٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
159
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائح اليهود وقبائح أفعالهم وشرح أنهم قصدوا قتل عيسى عليه السلام وبيّن أنه ما حصل لهم ذلك المقصود، وأنه حصل لعيسى أعظم المناصب وأجل المراتب بيّن تعالى أن هؤلاء اليهود الذين كانوا مبالغين في عداواته لا يخرج أحد منهم من الدنيا إلا بعد أن يؤمن به فقال: {وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ }. واعلم أن كلمة {إن} بمعنى (ما) النافية كقوله {أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } تفسير : [مريم: 71] فصار التقدير: وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به. ثم إنا نرى أكثر اليهود يموتون ولا يؤمنون بعيسى عليه السلام. والجواب من وجهين: الأول: ما روي عن شهر بن حوشب قال: قال الحجاج إني ما قرأتها إلا وفي نفسي منها شيء، يعني هذه الآية فإني أضرب عنق اليهودي ولا أسمع منه ذلك. فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره، وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى نبيّاً فكذبت به، فيقول آمنت أنه عبدالله، وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه هو الله وابن الله، فيقول: آمنت أنه عبدالله فأهل الكتاب يؤمنون به، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان، فاستوى الحجاج جالساً وقال: عمن نقلت هذا؟ فقلت: حدّثني به محمد بن علي بن الحنفية فأخذ ينكت في الأرض بقضيب ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية. وعن ابن عباس أنه فسّره كذلك فقال له عكرمة: فإن خر من سقف بيت أو احترق أو أكله سبع قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به، ويدل عليه قراءة أُبي {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } بضم النون على معنى وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم لأن أحداً يصلح للجمع، قال صاحب «الكشاف»: والفائدة في أخبار الله تعالى بإيمانهم بعيسى قبل موتهم أنهم متى علموا أنه لا بدّ من الإيمان به لا محالة فلأن يؤمنوا به حال ما ينفعهم ذلك الإيمان أولى من أن يؤمنوا به حال ما لا ينفعهم ذلك الإيمان. والوجه الثاني: في الجواب عن أصل السؤال: أن قوله {قَبْلَ مَوْتِهِ } أي قبل موت عيسى، والمراد أن أهل الكتاب الذين يكونون موجودين في زمان نزوله لا بدّ وأن يؤمنوا به: قال بعض المتكلمين: إنه لا يمنع نزوله من السماء إلى الدنيا إلا أنه إنما ينزل عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف، إذ لو نزل مع بقاء التكاليف على وجه يعرف أنه عيسى عليه السلام لكان إما أن يكون نبياً ولا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام، أو غير نبي وذلك غير جائز على الأنبياء، وهذا الاشكال عندي ضعيف لأن انتهاء الأنبياء إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فعند مبعثه انتهت تلك المدة، فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد عليه الصلاة والسلام. ثم قال تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } قيل: يشهد على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه، وعلى النصارى أنهم أشركوا به، وكذلك كل نبي شاهد على أمته ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعِكرِمة: المعنى ليؤمِننّ بالمسيح «قبل موته» أي الكتابيّ؛ فالهاء الأُولى عائدة على عيسى، والثانية على الكتابيّ؛ وذلك أنه ليس أحد من أهل الكتاب اليهودِ والنصارى إلا ويؤمن بعيسى عليه السلام إذا عاين الملك، ولكنه إيمان لا ينفع؛ لأنه إيمان عند اليأس وحين التلبس بحالة الموت؛ فاليهوديّ يقِرّ في ذلك الوقت بأنه رسول الله، والنصرانيّ يقرّ بأنه كان رسول الله. وروي أن الحجاج سأل شهر بن حوشب عن هذه الآية فقال: إني لأوتي بالأسير من اليهود والنصارى فآمر بضرب عنقه، وأنظر إليه في ذلك الوقت فلا أرى منه الإيمان؛ فقال له شهر بن حوشب: إنه حين عاين أمر الآخرة يقِرّ بأن عيسى عبد الله ورسوله فيؤمن به ولا ينفعه؛ فقال له الحجاج: من أين أخذت هذا؟ قال: أخذته من محمد بن الحنفية؛ فقال له الحجاج: أخذت من عينٍ صافية. وروي عن مجاهد أنه قال: ما من أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موته؛ فقيل له: إن غرِق أو ٱحترق أو أكله السبع يؤمن بعيسى؟ فقال: نعم! وقيل: إن الهاءين جميعاً لعيسى عليه السلام؛ والمعنى ليؤمنن به من كان حياً حين نزوله يوم القيامة؛ قاله قتادة وٱبن زيد وغيرهما وٱختاره الطبريّ. وروى يزيد بن زُرَيْع عن رجل عن الحسن في قوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: قبل موت عيسى؛ واللَّهِ إنه لحيّ عند الله الآن؛ ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون؛ ونحوه عن الضحاك وسعيد بن جبير. وقيل: «لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ» أي بمحمد عليه السلام وإن لم يجرِ له ذكر؛ لأن هذه الأقاصيص أنزلت عليه والمقصود الإيمان به، والإيمان بعيسى يتضمن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام أيضاً؛ إذ لا يجوز أن يفرّق بينهم. وقيل: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} أي بالله تعالى قبل أن يموت ولا ينفعه الإيمان عند المعاينة. والتأويلان الأوّلان أظهر. وروى الزهريّ عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لينزِلن ابن مريم حكما عدلاً فليقتُلَنَّ الدجال وليقتُلَنّ الخنزير وليكِسرنّ الصليب وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين» تفسير : ثم قال أبو هريرة: وٱقرأوا إن شئتم {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال أبو هريرة: قبل موت عيسى؛ يعيدها ثلاث مرات. وتقدير الآية عند سيبويه؛ وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمِنَنَّ به. وتقدير الكوفيين: وإن من أهل الكتاب إلا من ليؤمنَنّ به، وفيه قبح، لأن فيه حذف الموصول، والصلة بعض الموصول فكأنه حذف بعض الاسم. قوله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي بتكذيب من كذبه وتصديق من صدّقه.
البيضاوي
تفسير : {وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } أي وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به، فقوله {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } جملة قسمية وقعت صفة لأحد ويعود إليه الضمير الثاني، والأول لعيسى عليه الصلاة والسلام. والمعنى ما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن بأن عيسى عبد الله ورسوله قبل أن يموت ولو حين أن تزهق روحه ولا ينفعه إيمانه ويؤيد ذلك أنه قرىء. «إلا ليؤمنن به قبل موتهم» بضم النون لأن أحداً في معنى الجمع، وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الإِيمان به قبل أن يضطروا إليه ولم ينفعهم إيمانهم. وقيل الضميران لعيسى عليه أفضل الصلاة والسلام، والمعنى: أنه إذا نزل من السماء آمن به أهل الملل جميعاً. روي: أنه عليه الصلاة والسلام ينزل من السماء حين يخرج الدجال فيهلكه ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإِسلام، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإِبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيات. ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه، {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله.
ابن كثير
تفسير : قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم معنى ذلك: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} يعني: قبل موت عيسى يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم عليه السلام. (ذكر من قال ذلك): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}، قال: قبل موت عيسى بن مريم عليه السلام. وقال العوفي عن ابن عباس مثل ذلك، وقال أبو مالك في قوله: {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: ذلك عند نزول عيسى، وقبل موت عيسى بن مريم عليه السلام، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به. وقال الضحاك عن ابن عباس: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}: يعني: اليهود خاصة. وقال الحسن البصري: يعني: النجاشي وأصحابه، رواهما ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا أبو رجاء عن الحسن: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: قبل موت عيسى، والله إنه لحي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن عثمان اللاحقي، حدثنا جويرية بن بشير، قال: سمعت رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد، قول الله عز وجل: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}، قال: قبل موت عيسى، إن الله رفع إليه عيسى، وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاماً يؤمن به البر والفاجر. وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وهذا القول هو الحق، كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله، وبه الثقة، وعليه التكلان. قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} بعيسى قبل موت الكتابيّ، ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل؛ لأن كل من نزل به الموت، لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في الآية، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى. حدثني المثنى، حدثنا أبو حذيفة حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته، قبل موت صاحب الكتاب. وقال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى. حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو نميلة يحيى بن واضح، حدثنا حسين بن واقد عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ولو عجل عليه بالسلاح، حدثني إسحاق ابن إبراهيم وحبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: هي في قراءة أبيّ: قبل موتهم، ليس يهودي يموت أبداً حتى يؤمن بعيسى، قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهويّ، قيل: أرأيت إن ضربت عنق أحدهم؟ قال: يلجلج بها لسانه، وكذا روى سفيان الثوري عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى عليه السلام، وإن ضرب بالسيف تكلم به، قال: وإن هوى تكلم به وهو يهوي، وكذا روى أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، فهذه كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس، وكذا صح عن مجاهد وعكرمة ومحمد بن سيرين، وبه يقول الضحاك وجويبر، وقال السدي، وحكاه عن ابن عباس، ونقل قراءة أبي بن كعب: قبل موتهم، وقال عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت، وهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء. قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابيّ. (ذكر من قال ذلك) حدثني ابن المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد عن حميد، قال: قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم قوله: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى عليه السلام إلا آمن به قبل موت عيسى عليه السلام، ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ماادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن كذلك، وإنما شبّه لهم، فقتلوا الشبه، وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة؛ كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريباً، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت عيسى عليه السلام الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم، قبل رفعه إلى السماء، وبعد نزوله إلى الأرض. فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام، فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلاً به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيماناً نافعاً له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أول هذه السورة: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلآنَ} تفسير : [النساء: 18] الآية. وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ} تفسير : [غافر: 84] الآيتين، وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول، حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بالمسيح؛ ممن كفر بهما، يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته، فهذا ليس بجيد، إذ لا يلزم من إيمانه أنه يصير بذلك مسلماً، ألا ترى قول ابن عباس: ولو تردى من شاهق، أو ضرب بالسيف، أو افترسه سبع، فإنه لابد أن يؤمن بعيسى؟ فالإِيمان في هذه الحال ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره؛ لما قدمناه، والله أعلم. ومن تأمل جيداً وأمعن النظر، اتضح له أنه هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها الذي ذكرناه من تقرير وجود عيسى عليه السلام، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى، الذين تباينت أقوالهم فيه، وتصادمت وتعاكست، وتناقضت وخلت عن الحق، ففرط هؤلاء اليهود، وأفرط هؤلاء النصارى، تنقصه اليهود بما رموه به وأمه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادعوا فيه ما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عما يقول هؤلاء وهؤلاء علواً كبيراً، وتنزه وتقدس لا إله إلا هو. ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان (قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له) قال البخاري رحمه الله في كتاب ذكر الأنبياء من صحيحه المتلقى بالقبول: نزول عيسى ابن مريم عليه السلام: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبي صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيراً لهم من الدنيا وما فيها»تفسير : ، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً}، وكذا رواه مسلم عن الحسن الحلواني وعبد بن حميد، كلاهما عن يعقوب به، وأخرجه البخاري ومسلم أيضاً من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري به. وأخرجاه من طريق الليث عن الزهري به، ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين» تفسير : قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} موت عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات. (طريق أخرى) عن أبي هريرة، قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا محمد ابن أبي حفصة عن الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليهلنَّ عيسى ابن مريم بفج الروحاء بالحج أو العمرة، أو ليثنينهما جميعاً»تفسير : ، وكذا رواه مسلم منفرداً به من حديث سفيان بن عيينة، والليث بن سعد ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزهري به. وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان، هو ابن حسين، عن الزهري، عن حنظلة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطى المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء، فيحج منها، أو يعتمر، أو يجمعهما» تفسير : قال: وتلا أبو هريرة: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} الآية، فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو شيء قاله أبو هريرة؟ وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري به. (طريق أخرى) قال البخاري: حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم، وإمامكم منكم»تفسير : ؟ تابعه عقيل والأوزاعي، وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، كلاهما عن الزهري به. وأخرجه مسلم من رواية يونس والأوزاعي وابن أبي ذئب به. (طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا قتادة عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن نبي بيني وبينه، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإِسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال،ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون» تفسير : وكذا رواه أبو داود عن هدية بن خالد، عن همام بن يحيى، ورواه ابن جرير، ولم يورد عند هذه الآية سواه، عن بشر بن معاذ، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، وهو مولى أم برثن صاحب السقاية، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، وقال: يقاتل الناس على الإسلام، وقد روى البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، والأنبياء أولاد علات، ليس بيني وبينه نبي»تفسير : ، ثم رواه محمد بن سنان عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد»تفسير : . وقال إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن بشار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (حديث آخر) قال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا يعلى بن منصور، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله، لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبداً، فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام، خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم، فيؤمهم، فإذا رآه عدو الله، ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته».تفسير : (حديث آخر) قال أحمد: حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن غفارة، عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لقيت ليلة أسري بي، إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها، فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليّ ربي عز وجل أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافراً فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل المطر، فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليّ ربي عز وجل أن ذلك إذا كان كذلك، أن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها، ليلاً أو نهاراً»تفسير : ، رواه ابن ماجه عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، به نحوه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة لنعرض عليه مصحفاً لنا على مصحفه، فلما حضرت الجمعة، أمرنا فاغتسلنا، ثم أتينا بطيب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد، فجلسنا إلى رجل، فحدثنا عن الدجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص، فقمنا إليه فجلسنا، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تقول: نقيم نشامه ننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفاً عليهم السيجان، وأكثر من معه اليهود والنساء، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق، فيبعثون سرحاً لهم، فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، ويصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد، حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك، إذ نادى مناد من السحر: يا أيها الناس أتاكم الغوث «ثلاثاً» فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم عليه السلام عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: يا روح الله، تقدم صل، فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض، فيتقدم أميرهم فيصلي، حتى إذا قضى صلاته، أخذ عيسى حربته، فيذهب نحو الدجال، فإذا رآه الدجال، ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته، فيقتله، ويهزم أصحابه، فليس يومئذ شيء يواري منهم أحداً، حتى إن الشجرة تقول: يا مؤمن هذا كافر، ويقول الحجر: يا مؤمن هذا كافر»تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه. (حديث آخر) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه: حدثنا علي بن محمد، حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه، فكان من قوله أن قال: «حديث : لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم عليه السلام أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم، فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي، فكل حجيج نفسه، وإن الله خليفتي في كل مسلم، وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يميناً ويعيث شمالاً، ألا يا عباد الله أيها الناس فاثبتوا، وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي: إنه يبدأ فيقول: أنا نبي، فلا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وإن ربكم عز وجل ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة وناراً، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتلي بناره، فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه برداً وسلاماً؛ كما كانت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت أمك وأباك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني اتبعه؛ فإنه ربك، وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة، فيقتلها، وينشرها بالمنشار حتى تلقى شقين، ثم يقول: انظر إلى عبدي هذا، فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له رباً غيري، فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم» تفسير : قال أبو الحسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي، حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة» تفسير : قال أبو سعيد: والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب، حتى مضى لسبيله. ثم قال المحاربي: رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: «حديث : وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، فيأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت، وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعاً، وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه، إلا مكة والمدينة، فإنه لا يأتيهما من نقب من نقابهما، إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة، حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فينفى الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم ينكص يوم الخلاص» تفسير : فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله، فأين العرب يومئذ؟ قال: «حديث : هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عيسى ابن مريم عليه السلام، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى عليه السلام يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال، ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هارباً، فيقول عيسى: إن لي فيك ضربة لم تسبقني بها، فيدركه عند باب لد الشرقي، فيقتله، ويهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله تعالى يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر، ولا حائط ولا دابة، إلا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق، إلا قال: ياعبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله» تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وإن أيامه أربعون سنة: السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على باب المدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي» تفسير : فقيل له: كيف نصلي يانبي الله في تلك الأيام القصار؟ قال: «حديث : تقدرون الصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا» تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فيكون عيسى بن مريم في أمتي حكماً عدلاً، وإماماً مقسطاً، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترتفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتفر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة، وتنبت نباتها كعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات» تفسير : قيل: يا رسول الله، وما يرخص الفرس؟ قال: «حديث : لا تركب لحرب أبداً» تفسير : قيل له: فما يغلي الثور؟ قال: «حديث : يحرث الأرض كلها، وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، ويأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثانية، فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله عز وجل السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله، فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله، فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت، إلا ما شاء الله» تفسير : قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: «حديث : التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام».تفسير : قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب، هذا حديث غريب جداً من هذا الوجه، ولبعضه شواهد من أحاديث أخر، من ذلك ما رواه مسلم، وحديث نافع وسالم عن عبد الله بن عمر، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لتقاتلن اليهود، فلتقتلنهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي، فتعال فاقتله» تفسير : وله من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبىء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود».تفسير : ولنذكر حديث النواس بن سمعان ههنا لشبهه بهذا الحديث. قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا أبو خيثمه زهير بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي وحدثنا محمد بن مهران الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه، عرف ذلك في وجوهنا، فقال: «حديث : ما شأنكم؟» تفسير : قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه، ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: «حديث : غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط، عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، من أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج من خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا»تفسير : قلنا: يا رسول الله، فما لبثه في الأرض؟ قال: «حديث : أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم» تفسير : قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: «حديث : كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على قوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى، وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه ويضحك، فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح بن مريم عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى عليه السلام قوماً قد عصمهم الله منه، فيمسح على وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله عز وجل إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي، لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحضر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر، ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أخرجي ثمرك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحاً طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فيقبض الله روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» تفسير : ورواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به. وسنذكره أيضاً من طريق أحمد عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} تفسير : [الأنبياء: 96] الآية. (حديث آخر) قال مسلم في صحيحه أيضاً: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم، قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به، تقول إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله، أو لا إله إلا الله، أو كلمة نحوهما، لقد هممت أن لا أحدث أحداً شيئاً أبداً، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمراً عظيماً: يحرق البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير ـ أو إيمان - إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل، لدخلته عليه حتى تقبضه» تفسير : قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً، ورفع ليتاً، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله ـ أو قال: ـ ينزل الله مطراً كأنه الطل ـ أو قال: الظل ـ نعمان الشاك ـ فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ }حديث : ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك يوماً يجعل الولدان شيباً، وذلك يوم يكشف عن ساق» تفسير : ثم رواه مسلم والنسائي في تفسيره جميعاً عن محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن نعمان بن سالم به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبد الله ابن عبيد الله بن ثعلبة الأنصاري، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، عن مجمع بن جارية، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يقتل ابن مريم المسيح الدجال بباب لد - أو إلى جانب لد -» تفسير : ورواه أحمد أيضاً عن سفيان بن عيينة من حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزهري، عن عبد الله ابن عبيد الله بن ثعلبة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقتل ابن مريم الدجال بباب لد» تفسير : وكذا رواه الترمذي عن قتيبة عن الليث به، وقال: هذا حديث صحيح، وقال: وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عتبة، وأبي برزة وحذيفة بن أسيد، وأبي هريرة وكيسان وعثمان بن أبي العاص وجابر، وأبي أمامة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو، وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان وعمرو بن عوف وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم، ومراده برواية هؤلاء ما فيه ذكر الدجال وقتل عيسى ابن مريم عليه السلام له، فأما أحاديث ذكر الدجال فقط، فكثيرة جداً، وهي أكثر من أن تحصى لانتشارها وكثرة روايتها في الصحاح والحسان والمسانيد وغير ذلك. (حديث آخر) ــ قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن فرات، عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «حديث : لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق ـ أو تحشر ـ الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا» تفسير : وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث فرات القزار به. ورواه مسلم أيضاً من رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري موقوفاً، والله أعلم، فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومجمع بن جارية وأبي سريحة وحذيفة بن أسيد رضي الله عنهم، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه من أنه بالشام بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح، وقد بنيت في هذه الأعصار في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة منارة للجامع الأموي بيضاء من حجارة منحوتة عوضاً عن المنارة التي هدمت بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى ـ عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ـ وكان أكثر عمارتها من أموالهم، وقويت الظنون أنها هي التي ينزل عليها المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام؛ كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى عليه السلام وعلى يديه، ولهذا قال تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} الآية، وهذه الآية كقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} تفسير : [الزخرف: 61] وقرىء (لعلم) بالتحريك، أي: أمارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال، فيقتله الله على يديه؛ كما ثبت في الصحيح أن الله لم يخلق داء إلا أنزل له شفاء، ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج، فيهلكهم الله تعالى ببركة دعائه، وقد قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ } تفسير : [الأنبياء: 96 ـ 97] الآية. (صفة عيسى عليه السلام) قد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة: «حديث : فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل»تفسير : ، وفي حديث النواس بن سمعان: «حديث : فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث انتهى طرفه»تفسير : ، وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليلة أسري بي لقيت موسى» تفسير : قال: فنعته فإذا رجل أحسبه، قال: «حديث : مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة» تفسير : قال: «حديث : ولقيت عيسى» تفسير : فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ربعة أحمر كأنه خرج من ديماس» تفسير : يعني الحمام، «حديث : ورأيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده به» تفسير : الحديث، وروى البخاري من حديث مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت موسى وعيسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزط»تفسير : ، وله ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: «حديث : إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية» تفسير : ولمسلم عنه مرفوعاً: «حديث : وأراني الله عند الكعبة في المنام، وإذا رجل آدم كأحسن ما ترى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعاً يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هو المسيح ابن مريم، ثم رأيت وراءه رجلاً جعداً قططاً، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن، واضعاً يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال» تفسير : تابعه عبيد الله عن نافع. ثم رواه البخاري عن أحمد بن محمد المكي، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: لا والله ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعيسى أحمر، ولكن قال: «حديث : بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يتهادى بين رجلين، ينطف رأسه ماء ـ أو يهراق رأسه ماء ـ فقلت: من هذا؟ فقالوا ابن مريم، فذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر جسيم، جعد الراس، أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: الدجال، وأقرب الناس به شبهاً ابن قطن» تفسير : قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، هذه كلها ألفاظ البخاري رحمه الله، وقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة أن عيسى عليه السلام يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون. وفي حديث عبد الله بن عمر عند مسلم أنه يمكث سبع سنين، فيحتمل ـ والله أعلم ـ أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة مجموع إقامته فيها قبل رفعه، وبعد نزوله، فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة، في الصحيح، وقد ورد ذلك في حديث في صفة أهل الجنة أنهم على صورة آدم وميلاد عيسى: ثلاث وثلاثين سنة، وأما ما حكاه ابن عساكر عن بعضهم أنه رفع وله مائة وخمسون سنة، فشاذ غريب بعيد. وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه عن بعض السلف أنه يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته، فالله أعلم. وقوله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر بعبودية الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} تفسير : ـ إلى قوله ـ {أية : ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 116 ـ 118].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإن } ما {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ } أحد {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } بعيسى {قَبْلَ مَوْتِهِ } أي الكتابي حين يعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه أو قبل موت عيسى لما ينزل قرب الساعة كما ورد في حديث {وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكُونُ } عيسى {عَلَيْهِمْ شَهِيداً } بما فعلوه لما بُعِثَ إليهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابي، أو بالمسيح قبل موت المسيح إذا نزل من السماء، أو قبل موت الكتابي يؤمن بما نزل من الحق وبالمسيح. {شَهِيداً} على نفسه بالعبودية وتبليغ الرسالة، أو بتكذيب المكذب وتصديق المصدق من أهل عصره.
النسفي
تفسير : {وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } «ليؤمنن به» جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ونحوه {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }تفسير : [الصافات: 164] والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى عليه السلام وبأنه عبد الله ورسوله يعني إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف. أو بالكتاب الضميران لعيسى يعني وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله. رُوي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، أو الضمير «في به» يرجع إلى الله أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم والثاني إلى الكتابي {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله {فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } وهي ما ذكر في سورة الأنعام {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ }تفسير : [الأنعام: 146] الآية. والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه وهو ما عدد قبل هذا {وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } وبمنعهم عن الإيمان {كَثِيراً } أي خلقاً كثيراً أو صداً كثيراً {وَأَخْذِهِمُ * ٱلرّبَوٰاْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } كان الربا محرماً عليهم كما حرم علينا وكانوا يتعاطونه {وَأَكْلِهِمْ أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ } بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ } دون من آمن {عَذَاباً أَلِيماً } في الآخرة {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ } أي الثابتون فيه المتقون كابن سلام وأضرابه {مِنْهُمْ } من أهل الكتاب {وَٱلْمُؤْمِنُونَ } أي المؤمنون منهم والمؤمنون من المهاجرين والأنصار. وارتفع «الراسخون» على الابتداء {يُؤْمِنُونَ } خبره {بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ } أي القرآن {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } أي سائر الكتب {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ } منصوب على المدح لبيان فضل الصلاة، وفي مصحف عبد الله «والمقيمون» وهي قراءة مالك بن دينار وغيره {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } مبتدأ {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآَخِرِ } عطف عليه والخبر {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً } وبالياء: حمزة. {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا {كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيّينَ مِن بَعْدِهِ } كهود وصالح وشعيب وغيرهم. {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَــٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ } أي أولاد يعقوب {وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَءاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } «زُبوراً»: حمزة مصدر بمعنى مفعول سمي به الكتاب المنزل على داود عليه السلام {وَرُسُلاً } نصب بمضمر في معنى أوحينا إليك وهو أرسلنا ونبأنا {قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } من قبل هذه السورة {وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } سأل أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء قال «حديث : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً»تفسير : قال: كم الرسل منهم؟ قال: «حديث : ثلثمائة وثلاثة عشر أول الرسل آدم وآخرهم نبيكم محمد ـ عليه السلام ـ وأربعة مِن العرب هود وصالح وشعيب ومحمد ـ عليه السلام ـ» تفسير : والآية تدل على أن معرفة الرسل بأعيانهم ليست بشرط لصحة الإيمان بل من شرطه أن يؤمن بهم جميعاً إذ لو كان معرفة كل واحد منهم شرطاً لقص علينا كل ذلك {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } أي بلا واسطة. {رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } الأوجه أن ينتصب على المدح أي أعني رسلاً، ويجوز أن يكون بدلاً من الأول، وأن يكون مفعولاً أي وأرسلنا رسلاً. واللام في {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } يتعلق بـ «مبشرين» ومنذرين والمعنى أن إرسالهم إزاحة للعلة وتتميم لإلزام الحجة لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا بما وجب الانتباه له، ويعلمنا ما سبيل معرفته السمع كالعبادات والشرائع أعني في حق مقاديرها وأوقاتها وكيفياتها دون أصولها فإنها مما يعرف بالعقل {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً } في العقاب على الإنكار {حَكِيماً } في بعث الرسل للإنذار. ولما نزل «إنا أوحينا إليك» قالوا ما نشهد لك بهذا فنزل {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه إثباته لصحته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات إذ الحكيم لا يؤيد الكاذب بالمعجزة {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } أي أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصفات فإنه أثبت لنفسه العلم {وَٱلْمَلَـئِكَةُ يَشْهَدُونَ } لك بالنبوة {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } شاهداً وإن لم يشهد غيره {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } ومنعوا الناس عن سبيل الحق بقولهم للعرب «إنا لا نجده في كتابنا» {قَدْ ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً } عن الرشد {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بالله {وَظَلَمُواْ } محمداً عليهم السلام بتغيير نعته وإنكار نبوته {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } ما داموا على الكفر {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } وكان تخليدهم في جهنم سهلاً عليه، والتقدير يعاقبهم خالدين فهوحال مقدرة والآيتان في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ويموتون على الكفر. {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقّ مِن رَّبّكُمْ } أي بالإسلام أو هو حال أي محقاً {فَـئَامِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ } وكذلك {ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ } انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال «خيراً لكم» أي اقصدوا وأتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان به والتوحيد {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ } فلا يضره كفركم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بمن يؤمن وبمن يكفر {حَكِيماً } لا يسوي بينهما في الجزاء. {يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ }لا تجاوزوا الحد فغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حتى قالوا إنه ابن الزنا، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ابن الله {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } وهو تنزيهه عن الشريك والولد {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } لا ابن الله {رَسُولُ ٱللَّهِ } خبر المبتدأ وهو «المسيح» و «عيسى» عطف بيان أو بدل {وَكَلِمَتُهُ } عطف على «رسول الله». وقيل له «كلمة» لأنه يهتدي به كما يهتدي بالكلام {أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ } حال «وقد» معه مرادة أي أوصلها إليها وحصلها فيها {وَرُوحٌ } معطوف على الخبر أيضاً. وقيل له «روح» لأنه كان يحيـي الموتى كما سمي القرآن روحاً بقوله {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا }تفسير : [الشورى: 52] لما أنه يحيـي القلوب {مِّنْهُ } أي بتخليقه وتكوينه كقوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ }تفسير : [الجاثية: 13] وبه أجاب عليّ بن الحسين بن واقد غلاماً نصرانياً كان للرشيد في مجلسه حيث زعم أن في كتابكم حجة على أن عيسى من الله {فَـئَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي ولا تقولوا الآلهة ثلاثة {ٱنتَهُواْ } عن التثليث {خَيْراً لَّكُمْ }. والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة وأن المسيح ولد الله من مريم ألا ترى إلى قوله: {أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ }تفسير : [المائدة: 116]. {أية : وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 30]. {إِنَّمَا ٱللَّهُ } مبتدأ {إِلَـهٌ } خبرة {وٰحِدٌ } توكيد {سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } أسبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأرْضِ } بيان لتنزهه مما نسب إليه بمعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه فكيف يكون بعض ملكه جزءًا منه. إذ البنوة والملك لا يجتمعان، على أن الجزء إنما يصح في الأجسام وهو يتعالى عن أن يكون جسماً {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } حافظاً ومدبراً لهما ولما فيهما، ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد يعينه. ولما قال وفد نجران لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا عيسى؟ قال:«حديث : وأي شيء أقول؟ »تفسير : قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله. قال:«حديث : إنه ليس بعار أن يكون عبد الله»تفسير : قالوا: بلى، نزل قوله تعالى:
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب} يعني وما من أحد من أهل الكتاب {إلاّ ليؤمنن به} يعني بعيسى عليه السلام وأنه عبدالله ورسوله وروحه وكلمته هذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين وقال عكرمة في قوله إلاّ ليؤمنن به يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا القول لا وجه له لأنه لم يجر للنبي صلى الله عليه وسلم ذكر قبل هذه الآية حتى يرجع الضمير إليه وقول الأكثرين الأولى لأنه تقدم ذكر عيسى عليه السلام فكان عود الضمير إليه أولى {قبل موته} اختلف المفسرون في هذا الضمير إلى من يرجع؟ فقال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الضمير يرجع إلى الكتابي والمعنى وما من أحد من أهل الكتاب إلاّ آمن بعيسى قبل موت ذلك الكتابي ولكن يكون ذلك الإيمان عند الحشرجة حين لا ينفعه إيمانه قال ابن عباس: معناه إذا وقع في اليأس حين لا ينفعه إيمانه سواء احترق أو تردى من شاهق أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة فقيل له أرأيت إن خر من فوق بيت قال: يتكلم به في الهواء فقيل له أرأيت إن ضربت عنقه قال يتلجلج به لسانه وقال شهر بن حوشب إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة بأجنحتها وجهه ودبره وقالوا يا عدو الله أتاك موسى نبياً فكذبت به فيقول آمنت إنه عبدالله ورسوله وتقول للنصراني أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله وابن الله فيقول آمنت أنه عبدالله فأهل الكتابين يؤمنون به ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن الضمير يرجع إلى عيسى السلام وهو رواية عن ابن عباس أيضاً والمعنى وما من أحد من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتابين إلاّ من آمن بعيسى حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام قال عطاء إذا نزل عيسى إلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد يعبد غير الله إلاّ آمن بعيسى وأنه عبدالله وكلمته ويدل على صحة هذا القول ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" تفسير : زاد في رواية: "حديث : حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها"تفسير : ثم يقول أبو هريرة: "اقرؤوا إن شئتم وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن به قبل موته" الآية وفي رواية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لينزلن فيكم ابن مريم حكماً عادلاً فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية وليتركن القلاص فلا يسعى عليها وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. ففي هذا الحديث دليل على أن عيسى ينزل في آخر الزمان في هذه الأمة ويحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لا ينزل نبياً برسالة مستقلة وشريعة ناسخة بل يكون حاكماً من حكام هذه الأمة وإماماً من أئمتهم لقوله صلى الله عليه وسلم فيكسر الصليب يعني يكسره حقيقة ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه. وكذلك قتله الخنزير وقوله ويضع الجزية يعني لا يقبلها ممن بدلها من اليهود والنصارى. ولا يقبل من أحد إلاّ الإسلام أو القتل وعلى هذا قد يقال هذا خلاف منا هو حكم الشرع اليوم فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها منه ولم يجر قتله ولا إجباره على الإسلام والجواب أن هذا الحكم ليس مستمر إلى يوم القيامة بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى عليه السلام وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بنسخه وليس الناسخ هو عيسى عليه السلام يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فدل على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والله أعلم. قال الزجاج هذا القول بعيد يعني قول من قال إن إيمان أهل الكتاب بعيسى إنما يكون عند نزوله في آخر الزمان قال لعموم قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن به} قال والذين يبقون يومئذٍ يعني عند نزوله شرذمة قليلة منهم وأجاب أصحاب هذا القول يعني الذين يقولون إن إيمان أهل الكتاب بعيسى إنما يكون عند نزوله في آخر الزمان بأن هذا على العموم. ولكن المراد بهذا العموم الذين يشهدون ذلك الوقت ويدركون نزوله فيؤمنون به ويكون معنى الآية وما من أحد، من أهل الكتاب أدرك ذلك الوقت إلاّ آمن بعيسى عند نزوله من السماء وصحح الطبري هذا القول وقال عكرمة في معنى الآية وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابي فلا يموت يهودي ولا نصراني حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك عند الحشرجة حتى لا ينفعه إيمانه. وقوله تعالى: {ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} يعني يكون عيسى عليه السلام شاهداً على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه وعلى النصارى أنهم اتخذوه رباً وأشركوا به ويشهد على تصديق من صدقه منهم وآمن به قال قتادة معناه إنه يكون شهيداً يوم القيامة إنه قد بلغ رسالة ربه وأقر على نفسه بالعبودية. قوله عز وجل: {فبظلم من الذين هادوا} يعني فبسبب ظلم منهم {حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} يعني ما حرمنا عليهم الطيبات التي كانت حلالاً لهم إلاّ بظلم عظيم ارتكبوه وذلك الظلم هو ما ذكره من نقضهم الميثاق وما عدد عليهم من أنواع الكفر والكبائر العظيمة مثل قولهم اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة وكقولهم أرنا الله جهرة وكعبادتهم العجل فبسبب هذه الأمور حرم الله عليهم طيبات كانت حلالاً لهم وهي ما ذكره في سورة الأنعام في قوله: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} تفسير : [الأنعام: 146] الآية وقال الطبري: في معنى الآية فحرمنا على اليهود الذين نقضوا ميثاقهم الذي واثقوا ربهم به وكفروا بآيات الله، وقالوا أنبيائهم وقالوا البهتان على مريم وفعلوا ما وصفهم الله به في كتابه طيبات من المآكل وغيرها التي كانت لهم حلالاً عقوبة لهم بظلمهم الذي أخبر الله عنهم في كتابه. وروي عن قتادة قال عوقب القوم بظلم ظلموه وبغي بغوه وحرمت عليهم أشياء ببغيهم وظلمهم. ونقل الواحدي وابن الجوزي عن مقاتل قال كان الله حرم على أهل التوراة أن يأكلوا الربا ونهاهم أن يأكلوا أموال الناس ظلماً فأكلوا الربا وأكلوا أموال الناس وظلموا بالباطل وصدوا عن دين الله وعن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فحرم الله عليهم عقوبة لهم ما ذكر في قوله: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} تفسير : [الأنعام: 146] الآية قال الواحدي فأما وجه تحريم الطيبات عليهم كيف ومتى كان على لسان من حرم عليهم فلم أجد فيه شيئاً انتهى إليه فتركه ولقد أنصف الواحدي فيما قال فإن هذه الآية في غاية الإشكال وبيانه إن الله تعالى لا يعاقب على ذنب قبل وقوعه وقد ذكر المفسرون في معنى الظلم المذكور في الآية ما تقدم ذكره وكلها ذنوب في المستقبل. فإن قلت علم الله وقوع هذه الذنوب منهم قبل وقوعها لحرم عليهم ما حرم من الطيبات التي كانت لهم حلالاً عقوبة لهم على ما سيقع منهم قلت جوابه ما تقدم وهو أن الله تعالى لا يعاقب على ذنب قبل وقوعه ولهذا لم يذكر الإمام فخر الدين في تفسير هذه الآية ما ذكره المفسرون بل ذكر تفسيراً إجمالياً فقال اعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظلم للخلق والإعراض عن الدين الحق، وأما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله {وبصدهم عن سبيل الله كثيراً}.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}: اختُلِفَ في معنى الآيةِ: فقال ابن عباس وغيره: الضميرُ في {مَوْتِهِ} راجعٌ إلَىٰ عيسى، والمعنَىٰ: أنه لا يبقَىٰ مِنْ أهْل الكتابِ أحَدٌ، إذا نَزَلَ عيسَىٰ إلى الأرْضِ، إلاَّ يؤمنُ بعيسَىٰ؛ كما يؤمنُ سائرُ البَشَرِ، وترجِعُ الأدْيَانُ كلُّها واحداً، يعني: يرجعُونَ علَىٰ دِينِ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ إذْ عيسَىٰ واحدٌ من أمته وعلَىٰ شريعته، وأئمَّتنا منَّا كما ورد في الحديثِ الصَّحِيح. وقال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ أيضاً وغيرهما: الضميرُ في {بِهِ} لعيسَىٰ، وفي {مَوْتِهِ} للكتابيِّ، لَكن عند المعاينة للمَوْتِ فهو إيمانٌ لا ينفعه، وقال عكرمةُ: الضَّميرُ في {بِهِ} لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم و {قَبْلَ مَوْتِهِ} للكتابيِّ قال: وليس يخرج يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ من الدنيا حتَّىٰ يؤمن بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، ولو غَرِقَ أو سَقَطَ علَيْه جِدَارٌ، فإنه يؤمنُ في ذلك الوقْتِ، وفي مُصْحَفِ أبيِّ بْنِ كَعْب: «قَبْلَ مَوْتِهِمْ»، ففي هذه القراءة تَقْوِيَةٌ لعود الضمير على الكتابيِّ. قال * ص *: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ...} الآية: «إنْ»: هنا نافيةٌ، والمخبَرُ عنه محذوفٌ قامَتْ صفته مَقَامَهُ، أي: وما أحدٌ من أهل الكتاب؛ كما حذف في قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم:71] وقوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات:164] أي: وما أحدٌ منا، وما أحدٌ منكم، قال الشيخُ أبو حَيَّانِ: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ}: جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم وجوابُهُ هو الخَبَرُ، وكذلك أيضاً {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ} و {إِلاَّ وَارِدُهَا}، هما الخَبَرُ، قال الزَّجَّاج: وحَذْف «أَحَدٍ» مطلوبٌ في كلِّ نفْيٍ يدخله الإستثناءُ؛ نحْوُ: مَا قَامَ إلاَّ زَيْدٌ، أيْ: ما قام أحدٌ إلاَّ زيد. انتهى.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر فَضَائِح اليَهُود وقبحَ أفْعَالِهِم، وأنَّهم قَصَدُوا قَتْل عِيسَى عليه الصلاة والسلام، وأنَّه لم يَحْصُل لهم ذَلِكَ المَقْصُود، وأنَّ عيسى - عليه السلام - حَصَل له أعْظَمُ المَنَاصِبِ، بَيَّن أن هؤلاء اليهُود الذين بَالَغُوا في عَدَاوَتِهِ، لا يَخْرُجُ أحَدٌ مِنْهُم من الدُّنْيَا إلا بَعْدَ أن يُؤمِنَ به، فقال: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}، "إنْ" هنا نافيةٌ بمعنى "مَا"، و "مِنْ أهْلِ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه صفة لمبتدأ محذوف، والخبرُ الجملةُ القسمية المحذوفة وجوابها، والتقدير: وما أحدٌ من أهل الكتاب إلاَّ واللَّهِ ليُؤمِننَّ به، فهو كقوله: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164]، أي: ما أحدٌ مِنَّا، وكقوله: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] أي: مَا أحَدٌ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها، هذا هو الظاهر. والثاني - وبه قال الزمخشري وأبو البقاء -: أنه في محلِّ الخبر، قال الزمخشري: "وجملة "لَيُؤْمِنَنَّ به" جملةٌ قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف، تقديره: وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتاب أحَدٌ إلاَّ ليُؤمِنَنَّ بِهِ، ونحوه: {وما منا إلا له مقام معلوم} {وإن منكم إلا واردها}، والمعنى: "وما من اليهود أحَدٌ إلاَّ ليُؤمنَنَّ"، قال أبو حيان: "وهو غلطٌ فاحشٌ؛ إذ زعم أن "لَيُؤْمِنَنَّ بِه" جملة قسمية واقعةٌ صفةً لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة "أحَد" المحذوف إنما الجار والمجرور؛ كما قَدَّرناه، وأمَّا قوله: "لَيُؤْمِنَنَّ بِه"، فليستْ صفةً لموصوف، ولا هي جملة قسمية، إنما هي جملة جواب القَسَم، والقسم محذوفٌ، والقسمُ وجوابُه خبر للمبتدأ، إذ لا ينتظم من "أحَد"، والمجرور إسناد؛ لأنه لا يفيد، وإنما ينتظم الإسنادُ بالجملة القسمية وجوابها، فذلك هو مَحَطُّ الفائدةِ، وكذلك أيضاً الخبرُ هو {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ}، وكذلك "إِلاَّ وَارِدُهَا"؛ إذ لا ينتظم مما قبل "إلاَّ" تركيب إسناديٌّ". [قال شهاب الدين] وهذا - كما تَرَى - قد أساء العبارة في حق الزمخشريِّ؛ بما زعم أنه غلط، وهو صحيح مستقيم، وليت شعري كيف لا ينتظم الإسنادُ من "أحَد" الموصوفِ بالجملة التي بعده، ومن الجارِّ قبله؟ ونظيرُه أن تقول: "مَا فِي الدَّارِ رَجُلٌ إلاَّ صَالِحٌ" فكما أن "فِي الدَّار" خبر مقدَّم، و"رَجُلٌ" مبتدأ مؤخر، و"إلاَّ صَالِحٌ" صفته، وهو كلامٌ مفيد مستقيمٌ، فكذلك هذا، غايةُ ما في الباب أنَّ "إلاَّ" دخلت على الصفة؛ لتفيدَ الحصْر، وأما ردُّه عليه حيث قال: جملةٌ قسميَّة، وإنما هي جوابُ القسَم، فلا يَحْتاجُ إلى الاعتذار عنه، ويكفيه مثلُ هذه الاعتراضاتِ. واللام في "ليُؤمِنَنَّ" جوابُ قسمٍ محذوف، كما تقدَّم. وقال أبو البقاء: "ليُؤمِنَنَّ جواب قسمٍ محذوفٍ، وقيل: أكَّدَ بها في غير القسَم؛ كما جاء في النفي والاستفهام"، فقوله: "وقيل... إلى آخره" إنما يستقيم ذلك، إذا أعَدْنا الخلاف إلى نونِ التوكيد؛ لأنَّ نون التوكيد قد عُهِد التأكيدُ بها في الاستفهام باطِّرادٍ، وفي النفي على خلاف فيه، وأما التأكيدُ بلام الابتداء في النفي والاستفهام، فلم يُعْهَد ألبتة، وقال أيضاً قبل ذلك: "وما مِنْ أَهْلِ الكتاب أحدٌ، وقيل: المحذوفُ "مَنْ" وقد مرَّ نظيره، إلا أنَّ تقديرَ "مَنْ" هنا بعيدٌ، لأن الاستثناء يكون بعد تمام الاسْمِ، و"مَنْ" الموصولة والموصوفةُ غيرُ تامَّة"، يعني أن بعضهم جعل ذلك المحذوفَ لفظَ "مَنْ"، فيقدِّر: وإنْ مِنْ أهْلِ مَنْ إلاَّ ليُؤمِنَنَّ، فجعلَ موضع "أحَد" لفظ "مَنْ"، وقوله: "وقَدْ مرَّ نظيره"، يعني قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 199] ومعنى التنظير فيه أنه قد صرَّح بلفظ "من" المقدَّرةِ ههنا. وقرأ أبَيٌّ: "ليُؤمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ" بضم النون الأولى مراعاة لمعنى "أحَد" المحذوف، وهو وإن كان لفظه مفرداً، فمعناه جمع، والضمير في "به" لعيسى - عليه السلام -، وقيل: لله تعالى، وقيل: لمحمَّد - عليه السلام -، وفي "مَوْته" لعيسى، ويُروى في التفسير؛ أنه حين ينزل إلى الأرض يُؤمِنُ به كلُّ أحدٍ، حتى تصيرَ المِلّةُ كلُّها إسلامية وهو قَوْلُ قَتادَة، وابن زَيْدٍ وغيرِهِما، وهو اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. وقيل: يَعُود على "أحَد" المُقدَّر، أي: لا يَمُوت كِتَابِيٌّ حتى يُؤمن بعيسى قبل مَوْتِهِ عند المُعَايَنَةِ حين لا يَنْفَعُهُ. ونُقِل عن ابن عَبَّاسٍ ذلك، فقال له عِكْرِمة، أفَرأيْتَ إن خَرَّ بَيْتٌ أو احْتَرَق أو أكَلَهُ سَبُعٌ؟ قال: لا يمُوتُ حَتَّى يُحَرِّكَ بها شَفَتَيْهِ، أي: بالإيمَانِ بعيسى. وروى شَهْر بن حَوْشب [عن الحَجَّاج؛ أنه] قال يا شهر آية في كتاب الله ما قَرأتُهَا إلاَّ في نفسي مِنْهَا شَيْءٌ، يعني: هذه الآيَةَ؛ فإني أضْرِبُ عُنُقَ اليَهُودِي، ولا أسْمَعُ منه ذلِك، فقُلْتُ: إن اليَهُودِي إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَت الملائِكَة وَجْهَهُ وَدبُرَهُ، وقالوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ، أتاك عِيسَى نَبِيّاً فكَذَّبْت [به، فيقُولُ:] آمنْتُ أنه عَبْدُ الله، وتقول للنَّصْرَانِيِّ: أتَاك عِيسَى نَبِيّاً فَزَعَمْت أنَّه اللَّهُ وابْنُ اللَّهِ، فيقول: آمَنْتُ أنه عَبْدُ الله، فأهْلُ الكِتَابِ [يؤمِنُون] به، ولكن حَيْثُ لا يَنْفَعُهُم ذَلِك الإيمانُ، فاسْتَوَى الحَجَّاج جَالِساً فقال: مِمَّن نَقَلْتَ هذا؟ فقال: حَدَّثَنِي [به] محمد بن عَلِيّ ابن الحَنفِيَّة، فأخذ يَنْكُتُ في الأرْضِ بِقَضيبٍ، ثم قال: أخَذْتهَا من عَيْنٍ صَافِيَةٍ. وقرأ الفَيَّاض بن غزوان "وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ" بتشديد "إنَّ"، وهي قِرَاءَةٌ مَرْدُودَةٌ لإشْكَالِهَا. فصل رَوَى أبُو هُرَيْرَة عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يُوشِكُ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابن مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً، يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجزْيَةَ، ويَفِيضُ المَالُ حَتَّى لا يَقْبَلُه أحَدٌ، وتميلُ في زَمَانِهِ المِلَلُ كُلُّهَا إلى الإسْلامِ، ويَقْتل الدَّجَّال، فيمْكُثُ في الأرْضِ أرْبَعين سَنَةً، ثم يُتَوَفَّى فيُصَلّي عليه المُسْلِمُون" تفسير : وقال أبو هريرة اقْرَءُوا إن شِئْتُم: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل مَوْتِ عيسى ابن مريم - [عليه السلام] - ثم ليعيدها أبو هُرَيْرَة ثلاث مَرَّاتٍ. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: والفَائِدَةُ في إخْبَارِ الله - تعالى - بإيمانِهِم بعِيسَى قَبْلَ مَوْتِهِم - أنَّهُم متى عَلِمُوا أنه لا بُدَّ لهم من الإيمَانِ به لا مَحَالَة، مع كَوْنِه لا يَنْفَعُهُم الإيمانُ في ذَلِك الوَقْتِ، فلا يُؤمِنُوا به حَالَ ما يَنْفَعُهُم ذلك الإيمَانُ. قوله سبحانه {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} العالم فيه "شَهِيداً" وفيه دليلٌ على جوازِ تقدُّم خبر "كان" عليها؛ لأنَّ تقديمَ المعمولِ يُؤذِن بتقديمِ العامل، وأجاز أبو البقاء أن يكون منصوباً بـ "يكُون" وهذا على رأي مَنْ يجيز لـ "كَان" أن تعمل في الظرفِ وشبهه، والضميرُ في "يكُون" لعيسى يعني: يكُون عيسى عليهم شَهيداً: أنه قد بَلَّغَهُم رِسَالة رَبِّه، وأقَرَّ بالعُبُودِيَّة على نفْسِهِ مُخْبِراً عنهم {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} تفسير : [المائدة: 117] وكل نَبِيٍّ شَاهِدٌ على أمَّتِهِ، وقيل: الضَّميرُ في "يكُونُ" لمحمَّدٍ - عليه السلام -.
البقاعي
تفسير : ولما أنجز الكلام إلى أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على هذا المنهاج البديع بما ذكر في نصائح اليهود وقبائح أفعالهم، وأنهم قصدوا قتله عليه الصلاة والسلام، فخاب قصدهم، واصلد زندُهم، وقال رأيهم، ورد عليهم بغيهم، وحصل له بذلك أعلى المناصب وأولى المراتب؛ قال محققاً لما أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم، مثبتاً أنهم في مبالغتهم في عداوته سيكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره الذي منه التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومؤكداً له أشد تأكيد لما عندهم من الإنكار له: {وإن} أي والحال أنه ما {من أهل الكتاب} أي أحد يدرك نزوله في آخر الزمان {إلا} وعزتي {ليؤمنن به} أي بعيسى عليه الصلاة والسلام {قبل موته} أي موت عيسى عليه الصلاة والسلام، أي إنه لا يموت حتى ينزل في آخر الزمان، يؤيد الله دين الإسلام، حتى يدخل فيه جميع أهل الملل، إشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام إن كان قد أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون دينه زماناً طويلاً، فالنبي الذي نسخ شريعة موسى - وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام - هو الذي يؤيد الله به هذا النبي العربي في تجديد شريعته وتمهيد أمره والذب عن دينه، ويكون من أمته بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة وأتباع مستكثرة، أمر قضاء الله في الأزل فأمضاه، فأطيلوا أيها اليهود أو أقصروا! فمعنى الآية إذن - والله أعلم - أنه ما من أحد من أهل الكتاب المختلفين في عيسى عليه الصلاة والسلام على شك إلا وهو يوقن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موته بعد نزوله من السماء أنه ما قتل وما صلب، ويؤمن به عند زوال الشبهة - والله أعلم؛ روى الشيخان وأحمد وأبو بكر بن مردويه وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً وإماماً عادلاً، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها"تفسير : وفي رواية: وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين؛ وفي رواية: حتى يهلك الله الملل كلها غير الإسلام، فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} الآية: موت عيسى عليه الصلاة والسلام - ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات - ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد؛ وفي رواية: ويفيض المال حتى لا يقبله أحد؛ ولمسلم عنه رضي الله عنه: كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؛ وفي رواية: فأمكم منكم، قال الوليد بن مسلم - أحد رواة الحديث: قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت تخبرني! قال: فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم؛ ولمسلم أيضاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فيقول أميرهم: تعال صل لنا! فيقول: لا! إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة؛ وروى عن ابن عباس ومحمد بن علي المشهور بابن الحنفية رضي الله عنهم أن المعنى: ألا ليؤمنن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موت ذلك الكتابي عند الغرغرة حين لا ينفعه الإيمان، ليكون ذلك زيادة في حسرته، قال الأصبهاني: وتدل على صحة هذا التأويل قراءة أبيّ: ليؤمنن قبل موتهم - بضم النون. ولما أخبر تعالى عن حالهم معه في هذه الدار أتبعه فعله بهم في تلك فقال: {ويوم القيامة} أي الذي يقطع ذكره القلوب، ويحمل التفكر فيه على كل خير ويقطع عن كل شر {يكون} وأذن بشقائهم بقوله: {عليهم شهيداً} أي بما عملوا؛ ولما أذن حرف الاستعلاء في الشهادة بأنه لا خير لهم في واحد من الدارين، وبأن التقدير: فبظلمهم، سبب عنه قوله دلالة على أن التوراة نزلت منجمة: {فبظلم} أي عظيم جداً راسخ ثابت، وهو جامع لتفصيل نقض الميثاق وما عطف عليه مما استحلوه بعد أن حرمته التوارة، وقال مشيراً إلى زيادة تبكيتهم: {من الذين هادوا} أي تلبسوا باليهودية في الماضي ادعاء أنهم من أهل التوراة والرجوع إلى الحق، ولم يضمر تعييناً لهم زيادة في تقريعهم {حرمنا عليهم طيبات أحلت} أي كان وقع إحلالها في التوراة {لهم} كالشحوم التي ذكرها الله تعالى في الأنعام. ولما ذكر ظلمهم ذكر مجامع من جزئياته، وبدأها بإعراضهم عن الدين الحق، فقال معيداً للعامل تأكيداً له: {وبصدهم عن سبيل الله} أي الذي لا أوضح منه ولا أسهل ولا أعظم، لكون الذي نهجه له من العظمة والحكمة ما لا يدرك، و "صد" يجوز أن يكون قاصراً فيكون {كثيراً *} صفة مصدر محذوف، وأن يكون متعدياً فيكون مفعولاً به، أي وصدهم كثيراً من الناس بالإضلال عن الطريق، فمُنِعوا مستلذات تلك المآكل بما مَنَعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة الإيمان. ولما ذكر امتناعهم ومنعهم من المحاسن التي لا أطيب منها ولا أشرف، أتبعه إقدامهم على قبائح دنية فيها ظلمهم للخلق فقال: {وأخذهم الربا} أي وهو قبيح في نفسه مُزرٍ بصاحبه {وقد} أي الحال أنهم قد {نهوا عنه} فضموا إلى مخالفة الطبع السليم الاجتراء على انتهاك حرمة الله العظيم. ولما ذكر الربا أتبعه ما هو أعم منه فقال: {وأكلهم أموال الناس بالباطل} أي سواء كانت رباً أو رشوة أو غيرهما؛ ولما ذكر بعض ما عذبهم به في الدنيا أتبعه جزاءهم في الآخرة، فقال عاطفاً على قوله "حرمنا": {وأعتدنا للكافرين} أي الذين صار الكفر لهم صفة راسخة فماتوا عليه؛ ولما علم أن منهم من يؤمن فيدخل الجنة فقال: {منهم} ولما كان الجزاء من جنس العمل قال: {عذاباً أليماً *} أي بسبب ما آلموا الناس بأكل أموالهم وتغطيتهم على حقوقهم من الفضائل والفواضل. ذكرُ تحريم المال بالربا وغيره من أنواع الباطل بنص التوراة، قال في السفر الثاني بعد ما قدمتهُ في البقرة من الأمر بالإحسان إلى الناس والنهي عن أذاهم: وإن أسلفت ورقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم ولا تأخذن منه رباً؛ وقال في الثالث: وإن افتقر أخوك واستعان بك فلا تتركه بمنزلة الغريب الساكن معك، بل وسع عليه، وإياك أن تأخذ منه رباً أو عينة، لا تقرضه بالعينة؛ وقال في الخامس: ولا تطعموا بيت الله ربكم أجر زانية ولا ثمن كلب، ولا تأخذوا من إخوتكم رباً في فضة ولا في طعام ولا في شيء مما تعانونه، وأما الغريب فخذوا منه إن أحببتم؛ فقد ثبت من توراتهم النهيُ عن الربا، وأما تخصيصه بالغريب فتبديل منهم بلا ريب، بدليل ما قدمته عنها في البقرة عند قوله تعالى: {أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا} تفسير : [البقرة: 62] من النهي عن غدر العدو، وعند قوله تعالى: {أية : لا تعبدون إلا الله}تفسير : [البقرة: 83] من الإحسان إلى عامة الناس لا سيما الغريب - والله الموفق.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: خروج عيسى ابن مريم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت عيسى. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: يعني أنه سيدرك أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، سيؤمنون به. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإن من أهل الكتاب} قال: اليهود خاصة {إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت اليهودي. وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: هي في قراءة أبي قبل موتهم. قال: ليس يهودي أبداً حتى يؤمن بعيسى. قيل لابن عباس: أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهواء. فقيل: أرأيت إن ضرب عنق أحدكم؟ قال: يتلجلج بها لسانه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال: لا يموت يهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ولو عجل عليه بالسلاح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: لو أن يهودياً ألقي من فوق قصر ما خلص إلى الأرض حتى يؤمن أن عيسى عبد الله ورسوله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى. قيل: وإن ضرب بالسيف؟ قال: يتكلم به. قيل: وإن هوى؟ قال: يتكلم به وهو يهوي. وأخرج ابن المنذر عن أبي هاشم وعروة قالا: في مصحف أبي بن كعب "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موتهم". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن شهر بن حوشب في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} عن محمد بن علي بن أبي طالب هو ابن الحنفية، قال: ليس من أهل الكتاب أحد إلا أتته الملائكة يضربون وجهه ودبره، ثم يقال: يا عدو الله إن عيسى روح الله وكلمته، كذبت على الله وزعمت أنه الله، إن عيسى لم يمت وإنه رفع إلى السماء، وهو نازل قبل أن تقوم الساعة، فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا آمن به. وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجاج: يا شهر آية من كتاب الله ما قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء؟ قال الله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} وإني أوتى بالأسارى فأضرب أعناقهم ولا أسمعهم يقولون شيئاً؟ فقلت: رفعت إليك على غير وجهها، وإن النصراني إذا خرجت روحه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره، وقالوا: أي خبيث، إن المسيح الذي زعمت أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، عبد الله، وروحه، وكلمته، فيؤمن حين لا ينفعه إيمانه، وإن اليهودي إذا خرجت نفسه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره، وقالوا: أي خبيث، إن المسيح الذي زعمت أنك قتلته عبد الله، وروحه، فيؤمن به حين لا ينفعه الإيمان، فإذا كان عند نزول عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم. فقال: من أين أخذتها؟ فقلت: من محمد بن علي. قال: لقد أخذتها من معدنها. قال شهر: وأيم الله ما حدثنيه إلا أم سلمة، ولكني أحببت أن أغيظه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: إذا نزلت آمنت به الأديان كلها {ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} أنه قد بلَّغ رسالة ربه، وأقرَّ على نفسه بالعبودية. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: إذا نزل عيسى عليه السلام فقتل الدجال، لم يبق يهودي في الأرض إلا آمن به، فذلك حين لا ينفعهم الإيمان. وأخرج ابن جرير عن أبي مالك {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به. وأخرج ابن جرير عن الحسن {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت عيسى، والله إنه الآن حي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن. أن رجلاً سأله عن قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت عيسى، وإن الله رفع إليه عيسى، وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاماً، يؤمن به البر والفاجر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها" تفسير : . ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً}. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين، واقرأوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} موت عيسى بن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات ". تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما "تفسير : . قال: وتلا أبو هريرة {وإن من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} قال أبو هريرة: يؤمن به قبل موت عيسى. وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليهلن عيسى بن مريم بفج الروحاء بالحج أو بالعمرة، أو ليثنينهما جميعاً ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم، وإمامكم منكم؟ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن جرير وابن حبان عن أبي هريرة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأنبياء أخوات لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى بن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى بن مريم، فإن عجل بي موت فمن لقية منكم فليقرئه مني السلام ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إن عيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبي ولا رسول، إلا أنه خليفتي في أمتي من بعدي، إلا أنه يقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها، ألا من أدركه منكم فليقرأ عليه السلام ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل عيسى ابن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينزل ابن مريم إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويرجع السلم، وتتخذ السيوف مناجل، وتذهب حمة كل ذات حمة، وتنزل السماء رزقها، وتخرج الأرض بركتها، حتى يلعب الصبي بالثعبان ولا يضره، ويراعي الغنم الذئب ولا يضرها، ويراعي الأسد البقر ولا يضرها ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن سمرة بن جندب "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدجال خارج وهو أعور عين الشمال، عليها طفرة غليظة، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، ويقول: أنا ربكم. فمن قال: أنت ربي فقد فتن، ومن قال ربي الله حي لا يموت فقد عصم من فتنته ولا فتنة عليه ولا عذاب، فيلبث في الأرض ما شاء الله، ثم يجيء عيسى ابن مريم من المغرب تفسير : . ولفظ الطبراني: من المشرق، حديث : مصدقاً بمحمد وعلى ملته، فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد حديث : عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال: "ما يبكيكِ؟ قلت: يا رسول الله ذكرت الدجال فبكيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه يخرج في يهودية أصبهان حتى يأتي المدينة فينزل ناحيتها، ولها يومئذ سبعة أبواب، على كل نقب منها ملكان، فيخرج إليها شرار أهلها حتى يأتي الشام مدينة بفلسطين باب لدّ، فينزل عيسى ابن مريم فيقتله، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً" . تفسير : وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم، فله أربعون ليلة يسيحها في الأرض، اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه، وله حمار يركبه عرض ما يبن أذنيه أربعون ذراعاً، فيقول للناس: أنا ربكم. وهو أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه ك ف ر مهجاة، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يرد كل ماء منهل إلا المدينة ومكة حرمهما الله عليه، وقامت الملائكة بأبوابها ومعه جبال من خبز، والناس في جهد إلا من اتبعه، ومعه نهران أنا أعلم بهما منه، نهر يقول الجنة، ونهر يقول النار، فمن دخل الذي يسميه الجنة فهي النار، ومن دخل الذي يسميه النار فهي الجنة، وتبعث معه شياطين تكلم الناس، ومعه فتنة عظيمة، يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتل نفساً ثم يحييه، لا يسلط على غيرها من الناس فيما يرى الناس، فيقول للناس: أيها الناس هل يفعل مثل هذا إلا الرب؟ فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم فيحصرهم فيشتد حصارهم، ويجهدهم جهداً شديداً، ثم ينزل عيسى فينادي من السحر فيقول: يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجل حي فينطلقون فإذا هم بعيسى، فتقام الصلاة فيقال له: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم، فإذا صلوا الصبح خرجوا إليه، فحين يراه الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه فيقتله، حتى إن الشجرة تنادي: يا روح الله هذا يهودي فلا يترك ممن كان يتبعه أحد إلاَّ قتله ". تفسير : وأخرج معمر في جامعه عن الزهري، أخبرني عمرو بن سفيان الثقفي، أخبرني رجل من الأنصار، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال فقال: يأتي سباخ المدينة وهو محرم عليه أن يدخلها، فتنتفض بأهلها نفضة أو نفضتين وهي الزلزلة، فيخرج إليه منها كل منافق ومنافقة، ثم يأتي الدجال قبل الشام حتى يأتي بعض جبال الشام فيحاصرهم، وبقية المسلمون يومئذ معتصمون بذروة جبل، فيحاصرهم نازلاً بأصله، حتى إذا طال عليهم الحصار "تفسير : ، قال رجل: حتى متى أنتم هكذا وعدوّكم نازل بأصل جبلكم، هل أنتم إلا بين إحدى الحسنيين، بين أن تستشهدوا أو يظهركم؟ فيتبايعون على القتال بيعة يعلم الله أنها الصدق من أنفسهم، ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر أحدهم كفه، فينزل ابن مريم فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمة فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عبد الله وروحه وكلمته عيسى، إختاروا إحدى ثلاث: بين أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذاباً جسيماً، أو يخسف بهم الأرض، أو يرسل عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم، فيقولون: هذه يا رسول الله أشفى لصدورنا، فيومئذ ترى اليهودي العظيم الطويل الأكول الشروب لا تقل يده سيفه من الرعب، فينزلون إليهم فيسلطون عليهم، ويذرب الدجال حتى يدركه عيسى فيقتله. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والحاكم وصححه عن عثمان بن أبي العاصي "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالجزيرة، ومصر بالشام فيفزع الناس ثلاث فزعات فيخرج الدجال في عراض جيش فيهزم من قبل المشرق، فأوّل مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تقيم وتقول نشامه ننظر ما هو، وفرقة تلحق الأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفاً عليهم التيجان، وأكثر من معه اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليهم فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول نشامه وننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ثم يأتي الشام فينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق، فيبعثون بسرح لهم فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد، حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك إذ ناداهم مناد: من السحر أتاكم الغوث أيها الناس ثلاثاً، فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، فينزل عيسى عند صلاة الفجر، فيقول له أمير الناس تقدم يا رسول الله فصلِّ بنا، فيقول: إنكم معشر هذه الأمة أمراء بعضكم على بعض، تقدم أنت فصلِّ بنا، فيتقدم فيصلي بهم، فإذا انصرف أخذ عيسى حربته نحو الدجال، فإذا رآه ذاب كما يذوب الرصاص، فتقع حربته بين تندوته فيقتله ثم ينهزم أصحابه، فليس شيء يومئذ يجن أحداً منهم، حتى إن الحجر يقول: يا مؤمن هذا كافر فاقتله، والشجر يقول: يا مؤمن هذا كافر فاقتله ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الطفيل قال: كنت بالكوفة فقيل: قد خرج الدجال فأتينا حذيفة بن أسيد فقلت: هذا الدجال قد خرج؟ فقال اجلس فجلست، فنودي أنها كذبة صباغ فقال حذيفة: إن الدجال لو خرج زمانكم لرمته الصبيان بالخزف، ولكنه يخرج في نقص من الناس، وخفة من الدين، وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، وتُطْوَى له الأرض طيّ فروة الكبش، حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها ويمنع داخلها، ثم جبل إيليا فيحاصر عصابة من المسلمين، فيقول لهم الذي عليهم: ما تنتظرون بهذا الطاغية أن تقاتلوه حتى تلحقوا بالله أو يفتح لكم، فيأتمرون أن يقاتلوه إذا أصبحوا، فيصبحون ومعهم عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال ويهزم أصحابه. وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يخرج الدجال فليبث في أمتي ما شاء الله يلبث أربعين، ولا أدري ليلة أو شهراً أو سنة. قال: ثم يبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعد الثقفي، فيطلبه حتى يهلكه، ثم يبقى الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يبعث الله ريحاً باردة تجيء من قبل الشام، فلا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضت روحه، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، سمعت هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كبد جبل، ثم يبقى شرار الناس من لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، في خفة الطير وأحلام السباع، فيجيئهم الشيطان فيقول: ألا تستحيون؟ فيقولون: ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور ". تفسير : وأخرج أبو داود وابن ماجه حديث : عن أبي أمامة الباهلي قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه، فكان من قوله أن قال: إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر من الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وأنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يميناً ويعيث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا، وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي. إنه يبدأ فيقول: أنا نبي ولا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور وإن ربكم عز وجل ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة وناراً، فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستعن بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه برداً وسلاماً كما كانت النار على إبراهيم، وإن من فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول له: نعم. فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك. وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها ينشرها بالمنشار حتى يلقى شقتين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له رباً غيري فيبعثه الله فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله وأنت عدوّ الله الدجال، والله ما كنت أشد بصيرة بك مني اليوم. وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا يبقى لهم سائمة إلا هلكت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وادره ضروعاً، وأنه لا يبقى من الأرض شيء إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة، فإنه لا يأتيها من نقب من نقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلته حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنقي الخبث منها كما ينقي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص. فقالت أم شريك بنت أبي العسكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى: أقيموا الباب، فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هارباً، ويقول عيسى: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب لدّ الشرقي فيقتله، فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء ما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله الشيء، لا حجر ولا شجر ولا دابة ولا حائط إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق إلا قالت: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال فاقتله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بها الآخر حتى يمسي، فقيل له: يا رسول الله كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: تقدرون فيها للصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال ثم صلوا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليكونن عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً، وإماماً مقسطاً، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في في الحية فلا تضره، وينفر الوليد الأسد فلا يضره، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من المسلم كما يملأ الإناء من الأناء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كثاثور الفضة، تنبت نباتها كعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب يشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات. قيل: يا رسول الله وما يرخص الفرس؟ قال: لا يركب لحرب أبداً. قيل له: فما يغلي الثور؟ قال: لحرث الأرض كلها. وإن قبل خرج الدجال ثلاث شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقي ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله. قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا. فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمير تكرمه الله هذه الأمة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء في دمشق . تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول حديث : عن عبد الرحمن بن سمرة قال: "بعثني خالد بن الوليد بشيراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤتة، فلما دخلت عليه قلت: يا رسول الله فقال: على رسلك يا عبد الرحمن، أخذ اللواء زيد ابن حارثة فقاتل حتى قتل رحم الله زيداً، ثم أخذ اللواء جعفر فقاتل فقتل رحم الله جعفراً، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل فقتل رحم الله عبد الله، ثم أخذ اللواء خالد ففتح الله لخالد، فخالد سيف من سيوف الله، فبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم حوله، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: وما لنا لا نبكي وقد قتل خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا! فقال: لا تبكوا فإنما مَثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها، فاجتث زواكيها، وهيأ مساكنها، وحلق سعفها، فأطعمت عاماً فوجا، ثم عاما فوجا، ثم عاماً فوجا، فلعل آخرها طعماً يكون أجودها قنواناً، وأطولها شمراخاً، والذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أمتي خلفاً من حواريه" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم والترمذي والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه قال: لما اشتد جزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على من قتل يوم مؤتة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليدركن الدجال من هذه الأمة قوماً مثلكم أو خيراً منكم ثلاث مرات، ولن يخزي الله أمة أنا أولها وعيسى ابن مريم آخرها "تفسير : ، قال الذهبي: مرسل وهو خبر منكر. وأخرج الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيدرك رجال من أمتي عيسى ابن مريم، ويشهدون قتال الدجال ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليهبطن ابن مريم حكماً عدلاً، واماماً مقسطاً، وليسلكن فجاً حاجّاً أو معتمراً، وليأتين قبري حتى يسلِّم عليَّ، ولأردن عليه. "تفسير : يقول أبو هريرة: أي بني أخي إن رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام. وأخرج الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أدرك منكم عيسى بن مريم فَلْيُقْرئْهُ مني السلام ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن أبي هريرة قال: يلبث عيسى ابن مريم في الأرض أربعين سنة، لو يقول للبطحاء سيلي عسلاً لسالت. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه عن مجمع بن جارية "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليقتلن ابن مريم الدجال بباب لدّ ". تفسير : وأخرج أحمد عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عصابتان من أمتي أحرزهم الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة صفة محمد، وعيسى ابن مريم يدفن معه. وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني عن عبد الله بن سلام قال: يدفن عيسى ابن مريم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فيكون قبره رابعاً.
القشيري
تفسير : لما حكم بأن لا أمَان لهم في وقت اليأس لم ينفعهم الإيمان في تلك الحالة، فعُلِمَ أنَّ العِبْرَةَ بأمان الحقِّ لا بإيمان العبد.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان من اهل الكتاب} اى ما من اليهود والنصارى احد {الا ليؤمنن به} اى بعيسى {قبل موته} اى قبل موت ذلك الاحد من اهل الكتاب يعنى اذا عاين اليهودى امر الآخرة وحضرته الوفاة ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالت اتاك عيسى عليه السلام نبيا فكذبت به فيؤمن حين لا ينفعه ايمانه لانقطاع وقت التكليف وتقول للنصرانى اتاك عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله فزعمت انه هو الله وابن الله فيؤمن بانه عبد الله حين لا ينفعه ايمانه قالوا لا يموت يهودى ولا صاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى وان احترق او غرق او تردى او سقطه عليه جدار او اكله سبع او أى ميتة كانت حتى قيل لابن عباس رضى الله عنهما لو خر من بيته قال يتكلم به فى الهواء قيل أرأيت لو ضرب عنق احدهم قال يتلجلج به لسانه وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الايمان به قبل ان يضطروا اليه ولم ينفعهم ايمانهم. وقيل الضميران لعيسى والمعنى وما من اهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى من السماء احد الا ليؤمنن به قبل موته ـ روى ـ عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : انا اولى الناس بعيسى لانه لم يكن بينى وبينه نبى ويوشك انه ينزل فيكم حكما عدلا فاذا رأيتموه فاعرفوه فانه رجل مربوع الخلق الى الحمرة والبياض وكان رأسه يقطر وان لم يصبه بلل فيقتل الخنزير ويريق الخمر ويكسر الصليب ويذهب الصخرة ويقاتل الناس على الاسلام حتى يهلك الله فى زمانه الملل كلها غير ملة الاسلام وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ويهلك الله فى زمانه مسيح الضلالة الكذاب الدجال حتى لا يبقى احد من اهل الكتاب وقت نزوله الا يؤمن به وتقع الامنة فى زمانه حتى ترتع الابل مع الاسود والبقر مع النمور والغنم مع الذئاب وتلعب الصبيان بالحيات لا يؤذى بعضهم بعضا ثم يلبث فى الارض اربعين سنة ثم يموت ويصلى عليه المسلمون ويدفنونه ". تفسير : وفى الحديث "حديث : ان المسيح جاىء فمن لقيه فليقرئه منى السلام " .تفسير : {ويوم القيمة يكون} اى عيسى عليه السلام {عليهم} اى على اهل الكتاب {شهيدا} فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بانهم دعوه ابن الله.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن من أهل الكتاب} أي: ما من يهودي ولا نصراني، أي: الموجودين حيث نزوله {إلا ليؤمِنَنّ} بعيسى {قبل موته} أي: عيسى، وذلك حين نزوله من السماء، رُوِيَ أنه ينزل من السماء حين يخرج الدجال فيهلكه، ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن به، حتى تكون الملة واحدة، وهي ملة الإسلام، وتقع الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفّى ويصلى عليه المسلمون ويدفنونه. وقيل الضمير فيه {به} إلى عيسى، وفي {موته} إلى الكتابي، أي: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى بأنه عبد الله ورسوله، {قبل موته} أي: قبل خروج نفس ذلك الكتابي إذا عاين الملك، فلا ينفعه حينئٍذ إيمانه، لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل، ويؤيد هذا قراءة من قرأ: ( ليُؤمنُنَّ به قبل موتهم) بضم النون، لأن (أحدًا) في معنى الجمع، وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معالجة الإيمان به من قبل أن يُضطر إليه ولم ينفعه إيمانه، {ويوم القيامة يكون عليه شهيدًا} يشهد على اليهود بالتكذيب، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: عند الموت تتحقق الحقائق، ويتميز الحق من الباطل، ويحصل الندم ولا ينفع حين تزل القدم، فالمطلوب المبادرة بتحقيق الإيمان، وتحصيل مقام العرفان، قبل أن يسقط إلى جنبه، فينفرد رهينًا في قبره بذنبه، والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : معنى (ان) معنى (ما) النافية وموضعها الرفع وهي مثل قوله: {وإن منكم إلا واردها} أي ما منكم احد إلا واردها. ومعنى الآية الاخبار منه (تعالى) بانه إلا ليؤمنن به يعني بعيسى قبل موته واختلفوا في الهاء إلى من ترجع فقال قوم: هي كناية عن عيسى، كانه قال: لا يبقى احد من اليهود الا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى بأن ينزله الله إلى الارض إذا اخرج المهدي (عج) وانزله الله لقتل الدجال، فتصير الملل كلها ملة واحدة وهي ملة الاسلام الحنيفية دين ابراهيم (ع). ذهب اليه ابن عباس وأبو مالك والحسن وقتادة، وابن زيد وذلك حين لا ينفعهم الايمان. واختاره الطبري. قال: والآية خاصة لمن يكون في ذلك الزمان وهو الذي ذكره علي بن ابراهيم في تفسير أصحابنا. وروى شهر بن حوشب عن محمد بن علي بن الحنفية ان الحجاج سأله عن هذه الآية وقال: نرى اليهود تضرب رقبته، فلا يتكلم بشيء فقال: حدثنى محمد بن علي أن الله يبعث اليه ملكا ينفضه ويضرب رأسه ودبره، ويقول له: كذبت عيسى، فيؤمن حينئذ ويقول: كذبت عيسى ويعترف به. فقال الحجاج: عمن؟ فقال: عن محمد بن علي فقال له، جئت بها من عين صافية. فقيل لشهر ما أردت بذلك؟ قال: اردت ان اغيظه وذكره البلخي مثل ذلك وضعف هذا الوجه الزجاج وقال: الذين يبقون إلى زمن نزول عيسى (ع) من أهل الكتاب قليل. والآية تقتضي عموم إيمان أهل الكتاب أجمع قال: إلا ان تحمل على ان جميعهم يقول: ان عيسى الذي ينزل لقتل الدجال نحن نؤمن به فعلى هذا يجوز. واختار الوجه الثاني وقال قوم: الهاء كناية عن الكتابي، وتقديره أنه لا يكون احد من أهل الكتاب يخرج من دار الدنيا إلا ويؤمن بعيسى عند موته إذا زال تكليفه، وتحقق الموت، ولكن لا ينفعه الايمان حينئذ ذهب اليه ابن عباس في رواية أخرى، ومجاهد. قال ابن عباس: لو ضربت رقبته لم تخرج نفسه حتى يؤمن وبه قال عكرمة والضحاك. وفي رواية عن الحسن وقتادة وقال قوم: الهاء كناية عن محمد (صلى الله عليه وسلم) والتقدير وليس من أهل الكتاب إلا من يؤمن بمحمد (صلى الله عليه وسلم) قبل موت الكتابي ذهب اليه عكرمة وطعن الطبري على هذا الوجه بان قال: لو كان ذلك صحيحاً لما جاز اجزاء احكام الكفار عليهم إذا ماتوا من ترك الصلاة عليهم. ومنع المدافنة والموراثه. وغير ذلك. ووجب اجراء حكم الاسلام عليهم. وهذا الذي ذكره ليس بشيء لان ايمانهم بمحمد (صلى الله عليه وسلم) انما يكون في حال زوال التكليف، فلا حكم لذلك الايمان. وذلك مثل إيمان فرعون حين غرق وقال: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل} فقال الله تعالى له: {الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} فكذلك إيمان هؤلاء لا يعتد به، وانما يضعف هذا الجواب من حيث انه لم يجر لمحمد (صلى الله عليه وسلم) ذكر فيما تقدم، ولا ها هنا ضرورة موجبة لرد الكناية عليه. وما هذه صورته لا تجوز الكناية عنه. وانما قلناه في قوله: حتى توارت بالحجاب إنها كناية عن الشمس للضرورة، لانه يتحمل سواها. وقد جرى ذكر عيسى والكتابي فامكن ان يكون كناية عن كل واحد منهما، فلا يجوز العدول عنه. وقوله: {ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} قال قتادة وابن جريح: يكون عيسى عليهم شهيداً على أنه قد بلغ رسالة ربه، واقر على نفسه بالعبودية مكذباً من كذبه ومصدقاً من صدقه.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} يعنى ما احد من اهل الكتاب الاّ ليؤمننّ بعيسى (ع) قبل موته حين احتضاره او قبل موت عيسى (ع) او قبل موته حين نزول عيسى (ع) من السّماء مع مهدىّ هذه الامّة، لكن نقول فى بيان ما هو المقصود انّه صرف الكلام عن حكاية حال اهل الكتاب متوجّهاً الى المقصود مخاطباً لحبيبه محمّدٍ (ص) فى حبيبه علىّ (ع) تسليةً له (ص) فقال: ان فعلوا كلّ ما فعلوا فلا تحزن فانّهم وجميع اهل الارض يؤمنون به قبل موتهم فانّه ما من احدٍ يموت الاّ ويرى عليّاً (ع) حين موته ويكون رؤيته راحةً لهم او نقمةً لهم، ونسب اليه عليه السّلام: شعر : يا حار همدان من يمت يرنى من مؤمنٍ او منافقٍ قبلا يعرفنى طرفه وأعرفه بعينه واسمه وما فعلا تفسير : والسّرّ فيه انّ حال الاحتضار يرتفع الحجاب ويشاهد المحتضر الملكوت، واوّل ما يظهر من الملكوت هو الولاية السّارية المقوّمة لكلّ الاشياء والاصل فيها علىّ (ع) وكلّ الانبياء والاولياء من السّلف والخلف أظلاله فاوّل ما يظهر هو الولاية المطلقة فيؤمن الكلّ بها، والاخبار فى انّ المعنى ما من كتابىٍّ الاّ ليؤمننّ قبل موته بمحمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) كثيرةٌ، وفى خبرٍ: هذه نزلت فينا خاصّةً، وحاصل ذلك الخبر انّه ما من ولد فاطمة احد يموت حتّى يقرّ للامام بامامته، وما ورد فى تفسيره من الايمان بمحمّد (ص) او بعيسى (ع) او بالمهدّىّ (ع) كلّها راجع الى الايمان بعلىّ (ع) فان الكلّ ظهور الولاية الكلّيّة وهو المتحقّق بها {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} يعنى عيسى (ع) او المنظور منه تسليةٌ اخرى لمحمّد (ص) بانّ عليّاً (ع) يكون يوم القيامة شاهداً على اهل الكتاب وعلى منافقى امّته فيشهد عليهم بما فعلوا.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله جعفر [بن محمد. ب، أ] الصادق عليهما [ر: عليه] السلام قال: لما نزلت هذه الآية: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به} [الآية. أ، ب] قال: لا يبقى أحدٌ يرد على عيسى بن مريم عليهما السلام ما جاء به فيه إلا كان كافراً، ولا يرد على علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر، ب] أحدٌ ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان كافراً. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما [ر: عليهم] السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي إنّ فيك مثل من عيسى بن مريم [عليه [الصلاة و. ر] السلام. ب، ر] قال الله [تعالى. ر]: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً}، يا علي إنه لا يموت رجل يفتري على عيسى [بن مريم عليه الصلاة والسلام. ر] حتى يؤمن به قبل موته. ر، أ] ويقول فيه الحق حيث لا ينفعه ذلك شيئاً، وإنك على مثله لا يموت عدوك حتى يراك عند الموت فتكون عليه غيظاً وحزناً حتى يقر بالحق من أمرك ويقول فيك الحق ويقر بولايتك حيث لا ينفعه ذلك شيئاً وأما وليك فإنه يراك عند الموت فتكون له شفيعاً ومبشراً وقرة عين.
اطفيش
تفسير : {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ}: ما منهم أحد. {إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ}: أى بعيسى أنه رسول الله وعبده وكلمته، لا إله ولا ابن إله ولا ثالث ثلاثة، ولا كاذب أو ساحر، هذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين. وقال عكرمة: الهاء لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه أن الكلام قبل هذا فى عيسى، فيرجع اليه الضمير، وعلى قوله: لا يموت كتابى الا رفعت شعلة الى وجهه قبل موته، فيؤمن به حين لا ينفعه الايمان، ولو غرق فى البحر، وقيل: الضمير لله. {قَبْلَ مَوْتِهِ}: أى قبل موت عيسى، أو قبل موت الكتابى، وهو كما قال الزجاج أولى العموم، وان من أهل الكتاب من كان وقت نزوله، ومن كان قبله، ولا يجاب بأن من فى وقت نزوله عام، لأن الأول أعم، والأولى أن يقال: الآية شملت من فى زمان نزوله يقتله، أو يؤمن، ومن قبله فانه ترفع له الشعلة عند موته فيؤمن ويدل لعود هاء موته الى الكتابى أن فى مصحف أبى قبل موتهم بضمير الجمع، فان أحدا من أهل الكتاب عام لوقوع فى سباق النفى، فان ان نافية، فأبى يقرأ بضم نون ليؤمنن الأولى لأجل واو الجماعة، ولا يعود هذا الضمير الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، واذا رددنا هاء به الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هذه الهاء التى فى قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ} عائدة الى الكتابى لا غيره، وقد تعود الى عيسى بمعنى أنه لا يموت عيسى الا وقد آمن أهل الكتاب الذين فى زمان نزوله بمحمد كلهم الا من أبى فقتله، أو أهل الكتاب فى زمان نزوله بقهره بالقتل، ومن قبله يرفع شعلة نار عند موته الى وجهه. وعن ابن عباس: الضميران لعيسى، وعنه الأول له والثانى للكتابى، وأما المستكن فى يومين فللكتابى لا غيره، وجملة: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} مع القسم المحذوف مفعول لقول محذوف، وذلك القول خبر المبتدأ المحذوف الموصوف بقول من أهل الكتاب، أى وان أحد ثابت من أهل الكتاب الا مقول فيه: والله ليؤمنن به قبل موته، سواء احترق، أو تردى من شاهق، أو سقط عليه جدار، أو أكله سبع، أو مات فجاءة فقيل له: أرأيت ان خر من فوق بيت؟ قال: يتكلم به فى الهواء، فقيل له: أرأيت ان ضربت عنقه؟ قال: يتلجج بها لسانه. وانما مثل بالخرور من فوق البيت على تقدير أنه مات فى الهواء، وعن شهر بن حوشب: أن اليهودى اذا حضرته الوفاة ضربت الملائكة بأجنحتها وجهه ودبره وقالوا: يا عدو الله أتاك موسى نبيا فكذبت به، فيقول: آمنت أنه عبد الله ورسوله، ويقول للنصرانى: أتاك عيسى فزعمت أنه الله وابن الله، فيقول: آمنت أنه عبد الله ورسوله، فأهل الكتابين يؤمنون به، ولكن لا ينفعهم ذلك الايمان، ولعل مراد شهر أن اليهودى كما يؤمن عند موته بعيسى، يؤمن بموسى، كما يؤمن النصرانى بعيسى عند موته، ولم يرد أن هذه الآية فى الكتابى النصرانى فقط، بل كل كافر من أهل الكتاب ولو صائبا. وروى أن الحجاج بن يوسف قال: ما قرأت هذه الآية الا وفى نفسى منها شىء، فانى أضرب عنق اليهودى والنصرانى، ولا أسمع منه ذلك. فقلت: ان اليهودى اذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالوا: يا عدوا الله أتاك عيسى نبيا فكذبت به، فيقول: آمنت أنه عبد الله ورسوله، وتقول للنصرانى، أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه الله أو ابن الله، فيقول: آمنت أنه عبد الله ورسوله، فأهل الكتاب يؤمنون به حين لا ينفعهم الايمان. فاستوى الحجاج جالسا وقل: عمن نقلت هذا؟ فقلت: حدثنى به محمد بن الحنفية فأخذ ينكت فى الأرض بقضيب ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية. وفى السؤالات عن ابن عمر وعثمان بن خليفة رحمه الله ما نصه قوله تعالى: {وَإن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلا لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} والهاء عائدة الى عيسى عليه الصلاة والسلام حتى يؤمن به من كفر من بنى اسرائيل، وقيل: انها عائدة على اليهودى، فانه لا يؤمن أحد من اليهود الا وترفع على وجهه شعلة من النار، فلا يزال حتى يقر بعيسى، روى هذا التفسير الأخير عن شهر بن حوشب، حين سأله عنه الحجاج ابن يوسف اللعين فقال: عمن أخذتها؟ فقال: عن محمد بن الحنفية، فقال له: أخذتها من معدنها، انتهى. وقيل: قال له عن محمد بن على بن الحنفية قال الكلبى: قلت له: لم ذكرت اسم على وقد شهر محمد بأنه بن الحنفية؟ فقال: أردت أن أغيظه باسم على، ورد الضمير فى قوله تعالى: {قَبْلَ مَوْتِهِ} الى عيسى عليه السلام مبنى على أنه حى الآن، وأنه سينزل وهو المشهور الصحيح ينزل آخر الزمان، فلا يبقى يهودى ولا نصرانى الا آمن به والا قتله، وان آمن به ولم يؤمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قتله، ولا يقبل الجزية، فإن من شرع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن لا تقبل عن أهل الكتاب الجزية اذا نزل عيسى عليه السلام، فيكون الناس كلهم على دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما يحكم بعد نزوله الا بشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويقبض المال حتى السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها "تفسير : قال أبو هريرة: اقرءوا ان شئتم: {وَإن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلا لِيُوْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} الآية. وفى رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لينزل ابن مريم حكما عدلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون الى المال فلا يقبله أحد "تفسير : وما مر من رفع الشعلة لا ينافيه ضرب الملائكة بأجنحتهم لجواز أن يجتمع ذلك عليهم، ولجواز أن يضرب بعض بها، وترفع الشعلة الى بعض. روى أن عيسى ينزل من السماء حين يخرج الدجال فيقتله، وتقع الأمنة عند نزوله، حتى ترعى الأسود مع الأبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيات، ويلبث فى الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون، ويدفنونه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصلى خلف المهدى، ويتزوج ويولد له تحقيقا لكونه من هذه الأمة اذا نزل، ويسمى ولده محمدا، وحرض الله عز وجل أهل الكتاب على الايمان به فى هذه الآية قبل أن يؤمنوا، ولا ينفعهم الايمان. والآية أيضا وعيد على الكفر به، قال الشيخ هود رحمه الله: ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى، لأنه ليس بينى وبينه نبى، وأنه نازل لا محاله، فاذا رأيتموه فاعرفوه فانه مربوع الخلق بين ممصرتين الى الحمرة والبياض، سبط الرأس كأن رأسه يقطر، وان لم يصبه بلل فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الاسلام، فيهلك الله فى زمانه الملل كلها الا الاسلام، وتقع الأمنة فى الأرض حتى ترعى الأسد مع الابل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا " تفسير : ويروى: وليسكنن الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليأتينهما جميعا، وان أبا هريرة قرأ الآية ثلاث مرات، وفى رواية نازل على أمتى وخليفتى عليهم. وعن الحسن، عن أبى هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اذا أهبط الله المسيح عاش فى هذه الأمة ما يعيش، فيموت بمدينتى هذه، ويدفن الى جانب عمر، فطوبى لأبى بكر وعمر، يحشران بين نبيين " تفسير : وقال ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف تهلك أمة أنا فى أولها وعيسى فى آخرها والمهدى من أهل بيتى فى وسطها " تفسير : وفى بعض الكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج فى الجنة مريم أم عيسى عليه السلام. {وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ}: أى هو، أى عيسى. {عَلَيْهِمْ}: أى على أهل الكتاب. {شَهِيداً}: يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وسبوه، وسبوا أمه، وأرادوا قتله، وعلى النصارى أنهم اتخذوا إلهاً، أو قالوا: ابن الله، ويشهد على من آمن به، ويشهد عليهم أنه بلغ اليهم الرسالة، وأنه عبد الله.
اطفيش
تفسير : {وَإن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} ما أحد من أهل الكتاب، يشمل الصابئين، وقيل المراد اليهود {إلاّ} والله {لَيُؤْمِننَّ بِهِ} أى بعيسى، أنه عبد الله ورسوله وقيل هاء به لله تعالى، وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم، وفى القولين ضعف، ولم يجر ذكر له صلى الله عليه وسلم، والقسم وجوابه مقول لقول محذوف، أي إلا يقال فى حقه والله ليؤمنن به، فإن الجملة نعت لمحذوف، والقسم إنشاء، والإنشاء لا يكون نعتاً، أى إلا أحد مقول فيه، والله ليؤمنن به، وقيل، المعتمد الجواب، وهو إخبار لا إنشاء، وانتفاء المحل بجواب القسم، ومحل الرفع على الخبرية له مع القسم {قبْلَ مَوتِهِ} أى موت الكتابى ذاك، قال الحجاج ما قرأت هذه الآية إلا وفى نفسى منها شىء، فإنى أضرب عنق اليهودى والنصرانى ولا أشم منه الإيمان فقال شهر بن حوشب: إن اليهودى إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالوا، يا عدو الله، أتاك عيسى نبيَّا فكذبت به، فيقول، آمنت أنه عبد الله ورسوله، وتقول للنصرانى، يا عدو الله أتاك عيسى نبيَّا وزعمت أنه إله أو ابن إله فيقول، آمنت أنه عبد الله، وذلك حين لا ينفعهم الإيمان، فاستوى الحجاج جالسا، فقال: عن من نقلت هذا، فقال، حدثنى به محمد بن الحنفية فأخذ ينكت فى الأرض بقضيب، ثم قال، لقد أخذتها من عين صافية، وعن شهر بن حوشب، والله ما أخذتها إلا عن أم سلمة، ولكن أحب أن أغيظه بأهل البيت، والحجاج من بنى أمية، وفسرها ابن عباس كذلك، فقال عكرمة: إن قتل فأين الإيمان؟ قال: يحرك به شفتيه قبل خروج روحه، قال، فإن خر من فوق بيته أو أحترق أو أكله سبع، قال: لا تخرج روحه حتى يؤمن، والآية تحريض على أن تؤمنوا بعيسى عليه السلام، أو الهاءان لعيسى، والإيمان به إنما هو بعد نزوله، كما روى أنه ينزل بعد خروج الدجال فيقتله، ويقتل أهل الكتاب كلهم فلا يكون فى الأرض منهم إلا مؤمن، ويقبل إيمانهم، وقيل لا يقبل لأنه حين لا ينفعهم لمشاهدتهم، وقيل، إذا نزل آمن به كل كتابى وكل مشرك، فتكون الدنيا كلها محمدية، ثم تكون الفجار بعد موت عيسى، أو لا يقبل إيمانهم للمشاهدة {وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ} عيسى {عَليهِمْ شَهِيداً} على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بدعوى أنه إله أو ابن إله.
الالوسي
تفسير : {وَإِنْ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} أي اليهود خاصة كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو هم والنصارى كما ذهب إليه كثير من المفسرين و {إِنْ} نافية بمعنى ما، وفي الجار والمجرور وجهان: أحدهما: أنه صفة لمبتدأ محذوف، وقوله تعالى: {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} جملة قسمية، والقسم مع جوابه خبر المبتدأ ولا يرد عليه أن القسم إنشاء لأن المقصود بالخبر جوابه وهو خبر مؤكد بالقسم، ولا ينافيه كون جواب القسم لا محل له لأن ذلك من حيث كونه جواباً فلا يمتنع كونه له محل باعتبار آخر لو سلم أن الخبر ليس هو المجموع، والتقدير: وما أحد من أهل الكتاب إلا والله ليؤمنن به، والثاني: أنه متعلق بمحذوف وقع خبراً لذلك المبتدأ، وجملة القسم صفة له لا خبر، والتقدير: وإن أحد إلا ليؤمنن به كائن من أهل الكتاب ومعناه كل رجل يؤمن به قبل موته من أهل الكتاب، وهو كلام مفيد، فالاعتراض على هذا الوجه ـ بأنه لا ينتظم من أحد، والجار والمجرور إسناد لأنه لا يفيد ـ لا يفيد لحصول الفائدة بلا ريب، نعم المعنى على الوجه الأول كل رجل من أهل الكتاب يؤمن به قبل موته، والظاهر أنه المقصود، وأنه أتم فائدة، والاستثناء مفرغ من أعم الأوصاف، وأهل الكوفة يقدرون موصولاً بعد إلا، وأهل البصرة يمنعون حذف الموصول وإبقاء صلته، والضمير الثاني راجع للمبتدأ المحذوف أعني أحد، والأول لعيسى عليه السلام فمفاد الآية أن كل يهودي ونصراني يؤمن بعيسى عليه السلام قبل أن تزهق روحه بأنه عبد الله تعالى ورسوله، ولا ينفعه إيمانه حينئذٍ لأن ذلك الوقت لكونه ملحقاً بالبرزخ لما أنه ينكشف عنده لكل الحق ينقطع فيه التكليف، ويؤيد ذلك أنه قرأ أبـي ـ ليؤمنن به قبل موتهم ـ بضم النون وعود ضمير الجمع لأحد ظاهر لكونه في معنى الجمع، وعوده لعيسى عليه السلام غير ظاهر. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الآية كذلك؛ فقيل له: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهواء، فقيل: أرأيت إن ضرب عنقه؟ قال: يتلجلج بها لسانه. وأخرج ابن المنذر أيضاً عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجاج: يا شهر آية من كتاب الله تعالى / ما قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء قال الله تعالى: {وَإِنْ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}، وإني أوتى بالأسارى فأضرب أعناقهم ولا أسمعهم يقولون شيئاً فقلت: رفعت إليك على غير وجهها إن النصراني إذا خرجت روحه ـ أي إذا قرب خروجها كما تدل عليه رواية أخرى عنه ـ ضربته الملائكة من قبله ومن دبره، وقالوا: أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنه الله تعالى، وأنه ابن الله سبحانه، وأنه ثالث ثلاثة عبد الله وروحه وكلمته، فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه، وأن اليهودي إذا خرجت نفسه ضربته الملائكة من قبله ودبره، وقالوا: أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنك قتلته عبد الله وروحه فيؤمن به حين لا ينفعه الإيمان، فإذا كان عند نزول عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم، فقال: من أين أخذتها؟ فقلت: من محمد بن علي [بن الحنفية]، قال: لقد أخذتها من معدنها، قال شهر: وأيم الله تعالى ما حدثنيه إلا أم سلمة، ولكني أحببت أن أغيظه، والإخبار بحالهم هذه وعيد لهم وتحريض إلى المسارعة إلى الإيمان به قبل أن يضطروا إليه مع انتفاء جدواه، وقيل: الضميران لعيسى عليه السلام، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً وأبـي مالك والحسن وقتادة وابن زيد، واختاره الطبراني، والمعنى أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى عليه السلام إلا ليؤمنن به قبل أن يموت وتكون الأديان كلها ديناً واحداً، وأخرج أحمد عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير ويمحو الصليب وتجمع له الصلاة ويعطي المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما»تفسير : قال: وتلا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه {وَإِنْ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}، وقيل: الضمير الأول لله تعالى ولا يخفى بعده، وأبعد من ذلك أنه لمحمد صلى الله عليه وسلم، وروي هذا عن عكرمة، ويضعفه أنه لم يجر له عليه الصلاة والسلام ذكر هنا، ولا ضرورة توجب رد الكناية إليه، لا أنه ـ كما زعم الطبري ـ لو كان صحيحاً لما جاز إجراء أحكام الكفار على أهل الكتاب بعد موتهم لأن ذلك الإيمان إنما هو في حال زوال التكليف فلا يعتد به. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ} أي عيسى عليه السلام {عَلَيْهِمْ} أي أهل الكتاب {شَهِيداً} فيشهد على اليهود بتكذيبهم إياه وعلى النصارى بقولهم فيه: إنه ابن الله تعالى، والظرف متعلق ـ بشهيداً ـ وتقديمه يدل على جواز تقديم خبر كان مطلقاً، أو إذا كان ظرفاً أو مجروراً لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقديم عامله، وجوز أبو البقاء كون العامل فيه يكون.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وما قتلوه}تفسير : [النساء: 157]. وهذا الكلام إخبار عنهم، وليس أمراً لهم، لأنّ وقوع لام الابتداء فيه ينادي على الخبرية. و{إن} نافية و{من أهل الكتاب} صفة لموصوف محذوف تقديره: أحد. والضمير المجرور عائد لعيسى: أيّ ليؤمنَنّ بعيسى، والضمير في {موته} يحتمل أن يعود إلى أحد أهل الكتاب، أي قبل أن يموت الكتابيّ، ويؤيّده قراءة أبَي بن كعب {إلا ليؤمنن به قبل موته}. وأهل الكتاب يطلق على اليهود والنّصارى؛ فأمّا النصارى فهم مؤمنون بعيسى من قبل، فيتعيّن أن يكون المراد بأهل الكتاب اليهود. والمعنى أنّ اليهود مع شدّة كفرهم بعيسى لا يموت أحد منهم إلاّ وهو يؤمن بنبوّته قبل موته، أي ينكشف له ذلك عند الاحْتضار قبل انزهاق روحه، وهذه منّة مَنّ الله بها على عيسى، إذ جعل أعداءه لا يخرجون من الدنيا إلاّ وقد آمنوا به جزاء له على ما لقي من تكذيبهم، لأنّه لم يتمتّع بمشاهدة أمّةٍ تتبعه. وقيل: كذلك النصرانيّ عند موته ينكشف له أنّ عيسى عبد الله. وعندي أنّ ضمير {به} راجع إلى الرفع المأخوذ من فعل {أية : رفعه الله إليه}تفسير : [النساء: 158]، ويعمّ قولُه {أهللِ الكتاب} اليهودَ، والنّصارى، حيث استووا مع اليهود في اعتقاد وقوع الصلب. والظاهر أنّ الله يقذف في نفوس أهل الكتابين الشكّ في صحّة الصلب، فلا يزال الشكّ يخالج قلوبهم ويقوَى حتّى يبلغ مبلغ العلم بعدم صحّة الصلب في آخر أعمارهم تصديقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حيث كذّب أخبارهم فنفَى الصلبَ عن عيسى ـــ عليه السلام ـــ. وقيل: الضمير في قوله {موته} عائد إلى عيسى، أي قبل موت عيسى، ففرّع القائلون بهذا تفاريع: منها أنّ موته لا يقع إلاّ آخر الدنيا ليتمّ إيمان جميع أهل الكتاب به قبل وقوع الموت، لأنّ الله جعل إيمانهم مستقبلاً وجعله قبل موته، فلزم أن يكون موته مستقبلاً؛ ومنها ما ورد في الحديث: أنّ عيسى ـــ عليه السلام ـــ ينزل في آخر مدّة الدنيا ليؤمن به أهل الكتاب، ولا يخفى أنّ عموم قوله: {وإن من أهل الكتاب} يبطل هذا التفسير: لأنّ الَّذين يؤمنون به ـــ على حسب هذا التأويل ـــ هم الذين سيوجدون من أهل الكتاب لا جميعهم. والشهيد: الشاهد؛ يشهد بأنّه بلّغ لهم دعوة ربّهم فأعرضوا، وبأنّ النّصَارى بدّلوا، ومعنى الآية مفصّل في قوله تعالى: {أية : يوم يجمع الله الرسل} تفسير : الآيَات في سورة العقود (109).
القطان
تفسير : ان كل فرد من أهل الكتاب ينكشف له الحق في أمر عيسى قبل ان يفارق الحياة، فيدرك ان عيسى ما كان إلا عبد الله ورسوله، ويؤمن به على ذلك الأساس. غير أن ايمانه يأتي متأخراً لا ينفعه. ولسوف يشهد عليهم عيسى يوم القيامة انه قد بلّغ رسالة ربه، كما جاء في آخر سورة المائدة: {أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}تفسير : [المائدة:117].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {ٱلْقِيَامَةِ} (159) - اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ، وَالذِي اخْتَارَهُ ابْنُ كَثيرٍ هُوَ أنَّهُ لاَ يَبْقَى أحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ إلى الأرْضِ، بَعْدَ أنْ رَفَعَهُ اللهُ إلى السَّمَاءِ، إلاّ آمَنَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَقْضِيَ اللهُ عَلَيهِ بِالمَوْتِ، وَيَكُونُ عِيسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ يَوْمَ القِيَامَةِ شَاهِداً عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ أبْلَغَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَأَقَرَّ بِعُبُودِيَّتِهِ للهِ. (وَهُنَاكَ مَنْ قَاَل بَلِ المَعْنَى هُوَ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ عِنْدَمَا يُدْرِكُهُ المَوْتُ، يَنْكَشِفُ لَهُ الحَقُّ فِي أمْرِ عِيسَى، وَسِواهُ مِنْ أمُورِ الدِّينِ، فَيُؤْمِنُ بِعِيسَى إيمَاناً حَقّاً صَحِيحاً).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"إن" هنا هي "إن" النافية، وهي غير "إن" الشرطية. وإليكم هذا المثال عن "إن" النافية من موضع آخر من القرآن حين قال الحق: {أية : ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 2] يصحح الحق هنا الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء الذين يظاهرون من نسائهم بقول الواحد منهم لزوجته: "أنت علي كظهر أمي"، فيقول سبحانه: {أية : إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} تفسير : [المجادلة: 2] فيوضح سبحانه: ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم. و"إن" في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا الآن عنها هي "إن" النافية. كأن الحق يقول: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمن به قبل موته. وهذا شرح لمعنى "إن النافية". وقد يقول قائل: ما حكاية الضمائر في هذه الآية؟ فالآية بها أكثر من ضمير، مثل قوله الحق: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} وعلى من تعود "به)؟ وعلى من تعود الهاء في آخر قوله "موته"؟ هل هو موت عيسى أو موت أي واحد من أهل الكتاب، فالمذكور عيسى، ومذكور أيضاً أهل الكتاب، فيصح أن يكون القول كالآتي: لن يموت واحد من أهل الكتاب إلا بعد أن يؤمن بعيسى، ويصح أيضاً: لن يموت عيسى إلا بعد أن يؤمن به كل واحد من أهل الكتاب، ولأن الضمير لا يعرف إلا بمرجعه، والمرجع يبين الضمير. فإن كانت هناك ألفاظ سبقت.. فكل منها يصح أن يكون مرجعاً، أو أن يعود الضمير على بعض مرجعه كقول الحق: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} تفسير : [فاطر: 11] والمعمَّر هو الإنسان الذي طعن في السن، ولا ينقص من عمر هذا المعمَّر إلا كما أراد الله، والهاء في "عمره" تعود إلى بعض من المعمَّر. ذلك أن كلمة "معمَّر" مكونة من عنصرين هما "ذات الرجل" و"عمر الرجل"، فلما عاد الضمير عاد على الذات دون التعمير، فيكون المعنى هو: وما يعمَّر من معمَّر ولا ينقص من عمر ذات لم يثبت لها التعمير. وماذا يكون الحال حين يوجد مرجعان؟ مثل قوله الحق: {أية : رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} تفسير : [الرعد: 2] هنا نجد مرجعين: "السماء" و"العمد" فعلى أي منهما تعود الهاء الموجودة في كلمة "ترونها"، هل تعود "الهاء" إلى المرجع الأول وهو السموات، أو للمرجع الثاني وهو "العمد"؟ يصح أن تعود "الهاء" إلى السموات.. أي خلق السموات مرتفعة قائمة بقدرته لا تستند على شيء وأنتم تنظرون إليها وتشاهدونها بغير دعائم، ويصح أيضاً أن تعود إلى العمد. أي بغير العمد التي نعرفها ولكن رفعها الحق بقوانين الجاذبية. أو رفع السموات {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي أن العمد مختفية عن رؤية البشر. وهكذا يصح أن يًنسب الضمير ويعود إلى أحد المرجعين. والآية التي نحن بصددها، نجد أنه قد تقدم فيها شيئان هما المسيح وأهل الكتاب، وفيهما ضميران اثنان. فهل يعود الضميران على عيسى، أو يعودان على أهل الكتاب؟ أو يعود ضمير منهما على عيسى والآخر على أهل الكتاب؟ وأي منهما الذي يرجع على عيسى، وأي منهما الذي يرجع على أهل الكتاب؟ أو أن هناك مرجعاً ثالثاً لم يُذكر ويعلم من السياق هو محمد صلى الله عليه وسلم، ونجد أن الضميرين قد يرجعان إلى المرجع الثالث، أي إلى محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر بمجيئه عيسى ابن مريم، وتواتر الأحاديث عن أن عيسى يوشك أن ينزل فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولسوف يصلي عيسى ابن مريم خلف واحد من أمة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. ولماذا التقى النصارى مع اليهود في مسألة القتل والصلب؟ هم معذورون في ذلك؛ لأن الحق لم يأت ببيان فيها آنئذ. وقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} يدل على أنهم معذورون إن قالوا ذلك. ولكن كان الواجب أن يتمردوا على مسألة الصلب هذه، إن كان فيه ألوهية أو جزء من ألوهية، وكان من الواجب أن يخفوا مسألة الصلب. ويأتي الإسلام ليبرئ عيسى عليه السلام من هذه المسألة ويعين أتباع عيسى على تبرءته منها. ولكن لم يلتفت أتباع عيسى إلى قول الإسلام في هذه القضية {وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} وكان يجب لأن يلتفت إليها أتباع المسيح. وحين يقص الحق كل ذلك فهو يحكم من بعد ذلك حكماً إلهياً: {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} النصارى يقولون بالرفع، ولكن بعد الصلب. ونحن المسلمين نقول بالرفع ولا صلب، رفعه الله إليه وسينزل. وحكمة ذلك أنه لم يوجد رسول من الرسل السابقين فُتن فيه قومه فجعلوه بعضاً من إله أو إلهاً فلم تسكت السماء عن ذلك، فرفعه سبحانه وسينزله ليسفه هذه القضية، وبعد ذلك يجري عليه قدر الله في خلقه وهو الموت. إن الذين يقفون في هذه المسألة يجب ألا يقفوا، لأن مسألة سيدنا عيسى عليه السلام بدأها الله بعجيبة خرقت النواميس لأنه وُلد من أم دون أب. فإن كنتم قد صدقتم العجيبة في الميلاد، فلماذا لا تصدقون العجيبة في مسألة الرفع؟ وإن قال واحد منا: لقد مات عيسى عليه السلام. نقول: ماذا تقولون في نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام؟ أصعد إلى السماء معروجاً به إليها؟ ألم يكن رسول الله حياً بقانون الأحياء؟ نعم كان حياً بقانون الأحياء. وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة وجيزة في السماء ثم نزل إلينا، إذن فالمسألة في أن يذهب خلق من خلق الله بإرادة الحق وقدرته إلى السماء وهو حي ثم ينزل إلى الأرض وهو حيٌّ ليس عجيبة. والخلاف بين رفع عيسى وصعود محمد صلى الله عليه وسلم بالمعراج خلاف في المدة. وهذا لا ينقض المبدأ؛ فالمهم أنه صعد بحياته ونزل بحياته، وظل فترة من الزمن بحياته، إذن فمسألة الصعود إلى السماء والبقاء فيها لمدة أمر وارد في شريعتنا الإسلامية. ولتأكيد هذه المسألة يقول الحق: {أية : وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِْ} تفسير : [النساء: 159] السامع السطحي لهذه الآية قد يقول: إنهم أهل كتاب ولا بد أن يكونوا قد آمنوا به، وأقول: لا، لقد آمنوا به إيماناً مراداً لأنفسهم، وليس الإيمان المراد لله، آمنوا به إلهاً أو جزءاً من إله وهو ما يسمى لديهم بالثالوث - الآب والابن وروح القدس - ولكن الله يريد أن يؤمنوا به رسولاً وبشراً وعبداً. وإذ قال الحق: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} فمعنى هذا: ما أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن بعيسى عليه السلام رسولاً وعبداً وبشراً قبل أن يموت. والضمير في قوله: {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} يرجع إلى عيسى. والضمير الآخر الموجود في {قَبْلَ مَوْتِهِ} قد يرجع إلى عيسى أي قبل موت عيسى ولن يموت عليه السلام الموتة الحقيقية التي تنهي أجله في الحياة إلا بعد أن يؤمنوا به عبداً ورسولاً وبشراً، ولن يتحقق ذلك إلا إذا جاء بشحمه ولحمه ودمه ليقول لهم: أنتم مخطئون في أنكم أنكرتم بشارتي بمحمد الخاتم، وأنتم مخطئون في اتهامكم لأمي، والدليل على خطئكم هو أنني جئت مبشراً برسول للناس كافة هو محمد بن عبدالله، وهأنذا أصلي خلف واحد من أمة ذلك الرسول. فلن يأتي عيسى - عليه السلام - بتشريع جديد بل ليصلي خلف واحد من المؤمنين بمحمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. وحين يصنع عيسى ابن مريم ذلك، ماذا سيقول الذين فُتِنوا فيه؟. لاشك أنهم سيعلنون الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أن كل كتابي من الذين عاشوا في المسافة الزمنية من بعد رفعه وحتى نزوله مرة أخرى سيعلن الإيمان بعيسى كبشر ورسول وعبد قبل أن يموت ولو في غيبوبة النهاية عندما تبلغ الروح الحلقوم وتترد في الحلق عند الموت. فقد يصح أن تكون الآية عامة {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} ويعود الضمير فيها إلى كل كتابي قبل أن يموت. إن النفس البشرية لها هوى قد يستر عنها الحقائق ويغلق دونها باب اليقين ويدفعها إلى ذلك غرور الحياة، فإذا ما جاءت سكرة الموت بالحق، انتهى كل شيء يُبعد الإنسان عن منهج الحق واليقين؛ ولا تبقى إلا القضايا بحقها وصدقها ويقينها، وتستيقظ النفس البشرية لحظة تظن أنها ستلقى الله فيها ويسقط غرور الحياة، ويراجع الإنسان منهم نفسه في هذه اللحظة، ويقول: أنا اتبعت هوى نفسي. ولكن أينفع مثل هذا اللون من الإيمان صاحبَه؟ لا؛ لأن مثله في ذلك مثل إيمان فرعون، فقد قال حين أدركه الغرق: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [يونس: 90] فيسمع صوتَ الحق في تلك اللحظة: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 91] فلم ينتفع فرعون لحظة الغرق بالإيمان. ويقول - سبحانه -: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [النساء: 18] ويذيل الحق الآية: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} وهذا يؤكد أن عيسى عليه السلام سيشهد على من عاصروا نزوله في الدنيا، وسوف يشهد يوم القيامة على الذين ادعوا له بالألوهية: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 116] ويعاود الحق سبحانه الكلام عن فظائع اليهود فيقول: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ...}
الأندلسي
تفسير : {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} ان هنا نافية والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه التقدير وما أحد من أهل الكتاب كما حذف في قوله: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}تفسير : [مريم: 71]. وقال الزمخشري: ليؤمنن به جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به. ونحوه: وما منا إلا له مقام معلوم، وإن منكم إلا واردها. والمعنى وما من اليهود أحد إلا ليؤمنن به. "انتهى". وهو غلط فاحش إذ زعم أن ليؤمنن به جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة أحد المحذوف إنما هو الجار والمجرور وهو من أهل الكتاب، والتقدير كما ذكرناه وإن أحد من أهل الكتاب. وأما قوله: ليؤمنن به. فليست صفة لموصوف ولا هي جملة قسمية كما زعم إنما هي جملة جواب القسم والقسم محذوف والقسم وجوابه في موضع خبر المبتدأ الذي هو أحد المحذوف إذ لا ينتظم من أحد والمجرور إسناد لأنه لا يفيد وإنما ينتظم الاسناد بالجملة القسمية وجوابها فذلك محط الفائدة، وكذلك أيضاً الخبر هو الإِله مقام، وكذا إلا واردها، إذ لا ينتظم مما قبل إلا تركيب إسنادي. والظاهر أن الضميرين في به وموته عائدان على عيسى وهو سياق الكلام والمعنى من أهل الكتاب الذين يكونون في زمن نزوله. روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإِسلام، قاله ابن عباس وغيره. وقال ابن عباس أيضاً وجماعة: الضمير في به لعيسى وفي موته للكتابي قالوا وليس يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى ويعلم أنه نبي ولكن عند المعاينة للموت فهو إيمان لا ينفعه. {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} الطيّبات ما ذكر تعالى في قوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}تفسير : [الأنعام: 146] الآية واحلت لهم. جملة في موضع الصفة لطيبات والمعنى كانت أحلت لهم، وانتصب كثيراً على أنه مفعول به أي ناساً كثيراً، وناصبه المصدر وهو قوله: وبصدهم. أو انتصب على أنه نعت لمصدر محذوف تقديره صداً كثيراً. {وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} جملة حالية تؤذن بتقبيح فعلهم إذ ما نهى تعالى عنه يجب أن يبعد منه قالوا: والربا محرم في جميع الشرائع. وقوله: بالباطل، هو الرشا التي كانوا يأخذونها على تغيير شرائعهم. {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ} الآية، مجيء لكن هنا في غاية الحسن لأنها داخلة بين نقيضين، وجوابهما وهما الكافرون والعذاب الأليم، والمؤمنون، والأجر العظيم، والراسخون الثابتون المتفننون المستبصرون منهم كعبد الله بن سلام وإضرابه. {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} يعني منهم، أو المؤمنون من المهاجرين والأنصار. والظاهر أنه عام فيمن آمن وارتفع الراسخون على الابتداء والخبر يؤمنون لا غير لأن المدح لا يكون إلا بعد تمام الجملة الأولى ومن جعل الخبر أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيف. وانتصب والمقيمين على المدح وارتفع والمؤتون أيضاً على إضمار وهم على سبيل القطع إلى الرفع ولا يجوز أن يعطف على المرفوع قبله لأن النعت إذا قطع في شيء منه لم يعد ما بعده إلى إعراب المنعوت وهذا القطع لبيان فضل الصلاة والزكاة فكثر الوصف بأن جعل في جمل. وقرىء: {والمقيمون} بالرفع عطفاً على المرفوع قبله. قال ابن عطية: فرق بين الآية والبيت يعني بيت الخرنق وكان أنشده قبل وهو النازلين بكل معترك. والطيبون معاقد الأزر بحرف العطف الذي في الآية فإِنه يمتنع عند بعضهم تقدير الفعل وفي هذا نظر. "انتهى". إن منع ذلك أحد فهو محجوج بثبوته في كلام العرب مع حرف العطف ولا نظر في ذلك كما قال الشاعر: شعر : ويأوي إلى نسوة عطل وشعثاً مراضيع مثل السعال تفسير : وذكر الزمخشري وغيره وجوهاً في أن والمقيمين في موضع جر عطفاً على الضمير في منهم أي ومن المقيمين أو عطفاً على ما في قوله: بما أنزل، أي وبالمقيمين أو عطفاً على الضمير أي الكاف في أولئك أي وإلى المقيمين، أو عطفاً على قلبك أي ومن قبل المقيمين أو عطفاً على الكاف في قوله ومن قبلك وأجازوا فيمن قرأ والمقيمون بالرفع أن يكون في موضع خبر مبتدأ محذوف أو عطفاً على الضمير المستكن في الراسخون أو على الضمير المستكن في المؤمنون أو على الضمير المستكن في تؤمنون وهذه أعاريب ينزه كتاب الله عنها ولا يحل اعتقاد شيء منها ولولا أن الزمخشري وابن عطية ذكراها وهما يدّعى فيهما أنهما أجل من صنف في التفسير لما ذكرت ذلك.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} أي: ما من جميع من أنزل إليه الكتاب من المسلمين والنصارى واليهود، وسائر من أنزل إليهم أحدٌ مكلف {إِلاَّ} وقد وجب له ولزم عليه، إنه {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} أي: بعيسى - صلوات الله عليه وسلامه - حين نزوله؛ لتقوية دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو جامع لجميع الأديان؛ لإتيانها على التوحيد الذاتي. وعند ظهوره صلى الله عليه وسلم اتحدت الأديان كلها، إلا أن المحجوبون لا يفهمون، مع أن عيسى - صلوات الله عليه وسلامه - من عجائب صنع الله، وبدائع مبدعاته، وغرائب مخترعاته، ومن أعزة أنبيائه وأجلَّة رسله، فلا بد أن يكون الإيمان به {قَبْلَ مَوْتِهِ} إذ حُكي في الحديث النبوي: إنه ينزل من السماء، ويعيش في الأرض زماناً، ويؤمن له جميع من في الأرض، ثم يموت قريب الساعة {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ} أي: على جميع من آمن له، واتبع هداه {شَهِيداً} [النساء: 159] يشهد لهم بالإيمان عند الله. {فَبِظُلْمٍ} خروج عن حدود الله، ونقض لعهوده صدر وظهر {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} في كتابهم {طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} فيما مضى {وَ} أيضاً {بِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: إعراضهم عن طريق الحق إعراضاً {كَثِيراً} [النساء: 160]. {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا} من المضطرين أضعافاً مضاعفة {وَ} الحال أنه {قَدْ نُهُواْ عَنْهُ} في دينهم وكتابهم {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} بلا رخصة شرعية، مثل: السرقة، والغضب، والربا، والرشوة، وحيل الفقهاء، وتزويراتهم التي ينسبونها إلى الشرع الشريف افتراءً، وتلبيسات أهل التشييخ والتدليس من هذا القبيل، ومن عِظَم جُرم هؤلاء أسند سبحانه انتقامهم إلى نفسه بقوله: {وَأَعْتَدْنَا} صيَّرها وهيَّأنا {لِلْكَافِرِينَ} الساترين طريق الحق {مِنْهُمْ عَذَاباً} بعيداً، وطرداً {أَلِيماً} [النساء: 161] مؤلماً؛ لتحسرهم على مرتبة أهل القرب والعناية. {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} وهم الذين يرتقون من مرتبة العلم إلى العين الحق {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} المصدقون الذين {يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} بلا تفريقٍ وتفاوتٍ؛ إيماناً واحتساباً {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} وهم الذين يديمون الميل بجميع الإعضاء والجوارح؛ إطاعةً وانقياداً؛ إذ رجوع الكل إليه {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} وهم الذين يؤتون ما نسب إليهم من زخرفات الدنيا؛ طلباً لمرضات الله، وهرباً عن التعلق بغيره {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} أي: الذين يوقنون بتوحيد الله {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعدّ لثمرة الأعمال الصالحة في طريقه {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء، الأمناء، الموحدون، المخلصون {سَنُؤْتِيهِمْ} من لدنا {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 162] هو الفوز بشرف اللقاء. ربنا آتنا من لدنك رحمةً، إنك أنت الوهاب. ورسوخ الراسخين إنما يحصل من إلهامنا ووحينا وإعلامنا، وإيقاظنا إياهم من سَنَة الغفلة ونعاس النسيان، وإرشادنا لهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم من عندنا وذلك سنتنا المستمرة، وعادتنا القديمة، لا يحتاج فيها للإلحاح والاقتراح.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 229 : 55 : 27 - سفين عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن بن عباس {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال، قبل موت عيسى صلى الله عليه. [الآية 159]. 230 : 56 : 41 - سفين عن أبي هاشم عن مجاهد {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قلت: "وان وقع أحدهم من ظهر بيت"؟ قال، وان وقع احدهم من ظهر بيت.
همام الصنعاني
تفسير : 656- مَعْمَر، [عن الكلبي] وقتادة، في قوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}: [الآية: 159]، قال: قبل موْتِ عيسى إذا نزل، آمنت به الأديان كُلّها. 657- عبد الرزاق، قال: أنبأنا إسْرائيلُ بن يونس، عن فُرات القزاز، عن الحسن، في قوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}: [الآية: 159]، قال: لا يموت منهُمْ أَحَدٌ ح تى يُؤْمِنَ بعيسى قبل أن يموت. 663- عبد الرزاق، قال: أخبرني يحيى بن يعلى، عن الكلْبي، عن شهر بن حوشب، قال: عرضنا الحجاج على أعطياتنا [بطابة]، وعَلَيَّ ثياب رَثَّة وتحتي فرسٌ لي رَثَّة، فقال لي: يا شهر ما لي أرى ثيابك رثَّة وفَرَسَك رَثَّةٌ!! قال: فقُلْتُ: أما فرسي فقد ابتعتها ولم آلُ، وأمّا ثيابي فبحسب الرجلُ ما وارى عورَتهُ. قَالَ: لا، ولكنِّي أرَاك تكرهُ لباس الخز، قال: قلت ما أكرهه، قال: فأمر لي بمقطعةٍ من خز وكساء من خز وعمامة من خز، ثم قَال: يا شهر، آيةٌ من كمتاب الله ما قرأتها إلا أعترض في نفسي منها شيء، قول الله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}: [الآية: 159] وأنا أُوتَى بالأسارى فأضرب أعناقهم، فلا أسمعهم يقولُون شيئاً. قال: قلت إنها رفعت إليك عَلى غير وَجْهِها: إنَّ النَّصْراني إذَا خرجت نفسه أو قال روحه، ضربته الملائكة من قبله ودبره، فقالوا: أيّ خبيث! إنَّ المسيح الذي زعمت أنه الله، وأنه ابن الله، وأنه ثالثُ ثالثة: عبد الله وروحه وكلمته، فيؤمن به [حين] لا ينفعه إيمانه، وإنَّ اليهُودِي إذا خرجت نفسه، ضربته الملائكة من قبله ودبره وقالوا: أي خبيث!! إنَّ المسيح الذي زعمت أنك قتلته، عبد الله وروحه وكلمته فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه، فإذا كان عند نزول عيسى آمنت به أحياؤُهم كما آمنت به مَوْتاهُم، فقال: ممن أخذتها؟ فقال: عن محمد بن علي، قال: لقد أخذتها من معْدَنها، قال شهر: وأيْمُ الله، ما حدثتنيه إلاَّ أم سلمة، ولكني أحببت أن أغيظه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):