٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
167
Tafseer
الرازي
تفسير : أعلم أن هذا من صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم، والمراد أنهم كفروا بمحمد وبالقرآن وصدوا غيرهم عن سبيل الله، وذلك بإلقاء الشبهات في قلوبهم نحو قولهم: لو كان رسولاً لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء كما نزلت التوراة على موسى، وقولهم: إن الله تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود، وقوله {قَدْ ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً } وذلك لأن أشد الناس ضلالاً من كان ضالاً ويعتقد في نفسه أنه محق، ثم إنه يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال والجاه، ثم إنه يبذل كنه جهده في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال، فهذا الإنسان لا شك أنه قد بلغ في الضلال إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات، فلهذا قال تعالى في حقهم {قَدْ ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً } ولما وصف تعالى كيفية ضلالهم ذكر بعده وعيدهم فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ } محمداً بكتمان ذكر بعثته وظلموا عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. واعلم أنا إن حملنا قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } على المعهود السابق لم يحتج إلى إضمار شرط في هذا الوعيد، لأنا نحمل الوعيد في الآية على أقوام علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإن حملناه على الاستغراق أضمرنا فيه شرط عدم التوبة، ثم قال {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ }. ثم قال تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } والمعنى أنه تعالى لا يهديهم يوم القيامة إلى الجنة بل يهديهم إلى طريق جهنم {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } انتصب خالدين على الحال، والعامل فيه معنى لا ليهديهم لأنه بمنزلة نعاقبهم خالدين، وانتصب {أَبَدًا } على الظرف، وكان ذلك على الله يسيراً، والمعنى لا يتعذر عليه شيء فكان إيصال الألم إليهم شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية يسيراً عليه وإن كان متعذراً على غيره.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني اليهود أي ظلموا. {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي عن ٱتباع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بقولهم: ما نجِد صفته في كتابنا، وإنما النُّبوّة في ولد هارون وداود، وإن في التوراة أنّ شرع موسى لا يُنسخ. {قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاَ بَعِيداً} لأنهم كفروا ومع ذلك منعوا الناس من الإسلام.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً} لأنهم جمعوا بين الضلال والإِضلال ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد من الانقلاع عنه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بالله {وَصُدُّواْ } الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دين الإسلام بكتمهم نعت محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود {قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاَ بَعِيداً } عن الحق.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية والجمهورُ على "وَصَدُّوا" مبنيًّا للفاعل، وقرأ عكرمة وابن هُرْمُزٍ: "وَصُدُّوا" مبنيًّا للمفعول، وهما واضحتانِ، وقد قرئ بهما في المتواترِ في قوله: {أية : وَصُدُّواْ} تفسير : [الرعد: 33] في الرعْد، و{أية : وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [غافر: 37] في غافر. والمراد كَفَرُوا بقوْلِهِم: لو كان رَسُولاً، لأتى بِكِتَابٍ دَفْعَةً واحِدَةً من السَّماءِ؛ كما أنْزِلَت التوراة على مُوسَى؛ وقولهم: إنَّ الله - تعالى - ذكر في التَّوْرَاةِ؛ أنَّ شَريعَة موسى لا تُبَدَّلُ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القيامَةِ، وقولهم: إنَّ الأنْبِيَاء لا يَكُونُون إلاَّ مِنْ وَلَد هَارُونَ وَدَاوُد، وصَدِّهم عن سَبيلِ اللَّهِ: بِكِتْمَان نَعْت مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم. {قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيداً}، إلا أنَّ أشدَّ النَّاس ضلالاً من كَان يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّه مُحِقٌّ، ثم يَتَوَسَّلُ بذلك الضَّلال إلى اكْتِسَابِ المالِ والجَاهِ، ثم يَبْذُلَ جَهْدَهُ في إلْقَاءِ غيره في مِثْلِ ذلِك الضَّلالِ، فهذا قَدْ بَلَغَ في الضَّلاَلِ إلى أقْصَى الغَايَاتِ. ولمَّا وصف الله ضلالهُم، ذكر وعيدَهُم؛ فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ} بِكِتْمَان نَعْتِ مُحمَّد [صلى الله عليه وسلم]، وظلموا أتْبَاعَهُم بإلْقَاءِ الشُّبُهَاتِ {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ}، وقد تقدَّم الكلامُ على قوله "لِيَغْفِر لَهُم" وأن الفِعْلَ مع هَذِهِ اللاَّم أبْلَغُ مِنْهُ دُونَهَا. واعلم أنَّا إن حَمَلْنَا قوله: "إِنَّ الذينَ" على المَعْهُود السَّابِقِ لم يَحْتَجْ إلى إضْمَارِ شَرْطٍ في هذا الوَعِيد على أقْوَامٍ علِمَ اللَّهُ منْهُمْ أنَّهُم يمُوتُون على الكُفْرِ. وإنْ حَمَلْنَاهُ على الاسْتِغْرَاقِ، أضَمَرْنَا فيه شَرْطَ عَدَم التَّوْبَةِ. قوله سبحانه: {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ} في هذا الاسْتِثْنَاء قولان: أحدهما: أنه اسْتِثْنَاء مُتَّصِلٌ، لأن [المُرَادَ] بالطَّرِيق الأوَّلِ: العُمُوم، فالثَّانِي من جِنْسِهِ. والثاني: أنه مُنْقَطِعٌ إن أُريد بالطَّرِيق شَيْءٌ مَخْصُوصٌ؛ وهو العمل الصَّالِحُ الذي يَتَوَصَّلُون به إلى الجَنَّة، وانْتَصَب "خَالِدِين" على الحَالِ، والعَامِلُ فيه مَعْنَى "لا يهديهم اللَّه"؛ لأنه بِمَنْزِلَةِ: يُعَاقِبهُم خَالِدِين، وانْتَصَب "أبَداً" على الظَّرْفِ، {وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} أي: لا يتعذَّر عليْه شيءٌ.
البقاعي
تفسير : ولما بين سبحانه أنه أقام الأدلة على صحته بالمعجزات، فصار كأنه شهد بحقيقته, كان أنفع الأشياء اتباع ذلك بوصف من جحده في نفسه وصد عنه غيره زجراً عن مثل حاله وتقبيحاً لما أبدى من ضلاله فقال: {إن الذين كفروا} أي ستروا ما عندهم من العلم بصدقه بما دل عليه من شاهد العقل وقاطع النقل، من اليهود وغيرهم {وصدوا عن سبيل الله} أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه بأنفسهم وبإضلال غيرهم بما يلقونه من الشبه من مثل هذه وقولهم كذباً: إن في التوراة أن شريعة موسى عليه الصلاة والسلام لا تنسخ، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من أبناء هارون وداود عليهما الصلاة والسلام {قد ضلوا} أي عن الطريق الموصل إلى مقصودهم في حسده ومنع ما يراد من إعلائه {ضلالاً بعيداً *} أي لأن أشد الناس ضلالاً مبطل يعتقد أنه محق، ثم يحمل غيره على مثل باطله، فصاروا بحيث لا يرجى لهم الرجوع إلى الطريق النافع، لا سيما إن ضم إلى ذلك الحسد، لأن داء الحسد أدوأ داء؛ ثم علل إغراقهم في الضلال بإضلاله لهم لتماديهم فيما تدعوا إليه نقيصة النفس من الظلم بقوله وعيداً لهم: {إن الذين كفروا} أي ستروا ما عندهم من نور العقل {وظلموا} أي فعلوا لحسدهم فعل الماشي في الظلام بإعراضهم وإضلالهم غيرهم {لم يكن الله} أي بجلاله {ليغفر لهم} أي لظلمهم {ولا ليهديهم طريقاً *} أي لتضييعهم ما أتاهم من نور العقل ومنابذتهم؛ ثم تهكم بهم بقوله: {إلا طريق جهنم} أي بما تجهموا مَنْ ظلموه. ولما كان المعنى: فإنه يسكنهم إياها، قال: {خالدين فيها} أي لأن الله لا يغفر الشرك، وأكد ذلك بقوله: {أبداً} ولما كان ذلك مع ما لهم من العقول أمراً عجيباً قال تعالى: {وكان ذلك} أي الأمر العظيم من كفرهم وضلالهم وعذابهم {على الله يسيراً *} أي لأنه قادر على كل شيء.
القشيري
تفسير : جعْل صدَّهم المؤمنين من اتباع الحقِّ كفرهم بالله، واللهُ تعالى عظَّم حقوق أوليائه كتعظيم حقِّ نفسه، ثم قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ} جعل ظُلْمَهُم سبيلَ كفرهم، فَعَلَّقَ استحقاق العقوبة المؤبَّدة عليها جميعاً. والظلم - وإنْ لم يكن كالكفر في استحقاق وعيد الأبد - فَلِشُؤْمِ الظلم لا يبعد أن يخذلَه اللهُ حتى يُوَافِيَ ربَّه على الكفر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين كفروا} اى بما انزل الله ويشهد به وهم اليهود {وصدوا عن سبيل الله} وهو دين الاسلام من اراد سلوكه بقوله ما نعرف صفة محمد فى كتابنا {قد ضلوا} بما فعلوا من الكفر والصد عن طريق الحق {ضلالا بعيدا} لانهم جمعوا بين الضلال والاضلال ولان المضل يكون اعرق فى الضلال وابعد من الانقلاع عنه.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {خالدين}: حال مقدرة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين كفروا} بما أنزلت على رسولنا من اليهود أو غيرهم، {وصدوا} الناس عن طريق الله الموصلة إليه، {قد ضلوا ضلالاً بعيدًا}؛ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد عن الانقلاع. {إنَّ الذين كفروا وظلموا} الناس بصدهم عما فيه صلاحهم وخلاصهم، أو ظلموا رسول الله بإنكار نبوته وكتمان صفته، أو ظلموا أنفسهم بالانهماك في الكفر، {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا، إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدًا}، فجرى حكمه السابق ووعده الصادق على أن من مات على الكفر مخلد في النار، {وكان ذلك على الله يسيرًا} لا يصعب عليه ولا يتعاظمه. الإشارة: إن الذين كفروا بالخصوصية وأنكروا على أهلها، وصدوا الناس عن القصد إليها والدخول في حزبها؛ قد ضلوا عن طريق الوصول ضلالاً بعيدًا، إذ لا وصول إلى الله إلا على يد أولياء الله؛ لأنهم باب الحضرة، فلا بد من الأدب معهم والخضوع لهم. إن الذين كفروا بأولياء الله، وظلموا أنفسهم؛ حيث حرموها الوصول، وتركوها في أودية الخواطر تجول، لم يكن الله ليستر مساوئهم ويقدس سرائرهم، ولا ليهديهم طريق المشاهدة ولا كيفية المجاهدة وإنما يمكنهم من طريق التعب والنصب حتى يلقوا الله بقلب سقيم، والعياذ بالله.
الطوسي
تفسير : المعنى: ان الذين جحدوا نبوتك بعد علمهم بها من أهل الكتاب الذين ذكر قصتهم، وانكروا ان الله تعالى أوحى اليك وانزل كتابه عليك، وصدوا عن سبيل الله يعني عن الدين الذي بعثك به الي خلقه. وهو الاسلام بقولهم للذين يسألونهم عن صحة نبوتك ما نجد صفة محمد (صلى الله عليه وسلم) في كتبنا، وادعاؤهم عهد إليهم ان النبوة لا تكون إلا في ولد هارون. ومن ذرية داود، وما اشبه ذلك فقد ضلوا ضلالا بعيداً يعني جاروا عن قصد الطريق جوراً شديداً، وزالوا عن المحجة التي هي دين الله الذي ارتضاه لعباده وبعثك به الي خلقه زوالا بعيدا، ابعدوا من الرشاد.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} استيناف كأن السّامع سئل وطلب بيان حال الكافر بما أنزل اليه مع انّ الله يشهد به ولذا اكّده والمراد بهذا الكفر، الكفر بما انزل اليه فى علىّ (ع) والكفر بسبيل الله على سبيل التّنازع {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عن ولاية علىٍّ عليه السّلام {قَدْ ضَلُّواْ} عن الطّريق {ضَلاَلاَ بَعِيداً} لانّك قد علمت انّ الطّريق هو علىّ (ع) ولا يحصل الاّ بدلالة علىّ (ع) وانّهم كفروا به وصدّوا الغير عنه، ولمّا ذكر حالهم فى انفسهم كأنّ السّامع طلب حالهم مع الله ونسبة مغفرته وهدايته لهم فقال جواباً لهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيداً} ثم قال: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا} أي وظلموا أنفسهم بالكفر {لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} يعني إذا ماتوا على كفرهم. وهو كقوله: (أية : إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) تفسير : [سورة محمد:34] {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} أي طريق الهدى، يعني العامّة من أحيائهم، وهم أهل الكتاب. {إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً}. قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ} يعني محمداً {بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بخلقه حكيماً في أمره. قوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} الغُلوّ تعدّي الحق. {وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [أي أنه كان من غير بشر] {فَآمِنُوا باِللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ} أي: آلهتنا ثلاثة {انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ}. ينزّه نفسَه أن يكون له ولد. {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً} أي لمن توكل عليه. قوله: {لَّن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ}. قال بعضهم: لن يحتشم المسيح أن يكون عبداً لله {وَلاَ المَلاَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ} أي: أن يكونوا عباداً لله {وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً} أي الكافرين والمؤمنين.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}: برسالته ونبوته وهم اليهود وغيرهم. {وَصَدُّوا}: منعوا غيرهم. {عَن سَبِيلِ اللهِ}: وهو الايمان به صلى الله عليه وسلم، بأن ألقوا الشبه كقوله: لو كان رسولا لأتى بكتاب جملة، وحرفوا صفاته، وكتموا كاليهود، أو منعوا غيرهم بالضرب والايذاء كمشركى قريش. {قَدْ ضَلُّوا}: عن الحق. {ضَلالاً بَعِيداً}: أى أطالوا الخروج عن الحق، وصاروا فى دركة من الضلال يتعسر الخروج منها، كمن أخطأ الطريق فى أرض لا أنيس فيها، ولا يعرفها بنحو ثلاثة أيام، وذلك لأنهم ضلوا فى أنفسهم وأضلوا غيرهم، فلو اهتدوا بعد لبقى غيرهم فى الضلال الذى أوقعوه، فيلزمهم أن يهدوهم هدى بيان الى الحق، ولأنه من أضل غيره يأنف عن أن يقر بالضلال، ويرجع عنه بحضرة من أضل أو يكتبه اليه.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بالله ورسوله {وَصَدُّوا} أعرضوا أو صدوا الناس {عَن سَبِيلِ اللهِ} دينه بالكتم والتحريف والكذب فى حق النبى صلى الله عليه وسلم ووصفه، وهم اليهود، وكانوا يقولون للناس، ولو كان محمد رسولا لأتى بكتابه دفعة من السماء، كما نزلت التوراة عَلَى موسى دفعة، ويقولون، إن الله تعالى ذكر فى التوراة أن شريعة موسى لا تتبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة، ويقولون، إن الأنبياء لا يكون إلا من ولد هارون وداود {قَدْ ضَلَّوا ضَلاَلاً بَعِيداً} عن الحق والصواب، لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأن المضل يكون أغرق فى الضلال وأبعد عن الانقطاع عنه لأنه أرسخ فيهم، ولأنه يلزمهم أن يردوا إلى الهدى من ضلوا بأن يتوبوا ويخبروهم أن ما أمروهم به ضلال، وأنهم تائبون منه.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بما أنزل إليك، أو بكل ما يجب الإيمان به ويدخل ذلك فيه دخولاً أولياً، والمراد بهم اليهود، وكأن الجملة لبيان حكم الله سبحانه فيهم بعد بيان حالهم وتعنتهم {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي دين الإسلام من أراد سلوكه بإنكارهم نعت النبـي صلى الله عليه وسلم وقولهم: لا نعرفه في كتابنا، وأن شريعة موسى عليه السلام لا تنسخ، وأن الأنبياء لا يكونون إلا من أولاد هارون وداود عليهما السلام. وقرىء {صدوا} بالبناء للمفعول {قَدْ ضَلُّواْ} بالكفر والصد {ضَلَـٰلاً بَعِيداً} لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال ولأن المضل يكون أقوى وأدخل في الضلال وأبعد عن الانقلاع عنه.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون المراد بالذين كفروا هنا أهل الكتاب، أي اليهود، فتكون الجملة بمنزلة الفذلكة للكلام السابق الرّادّ على اليهود من التحاور المتقدّم. وصدُّهم عن سبيل الله يحتمل أن يكون من صَدّ القاصر الذي قياس مضارعه يصِدّ ـــ بكسر الصاد ـــ، أي أعرضوا عن سبيل الله. أي الإسلام، أو هو من صَدّ المتعدي الذي قياس مضارعه ـــ بضمّ الصاد ـــ، أي صدّوا النّاس. وحذف المفعول لقصد التكثير. فقد كان اليهود يتعرّضون للمسلمين بالفتنة، ويقوون أوهام المشركين بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون المراد بالذين كفروا المشركين، كما هو الغالب في إطلاق هذا الوصف في القرآن، فتكون الجملة استئنافاً ابتدائياً، انتقل إليه بمناسبة الخوض في مناواة أهل الكتاب للإسلام. وصدّهم عن سبيل الله، أي صدّهم النّاس عن الدخول في الإسلام مشهور. والضلال الكفر لأنّه ضياع عن الإيمان، الذي هو طريق الخير والسعادة، فإطلاق الضلال على الكفر استعارة مبنيَّة على استعارة الطريق المستقيم للإيمان. ووصف الضلال بالبعيد مع أنّ البعد من صفات المسافات هو استعارة البعد لشدّة الضلال وكماله في نوعه، بحيث لا يدرك مقداره، وهو تشبيه شائع في كلامهم: أن يشبّهوا بلوغ الكمال بما يدلّ على المسافات والنهايات كقولهم: بَعيد الغور، وبعيد القعر، ولا نهاية له، ولا غاية له، ورجل بعيد الهمّة، وبعيد المرمَى، ولا منتهى لكبارها، وبحر لا ساحل له، وقولهم: هذا إغراق في كذا. ومن بديع مناسبته هنا أنّ الضلال الحقيقي يكون في الفيافي والموامِي، فإذا اشتدّ التيه والضلال بَعُدَ صاحبه عن المعمور، فكان في وصفه بالبعيد تعاهد للحقيقة، وإيماء إلى أنّ في إطلاقه على الكفر والجهل نقلاً عرفياً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كفروا وصدوا: كفروا: جحدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدوا: صرفوا الناس عن الإِيمان به صلى الله عليه وسلم بما يبذرون من بذور الشك. كفروا وظلموا: جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وظلموا ببقائهم على جحودهم بغياً منهم وحسداً للعرب أن يكون فيهم رسول يخرجهم من الظلمات إلى النور. الرسول: هو محمد صلى الله عليه وسلم في رسالته الصادق في دعوته. فآمنوا خيرا لكم: أي يكون إيمانكم خيراً لكم. معنى الآيات: بعد أن أقام الله تعالى الحجة على رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بشهادته له بالرسالة وشهادة ملائكته، وشهادة القرآن لما فيه من العلوم والمعارف الإِلهية بعد هذا أخبر تعالى أن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وهم اليهود قد ضلوا ضلالاً بعيداً قد يتعذر معه الرجوع إلى الحق، وهذا ما تضمنته الآية الأولى [167] كما أخبر في الآية الثانية [168] أن الذين كفروا وظلموا وهم أيضاً اليهود لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً اللهم إلا طريق جهنم وهذا قائم على سنته في خلقه وهي أن المرء إذا كفر كفر عناد وجحود وأضاف إلى الكفر الظلم لم يبق له أي استعداد لقبول الهداية الإِلهية، لم يبق له من طريق يرجى له سلوكه إلا طريق جهنم يخلد فيها خلوداً أبديّاً، وقوله تعالى: {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} في ختام الآية يقرر فيه أن دخول أصحاب هذه الصفات من اليهود جهنم وخلودهم فيها ليس بالأمر الصعب على الله المتعذر عليه فعله بل هو من السهل اليسير أما الآية الأخيرة [170] فهي تتضمن إعلاناً إلهياً موجهاً إلى الناس كافة مشركين وأهل كتاب {... يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ... } الكامل الخاتم جاءكم بالدين الحق من ربكم فآمنوا به خيراً لكم، وإن أبيتم وأعرضتم إيثاراً للشر على الخير والضلال على الهدى فاعلموا أن لله ما في السماوات والأرض خلقاً وملكاً وتصرفاً وسيجزيكم بما اخترتم من الكفر والضلال جهنم وساءت مصيراً فإنه عليم بمن استجاب لندائه فآمن وأطاع، وبمن أعرض فكفر وعصى حكيم في وضع الجزاء في موضعه اللائق به. فلا يجزي المحسن بالسوء، ولا المسيء بالإِحسان. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- شر الكفر ما كان مع الصد عن سبيل الله والظلم وهذا كفر اليهود والعياذ بالله تعالى. 2- سنة الله تعالى في أن العبد إذا أبعد في الضلال، وتوغل في الشر والفساد يتعذر عليه التوبة فيموت على ذلك فيهلك. 3- الرسالة المحمدية عامة لسائر الناس أبيضهم وأصفرهم. 4- إثبات صفتي العلم والحكمة لله تعالى. وبموجبهما يتم الجزاء العادل الرحيم.
القطان
تفسير : ان الذين كفروا بمحمد والقرآن، ومنعوا غيرهم من الدخول في دين الله بشتى الوسائل قد ضلّوا وبعدوا عن الحق. ان الذين كفروا بما أُنزل إليك قد ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن الطريق الموصل الى الخير والسعادة، كما ظلموا غيرهم بإغوائهم وكذبهم على الناس بكتمان الحقيقة. لذلك لن يغفر الله لهم ما داموا على الكفر، ولن يهديهم طريق النجاة. أما جزاؤهم فهو النار يُعذَّبون خالدين فيها ابدا. تلك مقتضى حكمته تعالى وسنُته في خلقه: إن أحسنوا أثيبوا، وإن أساؤا حق عقابهم... وكان ذلك على الله يسيرا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ضَلَٰلاً} (167) - الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَرَفَضُوا اتِّبَاعَ الحَقِّ، وَسَعَوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ الهُدَى وَالإِيْمَانِ، قَدْ خَرَجُوا عَنِ الحَقِّ، وَضَلُّوا عَنْهُ، وَبَعُدُوا عَنْهُ بُعداً عَظِيماً.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً * إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ} يعني اليهود الذين علم الله تعالى منهم إنهم لايؤمنون {لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} يعني دين الإسلام {إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } يعني اليهودية {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} إلى قوله تعالى {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ} الآية نزلت في النسطورية والماريعقوبية والملكانية والمرقوسية وهم نصارى نجران وذلك إن الماريعقوبية قالوا لعيسى: هو الله، وقالت النسطورية: هو ابن الله، وقالت المرقوسية: هو روح الله، فأنزل الله تعالى {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} يعني يا أهل الانجيل وهم النصارى {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} أي لا تتشددوا في دينكم فتفتروا عليّ بالكذب، وأصل الغلو مجاوزة الحد في كل شيء، يقال: غلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها يغلو بها غلواً وغلاء. خالد المخزومي: شعر : خمصانة فلق موشحها رؤد الشباب غلا بها عِظَم تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} لا تقولوا أن لله شركاء أو ابناً، ثم بين حال عيسى وصفته فقال {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} وهو الممسوح المطهر من الذنوب والأدناس التي تكون في الناس كما يمسح للشيء من الاذى الذي يكون فيه فيطهر، عيسى ابن مريم لا ابن الله بل رسول الله [وعبده قال: "حديث : إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبّياً" تفسير : ] ردَّ بهذا على اليهود والنصارى جميعاً {وَكَلِمَتُهُ} يعني قوله: كن، فكان بشراً من غير أب وذلك قوله تعالى {أية : كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59] الآية وقيل: هي بشارة الله مريم بعيسى ورسالته إليها على لسان جبرئيل وذلك قوله تعالى {أية : إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ} تفسير : [آل عمران: 45] وقال تعالى مصدّقاً بكلمة من الله {أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} يعني أعلمها وأخبرها بها كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة {وَرُوحٌ مِّنْهُ} الآية. قال بعضهم: معناه ونفخة منه وذلك أن جبرئيل نفخ في درع مريم فحملت بإذن الله، فقال: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} لأنه بأمره كان المسيح وربما لأنه ريح يخرج من الروح، قال ذو الرمة يصف شرر النار التي تسقط من القداحة: شعر : فقلت له ارمها إليك وأحيها بروحك واقتته لها قيتة قدراً تفسير : واجعل لها قوتاً بقدر. يدل عليه قوله تعالى {وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء: 91] الآية هذا معنى قول عذرتها. وقال أبو عبيدة: إنّه كان إنساناً بإحياء الله عز وجل إياه، يدل عليه قول السدّي {وَرُوحٌ مِّنْهُ} أي مخلوق من عنده، وقيل: معناه ورحمة من الله تعالى، عيسى رحمة لمن شهد وآمن به، يدل عليه قوله في المجادلة {أية : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} تفسير : [المجادلة: 22] أي قوّاهم برحمة منه، فدلّ الروح بالوحي أوحى إلى مريم بالبشارة وأوحى إلى مريم بالمسيح وأوحى أنه ابن مريم يدلّ عليه (قوله تعالى: {بروح منه} ) يعني بالوحي، وقال في حم المؤمن: {أية : يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [غافر: 15]. وقال: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52] أي وحينا، وقيل: إهدنا بروح جبرئيل فقال: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} وألقى إليها أيضاً روح منه وهو جبرائيل. يدل عليه قوله في النحل {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ} تفسير : [النحل: 102] نظيره في الشعراء قال: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193] وقال {أية : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} تفسير : [البقرة: 87] وقال {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} تفسير : [النحل: 2] يعني جبرئيل، وقال {أية : فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} تفسير : [مريم: 17] الروح الوحي يعني من الإضافة إليه على التخصيص كقوله لآدم (عليه السلام) {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر: 29]. قال الثعلبي: وسمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبي يقول: كان لهارون الرشيد غلام نصراني متطبّب وكان أحسن خلق الله وجهاً وأكملهم أدباً وأجمعهم للخصال التي يتوسل بها إلى الملوك وكان الرشيد مولعاً بأن يسلم وهو ممتنع وكان الرشيد يمنيه الأماني [فيأبى] فقال له ذات يوم: مالك لاتؤمن؟ قال: لأن في كتابكم حجة على من انتحله، قال وما هو؟ قال: قوله {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} أفغير هذا دين النصارى أن عيسى جزء منه، [فغمّ] قلب الرشيد لذلك فدعا العلماء والفقهاء فلم يكن منهم من يزيل تلك الشبهة حتى قيل: قدم حجاج خراسان وفيهم رجل يقال له علي بن الحسين بن واقد من أهل مرو إمام في أهل القرآن، فدعاه وجمع بينه وبين الغلام، فسأل الغلام فأعاد قوله، فاستعجم على علي بن الحسين الوقت جوابه فقال: يا أمير المؤمنين قد علم الله في سابق علمه أن مثل هذا [الحدث] يسألني في مجلسك، وإنه لم يخل كتابه من جوابي وليس يحضرني في الوقت لله عليَّ أن لا أُطعم حتى آتي الذي فيأمن حقها ان شاء الله، فدخل بيتاً مظلماً، وأغلق عليه بابه [وانشغل] في قراءة القرآن حتى بلغ سورة الجاثية {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13] فصاح بأعلى صوته: إفتحوا الباب فقد وجدت، ففتحوا، ودعا الغلام وقرأ عليه الآية بين يدي الرشيد، وقال: إن كان قوله (وروح منه) توجبان عيسى بعض منه وجب أن يكون ما في السماوات وما في الأرض بعضاً منه، فانقطع النصراني وأسلم وفرح الرشيد فرحاً شديداً ووصل علي بن الحسين بصلة فاخرة فلما عاد إلى مرو صنف كتاب "النظائر في القرآن" وهو كتاب لايوازيه في بابه كتاب. {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ} قال أبو عبيدة: معناه ولاتقولوا هم ثلاثة. وقال الزجاج: ولاتقولوا آلهتنا ثلاثة، وذلك أنهم قالوا: أب وابن وروح القدس، {ٱنتَهُواْ} عن كفركم {خَيْراً لَّكُمْ} إلى قوله {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} وذلك إن وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى. قال: وأي شي أقول؟ قال: تقول أنه عبد الله ورسوله، فقال لهم: إنه ليس بعار لعيسى إن يكون عبداً لله. قالوا: بلى، فنزلت {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} الآية. لم يأنف ولم يتعظّم ولم [يختتم] وأصله الأنفة، والتجنب وأصله في اللغة من قولهم نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك. قال الشاعر: شعر : فباتوا فلولا ما تذكر عنهم من الحلف لم ينكف لعينيك تدمع تفسير : {وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} هم حملة العرش لايأبون ان يكونوا عبيداً لله، لأن من الكفار من اتخذ الملائكة آلهة فلذلك ذكرهم ثم أوعدهم فقال {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} المستكبر والمقر {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} في [التضعيف] ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ} عن عبادته {وَٱسْتَكْبَرُواْ} عن السجود {فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} ثم قال (الله ولي الذين آمنوا).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنّ كُفر الكافر إنما يعود عليه، وهو يملك الاختيار بين الكُفر والإيمان، لكن أن يصد الكافر غيره عن الإيمان فهذا ضلال متعدّ؛ لقد ضل في نفسه، وهو يحاول أن يضل غيره؛ لذلك لا يحمل وزره فقط ولكن يحمل أوزار من يضلّهم. وكيف يكون الصدّ عن سبيل الله؟. بمحاولة أهل الضلال أن يمنعوا آيات الهُدى من أن تصل إلى آذان الناس، فيقولوا ما رواه الحق عنهم: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26] ولو فهموا معنى هذه الآية لما قالوا ما جاء فيها، فقولهم: {لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} أي اصنعوا ضجة تشوّش على سماع القرآن، وهم قد علموا أن هذا القرآن عندما يصل إلى الأسماع فإنه يبلغ الهداية، ولو كان القرآن غير مؤثر لما قالوا ذلك، إذن هم يعترفون بأنهم يُغلَبُون عندما يصل صوت القرآن إلى آذان البشر المدعوين إلى الهداية. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً}. كان يكفي أن يقول الحق {قَدْ ضَلُّواْ}، لكنه جاء بالمصدر التأكيدي {قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً} أي إنه الضلال بعينه، وهو فوق ذلك ضلال بعيد. وعندما ننظر في كلمة "بعيد"، نعرف أن الشيء البعيد هو الذي بينه وبين مصدره مسافة زمنية طويلة. والذي يضل قصارى ضلاله أن ينتهي بانتهاء حياته، لكن الذي يعمل على إضلال غيره فهو يجعل الضلال يمتد، أي أن الضلال سيأخذ في هذه الحالة زمناً أكبر من حياة المُضل، ويتوالى الضلال عن المضلين أجيالاً، وهكذا يصبح الضلال ممتداً. والضلال المعروف في الماديات البشرية هو - على سبيل المثال - أن يسير الإنسان إلى طريق فيضل إلى طريق آخر. وقصارى ما يضل فيه هو أن يذهب إلى مفازه - أي صحراء - ولا يجد ماء ولا طعاماً فيموت. لكن الضال المضل يجعل ضلاله يأخذ زمن الدنيا والآخرة وبذلك يكون ضلاله ممتداً. ومن بعد ذلك يقول الحق: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما أخبر عن رسالة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأخبر برسالة خاتمهم محمد، وشهد بها وشهدت ملائكته -لزم من ذلك ثبوت الأمر المقرر والمشهود به، فوجب تصديقهم، والإيمان بهم واتباعهم. ثم توعد من كفر بهم فقال: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ } أي: جمعوا بين الكفر بأنفسهم وصدِّهم الناس عن سبيل الله. وهؤلاء هم أئمة الكفر ودعاة الضلال { قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا } وأي ضلال أعظم من ضلال من ضل بنفسه وأضل غيره، فباء بالإثمين ورجع بالخسارتين وفاتته الهدايتان، ولهذا قال: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا } وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر عند إطلاق الظلم يدخل فيه. والمراد بالظلم هنا أعمال الكفر والاستغراق فيه، فهؤلاء بعيدون من المغفرة والهداية للصراط المستقيم. ولهذا قال: { لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ }. وإنما تعذرت المغفرة لهم والهداية لأنهم استمروا في طغيانهم وازدادوا في كفرانهم فطبع على قلوبهم وانسدت عليهم طرق الهداية بما كسبوا { وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ }. { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } أي لا يبالي الله بهم ولا يعبأ لأنهم لا يصلحون للخير ولا يليق بهم إلا الحالة التي اختاروها لأنفسهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):