٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
161
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَأَخْذِهِمُ ٱلرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} كان الربا محرماً عليهم كما هو محرم علينا، وفيه دليل على دلالة النهي على التحريم. {وَأَكْلِهِمْ أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ} بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} دون من تاب وآمن.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَخْذِهِمُ ٱلرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } في التوراة {وَأَكْلِهِمْ أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ } بالرشا في الحكم {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } مؤلماً.
الخازن
تفسير : {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص على طلب المال فتارة يحصلونه بطريق الربا مع أنهم قد نهوا عنه وتارة يحصلونه بطريق الرشا وهو المراد بقوله {وأكلهم أموال الناس بالباطل} فهذه الأربعة هي الذنوب التي شدد عليهم بسببها في الدنيا والآخرة، أما التشديد في الدنيا فهو ما تقدم من تحريم الطيبات عليهم وأما التشديد في الآخرة فهو المراد بقوله تعالى: {وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً} قال المفسرون: إنما قال منهم لأن الله علم أن قوماً منهم سيؤمنون فيأمنون من العذاب. قوله تعالى: {لكن الراسخون في العلم منهم} يعني من اليهود وهذا استثناء استثنى الله عز وجل من آمن من أهل الكتاب ممن تقدم وصفهم في الآيات التي تقدمت فبين فيما تقدم حال كفار اليهود والجهال منهم وبين في هذه الآية حال من هداه لدينه منهم وأرشده للعمل بما علم فقال لكن الراسخون في العلم ولكن هنا بمعنى الاستدراك والاستثناء والراسخون في العلم الثابتون في العلم البالغون فيه أولو البصائر الثاقبة والعقول الصافية وهم عبدالله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا من أهل الكتاب لأنهم رسخوا في العلم وعرفوا حقيقته فأوصلهم ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {والمؤمنون} يعني بالله ورسله {يؤمنون بما أنزل إليك} يعني بالقرآن الذي أنزل إليك {وما أنزل من قبلك} يعني ويؤمنون بسائر الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه من قبله يا محمد وفي المراد بالمؤمنين ها هنا قولان: أحدهما إنهم أهل الكتاب فيكون المعنى لكن الراسخون في العلم منهم وهم المؤمنون. والقول الثاني أنهم المهاجرون والأنصار من هذه الأمة فيكون قوله والمؤمنون ابتداء كلام مستأنف يؤمنون بما أنزل إليك ويعني أنهم يصدقون بالقرآن الذي أنزل إليك يا محمد وما أنزل من قبلك {والمقيمين الصلاة} اختلف العلماء في وجه نصبه فحكي عن عائشة وأبان بن عثمان أنه غلط من الكتاب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة. وقال عثمان بن عفان إن في المصحف لحناً ستقيمه العرب بألسنتهم فقيل له أفلا تغيره؟ فقال دعوه فإنه لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً وذهب عامة الصحابة وسائر العلماء من بعدهم إلى أنه لفظ صحيح ليس فيه من خطأ من كاتب ولا غيره وأجيب عما روي عن عثمان بن عفان وعن عائشة وأبان بن عثمان بأن هذا بعيد جداً لأن الذين جمعوا القرآن هم أهل اللغة والفصاحة والقدرة على ذلك فكيف يتركون في كتاب الله لحناً يصلحه غيرهم فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم. قال ابن الأنباري: ما روي عن عثمان لا يصلح لأنه غير متصل ومحال أن يؤخر عثمان شيئاً فاسداً ليصلحه غيره ولأن القرآن منقول بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟ وقال الزمخشري في الكشاف ولا يلتفت إلى ما زعموا من قوع لحن في خط المصحف وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب يعني كتاب سيبويه ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص والمدح من الافتتان وهو باب قد ذكره سيبويه على أمثلة وشواهد وربما غبي عليه أن السابقين الأولين كانوا أبعد همة في الغيرة في الإسلام وذب الطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله عز وجل ثلمة يسدها من بعدهم وخرقاً يرفؤه من يلحن بهم ثم اختلف العلماء في المقيمين الصلاة أهم الراسخون في العلم أم غيرهم؟ على قولين: أحدهما إنهم هم وإنما نصب على المدح والمعنى أذكر المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة قالوا العرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته وإذا تطاولت بمدح أو ذم فربما خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحياناً ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب واستشهدوا على معنى الآية: شعر : لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر تفسير : وهذا على معنى أذكر النازلين وهم الطيبون ومن هذا المعنى تقول جاءني المطعمين وهم المعينون. والقول الثاني أن المقيمين الصلاة غير الراسخين في العلم وموضع والمقيمين الصلاة خفض بالعطف على قوله تعالى بما أنزله إليك فعلى هذا القول يكون معنى الآية: {والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة} وهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع أحد منهم عن إقامة الصلاة وقيل المراد بهم الملائكة لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون وصحح الزجاج القول الأول واختاره وصحح الطبري القول الثاني واختاره. وقوله تعالى: {والمؤتون الزكاة} عطف على والمؤمنون لأنه من صفتهم {والمؤمنون بالله واليوم الآخر} يعني والمصدقون بوحدانية الله تعالى وبالبعث بعد الموت وبالثواب وبالعقاب {أولئك} يعني من هذه الأوصاف صفته {سنؤتيهم أجراً عظيماً} يعني سنعطيهم على ما كان منهم من طاعة الله وإتباع أمره ثواباً عظيماً وهو الجنة.
اسماعيل حقي
تفسير : {واخذهم الربوا وقد} اى والحال انهم قد {نهوا عنه} فان الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا. وفيه دليل على ان النهى يدل على حرمة المنهى عنه {واكلهم اموال الناس بالباطل} بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة {واعتدنا} اى خلقنا وهيأنا {للكافرين منهم} اى للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم {عذابا اليما} وجيعا يخلص وجعه الى قلوبهم سيذوقونه فى الآخرة كما ذاقوا فى الدنيا عقوبة التحريم.
الجنابذي
تفسير : {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} قد سبق معنى الباطل والحقّ الّذى فى مقابله {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ} لا التّائبين ولا المذنبين المعترفين {عَذَاباً أَلِيماً} لمّا توهّم من نسبة سؤال الكتاب والنّقض والصّدّ وغير ذلك اليهم عموماً انّ الكلّ كانوا مخالفين له (ص) غير مؤمنين به استدركه بقوله تعالى {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ}: نهاهم الله عن الربا ولم يجتنبوه، كانوا يعطون الدرهم، ويأخذون الدرهمين أو أكثر ونحو ذلك، حرم عليهم ذلك يدا بيد، ونسيئة، وقيل نسيئة، وكما حرم أخذ الربا يحرم عقده، والآية أيضا تدل على تحريم عقده، لأنه وسيلة ومفتاح لأخذه، اذ لا أخذ له الا بعقده، ولكن شنع بالذى هو أعظم، ويجوز أن يكون أخذهم الربا بمعنى عقده تسمية للسبب باسم المسبب، فيفهم تحريم أخذه الحقيقى عليهم بالأولى. {وَأكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ}: بالوجه الباطل المخالف للشرع، أخذ المال على تحريف كلام الله لفظا أو تفسيرا، وعلى الحكم بغير ما أنزل الله، وتحريم الطيبات من عقاب الدنيا، وأما عذاب الآخرة فذكره الله جل وعلا بقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَباً أَلِيماً}: دون من تاب وآمن.
اطفيش
تفسير : {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَٰوا وَقَدْ نٌهٌوا} فى التوراة {عَنْهُ} أن يتعاملوا فيه فيما بينهم، وأن يتعاملوا به مع غيرهم، وأن يأكلوه منهم ومن غيرهم، وكذبوا على الله، وقالوا، إنما حرم أن نعامل به فيما بيننا، وأما من أحل السبت من النصارى ومن المسلمين ومن غيرهم فلا يحرم الربا معهم ومنهم، وأنهم حلال المال والدم لإحلالهم السبت، وجملة قد نهوا حال من الربا أو من الهاء {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} بالرشا ودعوى حل المال بإحلال السبت وبتحريف التوراة لفظاً أو تفسيراً، أو الزيادة فيها والنقص، وتحليل الحرام وتحريم الحلال، وكتم الحق والسرقة والغش {وَأَعْتَدْنَا} عطف على حرمنا {لِلْكَافِرِينَ} المصرين {مِنْهُمْ} لا لمن تاب كعبد الله بن سلام من الصحابة، وكعب الأحبار من التابعين {عَذَاباً أَلِيماً} على تلك الأفعال وارتكاب النهى، وفى الآية دليل على أن النهى المجرد للتحريم، لأنه قال لهم: لا تفعلوا فعاقبهم بمجرد مخالفة هذا القول.
الالوسي
تفسير : وأعيدت الباء هنا ولم تعد في قوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ ٱلرّبَوٰاْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} لأنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولاً للمعطوف عليه، وحيث فصل بمعموله لم تعد، وجملة (وقد نهوا) حالية، وفي الآية دلالة على أن الربا كان محرماً عليهم كما هو محرم علينا، وأن النهي يدل على حرمة المنهى عنه، وإلا لما توعد سبحانه على مخالفته {وَأَكْلِهِمْ أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ} بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ} أي للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم ـ كعبدالله بن سلام وأضرابه ـ {عَذَاباً أَلِيماً} سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة التحريم، وذكر في «البحر» أن التحريم كان عاماً للظالم وغيره، وأنه من باب {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} تفسير : [الأنفال: 25] دون العذاب، ولذا قال سبحانه: (للكافرين) دون ـ لهم ـ وإلى ذلك ذهب الجبائي أيضاً فتدبر.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلرِّبَا} {أَمْوَالَ} {بِٱلْبَاطِلِ} {لِلْكَافِرِينَ} (161) - وَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِتَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ عَلَيْهِمْ أيْضاً، بِسَبَبِ تَعَامُلِهِمْ بِالرِّبَا، وَقَدْ نَهَاهُمُ اللهُ عَنْهُ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، فَاحْتَالُوا عَلَى أكْلِهِ بَأنْواعِ الحِيَلِ، وَصُنُوفٍ مِنَ الشُّبَهِ، وَبِسَبَبِ أكْلِهِمْ أمْوالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَذَلِكَ بِالرَّشْوَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالخِيَانَةِ وَنَحْوِها ... مِمَّا فِيهِ أخْذٌ لِلْمَالِ بِلاَ مُقَابِلٍ يُعْتَدُّ بِهِ. وَيَتَهَدَّدُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالعِقَابِ الألِيمِ الذِي أَعَدَّهُ لِمَنْ يَرْتَكِبُ هَذِهِ الجَرَائِمَ، وَهُوَ الخُلُودُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَفِيهَا العَذَابُ الألِيمُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وأي ظلم يتحدث عنه الحق في قوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}؟. الظلم معناه أن يحكم واحد لغير ذي الحق بحق، وقمة الظلم أن يحكم واحد بأن الله شريكاً، ولذلك قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] وحيثيات حكم الله بتحريم أشياء كانت حلالاً لبني إسرائيل متعددة. وحين يحرم الله شيئاً فمن المؤكد أنه محدود بالنسبة للمحلَّل؛ فالمحرم قليل، وبقية ما لم يذكره الله إنما يدخل في نطاق الحلال. مثال ذلك قوله الحق: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الأنعام: 151-152] يورد الحق هنا المحرمات وهي أشياء محددة محدودة، أما النعم كلها فحلال. ومن هذا الأمر نفهم اتساع مدى رحمانية الحق بالخلق، فقد وهبنا الكثير والكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى ولم يحرم إلا القليل. وتحريم القليل جاء لتبقى كل نعمة في مجالها. فإذا قال الإنسان: حرم الله هذا الشيء لأنه ضار نقول: ما تقوله جائز، ولكن ليس الضرر هو سبب الحكم لِكل المحرمات، فقد يحرم سبحانه أمراً لتأديب قوم ما. - ولله المثل الأعلى - نرى المسئول عن تربية أسرة قد يحرم على ولد فيها لوناً من الطعام أو جزءاً من مصروف اليد ويكون القصد من ذلك هو العقوبة. ولماذا استحق بنو إسرائيل عقوبة التحريم؟. لقد جاءوا من خلف منهج الله وأحلوا لأنفسهم ما حرم الله. وماداموا قد زاغوا فأحلوا ما حرم الله فالحق يرد عليهم: لقد اجترأتم على ما حرمت فحللتموه، ومن حقي أن أحرم عليكم ما أحللت لكم من قبل ذلك، حتى لا يفهم الإنسان أنه بتحليله لنفسه ما حرم الله قد أخذ شيئاً من وراء الله فلا أحد يمكنه أن يغلب الله. ولذلك يحرم سبحانه عليه شيئاً من حلاله. والتحريم إما أن يكون تحريم تشريع، وإما تحريم طبع أو فطرة أو ضرورة. نجد الرجل الذي أسرف على نفسه في تناول محرمات كالخمر - مثلاً - يحرم الله عليه أشياء كانت حلالاً له، ويقول له الطبيب: تهرأ كبدك وصار من الممنوع عليك أن تأكل صنوفاً كثيرة من الطعام والشراب. وهكذا نرى ظلم الإنسان لنفسه، وكيف نتج عنه تحريم أشياء كانت حلالاً له. ومن أسرف على نفسه في تناول صنف معين من الطعام كالسكر مثلاً فأكَله فوق ما تدعو به الحاجة، نجد سنة الله الكونية تقول له: لقد أخذت أكثر من حقك. وعطلت في جسدك القدرة على حسن استخدام السكر فصرت مريضاً، إياك أن تتناول السكريات مرة أخرى. ويشتهي المريض السكر والحلوى ويملك القدرة على شرائهما، ولكنها محرمة عليه، وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول له: بظلم منك لنفسك حرمت ما أحللته لك. وآخر يملك الثروات والخدم والمزارع الشاسعة، ويقوم له الآخرون بطحن الغلال، ويأمر بأن يصنعوا له الخبز من أنقى أصناف الدقيق الخالي من أية قدر من "النخالة"، ويصنعون له الخبز الأبيض، ويأكله بينما الاتباع يصنعون لأنفسهم الخبز من الدقيق الأقل نقاوة، فتقول له سنة الله: ستأكل الخبز المصنوع من النخالة بأمر الطبيب علاجاً لأمعائك لأنك أسرفت على نفسك في أكل الخبز المصنوع من أنقى أنواع الدقيق وليأكل رعاياك وعمالك الخبز المصنوع من أفخر ألوان الدقيق، فبظلم منك حرمنا ما أحل لك. وعندما نَرى إنساناً قد حُرمَ من نعمة من نعم الله التي هي حلال له، نعلم أنه قد حلل لنفسه شيئاً حرمه الله عليه، أو أسرف في استعمال حق أحله الله له، ولا أحد منا يفلت من رقابة الله. إذن فالتحريم قد يكون بالتشريع، إذا كانت العقوبة التحريم من المشرع، وقد يكون تحريماً بالطبع والفطرة إن كان في الأمر إسراف من النفس. ولنقرأ دائماً هذه الآية: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} وكذلك الذين يأخذون مالاً بالربا، لقد أخذوا الربا ليزيد مالهم، لماذا تريدون المال؟. أتريدون المال لذات المال؛ أم لهدف آخر؟. صحيح أن المال رزق، لكنه رزق غير مباشر؛ لأنه يَشْتري به الأشياء التي ينتفع بها الإنسان، وهي الرزق المباشر. وقلنا قديماً: هب أن إنساناً في صحراء ومعه جبل من ذهب لكن الطعام انقطع منه، وجبل الذهب في مثل هذه الحالة لا ينفع، بل يصبح رغيف الخبز وكوب الماء في تلك الحالة أغلى من الذهب. والذي يزيد ماله بالربا، أيريد تلك الزيادة من أجل المتع؟. سبحانه يمحق ذلك المال ويُذهبه في كوارث. ومن أراد أن يبقي له ما أحل الله إلى أن يأتي أجله فعليه ألا يبيح لنفسه أي شيء حرمه الله. وبذلك يظل متمتعاً بنعم الله عليه. فالحق هو القائل: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}. الإنسان - إذن - هو الذي يظلم نفسه مصداقاً لقوله الحق: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [يونس: 44] وهكذا ظلم اليهود أنفسهم فحرم الله عليهم طيبات أُحِّلت لهم. ومن الذي نقل الأمر الطيب إلى أمر غير طيب؟. إنه الإنسان. ولكن هل نقل ذات الشيء أو حكم الشيء؟. لقد نقل حكم الشيء، فجعل الشيء الحرام شيئاً حلالاً. {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً}. كيف يكون باستطاعتهم الصد عن سبيل الله؟. لقد ظلموا أنفسهم وأخذوا الربا وتلك أمور تجعلهم في ناحية الضلال وفي جانب الباطل، وليت الأمر وقف عند هذا. بل أرادوا أيضاً إضلال غيرهم، وهذا هو مضمون الصد عن سبيل الله. وجعلهم هذا الأمر أصحابَ وزر آخر فوق أوزارهم، فلم يكتفوا بضلالهم بل تحملوا أوزار إضلال غيرهم. {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} تفسير : [النحل: 25] وقد يسمع متشكك هذا القول. فيتساءل: كيف يناقض القرآن بعضه فيقول: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164] ونقول: إن لكل وزر طريقاً وحساباً، فالإنسان يحمل وزر ضلاله وحده إن لم يضل به أحداً غيره، ولكن إن حاول إضلال غيره فهو يتحمل وزر هذا الإضلال. ويقول الحق في تكملة ظلمهم لأنفسهم: {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}، وقد تعرضنا للربا من قبل. وقد أخذوا الرشوة، وهو أكل لمال الناس بالباطل؛ وكذلك السرقة، والغش في السلع، كل ذلك أخذ مال من الناس بغير حق، وما أخذ بغير الحق فهو باطل، وأعد سبحانه لهم مسبقاً عذاباً اليماً. ولكل إنسان مقعدان: مقعد من الجنة إن قُدّر إيمانه، ومقعد من النار إن قُدّر كفره، ولا مجال للظن بإمكان ازدحام الجنة أو ازدحام النار، فقد خلق الله مقاعد الجنة على أساس أن كل الناس مؤمنون، وجعل مقاعد النار على أساس أن كل الناس كافرون. ولذلك يقول الحق: {أية : ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [المؤمنون: 11] وحين يتبوأ المؤمن مقعده في الجنة يورثه الله المقعد الآخر الذي أعده للكافر؛ فقد كان للكافر قبل أن يكفر مقعدٌ في الجنة لو اختار الإيمان. وقد أعد الحق العذاب الأليم لهم أي الشديد إيلامه، وهو مهين أيضا أي أن في قدرته قهر أي إنسان يتجلد للشدة، فلا أحد يقدر على الجَلَد أمام عذاب الله. وهل هذا هو كل ما كان من أهل الكتاب؟. ألم يوجد في أهل الكتاب من كان يدير مسألة برسول الله صلى الله عليه وسلم في عقله، ويبحث في القضايا والسمات التي جاءت مبشرِّة به صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل؟. كان من بينهم من فعل ذلك، ويورد الحق سبحانه وتعالى التاريخ الصادق، فيستثنى من أهل الكتاب الراسخين في العلم فيقول: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):