Verse. 657 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنٰہُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْہُمْ عَلَيْكَ۝۰ۭ وَكَلَّمَ اللہُ مُوْسٰى تَكْلِــيْمًا۝۱۶۴ۚ
Warusulan qad qasasnahum AAalayka min qablu warusulan lam naqsushum AAalayka wakallama Allahu moosa takleeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» أرسلنا «رسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك» روي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس قاله الشيخ في سورة غافر «وكلَّم اللهُ موسى» بلا واسطة «تكليما».

164

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} يعني بمكة.{وَرُسُلاً} منصوب بإضمار فعل، أي وأرسلنا رسلا؛ لأن معنى «وَأَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ» وأرسلنا نوحاً. وقيل: هو منصوب بفعل دَلّ عليه «قَصَصْنَاهُمْ» أي وقصصنا رسلا؛ ومثله ما أنشد سيبويه: شعر : أصبحتُ لا أحملُ السِّلاحَ ولا أَمْلكُ رأسَ البعيرِ إنْ نَفَرا والذِّئبَ أخشاه إن مررتُ بِه وَحْدي وأخشى الرّيَاحَ والمطرا تفسير : أي وأخشى الذئب. وفي حرف أُبيّ «وَرُسُلٌ» بالرفع على تقدير ومنهم رسل. ثم قيل: إن الله تعالى لما قصّ في كتابه بعض أسماء أنبيائه، ولم يذكر أسماء بعض، ولمن ذكر فضل على من لم يذكر قالت اليهود؛ ذكر محمد الأنبياء ولم يذكر موسى؛ فنزلت {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} «تكليماً» مصدر معناه التأكيد؛ يدل على بطلان من يقول: خلق لنفسه كلاما في شجرة فسمعه موسى، بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلماً. قال النحاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا، وأنه لا يجوز في قول الشاعر: شعر : ٱمْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْني تفسير : أن يقول: قال قولا؛ فكذا لما قال: «تَكْلِيماً» وجب أن يكون كلاماً على الحقيقة من الكلام الذي يُعقل. وقال وهب بن منبه: إن موسى عليه السلام قال: «يارب بِمَ ٱتخذتني كليماً»؟ طلب العمل الذي أسعده الله به ليُكثر منه؛ فقال الله تعالى له: أتذكر إذ نَدّ من غنمك جَدْيٌ فٱتبعته أكثر النهار وأتعبك، ثم أخذته وقبلته وضممته إلى صدرك وقلت له؛ أتعبتني وأتعبت نفسك، ولم تغضب عليه؛ من أجل ذلك ٱتخذتك كليماً.

البيضاوي

تفسير : {وَرُسُلاً} نصب بمضمر دل عليه أوحينا إليك كأرسلنا أو فسره: {قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} أي من قبل هذه السورة أو اليوم. {وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} وهو منتهى مراتب الوحي خص به موسى من بينهم، وقد فضل الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} أرسلنا {رُسُلاً قَدْ قَصَصْنَٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } روي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبيّ أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس قاله الشيخ في سورة (غافر)[78:40] {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ } بلا واسطة {تَكْلِيماً }.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل} لما نزلت هذه الآية المتقدمة قالت اليهود ما لموسى لم يذكر؟ فأنزل الله هذه الآية وفيها ذكر موسى عليه السلام والمعنى وأوحينا إلى رسل قد قصصناهم عليك من قبل يعني سميناهم في القرآن وعرفناك أخبارهم وإلى من بعثوا وما ورد عليهم من قومهم {ورسلاً لم نقصصهم عليك} أي لم نسمهم لك ولم نعرفك أخبارهم قال أهل المعاني الذين نوه الله بذكرهم من الأنبياء يدل على تفضيلهم على من لم يذكر ولم يسم. وقوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليماً} يعني خاطبه مخاطبة من غير واسطة لأن تأكيد كلم بالمصدر يدل على تحقيق الكلام وأن موسى عليه السلام سمع كلام الله بلا شك لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر فلا يقال أراد الحائط يسقط إرادة. وهذا رد على من يقول إن الله خلق كلاماً في محل فسمع موسى ذلك الكلام وقال الفراء العرب تسمى كل ما يوصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصل لكن لا تحققه بالمصدر وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلاّ حقق بالمصدر لم يكن إلاّ حقيقة الكلام فدل قوله تعالى تكليماً على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة. وروى الطبري بسنده من عدة طرق عن كعب الأحبار قال لما كلم الله موسى عليه السلام بالألسنة كلها قبل كلامه يعني كلام موسى بلسانه فجعل موسى يقول يا رب لا أفهم حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة فقال: يا رب هكذا كلامك قال لو سمعت كلامي يعني على وجهه لم تك شيئاً قال موسى: يا رب هل في خلقك شيء يشبه كلامك قال لا وأقرب خلقي شبهاً بكلامي أشد ما سمع الناس من الصواعق قال بعض العلماء كما أن الله تعالى خص موسى عليه السلام بالتكليم وشرفه به ولم يكن ذلك قادحاً في نبوة غيره من الأنبياء فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة لم يكن قادحاً في نبوة من أنزل عليه كتابه متفرقاً من الأنبياء. قوله عز وجل: {رسلاً مبشرين ومنذرين} يعني: {أية : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} تفسير : [النساء: 163] ومن أولئك النبيين أرسلت رسلاً إلى خلقي مبشرين من أطاعني واتبع أمري وصدق رسلي بالثواب الجزيل في الجنة ومنذرين من عصاني وخالف أمري وكذب رسلي بالعذاب الأليم في النار. وقيل هو جواب عن سؤال اليهود إنزال الكتاب جملة واحدة والمعنى أن المقصود من بعثة الرسول هو إرشاد الخلق إلى معرفة الله وتوحيده والإيمان به والاشتغال بعبادته وإنذار من خالف ذلك وهذا المقصود يحصل بإنزال الكتاب جملة واحدة وبإنزاله نجوماً متفرقة بل إنزاله متفرقاً أولى. وذلك أن النفوس قبل بعثة الرسل وإنزال الكتب لم تكن تعرف شيئاً من العبادات ولم تألفها فإذا نزل الكتاب جملة واحدة وفيه جميع التكاليف ربما حصل في بعض نفوس العباد نفور العباد نفور من تلك التكاليف وتثقل عليهم كما أخبر الله عن قوم موسى بقوله تعالى: {أية : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه} تفسير : [الأعراف: 15] فلم يقبلوا أحكام التوراة إلاّ بعد شدة فلهذا السبب كان إنزال القرآن نجوماً متفرقة أولى. وقوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} يعني بعد إرسال الرسل وإنزال الكتاب والمعنى لئلا يحتج الناس على الله في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل فيقولوا ما أرسلت إلينا رسولاً وما أنزلت علينا كتاباً ففيه دليل على أنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس عليه حجة في ترك التوحيد والطاعة وفيه دليل على ان الله لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل كما قال تعالى: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}تفسير : [الإسراء: 15] وفيه دليل لمذهب أهل السنة على أن معرفة الله تعالى لا تثبت إلاّ بالسمع لأن قوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} يدل على أن قبل بعثة الرسل تكون لهم الحجة في ترك الطاعات والعبادات. فإن قلت كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل والخلق محجوبون بما نصب من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى معرفته ووحدانيته كما قيل: شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : قلت الرسل منبهون من رقاد الغفلة والجهالة وباعثون الخلق إلى النظر في تلك الدلائل التي تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى ومبينون لها وهم وسائط بين الله تعالى وخلقه ومبينون أحكام الله تعالى التي افترضها على عباده ومبلغون رسالته إليهم (ق) عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة"تفسير : لفظ البخاري وفي لفظ مسلم ولا شخص أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين. وقوله تعالى: {وكان الله عزيزاً} يعني في انتقامه ممن خالف أمره وعصى رسله {حكيماً} يعني في إرساله الرسل.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن حبان في صحيحه والحاكم وابن عساكر ‏‏حديث : عن أبي ذر قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله كم الأنبياء‏؟‏ قال‏:‏ "مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفاً‏.‏ قلت‏:‏ يا رسول الله كم الرسل منهم‏؟‏ قال‏: ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير‏.‏ قال‏:‏ يا أبا ذر أربعة سريانيون‏:‏ آدم، وشيث، ونوح، وخنوخ وهو إدريس، وهو أوّل من خط بقلم، وأربعة من العرب‏:‏ هود، وصالح، وشعيب، ونبيك، وأوّل نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى، وأوّل النبيين آدم، وآخرهم نبيك" تفسير : ، أخرجه ابن حبان في صحيحه وابن الجوزي في الموضوعات، وهما في طرفي نقيض، والصواب أنه ضعيف لا صحيح، ولا موضوع، كما بينته في مختصر الموضوعات‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم ‏ حديث : عن أبي أمامة قال‏:‏ قلت‏:‏ يا نبي الله كم الأنبياء‏؟‏ قال‏: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيرا‏ً ‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏كان فيمن خلا من اخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى بن مريم، ثم كنت أنا بعده‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم بسند ضعيف عن أنس قال‏:‏ "بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثمانية آلاف من الأنبياء، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن علي في قوله ‏ {‏ورسلاً لم نقصصهم عليك‏} ‏ قال‏:‏ بعث الله نبياً عبداً حبشياً فهو مما ما لم يقصصه على محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي لفظ‏:‏ بعث نبي من الحبش‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار قال‏:‏ إن الله أنزل على آدم عليه السلام عصياً بعدد الأنبياء المرسلين، ثم أقبل علىابنه شيث فقال‏:‏ أي بني أنت خليفتي من بعدي، فخذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى، وكلما ذكرت اسم الله تعالى فاذكر إلى جنبه اسم محمد، فإني رأيت اسمه مكتوباً على ساق العرش وأنا بين الروح والطين، ثم إني طفت السموات فلم أرَ في السموات موضعاً إلا رأيت اسم محمد مكتوباً عليه، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أرَ في الجنة قصراً ولا غرفة إلا رأيت اسم محمد مكتوباً عليه، ولقد رأيت اسم محمد مكتوباً على نحور الحور العين، وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى، وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، فأكثر ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها‏. وأخرج الطبراني والحاكم وصححه من طريق أبي يونس عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. أن رجلاً من بني عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه‏:‏ إني أطفئ عنكم نار الحدثان‏.‏ فقال له عمارة بن زياد رجل من قومه‏.‏ والله ما قلت لنا يا خالد قط إلا حقاً، فما شأنك وشأن نار الحدثان تزعم أنك تطفئها‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ فانطلق وانطلق معه عمارة في ثلاثين من قومه حتى أتوها، وهي تخرج من شن جبل من حرة يقال لها حرة أشجع، فخط لهم خالد خطة فاجلسهم فيها، فقال‏:‏ إن أبطأت عليكم فلا تدعوني باسمي، فخرجت كأنها خيل شقر يتبع بعضها بعضاً، فاستقبلها خالد فجعل يضربها بعصاه وهو يقول‏:‏ بدا بدا بدا كل هدي، زعم ابن راعية المعزى أني لا أخرج منها وثيابي تندى حتى دخل معها الشق فابطأ عليهم فقال عمارة‏:‏ والله لو كان صاحبكم حياً لقد خرج إليكم‏.‏ فقالوا‏:‏ إنه قد نهانا أن ندعوه باسمه قال‏:‏ فقال‏:‏ فادعوه باسمه - فوالله - لو كان صاحبكم حياً لقد خرج إليكم، فدعوه باسمه فخرج إليهم برأسه فقال‏:‏ ألم أنهكم أن تدعوني باسمي - قد والله - قتلتموني فادفنوني، فإذا مرت بكم الحمر فيها حمار ابتر فانبشوني، فإنكم ستجدوني حياً‏.‏ فدفنوه فمرت بهم الحمر فيها حمار ابتر، فقالوا‏:‏ انبشوه فإنه أمرنا أن ننبشه‏.‏ فقال لهم عمارة‏:‏ لا تحدث مضر اننا ننبش موتانا، والله لا تنبشوه أبداً، وقد كان خالد أخبرهم أن في عكن امرأته لوحين، فإذا أشكل عليكم أمر فانظروا فيهما، فإنكم سترون ما تساءلون عنه، وقال‏:‏ لا تمسها حائض، فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما وهي حائض، فذهب ما كان فيهما من علم، وقال أبو يونس‏:‏ قال سماك بن حرب‏:‏ سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏: "‏ذاك نبي أضاعه قومه، وإن ابنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ مرحباً بابن أخي قال الحاكم‏:‏ صحيح على شرط البخاري، فإن أبا يونس هو حاتم بن أبي صغيرة، وقال الذهبي منكر‏"‏‏.‏ وأخرج ابن سعد والزبير بن بكار في الموفقيات وابن عساكر عن الكلبي قال‏:‏ أوّل نبي بعثه الله في الأرض ادريس، وهو اخنوخ بن يرد، وهو يارد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ثم انقطعت الرسل حتى بعث نوح بن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ بن يارد، وقد كان سام بن نوح نبياً، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبياً، وهو إبراهيم بن تارح وتارح هو آزر بن ناحور بن شاروخ بن ارغو بن فالغ، وفالغ هو فالخ وهو الذي قسم الأرض ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، ثم إسماعيل بن إبراهيم فمات بمكة ودفن بها، ثم إسحاق بن إبراهيم مات بالشام، ولوط بن هاران بن تاريح وإبراهيم عمه هو ابن أخي إبراهيم، ثم إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق، ثم يوسف بن يعقوب، ثم شعيب بن بوبب ابن عنقاء بن مدين بن إبراهيم، ثم هود بن عبد الله بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، ثم صالح بن آسف بن كماشج بن اروم بن ثمود بن جابر بن ارم بن سام بن نوح، ثم موسى وهارون ابنا عمران بن فاهت ابن لاوي بن يعقوب، ثم أيوب بن رازخ بن أمور بن ليغزر بن العيص، ثم داود بن ايشا بن عويد بن ناخر بن سلمون بن بخشون بن عنادب بن رام ابن خصرون بن يهود بن يعقوب، ثم سليمان بن داود، ثم يونس بن متى من سبط بنيامين بن يعقوب، ثم اليسع من سبط روبيل بن يعقوب، والياس بن بشير بن العاذر بن هارون بن عمران، وذا الكفل اسمه عويدياً من سبط يهود بن يعقوب، وبين موسى بن عمران وبين مريم بنت عمران أم عيسى ألف سنة وسبعمائة سنة، وليسا من سبط، ثم محمد صلى الله عليه وسلم، وكل نبي ذكر في القرآن من ولد إبراهيم غير إدريس، ونوح، ولوط، وهود، وصالح، ولم يكن من العرب أنبياء إلا خمسة‏:‏ هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب، ومحمد، وإنما سموا عرباً لأنه لم يتكلم أحد من الأنبياء بالعربية غيرهم، فلذلك سموا عرباً‏.‏ وأخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال‏:‏ كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة‏:‏ نوح، وهود، وصالح، ولوط، وإبراهيم، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، وشعيب، ومحمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن نبي له اسمان إلا عيسى، ويعقوب، فيعقوب إسرائيل وعيسى المسيح‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ كان بين آدم ونوح ألف سنة، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى أربعمائة سنة، وبين عيسى ومحمد ستمائة سنة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال‏:‏ كان بين موسى وعيسى ألف نبي‏. ‏ وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال‏:‏ كان عمر آدم ألف سنة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وبين آدم وبين نوح ألف سنة، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة، وبين إبراهيم وبين موسى سبعمائة سنة، وبين موسى وعيسى ألف وخمسمائة سنة، وبين عيسى ونبينا ستمائة سنة‏.‏ أخرج ابن المنذر عن وائل بن داود في قوله ‏ {‏وكلم الله موسى تكليماً‏} ‏ قال‏:‏ مرارا‏ً. ‏ وأخرج ابن مردويه والطبراني عن عبد الجبار بن عبد الله قال‏:‏ جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال‏:‏ سمعت رجلاً يقرأ ‏ {‏وكلم الله موسى تكليما‏ً}‏ فقال‏:‏ ما قال هذا إلا كافر، قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب، وقرأ علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏وكلم الله موسى تكليما‏ً} ‏ قال الهيثمي‏:‏ ورجاله ثقات، غير أن عبد الجبار لم أعرفه والذي روى عن ابن عباس أحمد بن عبد الجبار بن ميمون وهو ضعيف‏.‏ وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ثابت قال‏:‏ لما مات موسى بن عمران جالت الملائكة في السموات بعضها إلى بعض، واضعي أيديهم على خدودهم ينادون مات موسى كليم الله، فأي الخلق لا يموت‏؟‏‏!‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَرُسُلاً} نُصب بمضمر يدل عليه أوحينا معطوفٍ عليه داخلٍ معه في حُكم التشبـيهِ كما قبله أي وكما أرسلنا رسلاً لا بما يفسِّره قولُه تعالى: {قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ} أي وقصصنا رسلاً كما قالوا وفرّعوا عليه أن قولَه تعالى: {قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ} على الوجه الأول منصوبٌ على أنه صفةٌ لرسلاً وعلى الوجه الثاني لا محل له من الإعراب فإنه مما لا سبـيلَ إليه كما ستقف عليه، وقرىء برفع رسلٌ وقولُه تعالى: {مِن قَبْلُ} متعلقٌ بقصصنا أي قصصنا من قبلِ هذه السورةِ أو اليوم. {وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} عطفٌ على رسلاً منصوبٌ بناصبه، وقيل: كلاهما منصوبٌ بنزع الخافضِ والتقديرُ كما أوحينا إلى نوحٍ وإلى رسل الخ، والحقُّ أن يكون انتصابُهما بأرسلنا فإن فيه تحقيقاً للمماثلة بـين شأنِه عليه الصلاةُ والسلام وبـين شؤونِ من يعترفون بنبوته من الأنبـياء عليهم السلام في مطلق الإيحاءِ ثم إيتاءِ الكتابِ ثم في الإرسال، فإن قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}تفسير : [النساء، الآية: 162] منتظِمٌ لمعنى آتيناك وأرسلناك حتماً، كأنه قيل: إنا أوحينا إليك إيحاءً مثلَ ما أوحينا إلى نوح ومثلَ ما أوحينا إلى إبراهيمَ ومَنْ بعده، وآتيناك الفرقانَ إيتاءً مثلَ ما آتينا داودَ زبوراً وأرسلناك إرسالاً مثلَ ما أرسلنا رسلاً قد قصصناهم عليك من قبلُ ورسلاً آخَرين لم نقصُصْهم عليك من غير تفاوتٍ بـينك وبـينهم في حقيقة الإيحاءِ، وأصلِ الإرسالِ، فما للكفرة يسألونك شيئاً لم يُعطَه أحدٌ من هؤلاء الرسلِ عليهم السلام؟ ومن هٰهنا اتضح أن رسلاً لا يمكن نصبُه بقصصنا فإن ناصبَه يجب أن يكون معطوفاً على أوحينا داخلاً معه في حُكم التشبـيهِ الذي يدور فلَكُ الاحتجاجِ على الكفرة ولا ريب في أن قصصنا لا تعلُّقَ له بشيء من الإيحاء والإيتاءِ حتى يمكنَ اعتبارُه في ضمن قولِه تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ثم يعتبرُ بـينه وبـين المذكورِ مماثلةٌ مصحِّحةٌ للتشبـيه على أن تقديرَه في رسلاً الأوّلِ يقتضي تقديرَ نفيِه في الثاني وذلك أشدُّ استحالةً وأظهرُ بطلاناً. {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ} برفع الجلالةِ ونصبِ موسى، وقرىء على القلب، وقوله تعالى: {تَكْلِيماً} مصدرٌ مؤكدٌ رافعٌ لاحتمال المجازِ. قال الفراء: العربُ تسمِّي ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريقٍ وصل ما لم يؤكَّدْ بالمصدر فإذا أُكّد به لم يكنْ إلا حقيقةُ الكلامِ، والجملةُ إما معطوفةٌ على قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}تفسير : [النساء: الآية 163] عطفَ القصةِ على القصة لا على آتينا وما عطف عليه، وإما حالٌ بتقدير قد كما ينبىء عنه تغيـيرُ الأسلوبِ بالالتفات، والمعنى أن التكليمَ بغير واسطةٍ منتهىٰ مراتبِ الوحي خُصَّ به موسى من بـينهم فلم يكن ذلك قادحاً في نبوة سائرِ الأنبـياءِ عليهم السلام فكيف يُتوَّهم كونُ نزولِ التوراة عليه السلام ــ جملةً ــ قادحاً في صحة نبوةِ من أنزل عليه الكتابُ مفصلاً مع ظهور أن نزولَها كذلك لحِكَمٍ مقتضيةٍ لذلك من جملتها أن بني إسرائيلَ كانوا في العِناد وشدةِ الشكيمة بحيث لو لم يكن نزولُها كذلك لما آمنوا بها، ومع ذلك ما آمنوا بها إلا بعد اللّتيا والتي وقد فضل الله تعالى نبـينا محمداً صلى الله عليه وسلم بأن أعطاه مثلَ ما أعطى كلَّ واحدٍ منهم صلى الله عليهم وسلم تسليماً كثيراً.

القشيري

تفسير : سُنَّةُ الله في أوليائه سترُ قومٍ، وشَهْرُ قومٍ، وبذلك جَرَتْ سُنَّتُه أيضاً في الأنبياء - عليهم السلام - أظهر أسماء قومٍ وأجمل تفصيل آخرين. والإيمان واجب بجميع الأنبياء جملة وتفصيلاً، كما أنّ الاحترام واجب لجميع الأولياء جملة وتفصيلاً، وكذلك أحوال العباد ستر عليهم بعضاً وأظهر لهم بعضها، فما أظهرها لهم - طالبهم بالإخلاص فيها، وما سترها عليهم - فلأنه غار على قلوبهم من ملاحظة أحوالهم تأهيلاً لهم للاختصاص بحقائق أفردهم بمعانيها. {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}: إخبار عن تخصيصه إياه باستماع كلامه بلا واسطة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} بين تخصيص موسى بمقام الخطاب الخاص بلا واسطة بادر موسى من بين الانبياء بسوال الرؤية فاوقفه الحق فى مقام سماع كلامه ومنعه من مشاهدة رؤيته صرفا وتحمل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اثقال الشوق بمطايا اسراره ولم يسال مشاهدة الحق جهر الانبساط فاوصله الله الى مقام مشاهدته ورؤيته بالظاهر والباطن بعين الرأس وعين القلب ثم اسمع كلامه بلا واسطة ولا حجاب قال تعالى {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : ما كذب الفواد ما ارى وان الله سبحانه اذا اراد ان يسمع كلامه احد من الانبياء والاولياء يعطيه سمعا من اسماعه فيسمع بها كلامه كما حكى عليه السلام عنه تعاىل فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به الحديث اسمعه كلامه وليس هناك الحروف والاصوات بل اسمعه بحرق القدرة وصوت الازلية الذى منزه عن همهة الانفاس وخطرات الوسواس وليس فى ولاية الازل من رسوم الأجال شئ هناك السماع والمسمع واحد من حيث المحبة الا من حيث الجمع والتفرقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ورسلا} نصب بمضمر يدل عليه اوحينا معطوف عليه داخل معه فى حكم التشبيه كما قيل اى وكما ارسلنا رسلا {قد قصصناهم عليك} اى سميناهم لك {من قبل} متعلق بقصصنا اى من قبل هذه السورة او اليوم وعرفناك وقصتهم فعرفتهم {ورسلا لم نقصصهم عليك} اى لم نسمهم لك والرسل هم الذين اوحى اليهم بجبريل والانبياء هم الذين لم يوح اليهم بجبريل وانما اوحى اليهم بملك آخر أو برؤيا فى المنام او بشىء آخر من الالهام. "حديث : وعن ابى ذرّ رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله كم كانت الانبياء وكم كان المرسلون قال "كانت الانبياء مائة الف واربعة وعشرين الف وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر"" حديث : وفى رواية سئل عن عدد الانبياء فقال "مائتا الف واربعة وعشرون الفا" " .تفسير : والاولى ان لا يقتصر على عدد فى التسمية لهذه الآية وخبر الواحد لا يفيد الا الظن ولا عبرة بالظن فى الاعتقاديات {وكلم الله موسى تكليما} عطف على انا اوحينا اليك عطف القصة على القصة وتأكيد كلم بالمصدر يدل على انه عليه السلام سمع كلام الله حقيقة لا كما يقوله القدرية من ان الله تعالى خلق كلاما فى محل فسمع موسى ذلك الكلام لان ذلك لا يكون كلام الله القائم به والافعال المجازية لا تؤكد بذكر المصادر لا يقال اراد الحائط ان يسقط ارادة. قال الفراء العرب تسمى ما وصل الى الانسان كلاما بأى طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فاذا اكد به لم يكن الا حقيقة الكلام والمعنى ان التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحى خص به موسى من بينهم فلم يكن ذلك قادحا فى نبوة سائر الانبياء فكيف يتوهم كون نزول التوراة عليه جملة قادحا فى صحة من انزل عليه الكتاب مفصلا مع ظهور ان نزولها كذلك لحكم مقتضية لذلك من جملتها ان بنى اسرائيل كانوا فى العناد وشدة الشكيمة بحيث لو لم يكن نزولها كذلك لما آمنوا بها الا بعد اللتيا والتى وقد فضل الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بان اعطاه مثل ما اعطى كل واحد منهم: قال العطار شعر : كرده درشب سوى معراجش روان سر كل با اونهاده درميان رفت موسى بربساط آن جناب خلع نعلين آمدش ازحق خطاب جون بنزديكى شد از نعلين دور كشت در وادى المقدس غرق نور باز در معراج شمع ذو الجلال مى شنود آواز نعلين بلال موسىء عمران اكرجه بودشاه هم نبود انجاش بانعلين راه ابن عنايت بين كه بهر جاه او كرد حق باجاكر دركاه او جاكرش را كرد مردكوى خويش دار بانعلين راهش سوى خويش موسىء عمران جون آن رتبت بديد جاكر اورا جنان قربت بديد كفت يا رب امت اوكن مرا در طفيل همت اوكن مرا اوست سلطان وطفيل اوهمه اوست دائم شاه وخيل اوهمه تفسير : ـ روى ـ ان موسى عليه السلام لما اتى طور سيناء انزل الله الظلمة على سبع فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه الهوام ونحى عنه الملكين وكشف له السماء فرأى الملائكة قياما فى الهواء ورأى العرش بارزا وكلمه الله وناجاه حتى اسمعه كلامه من غير واسطة وكيفية وصوت وحرف.

الطوسي

تفسير : [الاعراب والمعنى]: يحتمل نصب {ورسلاً} امرين: احدهما - على قول الفراء - انا اوحينا اليك كما اوحينا الى نوح، والى رسل قد قصصناهم عليك، ورسل لم نقصصهم عليك. فلما حذف الى نصب رسلا. وقال الزجاج: تقديره انه لما قال: {إنا أوحينا} كان معناه ارسلناك رسولا عطف على ذلك، فقال: ورسلا. وتقديره وارسلنا رسلا، فعطف الرسل على معنى الاسماء قبلها في الاعراب كما قال الشاعر: شعر : أوحيت بالخبز له ميسرا والبيض مطبوخاً معاً والسكرا لم يرضه ذلك حتى يشكرا تفسير : والوجه الثاني - أن يكون نصباً بفعل يفسره ما بعده، ويتلوه، وهو اختيار الزجاج. وتقديره وقصصنا عليك رسلا قد قصصناهم عليك، كما قال: {والظالمين أعد لهم} والتقدير واعد للظالمين اعد لهم عذاباً اليما. وقرأ ابي ورسل - بالرفع - لما كان في الفعل عائد اليهم، وهو قوله: {وقد قصصناهم عليك} وقوله: {وكلم الله موسى تكليماً} نصب تكليما على المصدر وفائدة وكلم الله موسى بلا واسطة خصوصاً من بين سائر الانبياء كلمهم الله بواسطة الوحي وقيل: إنما قال ذلك، ليعلم، ان كلام الله من جنس هذا المعقول الذي يشقق من التكلم على خلاف ما يقول المبطلون. وقيل انما اتى بالمصدر تاكيداً. وقيل: انما أراد بذلك تعظيم كلامه، كانه قال: كلم الله موسى تكليما شريفا كما قال: {فغشيهم من اليمّ ما غشيهم} يريد بذلك تعظيم ما غشيهم من الاهوال فاما قول من قال: ان الله كلم موسى باللغات كلها التي لم يفهمها. فلما كان آخر شيء كلمه بكلام فهمه، فان ذلك لا يجوز عليه تعالى، لان خطاب من لا يفهم خطابه عبث يجري مجرى قبح خطاب العربي بالزنجية، والله (يتعالى عن ذلك) قال البلخي: وفي الآية دلالة على أن كلام الله محدث من حيث انه كلم موسى خاصة دون غيره من الانبياء، وكلمه في وقت دون وقت، ولو كان الكلام قديماً ومن صفات ذاته لم يكن في ذلك اختصاص ومن فصل بين الكليم والتكلم، فقد ابعد لان المتكلم لغيره لا يكون الا متكلما، وإن كان يجوز ان يكون متكلما وان لم يكن مكلما فالمتكلم يجمع الامرين.

اطفيش

تفسير : {وَرُسُلاً}: مفعول لمحذوف دل عليه، أوحينا أى وأرسلنا رسلا أو نبأنا رسلا، أو نصب على الاشتغال بما دل عليه قوله: {قَدْ قَصَصْنَاهُمْ}: أى وقد قصصنا رسلا قد قصصناهم. {عَلَيْكَ مِن قَبْلُ}: فى الآيات التى نزلت، وذكروا فيها كما فى سورة الأنعام قالت اليهود: ما لموسى لم يذكر مع من ذكر فى الآية المذكورة قبل هذه، فنزلت هذه الآية يقول فيها قد ذكرناه قبل، وذكره أيضا آخر هذه الآية. {وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ}: أى وأرسلنا رسلا لم نقصصهم عليك، أو نبأنا رسلا لم نقصصهم عليك، أو لم نقصص رسلا عليك لم نقصصهم عليك، فنصبه بمحذوف على غير الاشتعال، أو عليه كما مر فى الذى قبله، وعلى كل حال فمعطوف الواو فيهما هو ناصبهما المحذوف، واذا كان على غير الاشتغال فالجملتان بعد المنصوبين نعتان لهما، ومعنى قصصنا ذكرنا، ومن ذكره الله فى القرآن فهو أفضل ممن لم يذكره باسمه. {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً}: ألقى الله فى قلبه وسمعه كلاما سمعه من جميع جهاته الست، من غير أن يكون هناك لفظ ولا شفة ولا لسان، وذلك الكلام عرض خلقه الله لا من شىء ولا فى شىء، والله قادر على ذلك، ولو كان العرض فى الجملة لا يقوم بنفسه، وليس ذلك عندى بمستحيل فى قدرة الله، وما ذكرت من انه سمعه من جميع جهاته، ومذكور فى أثر، ويجوز أن يكون معنى تكليمه إلقاء معنى الكلام فى نفسه بلا سمع. قال الفراء: العرب تسمى كل ما يوصل الى الانسان كلاما بأى طريق وصل، وقيل: معناه أنه خلق له الكلام فى جسم من الأجسام، ونسب للقدرية ولا مانع منه، وزعم قومنا أن التوكيد اللفظى مما يفيد رفع المجاز، فبنوا على ذلك أن الله كلم موسى بلا واسطة، ولا خلق كلام فى شىء، لأن تكليما مصدر مؤكد لكلم وهو فى معناه ولفظه، وكذا معناه دون لفظه كقمت وقوفا، وذلك خطأ منهم فى صفة الله عز وجل، ولو صح فى نفسه بل التوكيد يأتى عند التحقيق بحسب ما أكده به من حقيقة أو مجاز بقرينة ظاهرة أو خفية حالية أو مقالية. فلو قيل: جاء أسد أسد وأريد الرجل الشجاع، ونصبت قرينة خفية ينفطن لها بعض الناس لجاز، ثم رأيت ما يقرب مما ذكرت فى كلام ابن هشام اذ قال: الظاهر أن التوكيد يبعد ارادة المجاز، ولا يرفعها بالكلية، لأن رفعها بالكلية ينافى الاتيان بالألفاظ متعددة، ولو صار بالأول نصا لم يؤكد ثانيا، ثم ان القائل لذلك فى الآية يرى أن كلام الله الحقيقى هو ما بألفاظ بلا واسطة، وغاب عنه أن حقيقة كلامه اما خلق الكلام من ناطق حاشاه، أو مجرد نفى الخرس أو وحيه، وأنه لا يجوز وصفه بالنطق واللفظ. وأعظم من ذلك ما زعموا عن كعب الأحبار: أنه لما كلم الله سبحانه موسى بجميع اللغات، وقال بعد كل لغة: يا رب لا أفهم، حتى كلمه بلغته آخرا ففهمها قال: يا رب هذا كلامك؟ قال: لو سمعت كلامى يعنى على وجهه بلا تسهيل لم تكن شيئا، فقال: يا رب هل فى خلقك شىء يشبه كلامك؟ قال: لا وأقرب خلقى شبها بكلامى أشد ما يسمع الناس من الصواعق، فهذا تشبيه لكلام الخلق بكلام الله جل وعلا، وتلويح بأن الله يخرج منه كلام يخرج من لسان المخلوق، وهذا يوجب الجسمية والتركيب والتحيز، وكل صفة عجز. فان صح ذلك عن كعب فانما أراد رحمه الله أنه لو أراد لخلق كلاما فى جسم، أو فى الهواء، قلنا: الهواء جسم أم لم نقل أعظم من الصواعق لفعل، ثم انه لا يسلم كما علمت أن المجاز لا يؤكد بالمصدر مثل أراد به المتكلم عن نفسه الغلط أو الخطأ يشير به الى السامع أنى لم أغلط ولم أخطىء ولو تكلفنا هذا فى الآية تعالى الله عنهما لكان المعنى: وكلم الله موسى حقا لكنه ليس كلاما يخرج منه كما يخرج من المخلوق تعالى الله عن الظرفية والتحيز.

اطفيش

تفسير : {وَرُسُلاً} منصوب معطوف على أوحينا محذوف، أى وأرسلنا رسلا، أى أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح، وفلان، وآتيناك مثل ما آتينا فلانا، وأرسلناك كما أرسلنا رسلا قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك، فما للكفرة من اليهود وغيرهم يسألونك مالم يعط هؤلاء {قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ} ذكرنا أخبارهم{مِن قَبْلُ} قبل هذا الوقت، أو قبل هذه السورة فى القرآن كسورة الأنعام فى مكة، قيل قصصناهم بالوحى فى غير القرآن، ثم قصصناهم فى القرآن {وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} جملة الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، وجملة الأنبياء، مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، ولفظ بعض أنه تعالى بعث ثمانمائة ألف نبى، أربعمائة ألف من بنى أسرائيل، وأربعمائة ألف من سائر الناس، وزعم بعض أن مقتضى هذا أن ثمانمائة ألف كلهم رسل {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً} مصدر مؤكد، والمصدر رافع للمجاز من عامله، وهو كلم، لا عن باقى الكلام، كالمسند إليه، أو الإسناد حتى لا يقبل حذف مضاف، أو تأويلا، فالكلام حقيقة، أى كلم ملك الله، أو خلق من خلقه كلاما حقيقا، أو خلق فى جسد موسى كله أَو بعضه، كلاما حقيقا، أو فى الهواء كذلك، أو حيث شاء، والقرينة أن الله لا يتصف بصفة الخلق تقول، قتل زيد عمراً قتلاً، فقتلا يفيد أن القتل حقيق لا ضرب وجيع، ولا يفيد أن القاتل لا بد زيد، لجواز أن يكون غلامه لقرينة تنصب كقرينة الآية، وهو أنه تعالى لا يتصف بصفة الخلق، ولو لم ينصب قرينة على أنه ضرب وجيع، وعلى ما ذكرت يحمل قول القرآن إن العرب تسمى ما وصل إلى الإنسان كلاما بأى طريقا وصل، ما لم يؤكد بالمصدر، وإن أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام، قلت: أى فلا يقال، أراد الحائط أن يسقط إرادة، فكذا هنا لما أكد كلم بتكليما علمنا أنه كلام حقيق إلا أنه لم يتصف به الله، بل غيره، فيقول الخصم فأين الخصوصية لموسى بالكلام إذا كان المعنى ما ذكرتم، فنقول: لم يقع خلق الكلام فى الهواء أو نحوه مما ذكر على طريق الوحى، إلا له، لكن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم أوتى ما أوتى موسى وزيادة، فتكلم ما خلق الله فيه الكلام تكلما؛ فلا يرد عليه أن التكلم بمعنى خلق الكلام مجاز، فليس كلم فى الآية بمعنى خلق الكلام بل بمعنى تكلم مخلوقه وهو الملك مثلا، لكن قد تأكدا المجاز فى قوله: شعر : بكى الخز من عوف وأنكر جلده وعجت عجيما من خدام المطارف تفسير : والمطارف نوع من الثياب، ويجاب بأن البيت من المجاز الملحق بالحقيقة لتناسى التشبيه، حتى إن طائفة من أهل البيان يعدون الاستعارة حقيقة لغوية، ولا شك أنها مبنية على التناهى التشبيه، وأما نحو المسند إليه فإنه يرفع التجوز عنه بنحو العين والنفس وكل، ونحو كلمة الله نفسه أو بذاته، ولا يقال هذا.

الالوسي

تفسير : {وَرُسُلاً} نصب بمضمر أي أرسلنا رسلاً؛ والقرينة عليه قوله سبحانه: {أية : أَوْحَيْنَا} تفسير : [النساء: 163] السابق لاستلزامه الإرسال، وهو معطوف عليه داخل معه في حكم التشبيه، وقيل: القرينة قوله تعالى: {قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ} لا أنه منصوب ـ بقصصنا ـ بحذف مضاف أي قصصنا أخبار رسل، ولا أنه منصوب بنزع الخافض أي كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل ـ كما قيل ـ لخلوه عما في الوجه الأول من تحقيق المماثلة بين شأنه صلى الله عليه وسلم وبين شؤون من يعترفون بنبوته من الأنبياء عليهم السلام في مطلق الإيحاء، ثم في إيتاء الكتاب، ثم في الإرسال، فإن قوله سبحانه: {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} تفسير : [النساء: 163] منتظم لمعنى {أية : ءاتَيْنَـٰكَ} تفسير : [طه: 99] و {أية : أَرْسَلْنَـٰكَ} تفسير : [البقرة: 119] حتماً فكأنه قيل: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى فلان وفلان، وآتيناك مثل ما آتينا فلاناً، وأرسلناك مثل ما أرسلنا الرسل الذي قصصناهم وغيرهم ولا تفاوت بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء والإرسال فما للكفرة يسألونك شيئاً لم يعطه أحد من هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام؟ ومعنى قصهم عليه عليه الصلاة والسلام حكاية أخبارهم له وتعريف شأنهم وأمورهم {مِن قَبْلُ} أي من قبل هذه السورة أو اليوم، قيل: قصهم عليه صلى الله عليه وسلم بمكة في سورة الأنعام [83ـ86] وغيرها، وقال بعضهم: قصهم سبحانه عليه عليه الصلاة والسلام بالوحي في غير القرآن ثم قصهم عليهم بعد في القرآن. {وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} أي من قبل فلا تنافي الآية ما ورد في الخبر من أن الرسل ثلثمائة وثلاثة عشر، والأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وعن كعب أنهم ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً لأن نفي قصهم من قبل لا يستلزم نفي قصهم مطلقاً، فإن نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، فيمكن أن يكون قصهم عليه صلى الله عليه وسلم بعد فعلمهم، فأخبر بما أخبر على أن القبلية تفهم من الكلام ولو لم تكن في القابل لأن {لَمْ} في المشهور إذا دخلت على المضارع تقلب معناه للمضي على أن القص ذكر الأخبار، ولا يلزم من نفي ذكر أخبارهم له صلى الله عليه وسلم نفي ذكر عددهم مجرداً من ذكر الأخبار والقصص، فيمكن أن يقال: لم يذكر سبحانه له صلى الله عليه وسلم أخبارهم أصلاً لكن ذكر جل شأنه له عليه الصلاة والسلام أنهم كذا رجلاً فاندفع ما توهمه بعض المعاصرين من أن الآية نص في عدم علمه وحاشاه عليه الصلاة والسلام / عدة المرسلين عليهم الصلاة والسلام فيأخذ بها ويرد الحديث وكأن الذي أوقعه في الوهم كلام بعض المحققين والأولى أن لا يقتصر على عدد الآية، فأخطأ في الفهم ومات في ربقة التقليد نسأل الله تعالى العافية. {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ} برفع الجلالة ونصب موسى، وعن إبراهيم ويحيـى بن وثاب أنهما قرآ على القلب. {تَكْلِيماً} مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز على ما ذكره غير واحد، ونظر فيه الشهاب بأنه مؤكد للفعل فيرفع المجاز عنه، وأما رفعه المجاز عن الإسناد بأن يكون المكلم رسله من الملائكة، كما يقال: قال الخليفة كذا إذا قاله وزيره فلا، مع أنه أكد الفعل، والمراد به معنى مجازي كقول هند بنت النعمان في زوجها روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان:شعر : بكى الخز من روح وأنكر جلده وعجت عجيجاً من جذام المطارف تفسير : فأكدت «عجت» مع أنه مجاز لأن الثياب لا تعج، وما نقل عن الفراء من أن العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإذا أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام لا يفي بالمقصود إذ نهاية ما فيه رفع المجاز عن الفعل في هذه المادة، ولا تعرض له لرفع المجاز عن الإسناد فللخصم أن يقول: التكليم حقيقة إلا أن إسناده إلى الله تعالى مجاز ولا تقوم الآية حجة عليه إلا بنفي ذلك الاحتمال، نعم إنها ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة والجملة إما معطوفة على قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } تفسير : [النساء: 163] عطف القصة على القصة لا على ـ {أية : ءاتَيْنَا }تفسير : ـ [النساء: 163] وما عطف عليه، وإما حال بتقدير قد كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات، والمعنى أن التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي وأعلاها، وقد خص به من بين الأنبياء الذين اعترفتم بنبوتهم موسى عليه السلام ولم يقدح ذلك فيهم أصلاً فكيف يتوهم أن نزول التوراة عليه جملة قادح في نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلاً مع ظهور حكمة ذلك. هذا وقد تقدم لك كيفية سماع موسى عليه السلام لكلام الله عز وجل، وقد وقع التكليم أيضاً لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء مع زيادة رفعة، بل ما من معجزة لنبـي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم مثلها مع زيادة شرف له شرفه الله تعالى، بل ما من ذرة نور شعت في العالمين إلا تصدقت بها شمس ذاته صلى الله عليه وسلم، ولله سبحانه در البوصيري حيث يقول:شعر : وكل آي أتى الرسل الكرام بها فإنما اتصلت من نوره بهم تفسير : فصلى الله تعالى عليه وسلم تسليماً كثيراً.

د. أسعد حومد

تفسير : {قَصَصْنَاهُمْ} (164) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أوْحَى إلَى رُسُلٍ قَصَّهُمْ عَلَى نَبِيِّهِ فِي الآيَاتِ السَّابِقَاتِ، وَذَكَرَ لَهُ أسْمَاءَهُمْ، وَإنَّهُ أوْحَى أيْضاً إلى رُسُلٍ لَمْ يَقْصُصْهُمْ عَلَيهِ، وَلَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُمْ فِي القُرْآنِ. وَفِي حَدِيثٍ يرويه أبو ذر: "حديث : إنَّ عَدَدَ الأنْبِيَاءِ مِئَةٌ وَأرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ألْفاً وَإنَّ عَدَدَ الرُّسُلِ مِنْهُمْ ثَلاَثُمِئَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ"تفسير : . وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ شَرَّفَ مُوسَى بِأنْ كَلَّمَهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، بِدُونِ وَاسِطَةٍ (وَالوَحْيُ لِلرُّسُلِ يُسَمَّى تَكْلِيماً).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والرسل الذين ذكرهم الله في الآية السابقة ليسوا كل الرسل الذين يجب الإيمان بهم تفصيلا فحسب، فكما علمونا في الأزهر الشريف يجب أن نؤمن بخمسة وعشرين رسولا وقد نظمهم بعض الشعراء في قوله: شعر : في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو إدريس، هود، شعيب، صالح، وكذا ذو الكفل، آدم، بالمختار قد ختموا تفسير : وفي سورة الأنعام نجد قوله الحق: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 83-86] وفي هذه الآيات ثمانية عشر رسولاً، وبالإضافة إلى سبعة هم إدريس وهود وشعيب وصالح وذو الكفل وآدم ومحمد صلى الله عليه وسلم، هم إذن خمسة وعشرون رسولاً ذكرهم الله، لكن الآية التي تسبق الآية التي نحن بصددها لم يذكر الله كل أسماء الرسل. وذكر أسماء بعض الرسل في سورة الأنعام وبعضهم في سورة هود وبعضهم في سورة الشعراء. ويقول الحق: {أية : وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164] أي أن الخمسة والعشرين رسولاً ليسوا كل الرسل الذين أرسلهم الحق إلى الخلق، فقد قال: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24] أي أنه قد قص علينا أعلام الرسل الذين كانت أممهم لها كثافة أو حيّز واسع أو لرسلهم معهم عمل كثيف، ولكن هناك بعض الرسل أرسلهم سبحانه إلى مائة ألف أو يزيدون مثل يونس عليه السلام: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147] وكان العالم قديماً في انعزالية. ولم يكن يملك من وسائل الالقتاء ما يجعل الأمم تندمج. وكان لكل بيئة داءاتها، ولكل بيئة طابع مميز في السلوك، ولذلك أرسل الله رسولاً إلى كل بيئة ليعالج هذه الداءات، ولا يذكر الداءات الأخرى حتى لا تنتقل من مجتمع إلى مجتمع آخر بالأسوة. وحين علم الحق بعلمه الأزلي أن خلقه بما أقدرهم هو سبحانه على الفكر والإنتاج والبحث في أسرار الكون سيبتكرون وسائل الالتقاء؛ ليصير العالم وحدة واحدة، وأن الشيء يحدث في الشرق فيعلمه الغرب في اللحظة نفسها، وأن الداءات ستصبح في العالم كله داءات واحدة؛ لذلك كان ولابد أن يوجد الرسول الذي يعالج الداءات المجتمعة، فكان صلى الله عليه وسلم الرسول الخاتم والرسول الجامع والرسول المانع. {أية : وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164] ويتكلم الحق سبحانه عن تاريخ النبوات مع قومهم بكلمة "قصصنا" ولذلك حكمة، فالقصص معناه أنه لا عمل في الأحداث للرسول، بل تأتي الأحداث في السياق كما وقعت. وسبحانه يعلم أزلاً أن خلقه سيبتكرون فناً اسمه "فن القصص". ومن العجيب أنهم يسمونه فن القصص، وينسج المؤلفون حكايات خيالية أو حكايات ليس لها واقع. وعندما يأتون إلى التاريخ الواقع يزيد المؤلف جزءا من الأحداث أو يضيف من خياله أشياء، ويقولون هذه متطلبات إتقان فن القصص، ويحرمون أنفسهم من أمانة النقل. ولذلك يأتي الحق ليوضح لنا أن القص الخاص بالرسل وبغيرهم في القرآن قصص واقعي، حقيقي، حدث فعلاً. وكلمة "القصص" مأخوذة من قص الأثر أي أن نسير مع القدم كما تَذهب، فلا نذهب هنا ولا نذهب هناك. وحكايات الأنبياء في القرآن واقعية. ومن رواية الحق لا من رواية الخلق، وثمة فارق بين ما يرويه الحق لخلقه ليسيروا على المنهج. وما يرويه الخلق بعضهم لبعض للتسلية أو غير ذلك. ونجد روايات الخلق تزدحم في بعض الأحيان بخيال البشر، مثل روايات جورجي زيدان عن الإسلام والأنبياء، وعندما سألوه لماذا أضاف من عنده إلى الواقع، أجاب الإجابة التقليدية: فعلت ذلك من أجل الحبكة القصصية. ويجب أن نميز ونفرق بين روايات الخلق وقصص الحق ونضعه في بؤرة الشعور حتى لا يُدخل أحد من خياله على قصص القرآن ما ليس فيه، وحتى لا يأتي واحد ذات يوم ويقول: إن كل القصص واحد. فنحن في القرآن لسنا أمام مؤلف، بل أمام الخالق الأعلى الذي يروي لنا ما يعلمنا. وسبحانه علم أزلاً ما سيدور في كونه، لذلك قال: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} تفسير : [يوسف: 3] وسبحانه قد قص على الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن أحسن القصص؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيعالج أجناس العالم التي توزعت على جميع الرسل من إخوانه، ومادام عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون مع كل الأجناس البشرية الذين تفرقوا من قبل على الرسل من إخوانه، فلا بد أن يوضح سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده: أنّه حدث مع الرسول فلان كذا، وكان مبعوثاً إلى قوم كان موقفهم منه كذا، وكانت داءات ذلك المجتمع هي كذا وكذا. ومحمد صلى الله عليه وسلم - كما نعلم - موْكولٌ إليه علاج كل أجناس البشر وكذلك أمته من بعده، ولابد أن يعرفوا أخبار كُلِّ المجتمعات والرسل: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ}. إذن فكلمة "قصص" تدل على أنها حكايات لحركة العقيدة التي كانت مع كل الرسل. والتاريخ - كما نعلم - هو ربط الأحداث بأزمانها، فمرة نجعل الحدث هو المؤرَّخ له، ثم نأتي بأشخاص كثيرين يدورون حول الحدث. ومرة نجعل الشخص هو الأصل والأحداث تدور حوله، فإذا قلنا كلمة "سيرة" فنعني أننا جعلنا الشخص هو محور الكلام؛ ثم تدور الأحداث حوله. وإن أرخنا للحدث، نجعل الحدث هو الأصل، والأشخاص تدور حوله. مثال ذلك: عندما نأتي لنتكلم عن حدث الهجرة؛ نجعل هذا الحدث هو المحور، ونروي كيف هاجر رسول الله ومعه أبو بكر/ وكيف هاجر عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة، وبذلك تكون الهجرة هي المحور وكيف دار الأشخاص حول هذا الحدث الجليل. ومثال آخر: عندما نروي سيرة من السير، مثل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نجعل النبي صلى الله عليه وسلم محور الحديث والتاريخ، ونروي كيف دارت الأحداث في حياته. إذن فأخبار وقصص الرسل تكون هي المحور ونلتقط الأحداث التي مرت عليهم؛ لأن الرسالات حين تأتي الناسَ بمنهج السماء؛ تنقسم إلى قسمين: قسم نظري يريد الحق أن يعلمه لخلقه بواسطة الرسول، وهو القسم العلمي، فتلك قضايا يجب أن يعلموها. وقسم عملي؛ لأن الحق يريد من خلقه أن يعلموا ويريد منهم - أيضا - بعد أن يعلموا أن يطوعوا حركة حياتهم على ضوء ما عملوا. فليست المسألة رفاهية علم، ولكنها مسئولية تطبيق ما علموا في محور "افعل" و"لا تفعل". ولو كانت المسألة أن يعلم الخلق فقط، لكان من الممكن أن نقول: ما أيسرها من رحلة. لقد وجدنا كفار قريش عندما طلب الرسول منهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، قاوموا ذلك. ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تقال لقالوها. لكنهم عرفوا مطلوب الكلمة، وعرفوا أنه لن توجد سيادة ولا عبودية ولا أوامر لأحد غير الله، ومعنى ذلك المساواة المطلقة بين العباد. إذن فكل تكليف من السماء إنما نزل، والقصد من العلم به هو العمل به أي توظيف العلم تطبيقاً، فلا قيمة لعلم دون عمل. وعندما يبلغ الرسول القوم: هذا هو الحكم، ومطلوب من كل واحد منهم أن يطوِّع حركة حياته على ضوء هذا الحكم. وتجيء الأحكام دائماً في طاقة البشر. وهناك أناس قد علموا وعملوا وهذه هي قصصهم، هذه قصة فلان وقصة فلان. فالقصص يعطينا الجانب العملي المطلوب للمنهج، ولذلك قصَّ لنا الحق قصص الرسل في القرآن. ويبلغنا الحق بالنسب الإيماني، ويعلمنا النسب المعترف به عند الأنبياء، فيحكي قصة نوح عليه السلام، عندما أوْحى إليه بضرورة أن يصنع السفينة، وسَخِر قومُه منه، وبعد أن صنعها جاء الأمر الإلهي بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين. ويقول الحق: {أية : وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ * حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} تفسير : [هود: 38-40] قوله الحق {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} كان يجب ألا تمر على فطنة نوح؛ ذلك لأنها تتضمن أن هناك أناساً من أهله لن يؤمنوا، فيقول لابنه: {أية : وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [هود: 42] وكان الرد: {أية : قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ} تفسير : [هود: 43] فقال نوح: {أية : قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} تفسير : [هود: 43] وبعد أن غرق ابن نوح وابتلعت الأرض ماءها، نادى نوح ربه فقال: {أية : رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [هود: 45] نحن - إذن - أمام لقطة قصصية في قصة نوح. يلفتنا بها الحق إلى مسألة بنوة الرسالات، فالبنوة هنا منهجية. ومن يتبع النبي هو الذي يكون من نسبه. ومن لا يتبع النبي فليس من نسبة، لذلك قال الحق: {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}. فأهل النبوة هم الذين اتبعوا منهج النبي. ويشرحها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال عن سلمان الفارسي: (حديث : سلمان منا أهل البيت )تفسير : . ولم يقل: إن سلمان عربي، أو إنّه من المسلمين، لكنه قال: إنه من أهل البيت. وقد أوضح الحق ذلك في قصة ابن نوح: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. وخاض في معنى {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} بعض الخائضين باللغو وقالوا: إن أم ابن نوح قد فعلت السوء، ولهؤلاء نقول: استغفروا ربكم وانظروا إلى حيثية الحكم: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} تفسير : [هود: 46] إذن فنسبة الأبناء للآباء من الأنبياء نسبة عمل لا نسبة دم ولا نسبة عن زواج أو إنجاب، أما الذين قالوا السوء في امرأة نوح فعليهم أن يستغفروا الله، فالحق سبحانه منزه عن التدليس على رسوله. وهب أن أم الولد قد فعلت ذلك - معاذ الله - فما ذنب الولد تصير أمه إلى هذا؟ لا دخل للولد بذلك، لكن قول الله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} يدل على أن ثبوت النبوة الإيمانية يكون بالعمل فقط. ولننظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله وعشيرته.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: حديث : لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بطون قريش بطنا بطنا: يا بني فلان أنقذوا أنفسكم من النار حتى انتهى إلى فاطمة فقال: يا فاطمة ابنة محمد انقذي نفسك من النار لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحماً سأبلها بِبِلالها ). تفسير : ويضرب الله المثل في الزوجات؛ فيقول: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ} تفسير : [التحريم: 10] وليس المقصود بالخيانة هنا الخيانة الجنسية؛ لكن لنستدل على أن الرسول وإن كان رسولاً ليس له من القدرة على أن يقهر زوجه وامرأته على عقيدة؛ فهي تملك حرية الاعتقاد؛ فلا ولاية هنا للرجل على المرأة في العقيدة حتى إن ادعى الألوهية؛ كفرعون مثلاً يقول الحق عن امرأته: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [التحريم: 11] هذه اللقطات تدلنا على أن قضية الإيمان لا ينفع فيها النسب أو الزواج. فالابن هو العمل الصالح، والحيثية في ذلك قول الحق عن ابن نوح: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} فلم يذكر ذات الابن ولكنه ذكر العمل. ولكل نبي قصة يذكرها الحق ليتضح المنهج في أذهان الناس. ويأتي الله بالمثل في المصطفَيْنَ الأخيار الذين اصطفاهم الله لهداية الناس مثل قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام. الذي يبتليه - سبحانه - في أول حياته بالإحراق في النار. كان إبراهيم شاباً يمتلئ بالأمل في الحياة، فماذا كان من إبراهيم؟ أراد الحق نجاة إبراهيم من النار. وتركهم يتمكنون منه ويضعونه في قلب النار. ولم تمطر السماء لتطفئ النار، وكل ذلك لتكون حجة الحق واضحة، وحتى يكون كيد الله كاملاً لهؤلاء الكافرين. إن إبراهيم عليه السلام لم يهرب منهم، ولم تمطر السماء، بل ظلت النار ناراً ويعطل سبحانه ناموس النار حين دخول إبراهيم إليها. (حديث : روي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم حين قيدوه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. قال: ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع فاستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. فقال جبريل فاسأل ربك. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ). تفسير : وفي هذا غيظ ودحض لمكر الذين مكروا بإبراهيم. إذن يعطينا الحق في القصص القرآني المثل لنجمع من حياة كل رسول العبر ونستفيد منها، لنكون بحق خير أمة أخرجت للناس؛ لأننا أخذنا تجارب كل رسول وجعلناها منهجاً لنا في حياتنا. وقد ابتلى الحق إبراهيم في أول حياته في نفسه، وابتلاه في أخريات حياته في ابنه، ونجح إبراهيم في الابتلاء الأول حين كانت حياته أهم بالنسبة إليه من كل شيء، وحين يتقدم في السن، فمن المفروض أن تكون كل حياته لمن بعده من الأبناء فيبتليه الله في ابنه. لم يقل له: إن ابنك سيموت وعليك بالصبر. ولم يقل له: إن واحداً سيقتل ابنك وعليك بالصبر؛ بل يأمره بذبح ابنه، تلك قمة الابتلاء. لأنه لم يأت بوحي مباشر كالنفث في القلب أو الكلام من وراء حجاب أو يرسل له الله ملكا يبلغه ما يريد، بل برؤيا منامية: {قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}. ويقول إبراهيم لابنه المسألة كما رآها في المنام. والرؤيا عند الأنبياء حق. وقد يقول قائل: ولماذا لم يرد إسماعيل على أبيه بأن هذه المسألة هي مجرد رؤيا؟ ولماذا لم يأخذ إبراهيم ولده على غرة دون أن يقول له؟. ونقول: إن إبراهيم من فرط وشدة حنانه وحبه لابنه آثر أن ينال الابن الثواب العظيم والجزاء الجليل بأن يقتل ويقدم حياته امتثالا لأمر الله، فقال إبراهيم: {أية : يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} تفسير : [الصافات: 102] وها هوذا قول إسماعيل: {أية : قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102] ولم يقل إسماعيل لأبيه: "افعل الذبح" ولكنه قال: {ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} أي أن إسماعيل لم يأخذ الكلام على أنه كلام من أبيه، بل أخذه كأمر من الله. ولو أخذه أبوه على غرة قد يتحرك قلب الابن غيظاً على أبيه وحقداً عليه فيعتدي على الأب، وهنا نجد حنان الأب على الابن جعله يخبره بالأمر الآتي من السماء؛ والشأن في حنان الأب على الابن أن ييسر له كل أمور حياته. أما حنان الحنان فهو تيسير كل خير بعد مماته؛ لذلك لم يشأ إبراهيم أن يحرم إسماعيل من الامتثال لأمر الله؛ فينال الاثنان معاً شرف الامتثال لله. وأعطاه كل الحنان في الزمان الأبقى والزمان الأخلد في الدار الآخرة؛ حتى نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يريد منا إلا الامتثال لقضائه وقدره، ويقول الحق: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} تفسير : [الصافات: 103] هذا شرف الامتثال في التسليم لله.. ففي البداية أسلم إبراهيم أمره لله، وعندما عرض الأمر على ابنه سلم الابن أمره لله، فنال الاثنان منزلة الشرف في التسليم لأمر الله. ونجح الاثنان في الاختبار، فقال الحق: {أية : وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الصافات: 104-105] لقد أنقذ الحق إبراهيم وابنه من مسألة الذبح، ولهذا نقول دائماً: لا يُرفع قضاء من الله على خلقه إلا أن يستسلم الخلق للقضاء، والذين يطيلون أمد القضاء على نفوسهم هم الذين لا يرضون به. وأتحدى أي إنسان أن يكون الله قد أجرى عليه قضاء مرض فيرضى به ويعتبر أن ذلك صحة اليقين، ولا يرفع الله عنه المرض. فالإنسان بالصحة يكون مع نعمة الله، ولكنه بالمرض يكون مع الله. فقد حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا بن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يارب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده!! أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ ). تفسير : من إذن يجرؤ على الزهد في معية الله؟ وعندما يعرف المريض أنه في مرضه الذي يتأوه منه هو في معية الله لاستحى أن يقول: "آه"، ولكننا لا نطلب من المريض ألا يقول "آه"، ولكن نطلب منه أن يتوجه إلى الله ويقول: "ولكن عافيتك أوسع لي". وقول الحق: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} هذا القول يدلنا على أن القضاء لا يُرفع إلا بالرضا به، فإن رأينا واحداً قد استمر معه القضاء فلنعلم أنه لم تحن ولن تأت عليه لحظة لرضي فيها بالقضاء. ولم يرفع الله القضاء فقط عن إبراهيم، ولم يُفْد إسماعيل فقط بذبح عظيم، بل بشر الله إبراهيم بولد آخر اسمه إسحاق: {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الصافات: 112] وها هي ذي لقطة أخرى نأخذها من القصص القرآني مع سيدنا موسى؛ لنتبين ماذا يصنع المنهج الإيماني فيمن اقتنع به، وحدثت هذه القصة في وقت تهيئة سيدنا موسى للرسالة، حدثت هذه الواقعة وهو ذاهب إلى شعيب، ولم يكن رسولاً بعد، مما يدل على أن فطرية الإيمان كانت موجودة عنده، وأن الله قد صنعه على عينه، لقد ورد ماء مدين ووجد الفتاتين تذودان وتطردان الماشية عن الماء، فماذا دار بينه وبينهما من حوار؟. وكيف كانت رؤيته لهما أولاً: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} تفسير : [القصص: 23] وفي قول المرأتين: {لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} قدر من المبادئ فخروجهما من البيت سببه أن الأب شيخ كبير، ومع أنهما في ضرورة وخرجتا للعمل فلم تنس واحدة منهما أنها أنثى يجب أن تُحترم أنوثتها فقالتا: {لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ} أي أنهما ستسقيان من بعد أن يذهب الزحام من الرجال حول البئر. إذن فقد أخذت بنتا شعيب الضرورة في حجمها ولم تتخذ إحداهما من الضرورة حجة لإهدار الأنوثة والتزاحم للوصول إلى البئر. فماذا حدث من موسى؟. {فَسَقَىٰ لَهُمَا}. تلك الهمة الإيمانية التي وُجدت في موسى قبل أن يصير رسولاً، وذلك ما يوضحه لنا الحق حتى لا يقول إنسان: كيف أكون مثل رسول من عند الله؟. كأن الهمة الإيمانية التي وصَفتها تلك اللقطة القصصية توقظ مسئولية كل مؤمن ليسلك مثل هذه السلوك. فعندما يرى امرأةً قد خرجت عن محيط بيتها لأي عمل، فعليه أن يقضي لها حاجتها حتى ترجع إلى بيتها وذلك دون أن يتخذ من ذلك ذريعة ووسيلة إلى أمر ينزل بهمته وينال من مروءته. ولو انتشرت بيننا تلك الهمة الإيمانية لما وجدنا امرأة في الطريق إلا للضرورة. لقد أوضحت لنا تلك اللقطة القصصية حرص المرأة على موضعها وموقعها من الستر، فتقول واحدة من المرأتين لأبيها شعيب بعد أن استقدمه ليجزيه أجر ما سقى لهما: {أية : يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} تفسير : [القصص: 26] كأن المرأة لا يحل لها أن تتحرك في الكون هذا اللون من الحركة الواسعة، ويسمع شعيب وهو الرجل العاقل لابنته فكيف يستأجر رجلاً وعنده ابنتان، فيفكر شعيب ويعثر على الحل الصحيح بفطنة إيمانية، فيستدعي موسى ويقول له: {أية : قَالَ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} تفسير : [القصص: 27] وفي مثل هذه الحالة سيكون موسى متزوجاً بواحدة ومُحَرَّماً على الأخرى. وهذه اللقطات القصصية نلتفت إليها لنتعلم منها الفطنة الإيمانية. وها نحن أولاء مع موسى وقد ناداه الحق ليجعله رسولاً، ولنر صفاء النفس الإيمانية وهي تتلقى مهمة الرسالة؛ إن موسى يرغب في أن يكون أداؤه للرسالة كاملاً؛ لذلك يطلب من الحق أن يرسل معه أخاه هارون: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} تفسير : [القصص: 34] هو يرشح معه هارون للرسالة لأنه حريص على النجاح في دعوته لأن لسانه ثقيل لرتَّة ولُثغة وتردد في النطق من أثر الجمرة التي أصاب بها لسانَه وهو صغيير، والرسالة تحتاج إلى بيان وبلاغة فيطلب مساعدة أخيه ولم يستنكف ذلك. فما بالنا بما هو حادث وحاصل في أيامنا، حين يختار الحاكم رئيساً للوزراء فلا يطلب معاونة الأكْفَاء، بل قد يخشى أن يكون له نائب له كفاية عالية فوق كفاءته. واللقطات القصصية في القرآن تعلمنا الكثير، وأراد الحق أن يثبت بها للأمة المحمدية دقة المنهج الإيماني، فمادام قد أرسل لنا منهجاً لنعلمه، فهو يطلب منا أن نطبق هذا المنهج ونوظفه في حياتنا. وليس ذلك بدعا، بل هو موجود في قصص الرسل الذين عَلِموا المنهج فطبقوه في ذواتهم أولاً؛ لأن الآفة أن نعلم العلم ولا نطبقه. وفي زماننا يقال ويشاع: إن التعليم الديني في المدارس لا يأتي بثمار طيبة في سلوك الطلاب. ونقول لمن يرددون ذلك: أنتم لا تفهمون طبيعة التعليم الديني؛ فتعليم الدين لا يمكن أن يتساوى مع تعليم الجغرافيا أو الهندسة وغيرهما من العلوم؛ لأننا عندما نعلم طالباً الهندسة فهو يستطيع أن يكون عالماً متفوقاً فيها ويأخذ المعطيات والنظريات ويتفوق في المجال الهندسي، ولكن لم تطلب منه أية نظرية هندسية أن يعدل سلوكه في الحياة بأن ترشده في السلوك اليومي: افعل كذا ولا تفعل كذا. فالنظريات الهندسية لا تتدخل في حياة الطلاب، لكن الطالب عندما يتعلم الدين إنما يتعلم أن يفعل الأمر الديني، ولا يفعل الأشياء المنهي عنها. والصعب في التعليم الديني هو التطبيق العملي. عندما لا يرى التلميذ التطبيق العملي من الذين يعلمونه الدين أو من الأسرة، فإنه لا يتعلم الدين، فيقال للطالب: الدين ينهى عن الكذب، لكن الطالب يجد الكذب سلعة رائجة في المجتمع. ويقول الدين له: الصلاة عماد الدين وتنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يجد الطالب من يصلي أمامه أو يجد من يصلي ولا يقيم عمارة الدين باتباع ما تأمر به الصلاة من نهي عن المنكر، إذن ففشل التعليم الديني لا يأتي من ناحية غياب المعلم ولكن من عدم وجود التطبيق العملي للسلوك الديني. ونعود للقص القرآني. جاء القصص ليوضح لنا التطبيق للجانب النظري من الدين، وطبَّقهُ الرسل على أنفسهم. وأنتم يا أمة الإسلام لستم أقل من أحد، بل أنتم خير أمة أخرجت للناس، وعليكم أن تأخذوا الخير الذي حدث في موكب الرسالات كلها وتطبقوه في ذواتكم. هذا هو معنى قوله الحق: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ}. وقد جاء لنا القرآن بعيون القصص حتى نأخذ منها لقطات العبرة. ويقول قائل: ومن هو الرسول؟ يقول العلماء: هناك رسول وهناك نبي. وأقام بعضهم مشكلة حول هذا الأمر، فقال بعضهم: كل رسول نبي ولا عكس. ونقول لأصحاب هذا الرأي: لو نظرنا إلى المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لأرحنا أنفسنا جميعاً، فالقرآن يقول: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} تفسير : [الحج: 52] إذن فالنبي أيضاً مرسل من الله، وعلى ذلك فكلاهما - النبي والرسول - مرسل من عند الله، لكنْ يوجد فرق بين أن يرسل الحق تشريعاً مع رسول، ويكون هذا التشريع مستوعباً لأشياء وأحكام لم تكن موجودة في الرسالة السابقة عليه، وبين أن يأتي إنسان مصطفى من الله ليطبق فقط ما جاء في الرسالات السابقة، فالأنبياء قد أرسلهم الله ليكونوا نموذجاً تطبيقياً للشرع السابق عليهم ولم يَأتوا بشرع جديد، لكن الرسول هو من أرسله الله بشرع جديد ليعمل به وأمره الحق بتطبيقه. هذا هو الزائد في مهمة الرسول. إن الحق أرسل الرسل بالشرع والتبليغ والتطبيق، وأرسل الحق الأنبياء ليكونوا الأسوة السلوكية فيطبقوا ما أرسل به الرسل السابقون عليهم، وهذا أمر لا يأتي إلا في الأمم التي لها سجل في المكابرة مع الرسل. ولذلك نجد أن اللجاجة دفعت بني إسرائيل إلى التفاخر بأنهم أكثر الأمم أنبياء، صحيح أنهم أكثر الأمم أنبياء. لكن علينا أن نعرف أن النبوات والرسالات إنما تأتي لتشفي الناس مما بهم من داءات؛ فعندما نقول عن إنسان إنّه أكثر الناس تردداً على الأطباء، فمعنى ذلك أن أمراضه كثيرة، وكذلك بنو إسرائيل كانت داءاتهم كثيرة. وكثرة الرسل إليهم لا ترفع من منزلتهم. بل تدل على كثرة أمراضهم. إذن فالرسول والنبي كلاهما مرسل. والفارق أن الرسول معه تشريع سماوي ليبلغه ويطبقه، والنبي مرسل للتطبيق، فإن جئنا لمعنى الرسول اصطلاحياً؛ فهو الموحى إليه بشرع يعمل به وأمره الله بتبليغه. ويذيل الحق الآية: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}؟. ونقول: الوحي الذي يوحي الله به لأنبيائه هو الوحي الاصطلاحي الشرعي الذي نتكلم عنه دون الوحي اللغوي الذي سبق أن أفضنا فيه. والحق سبحانه وتعالى قد بين الطريقة التي يخاطب بها أنبياءه المصطفين لأداء رسالتهم إلى خلقه، فقال: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} تفسير : [الشورى: 51] إذن، فطريقة التقاء الحق بالأنبياء؛ إما أن تكون بالوحي، وإما أن تكون من وراء حجاب، وإما أن تكون بإرسال رسول كجبريل عليه السلام. فإذا ما نظرنا إلى الآية وجدنا أن الوحي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: وحي خاص، وكلام من وراء حجاب، وإرسال رسول، وكل هذه الأقسام الثلاثة تدخل في إطار الوحي {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً}. أي ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا إلهاماً وقذفا في القلب، أو يكلمهُ {مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} وهو كلام من الله يسمعه الرسول، لكنه لا يرى المتكلم وهو الله. أما الوحي بواسطة الرسول، فهو نزول جبريل إلى الرسول بما أوحى به الله. فإذا ما نظرنا إلى قوله الحق: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} فكأنه سبحانه قد خصه بهذه العبارة ليدل على أنه أوحى لموسى بطريقتين، أولاً: بالطريق الذي أوحى به إلى غيره من الأنبياء، ثانياً: بالطريق الخاص وهو كلام الله الذي بدأ به موسى بالوادي المقدس. وقوله الحق: "تكليماً" يدفعنا إلى التساؤل: لماذا جاء الحق بالمصدر هنا؟. لأن مطلق الوحي بأي وسيلة سماه الله كلاماً. إذن فالنفخ في الرُّوع كلام، والكلام من وراء حجاب كلام، وإرسال الرسول بالوحي كلام. والكلام هو ما يدل على مراد المتكلم من المخاطب، بدليل أن الله سمى الوحي في صوره الثلاث كلاماً {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ}. والخفاء في الوحي إما أن يكون خفاء في الأسلوب، أي لا يسمعه أحد غير الرسول، وقد لا يسمعه الرسول ويكون بقذف الكلام في رُوع الرسول وقلبه وهو يؤدي مؤدي الكلام أي الدلالة على ما في نفس المتكلم الذي يريد نقله للمخاطب. أما أن يقول الحق: إنه "تكلم" مع موسى، فهذا نقل من الخفاء إلى العلن، أو يرسل الحق رسولاً بالكلام الموحى به. وحين قال سبحانه: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} إنما ينبهنا إلى أن الوحي لموسى ليس من الكلام الذي قسمه الحق في قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً}؛ لأن الله قال في كلامه لموسى: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}. ووقف العلماء هنا وقفة عقلية وقالوا: كيف يتكلم الله إذن؟. ونقول: إن كل وصف لله ويوجد مثله لخلقه إنما نأخذه بالنسبة لله في إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فإن قلت: إن لله وجوداً وللإنسان وجوداً، فوجود الإنسان ليس كوجود الله، وإن قلنا: إن لله علماً، وللإنسان علماً، فعلم الإنسان ليس كعلم الله، وإن قلنا: إن لله قدرة، وللإنسان قدرة، فقدرة الإنسان ليست كقدرة الله، وإن قلنا: إن لله استواء على العرش وللإنسان استواء على الكرسي، فاستواء الله ليس كاستواء الإنسان. إذن فلا بد أن تؤخذ كل صفة من صفات الله التي يوجد مثلها في البشر في إطار قوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] وبذلك ينتهي الخلاف كله في كل ما يتعلق بصفات الحق. فالحق له يدان وله وجه، ولكن لا يمكن للإنسان أن يصور يد الله كيد البشر، بل نأخذها في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وكذلك وجه الله. ومادمنا نأخذ صفات الله في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فلا داعي للمعركة الطاحنة بين العلماء في الصفات وفي تأويل الصفات، ولا داعي أن ينقسم العلماء إلى عالم يؤوّل الصفات وعالم لا يؤول؛ لاداعي أن يقول عالم: إن يد الله هي قدرته فيؤول، وعالم آخر لا يؤول ويقول: لا. إن لله يداً ويسكت. ونقول للعالم الذي لا يؤول: قل: إن لله يداً وهي تناسب قوله" {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. وإذا كنا نحن قد عرفنا في عالمنا أن الأشياء تختلف مواجيدها في الناس باختلاف الناس، فلا بد من أن نعرف أن الله لا مثيل له. وعلى سبيل المثال: يتلقى الإنسان دعوة لمائدة عمدة قرية ما، فيقدم له ألوان طعام تناسب مقام القرية ومنصب القيادة فيها، ويتلقى الإنسان دعوة لمائدة محافظ مدينة فيقدم له طعاماً يناسب مقام المدينة ومنصب القيادة فيها. ويتلقى الإنسان دعوة رئيس الدولة فيقدم له طعاماً يناسب مقام الدولة وهيبة منصب القيادة فيها، إذن لا تتساوى مائدة طعام العمدة في قرية مع مائدة طعام المحافظ مع مائدة طعام رئيس الدولة، فإذا كان البشر يوجد الشيء الواحد وهو ملون بألوان مقامات المخلوقين فكيف لنا بمقامات الخالق؟! {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. فإذا كان الحق قد أخبرنا أنه كلم موسى تكليماً في قصة الوادي عندما آنس موسى ناراً وذهب إلى النار. فقال الحق: {أية : إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ * إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ * إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ * فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ} تفسير : [طه: 12-16] قال له الحق كل ذلك، وبدأه سبحانه بالكلام. وبعد ذلك جاء لموسى الوحي على طريقة مجيء الوحي للأنبياء. والحق سبحانه وتعالى أوحى لنبيه صلى الله عليه وسلم على شتى ألوان الوحي. فقد جاء الوحي لرسول الله إلهاماً، وجاء الوحي لرسول الله من وراء حجاب، وجاء الوحي لرسول الله من خلال رسول. ومثال الوحي إلهاماً هو الحديث القدسي، وكذلك التشريع النبوي الذي تركه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم، ومثال الوحي من وراء حجاب هو التكليف بالصلاة، فلم تفرض الصلاة بواسطة جبريل، بل فرضت من الله مباشرة. ولا أدخل في نقاش لا جدوى منه حول: أحين فرض الحق على رسوله الصلاة كلمه وسمع منه رسول الله، أم أن رسول الله قد رأى الله وهو يتكلم معه. لا داعي للخوض في أمر لم يخبرنا الله عن كيفيته، والأدب مع الله يقتضي ذلك. قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. وإن القرآن لم يثبت بأية طريقة من طرق الوحي إلا بإرسال رسول، فكل وحي القرآن جاء بواسطة جبريل، فلم تأت آية بالنفخ في الرُّوع. إنما جاء بالنفخ في الروع الحديث القدسي؛ لأن النفخ في الروع قد يتصور واحد أنه خاطر من الجن أو أمثال ذلك. وجاءت كل الآيات القرآنية بواسطة جبريل؛ بمقدمات بدنية، ويحدث تغير كيماوي في نفس رسول الله فلا يشك أبداً في أنه جبريل. وأراد الحق أن يكون الوحي بالقرآن بطريقة لا شك فيها. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يسمع صوتاً كصلصلة الجرس؛ وبعد ذلك يتفصد جبين الرسول عرقاً، ويثقل جسم رسول الله حتى إن كان على دابة فهي تئط وتئن ويثقل عليها وتكاد أن يمس بطنُها الأرض. وإن كان رسول الله يلاصق فخذه فخذ أحد الصحابة، فيكاد أن يرض فخذ الصحابي، وتلك علامات مادية كونية، لا يمكن أن يحدث فيها لبس. ولقد قالوا من قبل استنادا إلى ظاهر قوله: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} تفسير : [طه: 134] لو لم يرسل الحق الرسول لكان لهم حجة. ونقول للعلماء: لنفهم هذه المسألة حتى نوضح لكم أنكم تختلفون في أمر كان يجب عليكم ألا تختلفوا فيه. أبالعقل يعلم الإنسان مطلوب الله منه؟ أم أن العقل يهديني إلى وجود قوة أعلى خلقت هذا الكون وتدبره؟. وما اسم هذه القوة؟. وما مطلوب هذه القوة؟. أيعرف العقل ثواب من يتبع المنهج وعقاب من يخرج عن المنهج؟. كل هذه أمور لا يعرفها العقل، فالعقل حجة في الإيمان بقوة عُليا فوق ذلك الكون وهي التي خلقته وتدبره وتديره، أما الرسول فهو مبلغ بمطلوبات المنهج واسم القوة التي أرسلت والشرائع التي يجب أن يسير على هداها الإنسان، إذن فليس هناك خلاف بين الرأيين. واسأل: من الذي اكتشف الكهرباء؟. إنه العقل البشري الباحث وراء أسرار الله في الكون، ولا أحد يجهل هذه المسألة. وكذلك أسأل: من أول من تكلم في النسبية؟ إنه أينشتين. وإن سألنا: من أول من تكلم في الجاذبية الأرضية؟. إسحاق نيوتن، وكل واحد اكتشف شيئاً في الكون صرنا نعرفه. والذي صمم توليد الكهرباء التي تنير وتضيء وندير بها المصانع، وجعل من سوق الكهرباء صناعة رائجة تعمل فيها القدرات المالية ليشتري الإنسان مصابيح تنير حيزاً محدوداً، ومصانع تعمل في خدمة الإنسان. أبالله عليكم تعرفون اسم مصمم مولدات الكهرباء ومصصم ومكتشف المصباح الكهربائي، ولا تدرون اسم من خلق الشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية كل نصف يوم. ولم يَدَّع أحد لنفسه صناعة الشمس، ولا يوجد ابتكار في الكون إلا ومعلوم مَن أبدع هذا الابتكار. فالذي صنع المصباح إنما ينير به حيزاً محدوداً مهما كبر ضوء المصباح، وبعد محيط دائري معلوم يتلاشى الضوء ويصير الأمر إلى ظلمة، فما بالنا بالشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية كل نصف نهار. إن خلق الشمس يحتاج إلى قدرة تناسب خلقها، وتحتاج إلى حكمة تناسبها، وليس لهذه الشمس محيط من الزجاج ينكسر ونغيره مثلما نفعل مع المصابيح. كان لابد للعقل البشري أن يفهم أن هذه الكائنات التي في الكون لها صانع يناسبها. ولا يمكن أن يكون صانعها من الخلق ويسكت عن حقه في صناعة هذه المعجزات، ونحن نرى بعضاً من الناس في بعض الأحيان تدعي ملكية ما ليس لها، فإذا ما جاء الخالق وأبلغنا بواسطة الرسل بصناعته للكون ولم يوجد له مُعارض، فهل هذه الأشياء والكائنات من خلقه أو لا؟. إنها من خلقه إلى أن يوجد له معارض؟ هذه هي مهمة العقل أي أنّه يهتدي إلى القوة التي تخلق وتدبر أمر هذا الكون ولا يغني العقل عن الرسل، ولكن العقل يؤمن في القمة الإيمانية بأن هناك قوة مبهمة عالية تناسب عظمة هذا الكون الذي طرأ عليه الإنسان، ولا يعرف اسم القوة ولا يعرف مطلوب القوة في "افعل"، و"لا تفعل"، ولا يعرف العقل ماذا ادخرت القوة من ثواب للمحسن وعقاب للمسيء. لذلك لابد من وجود رسول. إن الحجة - إذن - تكون من شقين: الشق الأول الخاص بالعقل هو في الإيمان بالقوة العليا المبهمة، والشق الثاني الخاص بالرسل هو الإيمان بالبلاغ عن الله اسما وصفة ومطلوباً وجزاء، وهكذا نرى فاتفقوا أيها العلماء ولا ضرورة للخلاف. أقول ذلك حتى لا يتمادى الذي يتصيدون لدين الله وأضيف: اتفقوا أيها العلماء على أشياء محددة لأنكم تشتتون الناس بهذه الخلافات؛ فالرسول هو الحجة في الأشياء التي لا دخل للعقل فيها. ونعرف تاريخياً أن آفة الفلسفة أنها تضع وتتخذ عدداً ضيقاً من المجالات لتبحث فيها، وكانت الفلسفة قديماً هي أمُّ العلوم مجتمعة، فالهندسة كانت فرعاً منها، وكذلك كل الرياضيات، وأيضاً المواد العلمية كالكيمياء والفيزياء وكذلك أصول اللغات. لكن عندما رأى العلماء أصحاب التجارب المعملية أن الفلاسفة يدخلون في متاهات نظرية ولا يدخلون إلى مجال التجارب العلمية التطبيقية، تركوا الفلاسفة وأسسوا العلوم التجريبية منفصلة عن الفلسفة. وأنتج العلم التجريبي لنا كل هذه الاختراعات والاكتشافات المعاصرة التي تسهل علينا الحياة ونستفيد منها. لقد ظل الفلاسفة على حالهم يبحثون في النظريات بعيدين عن مجال التجارب العلمية التطبيقية. ولا تلتقي مدرسة فلسفية بمدرسة أخرى؛ لأنهم يختلفون حيث الجهل طبيعة مسيطرة على الغيب الذي يبحثون عنه ولا يمكن الاهتداء أبداً إلى أسرار الغيب، إنما الغيب يبلغ به الرسل. والمثال الذي أضربه دائماً واكرره حتى يستقر في الأذهان: لنفترض أننا نجلس في حجرة ثم دق الجرس، هنا تستوي عقولنا جميعاً في أن طارقاً بالباب، ولا نختلف في هذا الأمر. لكن عندما ندخل في تصور من الطارق؟ يقول واحد: "الطارق رجل" وثانٍ يقول: "الطارق امرأة" وثالث يقول: "الطارق رجل شرطة" ورابع يقول: "صديق لنا" وخامس يقول: "بشير" وسادس يقول: "نذير"، يحدث ذلك لأننا دخلنا إلى متاهات التصور. وأقول: هذه الأمور لا تُترك للعقل، فلو أردتم راحة أنفسكم لآمنتم بالتعقل، تعقل أن هناك طارقاً بالباب، ثم تتركون للطارق أن يعلن عن نفسه ويقول لكم: أنا فلان وأسمي كذا وصفتي كذا وجئت إليكم من أجل كذا، وبذلك نتفق جميعاً. لكن الفلاسفة أدخلوا التصور في التعقل. ولا يمكننا أن نعرف اسم الخالق بالعقل أبداً ولا مطلوبه. بل لأ بد أن يبلغ عن نفسه، فإذا انشغل العقل بأن هذا الكون العظيم لا بد له من قوة خالقة، فلماذا لا تبلغنا عن نفسها؟. وإذا ما جاء رسول من أجل أن يحل اللغز الوجودي الذي يعيشه البشر فيبلغنا أن القوة الخالقة اسمها الله. هنا أراح الحق النفس البشرية بما كانت تتمنى أن تعرفه، ومن عقل العاقل أن يفرح بمجيء الرسول ويستشرف إلى السماع عنه؛ لأن الرسول إنما جاء يحل اللغز الشاغل للنفس البشرية من تفسير مَن خلق الكون بهذه الدقة، وما هي مطلوبات هذه القوة؟ ويحسم الرسول الخلاف عندهم ويحل اللغز الشاغل للبال. ولذلك نرى الإمام عليا - كرم الله وجهه - أمام سؤال من أحدهم: - أعرفت محمداً بربك؟ أم عرفت ربك بمحمد؟. فأجاب الإمام عليّ وكان باب العلم: لو عرفت ربي بمحمد لكان محمد أوثق عندي من ربي، ولو عرفت محمداً بربي لما احتجت إلى رسول، ولكني عرفت ربي بربي وجاء محمد فيبلغني مراد ربي مني. هكذا حدد لنا سيدنا عليّ المسألة.. فالعقل الفطري يؤمن بقوة مبهمة وراء هذا الكون هي التي خلقت وهي التي رزقت وهي التي أمدت بقيوميتها وقدرتها، وبعد ذلك تجيء الرسل من أجل تعريفنا باسم القوة ومطلوبها منا. والذين يختلفون حول دور العقل في الحجة ودور الرسول في الحجة، عليهم ألا يتوهوا في متاهات نحن في غنى عنها؛ لأن العقل لا يمكن أن يكون الحجة بمفرده، والرسول إنما هو مبلغ عن القوة، وقد يقول قائل: إذن لابد لكل رسول من رسول، وقد يبلغ التفلسف الطريق المسدود. لكن عندما نعلم أن الحق قد صنع كل رسول على عينه معصوماً ليبلغ، وعلى سبيل المثال نجد سيدنا محمد بن عبدالله استطاع أن يصنع أمة في ثلاث وعشرين سنة ليمتد خيرها إلى يوم القيامة، فعل صلى الله عليه وسلم ذلك مبلغاً عن الله ليهدي أمته إلى كيفية عمل الطيب والابتعاد عن العمل الخبيث. وخلق الله محمداً على خُلق عظيم. وهكذا نعرف أن الحق قد أراح العقل من ضرورة البحث عن اسم القوة الخالقة ومطلوبها فأرسل الرسل. ويقول الحق من بعد ذلك: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ...}

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} [164] 150- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : احتجَّ آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالته، وكلمك تكليما، أتلومني أن أعمل عملاً كتبه الله عليَّ قبل أن يخلُق السموات والأرض؟ فحجَّ آدم موسى ".