٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
160
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما شرح فضائح أعمال اليهود وقبائح الكافرين وأفعالهم ذكر عقيبه تشديده تعالى عليهم في الدنيا وفي الآخرة، أما تشديده عليهم في الدنيا فهو أنه تعالى حرّم عليهم طيبات كانت محللة لهم قبل ذلك، كما قال تعالى في موضع آخر {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} تفسير : [الأنعام: 146] ثم إنه تعالى بيّن ما هو كالعلة الموجبة لهذه التشديدات. واعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظلم للخلق، والإعراض عن الدين الحق، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله {وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص في طلب المال، فتارة يحصلونه بالربا مع أنهم نهوا عنه، وتارة بطريق الرشوة وهو المراد بقوله {وَأَكْلِهِمْ أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ } ونظيره قوله تعالى: {أية : سَمَّـٰعُونَ للكَذِبَ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ } تفسير : [المائدة: 42] فهذه الأربعة هي الذنوب الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا وفي الآخرة، أما التشديد في الدنيا فهو الذي تقدم ذكره من تحريم الطيبات عليهم، وأما التشديد في الآخرة فهو المراد من قوله {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }. واعلم أنه تعالى لما وصف طريقة الكفار والجهال من اليهود وصف طريقة المؤمنين منهم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى:{فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} قال الزجاج: هذا بدل من «فبما نَقْضِهِم». والطيبات ما نصّه في قوله تعالى { أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } تفسير : [الأنعام: 146] وقدّم الظلم على التحريم إذ هو الغرض الذي قصد إلى الإخبار عنه بأنه سبب التحريم. {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي وبصدّهم أنفسهم وغيرهم عن ٱتباع محمد صلى الله عليه وسلم. {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} كله تفسير للظلم الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وما بعده؛ وقد مضى في «آل عمران» أن ٱختلاف العلماء في سبب التحريم على ثلاثة أقوال هذا أحدها. الثانية ـ قال ابن العربي: لا خلاف في مذهب مالك أن الكفار مخاطبون، وقد بيّن الله في هذه الآيه أنهم قد نهوا عن الربا وأكل الأموال بالباطل؛ فإن كان ذلك خبرا عما نزل على محمد في القرآن وأنهم دخلوا في الخطاب فبها ونعمت، وإن كان خبراً عما أنزل الله على موسى في التوراة، وأنهم بدّلوا وحرفوا وعصوا وخالفوا فهل يجوز لنا معاملتهم والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم أم لا؟ فظنت طائفة أنّ معاملتهم لا تجوز؛ وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد. والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم وٱقتحام ما حرّم الله سبحانه عليهم؛ فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنا وسنة؛ قال الله تعالى { أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } تفسير : [المائدة: 5] وهذا نصٌ؛ وقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ومات ودِرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله. والحاسم لداء الشك والخِلاف ٱتفاق الأمّة على جواز التجارة مع أهل الحرب؛ وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم إليهم تاجراً، وذلك من سفره أمر قاطع على جواز السفر إليهم والتجارة معهم. فإن قيل: كان ذلك قبل النبوّة؛ قلنا: إنه لم يتدنس قبل النبوة بحرام ـ ثبت ذلك تواتراً ـ ولا ٱَعتذر عنه إذ بُعِث، ولا منع منه إذْ نبِّىء، ولا قطعه أحد من الصحابة في حياته، ولا أحد من المسلمين بعد وفاته؛ فقد كانوا يسافرون في فك الأسرى وذلك واجب، وفي الصلح كما أرسل عثمان وغيره؛ وقد يجب وقد يكون ندباً؛ فأمّا السفر إليهم لمجرّد التجارة فمباح.
البيضاوي
تفسير : {فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } أي فبأي ظلم منهم. {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } يعني ما ذكره في قوله وعلى الذين هادوا حرمنا. {وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً } ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة، حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو، قال: قرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم، وهذا التحريم قد يكون قدرياً، بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالاً لهم، فحرموها على أنفسهم؛ تشديداً منهم على أنفسهم، وتضييقاً وتنطعاً، ويحتمل أن يكون شرعياً، بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالاً لهم قبل ذلك، كما قال تعالى: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَٰءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} تفسير : [آل عمران: 93] وقد قدمنا الكلام على الآية، وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالاً لهم من قبل أن تنزل التوراة، ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها، ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال في سورة الأنعام: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} تفسير : [الأنعام: 146] أي: إنما حرمنا عليهم ذلك؛ لأنهم يستحقون ذلك؛ بسبب بغيهم وطغيانهم، ومخالفتهم رسولهم، واختلافهم عليه، ولهذا قال: { فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} أي: صدوا الناس، وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقاً من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهما. وقوله: {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} أي: إن الله قد نهاهم عن الربا، فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواع من الحيل، وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}، ثم قال تعالى: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} عطف على الراسخين، وخبره {يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} قال ابن عباس: أنزلت في عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد وزيد بن سعية، وأسد بن عبيد، الذين دخلوا في الإسلام، وصدقوا بما أرسل الله به محمداً صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ} هكذا هو في جميع مصاحف الأئمة، وكذا هو في مصحف أبي بن كعب، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: والمقيمون الصلاة، قال: والصحيح قراءة الجميع، ثم رد على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب، ثم ذكر اختلاف الناس، فقال بعضهم: هو منصوب على المدح، كما جاء في قوله: {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} تفسير : [البقرة: 177] قال: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر:شعر : لا يبعدنْ قومي الذين هُمو سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجزرِ النازلين بكلِّ مُعْتَرَكٍ والطيبون مَعاقِدَ الأُزْرِ تفسير : وقال آخرون: هو مخفوض عطفاً على قوله: {بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة: الملائكة، وهذا اختيار ابن جرير، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة، وفي هذا نظر، والله أعلم. وقوله: {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم، {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي: يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ} هو الخبر عما تقدم {سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} يعني: الجنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَبِظُلْمٍ} أي فبسبب ظلم {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} هم اليهود {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } هي التي في قوله تعالى { أية : حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } تفسير : [146:6] الآية {وَبِصَدّهِمْ} الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} دينه صداً {كَثِيراً}.
الشوكاني
تفسير : الباء في قوله: {فَبِظُلْمٍ } للسببية، والتنكير والتنوين للتعظيم، أي: فبسبب ظلم عظيم حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم، لا بسبب شيء آخر، كما زعموا أنها كانت محرّمة على من قبلهم. وقال الزجاج: هذا بدل من قوله: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم } تفسير : [النساء: 155، المائدة: 13]. والطيبات المذكورة هي ما نصه الله سبحانه: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } تفسير : [الأنعام: 146] الآية {وَبِصَدّهِمْ } أنفسهم وغيرهم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } وهو اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتحريفهم، وقتلهم الأنبياء، وما صدر منهم من الذنوب المعروفة. وقوله: {كَثِيراً } مفعول للفعل المذكور، أي: بصدّهم ناساً كثيراً، أو صفة مصدر محذوف، أي: صدّاً كثيراً {وَأَخْذِهِمُ ٱلرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } أي: معاملتهم فيما بينهم بالربا، وأكلهم له، وهو محرّم عليهم {وَأَكْلِهِمْ أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ } كالرشوة والسحت الذي كانوا يأخذونه. قوله: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ } استدراك من قوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } أو {مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا: إن هذه الأشياء كانت حراماً في الأصل، وأنت تحلها، فنزل: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ } والراسخ: هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه، والرسوخ: الثبوت. وقد تقدّم الكلام عليه في آل عمران. والمراد عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ونحوهما. والراسخون مبتدأ، ويؤمنون خبره، والمؤمنون معطوف على الراسخون. والمراد بالمؤمنين: إما من آمن من أهل الكتاب، أو من المهاجرين والأنصار، أو من الجميع. قوله: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ } قرأ الحسن، ومالك بن دينار، وجماعة: "والمقيمون الصلاة" على العطف على ما قبله، وكذا هو في مصحف ابن مسعود، واختلف في وجه نصبه على قراءة الجمهور على أقوال: الأوّل قول سيبويه أنه نصب على المدح، أي: وأعني المقيمين. قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب على التعظيم، ومن ذلك: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ } وأنشد:شعر : وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم إلا نميراً أطاعت أمر غاويها الطاعنين ولما يطعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليها تفسير : وأنشد:شعر : لا يبعدنّ قومي الذين هم سمّ العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر تفسير : قال النحاس: وهذا أصح ما قيل في المقيمين. وقال الكسائي، والخليل: هو معطوف على قوله: {بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } قال الأخفش: وهذا بعيد لأن المعنى يكون هكذا: ويؤمنون بالمقيمين. ووجهه محمد بن يزيد المبرد بأن المقيمين هنا هم الملائكة، فيكون المعنى: يؤمنون بما أنزل إليك، وبما أنزل من قبلك، وبالملائكة، واختار هذا. وحكى أن النصب على المدح بعيد؛ لأن المدح إنما يأتي بعد تمام الخبر، وخبر الرّاسخون هو قوله: {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً } وقيل: إن المقيمين معطوف على الضمير في قوله: {مِنْهُمْ } وفيه أنه عطف على مضمر بدون إعادة الخافض. وحكى عن عائشة أنها سئلت، عن المقيمين في هذه الآية، وعن قوله تعالى: {أية : إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } تفسير : [طه: 63] وعن قوله: {أية : وَٱلصَّـٰبِئُونَ }تفسير : [المائدة: 69] في المائدة؟ فقالت: يا ابن أخي الكتاب أخطئوا. أخرجه عنها أبو عبيد في فضائله، وسعيد ابن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر. وقال أبان بن عثمان كان الكاتب يملي عليه، فيكتب فكتب: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } ثم قال ما أكتب؟ فقيل له أكتب: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ } فمن ثم وقع هذا. أخرجه عنه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر. قال القشيري: وهذا باطل؛ لأن الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوة في اللغة، فلا يظن بهم ذلك. ويجاب عن القشيري بأنه قد روى عن عثمان بن عفان أنه لما فرغ من المصحف وأتى به إليه قال: أرى فيه شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنها. أخرجه عنه ابن أبي داود من طرق. وقد رجح قول سيبويه كثير من أئمة النحو والتفسير، ورجح قول الخليل، والكسائي ابن جرير الطبري، والقفال، وعلى قول سيبويه تكون الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر على قول من قال: إن خبر {الرّاسخون} هو قوله: {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ } أو بين المعطوف والمعطوف عليه إن جعلنا الرّاسخون هو يؤمنون، وجعلنا قوله: {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } عطفاً على المؤمنون لا على قول سيبويه أن المؤتون الزكاة مرفوع على الابتداء، أو على تقدير مبتدأ محذوف، أي: هم المؤتون الزكاة. قوله: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } هم مؤمنو أهل الكتاب، وصفوا أوّلاً بالرسوخ في العلم، ثم بالإيمان بكتب الله، وأنهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بالله، واليوم الآخر. وقيل المراد بهم: المؤمنون من المهاجرين والأنصار، كما سلف، وأنهم جامعون بين هذه الأوصاف، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً } إلى {الرّاسخون}، وما عطف عليه. قوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيّينَ مِن بَعْدِهِ } هذا متصل بقوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } والمعنى: أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كأمر من تقدّمه من الأنبياء، فما بالكم تطلبون منه ما لم يطلبه أحد من المعاصرين للرسل، والوحي إعلام في خفاء، يقال: وحى إليه بالكلام وحياً، وأوحى يوحى إيحاء، وخصّ نوحاً لكونه أوّل نبيّ شرعت على لسانه الشرائع، وقيل: غير ذلك، والكاف في قوله: {كَمَا } نعت مصدر محذوف، أي: إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح، أو حال، أي: أوحينا إليك هذا الإيحاء حال كونه مشبهاً بإيحائنا إلى نوح. قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } معطوف على {أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ } {وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَــٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ } وهم أولاد يعقوب كما تقدّم {وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ } خص هؤلاء بالذكر بعد دخولهم في لفظ النبيين تشريفاً لهم كقوله: {أية : وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ }تفسير : [البقرة: 98]، وقدّم عيسى على أيوب، ومن بعده مع كونهم في زمان قبل زمانه، ردّاً على اليهود الذي كفروا به، وأيضاً فالواو ليست إلا لمطلق الجمع. قوله: {وَءاتَيْنَا * دَاوُود زَبُوراً} معطوف على أوحينا. والزبور: كتاب داود. قال القرطبي: وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم، ولا حلال ولا حرام، وإنما هي حكم ومواعظ. انتهى. قلت: هو مائة وخمسون مزموراً. والمزمور: فصل يشتمل على كلام لداود يستغيث بالله من خصومه، ويدعو الله عليهم ويستنصره، وتارة يأتي بمواعظ، وكان يقول ذلك في الغالب في الكنيسة، ويستعمل مع تكلمه بذلك شيئاً من الآلات التي لها نغمات حسنة، كما هو مصرّح بذلك في كثير من تلك المزمورات. والزبر: الكتابة. والزبور بمعنى المزبور، أي: المكتوب. كالرسول، والحلوب، والركوب. وقرأ حمزة: "زَبُوراً" بضم الزاي، جمع زبر كفلس وفلوس. والزبر بمعنى المزبور، والأصل في الكلمة التوثيق يقال بئر مزبورة، أي: مطوية بالحجارة، والكتاب سمي زبوراً لقوّة الوثيقة به. قوله: {وَرُسُلاً } منصوب بفعل مضمر يدل عليه {أَوْحَيْنَا } أي: وأرسلنا رسلاً {قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } وقيل: هو منصوب بفعل دلّ عليه {قَصَصْنَـٰهُمْ } أي: وقصصنا رسلاً، ومثله ما أنشده سيبويه:شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا تفسير : أي: وأخشى الذئب. وقرأ أبيّ: "رُسُلُ" بالرفع على تقدير، ومنهم رسل. ومعنى: {مِن قَبْلُ } أنه قصة عليه من قبل هذه السورة، أو من قبل هذا اليوم. قيل: إنه لما قصّ الله في كتابه بعض أسماء أنبيائه، ولم يذكر أسماء بعض قالت اليهود: ذكر محمد الأنبياء، ولم يذكر موسى، فنزل: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } وقراءة الجمهور برفع الاسم الشريف على أن الله هو الذي كلم موسى. وقرأ النخعي، ويحيـى ابن وثاب بنصب الاسم الشريف على أن موسى هو الذي كلم الله سبحانه و {تَكْلِيماً } مصدر مؤكد. وفائدة التأكيد دفع توهم كون التكليم مجازاً، كما قال الفراء إن العرب تسمى ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأيّ طريق. وقيل: ما لم يؤكد بالمصدر، فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة الكلام. قال النحاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازاً. قوله: {رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } بدل من رسلاً الأوّل، أو منصوب بفعل مقدّر، أي: وأرسلنا، أو على الحال بأن يكون رسلاً موطئاً لما بعده، أو على المدح، أي: مبشرين لأهل الطاعات، ومنذرين لأهل المعاصي. قوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } أي: معذرة يعتذرون بها، كما في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَـٰتِكَ }تفسير : [طه: 134] وسميت المعذرة حجة مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة تنبيهاً على أن هذه المعذرة مقبولة لديه تفضلاً منه ورحمة. ومعنى قوله: {بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } بعد إرسال الرسل {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً } لا يغالبه مغالب {حَكِيماً } في أفعاله التي من جملتها إرسال الرسل. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد: {وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً } قال: أنفسهم وغيرهم عن الحق. وأخرج ابن إسحاق [والبيهقي] في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ } قال: نزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن شعبة، وثعلبة بن شعبة حين فارقوا اليهود وأسلموا. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل عنه أن بعض اليهود قال: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وابن عساكر، عن أبي ذرّ قال: قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: "حديث : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً"تفسير : . قلت: كم الرسل منهم؟ قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جمّ غفير. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة مرفوعاً إلا أنه قال: "حديث : والرسل ثلثمائة وخمسة عشر" تفسير : وأخرج أبو يعلى، والحاكم بسند ضعيف، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبيّ، ثم كان عيسى، ثم كنت أنا بعده»تفسير : . وأخرج الحاكم، عن أنس بسند ضعيف نحوه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ ولا أحد أحبّ إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه؛ ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للنصارى خاصة. والثاني: أنه خطاب لليهود والنصارى، لأن الفريقين غلوا في المسيح، فقالت النصارى: هو الرب، وقالت اليهود: هو لغير رشدة، وهذا قول الحسن. والغلو: مجاوزة الحد، ومنه غلاء السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة، وغلا في الدين، إذا فرط في مجاوزة الحق. {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ} يعني في غلوهم في المسيح. {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ} رداً على مَنْ جعله إلهاً، أو لغير رشدة [أو] ساحراً. {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَآ إِلَى مَرْيَمَ} في كلمته ثلاثة أقاويل: أحدها: لأن الله كَلَّمَه حين قال له كن، وهذا قول الحسن، وقتادة. الثاني: لأنه بشارة الله التي بشر بها، فصار بذلك كلمة الله. والثالث: لأنه يهتدى به كما يُهْتَدَى بكلام الله. {وَرُوحٌ مِّنْهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: سُمِّي بذلك لأنه رُوح من الأرواح، وأضافه الله إلى نفسه تشريفاً له. والثاني: أنه سُمِّي روحاً؛ لأنه يحيا به الناس كما يُحْيَون بالأرواح. والثالث: أنه سُمِّي بذلك لنفخ جبريل عليه السلام، لأنه كان ينفخ فيه الروح بإذن الله، والنفخ يُسَمَّى في اللغة روحاً، فكان عن النفخ فسمي به… {فَئآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ: ثَلاَثَةٌ، انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ} في الثلاثة قولان: أحدهما: هو قول النصارى أب وابن وروح القدس، وهذا قول بعض البصريين. والثاني: هو قول من قال: آلهتنا ثلاثة، وهو قول الزجاج.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {فبظلم} عطف على قوله {أية : فبما نقضهم} تفسير : [النساء:155] كأنه قال فبنقضهم لعناهم وأوجبنا عذابهم، فبظلم منهم حرمنا عليهم المطاعم، وجعل الله تعالى هذه العقوبة الدنيوية إزاء ظلم بني إسرائيل في تعنتهم وسائر أخلاقهم الدميمة، و "الطيبات" هنا: هي الشحوم وبعض الذبائح والطير والحوت وغير ذلك، وقرأ ابن عباس "طيبات كانت أحلت لهم" وقوله تعالى {وبصدهم عن سبيل الله كثيراً} يحتمل أن يريد صدهم في ذاتهم، ويحتمل أن يريد صدهم غيرهم، وإلى هذا ذهب الطبري، وقال: هو جحدهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم صدوا بذلك جمعاً عظيماً من الناس عن سبيل الله {وأخذهم الربا}: هو الدرهم بالدرهمين إلى أجل ونحو ذلك مما هو مفسدة، وقد نهوا عنه فشرعوه لأنفسهم واستمروا عليه من ذلك، ومن كراء العين ونحوه، وأكل أموال الناس بالباطل: هو الرشى, ثم استثنى الله تعالى من بني إسرائيل "الراسخين" في علم التوراة الذين قد تحققوا أمر محمد عليه السلام وعلاماته، وهم: عبد الله بن سلام، ومخيريق، ومن جرى مجراهما، {والمؤمنون}: عطف على الراسخين، و"ما أنزل" إلى محمد هو القرآن، والذي أنزل من قبله: هو التوراة والإنجيل، واختلف الناس في معنى قوله {والمقيمين} وكيف خالف إعرابها إعراب ما تقدم وتأخر، فقال أبان بن عثمان بن عفان وعائشة رضي الله عنها: ذلك من خطأ كاتب المصحف، وروي أنها في مصحف أبيّ بن كعب "والمقيمون" وكذلك روى عصمة عن الأعمش، وكذلك قرأ سعيد بن جبير، وكذا قرأ عمرو بن عبيد والجحدري وعيسى بن عمر ومالك بن دينار، وكذلك روى يونس وهارون عن أبي عمرو، وقال آخرون: ليس ذلك من خطأ الكاتب ولا خطأ في المصحف، وإنما هذا من قطع النعوت إذا كثرت على النصب بأعني، والرفع بعد ذلك بهم، وذهب إلى هذا المعنى بعض نحويي الكوفة والبصرة، وحكي عن سيبويه: أنه قطع على المدح، وخبر {لكن} {يؤمنون} لأن المدح لا يكون إلا بعد تمام الجملة الأولى، وهذا كقول خرنق بنت هفان: [الكامل] شعر : لاَ يَبْعَدَنْ قَومِي الّذِينَ هُمُ سُمُّ العُداةِ وَآفَةُ الجزْرِ النَّازلينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكِ والطَّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأزرِ تفسير : قال القاضي أبو محمد: وقد فرق بين الآية والبيت بحرف العطف الذي في الآية، فإنه يمنع عند بعضهم تقدير الفعل، وفي هذا نظر، وقال قوم: قوله تعالى {والمقيمين} ليس بعطف على قوله {والمؤمنون} ولكن على {ما} في قوله {وما أنزل من قبلك} والمعنى يؤمنون بالمقيمين الصلاة وهم الملائكة، وقال بعضهم: بل من تقدم من الأنبياء، قالوا: ثم رجع بقوله {والمؤتون} فعطف على قوله {والمؤمنون} وقال قوم {والمقيمين} عطف على {ما أنزل} ، والمراد بهم المؤمنون بمحمد، أي يؤمن الراسخون بهم وبما هم عليه، ويكون قوله {المؤتون} أي وهم المؤتون، وقال قوم {والمقيمين} عطف على الضمير في منهم، وقال آخرون: بل على الكاف في قوله {من قبلك} ويعني الأنبياء، وقرأت فرقة "سنؤتيهم" بالنون، و قرأت فرقة "سيؤتيهم" بالياء.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...} الآية: {فَبِظُلْمٍ}: معطوفٌ علَىٰ قوله سبحانه: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم} تفسير : [النساء:155] والطيِّباتُ هنا: هي الشُّحُوم، وبعْضُ الذبائحِ، والطَّيْرُ والحُوت، وغَيْرُ ذلك، وقرأ ابن عباسٍ: «طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ». {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً}: يحتملُ أن يريدَ صدَّهم في ذاتِهِمْ، ويحتملُ أنْ يريد صدَّهم غيرهم، {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا}، هو الدرهمُ بالدرهَمَيْنِ إلَىٰ أَجَلٍ، ونحو ذلك ممَّا هو مَفْسَدَة، وقد نُهُوا عنه، ثم استثنَىٰ سبحانه الراسِخِينَ في العِلْمِ منهم؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، ومُخَيْرِيقٍ، ومَنْ جرَىٰ مَجْراهم. واختلف الناسُ في قوله سبحانه: {وَٱلْمُقِيمِينَ}، وكيف خالَفَ إعرابُهَا إعرابَ ما تقدَّم وما تأخَّر. فقال بعضُ نحاة البَصْرة والكُوفة: إنما هذا مِنْ قَطْع النُّعُوت، إذا كَثُرَتْ على النصْبِ بـ «أعْنِي» والرفعُ بعد ذلك بـ «هُمْ»؛ وقال قومٌ: {وَٱلْمُقِيمِينَ}: عطْفٌ علَىٰ «ما» في قوله: {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ}، والمعنَىٰ: ويؤمنون بالمقيمينَ الصَّلاَة، وهُمُ الملائكةُ، أو مَنْ تقدَّم من الأنبياء، وقال قومٌ: {وَٱلْمُقِيمِينَ}: عطْفٌ على الضمير في مِنْهُمْ، وقال آخَرُونَ: بل على الكَافِ في قولهِ: {مِن قَبْلِكَ}. وزاد ص: {وَٱلْمُقِيمِينَ} منصوبٌ على المَدْحَ، قال: وقرأ جماعةٌ: «والمقيمُونَ» انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى -: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} الآية لمَّا ذكر قَبَائِح أفْعَالِ اليَهُودِ، ذكر عَقِيبَهُ تشديدَهُ - تعالى - عليْهِم في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، أما تَشْدِيدُه في الدُّنْيَا، فهو تَحْرِيمُ الطَّيِّبَاتِ عليهم وكانتْ مُحَلَّلَةً لهم قَبْل ذلك؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} تفسير : [الأنعام: 146] إلى قوله [- تعالى -]: {أية : ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 146] وقيل: لمحمد عليه السلام. قوله سبحانه: "فَبِظُلمٍ": هذا الجارُّ متعلِّق بـ "حَرَّمْنَا" والباء سببية، وإنما قُدِّم على عاملِه؛ تنبيهاً على قبح سبب التحريمِ، وقد تقدَّم أنَّ قوله: "فَبِظُلْمٍ" بدلٌ من قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ}، وتقدَّم الردُّ على قائله أيضاً فأغْنَى عن إعادته، و"مِنَ الذِينَ" صفة لـ "ظُلْم" أي: ظُلْمٍ صادر عن الذين هادُوا، وقيل: ثَمَّ صفةٌ للظلم محذوفةٌ للعلْمِ بها، أي: فبظُلْمٍ أيِّ ظُلْمٍ، أو فبِظُلْمٍ عَظِيمٍ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1900- فَلاَ وَأبِي الطَّيْرِ المُرِبَّةِ بِالضُّحَى عَلَى خَالِدٍ لَقَدْ وَقَعْتِ عَلَى لَحْمِ تفسير : أي: لَحْمٍ عظيمٍ. قوله جلَّ وعلا: "أُحِلَّتْ لَهُمْ" هذه الجملةُ صفةٌ لـ "طَيِّبَات" فمحلُّها نصبٌ، ومعنى وصفها بذلك، أي: بما كانَتْ عليه مِنَ الحِلِّ، ويوضِّحه قراءة ابن عباس: "كانَتْ أُحِلَّتْ لَهُم" والمُرَادُ من ظُلْمِهِم: ما تقدَّم ذِكْرُه من نَقْضِ الميثاقِ، وكُفْرِهِم بآيَاتِ اللَّهِ، وبُهْتَانِهِم على مَرْيَمَ، وقولهم: "إنا قتلنا المسيح" {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} وهو ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعَامِ [الأنعام: 146] "وبصَدِّهِمْ" وبصرْفِهِم أنْفُسهم وغيرهم {عَن سَبِيلِ اللَّهِ} عن دين اللَّهِ. قوله: "كثيراً" فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه مفعول به، أي: بصدِّهم ناساً، أو فريقاً، أو جمعاً كثيراً، وقيل: نصبُه على المصدرية، أي: صَدّاً كثيراً، وقيل: على ظرفية الزمان، أي: زماناً كثيراً، والأوَّل أوْلَى؛ لأنَّ المصادر بَعْدها ناصبةٌ لمفاعليها، فيجري البابُ على سَنَنٍ واحدٍ، وإنما أعيدتِ الباءُ في قوله: "وَبِصَدِّهِمْ" ولم تَعُدْ في قوله: "وأخْذِهِمْ" وما بعده؛ لأنه قد فُصِلَ بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولاً للمعطوف عليه، بل بالعامل فيه وهو "حَرَّمْنَا" وما تعلَّق به، فلمَّا بَعُد المعطوف من المعطوف عليه بالفصْلِ بما ليس معمولاً للمعطُوف عليه، أعيدت الباءُ لذلك، وأمَّا ما بعده، فلم يُفْصَلْ فيه إلا بما هو معمولٌ للمعطُوفِ عليه وهو "الرِّبَا". {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} في التوراة. والجملةُ من قوله تعالى: {وَقَدْ نُهُواْ عَنْه}: في محلِّ نصب؛ لأنها حاليةٌ، ونظيرُ ذلك في إعادة الحرفِ وعدمِ إعادته ما تقدَّم في قوله: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مَّيثَاقَهُمْ} تفسير : [النساء: 155] الآية. "وبِالبَاطِلِ" يجوز أن يتعلق بـ "أكْلِهِم" على أنها سببيةٌ أو بمحذوفٍ على أنها حال من "همْ" في "أكْلِهِمْ"، أي: ملتبسين بالباطل. وأمَّا التَّشْدِيدُ في الآخِرَة، وهو قوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} لما وصَفَ طَريقَةَ الكُفَّارِ والجُهَّال من اليَهُودِ، وصَفَ طَريقَة المُؤمِنِين المُحِقِّين مِنْهُم، فقال: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} جيء هنا بـ "لَكِنْ" لأنها بين نقيضين، وهما الكفارُ والمؤمنون، و"الرَّاسِخُونَ" مبتدأ، وفي الخبر احتمالان: أظهرهما: أنه "يُؤمِنُونَ". والثاني: أنه الجملة من قوله: "أولَئِكَ سنؤتيهم"، و"فِي العِلْمِ" متعلقٌ بـ "الرَّاسِخُونَ". و"منْهُمْ" متعلِّق بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في "الرَّاسِخُونَ". فصل مَعْنَى الكلام: لَيْس أهْلُ الكِتَابِ كُلُّهُم بهذه الصِّفَةِ، لكنِ الرَّاسِخُونَ المُبَالِغُون في العِلْم مِنْهُم أولُو البَصَائِر، وأراد به: الذين أسْلَمُوا؛ كعَبْد الله بن سلام وأصْحَابه. قوله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} عطفٌ على "الرَّاسِخُونَ"، وفي خبره الوجهان المذكوران في خبر "الرَّاسِخُونَ" ولكن إذا جَعَلْنا الخبرَ "أولَئِكَ سَنُؤتِيهِمْ"، فيكون يؤمنون ما محلُّه؟ والذي يَظْهر أنه جملة اعتراض؛ لأنَّ فيه تأكيداً وتسديداً للكلام، ويكون الضَّمير في "يُؤمِنُونَ" يعود على "الرَّاسِخُونَ" و"المُؤمِنُونَ" جميعاً، ويجوز أن تكون حالاً منهما؛ وحينئذٍ لا يُقال: إنها حال مؤكِّدة لتقدُّم عاملٍ مشاركٍ لها لفظاً؛ لأنَّ الإيمانَ فيها مقيَّدٌ، والإيمانُ الأولُ مُطْلَقٌ، فصار فيها فائدةٌ، لم تكُنْ في عاملها، وقد يُقَالُ: إنها مؤكِّدة بالنسبةِ لقوله: "يُؤمِنُونَ"، وغيرُ مؤكِّدة بالنسبة لقوله: "الرَّاسِخُونَ"، والمراد بـ "المُؤمِنُونَ" المهاجُرونَ والأنْصار. قوله سبحانه: "والمُقِيمينَ الصَّلاةَ" قرأ الجمهورِ بالياء، وقرأ جماعة كثيرة: "والمُقِيمُونَ" بالواو؛ منهم ابن جُبَيْر وأبو عَمْرو بن العلاء في رواية يونُسَ وهارُونَ عنه، ومالك بن دينار وعصمة عن الأعمش، وعمرو بن عبيد، والجَحْدَرِي وعيسى بن عُمَر وخلائق. فأما قراءةُ الياء، فقد اضطربَتْ فيها أقوالُ النحاة، وفيها ستةُ أقوال: أظهرها - وعزاه مكيٌّ لسيبويه، وأبو البقاء، للبصريين -: أنه منصوبٌ على القَطْع، يعني المفيد للمدْحِ؛ كما في قطع النعوتِ، وهذا القطعُ مفيدٌ لبيان فضْل الصلاة، فَكَثُر الكلامُ في الوصفِ بأنْ جُعل في جملة أخرَى، وكذلك القطعُ في قوله "والمُؤتُونَ الزَّكَاةَ" على ما سيأتي هو لبيانِ فَضْلِها أيضاً، لكنْ على هذا الوجه يجبُ أن يكونَ الخبرُ قوله: "يُؤمِنُونَ"، ولا يجوز قوله "أولَئِكَ سَنُؤتِيهِمْ"، لأن القطع إنما يكون بعد تمامِ الكلام، قال مكي: "ومَنْ جَعَلَ نَصْبَ "المُقِيمِينَ" على المدحِ جعل خبرَ "الرَّاسِخِينَ": "يُؤمِنُونَ"، فإنْ جَعَل الخبر "أولَئِكَ سنُؤتِيهِمْ" لم يجز نصب "المُقِيمِينَ" على المدح، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام". وقال أبو حيان: "ومن جَعَلَ الخبرَ: أولَئِكَ سَنُؤتيهِمْ فقوله ضعيفٌ" قال شهاب الدين: وهذا غيرُ لازمٍ؛ لأن هذا القائل لا يَجْعَلُ نصب "المُقِيمينَ" حينئذٍ منصوباً على القطع، لكنه ضعيفٌ بالنسبةِ إلى أنه ارْتَكَبَ وجْهاً ضعيفاً في تخريج "المقيمين" كما سيأتي. وحكى ابنُ عطية عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القَطْع من أجلِ حرف العطف، والقطعُ لا يكونُ في العطف، إنما ذلك في النعوت، ولما استدلَّ الناسُ بقول الخرنِقِ: [الكامل] شعر : 1901- لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الذينَ هُمُ سُمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الْجُزْرِ النَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبُونَ مَعَاقِدَ الأزْرِ تفسير : على جواز القَطْع، فرَّق هذا القَائِلُ بأنَّ البيت لا عَطْفَ فيه؛ لأنها قطعت "النَّازِلِينَ" فنصبته، و"الطَّيِّبُونَ" فرفعتْه عن قولِها "قَوْمِي"، وهذا الفرقُ لا أثرَ له؛ لأنه في غير هذا البيت ثَبَت القَطْع مع حرف العطف، أنشد سيبويه: [المتقارب] شعر : 1902- وَيَأوي إلَى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وَشُعْثاً مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِي تفسير : فنصب "شُعْثاً" وهو معطوف. الثاني: أن يكون معطوفاً على الضمير في "مِنْهُمْ"، أي: لكن الراسخُونَ في العلْمِ منهم، ومن المقيمين الصلاة. الثالث: أن يكون معطوفاً على الكاف في "إلَيْكَ"، أي: يؤمنون بما أُنزل إليك، وإلى المقيمين الصَّلاة، وهم الأنبياء. الرابع: أن يكون معطوفاً على "مَا" في "بِمَا أُنْزِلَ"، أي: يؤمنون بما أُنْزِلَ إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم وبالمقِيمينَ، ويُعْزَى هذا للكسائيِّ، واختلفت عبارة هؤلاء في "المُقِيمينَ"، فقيل: هم الملائكةُ، قال مكي: ويؤمنون بالملائكة الذين صفتُهم إقامةُ الصلاة؛ كقوله: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 20]، وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المسلِمُون، ويكون على حَذْفِ مضافٍ، أي: وبدين المقيمين: الخامس: أن يكون معطوفاً على الكاف في "قَبْلِك" أي: ومِنْ قَبْلِ المُقيمينَ، ويعني بهم الأنبياءَ أيضاً. السادس: أن يكون معطوفاً على نفسِ الظَّرْفِ، ويكون على حَذْفِ مضاف، أي: ومن قبل المقيمين، فحُذِف المضافُ، وأُقيمَ المضافُ إليه مُقَامَهُ، فهذا نهايةُ القولِ في تخريجِ هذه القراءةِ. وقد زَعَمَ قومٌ أنها لَحْنٌ، ونقلوا عن عائشة وأبَانِ بْنِ عثمانَ أنها خطأٌ من جهةِ غلَطِ كاتبِ المصْحَفِ. قالوا: وحُكِيَ عن عَائِشَةَ وأبان بن عُثْمَان؛ أنه من غَلَط الكَاتِب، وهذا يعني أنْ يَكْتُبَ: "والمُقِيمُون الصَّلاة"، وكذلك في سُورة "المائِدة": {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ} تفسير : [المائدة: 69]، وقوله: {أية : إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} تفسير : [طه: 63]، قالوا: هذا خطأ من الكَاتِبِ. وقال عُثْمَان: "إن في المُصْحَفِ لَحْناً سَتُقِيمُه العَرَب بألْسِنَتِها" فقيل له: إلا تُغَيِّرُه، فقال: دَعُوه؛ فإنَّه لا يُحِلُّ حَرَاماً، ولا يُحَرِّم حلالاً. وقالوا: وأيضاً فهي في مصحْفِ ابن مسعودٍ بالواو فقط نقله الفراء، وفي مصحفِ أبَيٍّ كذلك وهي قراءة مالك بن دينار والجَحْدَرِي وعيسى الثقفيِّ، وهذا لا يَصِحُّ عن عائشة ولا أبَانَ، وما أحْسَنَ قول الزمخشريِّ رحمه الله: "ولا يُلتفتُ إلى ما زعموا من وقوعه لَحْناً في خط المصْحَف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب، ومَنْ لم يعرف مذاهبَ العَرَبِ وما لهم في النصْبِ على الاختصاص من الافتنانِ، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلهُم في التوراة ومثلُهم في الإنجيل، كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرَةِ عن الإسلام وذَبِّ المَطَاعِن عنه من أن يقولوا ثُلْمَةً في كتاب الله؛ ليسُدَّها من بَعْدَهم، وخَرْقاً يَرْفُوهُ مَنْ يلحَقُ بهم". وأمَّا قراءةُ الرفْعِ، فواضحةٌ. قوله تعالى: {وَٱلْمُؤْتُونَ} فيه سبعةُ أوجهٍ أيضاً: أظهرها: أنه على إضمار مبتدأ، ويكون من باب المدحِ المذكورِ في النصب وهذا أوَّل الأوجه. الثاني: أنه معطوفٌ على "الرَّاسِخُون"، وفي هذا ضَعْفٌ؛ لأنه إذا قُطِعَ التابعُ عن متبوعه، لم يَجُزْ أن يعود ما بعده إلى إعراب المتبوعِ، فلا يُقالُ: "مَرَرْتُ بِزَيْدٍ العَاقِلَ الفَاضلِ" بنصب "العَاقِل"، وجر "الفاضل"، فكذلك هذا. الثالث: أنه عطفٌ على الضمير المستكنِّ في "الرَّاسِخُونَ"، وجاز ذلك للفصل. الرابع: أنه معطوفٌ على الضمير في "المُؤمِنُونَ". الخامس: أنه معطوفٌ على الضمير في "يُؤمِنُون". السادس: أنه معطوفٌ على "المُؤمِنُونَ". السابع: أنه مبتدأ وخبره "أولئك سَنُؤتيهمْ"، فيكون "أولئك" مبتدأ، و"سُنؤتِيهِمْ" خبره، والجملةُ خبرُ الأوَّلِ، ويجوزُ في "أولَئِكَ" أن ينتصِبَ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرهُ ما بعده، فيكون من باب الاشتغال، إلا أنَّ هذا الوجه مرجوحٌ من جهةِ أنَّ "زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ" بالرفع أجودُ من نصبه؛ لأنه لا يُحْوِجُ إلى إضمار؛ ولأنَّ لنا خلافاً في تقديم معمول الفعل المقترن بحرف التنْفِيسِ في نحو "سأضْرِبُ زَيْداً" منع بعضهم "زَيْداً سَأضْرِبُ"، وشرطُ الاشتغالِ جوازُ تسلُّط العامل على ما قبله، فالأولى أن نَحْمِلَهُ على ما لا خلاف فيه، وقرأ حمزة: "سَيُؤتيهِمْ" بالياء؛ مراعاةً للظاهر في قوله: "والمُؤمِنُونَ بالله"، والباقون بالنون على الالتفات تعظيماً، ولمناسبةِ قوله: "وأعْتَدْنَا". فصل والعُلَمَاءُ على ثلاثةِ أقسام: [الأوَّل]: علماءٌ بأحْكَام اللَّهِ فقط. [الثاني]: عُلماءٌ بِذاتِ اللَّه وصفاته فقط. [الثالث]: عُلَمَاء بأحْكام اللَّه، وبِذاتِ اللَّهِ. والله [- تعالى -] وصف العُلَمَاءَ أوَّلاً: بِكَوْنِهِم رَاسخين في العِلْمِ، ثم شَرَح ذلك مُبيِّناً: أولاً: كَوْنهم عالِمِين بأحْكَامِ الله، وعَامِلِين بِهَا. أما عِلْمُهُم بأحْكَامِ الله، فهو قوله [- تعالى -]: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ}. وأما عَمَلُهُم بِهَا، فهو قوله: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} وخصَّهُمَا بالذِّكْر؛ لِكونهما أشْرَف الطَّاعَاتِ البَدَنيَّة والماليَّة. ولمَّا شرح كَوْنَهُم عالِمِينَ بالأحْكَامِ وعَامِلِين بها، شَرَح بَعْدَهُ كونَهُم عالمين بالله. وأشرف المعارف العلم بالمبدأ، والمعاد؛ فالعلم بالمَبْدَأ قوله - تعالى -: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}، والعلم بالمعاد قوله: {وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ}.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ "طيبات كانت أحلَّت لهم". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {فبظلم من الذين هادوا حرَّمنا عليهم طيبات أحلت لهم} قال: عوقب القوم بظلم ظلموه وبغي بغوه، فحرمت عليهم أشياء ببغيهم وظلمهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {وبصدهم عن سبيل الله كثيراً} قال: أنفسهم وغيرهم عن الحق.
ابو السعود
تفسير : {فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} لعل ذكرَهم بهذا العنوانِ للإيذان بكمالِ عِظَمِ ظلمهم بتذكير وقوعِه بعد ما هادُوا أي تابوا من عبادة العجلِ مثلَ تلك التوبةِ الهائلةِ المشروطةِ ببخْع النفوسِ إثرَ بـيانِ عِظَمِه في حد ذاتِه بالتنوين التفخيميِّ، أي بسبب ظلمٍ عظيمٍ خارجٍ عن حدود الأشباهِ والأشكالِ صادرٍ عنهم {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} ولِمن قبلَهم لا بشيء غيرِه كما زعموا فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصيةً من المعاصي التي اقترفوها يُحرَّم عليهم نوعٌ من الطيبات التي كانت محلَّلةً لهم ولمن تقدّمهم من أسلافهم عُقوبةً لهم، وكانوا مع ذلك يفترون على الله سبحانه [الكذب] ويقولون: لسنا بأولِ مَنْ حُرّمت عليه وإنما كانت محرمةً على نوح وإبراهيمَ ومَنْ بعدهم حتى انتهى الأمرُ إلينا فكذبهم الله عز وجل في مواقعَ كثيرةٍ وبكّتهم بقوله تعالى: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [آل عمران، الآية 93] أي في ادعائكم أنه تحريم قديم. روي أنه عليه السلام لما كلفهم إخراجَ التوراةِ لم يجسُرْ أحدٌ على إخراجها لِما أن كونَ التحريمِ بظلمهم كان مسطوراً فيها فبُهتوا وانقلبوا صاغرين {وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً {وَأَخْذِهِمُ ٱلرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} فإن الربا كان محرَّماً عليهم كما هو محرَّمٌ علينا، وفيه دليلٌ على أن النهيَ يدل على حرمة المنهيِّ عنه {وَأَكْلِهِمْ أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ} بالرّشوة وسائرِ الوجوهِ المحرَّمةِ {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ} أي للمُصِرِّين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بـينهم {عَذَاباً أَلِيماً} سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبةَ التحريم. {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} استدراكٌ من قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا} الخ، وبـيانٌ لكون بعضِهم على خلاف حالِهم عاجلاً وآجلاً أي لكن الثابتون في العلم منهم المُتقِنون المستبصِرون فيه غيرُ التابعين للظن كأولئك الجَهَلة والمرادُ بهم عبدُ اللَّهِ بنُ سلام وأصحابُه {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي منهم وُصفوا بالإيمان بعدما وُصِفوا بما يوجبُه من الرسوخ في العلم بطريق العطفِ المنبىءِ عن المغايرة بـين المعطوفَين تنزيلاً للاختلاف العنواني منزلةَ الاختلافِ الذاتي، وقوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} حالٌ من المؤمنين مبـيِّنةٌ لكيفية إيمانِهم، وقيل: اعتراضٌ مؤكدٌ لما قبله، وقوله عز وجل: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ} قيل: نُصب بإضمار فعلٍ تقديرُه وأعني المقيمين الصلاةَ على أن الجملةَ معترضةٌ بـين المبتدأ والخبر، وقيل: هو عطفٌ على ما أُنزل إليك على أن المرادَ بهم الأنبـياءُ عليهم السلام أي يؤمنون بالكتب وبالأنبـياء أو الملائكة. قال مكي: أي ويؤمنون بالملائكة الذين صِفتُهم إقامةُ الصلاةِ لقوله تعالى: {أية : يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء، الآية 20] وقيل: عطفٌ على الكاف في إليك أي يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبـياءُ، وقيل: على الضمير المجرورِ في منهم أي لكنِ الراسخون في العلم منهم ومِن المقيمين الصلاةَ، وقرىء بالرفع على أنه معطوفٌ على المؤمنون بناءً على ما مر من تنزيل التغايُرِ العنوانيِّ منزلة التغايُر الذاتيِّ وكذا الحالُ فيما سيأتي من المعطوفَين فإن قوله تعالى: {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} عطفٌ على المؤمنون مع اتحاد الكلِّ ذاتاً، وكذا الكلامُ في قوله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فإن المرادَ بالكل مؤمنوا أهلِ الكتابِ قد وُصِفوا أولاً بكونهم راسِخين في علم الكتابِ إيذاناً بأن ذلك موجبٌ للإيمان حتماً وأن مَنْ عداهم إنما بقُوا مُصرِّين على الكفر لعدم رسوخِهم فيه ثم بكونهم مؤمنين بجميع الكتبِ المنزلةِ على الأنبـياء ثم بكونهم عاملين بما فيها من الشرائع والأحكامِ، واكتُفي من بـينها بذكر إقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ المستتبعين لسائر العباداتِ البدنيةِ والماليةِ ثم بكونهم مؤمنين بالمبدأ والمعادِ تحقيقاً لحيازتهم الإيمانَ بفطرته وإحاطتِهم به من طرفيه وتعريضاً بأن مَنْ عداهم من أهل الكتابِ ليسوا بمؤمنين بواحد منهما حقيقةً فإنهم مشركون بالله سبحانه بقولهم: عزيرٌ ابنُ الله، وبقولهم: لن تمسنا النارُ إلا أياماً معدودةً كافرون باليوم الآخِرِ، وقولُه تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إليهم باعتبار اتصافِهم بما عُدِّد من الصفات الجميلةِ، وما فيه من معنى البُعدِ للإشعار بعلو درجتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضل، وهو مبتدأ وقوله تعالى: {سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} خبرُه، والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو الراسخون وما عطف عليه، والسينُ لتأكيد الوعدِ، وتنكيرُ الأجرِ للتفخيم وهذا أنسبُ بتجاوُبِ طرَفي الاستدراكِ حيث أُوعِد الأولون بالعذاب الأليم ووُعِد الآخَرون بالأجر العظيم، كأنه قيل إثر قولِه تعالى: {أية : وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }تفسير : [النساء، الآية 161] لكنِ المؤمنون منهم سنؤتهم أجراً عظيماً. وأما ما جنَح إليه الجمهورُ من جعل قوله تعالى: {أية : يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ }تفسير : [البقرة، الآية 4] الخ، خبراً للمبتدأ ففي كمالِ السَّداد أنه غيرُ متعرِّض لتقابُلِ الطرفين وقرىء سيؤتيهم بالياء مراعاةً لظاهر قولِه تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}.
القشيري
تفسير : يقال ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المُبَاحَات. فَمَنْ ركب محظوراً بظاهره حُرِم ما كان يجده من الأحوال المباحة، والألطاف الحاصلة في سرائره.
اسماعيل حقي
تفسير : {فبظلم من الذين هادوا} اى بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود الاشباه والاشكال صادر عن اليهود {حرمنا عليهم طيبات احلت لهم} ولمن قبلهم لا لشىء غيره كما زعموا فانهم كلما ارتكبوا معصية من المعاصى التى اقترفوها حرم عليهم نوع من الطيبات التى كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من اسلافهم عقوبة لهم كلحوم الابل وألبانها والشحوم. وفى التأويلات النجمية نكتة قال لهم {حرمنا عليهم طيبات} وقال لنا {أية : ويحل لهم الطيبات} تفسير : [الأعراف: 157]. وقال {أية : فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} تفسير : [النحل: 114]. فلم يحرم علينا شيئاً بذنوبنا وكما آمنا من تحريم الطيبات فى هذه الآية نرجو ان يؤمننا فى الآخرة من العذاب الاليم لانه جمع بينها فى الذكر فى هذه الآية. وقال اهل الاشارة ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات وانا اقوال الاسراف فى ارتكاب المباحات يوجب حرمان المناجاة انتهى كلام التأويلات: قال السعدى شعر : مرو دربى هرجه دل خواهدت كه تمكين تن نور جان كاهدت تفسير : {وبصدهم عن سبيل الله} اى بسبب منعهم عن دين الله وهو الاسلام ناسا {كثيرا} او صدا كثيرا.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: فبسبب ظلم {من الذين هادوا}؛ وهو نقضهم الميثاق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، {حرَمنا عليهم طيبات} كانت {أُحِلّت لهم} كالشحوم، وكل ذي ظفر، وغير ذلك من لذيذ الطيبات، وكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرّم عليهم شيئًا من الطيّبات، وحرّمنا ذلك أيضًا عليهم {بصدّهم} عن طريق {الله} صدًّا {كثيرًا}، أي: بإعراضهم عنه إعراضًا كثيرًا، أو بصدهم عنه ناسًا كثيرًا كانوا يُخَذِّلونَهُم عن الدخول في دين الله، وبأخذهم الربا {وقد نُهوا عنه}، فهو محرم عليهم وعلى الأمة المحمدية، وبأكلهم {أموال الناس بالباطل} كالرشوة وما كانوا يأخذونه من عوامهم، {وأعتدنا للكافرين منهم} بمحمد صلى الله عليه وسلم {عذابًا أليمًا}، دون من تاب وآمن به. الإشارة: اعلم أن كل غفلة ومعصية وسوء أدب يحرم مرتكبه بسببه من لذيذ الطاعات وحلاوة المشاهدات على قدره، شعر أو لم يشعر، وقد يبعده من الحضرة، وهو لا يشعر، مكرًا واستدراجًا، فإذا أصر عليه سلب من مقام الولاية بالكلية، ولا يزال ينص إيمانه شيئًا فشيئًا، حتى يتفلت منه، والعياذ بالله، وإذا بادر بالتوبة رجى قبوله، وكل يقظة وطاعة وحسن أدب يوجب لصاحبه الزلفى والقرب من الحضرة، ويزيده في حلاوة المعاملة والمشاهدة على قدره، فلا يزال يتقرب إليه بنوافل الخيرات، حتى يحبه فيتولاه، فيكون سمعه وبصره، كما في الحديث. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : هاتان الآيتان معطوفتان على ما تقدم. قال الزجاج: قوله: {فبظلم} بدل من قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم} والعامل في الياء قوله: {حرمنا عليهم طيبات} لما طال الكلام أجمل (تعالى) ما ذكره ها هنا في قوله: فبظلم واخبر انه حرم على اليهود الذين نقضوا ميثاقهم الذين واثقوا الله عليه، وكفروا باياته، وقتلوا أنبياءه، وقالوا، البهتان على مريم وفعلوا ما فعلوا مما وصفه الله في كتابه طيبات من المأكل وغيرها، وكانت لهم حلالا، عقوبة لهم بظلمهم الذي أخبر الله عنه لانهم لما فعلوا ما فعلوا، اقتضت المصلحة تحريم هذه الاشياء عليهم. وهو قول مجاهد واكثر المفسرين. وقوله: {وبصدهم عن سبيل الله كثيراً} يعنى بمنعهم عباد الله عن دينه وسبيله التي شرعها لعباده صداً كثيراً، وكان صدهم عن سبيل الله بقولهم على الله الباطل، وادعائهم ان ذلك عن الله، وتبديلهم كتاب الله وتحريفهم معانيه عن وجوهه. ومن أعظم ذلك جحدهم نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وتركهم بيان ما قد عملوا من أمره من جهل امره من الناس، وهو قول مجاهد وغيره. وقوله: {وأخذهم الربا} يعني على رؤوس أموالهم بتأخيرهم له عن محله إلي محل آخر وقد نهوا عنه يعني عن الربا، وأكلهم اموال الناس بالباطل يعني بغير استحقاق، ولا استيجاب. وهو ما كانوا يأخذونه من الرشا على الاحكام، كما قال تعالى: {وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون} ومنه ما كانوا يأخذونه من اثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بايديهم، ويقولون هذا من عند الله، وما اشبه ذلك من المآكل الخسيسة الخبيثة، فعاقبهم الله تعالى على جميع ذلك بتحريم ما حرم عليهم من الطيبات. وقوله: {واعتدنا للكافرين منهم عذاباً} معناه وجعلنا للظالمين أنفسهم بكفرهم بالله، وجحدهم رسوله محمد (صلى الله عليه وآله) من هؤلاء اليهود العذاب الاليم. وهو المؤلم الموجع يصلونها في الاخرة عدة لهم. قال ابو علي: حرم الله (تعالى) هذه الطيبات على الظالمين منهم عقوبة لهم على ظلمهم ومن لم يكن ظالماً منهم نسخه منهم اما على لسان عيسى أو على لسان محمد (صلى الله عليه وسلم) نبينا وهو ما حرمه من كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وغير ذلك مما ذكره في قوله: {وعلى الذين هاد واحرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلي قوله.. ذلك خزيناهم ببغيهم} فهذا البغي هو الظلم الذي ذكره ها هنا.
الجنابذي
تفسير : {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} اى طيّبات الرّزق الصّورىّ او طيّبات عظيمة هى رزق الرّوح الانسانىّ من العلوم الكسبيّة او اللدنّيّة والمشاهدات والمعاينات، والآية بتمام اجزائها تعريض بمنافقى الامّة المعرضين الصّادّين عن الولاية وآكلى الرّبا وآكلى الرّشى وغيرهم يعنى اذا علمت انّ كلّما اصاب الّذين هادوا كان بشنائع اعمالهم علمت انّ تحريم الطّيّبات المحلّلة عليهم ايضاً كان بواحدٍ منها، يعنى فاحذروا عن مثل افعالهم او علمت انّه كان بظلمٍ عظيمٍ من انواع ظلمهم وهو اعراضهم عن الولاية بقرينة قوله تعالى {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وسبيل الله هو الامام الّذى يفتح باب القلب فيسير السّالك بالتّوسّل به الى الله وكلّ عمل يدّلك على هذا الامام ايضاً سبيل الله لانّ سبيل السّبيل سبيل {كَثِيراً} صدّاً كثيراً او جمعاً كثيراً.
الهواري
تفسير : قوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً} قال مجاهد: صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم. {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} وقد فسّرنا ذلك في سورة آل عمران. {وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} أي للظالمين {مِنْهُمْ} من لم يؤمن {عَذَاباً أَلِيماً} أي موجعاً. يعني من لم يؤمن من أهل الكتاب. قال الكلبي: لما نزلت {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} قالت اليهود عند ذلك: لا والله ما حرم الله علينا حلالاً قط؛ وإن كان هذا الذي حرم علينا لحراماً على آدم ومن بعده إلى يومنا هذا؛ فقال من آمن منهم: كذبتم، وقرأوا عليهم آيات من التوراة يخصمونهم بها فقال الله: {لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} أي الجنة. قال بعضهم: استثنى الله منهم؛ فكان منهم من يؤمن بالله وما أنزل عليهم وما أنزل على نبي الله. قال الحسن: {لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ} هذا كلام مستثنى.
اطفيش
تفسير : {فَبِظُلُمٍ}: الفاء عطفت متعلق الباء وهو حرمنا بعده على متعلق بما نقضهم، وقدم للحصر، وبطريق العرب فى الاهتمام، أو نكر للتعظيم، وذلك الظلم هو ما عدد الله قبل من ذنوبهم ككفرهم، ونقض الميثاق، وطلب الرؤية، وقتل الأنبياء وغير ذلك من الذنوب السابقة على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعض حرم عليهم قبل عيسى، وبعض على لسان عيسى، فذلك ذنوب ماضية غير مستقبلة. {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا}: متعلق بمحذوف ونعت لظلم. {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}: وهى ما ذكره الله عز وجل فى قوله: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر } تفسير : الآية، واللبن أيضا ولحم الجمل، قيل: وكلما أذنبوا ذنبا صغيرا أو كبيرا حرم عليهم بعض الطيبات من الطعام وغيره، ولعله المراد كلما الذنب كالمباح لا يخونه، وأصروا عليه، وجملة: أحلت لهم نعت طيبات، وقرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم. {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً}: من الناس، أو بصدهم الناس صدا كثيرا، وذلك قبل عيسى، وعن عيسى والانجيل، فحرم عليهم على لسان عيسى ومن قبله ما كان حلالا لهم، وليس المراد صدهم عن الايمان بالقرآن، صدهم عن الايمان بالنبى محمد صلى الله عليه سلم، لأن هذا ذنب مستقبل عيسى، ولا يؤاخذون قبل الذنب، وأما فى زمان بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلا يحرم عليهم شىء الا ما حرمه القرآن، لأنه لا دين يخاطبون به حينئذ الا دين محمد صلى الله عليه وسلم ونبينا.
اطفيش
تفسير : {فَبِظُلْمٍ} متعلق بحرمنا، والباء سببية، وقدم تنبيها على قبح سبب التحريم، والتنكير لتعظيم ظلمهم، وهو نقض الميثاق، وقولهم اجعل لنا إِلهاً، وقولهم، أرنا الله جهرة وعبادة العجل ونحو ذلك {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا} نعت لظلم، وذكرهم بلفظ هادوا إيذانا بكمال سوئهم إذ قارفوا ذنوبا عظاما بعد ما زعموا أنهم هادوا، أى تابوا عن عبادة العجل، وإيذاناً بأنهم ينقضون العهد والتوبة {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} مذكورة فى قوله عز وجل {أية : حرمنا كل ذى ظفر..} تفسير : [الأنعام: 146] الآية {أُحِلَّتْ لَهُمْ} نعت طيبات، أى أحلت لهم قبل، أحلت قبل التوراة وحرمت فيها، وقيل، أحلت فيها، وحرمت بعد نزولها، وكانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصى التى اقترفوها يحرم عليهم نوع من الحلال، ويزعمون أنها لم تحرم علينا، بل على إبراهيم ونوح ومن بعدهما حتى انتهى التحريم إلينا، فكذبهم الله عز وجل بقوله، {أية : كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل...} تفسير : [آل عمران: 93] إلى قوله: {أية : إن كنتم صادقين} تفسير : [آل عمران: 93]، أى فى ادعائكم أنه تحريم قديم، وقيل، المحرم عليهم ما فى سورة الأنعام، ويرده، أن التحريم فى التوراة ولم يكن يومئذ كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبعيسى عليه السلام، وأجيب بأن المراد استمرار التحريم فى قوله حرمنا عليهم {وَبِصَدِّهِمُ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً} أى وبإعراضهم عن سبيل الله إعراضا كثيرا أو زمانا كثيرا، أو بصدهم عن سبيل الله ناسا كثيرا، والعطف على بظلمهم، قال أهل المعانى، العطف على المتقدم ينافى الحصر، نحو بزيد مررت وبعمرو، وهو مقيد بما إذا لم يكن الثانى لبيان الأول، وبما إذا لم يكن الحصر من دليل آخر أيضا، ومثال البيان، بذنب ضربت زيدا وبسوء أدبه.
الالوسي
تفسير : {فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} أي تابوا من عبادة العجل، والتعبير عنهم بهذا العنوان إيذان بكمال عظم ظلمهم بتذكير وقوعه بعد تلك التوبة الهائلة إثر بيان عظمه بالتنوين التفخيمي أي بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود (الأشباه والأشكال) صادر عنهم {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} ولمن قبلهم لا لشيء غيره كما زعموا، فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها يحرم عليهم نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم، ومع ذلك كانوا يفترون على الله تعالى الكذب ويقولون: لسنا بأول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما عليهم الصلاة والسلام حتى انتهى الأمر إلينا فكذبهم الله تعالى في مواقع كثيرة وبكتهم بقوله سبحانه: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ} تفسير : [آل عمران: 93] الآية، وقد تقدم الكلام فيها، وذهب بعض المفسرين أن المحرم عليهم ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأنعام [146] مفصلاً. / واستشكل بأن التحريم كان في التوراة ولم يكن حينئذٍ كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبعيسى عليه السلام ولا ما أشار إليه قوله تعالى: {وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} أي ناساً كثيراً، أو صداً أو زماناً كثيراً، وقيل في جوابه: إن المراد استمرار التحريم فتدبر ولا تغفل، وهذا معطوف على الظلم وجعله، وكذا ما عطف عليه في «الكشاف» بياناً له، وهو ـ كما قال بعض المحققين ـ لدفع ما يقال: إن العطف على المعمول المتقدم ينافي الحصر، ومن جعل الظلم بمعناه وجعل {بصدّهم} متعلقاً بمحذوف فلا إشكال عليه، ومن هذا يعلم تخصيص ما ذكره أهل المعاني من أنه مناف للحصر بما إذا لم يكن الثاني بياناً للأول كما إذا قلت: بذنب ضربت زيداً وبسوء أدبه، فإن المراد فيه لا بغير ذنب، وكذا خصصوا ذلك بما إذا لم يكن الحصر مستفاداً من غير التقديم.
ابن عاشور
تفسير : إن كان متعلَّق قوله: {أية : فبما نقضهم}تفسير : [النساء: 155] محذوفاً على أحد الوجهين المتقدّمين كان قوله: {فبظلم} مفرّعاً على مجموع جرائمهم السالفة. فيكون المراد بظلمهم ظلماً آخر غير ما عُدّد من قبل، وإن كان قوله: {أية : فبما نقضهم}تفسير : [النساء: 155] متعلّقاً بقوله: {حرّمنا عليهم} فقوله: {فبظلم} الخ بَدَل مطابق من جملة {أية : فبما نقضهم ميثاقهم}تفسير : [النساء: 155] بإعادة العامل في البدل منه لطول الفصل. وفائدة الإتيان به أن يظهر تعلّقه بقوله: {حرّمنا عليهم طيّبات} إذ بَعُد ما بينه وبين متعلّقه، وهو قوله: {أية : فبما نقضهم ميثاقهم}تفسير : [النساء: 155] ليقوى ارتباط الكلام. وأتي في جملة البدل بلفظ جامع للمبدل منه وما عطف عليه: لأنّ نقض الميثاق، والكفر، وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا غلف، وقولهم على مريم بهتاناً، وقولهم قتلنا عيسى: كلّ ذلك ظلم. فكانت الجملة الأخيرة بمنزلة الفذلكة لما تقدّم، كأنَّه قيل: فبذلك كلّه حرّمنا عليهم، لكن عدل إلى لفظ الظلم لأنّه أحسن تفنّناً، وأكثر فائدة من الإتيان باسم الإشارة. وقد مرّ بيان ذلك قريباً عند قوله تعالى: {أية : فبما نقضهم}تفسير : [النساء: 155]. ويجوز أن يكون ظلماً آخر أجْملَهُ القرآن. وتنكير (ظلم) للتعظيم، والعدولُ عن أن يقول «فبظلمهم»، حتّى تأتي الضمائر متتابعة من قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم} إلى آخره، إلى الاسم الظاهر وهو {الَّذين هادوا} لأجل بعد الضمير في الجملة المبدل منها: وهي {أية : فبما نقضهم}تفسير : [النساء: 155]. ولأنّ في الموصول وصلته ما يقتضي التنزّه عن الظلم لو كانوا كما وصفوا أنفسهم، فقالوا: {أية : إنّا هدنا إليك}تفسير : [الأعراف: 156]؛ فصدور الظلم عن الذين هادوا محلّ استغراب. والآية اقتضت: أنّ تحريم ما حرّم عليهم إنَّما كان عقاباً لهم، وأنّ تلك المحرّمات ليس فيها من المفاسد ما يتقضي تحريم تناولها، وإلاّ لحُرمّت عليهم من أوّل مجيء الشريعة. وقد قيل: إنّ المراد بهذه الطيّبات هو ما ذكر في قوله تعالى: {أية : وعلى الذين هادوا حرّمنا كلّ ذي ظُفر ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومهما} تفسير : سورة الأنعام (146) إلى قوله {أية : ذلك جزيناهم ببغيهم} تفسير : في سورة الأنعام (146)، فهذا هو الجزاء على ظلمهم. نقل الفخر في آية سورة الأنعام عن عبد الجبّار أنَّه قال: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر منهم لأنّ التكليف تعريض للثواب، والتعريض للثواب إحسان، فلم يُجِز أن يكون التكليف جزاء على الجرم. قال الفخر: والجواب أنّ المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لقصد استحقاق الثواب ويمكن أن يكون للجرم. وهذا الجواب مصادرة على أنّ ممّا يقوّي الإشكال أنّ العقوبة حقّها أن تُخصّ بالمجرمين ثُمّ تنسخ. فالذي يظهر لي في الجواب: إمَّا أن يكون سبب تحريم تلك الطيّبات أنّ ما سرى في طباعهم بسبب بغيهم وظلمهم من القساوَة صار ذلك طبعاً في أمزجتهم فاقتضى أن يلطِّف الله طباعهم بتحريم مأكولات من طبعها تغليظ الطباع، ولذلك لمّا جاءهم عيسى أحلّ الله لهم بعض ما حرّم عليهم من ذلك لزوال موجب التحريم، وإمّا أن يكون تحريم ما حرّم عليهم عقاباً للذين ظلموا وبغوا ثُمّ بقي ذلك على من جاء بعدهم ليكون لهم ذِكْرى ويكون للأوّلين سُوء ذِكر من باب قوله: {أية : واتَّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة}تفسير : [الأنفال: 25]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من نفس تُقتل ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأولِ كِفْل من دمها»تفسير : . ذلك لأنّه أوّل من سَنّ القتل. وإمّا لأنّ هذا التحريم عقوبة دنيوية راجعة إلى الحرمان من الطيّبات فلا نظر إلى ما يعرض لهذا التحريم تارة من الثواب على نيّة الامتثال للنهي، لندرة حصول هذه النيّة في التّرك. وصَدّهم عن سبيل الله: إن كان مصدرَ صَدّ القاصر الذي مضارعه يصِدّ ـــ بكسر الصاد ـــ فالعنى بإعراضهم عن سبيل الله؛ وإن كان مصدر المتعدّي الذي قِياس مضارعه ـــ بضمّ الصاد ـــ، فلعلّهم كانوا يصدّون النّاس عن التقوى، ويقولون: سيغفر لنا، من زمن موسى قبل أن يحرّم عليهم بعض الطيّبات. أمّا بعد موسى فقد صدّوا النّاس كثيراً، وعاندوا الأنبياء، وحاولوهم على كتم المواعظ، وكذّبوا عيسى، وعارضوا دعوة محمّد صلى الله عليه وسلم وسوّلوا لكثير من النّاس، جهراً أو نفاقاً، البقاء على الجاهليّة، كما تقدّم في قوله: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت}تفسير : [النساء: 51] الآيات. ولذلك وصف بــ{كثيراً} حالاً منه. وأخذُهم الربا الذي نهوا عنه هو أن يأخذوه من قومهم خاصّة ويسوغ لهم أخذه من غير الإسرائليّين كما في الإصحاح23 من سفر التثنية «لا تقرض أخاك بربا ربَا قضّةٍ أو ربا طعام أو ربا شيء مّا ممّا يقرض بربا. للأجنبي تقرض بربا». والربا محرّم عليهم بنصّ التوراة في سفر الخروج في الإصحاح22 «أن أقرضَت فضّة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا» وأكلُهم أموال النّاس بالباطل أعمّ من الربا فيشمل الرشوة المحرّمة عندهم، وأخذهم الفداء على الأسرى من قومهم، وغير ذلك. والاستدراك بقوله: {لكن الراسخون في العلم} الخ ناشيء على ما يوهمه الكلام السابق ابتداء من قوله: {أية : يسألك أهل الكتاب}تفسير : [النساء: 153] من توغّلهم في الضلالة حتّى لا يرجى لأحد منهم خير وصلاح، فاستدرك بأنّ الراسخين في العلم منهم ليسوا كما توهَّم، فهم يؤمنون بالقرآن مثل عبد الله بن سلام ومخيريق. والراسخ حقيقته الثابت القدم في المشي، لا يتزلزل؛ واستعير للتمكّن من الوصف مثل العلم بحيث لا تغرّه الشبه. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العِلم} تفسير : في سورة آل عمران (7). والرّاسخ في العلم بعيد عن التكلّف وعن التعنّت، فليس بينه وبين الحقّ حاجب، فهم يعرفون دلائل صدق الأنبياء ولا يسألونهم خوارق العادات. وعطفُ {المؤمنون} على {الراسخون} ثناء عليهم بأنّهم لم يسألوا نبيّهم أن يريهم الآيات الخوارقَ للعادة. فلذلك قال {يؤمنون}، أي جميعهم بما أنزل إليك، أي القرآن، وكفاهم به آية، وما أنزل من قبلك على الرسل، ولا يعادون رسل الله تعصّباً وحميّة. والمراد بالمؤمنين في قوله: {والمؤمنون} الذين هداهم الله للإيمان من أهل الكتاب، ولم يكونوا من الراسخين في العلم منهم، مثل اليهودي الذي كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنَ به. وعطف {المقيمين} بالنصب ثبت في المصحف الإمام، وقرأه المسلمون في الأقطار دون نكير؛ فعلمْنا أنّه طريقة عربية في عطف الأسماء الدالّة على صفات محامدَ، على أمثالها، فيجوز في بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح، والرفعُ على الاستئناف للاهتمام، كما فعلوا ذلك في النعوت المتتابعة، سواء كانت بدون عطف أم بعطف، كقوله تعالى: {أية : ولكنْ البِرّ من آمن} تفسير : [البقرة: 177] إلى قوله {أية : والصابرين}تفسير : [البقرة: 177]. قال سيبويه في «كتابه» «بابُ ما ينتصب في التعظيم والمدح وإن شئت جَعلته صفة فجرَى على الأول، وإن شئتَ قطعته فابتدأتَه». وذَكر من قبيل ما نحن بصدده هذه الآية فقال: «فلو كان كلُّه رفعاً كان جيّداً»، ومثْله {أية : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضّرّاء}تفسير : [البقرة: 177]، ونظيره قول الخِرْنق:شعر : لا يبْعَدَنْ قومي الذي هُمُو سُمّ العُداة وآفَة الجزر النازلون بكلّ معترك والطيِّبيّين معاقِدَ الأزْر تفسير : في رواية يونس عن العرب: برفع (النازلون) ونصب (الطيِّبيين)، لتكون نظير هذه الآية. والظاهر أنّ هذا ممّا يجري على قصد التفنّن عند تكرّر المتتابعات، ولذلك تكرّر وقوعه في القرآن في معطوفات متتابعات كما في سورة البقرة وفي هذه الآية، وفي قوله: {أية : والصابئون} تفسير : في سورة المائدة (69). وروي عن عائشة وأبان بن عثمان أنّ نصب {المقيمين} خطأ، من كاتب المصحف وقد عَدّتْ من الخطأ هذه الآية. وقوله: {أية : ولكن البرّ من آمن بالله} تفسير : [البقرة: 177] إلى قوله {أية : والصابرين في البأساء}تفسير : [البقرة: 177] وقولهِ: {أية : إِنّ هذَان لساحرانِ}تفسير : [طه: 63]. وقوله: {أية : والصابئُون} تفسير : في سورة المائدة (69). وقرأتْها عائشة، وعبد الله بن مسعود، وأبَي بن كعب، والحسن، ومالك بن دينار، والجحدري، وسعيد بن جبير، وعيسى بن عمر، وعمرو بن عبيد: والمقيمون} ـــ بالرفع ـــ. ولا تردّ قراءة الجمهور المجمع عليها بقراءة شاذّة. ومن النّاس من زعم أنّ نصب {المقيمين} ونحوه هو مظهر تأويل قول عثمان لكتّاب المصاحف حين أتمّوها وقرأها أنّه قال لهم: «أحسنتم وأجملتم وأرى لحناً قليلاً ستُقيمه العرب بألْسنتها». وهذه أوهام وأخبار لم تصحّ عن الّذين نُسبت إليهم. ومن البعيد جدّاً أن يخطىء كاتب المصحف في كلمة بين أخواتها فيفردها بالخطأ دون سابقتها أو تابعتها، وأبعد منه أن يجيء الخطأ في طائفة متماثلة من الكلمات وهي التي إعرابها بالحروف النائبة عن حركات الإعراب من المثنّى والجمع على حدّهِ. ولا أحسب ما رواه عن عائشة وأبان بن عثمان في ذلك صحيحاً. وقد علمتَ وجه عربيّته في المتعاطفات، وأمّا وجه عربية {أية : إنّ هذان لساحران} تفسير : فيأتي عند الكلام في سورة طه (63). والظاهر أنّ تأويل قول عثمان هو ما وقع في رسم المصحف من نحو الألِفات المحذوفة. قال صاحب الكشاف: «وهُم كانوا أبْعَدَ همّة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يَلْحَق بهم». وقد تقدّم نظير هذا عند قوله تعالى: {أية : والصابرين في البأساء والضرّاء} تفسير : في سورة البقرة (177). والوعد بالأجر العظيم بالنسبة للراسخين من أهل الكتاب لأنَّهم آمنوا برسولهم وبمحمّد وقد ورد في الحديث الصّحيح: أنّ لهم أجرين، وبالنسبة للمؤمنين من العرب لأنَّهم سبقوا غيرهم بالإيمان. وقرأ الجمهور: سنوتيهم} ـــ بنون العظمة ـــ وقرأه حمزة وخلف ـــ بياء الغيبة ـــ والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: {والمؤمنون بالله}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فبظلم: الباء سببية أي فبسبب ظلمهم. هادوا: اليهود إذ قالوا: إنا هدنا إليك. طيبات أحلت لهم: هي كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم. أخذهم الربا: قبوله والتعامل به وأكله. الراسخون في العلم: أصحاب القدم الثابتة في معرفة الله وشرائعه ممن علومهم راسخة في نفوسهم ليست ظنيات بل هي يقيينات. معنى الآيات: ما زال السياق في اليهود من أهل الكتاب يبين جرائمهم ويكشف الستار عن عظائم ذنوبهم ففي الآية الأولى [160] سجل عليهم الظلم العظيم والذي به استوجبوا عقاب الله تعالى حيث حرم عليهم طيبات كثيرة كانت حلالا لهم، كما سجل عليهم أقبح الجرائم وهي صدهم أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل الله تعالى، وذلك بجحودهم الحق وتحريفهم كلام الله، وقبولهم الرشوة في إبطال الأحكام الشرعية. هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الثانية [161] فقد تضمنت تسجيل جرائم أخرى على اليهود وهي أولا استباحتهم للربا وهو حرام وقد نهوا عنه وثانيا أكلهم أموال الناس بالباطل كالرشوة والفتاوى الباطلة التي كانوا يأكلون بها. وأما قوله تعالى في ختام الآية {... وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} فهو زيادة على ما عاقبهم به في الدنيا أعد لمن كفر منهم ومات على كفره عذاباً أليماً موجعا يعذبون به يوم القيامة. وأما الآية الثالثة [162] فقد نزلت في عبد الله بن سلام وبعض العلماء من يهود المدينة فذكر تعالى كالاستثناء من أولئك الموصوفين بأقبح الصفات وهي صفات جرائم اكتسبوها، وعظائم من الذنوب اقترفوها لجهلهم وعمى بصائرهم. إن الراسخين في العلم الثابتين فيه الذين علومهم الشرعية يقينية لا ظنية هؤلاء شأنهم في النجاة من العذاب والفوز بالنعيم في دار السلام شأن المؤمنين من هذه الأمة يؤمنون بما أنزل إليك أيها الرسول وما أنزل من قبلك وخاصة المقيمين الصلاة وكذا المؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر هؤلاء جميعا وعدهم الله تعالى بالأجر العظيم الذي لا يقادر قدره ولا يعرف كنهه فقال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- المعاصي تورث الحرمان من خير الدنيا والآخرة. 2- حرمة الصد عن الإِسلام ولو بالسلوك الشائن والمعاملة الباطلة. 3- حرمة الربا وإنه موجب للعقوبة في الدنيا والآخرة. 4- حرمة أكل أموال الناس بالباطل كالسرقة والغش والرشوة. 5- من أهل الكتاب صلحاء ربانيون وذلك كعبد الله بن سلام وآخرين. 6- الرسوخ في العلم يأمن صاحبه الزلات والوقوع في المهلكات. 7- فضل إقام الصلاة لِنَصْب والمقيمي الصلاة في الآية على المدح والتخصيص.
القطان
تفسير : فبسبب ما ارتكبه اليهود من الجرائم، ولمنعهم كثيراً من الناس الدّخولَ في دين الله، وتعاملهم بالربا وقد نهى الله عنه، وأخذِهم أموال الناس بالرشوة والخيانة ـ بسبب كل ذلك عاقبهم الله، فحرم عليهم ألواناً من الطيبات كانت حلالاً لهم من قبلُ وأعدّ لهم عذابا مؤلماً في جهنم الى الأبد.
د. أسعد حومد
تفسير : {طَيِّبَاتٍ} (160) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ حَرَّمَ عَلَى اليَهُودِ طَيِّبَاتٍ كَانَتْ حَلاَلاً عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ صَدِّهِم النَّاسَ عَنْ سَبيلِ اللهِ، إمَّا بِالأمْرِ بِالمُنْكَرِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ ... وَإمَّا بِسُوءِ القُدْوَةِ، فَكَانُوا كُلَّمَا ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً، أوْ مُخَالَفَةً لأمْرِ اللهِ، وَأمْرِ رَسُولِهِ، عَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمِ نَوْعٍ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنْ ظُلْمِهِمْ، وَيَتُوبُونَ إلى اللهِ تَعَالَى.
الثعلبي
تفسير : {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} وهو ما تقدّم ذكره من نقضهم الميثاق وكفرهم بالآيات وبهتانهم على مريم وقولهم: إنا قتلنا المسيح. ونظم الآية {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} وبصدهم أي صرفهم انفسهم وغيرهم عن سبيل الله عن دين الله صداً كبيراً {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} مثل الاكل التي كانوا يصيبونها من عوامهم، وما كانوا يأخذونها في ايمان كتبهم التي كتبوها، وقالوا هذه من عند الله، وما كانوا يأخذون من الرشاء في الحكم، كقوله تعالى {أية : وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} تفسير : [المائدة: 63] عاقبناهم بأن حرّمنا عليهم الطيبات وكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيئاً من الطيبات التي كانت حلالاً لهم، يدلّ عليه قوله تعالى {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} تفسير : [الأنعام: 146] و {أية : وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} تفسير : [النحل: 118] . نكتة قال لهم: {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} وقال لنا: {أية : وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ} تفسير : [الأعراف: 157]، وقال: فلم يحرّم علينا شيئاً بذنوبنا فكما أمننا من تحريم الطيبات التي ذكر في هذه الآية نرجوا أن يؤمننا في الآخرة من العذاب الأليم وقال الله تعالى {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} لأنه جمع بينهما في الذكر. نكتة اطلق في تحريم الطيبات اللفظ في العذاب، لأن التحريم شيء قد مضى له العذاب مستقبل، وقد علم ان منهم من يؤمن فيأمن من العذاب، فقال {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} ثمّ استثنى مؤمني أهل الكتاب فقال: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} يعني ليس أهل الكتاب كلّهم كما ذكرنا لكن الراسخون التائبون المناجون، في العلم {وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ}. واختلفوا في وجه انتصابه. فقالت عائشة وأبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب، ونظيره قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ} تفسير : [المائدة: 69] وقوله تعالى: {أية : إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} تفسير : [طه: 63] وقال بعض النحويين: هو نصب على المدح والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد إذا تطاولت بمدح أو ذم خالفوا من اعراب أوله وأوسطه، نظيره قوله {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ} تفسير : [البقرة: 177] وقيل: نصب على فعل، تقديره: اعني المقيمين، على معنى: أذكر النازلين وهم الطيبون. وقال قوم: موضعه خفض، واختلفوا في وصفه، قال بعضهم: معناه: لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة، وقيل معناه: يؤمنون بما أُنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، وقال بعضهم: يؤمنون بما أُنزل إليك من الكتاب والمقيمين الصلاة. ثم اختلفوا فيهم من هم؟ فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المؤمنون، وقيل: مؤمنوا أهل الكتاب وهم الراسخون. قوله تعالى {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} الآية، نزلت في اليهود وذلك لما أنزل الله تعالى قوله {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [النساء: 153] إلى قوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء: 165]. لفضحهم وذكر عيوبهم وذنوبهم؛ غضبوا وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء وأنزل {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ} جعله الله تعالى ثاني المصطفى صلى الله عليه وسلم في موضعين من كتابه في أهل الميثاق بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} تفسير : [الأحزاب: 7] والثاني في الوحي، فقال: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ} فإن قيل: ما الحكمة في تقديم نوح على سائر الأنبياء وفيهم من هو أفضل منه؟ يقال: لأنه كان أبو البشر قال الله تعالى {أية : وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ} تفسير : [الصافات: 77] وقيل: لأنه أول نبي من أنبياء الشريعة وأول داع ونذير عن الشرك. وقيل: لأنه أول من عذب أمّته لردّهم دعوته وأهلك كل الأرض بدعائه عليهم لأنه كان أطول الأنبياء عمراً. وقيل: إنه كبير الأنبياء، وجعل معجزته في نفسه لأنه عُمِّر ألف سنة ولم ينقص له سن ولم تنقص له قوة ولم يشب له شعر. وقيل لأنه لم يبالغ أحد من الأنبياء في الدين ما بالغ نوح ولم يصبر على أذى قوم ما صبر نوح وكان يدعو قومه ليلاً ونهاراً إعلاناً وإسراراً وكان يشتم ويضرب حتى يغمى عليه فإذا فاق دعا وبالغ وكان الرجل منهم يأخذ بيد إبنه فيقول له: يابني إحذر هذا فإنه ساحر كذاب. قال الله تعالى {أية : وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ} تفسير : [النجم: 52]. وقال من عتق عنه [......] يوم القيامة بعد محمد صلى الله عليه وسلم وقيل لأن مقامه الشكر قال الله تعالى {أية : إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} تفسير : [الإسراء: 3] فكما [......] القرآن فكذلك نوح (عليه السلام) صدر [......] وقال أول من يُدَعى إلى الجنة الحمّادون لله على كل حال. {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} وهم أولاد يعقوب {وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} قرأ يحيى بن وثاب، والأعمش وحمزة {زَبُوراً} بضم الزاي بمعنى جمع زبر وزبور كأنه قال: قد كتبنا صحفاً من بعده أي مكتوبة، والباقون بفتح الزاي على أنه كتاب داود المسمى زبوراً، وكان داود يبرز إلى البرّية فيدعو بالزبور وكان يقوم معه علماء بني اسرائيل فيقومون خلفه. ويقوم الناس خلف العلماء ويقوم الجن خلف الناس، الأعظم فالأعظم في [فلاة] عظيمة ويقوم [الناس] لهذا الجن الأعظم فالأعظم وتجيء الدواب التي في الجبال، إذا سمعن صوت داود فيقمن بين يديه تعجبّاً لما سمعن منه، وتجيء الطير حتى يظللن داود وسليمان والجن والإنس في كثرة لايحصيهم إلاّ الله عز وجل يرفرفن على رؤسهم ثم تجيء السباع حتى تخالط الدواب والوحش لما سمعن حتى من لم ير ذلك، فقيل له: ذاك انس الطاعة، وهذه وحشة المعصية. وروى طلحة بن يحيى عن أبي بردة أبي موسى عن أبيه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقرآنك، لقد أُعطيت مزماراً من مزامير آل داود" قلت: أما والله يا رسول الله لو علمت إنّك تسمع قراءتي لحسّنت صوتي وزدته [تحبيراً] . تفسير : وكان عمر (رضي الله عنه) إذا رآه قال: ذكّرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده. وعن أبي عثمان [النهدي] وكان قد أدرك الجاهلية، قال: ما سمعت [طنبوراً ولا صنجاً] ولا مزماراً أحسن من صوت أبي موسى وإن كان لَيَؤُمّنا في صلاة الغداة لنودّ أنه يقرأ سورة البقرة من حسن صوته حيث نزع حرف الصفة فالمعنى: كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل. وقيل معناه وقصصنا عليك رسلاً نصب بعائد الذكر، وفي قراءة {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} بمكة في سورة الأنعام لأن هذه السورة مدنية أُنزلت من بعد الأنعام {قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} سمّى الله تعالى النبيين بهذين الإسمين، فقال: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} تفسير : [البقرة: 213] ثم سمّى المرسلين خاصة بهذا الإسم، فقال (مبشرين ومنذرين) ثم سمّى نبينا خاصة بهذين الإسمين، فقال: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [الفتح: 8-9] {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ} فيقول: ما أرسلت إلينا رسولاً فنتبع وما أنزلت علينا كتاباً. وقال في آية أخرى {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أحد أغير من الله تعالى"تفسير : . ولذلك {أية : حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} تفسير : [الأعراف: 33] وما [أحسن] إليه المدح من الله تعالى ولذلك مدح نفسه جل جلاله وما أحد أحبّ إليه العذر من الله تعالى لذلك ارسل الرسل، وأنزل الكتب {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ} الآية. اعلم أن الله تعالى شهد على سبعة أشياء على التوحيد، فقال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران: 18] والثاني على العدل {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [الفتح: 28، 29] {أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} تفسير : [العنكبوت: 29] وقال تعالى {أية : قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 19] وقال: {أية : فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81] والثالث على اعمال العباد فقال: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ} تفسير : [المجادلة: 6] الآية وقال: {أية : إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} تفسير : [يونس: 61] أي تفيضون فيه وقال: {أية : ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [آل عمران: 98] ، والرابع على جميع الأشياء فقال {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصلت: 53] والخامس على كذب المنافقين قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]، والسادس على شريعة المصطفى فقال عز من قائل {أية : قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 19] أي شهيد على القرآن {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} الآية. وقال ابن عباس: حديث : إن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا أولاً عن صفتك ونعتك في كتابهم فزعموا إنهم لايعرفونك، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم: "إني والله أعلم أنكم تعرفون أني رسول الله". فقالوا: نعلم، فأنزل الله تعالى إن كذبوك وجحدوك لكن الله يشهد {بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} .
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هو سبحانه يوضح أن تحريم بعض الطيبات على بني إسرائيل جاء نتيجة لمواقف يعددها الله، لقد ارتكبوا ما ارتكبوا من ذنوب كبيرة وظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، وصدوا عن دين الله، بمعنى أنهم لم يدخلوا في الإسلام. وتستمر الحيثيات للتحريم لبعض الطيبات لتزيد على هذين الموقفين: {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن تتمة نتائج كفرهم بقوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} [النساء: 160]، إلى قوله {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 162]؛ لكنه قال تعالى لهم: {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}، وقال تعالى: {أية : وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ}تفسير : [الأعراف: 157] وقال تعالى: {أية : وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً} تفسير : [المائدة: 88]، فلم يحرم علينا شيئاً بذنوبنا، وكما [عفانا] الطيبات في هذه الآية نرجوا أن [يعافينا] في الآخرة من العذاب الأليم؛ لأنه جمع بينهما في الذكر في هذه الآية، وقال أهل الإشارات: ارتكاب المحظورات يوجب حرمان المناجات، والإشارة فيهما: إن الظلم من شيمة الإنسان؛ يعني: نفس الإنسان؛ لأنه خلق ظلوماً جهولاً، فالظالم من يظلم غيره، والظلوم من يظلم نفسه، وإلى هذا أشار بقوله تعالى {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]؛ يعني: لما ظلموا أنفسهم بنقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء بغير حق، والكفر بعيسى وتقول البهتان على مريم، {أية : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ}تفسير : [النساء: 157]، {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} [النساء: 160]. {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} [النساء: 161] وغير ذلك من المخالفات، حرمنا عليهم بإبطال استعدادهم طيبات من مقام القربات والدرجات والغرفات، {أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]؛ أي: لأرواحهم الطيبين الظاهرين قبل التلوث بقذر المخالفات، فإن {أية : وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ}تفسير : [النور: 26]، "حديث : فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"تفسير : ، وإنهم لما أشركوا تنجسوا، فإن المشركين نجس، فحرموا من تلك الطيبات، وصدوا عن سبيل الله وكفروا به، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ} [النساء: 161]؛ أي: من الذين ظلموا أنفسهم بهذه المخالفات، {عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 161]، بالحرمان عن الدرجات والقربات. {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} [النساء: 162]؛ أي: من الذين هادوا، والراسخون في العلم؛ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية الدينية، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه فإنه كان عالماً في النورية وقد قرأ فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان راسخاً في العلم اتصل علم قراءته بعلم المعرفة، فقال: لما رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت بأنه ليس بوجه كاذب فآمن به، ولما لم يكن للأحبار رسوخ في العلم وإن قرأوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في النورية فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ما عرفوه فكفروا به، كقوله تعالى: فلما جاءهم {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} [النساء: 162] مؤمني أهل الكتاب، ووصفهم بقوله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 162]، والأجر العظيم هو المسبوق بالعناية الأزلية، وهو ثمرة بذر رشاش النور في بدء الخلقة، وقدر عظيم الأجر لكل واحد على قدر كمالية الثمرة وبلاغتها، فافهم جيداً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):