٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
166
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: أعلم أن قوله {لَكِنِ } لا يبتدأ به لأنه استدراك على ما سبق، وفي ذلك المستدرك قولان: الأول: أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قوله {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [النساء: 153] وهذا الكلام يتضمن أن هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليهم من السماء فكأنه قيل: إنهم وإن شهدوا بأن القرآن لم ينزل عليه من السماء لكن الله يشهد بأنه نازل عليه من السماء. الثاني: أنه تعالى لما قال {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } تفسير : [النساء: 163] قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك، فنزل {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ }. المسألة الثانية: شهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل عليه هذا القرآن البالغ في الفصاحة في اللفظ والشرف في المعنى إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته، فكان ذلك معجزاً وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي صادقاً، ولما كانت شهادته إنما عرفت بواسطة إنزال القرآن لا جرم قال {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } أي يشهد لك بالنبوّة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك. ثم قال تعالى: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال: {يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } بين صفة ذلك الإنزال وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة، فصار قوله {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } جارياً مجرى قول القائل: كتبت بالقلم وقطعت بالسكين، والمراد من قوله {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } وصف القرآن بغاية الحسن ونهاية الكمال، وهذا مثل ما يقال في الرجل المشهور بكمال الفشل والعلم إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره: إنه إنما صنف هذا بكمال علمه وفضله، يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف هذا الكتاب فيدل ذلك على وصف ذلك التصنيف بغاية الجودة ونهاية الحسن، فكذا ههنا والله أعلم. المسألة الثانية: قال أصحابنا: دلت الآية على أن لله تعالى علماً، وذلك لأنها تدل على إثبات علم الله تعالى، ولو كان علمه نفس ذاته لزم إضافة الشيء إلى نفسه وهو محال. ثم قال: {وَٱلْمَلَٰـئِكَةُ يَشْهَدُونَ } وإنما تعرف شهادة الملائكة له بذلك لأن ظهور المعجز على يده يدل على أنه تعالى شهد له بالنبوة، وإذا شهد الله له بذلك فقد شهدت الملائكة لا محالة بذلك لما ثبت في القرآن أنهم لا يسبقونه بالقول، والمقصود كأنه قيل: يا محمد إن كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فإن الله تعالى وهو إله العالمين يصدقك في ذلك، وملائكة السموات السبع يصدقونك في ذلك، ومن صدقه ربّ العالمين وملائكة العرش والكرسي والسموات السبع أجمعون لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس، وهم هؤلاء اليهود. ثم قال تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } والمعنى وكفى الله شهيداً، وقد سبق الكلام في مثل هذا.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ} رفع بالابتداء، وإن شئت شدّدت النون ونصبت. وفي الكلام حذف دل عليه الكلام؛ كأنّ الكفار قالوا: ما نشهد لك يا محمد فيما تقول فمن يشهد لك؟ فنزل «لَكِن اللَّهُ يَشْهَدُ». ومعنى {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} أي وهو يعلم أنك أهل لإنزاله عليك؛ ودلت الآية على أنه تعالى عالم بعلم. {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ} ذكر شهادة الملائكة ليقابل بها نفي شهادتهم. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} أي كفى ٱلله شاهداً، والباء زائدة.
البيضاوي
تفسير : {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ} استدراك عن مفهوم ما قبله فكأنه لما تعنتوا عليه بسؤال كتاب ينزل عليهم من السماء، واحتج عليهم بقوله {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} قال: إنهم لا يشهدون ولكن الله يشهد، أو أنهم أنكروه ولكن الله يثبته ويقرره. {بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} من القرآن المعجز الدال على نبوتك. روي أنه لما نزل إنا أوحينا إليك قالوا ما نشهد لك فنزلت. {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} أنزله متلبساً بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ، أو بحال من يستعد للنبوة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، فالجار والمجرور على الأولين حال من الفاعل وعلى الثالث حال من المفعول، والجملة كالتفسير لما قبلها {وَٱلْمَلَٰـئِكَةُ يَشْهَدُونَ} أيضاً بنبوتك. وفيه تنبيه على أنهم يودون أن يعلموا صحة دعوى النبوة على وجه يستغني عن النظر والتأمل، وهذا النوع من خواص الملك ولا سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك سوى الفكر والنظر، فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوتك وشهدوا بها كما عرفت الملائكة وشهدوا. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } أي وكفى بما أقام من الحجج على صحة نبوتك عن الاستشهاد بغيره.
ابن كثير
تفسير : لما تضمن قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} تفسير : [النساء: 63] إلى آخر السياق، إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم، والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ} أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو القرآن العظيم الذي {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} تفسير : [فصلت: 42]، ولهذا قال: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} أي: في علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه؛ من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لايعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب، إلا أن يعلمه الله به، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} تفسير : [البقرة: 225] وقال:.{أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} تفسير : [طه: 110]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن بن سهل الجعفري وعبد الله بن المبارك، قالا: حدثنا عمران بن عيينة، حدثنا عطاء بن السائب، قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ قوله: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}. قوله: {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يَشْهَدُونَ} أي: بصدق ما جاءك، وأوحي اليك، وأنزل عليك، مع شهادة الله تعالى بذلك {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} قال محمد ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود، فقال لهم: «حديث : إني لأعلم والله إنكم لتعلمون أني رسول الله» تفسير : فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله عز وجل {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} الآية. وقوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً} أي: كفروا في أنفسهم، فلم يتبعوا الحق، وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق، وضلوا عنه، وبعدوا منه بعداً عظيماً شاسعاً، ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك، وبالصد عن سبيله، وارتكاب مآثمه، وانتهاك محارمه، بأنه لا يغفر لهم، {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} أي: سبيلاً إلى الخير {إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ} وهذا استثناء منقطع {خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} الآية، ثم قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ} أي: قد جاءكم محمد صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله عز وجل، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه، يكن خيراً لكم. ثم قال: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم، كما قال تعالى: {أية : وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 8] وقال ههنا: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} أي: بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه، {حَكِيمًا} أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما سئل اليهود عن نبوته صلى الله عليه وسلم فأنكروه {لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ } يبين نبوّتك {بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } من القرآن المعجز {أَنزَلَهُ } ملتبساً {بِعِلْمِهِ } أي عالماً به أو وفيه علمه {وَٱلْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ } لك أيضاً {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } على ذلك.
الشوكاني
تفسير : قوله: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ } الاسم الشريف مبتدأ، والفعل خبره، ومع تشديد النون هو منصوب على أنه اسم لكنّ، والاستدراك من محذوف مقدّر كأنهم قالوا: ما نشهد لك يا محمد بهذا، أي: الوحي والنبوّة، فنزل: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ }. وقوله: {وَٱلْمَلَـئِكَةُ يَشْهَدُونَ } جملة معطوفة على الجملة الأولى، أو جملة حالية، وكذلك قوله: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } جملة حالية، أي: متلبساً بعلمه الذي لا يعلمه غيره، من كونك أهلاً لما اصطفاك الله له من النبوّة، وأنزله عليك من القرآن {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } أي: كفى الله شاهداً، والباء زائدة، وشهادة الله سبحانه هي: ما يصنعه من المعجزات الدالة على صحة النبوة، فإن وجود هذه المعجزات شهادة للنبيّ صلى الله عليه وسلم بصدق ما أخبر به من هذا، وغيره. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بكل ما يجب الإيمان به، أو بهذا الأمر الخاص، وهو ما في هذا المقام: {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } وهو دين الإسلام بإنكارهم نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وبقولهم ما نجد صفته في كتابنا، وإنما النبوّة في ولد هٰرون وداود، وبقولهم إن شرع موسى لا ينسخ {قَدْ ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً } عن الحقّ بما فعلوا، لأنهم مع كفرهم منعوا غيرهم عن الحق {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بجحدهم {وَظَلَمُواْ } غيرهم بصدهم عن السبيل، أو ظلموا محمداً بكتمانهم نبوّته، أو ظلموا أنفسهم بكفرهم، ويجوز الحمل على جميع هذه المعاني: {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } إذا استمروا على كفرهم، وماتوا كافرين {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } لكونهم اقترفوا ما يوجب لهم ذلك بسوء اختيارهم، وفرط شقائهم، وجحدوا الواضح، وعاندوا البين {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } أي: يدخلهم جهنم خالدين فيها، وهي حال مقدّرة. وقوله: {أَبَدًا } منصوب على الظرفية، وهو لدفع احتمال. أن الخلود هنا يراد به: المكث الطويل {وَكَانَ ذٰلِكَ } أي: تخليدهم في جهنم، أو ترك المغفرة لهم، والهداية مع الخلود في جهنم: {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } لأنه سبحانه لا يصعب عليه شيء {أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] {فآمنوا خيراً لكم} اختلف أئمة النحو في انتصاب {خيراً} على ماذا؟ فقال سيبويه، والخليل بفعل مقدر، أي: واقصدوا، أو أتو خيراً لكم، وقال الفراء: هو نعت لمصدر محذوف، أي: فآمنوا إيماناً خيراً لكم، وذهب أبو عبيدة، والكسائي إلى أنه خبر لكان مقدّرة، أي: فآمنوا يكن الإيمان خيراً لكم، وأقوى هذه الأقوال الثالث، ثم الأوّل، ثم الثاني على ضعف فيه: {وَإِن تَكْفُرُواْ } أي: وإن تستمروا على كفركم: {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض} من مخلوقاته، وأنتم من جملتهم، ومن كان خالقاً لكم ولها فهو قادر على مجازاتكم بقبيح أفعالكم، ففي هذه الجملة، وعيد لهم مع إيضاح وجه البرهان، وإماطة الستر عن الدليل بما يوجب عليهم القبول والإذعان. لأنهم يعترفون بأن الله خالقهم {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [الزخرف: 87] قوله: {يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ} الغلو: هو التجاوز في الحدّ، ومنه غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل في الأمر غلواً، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها. والمراد بالآية: النهي لهم عن الإفراط تارة والتفريط أخرى، فمن الإفراط غلوّ النصارى في عيسى حتى جعلوه ربا، ومن التفريط غلو اليهود فيه عليه السلام حتى جعلوه لغير رشدة، وما أحسن قول الشاعر:شعر : ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمورذميم تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } وهو ما وصف به نفسه ووصفته به رسله، ولا تقولوا الباطل كقول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ } المسيح مبتدأ، وعيسى بدل منه، وابن مريم صفة لعيسى، ورسول الله الخبر، ويجوز أن يكون عيسى ابن مريم عطف بيان، والجملة تعليل للنهي، وقد تقدّم الكلام على المسيح في آل عمران. قوله: {وَكَلِمَتُهُ } عطف على رسول الله، و{أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ } حال، أي: كوّنه بقوله كن، فكان بشرا من غير أب، وقيل: {كلمته} بشارة الله مريم ورسالته إليها على لسان جبريل بقوله: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ مَرْيَمَ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } تفسير : [آل عمران: 45] وقيل: الكلمة هاهنا بمعنى: الآية، ومنه: {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبَّهَا } تفسير : [التحريم: 12]، وقوله: {أية : مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ } تفسير : [لقمان: 27]. قوله: {وَرُوحٌ مّنْهُ } أي: أرسل جبريل فنفخ في درع مريم فحملت بإذن الله، وهذه الإضافة للتفضيل، وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى. وقيل قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحاً ويضاف إلى الله، فيقال هذا روح من الله، أي: من خلقه، كما يقال في النعمة إنها من الله وقيل: {رُوحُ مِنْهُ } أي من خلقه كما قال تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ } تفسير : [الجاثية: 13]: أي: من خلقه، وقيل: {رُوحُ مِنْهُ} أي: رحمة منه، وقيل: {رُوحُ مِنْهُ} أي: برهان منه، وكان عيسى برهاناً وحجة على قومه. وقوله: {مِنْهُ } متعلق بمحذوف وقع صفة لروح، أي: كائنة منه وجعلت الروح منه سبحانه، وإن كانت بنفخ جبريل لكونه تعالى الآمر لجبريل بالنفخ: {فآمنوا بالله ورسله} أي: بأنه سبحانه إله واحد {أية : لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد} تفسير : [الإخلاص: 2-4]، وبأن رسله صادقون مبلغون عن الله ما أمرهم بتبليغه، ولا تكذبوهم، ولا تغلوا فيهم، فتجعلوا بعضهم آلهة. قوله: {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ } ارتفاع ثلاثة على أنه خبر مبتدأ محذوف قال الزجاج: أي: لا تقولوا آلهتنا ثلاثة، وقال الفراء، وأبو عبيد: أي: لا تقولوا هم ثلاثة كقوله: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ }تفسير : [الكهف: 22] وقال أبو علي الفارسي: لا تقولوا هو ثالث ثلاثة، فحذف المبتدأ والمضاف، والنصارى مع تفريق مذاهبهم متفقون على التثليث، ويعنون بالثلاثة: الثلاثة الأقانيم، فيجعلونه سبحانه جوهراً واحداً، وله ثلاثة أقانيم، ويعنون بالأقانيم أقنوم الوجود، وأقنوم الحياة، وأقنوم العلم، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب: الوجود، وبالروح: الحياة، وبالابن: المسيح. وقيل: المراد بالآلهة الثلاثة: الله سبحانه وتعالى، ومريم، والمسيح. وقد اختبط النصارى في هذا اختباطاً طويلاً. ووقفنا في الأناجيل الأربعة التي يطل عليها عندهم اسم الإنجيل على اختلاف كثير في عيسى: فتارة يوصف بأنه ابن الإنسان، وتارة يوصف بأنه ابن الله، وتارة يوصف بأنه ابن الربّ، وهذا تناقض ظاهر وتلاعب بالدين. والحق ما أخبرنا الله به في القرآن، وما خالفه في التوراة، أو الإنجيل، أو الزبور، فهو من تحريف المحرّفين، وتلاعب المتلاعبين. ومن أعجب ما رأيناه أن الأناجيل الأربعة كل واحد منها منسوب إلى واحد من أصحاب عيسى عليه السلام. وحاصل ما فيها جميعاً أن كل واحد من هؤلاء الأربعة ذكر سيرة عيسى من عند أن بعثه الله إلى أن رفعه إليه، وذكر ما جرى له من المعجزات، والمراجعات لليهود ونحوهم، فاختلفت ألفاظهم، واتفقت معانيها، وقد يزيد بعضهم على بعض بحسب ما يقتضيه الحفظ، والضبط، وذكر ما قاله عيسى، وما قيل له، وليس فيها من كلام الله سبحانه شيء، ولا أنزل على عيسى من عنده كتاباً، بل كان عيسى عليه السلام يحتج عليهم بما في التوراة، ويذكر أنه لم يأت بما يخالفها، وهكذا الزبور، فإنه من أوّله إلى آخره من كلام داود عليه السلام. وكلام الله أصدق، وكتابه أحق، وقد أخبرنا أن الانجيل كتابه أنزله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم، وأن الزبور كتابه آتاه داود وأنزله عليه. قوله: {ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ } أي: انتهوا عن التثليث، وانتصاب {خيراً} هنا فيه الوجوه الثلاثة التي تقدمت في قوله: {فآمنوا خيراً لكم}. {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } لا شريك له ولا صاحبة ولا ولداً: {سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } أي: أسبحه تسبيحاً عن أن يكون له ولد: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ} وما جعلتموه له شريكاً، أو ولداً هو من جملة ذلك، والمملوك المخلوق لا يكون شريكاً، ولا ولداً: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } فكل الخلق أمورهم إليه، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: "حديث : إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله"تفسير : ، قالوا ما نعلم ذلك. فأنزل الله: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي موسى أن النجاشي قال لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر، فتناول عودا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه. وأخرجه البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود بأطول من هذا. وأخرج البخاري عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله».
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} قال ابن عباس دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم: "حديث : إني والله أعلم أنكم لتعلمن أني رسول الله" تفسير : فقالوا ما نعلم ذلك فأنزل الله هذه الآية وفي رواية ابن عباس أن رؤوساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنا سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونك فأنزل الله عز وجل لكن الله يشهد بما أنزل إليك يعني إن جحدك هؤلاء اليهود يا محمد وكفروا بما أوحينا إليك وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء فقد كذبوا فيما ادعوا فإن الله يشهد لك بالنبوة ويشهد بما أنزل إليك من كتابه ووحيه. والمعنى أن اليهود وإن شهدوا أن القرآن لم ينزل عليك يا محمد لكن الله يشهد بأنه أنزل عليك وشهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل هذا القرآن البالغ في الفصاحة والبلاغة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته، والإيمان بمثله فكان ذلك معجزاً وإظهار المعجزة شهادة يكون المدعي صادقاً لا جرم قال الله تعالى لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله عليك {أنزله بعلمه} يعني أنه تعالى لما قال لكن الله يشهد بما أنزل إليك بين صفة ذلك الإنزال وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة وقيل معناه أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله عليك وأنك مبلغه إلى عباده وقيل معناه أنزله بما علم من مصالح عباده في إنزاله عليك {والملائكة يشهدون} يعني يشهدون بأن الله أنزله عليك ويشهدون بتصديقك وإنما عرفت شهادة الملائكة لأن الله تعالى إذا شهد بشيء شهدت الملائكة بذلك الشيء. وقد ثبت أن الله يشهد بأنه أنزله بعلمه فلذلك الملائكة يشهدون بذلك {وكفى بالله شهيداً} يعني وحسبك يا محمد أن الله يشهد لك وكفى بالله شهيداً وإن لم يشهد معه أحد غيره ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن شهادة أهل الكتاب له فإن الله يشهد له وملائكته كذلك. قوله عز وجل: {إن الذين كفروا} يعني جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود {وصدوا عن سبيل الله} يعني منعوا غيرهم عن الإيمان به بكتمان صفته وإلقاء الشبهات في قلوب الناس وهو قولهم لو كان محمد رسولاً لأتى بكتاب من السماء جملة واحدة كما أتى موسى بالتوراة {قد ضلوا ضلالاً بعيداً} يعني عن طريق الهدى {إن الذين كفروا وظلموا} يعني كفروا بالله وظلموا محمداً صلى الله عليه وسلم بكتمان صفته وظلموا غيرهم بإلقاء الشبهة في قلوبهم {لم يكن الله ليغفر لهم} يعني لمن علم منهم أنهم يموتون على الكفر وقيل معناه لم يكن الله ليستر عليهم قبائح أفعالهم بل يفضحهم في الدنيا ويعاقبهم عليها بالقتل والسبي والجلاء في الآخرة بالنار وهو قوله تعالى: {ولا ليهديهم طريقاً} يعني ينجون فيه من النار وقيل ولا ليهديهم طريقاً إلى الإسلام لأنه قد سبق في علمه أنهم لا يؤمنون {إلاّ طريق جهنم} يعني لكنه تعالى يهديهم إلى طريق يؤدي إلى جهنم وهي اليهودية لما سبق في علمه أنهم أهل لذلك {خالدين فيها} يعني في جهنم {أبداً وكان ذلك على الله يسيراً} يعني هيناً. قوله عز وجل: {يا أيها الناس} هذا خطاب عام يدخل فيه جميع الكفار من اليهود والنصارى وعبادة الأصنام وغيرهم وقيل هو خطاب لمشركي العرب {قد جاءكم الرسول} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {بالحق} يعني بدين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده وقيل جاء بالقرآن الذي هو الحق {من ربكم} يعني من عند ربكم {فآمنوا خيراً لكم} يعني فآمنوا بما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم يكن الإيمان بذلك خيراً لكم يعني من الكفر الذي أنتم عليه {وإن تكفروا} يعني وإن تجحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتكذبوا بما جاءكم من الحق من ربكم {فإن لله ما في السموات والأرض} يعني فإن الله هو الغني عن إيمانكم لأن له ما في السموات والأرض ملكاً وعبيداً ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء وأنه قادر على من يشاء {وكان الله عليماً} يعني بما يكون منكم لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده فيجزي كل عامل بعمله {حكيماً} يعني في تكليفهم مع علمه بما يكون منكم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ...} الآية: سببُهَا قولُ اليَهُود: {أية : مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام:91]. وقال * ص *: «لكن»: استدراكٌ، ولا يُبتدأُ بها، فيتعيَّن تقديرُ جملةٍ قبلها يبيِّنها سببُ النزول، وهو أنه لَمَّا نزل: {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} تفسير : [النساء:163]، قالوا: ما نشهَدُ لك بهذا؛ فَنَزَلَ: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ}. انتهى. وقوله تعالى: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ}، هذه الآيةُ مِنْ أقْوَىٰ متعلَّقات أهْل السنَّة في إثبات عِلْمِ اللَّه عزَّ وجلَّ؛ خلافاً للمعتزلةِ في أنهم يقولُونَ: عَالِمٌ بِلاَ عِلْمٍ، والمعنى عند أهْل السُّنَّة: أنزله، وهو يَعْلَمُ إنزالَهُ ونُزُولَهُ. وقوله سبحانه: {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يَشْهَدُونَ}: تقويةٌ لأمر نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وردٌّ على اليهود. وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}، تقديره: وكفَى اللَّهُ شهيداً، لكنه دخلَتِ الباءُ؛ لتدُلَّ علَىٰ أنَّ المراد ٱكْتَفَوْا باللَّهِ، وباقي الآية بيِّنٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ} هذه الجملة الاستدراكية لا يبتدأ بها، فلا بدَّ من جملة محذوفة، وتكون هذه الجملةُ مستدركةً عنها، والجملة المحذوفةُ هي ما رُويَ في سبب النزول؛ أنه لَمَّا نَزَلَت: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} تفسير : [الآية: 163 النساء]، قالوا: ما نشهد لك بهذا أبداً، فنزلت: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ}، وقد أحسن الزمخشريُّ هنا في تقدير جملةٍ غيرِ ما ذكرتُ، وهو: "فإنْ قلْتَ: الاستدراكُ لا بُدَّ له من مُسْتدركٍ، فأيْنَ هو في قوله: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ}؟ قلتُ: لمَّا سأل أهلُ الكتاب إنزال الكتاب من السماء، وتعنَّتوا بذلك، واحتجَّ عليهم بقوله: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} قال: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ} بمعنى أنهم لا يشهدون، لكن اللَّهُ يَشْهَدُ"، ثم ذكر الوجه الأول. وقرأ الجمهور بتخفيفِ "لَكِن" ورفعِ الجلالة، والسُّلَمِيُّ والجرَّاح الحكمي بتشديدها ونَصْب الجلالة، وهما كالقراءتين في {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ} تفسير : [البقرة: 102] وقد تقدَّم، والجمهورُ على "أنْزَلَهُ" مبيناً للفاعل، وهو الله تعالى، والحسن قرأه "أُنْزِلَ" مبنيًّا للمفعول، وقرأ السلميُّ "نَزَّلَهُ بِعِلْمِهِ" مشدَّداً، والباء في "بعلْمِهِ" للمصاحبة، أي: ملتبساً بعلمه، فالجارُّ والمجرور في محلِّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: الهاءُ في "أنْزَلَهُ". والثاني: الفاعل في "أنْزَلَهُ" أي: أنزله عالماً به، و"والمَلائِكةُ يَشْهَدُونَ" مبتدأ وخبر، يجوز أن تكون حالاً أيضاً من المفعول في "أنْزَلَهُ"، أي: والملائكة يَشْهَدُونَ بصدْقه، ويجوزُ ألاَّ يكونَ لها محلٌّ، وحكمه حينئذٍ كحُكْم الجملة الاستدراكيّة قبله، وقد تقدَّم الكلامُ على مِثْلِ قوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} [النساء: 166]. فصل قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: "حديث : إن رُؤسَاء مكَّةَ أتوا رسُول الله صلى الله عليه وسلم وشَرَّف وكَرَّم ومَجَّد وعَظَّم وقالوا: يا مُحَّمد، إنا سَألْنَا عنْكَ اليَهُودَ، عن صفتِك في كِتَابِهِم، فَزَعَمُوا أنَّهُم لا يَعْرِفُونَك ودخل عليه جَمَاعَةٌ من اليَهُودِ، فقال لَهُم: والله إنَّكُمْ لتَعَلمُن أنِّي رَسُولُ اللَّهِ"تفسير : . فقالوا: ما نَعْلَمُ ذلك واللَّهِ، فأنزلَ الله - تعالى -: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ [أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ]} إن جحدوك وكَذَّبُوك، وشهادَةُ الله عُرِفَتْ بإنْزَالِ هذا القُرآنِ البَالِغ في الفَصَاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَز الأوَّلُون والآخِرُون عن مُعَارَضَتِهِ، فكان ذَلِكَ مُعْجِزاً، وإظْهَارُ المُعْجِزَة شهادَةٌ بكَوْن المُدَّعِي صَادِقاً، ولما كانت شهادتُهُ إنما عُرِفَتْ بإنْزَالِهِ بواسِطَة القُرْآنِ، قال: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ} لك بالنُّبُوَّةِ، بواسِطَة إنْزَالِ هذا القُرْآنِ عليك، ثم بيَّن صفَة هذا الإنْزَال، وهو أنَّه - تعالى - أنْزَلَهُ بِعِلْمٍ تَامٍّ، وحِكْمَةٍ بَالِغَة. فقولُهُ بغايَةِ الحُسْن ونهاية الكَمَالِ؛ كما يُقالُ في الرَّجُل المَشْهُور بكَمَالِ الفَضْل والعِلْم، إذا صَنَّف كتاباً واسْتَقْصَى في تحْريره: إنَّه إنما صنَّفَ هذا بكَمَالِ عِلْمِه وفَضْلِه، يعني: أنه اتَّخَذَ جُمْلَة عُلُومه وسِيلَةً إلى تَصْنِيفِ هذا الكِتَابِ، فيدُلُّ ذَلِك عَلَى وَصْفِ ذلك التَّصْنِيف بِغَايَةِ الجَوْدَةِ والحُسْنِ، فكذا هَهُنَا دلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ لله - تعالى - عِلْماً؛ لأنَّها أثْبَتتِ العلم للَّه - تعالى - ولو كان عِلْمُهُ نَفْس ذَاتِهِ، لزم إضافَةُ الشَّيْء إلى نَفْسِهِ، وهُوَ مُحَال. وقوله - تعالى -: {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ} إنَّما تُعْرَفُ شَهَادَةُ المَلاَئِكَة له بذلك؛ لأن إظهار المُعْجزة على يَدِهِ، لمَّا دلَّ على أنَّ اللَّه - تعالى - شَهِد بذلك، فالمَلاَئِكَة [أيضاً] يشهدُون لا مَحَالَة، لأنَّهُم لا يَسْبِقُونَهُ بالقَوْلِ، فكأنَّهُ قيل: يا محمد إن كَذَّبَكَ هؤلاء [اليَهُود]، فلا تُبَالِ بِهِم، فإنَّ إله العَالمِينَ يُصَدِّقُك، وملائِكَةُ السَّمَوات يُصَدِّقُونَك في ذلك، ومن صَدَّقَهُ ربُّ العَالَمِين، وملائكةُ العَرْشِ والكُرْسِيّ، والسَّمواتُ السَّبْع أجْمَعِين، لم يَلْتَفِتْ إلى تكْذِيب أخَسِّ النَّاسِ. ثُمَّ قال: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} [وقد تقدَّم الكلامُ فيه].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن اسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: "حديث : إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك..! فأنزل الله {لكن الله يشهد..} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {لكن الله يشهد..} الآية. قال: شهود والله غير متهمة.
ابو السعود
تفسير : {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ} بتخفيف النون ورفع الجلالة، وقرىء بتشديد النونِ ونصبِ الجلالةِ، وهو استدراك عما يُفهم مما قبله كأنهم لما تعنّتوا عليه بما سبق من السؤال واحتَجّ عليهم بقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا} تفسير : [النساء، الآية: 163] الخ، قيل: إنهم لا يشهدون بذلك لكنَّ الله يشهد {بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} على البناء للفاعل، وقرىء على البناء للمفعولِ والباءُ صلةٌ للشهادة أي يشهد بحقية ما أنزل إليك من القرآن المعجزِ الناطِقِ بنبوتك، وقيل: (لما نزل قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}تفسير : [النساء، الآية: 163] قالوا: ما نشهد لك بذلك فنزل) لكنِ الله يشهد. {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} أي ملتبساً بعلمه الخاصِّ الذي لا يعلمه غيرُه وهو تأليفُه على نمط بديعٍ يَعجِز عنه كلُّ بليغٍ، أو بعلمه بحال مَنْ أنزله عليه واستعدادِه لاقتباس الأنوارِ القدسية، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناسُ في معاشهم ومعادِهم، فالجارُّ والمجرورُ على الأولين حال من الفاعل وعلى الثالث من المفعولِ، والجملةُ في موقع التفسيرِ لما قبلها وقرىء نزّله، وقولُه تعالى: {وَٱلْمَلَـئِكَةُ يَشْهَدُونَ} أي بذلك، مبتدأٌ وخبرٌ والجملةُ عطفٌ على ما قبلها، وقيل: حالٌ من مفعول أنزله، أي أنزله والملائكةُ يشهدون بصدقه وحقِّيتِه {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على صحة نُبوّتِك حيث نصَبَ لها معجزاتٍ باهرةً وحججاً ظاهرةً مغْنيةً عن الاستشهاد بغيرها. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بما أنزل الله تعالى وشهِد به أو بكل ما يجب الإيمانُ به وهو داخلٌ فيه دخولاً أولياً، والمرادُ بهم اليهودُ حيث كفروا به {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ــ وهو دينُ الإسلام ــ مَنْ أراد سلوكَه بقولهم: ما نعرِف صفةَ محمدٍ في كتابنا، وقرىء صُدُّوا مبنياً للمفعول {قَدْ ضَلُّواْ} بما فعلوا من الكفر والصدِّ عن طريق الحق {ضَلَـٰلاً بَعِيداً} لأنهم جمعوا بـين الضلال والإضلالِ ولأن المُضِل يكون أعرقَ في الضلال وأبعدَ من الإقلاع عنه. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بما ذكر آنفاً {وَظَلَمُواْ} أي محمداً صلى الله عليه وسلم بإنكار نبوّتِه وكتمانِ نعوتِه الجليلةِ ووضعِ غيرِها مكانَها، أو الناسَ بصدهم عما فيه صلاحُهم في المعاش والمعاد {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} لاستحالة تعلّقِ المغفرةِ بالكافر {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً}.
القشيري
تفسير : سلاَّه الله عن تكذيب الخلق إياه بما ذكره من علم الله بصدقه، ولذلك قال: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}.
اسماعيل حقي
تفسير : {لكن الله} استدراك على مفهوم ما قبله من سؤالهم على وجه التعنت ان ينزل عليهم ما وصفوه من الكتاب فهو بمنزلة قولهم لا نشهد بان الله تعالى بعثك الينا رسولا حتى ينزل ما سألناه فقال تعالى انهم لا يشهدون بصدقك فى دعوى الرسالة لكن الله {يشهد بما انزل اليك} من القرآن المعجز الدال على نبوتك ان جحدوك وكذبوك فان انزال هذا القرآن البالغ فى الفصاحة الى حيث عجز الاولون والآخرون عن معارضته واتيان ما يدانيه شهادة له عليه السلام بنبوته وصدقه فى دعوى الرسالة من الله تعالى فمعنى شهادة الله تعالى بما انزل اليه اثباته لصحته باظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات {انزله بعلمه} حال من الفاعل اى ملتبسا بعلمه الخاص الذى لا يعلمه غيره وهو تأليف على نمط بديع يعجز عنه كل بليغ او بعلمه بحال من انزل عليه واستعداده لاقتباس الانوار القدسية {والملائكة يشهدون} ايضا بنبوتك. فان قلت من اين يعلم شهادة الملائكة قلت من شهادة الله تعالى لان شهادتهم تبع لشهادته {وكفى بالله شهيدا} على صحة نبوتك حيث نصب لها معجزات باهرة وحججا ظاهرة مغنية عن الاستشهاد بغيرها كأنه تعالى قال يا محمد ان كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فان الله تعالى وهو اله العالمين يصدقك فى دعواك وملائكة السموات ايضا يصدقونك فى ذلك ومن صدقه رب العالمين والملائكة اى ملائكة العرش والكرسى والسموات السبع اجمعون لا ينبغى له ان يلتفت الى تكذيب اخس الناس وهم هؤلاء اليهود.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {لكن}: حرف استدراك، وهو عن مفهوم ما تقدم، وكأنه قال: إنهم لا يشهدون بوحينا إليك. لكن الله يشهد بذلك. يقول الحقّ جلَ جلاله: في الرد على اليهود لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نشهد لك بما أوحي إليكم. فقال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} إن لم يشهدوا به، {أنزله بعلمه} أي: متلبسًا بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ. أو متلبسًا بعلمه الذي يحتاج الناس إليه في معاشهم ومعادهم. أو بعلمه المتعلق بمن يستأهل نزول الكتب إليه، {والملائكة} أيضًا يشهدون بذلك. وفيه تنبيه على أن الملائكة يودُّون أن يعلم الناس صحة دعوى النبوة، على وجه يستغني عن النظر والتأمل، وهذا النوع من خواص الملك، ولا سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك، سوى التفكر والنظر، فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوتك، وشهدوا بها كما عرفت الملائكة وشهدوا. قاله البيضاوي، وقد يخلق الله العلم في قلب الإنسان من غير تفكر ولا نظر، بل هداية من المالك القدير. {وكفى بالله شهيدًا} لرسوله عن شهادة غيره. الإشارة: كما شهد الحق تعالى لرسوله بالنبوة والرسالة، شهد لمن كان على قدمه من ورثته الخاصة بالولاية والخصوصية، وهم الأولياء العارفون بالله، وشهادته لهم بما أظهر عليهم من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وبما أتحفهم به من الأخلاق النبوية والمحاسن البهية، وبما أظهر على أيديهم من الكرامات الظاهرة مع الاستقامة الشرعية، لكن لا يدرك هذه الشهادة إلا من سبقت له العناية، وكان له حظ من الولاية. " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه! ولم يوصل إليه إلا من أراد أن يوصله إليه" وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : قال الزجاج: الرفع مع تخفيف (لكن) والنصب مع تشديده جائز، لكن لم يقرأ بالتشديد احد. ومعنى {لكن الله يشهد} أي يبين ما تشهد به ويعلم مع ابانته انه حق. {والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً} دخلت الباء مؤكدة. والمعنى اكتفوا بالله في شهادته والمعنى في الآية ان هؤلاء اليهود الذين سألوك ان ينزل عليهم كتابا من السماء وقالوا لك ما أنزل الله على بشر من شيء، قد كذبوا ليس الامر كما قالوا، لكن الله يشهد بتنزيل ما انزله اليك من كتابه ووحيه انزل ذلك إليك، وهو عالم بانك خيرته من خلقه، وصفوته من عباده يشهد لك بذلك ملآئكته، فلا يحزنك تكذيب من كذبك، وخلاف من خالفك {وكفاك بالله شهيداً} أي حسبك بالله شاهداً على صدقك، دون ما سواه. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في جماعة من اليهود كان النبي (صلى الله عليه وسلم) دعاهم إلي اتباعه، واخبرهم أنهم يعلمون حقيقه نبوته فجحدوا نبوته، وانكروا معرفته، فانزل الله فيهم هذه الآية تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) وتعزية له عن تكذيب من كذبه. ومن استدل بهذه الآية على انه تعالى عالم بعلم، فقد اخطأ لان، قوله بعلمه معناه، وهو عالم به. ولو كان المراد بذلك ذاتا اخرى، لوجب أن يكون العلم آلة في الانزال، كما يقولون كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين، ونجرت بالفاس. ولا خلاف ان العلم ليس بآلة في الانزال. وقال الزجاج معناه إنزال القرآن الذي علمه فيه. وهو اختيار الازهري.
الجنابذي
تفسير : {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ}استدراك عن جواب سؤال يناسب المقام كأنّ سائلاً يسأل: هل يشهد الامّة بذلك؟ - فأجيب لا يشهدون لكن الله يشهد {بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} فلا حاجة الى غيره، وورد عنهم (ع) انّه أنزل لكن الله يشهد بما انزل اليك فى علىّ.
اطفيش
تفسير : {لَّكِنَ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ}: الخ فهو استدراج على محذوف، وهو كلام غيره، وهو قولهم: أنا سألنا عنك اليهود...الخ، أو يقدر ليس الأمر كما قالوا، ومثل ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنه أيضا أنه حديث : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود، فقال لهم: أنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآيةتفسير : ، وقد علمت أن انزال الكتاب على انسان يوجب تنبئته وارساله، فكأنه قيل: لكن الله يشهد بأنك رسول، وأنه أنزل عليك القرآن، وتصديق الشهادة بكونه معجزا لا يعارض أحدا الا انقطع. ووجه آخر أنه لما قال:{أية : إنا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح }تفسير : الآية، قالت اليهود: ما نشهد لك بهذا، فنزل: {أية : لكن الله يشهد بما أنزل اليك }تفسير : ، وقيل: سبب نزولها قول اليهود: ما أنزل الله على بشر من شىء، ويجوز أن يقدر محذوف من كلام الله تعالى يعود اليه الاستدراك على حسب انكار اليهود نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا أنهم لا يشهدون، ولكن الله يشهد، أو أنهم أنكروا ولكن الله يشهد، وقرأ السلمى لكن الله يشهد بالتشديد والفتح. {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ}: يتعلق بمحذوف جواز، أو بمحذوف حال، وهو كون خاص، وصاحب الحال ضمير أنزل، أى ملتبسا بعلمه الخاص به، أعنى بالله وهو العلم تبالغه على وجه الاعجاز ملتبسا بعلمه بحال من يناسب النبوة لاخلاصه واجتهاده، ويتأهل له، ولا لكتب عليه أو حال من هاء أنزله أى حال كون الكتاب ملتبسا بعلم الله الذى يحتاج اليه الناس دنيا وأخرى، ويجوز أن يكون المعنى على كونه حالا من هاء أزله، ومن ضمير أنزل أنزله وهو عالم به حافظ له عن الشياطين برصد من الملائكة. وعن كل مغير له ولا دليل فيه للأشعرية فى قولهم: الله عالم بعلم، اجعلوا صفات الذات غيره تعالى كصفات الفعل، وعندنا صفات الذات هو، فلزمهم تعدد القديم أو حدوث صفات الذات، وكونه ظرفا لها تعالى عن ذلك كله، فالعلم المذكور فى الآية وهو تعالى بمعنى أنه تعالى انكشفت الأشياء له، وكفى فى انكشافها له وجوده، وجملة أنزله بعلمه حال من ضمير يشهد أو خبر ثان، أو بدل مطابق لقوله: {أَنزَلَ إِلَيْكَ}. {وَالمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ}: انك رسول الله، لأنهم يشهدون بما شهد الله، وما فيهم من الفضائل انما يحصل لهم بأن أفاضه الله عليهم من غير نظر وتأمل، واليهود يحبون أن يعرفوا رسالته على وجه محسن، يعنى عن النظر والفكر، أو على وجه يفيضه الله عليهم كالملائكة، وليس للبشر ذلك، بل لا بد له من الفكر، فلو تفكروا بالنظر الصحيح لعرفوا رسالتك كما عرفتها الملائكة. {وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً}: على رسالتك، ومن شهد الله تبارك وتعالى له والملائكة بصدقه، فلا أصدق منه، فلا تكترث يا محمد بتكذيب من كذبك، ومعنى شهادة الله بما علمه بها واخباره بها، وكذا الملائكة أو شهادته بها اثباتها بالمعجزات والكتاب المعجز.
الالوسي
تفسير : {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ} بتخفيف النون ورفع الجلالة. وقرأ السليمي بتشديد النون ونصب الجلالة، وهو استدراك عن مفهوم ما قبله كأنهم لما سألوه صلى الله عليه وسلم إنزال كتاب من السماء وتعنتوا ورد عليهم بقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} تفسير : [النساء: 163] الخ قيل: إنهم لا يشهدون لكن الله يشهد. وحاصل ذلك إن لم تلزمهم الحجة ويشهدوا لك فالله تعالى يشهد، وقيل: إنه سبحانه لما شبه الإيحاء إليه صلى الله عليه وسلم بالإيحاء إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أوهم ذلك التشبيه مزية الإيحاء إليهم، فاستدرك عنه بأن للإيحاء إليك مزية شهادة الله تعالى {بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} أي بحقية الذي أنزله إليك وهو القرآن، فالجار والمجرور متعلق ـ بيشهد ـ والباء صلة والمشهود به هو الحقية، ويجوز أن يكون المشهود به هو النبوة وتعلق بما أنزل تعلق الآلية أي يشهد بنبوتك بسبب ما أنزل إليك لدلالته بإعجازه على صدقك ونبوتك، ولعل مآل المعنى ومؤداه واحد فإن شهادته سبحانه بحقية ما أنزله من القرآن بإظهار المعجز المقصود منه إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم، وأخرج البيهقي في «الدلائل» وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام لهم: إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله فقالوا: ما نعلم ذلك فنزلت: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ }»تفسير : وفي رواية ابن جرير عنه «أنه لما نزل {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} تفسير : [النساء: 163] قالوا: ما نشهد لك فنزل {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ}، وقرىء {أُنْزِلَ} على البناء للمفعول. {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} ذكر فيه أربعة أوجه: الأول: أن يكون المعنى أنزله بعلمه الخاص به الذي لا يعلمه غيره سبحانه، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، واختاره جماعة من المفسرين، والثاني: أن يكون المعنى أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك لقيامك فيه بالحق ودعائك الناس إليه، واختاره الطبرسي والثالث: أن يكون المعنى أنزله بما علم من مصالح العباد مشتملاً عليه، والرابع: أن يكون المعنى أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة، والعلم على الوجه الأول قيل: بمعنى المعلوم، والمراد به التأليف والنظم المخصوص وليس من جعل العلم / مجازاً عن ذلك ولو جعل عليه العلم بمعناه المصدري، والباء للملابسة ويكون تأليفه بياناً لتلبسه لا للعلم نفسه صح لكن فيه تجوز من جهة أن التأليف ليس نفس التلبس بل أثره، ويحتمل على هذا أن تكون الباء للآلية كما يقال: فعله بعلمه إذا كان متقناً وعلى ما ينبغي، فيكون وصفاً للقرآن بكمال الحسن والبلاغة، وأما على الوجه الثاني والثالث فالعلم بمعناه، أو هو في الثالث بمعنى المعلوم، والظرف حال من الفاعل أو المفعول، ومتعلق العلم مختلف وهو أنك أهل لإنزاله أو مصالح العباد، وظاهر كلام البعض أنه على الثاني حال من الفاعل، وعلى الثالث من المفعول، وجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً مطلقاً أي إنزالاً متلبساً بعلمه، وموقع الجملة على الأول موقع الجملة المفسرة لأنه بيان للشهادة على ما نص عليه الزمخشري، وعلى الوجهين موقع التقرير والبيان للصلة، وقيل: إنها في الأوجه الثلاثة كالتفسير ـ لأنزل إليك ـ لأنها بيان لإنزاله على وجه مخصوص، وأما على الوجه الرابع فقد ضمن العلم بمعنى الرقيب والحافظ، والظرف حال من الفاعل، ويكون {أَنزَلَهُ} تكريراً ليعلق به ما علق أو كما قيل، ولم يعتبر بعضهم هذا الوجه لأنه لا مساس له بهذا المقام، وقيل: إن فيه تعظيماً لأمر القرآن بحفظه من شياطين الجن المشعر بحفظه أيضاً من شياطين الإنس فتكون الجملة حينئذ كالتفسير للشهادة أيضاً، وقرىء نزله. {وَٱلْمَلَٰـئِكَةُ يَشْهَدُونَ} أيضاً بما شهد الله تعالى به لأنهم تبع له سبحانه في الشهادة، والجملة عطف على ما قبلها، وقيل: حال من مفعول {أَنزَلَهُ} أي أنزله والملائكة يشهدون بصدقه وحقيته، وجعل بعضهم شهادة الملائكة على صدقه صلى الله عليه وسلم في دعواه بإتيانهم لإعانته عليه الصلاة والسلام في القتال ظاهرين كما كان في غزوة بدر، وأياً مّا كان ـ فيشهدون ـ من الشهادة، وذكر أنه على الوجه الرابع من الشهود للحفظ {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على ما شهد به لك حيث نصب الدليل وأوضح السبيل وأزال الشبه وبالغ في ذلك على وجه لا يحتاج معه إلى شهادة غيره عز وجل. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ} أي لا يحب أن يهتك العبد ستره إذا صدرت منه هفوة أو اتفقت منه كبوة {أية : إَلاَّ مَن ظُلِمَ} تفسير : [النساء: 148] أي إلا جهر من ظلمته نفسه برسوخ الملكات الخبيثة فيه فإنه مأذون له بإظهار ما فيه من تلك الملكات وعرضها على أطباء القلوب ليصفوا له دواءها، وقيل: لا يحب الله تعالى إفشاء سر الربوبية وأظهار مواهب الألوهية، أو كشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب إلا من ظلم بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني أنا الحق وسبحاني ما أعظم شأني، وفي تسمية تلك الغلبة ظلماً خفاء لا يخفى. وفي ظاهر الآية بشارة عظيمة للمذنبين حيث بين سبحانه أنه لا يرضى بهتك الستر إلا من المظلوم فكيف يرضى سبحانه من نفسه أن يهتك ستر العاصين وليسوا بظالميه جلّ جلاله، وإنما ظلموا أنفهسم كما نطق بذلك الكتاب {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} هؤلاء قوم احتجبوا بالجمع عن التفصيل، فأنكروا الرسل لتوهمهم وحدة منافية للكثرة وجمعاً مبايناً للتفصيل، ومن هنا عطلوا الشرائع وأباحوا المحرمات وتركوا الصلوات {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي الإيمان بالكل جمعاً وتفصيلاً والكفر بالكل {أية : سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 150] أي طريقاً {أُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} المحجوبون {أية : حَقّاً} تفسير : [النساء: 151] بذواتهم وصفاتهم لأن معرفتهم وهم وغلط، وتوحيدهم زندقة وضلال، ولقتل واحد منهم أنفع من قتل / ألف كافر حربـي على ما أشار إليه حجة الإسلام الغزالي قدس سره {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} وهم المؤمنون جمعاً وتفصيلاً لا يحجبهم جمع عن تفصيل ولا تفصيل عن جمع كالسادة الصادقين من أهل الوحدة {أُوْلَٰـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} من الجنات الثلاث {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} يستر ذواتهم وصفاتهم {أية : رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 152] يرحمهم بالوجود الموهوب الحقاني والبقاء السرمدي {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء} أي علماً يقينياً بالمكاشفة من سماء الروح {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً} أي طلبوا المشاهدة ولا شك أنها أكبر وأعلى من المكاشفة {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ} أي استولت عليهم نار الأنانية وأهلكت استعدادهم {بِظُلْمِهِمْ} وهو طلبهم المشاهدة مع بقاء ذواتهم {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} أي عجل الشهوات الذي صاغه لهم سامري النفس الأمارة {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} الرادعة لهم عن ذلك {أية : وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 153] وهو سطوع نور التجلي من وجهه حتى احتاج إلى أن يستر وجهه بالبرقع رحمة بخفافيش أمته {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ} أي جعلناه مستولياً عليهم {بِمِيثَـٰقِهِمْ} أي بسبب أن يعطوا الميثاق، وأشير بالطور إلى موسى عليه السلام، أو إلى العقل ورفعه فوقهم تأييده بالأنوار الإلهية {وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} أي باب السير والسلوك الموصل إلى حضيرة القدس وملك الملوك {أية : سُجَّدًا} تفسير : [النساء: 154] خضعاً متذللين، وقوله تعالى: {أية : بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} تفسير : [النساء: 158] أشير به ـ على ما ذكره بعض القوم والعهدة عليه ـ إلى اتصال روحه عليه السلام بالعالم العلوي عند مفارقته للعالم السفلي، وذلك الرفع عندهم إلى السماء الرابعة لأن مصدر فيضان روحه عليه السلام روحانية فلك الشمس الذي هو بمثابة قلب العالم، ولما لم يصل إلى الكمال الحقيقي الذي هو درجة المحبة لم يكن له بدّ من النزول مرة أخرى في صورة جسدانية، يتبع الملة المحمدية لنيل تلك الدرجة العلية، وحينئذ يعرفه كل أحد فيؤمن به أهل الكتاب أي أهل العلم العارفين بالمبدأ والمعاد كلهم عن آخرهم قبل موته عليه السلام بالفناء بالله عز وجل، فإذا آمنوا به يكون يوم القيامة أي يوم بروزهم عن الحجب الجسمانية وانتباههم عن نوم الغفلة شهيداً، وذلك بأن يتجلى الحق عليهم في صورته {فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} وهو عبادتهم عجل الشهوات واتخاذه إلهاً وامتناعهم عن دخول باب حضيرة القدس واعتدائهم في السبت بمخالفة الشرع الذي هو المظهر الأعظم والاحتجاب عن كشف توحيد الأفعال ونقضهم ميثاق الله تعالى واحتجابهم عن توحيد الصفات الذي هو كفر بآيات الله تعالى إلى غير ذلك من المساوي:شعر : مساو لو قسمن على الغواني لما أمهرن إلا بالطلاق تفسير : {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ} عظيمة جليلة وهي ما في الجنات الثلاث {أُحِلَّتْ لَهُمْ} بحسب استعدادهم لولا هذه الموانع {وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي طريقه الموصلة إليه سبحانه {أية : كَثِيراً } تفسير : [النساء: 160] أي خلقاً كثيراً وهي القوى الروحانية {وَأَخْذِهِمُ ٱلْرِّبَوٰاْ} وهو فضول العلم الرسمي الجدلي الذي هو كشجرة الخلاف لا ثمرة له، وكاللذات البدنية والحظوظ النفسانية {وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } لما أنه الحجاب العظيم {أية : وَأَكْلِهِمْ أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ} تفسير : [النساء: 161] أي استعمال علوم القوى الروحانية في تحصيل الخسائس الدنيوية، أو أخذ ما في أيدي العباد برذيلة الحرص والطمع {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ} المستقيمون في السماع الخاص من الله سبحانه من غير معارضة النفوس واضطراب الأسرار {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} بالإيمان العياني حال كونهم {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} من الأحكام الشرعية والأسرار الإلهية / {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَٰوةَ} على أكمل وجه {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ} ببذل قوامهم في أصناف الطاعة {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} أي بالمبدأ والمعاد، والمراد من المتعاطفات طائفة واحدة كما قدمنا {أية : أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 162] لا يقادر قدره فيما أعدّ لهم من الجنات {أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ} تفسير : [النساء: 163] الآية التشبيه على حد التشبيه في قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [البقرة: 183] على قول: {رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ} بتجليات اللطف {وَمُنذِرِينَ} بتجليات القهر {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} أي لئلا يكون لهم ظهور وسلطنة بعد ما محى ذلك بأمداد الرسل {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً} فيمحو صفاتهم ويفني ذواتهم {أية : حَكِيماً} تفسير : [النساء: 165] فيفيض عليهم من صفاته ويبقيهم في ذاته حسبما تقتضيه الحكمة {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} لتجليه فيه سبحانه {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} أي متلبساً بعلمه المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. ومن هنا علم صلى الله عليه وسلم ما كان وما هو كائن {وَٱلْمَلَٰـئِكَةُ} هم أصحاب النفوس القدسية {يَشْهَدُونَ} أيضاً لعدم احتجابهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} [النساء: 166] لأنه الجامع ولا موجود غيره، والله تعالى الموفق للصواب.
ابن عاشور
تفسير : هذا استدراك على معنًى أثارهُ الكلام: لأنّ ما تقدّم من قوله: {أية : يسألك أهل الكتاب}تفسير : [النساء: 153] مسوق مساق بيان تعنّتهم ومكابرتهم عن أن يشهدوا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحّة نسبة القرآن إلى الله تعالى، فكان هذا المعنى يستلزم أنَّهم يأبون من الشهادة بصدق الرسول، وأنّ ذلك يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم فجاء الاستدراك بقوله: {لكن الله يشهد}. فإنّ الاستدراك تعقيب الكلام برفع ما يُتوهَّم ثبوتُه أو نفيُه. والمعنى: لم يشهد أهلُ الكتاب لكن الله شهد وشهادة الله خير من شهادتهم. وقد مضى عند قوله تعالى: {أية : واستشهدوا شهيدين من رجالكم} تفسير : في سورة البقرة (282)، أنّ حقيقة الشهادة إخبار لتصديق مخبر، وتكذيب مخبر آخر. وتقدّم أنّها تطلق على الخبر المحقّق الذي لا يتطرّقه الشكّ عند قوله تعالى: {أية : شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو}تفسير : في سورة آل عمران (18). فالشهادة في قوله: {لكن الله يشهد} أطلقت على الإخبار بنزول القرآن من الله إطلاقاً مجازياً، لأنّ هذا الخبر تضمّن تصديق الرسول وتكذيب معانديه، وهو إطلاق على وجه الاستعارة من الإطلاق الحقيقي هو غير الإطلاق الذي في قوله: {أية : شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو}تفسير : [آل عمران: 18] فإنّه على طريقة المجاز المرسل. وعطف شهادة الملائكة على شهادة الله: لزيادة تقرير هذه الشهادة بتعدّد الشهود، ولأنّ شهادة الله مجاز في العلم وشهادة الملائكة حقيقة. وإظهار فعل {يشهدون} مع وجود حرف العطف للتّأكيد. وحَرف (لكنْ) بسكون النون مخفّف لكنَّ المشدّدة النون التي هي من أخوات (إنّ) وإذا خفّفت بطل عملها. وقَوله: {وكفى بالله شهيداً} يَجري على الاحتمالين. وقوله: {بما أنزل إليك أنزله بعلمه} وقع تحويل في تركيب الجملة لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل، ليكون أوقع في النفس. وأصل الكلام: يشهد بإنزال ما أنزله إليك بعلمه؛ لأنّ قوله: {بما أنزل إليك} لم يُفد المشهود به إلاّ ضمناً مع المشهود فيه إذ جيء باسم الموصول ليوصل بصلة فيها إيماء إلى المقصود، ومع ذلك لم يذكر المقصود من الشهادة الذي هو حقّ مدخوللِ الباء بعد مادّة شهد، فتكون جملة {أنزله بعلمه} مكمّلة معنى الشهادة. وهذا قريب من التحويل الذي يستعمله العرب في تمييز النسبة. وقال الزمخشري: «موقع قوله: {أنزله بعلمه} من قوله: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} موقع الجملة المفسّرة لأنّه بيان للشهادة وأنّ شهادته بصحّته أنّه أنزله بالنظم المعجز». فلعلّه يجعل جملة {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} مستقلة بالفائدة، وأنّ معنى {بما أنزل إليك} بصحّة ما أنزل إليك، وما ذكرتُه أعرق في البلاغة. ومعنى {أنزله بعلمه} أي متلبّساً بعلمه، أي بالغاً الغاية في باب الكتب السماوية، شأن ما يكون بعلم من الله تعالى، ومعنى ذلك أنّه معجز لفظاً ومعنى، فكما أعجز البلغاء من أهل اللّسان أعجز العلماءَ من أهل الحقائق العالية. والباء في قوله: {وكفَى بالله شهيداً} زائدة للتَّأكيد، وأصله: كفى الله شهيداً كقوله:شعر : كفَى الشيبُ والإسلام للمرء ناهياً تفسير : أو يضمّن (كفى) معنى اقتنِعوا، فتكون الباء للتعدية.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} (166) - لَمَّا أنْكَرَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الكَافِرِينَ وَأهْلِ الكِتَابِ كُفْرَهُمْ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَتَكْذِيبَهُمْ بِنُزُولِ الوَحْي عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَتَعَنُّتَهُمْ فِي طَلَبِ المُعْجِزَاتِ مِنْهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: إنَّهُ يَشْهَدُ بِأنَّهُ أنْزَلَ وَحْيَهُ عَلَى رَسُولِهِ، بِعِلْمٍ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ الرَّسُولُ وَلاَ قَوْمُهُ (أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وَالمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ، وَكَفَى بِمَنْ يَشْهَدُ اللهُ لَهُ صِدْقاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة نسمع "لكن" فمعنى ذلك أن هناك استدراكاً. وقوله الحق: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ} نأخذ منها بلاغاً من الحق. خصومك يا محمد لا يشهدون أنك أهل لهذه الرسالة، ويستدرك الله عليهم ويوضح لهم أنه سبحانه هو الذي خلق الإنسان وهو أعلم بقانون صيانته. ومنهج الله إلى البشر بواسطة الرسل هو قانون صيانة ذلك الإنسان. وإذا كان أهل الكتاب لا يشهدون بما أنزل الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وينكرون ما في كتبهم من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم كرسول خاتم، فإن الله يشهد وكفى بالله شهيداً. لقد أنزل القرآن بعلمه، وهو الذي لا تخفى عليه خافية، وهو الذي خلق كل الخلق ويعلم - وهو العليم - ما يصلح للبشر من قوانين. وفي أعرافنا البشرية نجد أن الذي يصنع الصنعة يضع قانون صيانتها لتؤدي مهمتها كما ينبغي، كذلك الله الذي خلق الإنسان، هو سبحانه الذي وضع له قانون صيانته بـ "افعل" و"لا تفعل". ولذلك يقول الحق: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14] ونجد الإنسان منا يذهب بساعته إلى عامل إصلاح الساعات فيكشف عليها ويقرر ما فيها من فساد، فما بالنا بخالق الإنسان. إنّ العبث الذي يوجد في العالم سببه أن الناس قد استقبلوا خلق الله لهم، ولم يدع أحد أنه خلق نفسه أو خلق غيره، ومع ذلك يحاولون أن يقننوا قوانين صيانة للإنسان خارجة عن منهج الله. ونقول: دعوا خالق الإنسان، يضع لكم قانون صيانة الإنسان بـ "افعل" ولا "تفعل" وإن أردتم أن تشرِّعوا، فلتشرعوا في ضوء منهج الله، وإن حدث أي عطب في الإنسان فلنرده إلى قانون صيانة الصانع الأول وهو القرآن؛ لأن المتاعب إنما تنبع من أن الإنسان يتناسى في بعض الأحيان أنه من صنعة الله، ويحاول أن يصنع لنفسه قانون صيانة بعيداً عن منهج الله، والذي يزيل متاعب الإنسانية هو أن تعود إلى قانون صيانتها الذي وضعه الخالق تبارك وتعالى. {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ} والملائكة تشهد لأنها نالت شرف أن يكون المبلغ لرسول الله منهم وهو جبريل عليه السلام، وهم أيضاً الذين يحسبون حسابات العمل الصالح أو الفاسد للإنسان ويكتبونها في صحيفته، وهم كذلك الذين حملوا ما في اللوح المحفوظ وبلغوا ما أمروا بتبليغه وهم يعرفون الكثير {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} لماذا لم يقل الله هنا وكفى بالله وبالملائكة شهوداً؟. لأن الحق سبحانه وتعالى لا يأخذ شهادة الملائكة تعزيزاً لشهادته. ونحن لا نأخذ شهادة الملائكة تعزيزاً لشهادة الله وإلا كانت الملائكة أوثق عندنا من الله. وسبحانه يؤرخ شهادة الناس وشهادة الملائكة، لكنك يا رسول الله تكفيك شهادة الله. ومن بعد ذلك يقول الحق: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}
الجيلاني
تفسير : ومن غاية جدالهم ونزاعهم يجادلون غالباً معك في رسالتك وكتابك، ولا يشهدون لك وبحقية كتابك، وبصدقك في رسالتك، مع كونك مشهوداً في كتبهم وعلى لسان رسلهم؛ مكابرةً وعناداً، لا تبال بهم وبشهادتهم، {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ} المطلع للسرائر والخفيات {يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ} أي: بحقيته، وصدقك فيه، وبأنه {أَنزَلَهُ} إليك ملتبساً {بِعِلْمِهِ} المتعلق بتأليف كلماته، وكيفية ترتيبه ونظمه على وجهٍ يعجز عنه جميع من تحدى وتعارض معه {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} أيضاً {يَشْهَدُونَ} بأنه مُنزل من الحق على الحق {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} [النساء: 166] سواء شهدوا، أو لم يشهدوا. ثم قال سبحانه {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بك وبكتابك {وَصَدُّواْ} أعرضوا {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} المبيّن فيه {قَدْ ضَلُّواْ} عن طريق التوحيد {ضَلَٰلاً بَعِيداً} [النساء: 167] لا ترجى هدايتهم أصلاً، وكيف ترجى هدايتهم وقد أضلهم الله؟. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ستروا طريق الحق {وَ} مع كفرهم {ظَلَمُواْ} خرجوا عن حدود الله بالمرة {لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ} الهادي لعباده {لِيَغْفِرَ لَهُمْ} ذنوبهم؛ لعظم جرمهم {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} [النساء: 168] من طريق النجاة؛ لاِنْهِمَاكِهِم في الغفلة والضلال. {إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ} البعد الخذلان {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} لا ينجون منها أصلاً {وَ} لا تستبعد عن الله أمثال هذه التبعيدات والتخذيلات؛ إذ {كَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ} المنتقم، المضل للغواة الطغاة {يَسِيراً} [النساء: 169]. ثم لما بيَّن سبحانه حقيَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصدقه في دعواه، وأوعد على من كذبه وخالف كتابه ما أوعد، أراد أن ينبه على عامة أهل التكليف من أرباب الملل وغيرهم أن يؤمنوا له، وما جاء به من عنده، فقال منادياً؛ ليقبلوا عليه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} المجبولون على النيسان والغفلة {قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ} أي: المبعوث إلى كافة الخلق ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع {مِن رَّبِّكُمْ} الذي رباكم بنعمة العقل الذي هو مناط جميع التكاليف، وبه الوصول إلى الإيمان والتوحيد. {فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ} أي: فإن آمنوا به بعد ما ظهر كان خيراً لكم عند ركبم، يوصلكم إلى توحيده، {وَإِن تَكْفُرُواْ} به عناداً، ولم تؤمنوا به مكابرة، لا يبالي الله بكفركم، ولا بإيمانكم {فَإِنَّ للَّهِ} أي: يسجد ويخضع له جميع {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} إرادة وطوعاً {وَكَانَ ٱللَّهُ} المكلف لأمر عباده {عَلِيماً} بقابلياتهم {حَكِيماً} [النساء: 170] فيما أمرهم به وكلفهم عليه؛ ليفوزوا من عنده فوزاً عظيماً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ} [النساء: 166] لك خاصة، {بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ} [النساء: 166]، فيما أوحى إليك، ما أوحى سراً بسر وإضمار بإضمار، ثم بين بقوله تعالى: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166]؛ يعني: إنه أنزل إليك القرآن وأنزل في القرآن بعلمه القديم الذي هو غير متناه، وذلك أنه تعالى تجلى له بالصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون، فافهم جيداً. {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ} [النساء: 166] على تلك الخلة لك مع الله وإن لم يسبقوك فيها؛ لأنك قد عبرت عليهم بالعروج عند الدخول والخروج، وإن لم يشاهدوا تلك الأحوال ولم يشاهدوا على تلك الأسرار، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} [النساء: 166] عليها جرى فجرى ما جرى عند الانبساط عليِّ [بقاب قوسين] أو أدنى {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10]. شعر : ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر قد كان ما كان سر إلا أبوح به تفسير : ثم أخبر عن المحرومين عن هذه القضية والمهمومين بهذه القصة بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 167]، إلى قوله: {يَسِيراً} [النساء: 169]، والإشارة فيهما: إن الذين كفروا ستروا الحق إنما ستروا اليوم الحق؛ لأن أرواحهم بقيت مستورة في ظلمة الخلقية عند رشاش النور الربانية، وما أصابهم ذلك النور وإنما صدوا عن سبيل الله؛ لأن نور الله صد عنهم، فانسد عليهم سبيل الله، {قَدْ ضَلُّواْ} [النساء: 167] ذلك اليوم عن سبيل الله، {ضَلَٰلاً بَعِيداً} [النساء: 167] من ذلك اليوم لا إقبالاً قريباً من هذا اليوم؛ لأن الضلال اليوم من نتائج ذلك الضلال من ذلك اليوم، وفيه إشارة أخرى وهي: إن الذين كفروا وإن كانوا قد صدوا عن سبيل الله بكفرهم لا ريب في أنهم ضلوا ضلالاً بعيداً عن الهداية، ولكن يحتمل أن يكون هذا الكفر والصد فيهم عارية، والعارية مردودة فيكمن أنهم في مناسبة ما وقعوا في هذا الكفر، أو بالتقليد أخذوا من آبائهم، وما أخطأهم ذلك النور عند الرشاش، ويرجعون إلى الحق ويؤمنون به كما آمن كثير منهم، ويغفر الله لهم ويهديهم طريق الحق، {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ} [النساء: 168] على أنفسهم بأنواع المعاملات التي تفسد استعدادهم الأصلي وتبطل صفاء أرواحهم بالكل، {لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: 168] حين رش على الأرواح نور مغفرته، {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ} [النساء: 168] اليوم، {طَرِيقاً} [النساء: 168] إلى الحق والقربة، {إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ} [النساء: 169]، الفرقة والقطيعة بإتباع الهوى وحب الدنيا، {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} [النساء: 169]، إذ لم يكن فيه ذرة من ذلك النور فيخرجون به من النار، كما قال: صلى الله عليه وسلم "حديث : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان"تفسير : ، وكان ذلك السبب الذي أخلدهم في النار. ثم أخبر عن صورة ذلك النور في هذا العالم ورشاشته على العالمين بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ} [النساء: 170]، والإشارة أن الله تعالى جعل ابتداء إصابة النور المرشش على الأرواح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعبر عن هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما خلق الله نوري"تفسير : ، وكان صلى الله عليه وسلم أكملهم نوراً فشرح الله صدره بذلك النور، فعلى واستعلى النور بإمداد أنوار الوحي حتى أحاط بجميع أجزائه ظاهره وباطنه، فجعله بالكل نوراً كما كان يدعوا الله ويقول: "حديث : اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً وعن يميني نوراً وعن شمالي نوراً وأمامي نوراً وخلفي نوراً وفوقي نوراً وتحتي نوراً واجعلني نوراً"تفسير : ، فلما جعله نوراً أرسله إلى الخلق فصار صلى الله عليه وسلم صورة ذلك النور الغيبي المرشوش على الأرواح فهو النور المرسل إلى الأجساد، فمن كان قابلاً لإفاضة نور دعوته فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، والذي على هذا التأويل قوله تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة: 15] فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم {أية : يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ}تفسير : [المائدة: 16]، والسلام هو الله تعالى، {فَآمِنُواْ} [النساء: 170] بمحمد صلى الله عليه وسلم اليوم يكن {خَيْراً لَّكُمْ} [النساء: 170] من إصابة ذلك النور المرشش، وأنتم على دين غير دينه؛ لأن بالإيمان يتصل ذلك النور الغيبي بهذا الشاهد المستفاد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكون {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 35]؛ يعني: إن كان الأنبياء يدلون من الأمم من كان إصابة النور المرشش إلى دار السلام، وهو في متابعتهم يصلون إلى دار السلام، فإن من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وتابعه يصل إلى السلام؛ لأن نوره الغيبي أيد بالنور الشاهدي، فصار أجره كفلين بكفل من أجره ووصل إلى الجنة، وبكفل آخر وصل إلى الله، والذي يدل على هذا قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}تفسير : [الحديد: 28]؛ يعني: من آمن من أهل الكتاب اتقوا الله في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا برسوله وهو محمد صلى الله عليه وسلم {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}تفسير : [الحديد: 28]؛ يعني: من النور الذي انعم به عليكم مما أصابكم عند الرشاش حتى آمنتم بأنبيائكم به، كفلا من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تصلوا به إلى الله تعالى {وَإِن تَكْفُرُواْ} [النساء: 170]؛ يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم وتؤمنوا بجميع الأنبياء فلا ينفعكم إيمانكم، وتضرون أنفسكم وفي قوله تعالى: - {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [النساء: 170]، عقيب قوله {وَإِن تَكْفُرُواْ} [النساء: 170]، إشارة إلى: إن ما في السماوات والأرض يكون لكم أن تؤمنوا وفي ميزانكم؛ لأنكم بنور الإيمان تشاهدون الآيات الدالة على الوحدانية، كما قيل ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، {وَإِن تَكْفُرُواْ} [النساء: 170]، فلم يكن ما في السماوات والأرض لكم ويكون لله وعليكم، فافهم جيداً. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} [النساء: 170]، بأحوال من يصيبه ذلك النور فيؤمن، ومن لم يصبه فيكفر، {حَكِيماً} [النساء: 170]، فيما دبر عند رشاش ذلك النور وأصاب أرواح مؤمني أهل الكتاب على قدر أن يكون لهم كفلاً من الرحمة، وأصاب أرواح المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بمقدار ما يكون له كفلين من الرحمة؛ لأنه كان صورة ذلك النور وصورة الرحمة المهداة إلى الخلق بقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 107].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر أن الله أوحى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى إخوانه من المرسلين، أخبر هنا بشهادته تعالى على رسالته وصحة ما جاء به، وأنه { أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ } يحتمل أن يكون المراد أنزله مشتملا على علمه، أي: فيه من العلوم الإلهية والأحكام الشرعية والأخبار الغيبية ما هو من علم الله تعالى الذي علم به عباده. ويحتمل أن يكون المراد: أنزله صادرا عن علمه، ويكون في ذلك إشارة وتنبيه على وجه شهادته، وأن المعنى: إذا كان تعالى أنزل هذا القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي، وهو يعلم ذلك ويعلم حالة الذي أنزله عليه، وأنه دعا الناس إليه، فمن أجابه وصدقه كان وليه، ومن كذبه وعاداه كان عدوه واستباح ماله ودمه، والله تعالى يمكنه ويوالي نصره ويجيب دعواته، ويخذل أعداءه وينصر أولياءه، فهل توجد شهادة أعظم من هذه الشهادة وأكبر؟" ولا يمكن القدح في هذه الشهادة إلا بعد القدح بعلم الله وقدرته وحكمته وإخباره تعالى بشهادة الملائكة على ما أنزل على رسوله، لكمال إيمانهم ولجلالة هذا المشهود عليه. فإن الأمور العظيمة لا يستشهد عليها إلا الخواص، كما قال تعالى في الشهادة على التوحيد: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } وكفى بالله شهيدا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):