرع العمل، والعمل يحتاج إلى وقت؛ والإنسان حين يصلي يُزكي بالوقت. والإنسان حين يصلي يصوم عن كل المحللات له؛ ففي الصلاة صيام، ويستقبل المسلم البيت الحرام في كل صلاة فكأنّه في حج. إذن فحين يكسر الحق الإعراب عند قوله: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} إنما جاء ليلفتنا إلى أهمية هذه العبادة. ولذلك يقولون: هذا كسر إعراب بقصد المدح. - فهي منصوبة على الاختصاص - ويخص به الحق المقيمين الصلاة؛ لأن إقامة الصلاة فيها دوام إعلان الولاء لله. ولا ينقطع هذا الولاء في أي حال من أحوال المسلم ولا في أي زمن من أزمان المسلم مادام فيه عقل. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} كأن كل الأعمال العبادية من أجل أن يستديم إعلان الولاء من العبد للإيمان بالله. والإيمان - كما نعلم - بين قوسين: القوس الأول: أن يؤمن الإنسان بقمة الإيمان وهو الإيمان بالله. والقوس الثاني: أن يؤمن الإنسان بالنهاية التي نصير إليها وهي اليوم الآخر. ويقول سبحانه جزاءً لهؤلاء: {أُوْلَـۤئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} هو أجر عظيم؛ لأن كل واحد منهم قد شذ عن جماعته من بقية أهل الكتاب ووقف الموقف المتأبي والرافض المتمرد على تدليس غيره، ولأنه فعل ذلك ليُبيّن صدق القرآن في أن الإعلام بالرسول قد سبق وجاء في التوراة. ومن بعد ذلك يقول الحق: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر معايب أهل الكتاب، ذكر الممدوحين منهم فقال: { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } أي: الذين ثبت العلم في قلوبهم ورسخ الإيقان في أفئدتهم فأثمر لهم الإيمان التام العام { بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِن قَبْلِكَ } . وأثمر لهم الأعمال الصالحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللذين هما أفضل الأعمال، وقد اشتملتا على الإخلاص للمعبود والإحسان إلى العبيد. وآمنوا باليوم الآخر فخافوا الوعيد ورجوا الوعد. { أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا } لأنهم جمعوا بين العلم والإيمان والعمل الصالح، والإيمان بالكتب والرسل السابقة واللاحقة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):