٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
165
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} هو نصب على البدل من «وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ» ويجوز أن يكون على إضمار فعل؛ ويجوز نصبه على الحال؛ أي كما أوحينا إلى نوح والنبِيِّين من بعده رسلاً. {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} فيقولوا ما أرسلت إلينا رسولاً. وما أنزلت علينا كتاباً؛ وفي التنزيل { أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] وقوله تعالى: { أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ } تفسير : [طه: 134] وفي هذا كله دليل واضح أنه لا يجب شيء من ناحية العقل. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: كان الأنبياء ألفي ألف ومائتي ألف. وقال مقاتل: كان الأنبياء ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً. وروى أنَس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : بعثتُ على أثر ثمانية آلاف من الأنبياء منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل » تفسير : ذكره أبو الليث السمرقندي في التفسير له؛ ثم أسند عن شعبة عن أبي إسحاق عن الحارث الأعور عن أبي ذرّ الغِفاري قال: قلت يا رسول الله كم كانت الأنبياء وكم كان المرسلون؟ قال: « حديث : كانت الأنبياء مائة ألف نبيّ وأربعة وعشرين ألف نبي وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر » تفسير : . قلت: هذا أصح ما روي في ذلك؛ خرجه الآجُرِّي وأبو حاتم البستي في المسند الصحيح له.
البيضاوي
تفسير : {رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} نصب على المدح أو بإضمار أرسلنا، أو على الحال ويكون رسلاً موطئاً لما بعده كقولك مررت بزيد رجلاً صالحاً. {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} فيقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فينبهنا ويعلمنا ما لم نكن نعلم، وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الناس ضرورة لقصور الكل عن إدراك جزيئات المصالح والأكثر عن إدراك كلياتها، واللام متعلقة بأرسلنا أو بقوله {مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ}، و {حُجَّةٌ} اسم كان وخبره {لِلنَّاسِ} أو {عَلَى ٱللَّهِ} والآخر حال، ولا يجوز تعلقه بحجة لأنه مصدر وبعد ظرف لها أو صفة. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً} لا يغلب فيما يريد. {حَكِيماً} فيما دبر من أمر النبوة وخص كل نبي بنوع من الوحي والإِعجاز.
المحلي و السيوطي
تفسير : {رُسُلاً } بدل من (رسلاً) قبله {مُبَشّرِينَ } بالثواب من آمن {وَمُنذِرِينَ } بالعقاب من كفر أرسلناهم {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ } تقال {بَعْدَ } إرسال {ٱلرُّسُلَ } إليهم { أية : {فيقولوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [47:28] فبعثناهم لقطع عذرهم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً } في ملكه {حَكِيماً } في صنعه.
ابن عطية
تفسير : {رسلاً} بدل من الأول قبل. و {مبشرين ومنذرين} حالان أي يبشرون بالجنة من آمن وأطاع، وينذرون بالنار من كفر وعصى، وأراد الله تعالى أن يقطع بالرسل احتجاج من يقول: لو بعث إليَّ الرسول لآمنت، والله تعالى عزيز لا يغالبه شيء ولا حجة لأحد عليه، وهو مع ذلك حكيم تصدر أفعاله عن حكمة، فكذلك قطع الحجة بالرسل حكمة منه تعالى. وقوله تعالى: {لكن الله يشهد} الآية، سببها قول اليهود {أية : ما ينزل الله على بشر من شيء} تفسير : [الأنعام: 91] وقال بعضهم لمحمد عليه السلام: ما نعلم يا محمد أن الله أرسل إليك ولا أنزل عليك شيئاً، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والجراح الحكمي "لكنّ الله يشهد" بشد النون ونصب المكتوبة على اسم "لكن" وقوله تعالى: {أنزله بعلمه} هذه الآية من أقوى متعلقات أهل السنة في إثبات علم الله تعالى خلافاً للمعتزلة في أنهم يقولون: عالم بلا علم، والمعنى عند أهل السنة: أنزله وهو يعلم إنزاله ونزوله، ومذهب المعتزلة في هذه الآية أنه أنزله مقترناً بعلمه،أي فيه علمه من غيوب وأوامر ونحو ذلك, فالعلم عبارة عن المعلومات التي في القرآن, كما هو في قول الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، معناه: من علم الله الذي بث في عباده، وقرأ الجمهور "أَنزل" على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الحسن "أُنزل" بضم الهمزة على بنائه للمفعول، وقوله تعالى: {والملائكة يشهدون} تقوية لأمر محمد عليه السلام ورد على اليهود، قال قتادة: شهود والله غير متهمة، وقوله تعالى: {وكفى بالله شهيداً} تقديره: وكفى الله شهيداً، لكن دخلت الباء لتدل على أن المراد بالله. ثم أخبر تعالى عن الكافرين الذين يصدون الناس عن سبيل الله أنهم قد بعدوا عن الحق و {ضلوا ضلالاً بعيداً} لا يقرب رجوعهم عنه ولا تخلصهم معه، وقرأ عكرمة وابن هرمز " وصُدوا" بضم الصاد. ثم أخبر تعالى عن الكافرين الظالمين في أن وضعوا الشيء في غير موضعه، وهو الكفر بالله، والله تعالى يستوجب منهم غير ذلك لنعمه الظاهرة والباطنة أنهم بحيث لم يكن ليغفر لهم، وهذه العبارة أقوى من الإخبار المجرد أنه لا يغفر، ومثال ذلك أنك إذا قلت: أنا لا أبيع هذا الشيء فهم منك الاغتباط به، فإذا قلت: أنا ما كنت لأبيع هذا الشيء، فالاغتباط منك أكثر، هذا هو المفهوم من هذه العبارة، وقوله تعالى: {ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم} هذه هداية الطرق وليست بالإرشاد على الإطلاق. وباقي الآية بيّن يتضمن تحقير أمر الكفار، وأنهم لا يباليهم الله بالة كما ورد في الحديث، يذهب الصالحون الأول فالأول. حتى تبقى حثالة كحثالة التمر لا يباليهم الله بالة، المعنى: إذ هم كفار في آخر الزمان وعليهم تقوم الساعة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ...} الآية: رُسُلاً: بدلٌ من الأول، وأراد سبحانه أن يقطع بالرُّسُل احتجاجَ مَنْ يقول: لو بُعِثَ إلَيَّ رَسُولاً، لآمَنْتُ، واللَّه سبحانه «عزيزٌ»؛ لا يغالبُهُ شيْء، ولا حُجَّة لأحدٍ عليه، حَكِيمٌ في أفعالِهِ، فقطع الحُجَّة بالرسُل؛ حِكْمَةً منه سبحانه.
البقاعي
تفسير : ولما كان معظم رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم بشارة ونذارة، قال مبيناً أنهم مثله في ذلك كما كانوا قبله في الوحي، لأن المقصود من الإرسال لجميع الرسل جمع الخلق بالبشارة والنذارة: {رسلاً} أي جعلناهم رسلاً، ويجوز أن يكون بدلاً من "رسلاً" الماضي، وأن يكون حالاً، حال كونهم {مبشرين ومنذرين} ثم علل ذلك بقوله: {لئلا يكون} أي لينتفي أن يوجد {للناس} أي نوع مَنْ فيه قوة النوس. ولما كانت الحجة قد تطلق على مطلق العذر ولو كان مردوداً، عبّر بأداة الاستعلاء فقال: {على الله حجة} أي واجبة القبول على الملك الذي اختص بجميع صفات الكمال في أن لا يعذب عصاتهم؛ ولما كان المراد استغراق النفي لجميع الزمان المتعقب للإرسال أسقط الجار فقال: {بعد} أي انتفى ذلك انتفى مستغرقاً لجميع الزمان الذي يوجد بعد إرسال {الرسل} وتبليغهم للناس، وذلك على أن وجوب معرفته تعالى إنما يثبت بالسمع، وأما نفس المعرفة والنظر والتوحيد فطريقها العقل، فالمعرفة متلقاة من العقل، والوجوب متلقى من الشرع والنقل. ولما كان ذلك ربما أوهم أنه ربما امتنع عليه قبل ذلك سبحانه أخذ بحجة أو غيرها، قال مزيلاً لذلك: {وكان الله} أي المستجمع لصفات العظمة {عزيزاً} أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، فهو قادر على ما طلبوه، ولكنه لا يجب عليه شيء، لأنه على سبيل اللجاج وهم غير معجزين {حكيماً *} أي يضع الأشياء في أتقن مواضعها، فلذلك رتب أموراً لا يكون معها لأحد حجة ومن حكمته أنه لا يجيب المتعنت. ولما لم يبق سبحانه لهم شبهة، واستمروا على عنادهم، أشار تعالى إلى ما تقديره: إنهم لا يشهدون لك عند اتضاح الأمر، فقال: {لكن} أي ومع ما قام من البراهين على صدقك وكون كتابك من عند الله فهم لا يشهدون بذلك لكن {الله} أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له {يشهد} أي لك {بما أنزل إليك} أي من هذا الكتاب المعجز الذي قد أخرس الفصحاء وأبكم البلغاء، وفيه هذه الأحكام الصادقة لما عندهم وهم يريدون الإضلال عنها، فشهادته ببلاغته وحكمته بصدق الآتي به هي شهادة الله لأنه قائله، ولذلك عللل بقوله: {أنزله بعلمه} أي عالماً بإنزاله على الوجه المعجز مع كثرة المعارض فلم يقدر أحد ولا يقدر على إحداث شيء فيه من تغيير ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان ولا معارضة {والملائكة} أيضاً {يشهدون} بذلك لأنهم كانوا حضوراً لإنزاله وأمناء على من كان منهم على يده ليبلغه - كما قال تعالى: {أية : فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم}تفسير : [الجن: 27-28] وهذا خطاب للعباد على حسب ما يعرفون. ولما كان ربما أفهم نقصاً نفاه بقوله: {وكفى بالله} أي الذي له الكمال كله {شهيداً} أي وكفى بشهادته في ذلك شهادة عن شهادة غيره، وذلك لأنه أنزله سبحانه شاهداً بشهادته ناطقاً بها لإعجازه بنظمه وبما فيه من علمه من الحِكَم والأحكام وموافقة كتب أهل الكتاب، فشهادته بذلك هي شهادة الله، وهي لعمري لا تحتاج إلى شهادة أحد غيره.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والحكيم الترمذي عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا شخص أحب إليه العذر من الله ولذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدح من الله ولذلك وعد الجنة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} فيقولوا: ما أرسلتَ إلينا رسولاً.
ابو السعود
تفسير : {رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} نُصب على المدح أو بإضمار أرسلنا أو على الحال بأن يكون رسلاً موطئاً لما بعده أو على البدلية من رُسلاً الأولِ أي مبشرين لأهل الطاعةِ بالجنة ومنذرين للعُصاة بالنار، {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ} أي مَعذرةٌ يعتذرون بها قائلين: لولا أرسلتَ إلينا رسولاً فيبـينَ لنا شرائعَك ويُعلّمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك، لقصور القوةِ البشريةِ عن إدراك جزئياتِ المصالحِ وعجْزِ أكثرِ الناسِ عن إدراك كلياتِها كما في قوله عز وجل: {أية : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَـٰتِكَ } تفسير : [طه، الآية 134] الآية، وإنما سُمِّيت حجةً مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجةٌ في فعل من أفعاله بل له أن يفعلَ ما يشاء كما يشاء للتنبـيه على أن المعذرةَ في القَبول عنده تعالى بمقتضى كرمِه ورحمتِه لعباده بمنزلة الحجةِ القاطعةِ التي لا مرد لها ولذلك قال تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء، الآية 15] قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أحدٌ أغيرُ مِنَ الله تعالى، ولذلك حرَّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن، وما أحدٌ أحبُّ إليه المدحُ من الله تعالى ولذلك مدح نفسَه، وما أحدٌ أحبُّ إليه الإعذارُ من الله تعالى ولذلك أرسلَ الرسلَ وأنزلَ الكتُب» تفسير : فاللامُ متعلقةٌ بأرسلنا، وقيل: بقوله تعالى: {مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [النساء، الآية: 165] وحجةٌ اسمُ كان وللناس خبرُها وعلى الله متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من حجةٌ أي كائنةً على الله أو هو الخبرُ وللناس حالٌ على الوجه المذكور، ويجوز أن يتعلق كلٌّ منهما بما تعلق به الآخرُ الذي هو الخبرُ ولا يجوز التعلقُ بحجة لأن معمولَ المصدرِ لا يتقدم عليه، وقوله تعالى: {بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} أي بعد إرسالِهم وتبليغِ الشرائعِ إلى الأمم على ألسنتهم، متعلقٌ بحجة أو بمحذوف وقع صفةً لها لأن الظلاروفَ يوصف بها الأحداثُ كما يُخبر بها عنها نحو القتالُ يومُ الجمعة {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً} لا يغالَب في أمر من أموره ومن قضيته الامتناعُ عن الإجابة إلى مسألة المتعنّتين {حَكِيماً} في جميع أفعالِه التي من جملتها إرسالُ الرسلِ وإنزالُ الكتبِ فإن تعددَ الرسلِ والكتبِ واختلالَها في كيفية النزولِ وتغايُرَها في بعض الشرائعِ والأحكامِ إنما هو لتفاوت طبقاتِ الأممِ في الأحوال التي عليها يدور فلكُ التكليفِ، فكما أنه سبحانه وتعالى برَأَهم على أنحاءَ شتى وأطوارٍ متباينةٍ حسبما تقتضيه الحِكمةُ التكوينيةُ كذلك تعبّدهم بما يليق بشأنهم وتقتضيه أحوالُهم المتخالفةُ واستعداداتُهم المتغايرةُ من الشرائع والأحكامِ حسبما تستدعيه الحِكمةُ التشريعيةُ، وراعىٰ في إرسال الرسلِ وإنزالِ الكتبِ وغيرِ ذلك من الأمور المتعلقةِ بمعاشهم ومعادِهم ما فيه مصلحتُهم، فسؤالُ تنزيلِ الكتابِ جملةً اقتراحٌ فاسدٌ إذ حينئذ تتفاقم التكاليفُ فيثقُل على المكلَّف قَبولُها والخروجُ عن عُهدتها، وأما التنزيلُ المُنَجَّم الواقعُ حسب الأمورِ الداعيةِ إليه فهو أيسرُ قَبولاً وأسهلُ امتثالاً.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}. وقَفَ الخلْقَ عند مقاديرهم؛ وبيَّن أنه أرسل إليهم الرسل فتفردوا عليهم إلى اجتباء ثوابهم، واجتناب ما فيه استحقاق عذابهم، وأنه ليس للخلْق سبيل إلى راحة يطلبونها ولا إلى آفة يجتنبونها إما في الحال أو في المآل. قوله جلّ ذكره: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}. أنَّى يكون لمن له إلى الله حاجة على الله حُجَّة؟! ولكنَّ الله خاطبهم على حسب عقولهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {رسلا} نصب على المدح اعنى رسلا {مبشرين} لاهل الطاعة بالجنة {ومنذرين} للعصاة بالنار {لئلا يكون} اللام متعلقة بارسلنا {للناس} خبر يكون {على الله} متعلق بمحذوف وقع حالا من قوله {حجة} اى كائنة على الله. وحجة اسم يكون والمعنى لئلا يكون للناس على الله معذرة يوم القيامة يعتذرون بها قائلين لولا ارسلت الينا رسولا فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن نعلم من احكامك وينبهنا من سنة الغفلة لقصور القوة البشرية عن ادراك جزئيات المصالح وعجز اكثر الناس عن ادراك كلياتها. ففيه تنبيه على ان بعثة الانبياء الى الناس ضرورة وانما سميت المعذرة حجة مع استحالة ان يكون لاحد عليه سبحانه حجة فى فعل من افعاله بل له ان يفعل ما يشاء للتنبيه على ان المعذرة فى القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته لعباده بمنزلة الحجة القاطعة التى لا مرد لها ولذلك قال {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} تفسير : [الإسراء: 15]. قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ما احد اغير من الله عز وجل لذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما احد احب اليه المدح من الله تعالى ولذلك مدح نفسه وما احد احب اليه العذر من الله تعالى ولذلك ارسل الرسل وانزل الكتاب " .تفسير : {بعد الرسل} اى بعد ارسالهم وتبليغ الشرائع الى الامم على ألسنتهم متعلق بحجة {وكان الله عزيزا} لا يغالب فى امر من الامور من قضية الامتناع عن الاجابة الى مسألة المتعنتين {حكيما} فى جميع افعاله التى من جملتها ارسال الرسل وانزال الكتب.
الطوسي
تفسير : نصب {رسلاً} على القطع من اسماء الانبياء الذين ذكر اسماءهم {مبشرين} نصب على الحال. والتقدير أرسلت هؤلاء الانبياء رسلا إلى خلقي وعبادي مبشرين بثوابي من اطاعني وصدق رسلي {ومنذرين} يعني مخوفين من عقابي من عصاني وخالف أمري، وكذب رسلي {لئلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقال ابوعلي: ذلك مخصوص بمن علم الله من حاله أن له في بعثه الانبياء لطفاً، لانه إذا كان كذلك متى لم يبعث اليهم نبياً يعرفهم ما فيه لطفهم، كان في ذلك اتم الحجة عليه (تعالى) وذلك يفسد قول من قال: في مقدوره من اللطف ما لو فعله بالكافر لآمن به، لانه لو كان الامر على ما قالوه، لكانت لهم الحجة بذلك على الله (تعالى) قائمة. فاما من لم يعلم من حاله ان له في انفاذ الرسل اليه لطفاً، فالحجة قائمة عليه بالعقل، وأدلته على توحيده، وصفاته وعدله، ولو لم تقم الحجة بالعقل ولا قامت إلا بانفاذ الرسل، لفسد ذلك من وجهين: أحدهما - ان صدق الرسل لا يمكن العلم به الا بعد تقدم العلم بالتوحيد والعدل فان كانت الحجة، لم تقم عليه بالعقل فكيف الطريق له إلى معرفة النبي (صلى الله عليه وسلم) وصدقه. والثاني - انه لو كانت الحجة لا تقوم الا بالرسول لاحتاج الرسول أيضاً إلى رسول آخر حتى تقوم عليه الحجة. والكلام في رسوله كالكلام في هذا الرسول ويؤدي ذلك إلى ما لا يتناهى. وذلك فاسد فمن استدل بهذه الآية على ان التكليف، لا يصح بحال الا بعد انفاذ الرسل، فقد ابعد على ما قلناه. وقوله: {وكان الله عزيزاً حكيماً} معناه انه مقتدر على الانتقام ممن يعصيه ويكفر به لا يمنعه منه مانع لعزته حكيم فيما امر به خلقه وفي جميع افعاله.
الجنابذي
تفسير : {رُّسُلاً} حال موطّئة {مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} بعد ارسال الرّسل وقد مضى انّ هذا المعنى يستفاد من الّلام، او اوحينا بالخلافة لئّلا يكون للنّاس على الله حجّة بعد مضىّ الرّسل فان قالوا: كنّا فى زمانٍ لم يكن فيه رسولٌ ولا من يعلّمنا معالم ديننا {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً} لا مانع له من ارسال الرّسل ولا من نصب الخليفة لهم {حَكِيماً} يكونا ارسال الرّسل منه ونصب الخليفة لمصالح كلّيّة وغاياتٍ متقنة.
اطفيش
تفسير : {رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ}: لأهل الايمان والطاعة بالجنة. {وَمُنذِرِينَ}: لأهل الشرك والمعاصى بالنار، ونصب رسلا على المدح، أى أعنى رسلا أو أمدح رسلا، أو ذكرت رسلا، أو يقدر أرسلنا رسلا، أو نعت لرسلا الذى قبله ثان، على أن لم نقصصهم نعت لرسلا، أو حال من هاء لم نقصصهم، وهو حال موطىء لمبشرين ومنذرين المرادين بالذات، كقولك: جاء زيد رجلا صالحا، فان زيدا معلوم أنه رجل، وانما ذكر تمهيدا لذكر صلاحه، أو حال كذلك من ابراهيم وسليمان وما بينهما فقط، لا مع غيرهم لاتحاد العامل، وهو أوحينا الثانى. وفى ذكر التبشير والانذار ترغيب فى الايمان، وترهيب عن الكفر، واشارة الى أنه قد أرسل رسلا تبشر وتنذر، وليسوا كلهم تنزل عليهم كتب بمرة، بل شيئا فشيئا بحسب حاجاتهم وحاجات أقوامهم، لئلا يفروا من انزال الأحكام والأمور المخالفة لهم بمرة، ولتجدد حدة قلوبهم اذا كلت لا كما تقترحون، يا معشر اليهود من نزول الكتاب بمرة، وانزال التوراة على موسى جملة، ولا يقدح فى نبوة من لم ينزل عليه البتة، ولا يقدح فى نبوة من نزل عليه شيئا فشيئا، اذ خصه الله بالتكليم، ولكن قد صح أيضا أن الله كلم سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأنه لا فضيلة لرسول أو نبى الا وله صلى الله عليه وسلم مثلها. {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}: بعد ارسال الرسل بالوحى، فحجة الله على عباده فى وجود الله ووحدانيته اجمالا، العقل بالنظر فى بدن صاحبه وأحواله، وفى سائر الخلق وأحوالهم، وأما فى تفصيل ذلك وسائر الشرائع، فللرسل، وقد يقال: العقل وحده حجة فى أن للموجودات خالقا موجودا أوجدها لا أول له ولا آخر، ويعرف أنه الله بهذا الاسم بمنبه كملك ورسول،هذا تحقيق المقام، ومما دل على أن حجة الله الرسل قوله تعالى: {أية : فيقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا }تفسير : أى يعلمنا دينك {أية : فنتبع آياتك }تفسير : وقوله تعالى: {أية : لقالوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا }تفسير : وقوله تعالى: {أية : أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم }تفسير : وغير ذلك مثل قوله تعالى: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا }. تفسير : قال سعد بن عبادة: حديث : لو رأيت رجلا مع امرأتى لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير منى " تفسير : ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن لا أحد أحب اليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين، ولا أحد أحب اليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة. ويروى: ولا شخص أحب اليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، واللام متعلق بأرسلنا محذوفا، أو تنازع مدخولها مبشرين ومنذرين، وللناس خبر يكون، وعلى الله يتعلق بما تعلق به لله على طريق تعدد الخبر، أو يتعلق بقوله: للناس، أو لمحذوف حال من ضمير حجة فى للناس، ولا يصح أن يكون للناس حال من ضميرها فى على الله، على أن يكون على الله خبر يكون، فان الفاعل فى الحال حينئذ ليس فيه لفظ الفعل، وهو على الله فلا يتقدم عليه الحال على الراجح. نعم يجوز أن يتعلق للناس بيكون، فالتحقيق عندى جواز التعليق بكان وأخواتها، وعلى الله خبر يكون، واسم كان فى جميع الأوجه هو لفظ حجة، ولا يتعلق على الله بحجة، لأنه لو كان فيه معنى المصدر وهو الاحتجاج، لكن معمول المصدر لا يتقدم عليه، نعم أجاز بعضهم تقدمه عليه اذا كان مجرورا بحرف مطلقا اذا كان لا ينحل الى الفعل، وحرف المصدر والمعمول هنا مجرور بحرف، وذلك الاسم لا ينحل الى ذلك، ويجوز أن يكون على الله حالا من حجة، وبعد متعلق بيكون أو بمحذوف نعت الحجة. {وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً}: لا يغلب فيما يريد من الانتقام وغيره. {حَكِيماً}: فى أمره الذى دبره من أمر النبوة، وتخصيص كل نبى بنوع من الوحى والاعجاز، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنا سألنا عنك اليهود وعن صفتك فى كتابهم، فزعموا أنهم لا يعرفونك، فأنزل الله عز وجل: {لكن الله يشهد بما أنزل اليك}.
اطفيش
تفسير : {رُّسُلاً} نعت رسلا الأول أو الثانى، ويقدر للآخر مع الاعتراض أو حالا من أحدهما، ويقدر كذلك للآخر، أو حال من إحدى الهاءين، ويقدر للآخر، وكل من الحال والنعت موطىء، لأن المقصود وصفه بقوله {مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} لا ذاته، أو ينصب على المدح، أو يقدر أرسلنا رسلا مبشرين ومنذرين، ويجوز أن يكون بدلا لهذا القيد ولا ضعف فى قولك جاز زيدٌ، زيدُ بن عمر، كما ادعى بعض المحققين {لِئّلاّ يَكُونَ لِلْنَّاسِ} متعلق بأرسلنا المقدر، أو تنازعه مبشرين ومنذرين {عَلَى اللهِ حُجَّةٌ} معذرة، بأن يقولوا {أية : لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك} تفسير : [طه: 134، القصص: 47] الخ، وبأن يقولوا، {أية : إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين} تفسير : [الأنعام: 156]، وبأن يقولوا، {أية : لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} تفسير : [الأنعام: 157] {بَعْدَ الرُّسُلِ} بعد إرسال الرسل بالكتب من عنده، والآية دليل على أن حجة الله على عباده الكتب والرسل والعقل، وهذا مذهبنا ومذهب الأشاعرة، وإنما زيد العقل لأنه إنما يكلف العاقل، ولا نقول بالتقبيح والتحسين العقليين كما قالت المعتزلة: وقالت إن العقل يدرك الأمور الشرعية كلها بلا كتاب ولا رسول، إنما الكتب والرسل للتشبيه، وأن معنى الآية لم يبق على الله حجة وإن لم يرسل الرسل والكتب فقد نصت الأشعرية على أنه لا حجة عليه أيضاً، لأن له أن يفعل فى خلقه ما شاء، والمعتزلة بهذا أولى، لأن العقل عندهم وحده حجة، والمذهب أن عليه الحجة بمعنى الحق عنده، والحكمة أن تعذيبهم بلا بيان لهم ظلم، إلا أنى أقول حجة الله فى توحيده على خلقه أيضا العقل، فإنه يدرك انفراد الله بالألوهية بعقله لدلائل المخلوقات، فإذا أدرك الانفراد دعاه ذلك إلى خدمة من أوجده وأنعم عليه، فيذهب ولو كان فى جزيرة لم يلق أحداً، إلى من يعلمه كيفية الخدمة، فيصح بهذا أن صاحب الجزيرة غير معذور، إن لم يكن على دين نبى من الأنبياء والرسل، والكتب مبينة ومفصلة لدلائل العقل، وقومنا يقولون: كل كافر جاءه ملك، أو من شاء الله عز وجل فدعاه إلى الإسلام فمن ذلك ما رووا عن الحسن البصرى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حجة الله على كسرى فيك؟ قال: "حديث : بعث الله عز وجل ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذى هو فيه يتلألأ نوراً، فلما رآها فزع، فقال: لم تفزع يا كسرى، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم من دنياك وأخراك، وقال: سأنظر فى ذلك" تفسير : ، وكما روى، أنه دعا يأجوج ومأجوج ليلة الإسراء فأبوا، واللام متعلقة بمنذرين، فيعمل مبشرين فى الضمير، وحذف لأنه فضلة، أى مبشرين له، أى لأجله، أى لانتفاء الحجة على الله لعباده، ولو علق بمبشرين لذكر الضمير، مع منذرين، هكذا، منذرين له أى لأجله، أى لانتفاء الحجة على الله، وعلى الله متعلق بالاستقرار الذى تعلق به اللام، أو بقوله للناس لنيابته عنه، أو لا خبر للكون فيتعلقان به، أو يتعلق به الله، وعلى الله خبر، وبعد نعت لحجة، أو متعلق بالكون أو بالخبر أو بنائبه {وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً} لا يغالب على ما أراد وفى عقاب الكفار {حَكِيماً} فى كل ما أراد، وفى العذاب بعد الإنذار، قال ابن عباس: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود، فقال لهم: حديث : إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلكتفسير : ، وأتى رؤساء مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، إنا نسأل اليهود عنك وعن صفاتك فى كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونك، ونزل، إنا أوحينا إليك كما أوحينا.. الخ، قالت اليهود: لا نشهد لك بذلك أبدا حتى ينزل علينا كتاباً ويكون كالتوراة، فنزل تسلية له واحتجاجاً عنه قوله تعالى: {لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ} من النبوة والقرآن، أى أنهم لا يشهدون بذلك لكن الله يشهد بما أنزل إليك من القرآن الذى أنكروا إنزاله عليك {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} وهو علم كامل بأنك أهل لإنزاله عليك لكمالك، وأنك مبلغه إلى عباده أو بمصالح العباد معاشاً ومعاداً فى إنزاله عليك، وبأنه لا يغيره شيطان، والباء للملابسة والعلم باق على المعنى المصدرى، وبتأليفه المعجز عن المعارضة والإتيان بمثله، أو أوحينا إليك كما أوحينا إلى من قبلك، لكن للإيحاء إليك مزية بشهادة الله عز وجل بالتصريح والملائكة بعمومهم {وَالْمَلاَئِكَةُ} ملائكة العرش والكرسى ومن دونهم {يَشْهَدُونَ} أنك رسول الله بالقرآن لصفاء قلوبهم عن الكدورات المانعة عن الإدراك، ولمشاهدتهم نزوله عليه، ولو استعمل المشركون من اليهود وغيرهم عقولهم لأدركوا ذلك وأخذوه من التوراة والإنجيل، أو قل للملائكة يشهدون بواسطة حضورهم يوم بدر ظاهرين للناس، كما وعد لهم بالغلبة {وَكَفَى} عن شهادة الخلق {بِاللهِ شَهِيداً} لما أقام من الحجج عَلَى نبوتك ورسالتك.
الالوسي
تفسير : {رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} نصب على المدح، أو بإضمار أرسلنا أو على الحال من {أية : رُسُلاً} تفسير : [النساء: 164] الذي قبله، أو ضميره وهي حال موطئة، والمقصود وصفها. وضعف هذا بأنه حينئذ لا وجه للفصل بين الحال وذيها، وجوز أن يكون نصباً على البدلية من {رُسُلاً} الأول، وضعف بأن اتحاد البدل والمبدل منه لفظاً بعيد، وإن كان المعتمد بالبدلية الوصف أي مبشرين من آمن وأطاع بالجنة والثواب ومنذرين من كفر وعصى بالنار والعقاب. {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ} أي معذرة يعتذرون بها قائلين {أية : لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} تفسير : [طه: 134] فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك لقصور القوى البشرية عن إدراك جزئيات المصالح، وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها. فالآية ظاهرة في أنه لا بد من الشرع وإرسال الرسل؛ وأن العقل لا يغني عن ذلك، وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن إرسال الرسل إنما هو للتنبيه عن سنة الغفلة التي تعتري الإنسان من دون اختيار، فمعنى الآية عندهم لئلا يبقى للناس على الله حجة، وسيأتي / ردّ ذلك إن شاء الله تعالى مع تحقيق هذا المبحث. وتسمية ما يقال عند ترك الإرسال حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجة مجاز بتنزيل المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ولطفه منزلة الحجة القاطعة التي لا مردّ لها، فلا يبطل قول أهل السنة أنه لا اعتراض لأحد على الله تعالى في فعل من أفعاله بل له سبحانه أن يفعل بمن شاء ما شاء، واللام متعلقة ـ بأرسلنا ـ المقدر، أو ـ بمبشرين ومنذرين ـ على التنازع، وجوز أن تتعلق بما يدلان عليه، و {حُجَّةٌ} اسم كان وخبرها {لِلنَّاسِ} و {عَلَى ٱللَّهِ} حال من {حُجَّةٌ} ويجوز أن يكون الخبر {عَلَى ٱللَّهِ} و {لِلنَّاسِ} حال، ولا يجوز أن يتعلق على ـ بحجة ـ لأنها مصدر ومعموله لا يتقدم عليه، ومن جوزه في الظرف جوزه هنا. وقوله تعالى: {بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} ـ أي بعد إرسالهم وتبليغ الشريعة على ألسنتهم ـ ظرف لحجة، وجوز أن يكون صفة لها لأن ظرف الزمان يوصف به المصادر كما يخبر به عنها {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً} لا يغالب في أمر يريده. {حَكِيماً} في جميع أفعاله، ومن قضية ذلك الامتناع عن إجابة مسألة المتعنتين، وقطع الحجة بإرسال الرسل وتنوع الوحي إليهم والإعجاز، وقيل: عزيزاً في عقاب الكفار حكيماً في الإعذار بعد تقدم الإنذار كأنه بعد أن سألوا إنزال كتاب الله تعالى.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} الآية. لم يبين هنا ما هذه الحجة التي كانت تكون للناس عليه لو عذبهم دون إنذارهم على ألسنة الرسل ولكنه بينها في سورة طه بقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} تفسير : [طه: 134] وأشار لها في سورة القصص بقوله: {أية : وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِين} تفسير : [القصص: 47].
الواحدي
تفسير : {رسلاً مبشرين} أَيْ: بالثَّواب على الطَّاعة {ومنذرين} بالعقاب على المعصية {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولاً يعلّمنا دينك، فبعثنا الرُّسل قطعاً لعذرهم. {ولكن الله يشهد...} الآية. نزلت حين قالت اليهود - لما سُئلوا عن نبوَّة محمَّدٍ -: ما نشهد له بذلك، فقال الله تعالى: {لكن الله يشهد} أَيْ: يبيِّن نبوَّتك {بما أنزل إليك} من القرآن ودلائله {أنزله بعلمه} أَيْ: وهو يعلم أنَّك أهلٌ لإِنزاله عليك لقيامك به {والملائكة يشهدون} لك بالنُّبوَّة إنْ جحدت اليهود، وشهادة الملائكة إنَّما تُعرف بقيام المعجزة، فمَنْ ظهرت معجزته شهدت الملائكة بصدقه {وكفى بالله شهيداً} أَيْ: كفى الله شهيداً. {إنَّ الذين كفروا} يعني اليهود {وظلموا} محمداً عليه السَّلام بكتمان نعته {لم يكن الله ليغفر لهم} هذا فيمن علم أنَّه يموت على الكفر {ولا ليهديهم طريقاً} ولا ليرشدهم إلى دين الإِسلام. {إلاَّ طريق جهنم} يعني: طريق اليهوديَّة، وهو الطَّريق الذي يقودهم إلى جهنَّم {خالدين فيها أبداً وكان ذلك} أَيْ: خلودهم {على الله يسيراً} لأنَّه لا يتعذَّر عليه شيءٌ. {يا أيها الناس} يعني: المشركين {قد جاءكم الرسول بالحق} بالهدى والصِّدق {من ربكم فآمنوا خيراً لكم} أَيْ: ايتوا خيراً لكم من الكفر بالإِيمان به {وإنْ تكفروا} تُكذِّبوا محمداً وتكفروا نعمة الله عليكم به {فإنَّ لله ما في السموات والأرض} أَيْ: لا تضرُّون إلاَّ أنفسكم؛ لأنَّ الله غنيٌّ عنكم {وكان الله عليماً} بما تصيرون إليه من إيمان أو كفر {حكيماً} في تكليفه مع علمه بما يكون منكم.
د. أسعد حومد
تفسير : (165) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ يُبَشِّرُونَ مَنْ أطَاعَ اللهَ، وَاتَّبَعَ رِضْوَانَهُ بِالخَيْرَاتِ وَحُسْنِ الثَّوَابِ، وَيُنْذِرُونَ، بِالعِقَابِ وَالعَذَابِ، مَنْ خَالَفَ أمْرَهُ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، وَذَلِكَ لِكَيْلا يَبْقَى لِمُعْتَذِرٍ عُذْرٌ، بَعْدَ أنْ أوْضَحَتِ الرُّسُلُ لِلْنَّاسِ أوَامِرَ اللهِ وَنَوَاهِيَهُ، وَالجَزَاءُ لاَ يَكُونُ إلاَّ لِمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ. وَكَانَ اللهُ عَزيزَ الجَانِبِ لاَ يُضَامُ، حَكِيماً في شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعرف أن البشارة تكون بأمر سار يأتي من بعد. والنذارة هي إخبار بأمر مسيء يأتي من بعد. والعزيز سبحانه لا يُغلب. والحكيم سبحانه وضع كل شيء في موضعه، لماذا؟. لأن الرسل يبشرون وينذرون بأن هناك جنة وناراً وحساباً، فإياكم أن تظنوا أن الذي كفر بقادر على أن يصنع شيئاً لنفسه؛ والله عزيز وغنيُّ عن خلقه جميعاً. ونعلم أن الحق لا يجرم سلوكاً إلا بنص، وقبل أن يعاقب فهو يضع القواعد التي لا يصح الخروج عنها. وحين يقول الحق: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} فعزته وحكمته هي التي أتاحت لنا أن نعرف منهجه. ويقول الحق من بعد ذلك: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):