Verse. 821 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَمَا الْحَيٰوۃُ الدُّنْيَاۗ اِلَّا لَعِبٌ وَّلَہْوٌ۝۰ۭ وَلَلدَّارُ الْاٰخِرَۃُ خَيْرٌ لِّلَّذِيْنَ يَتَّقُوْنَ۝۰ۭ اَفَلَا تَعْقِلُوْنَ۝۳۲
Wama alhayatu alddunya illa laAAibun walahwun walalddaru alakhirati khayrun lillatheena yattaqoona afala taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما الحياة الدنيا» أي الاشتغال بها «إلا لعب ولهو» وأما الطاعة وما يعين عليها فمن أمور الآخرة «وللدَّار الاخرةُ» وفي قراءة ولدار الآخرة أي الجنة «خير للذين يتقون» الشرك «أفلا يعقلون» بالياء والتاء ذلك فيؤمنون.

32

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المنكرين للبعث والقيامة تعظم رغبتهم في الدنيا وتحصيل لذاتها، فذكر الله تعالى هذه الآية تنبيهاً على خساستها وركاكتها. واعلم أن نفس هذه الحياة لا يمكن ذمها لأن هذه الحياة العاجلة لا يصح اكتساب السعادات الأخروية إلا فيها، فلهذا السبب حصل في تفسير هذه الآية قولان: القول الأول: أن المراد منه حياة الكافر. قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق، والسبب في وصف حياة هؤلاء بهذه الصفة أن حياة المؤمن يحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً. والقول الثاني: أَن هذا عام في حياة المؤمن والكافر، والمراد منه اللذات الحاصلة في هذه الحياة والطيبات المطلوبة في هذه الحياة، وإنما سماها باللعب واللهو، لأن الإنسان حال اشتغاله باللعب واللهو يلتذ به، ثم عند انقراضه وانقضائه لا يبقى منه إلا الندامة، فكذلك هذه الحياة لا يبقى عند انقراضها إلا الحسرة والندامة. واعلم أن تسمية هذه الحياة باللعب واللهو فيه وجوه: الأول: أن مدة اللهو واللعب قليلة سريعة الإنقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك. الثاني: أن اللعب واللهو لا بدّ وأن ينساقا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك. الثالث: أن اللعب واللهو، إنما يحصل عند الاغترار بظواهر الأمور، وأما عند التأمل التام والكشف عن حقائق الأمور، لا يبقى اللعب واللهو أصلاً، وكذلك اللهو واللعب، فإنهما لا يصلحان إلا للصبيان والجهال المغفلين، أما العقلاء والحصفاء، فقلما يحصل لهم خوض في اللعب واللهو، فكذلك الالتذاذ بطيبات الدنيا والانتفاع بخيراتها لا يحصل، إلا للمغفلين الجاهلين بحقائق الأمور، وأما الحكماء المحققون، فإنهم يعلمون أن كل هذه الخيرات غرور، وليس لها في نفس الأمر حقيقة معتبرة. الرابع: أن اللعب واللهو ليس لهما عاقبة محمودة، فثبت بمجموع هذه الوجوه أن اللذات والأحوال الدنيوية لعب ولهو وليس لهما حقيقة معتبرة. ولما بين تعالى ذلك قال بعده {وَلَلدَّارُ ٱلاْخِرَةُ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } وصف الآخرة بكونها خيراً، ويدل على أن الأمر كذلك حصول التفات بين أحوال الدنيا وأحوال الآخرة في أمور أحدها: أن خيرات الدنيا خسيسة وخيرات الآخرة شريفة بيان أن الأمر كذلك وجوه: الأول: أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوتين، وهو في نهاية الخساسة، بدليل أن الحيوانات الخسيسة تشارك الإنسان فيه، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل من أمر الإنسان، فإن الجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب أقوى على الفساد والتمزيق، والعقرب أقوى على الايلام، ومما يدل على خساستها أنها لو كانت شريفة لكان الإكثار منها يوجب زيادة الشرف، فكان يجب أن يكون الإنسان الذي وقف كل عمره على الأكل والوقاع أشرف الناس، وأعلاهم درجة، ومعلوم بالبديهة أنه ليس الأمر كذلك بل مثل هذا الإنسان يكون ممقوتاً مستقذراً مستحقراً يوصف بأنه بهيمة أو كلب أو أخس، ومما يدل على ذلك أن الناس لا يفتخرون بهذه الأحوال بل يخفونها، ولذلك كان العقلاء عند الاشتغال بالوقاع يختفون ولا يقدمون على هذه الأفعال بمحضر من الناس وذلك يدل على أن هذه الأفعال لا توجب الشرف بل النقص، ومما يدل على ذلك أيضاً أن الناس إذا شتم بعضهم بعضاً لا يذكرون فيه إلا الألفاظ الدالة على الوقاع، ولولا أن تلك اللذة من جنس النقصانات، وإلا لما كان الأمر كذلك، ومما يدل عليه أن هذه اللذات ترجع حقيقتها إلى دفع الآلام، ولذلك فإن كل من كان أشد جوعاً وأقوى حاجة كان التذاذه بهذه الأشياء أكمل له وأقوى، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه لا حقيقة لهذه اللذات في نفس الأمر. ومما يدل عليه أيضاً أن هذه اللذات سريعة الاستحالة سريعة الزوال سريعة الانقضاء. فثبت بهذه الوجوه الكثيرة خساسة هذه اللذات. وأما السعادات الروحانية فإنها سعادات شريفة عالية باقية مقدسة، ولذلك فإن جميع الخلق إذا تخيلوا في الإنسان كثرة العلم وشدة الانقباض عن اللذات الجسمانية، فإنهم بالطبع يعظمونه ويخدمونه ويعدون أنفسهم عبيداً لذلك الإنسان وأشقياء بالنسبة إليه، وذلك يدل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية، وكمال مرتبة اللذات الروحانية. الوجه الثاني: في بيان أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا، وهو أن نقول: هب أن هذين النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة، إلا أن الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد القيامة معلوم قطعاً. وأما الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد الدنيا فغير معلوم بل ولا مظنون، فكم من سلطان قاهر في بكرة اليوم صار تحت التراب في آخر ذلك اليوم، وكم من أمير كبير أصبح في الملك والإمارة، ثم أمسى أسيراً حقيراً، وهذا التفاوت أيضاً يوجب المباينة بين النوعين. الوجه الثالث: هب أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يوماً آخر في الدنيا، إلا أنه لا يدري هل يمكنه الانتفاع بما جمعه من الأموال والطيبات واللذات أم لا؟ أما كل ما جمعه من موجبات السعادات، فإنه يعلم قطعاً أنه ينتفع به في الدار الآخرة. الوجه الرابع: هب أنه ينتفع بها إلا أن انتفاعه بخيرات الدنيا لا يكون خالياً عن شوائب المكروهات، وممازجة المحرمات المخوفات. ولذلك قيل: من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق. فقيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: «حديث : سرور يوم بتمامه».تفسير : الوجه الخامس: هب أنه ينتفع بتلك الأموال والطيبات في الغد، إلا أن تلك المنافع منقرضة ذاهبة باطلة، وكلما كانت تلك المنافع أقوى وألذ وأكمل وأفضل كانت الأحزان الحاصلة عند انقراضها وانقضائها أقوى وأكمل كما قال الشاعر المتنبي:شعر : أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا تفسير : فثبت بما ذكرنا أن سعادات الدنيا وخيراتها موصوفة بهذه العيوب العظيمة، والنقصانات الكاملة وسعادات الآخرة مبرأة عنها، فوجب القطع بأن الآخرة أكمل وأفضل وأبقى وأتقى وأحرى وأولى. المسألة الثانية: قرأ ابن عامر {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ } بإضافة الدار إلى الآخرة، والباقون {وَلَلدَّارُ ٱلاْخِرَةُ } على جعل الآخرة نعتاً للدار. أما وجه قراءة ابن عامر فهو أن الصفة في الحقيقة مغايرة للموصوف فصحت الإضافة من هذا الوجه، ونظيره قولهم بارحة الأولى، ويوم الخميس وحق اليقين، وعند البصريين لا تجوز هذه الإضافة، قالوا لأن الصفة نفس الموصوف، وإضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة. واعلم أن هذا بناء على أن الصفة نفس الموصوف وهو مشكل لأنه يعقل تصور الموصوف منفكاً عن الصفة، ولو كان الموصوف عين الصفة لكان ذلك محالاً، ولقولهم وجه دقيق يمكن تقريره، إلا أنه لا يليق بهذا المكان، ثم إن البصريين ذكروا في تصحيح قراءة ابن عامر وجهاً آخر، فقالوا لم يجعل الآخرة صفة للدار، لكنه جعلها صفة للساعة، فكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة. فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم تكون قد أقيمت الآخرة التي هي الصفة مقام الموصوف الذي هو الساعة وذلك قبيح. قلنا لا يقبح ذلك إذا كانت الصفة قد استعملت استعمال الأسماء ولفظ الآخرة قد استعمل الأسماء، والدليل عليه: قوله {أية : وَلَلأخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلاْولَىٰ }تفسير : [الضحى: 4] وأما قراءة العامة فهي ظاهرة لأنها تقتضي جعل الآخرة صفة للدار وذلك هو الحقيقة ومتى أمكن إجراء الكلام على حقيقته فلا حاجة إلى العدول عنه والله أعلم. المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد بالدار الآخرة على وجوه. قال ابن عباس: هي الجنة، وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي. وقال الحسن: المراد نفس الآخرة خير. وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير. وقال آخرون: نعيم الآخرة من نعيم الدنيا، من حيث إنها باقية دائمة مصونة عن الشوائب آمنة من الانقضاء والانقراض. ثم قال تعالى: {لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } فبيّـن أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان من المتقين من المعاصي والكبائر. فأما الكافر والفاسق فلاٰ لأن الدنيا بالنسبة إليه خير من الآخرة على ما قال عليه السلام: «حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».تفسير : ثم قال: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } قرأ نافع وابن عامر {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بالتاء ههنا وفي سورة الأعراف ويوسف ويس. وقرأ حفص عن عاصم في {يس } بالياء والباقي بالتاء. وقرأ عاصم في رواية يحيى في يوسف بالتاء والباقي بالياء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية الأعشى والبرجمي جميع ذلك بالياء. قال الواحدي: من قرأ بالياء معناه: أفلا يعقلون الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟ فيعملون لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك، ومن قرأ بالتاء، فالمعنى: قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون أن ذلك خير؟ والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي لقصر مدّتها كما قال: شعر : أَلاَ إنما الدُّنْيَا كأَحلامِ نائم وما خيرُ عيشٍ لا يكونُ بدائم تَأَمَّلْ إذا ما نلتَ بالأمس لَذَّةً فأَفنيتَها هل أَنت إلاّ كحالمِ تفسير : وقال آخر: شعر : فٱعملْ على مَهلٍ فإنك مَيِّت وٱكدح لنفسك أَيُها الإنسانُ فكأَنّ ما قد كان لم يكُ إذ مَضَى وكأَنّ ما هو كائنٌ قد كانا تفسير : وقيل: المعنى متاعُ الحياة الدنيا لعبٌ ولهوٌ؛ أي الذي يشتهونه في الدنيا لا عاقبة له، فهو بمنزلة اللعب واللهو. ونظر سليمان بن عبدالملك في المرآة فقال: أنا الملك الشاب؛ فقالت له جارية له: شعر : أنتَ نِعْمَ المتاع لو كنتَ تَبْقَى غير أَنْ لا بقاءَ للإنسانِ ليس فيما بَدَا لنا منكَ عيبٌ كان في النّاس غير أَنّك فَاني تفسير : وقيل: معنى {لَعِبٌ وَلَهْوٌ} باطل وغرور، كما قال: { أية : وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ } تفسير : [آل عمران: 185] فالمقصد بالآية تكذيب الكفّار في قولهم: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا}. واللعب معروف، والتَّلْعابة الكثير اللعب، والمَلْعَب مكان اللعب؛ يقال: لَعِب يَلْعَب. والّلهو أيضاً معروف، وكل ما شَغَلك فقد ألهَاك، ولَهَوت من اللهو، وقيل: أصله الصّرف عن الشيء؛ من قولهم: لَهَيتُ عنه؛ قال المهدوي: وفيه بُعدٌ؛ لأن الذي معناه الصّرف لامه ياء بدليل قولهم: لهْيَانُ، ولام الأول واو. الثانية ـ ليس من اللّهو واللّعب ما كان من أمور الآخرة. فإن حقيقة اللّعب ما لا ينتفع به واللّهو ما يُلتهى به، وما كان مراداً للآخرة خارج عنهما؛ وذمّ رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صَدَقها، ودار نجاة لمن فهِم عنها، ودار غِنىً لمن تزود منها. وقال محمود الورّاق: شعر : لا تُتبِع الدُّنيا وأيامَها ذماً وإنْ دارتْ بك الدائرهْ من شرِف الدُّنيا ومن فضلِها أَن بها تُستدركُ الآخِرهْ تفسير : وروى أبو عمر بن عبدالبر عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ما كان فيها من ذكر الله أَو أَدَّى إلى ذكر الله والعالم والمتعلم شريكان في الأجر وسائر الناسَ هَمَجٌ لا خير فيه » تفسير : وأخرجه التّرمذي عن أبي هُريرة وقال: حديث حسن غريب. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من هَوَان الدُّنيا على الله أَلاَ يُعصَى إلا فيها ولا يُنالُ ما عنده إلا بتركها » تفسير : . وروى التَّرمذي عن سَهْل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لو كانت الدنيا تَعدِل عند الله جناحَ بَعوضة ما سَقَى كافِراً منها شَرْبةَ ماء » تفسير : . وقال الشاعر: شعر : تَسمَّعْ من الأَيام إن كنتَ حازما فإنّك منها بين ناهٍ وآمِرِ إذا أَبقِت الدنيا على المرء دِينه فما فات من شيء فليس بضائر ولن تَعدَل الدنيا جناحَ بَعوضةٍ ولا وَزْن زِفٍّ من جناحٍ لطائر فما رِضى الدنيا ثواباً لمؤمنٍ ولا رِضى الدنيا جزاءً لكافر تفسير : وقال ابن عباس: هذه حياة الكافر لأنه يُزَجِّيها في غرور وباطل، فأما حياة المؤمن فتنطوي على أعمال صالحة، فلا تكون لهواً ولعباً. قوله تعالى: {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ} أي الجنة لبقائها؛ وسميت آخرة لتأخرها عنا، والدنيا لدنوها منا. وقرأ ابن عامر «وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ» بلام واحدة؛ والإضافة على تقدير حذف المضاف وإقامة الصفة مقامه، التقدير: ولدار الحياةِ الآخرةِ. وعلى قراءة الجمهور «وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ» اللام لام الابتداء، ورفع الدار بالابتداء، وجعل الآخرة نعتاً لها والخبر {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ} يقويه { أية : تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ } تفسير : [القصص: 83] { أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ } تفسير : [العنكبوت: 64] فأتت الآخرة صفة للدار فيهما. {لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي الشرك. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} قرىء بالياء والتاء؛ أي أفلا يعقلون أن الأمر هكذا فيزهدوا في الدنيا. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } أي الاشتغال بها {إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ } وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة {وَلَلدَّارُ ٱلاْخِرَةُ } وفي قراءة «ولدار الآخرة» أي الجنة {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الشرك {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } - بالياء والتاء - ذلك فيؤمنون.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء خبر عن حال الدنيا، والمعنى: أنها إذا كانت فانية منقضية لا طائل لها أشبهت اللعب واللهو الذي لا طائل له إذا تقضى، وقرأ الستة من القراء "وللدار" بلامين و {الآخرة} نعت للدار، وقرأ ابن عامر وحده "ولدار" بلام واحدة، وكذلك وقع في مصاحف الشام بإضافة الدار إلى الآخرة، وهذا نحو مسجد الجامع أي مسجد اليوم الجامع، فكذلك هذا ولدار الحياة الآخرة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم "يعقلون" على إرادة الغائب، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: "تعقلون" على إرادة المخاطبين، وكذلك في الأعراف وفي آخر يوسف، ووافقهم أبو بكر في آخر يوسف فأما {أية : أفلا يعقلون} تفسير : في {يس} [الآية:68] فقرأه نافع وابن ذكوان: بتاء والباقون بياء، وهذه الآية تتضمن الرد على قولهم: {أية : إن هي إلا حياتنا الدنيا} تفسير : [الأنعام:29] وهو المقصود بها، ويصح أن يكون قوله: {أفلا تعقلون} على معنى فقل لهم يا محمد إذ الحال على هذه الصفة {أفلا يعقلون}. وقوله تعالى: {قد نعلم} الآية، {قد} الملازم للفعل حرف يجيء مع التوقع إما عند المتكلم وإما عند السامع أو مقدراً عنده فإذا كان الفعل خالصاً للاستقبال كان التوقع من المتكلم، كقولك قد يقوم زيد وقد ينزل المطر في شهر كذا إذا كان الفعل ماضياً أو فعل حال بمعنى المضي مثل آيتنا هذه، فإن التوقع ليس من المتكلم بل المتكلم موجب ما أخبر به، وإنما كان التوقع عند السامع فيخبره المتكلم بأحد المتوقعين، و {نعلم} تتضمن إذا كانت من الله تعالى استمرار العلم وقدمه، فهي تعم المضي والحال والاستقبال، ودخلت "إن" للمبالغة في التأكيد، وقرأ نافع وحده "ليُحزنك" من أحزن، وقرأ الباقون "ليَحزنك" من حزن الرجل، وقرأ أبو رجاء "لِيحزِنْك" بكسر اللام والزاي وجزم النون، وقرأ الأعمش أنه بفتح الهمزة "يحزنك" بغير لام، قال أبو علي الفارسي تقول العرب حزن الرجل بكسر الزاي يحزن حزناً وحزناً وحزنته أنا، وحكي عن الخليل أن قولهم حزنته ليس هو تغيير حزن على نحو دخل وأدخلته، ولكنه بمعنى جعلت فيه حزناً كما تقول كحلته ودهنته، قال الخليل ولو أردت تغيير حزن لقلت أحزنته، وحكى أبو زيد الأنصاري في كتاب خباة العرب أحزنت الرجل، قال أبو علي وحزنت الرجل أكثر استعمالاً عندهم من أحزنته، فمن قرأ "ليُحزنك" بضم الياء فهو على القياس في التغيير، ومن قرأ "ليَحزنُك" بفتح الياء وضم الزاي فهو على كثرة الاستعمال، و {الذي يقولون} لفظ يعم جميع أقوالهم التي تتضمن الرد على النبي صلى الله عليه وسلم والدفع في رئيَ من الجن ونحو هذا وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر وعاصم وحمزة {لا يكذبونك} بتشديد الدال وفتح الكاف، وقرأها ابن عباس وردها على قارىء عليه "يُكذبونك" بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه الأمين، وقرأ نافع والكسائي بسكون الكاف وتخفيف الذال، وقرأها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، ,اختلف المتأولون في معناهما فقالت فرقة: هما بمعنى واحد كما تقول: سقيت وأسقيت وقللت وأقللت وكثرت وأكثرت، حكى الكسائي أن العرب تقول كذبت الرجل إذا نسبت الكذب إليه وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه، وتقول العرب ايضاً أكذبت الرجل إذا وجدته كذاباً كما تقول أحمدية إذا وجدته محموداً، فالمعنى على قراءة من قرأ "يكذّبونك" بتشديد الذال أي لا تحزن "فإنهم لا يكذبونك" تكذيباً على جهة الإخبار عنهم أنهم لا يكذبون وأنهم يعلمون صدقه ونبوته ولكنهم يجحدون عناداً منهم وظلماً، والآية على هذا لا تتناول جميع الكفار بل تخص الطائفة التي حكى عنها أنها كانت تقول: إنا لنعلم أن محمداً صادقاً ولكن إذا آمنا به فضلتنا بنو هاشم بالنبوة فنحن لا نؤمن به أبداً، رويت هذه المقالة عن أبي جهل ومن جرى مجراه، وحكى النقاش أن الآية نزلت في الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، فإنه كان يكذب في العلانية ويصدق في السر ويقول نخاف أن تتخطفنا العرب ونحن أكلة رأس والمعنى على قراءة من قرأ "يكذبونك" بتخفيف الذال يحتمل ما ذكرناه أولاً في "يكذبونك" أي لا يجدونك كاذباً في حقيقتك ويحتمل هذين الوجهين اللذين ذكرت في "يكذّبونك" بشد الذال، وآيات الله علاماته وشواهد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، و {يجحدون} حقيقته في كلام العرب الإنكار بعد معرفة وهو ضد الإقرار، ومعناه على تأويل من رأى الآية في المعاندين مترتب على حقيقته وهو قول قتادة والسدي وغيرهما، وعلى قول من رأى أن الآية في الكفار قاطبة دون تخصيص أهل العناد يكون في اللفظة تجوز وذلك أنهم لما أنكروا نبوته وراموا تكذيبه بالدعوى التي لا تعضدها حجة عبر عن إنكارهم بأقبح وجوه الإنكار وهو الجحد تغليظاً عليهم وتقبيحاً لفعلهم، إذ معجزاته وآياته نيرة يلزم كل مفطور أن يعلمها ويقربها. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وجميع ما في هذه التأويلات من نفي التكذيب إنما هو عن اعتقادهم، وأما أقوال جميعهم فمكذبة، إما له وإما للذي جاء به. قال القاضي أبو محمد: وكفر العناد جائز الوقوع بمقتضى النظر وظواهر القرآن تعطيه، كقوله: {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} تفسير : [النمل:14] وغيرها، وذهب بعض المتكلمين إلى المنع من جوازه، وذهبوا إلى أن المعرفة تقتضي الإيمان والجحد يقتضي الكفر، ولا سبيل إلى اجتماعهما، وتأولوا ظواهر القرآن فقالوا في قوله تعالى: {أية : وجحدوا بها} تفسير : [النمل:14] إنها في أحكام التوراة التي بدلوها كآية الرجم وغيرها. قال القاضي أبو محمد: ودفع ما يتصور العقل ويعقل من جواز كفر العناد على هذه الطريقة صعب أما أن كفر العناد من العارف بالله وبالنبوة بعيد لأنه لا داعية إلى كفر العناد إلا الحسد ومن عرف الله والنبوة وأن محمداً يجيئه ملك من السماء فلا سبيل إلى بقاء الحسد مع ذلك، أما أنه جائز فقد رأى أبو جهل على رأس النبي صلى الله عليه وسلم فحلاً عظيماً من الإبل قد همَّ بأبي جهل ولكنه كفر مع ذلك، وأسند الطبري أن جبريل عليه السلام وجد النبي عليه السلام حزيناً فسأله، فقال: كذبني هؤلاء، فقال: "إنهم لا يكذبونك" بل يعلمون أنك صادق {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} ، والذي عندي في كفر حيي بن أخطب ومن جرى مجراه أنهم كانوا يرون صفات النبي صلى الله عليه وسلم ويعرفونها أو أكثرها ثم يرون من آياته زائداً على ما عندهم فيتعلقون في مغالطة أنفسهم بكل شبهة بأضعف سبب، وتتخالج ظنونهم فيقولون مرة هو ذلك ومرة عساه ليسه، ثم ينضاف إلى هذا حسدهم وفقدهم الرياسة، فيتزايد ويتمكن إعراضهم وكفرهم وهم على هذا، وإن عرفوا أشياء وعاندوا فيها فقد قطعوا في ذلك بأنفسهم عن الوصول إلى غاية المعرفة وبقوا في ظلمة الجهل فهم جاهلون بأشياء معاندون في أشياء غيرها وأنا أستبعد العناد مع المعرفة التامة.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَعِبٌ وَلَهْوٌ} ما أمر الدنيا والعمل لها إلا لعب ولهو بخلاف العمل للآخرة، أو ما أهل الدنيا إلا أهل لعب ولهو لاشتغالهم بها عما هو أولى منها، أو هم كأهل اللعب لانقطاع لذتهم وفنائها بخلاف الآخرة فإن لذاتها دائمة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} الآية. هذا ابتداء خَبَرٍ عن حَالِ الدنيا، والمعنى: أنها إذ كانت فَانِيَةٌ لا طائل لها أشبهت اللَّعِبَ، واللهو الذي لا طَائِلَ له إذا تَقَضَّىٰ. وهذه الآية تتضمن الرَّدَّ على قولهم: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الأنعام:29] وهو المقصود بها. قال عبد الحق في «العاقبة»: اعلم ـــ رحمك اللَّه ـــ أن حُبَّ الدُّنْيَا هو سَبَبُ طُولِ الأَمَلِ، والإكْبَابُ عليها يَمْنَعُ من الفِكْرَةِ في الخروج عنها، والجهل بغَوَائِلِهَا يحمل على الإرادة لها، والازدياد منها؛ لأن من أَحَبَّ شَيْئاً أحَبَّ الكَوْنَ معه، والازدياد منه، ومن كان مَشْغُوفاً بالدنيا مُحِبًّا لها قد خَدَعَتْهُ بزُخْرُفِهَا وَأَمَالَتْهُ برَوْنَقِهَا كيف يحبُّ مفارقتها، أو يحب مُزَايَلَتَهَا، هذا أمر لم تَجْرِ العادة به، ولا حُدِّثْنَا عنه، بَلْ نجد مَنْ كَانَ على هذه الصفة أَعْمَى عَنْ طريق الخَيْرِ، أصم عن دَاعِي الرشد، أَفِنَ الرأي، سَيِّـــىءَ النظر، ضَعِيفَ الإيمان، لم تترك له الدُّنْيَا ما يَسْمَعُ به، ولا ما يرى، إنما دِينُهُ وشغله وحديثه دُنْيَاهُ، لها ينظر، ولها يَسْمَعُ، قد ملأت عينه وقلبه، ثم قال: واعلم أن أَهْلَ القُبُورِ إنما يَنْدَمُونَ على ما يتركون، ويفرحون بما يُقَدِّمُونَ، فما عليه أهل القُبُورِ يندمون، أَهْلُ الدنيا عليه يَقْتَتِلُون. انتهى. وقوله سبحانه: {قَدْ نَعْلَمُ...} الآية: {نَعْلَم} إذا كانت من اللَّه ـــ تعالى ـــ تَتَضَمَّنُ استمرار العَلْمِ وقِدَمَهُ، فهي تعمُّ الماضي، والحال، والاستقبال. قلت: ونحو هذا لأبي حَيَّانَ قال: وعبر هنا بالمُضَارِعِ؛ لأنَّ المُرَادَ الاتصاف بالعلم، واستمراره، ولم يلحظ فيه الزمان، كقولهم: فلان يعطي ويمنع. انتهى. وقرأ نافع وحده «لَيُحْزِنُكَ» من أَحْزَنَ. وقرأ الباقون: «لَيَحْزُنْكَ» من حَزَنْتُ الرجلَ. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة «لاَ يُكَذِّبُونَكَ» ـــ بتشديد الذال، وفتح الكاف ـــ وقرأها ابن عباس، ورَدَّهَا على قارىءٍ قرأ عليه «يُكذبونك» بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه الأَمِينَ. وقرأ نافع والكسائي بسكون الكاف، وتخفيف الذال، وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، وهما بمعنى واحد، فمعنى: لا يكذبونك، أي: لا يعتقدون كذبك، وإنهم يعلمون صِدْقَكَ، ولكنهم يَجْحَدُونَ عنَاداً وظُلْماً، وهذا تأويل قتادة والسُّدي وغيرهما. وحكي عن طائفة من الكُفَّارِ أنها كانت تَقُولُ: إنا لنعلم أن محمداً صادق، ولكن إذا آمنَّا به فضلنا بنو هاشم بالنبوءة، فنحن لا نُؤْمِنُ به أَبَداً. رويت هذه المَقَالَةِ عن أَبِي جَهْلٍ، ومن جرى مجراه. وأسْنَدَ الطَّبَريُّ: «حديث : أن جِبْريلَ وجد النبي صلى الله عليه وسلم حَزِيناً فسأله، فقال: كذبني هؤلاء، فقَال: إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أَنَّكَ صَادِقٌ ولكن الظالمين بآيات اللَّه يَجْحَدُونَ» تفسير : وجَحْدُ العِنَادِ جائز الوُقُوعِ بمقتضى النظر، وظواهر القرآن تعطيه، و {يَجْحَدُونَ}: حِقِيقِتُهُ في كلام العرب الإنْكارُ بعد معرفة، وهو ضد الإقرار.

ابن عادل

تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ} يجوز أن يكون من المُبَالَغَةِ جَعْلُ الحَيَاةِ نَفْسَ اللَّعِبِ واللَّهوِ كقول [القائل]: [البسيط] شعر : 2147- .................... فَإنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وإدْبَارُ تفسير : وهذا أحسن، ويجوز أن يكون في الكلام حَذْفٌ، أي: وما أعمال الحياة. وقال الحسن البصري: "وما أهْلُ الحياة الدنيا إلاَّ أهل لَعِبٍ" فقدَّر شيئين محذوفين. واللَّهْوُ: صَرْفُ النَّفْسِ عن الجِدِّ إلى الهَزَلِ، ومنه لَهَا يَلْهُو. وأمَّا لَهِيَ عن كذا فمعناه صَرَفَ نَفْسَهُ، والمَادَّةُ واحدة انقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، نحو: شَقِيَ ورَضِيَ. وقال المهدوي: "الذي معناه الصَّرْفُ لامُه ياء، بدليل قولهم: "لَهْيَان"، ولام الأول واو". قال أبو حيَّان: "وليس بشيء؛ لأن "الواو" في التثنية انْقَلَبَتْ ياءً، فليس أصلها الياء ألا ترى تثنية "شَجِ": "شجيان" وهو من الشَّجْوِ" انتهى. يعني: أنهم يقولون في اسم فاعله: "لهٍ" كـ "شَجٍ" والتثنيةُ مَبْنيَّةٌ على المفرد، وقد انقلبت في المُفْرَدِ فلتنقلب في المثنى. قال شهابُ الدين: فلنا فيه بحث حَسَنٌ أوْدَعْنَاهُ "التفسير الكبير" ولله الحمد [قال: وبهذا] يظهر فَسَادُ ردِّ المهدوي على الرُّمَّاني، فإنَّ الرُّمَّاني قال: "اللَّعِبُ عَمَلٌ يُشْغِلُ النفس عما تنتفعُ به، واللَّهْوُ صَرْفُ النفس من الجدِّ إلى الهَزَل، يقال: لَهَيْتُ عنه، أي صَرَفْتُ نفسي عنه". قال المهدوي - رحمه الله -: "وفيه ضَعْفٌ وبُعْدٌ، لأنَّ الذي فيه معنى الصَّرْفِ لامه ياء، بدليل قولهم في التَّثْنية لَهْيَان" انتهى. وقد تقدَّم فَسَادُ هذا الرَّدِّ. وقال الراغب: "اللَّهْوُ ما يَشْغَلُ الإنسانَ عما يَعْنيهِ ويَهُمُّهُ، يقال: لَهَوْتُ بكذا أوْ لَهَيْتُ عن كذا: استغلْتُ عنه بِلَهْوٍ". وهذا الذي ذكره الراغب هو الذي حمل المهدوي على التَّفْرِقَةِ بين المَادَّتَيْنِ. [فصل في ذم الحياة الدنيا اعلم أن منكري البعث تعْظُمُ رغبتهم في الدُّنيا، فَنَبَّه اللَّهُ - تعالى - في هذه الآية الكريمة على خَسَاسَتِهَا. واعلم أن نفس هذه الحياة لا يمكن ذمها؛ لأن اكتساب السَّعَادات الأخروية لا تصح إلا فيها، فلهذا السبب حصل في تفسير الآية قولان: الأول: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يريد حَيَاةَ أهل الشرك والنفاق؛ لأن حياة المؤمن يحصل فيها أعْمَالٌ] صالحة. والثاني: أنه عَامٌ في حياة المؤمن والكافر وإنما سماها باللعب واللَّهْوِ؛ لأن الإنسان حال اشتغاله باللَّعِبِ واللهو، فإنه يَلْتَذُّ به، وعند انْقِضَائِهِ لا يبقى منه إلاَّ النَّدامَةُ, [فكذلك هذه الحياة لا يبقى عند انقضائها إلاَّ النَّدامَةُ]، وفي تسمية هذه الحياة باللعب واللَّهْوِ وجوه: أحدها: أن مُدَّة اللَّعِبِ واللَّهْوِ قليلةٌ سريعةُ الانقضاء، وكذلك هذه الحياة الدنيا. وثانيها: أنَّ اللعب واللهو إنما يَحْصُلُ عند الاغتِرَارِ بَظَوَاهِرِ الأمور، وأمَّا عند التَّأمُّلِ التَّامِّ لا يبقى اللعب واللهو أصْلاً، وكذلك فإن اللعب واللهو إنما يَحْصُلُ للصِّبْيَان والجُهَّال والمُغَفَّلِينَ. وأمَّا العقلاءُ والحُصفَاء فَقلّما يحصلُ لهم خوضٌ في اللعب واللهو وكذلك الالتذَادُ بطيبات الدنيا لا يحصل إلا للمغفّلين الجُهَّال بحَقَائق الأمور. وأما المحققون فإنهم يعلمون أن كل هذه الخيرات غُرُورٌ وليس لها في نفس الأمر حقيقة معتبرةٌ. قوله: "وللدَّارُ الآخرةُ" قرأ الجمهور بلامين، الأولى لام الابتداء، والثانية للتعريف، وقرأوا "الآخرةُ" رفعاً على أنها صَفَةٌ لـ "الدار" و "خَيْرٌ" خبرها. وقرأ ابن عامر: "ولَدَارُ" بلامٍ واحدة هي لام الابتداء، و "الآخرةِ" جرُّ بالإضافة، وفي هذا القراءة تأويلان: أحدهما: قول البصريين، وهو [أنه] من باب حَذْفِ الموصوف، وإقامة الصفة مُقَامَهُ، والتقدير: ولَدَارُ السَّاعةِ الآخرة، أو لَدَارُ الحياة الآخرة، يِدُلُّ عليه {وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا} ومثله قولهم: حَبَّةُ الحمقاء, ومَسْجِدُ الجامع, وصلاةُ الأولى, ومكان الغربي, [التقدير: حبَّةُ البَقْلَةِ الحَمْقَاءِ، ومَسْجِدُ المَكَانِ الجَامِعِ، وصلاةُ السَّاعَةِ الأولَى، ومكانُ الجَانِبِ الغَرْبِيّ]. وحَسَّن ذلك أيضاً في الآية الكريمة كونُ هذه الصفة جَرَتْ مجرى الجوامد في إيلائها العوامل كثيراً، وكذلك كلُّ ما جاء مما تُوُهِّمَ فيه إضَافَةُ الموصوف إلى صفته، وإنما احتاجوا إلى ذلك [كثيرا لئلا يلزم] إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنعٌ؛ لأن الإضافة إمَّا للتعريف، أو للتخصيص، والشيء [لا يعرّف نفسه] ولا يُخَصِّصُهَا، وهذا مَبْنِيُّ على أنَّ الصِّفَةَ نفس الموصوف، وهو مشكل, لأنه لا يعقل تصور الموصوف مُنْفَكّاً عن الصِّفَةِ, ولو كانت الصفة عين الموصوف لكان [ذلك] مُحَالاً. والثاني - وهو قول الكُوفيين - أنه إذا اختلف لَفْظُ الموصوف وصِفَتُهُ جازت إضافته إليها، وأوردوا ما قدَّمْتُهُ من الأمثلة. قال الفرَّاء: هي إضافة الشيء إلى نفسه، كقولك: "بَارِحَةُ الأولى" و"يوم الخميس" و"حَقُّ اليقين"، وإنما يجوز عند اختلاف اللَّفْظَيْنِ وقراءة ابن عامر موافقة لمُصْحَفِهِ، فإنها رسمت في مصاحف الشَّاميين بلامٍ واحدة. واختارها بعضهم لموافقتها لما أُجْمِعَ عليه في "يوسف" {أية : وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ}تفسير : [يوسف:109]، وفي مَصَاحِفِ غيرهم بلامين. و "خَيْرٌ" يجوز أن يكون للتفضيل، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عليه لِلْعِلْم به، أي: خَيْرٌ من الحياة الدنيا، ويجوز أن يكون لِمُجَرَّدِ الوَصْفِ بالخيرية كقوله تعالى: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} تفسير : [الفرقان:24] و"للذين يتَّقون" متعلّق بمحذوف؛ لأنه صِفَةٌ لـ "خير" والذي ينبغي - [أو يتعيَّن] - أن تكون "اللام" للبيان، أي: أعني للذين، وكذا كُلُّ ما جاء من نَحْوهِ، نحو: {أية : خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الضحى:4]. فصل في معنى الخيرية ذكروا في وَجْهِ هذه الخَيْريَّةِ وجوهاً: أحدها: أنَّ خيرات الدينا [خسيسة وخيرات الآخرة شريفة وبيان ذلك من وُجُوه: الأوَّل: أن خيرات الدنيا] ليس إلاَّ قَضَاءَ الشَّهْوَتَيْنِ، وهي في نهاية الخَسَاسَةٍ؛ لأن الحيوانات الخَسِيسَة تشارك الإنسان فيها، بل ربما [كان] أمرُ تلك الحيوانات فيها أكْمَلَ من أمْرِ الإنسان، فالجَمَلُ أكثر أكْلاً، والدِّيكُ والعصفور أكثر وقاعاً، والذَّئْبُ أقوى على الفَسَادِ والتَّمْزِيقِ، والعَقْرَبُ أقوى على الإيذَاءِ، ومما يَدُلُّ على خَسَاسَتِهَا أنها لو كانت شَرِيفةً لكان الإكثار منها يوجبُ زيادة الشرف فكان يجب أن يكون الإنسان الذي أذهب عمره في الوِقَاعِ والأكْلِ أشْرَفَ الناس وأعْلاهُمْ دَرَجَةً، ومعلوم بالبديهة أنه ليس الأمْرُ كذلك، بل مثلُ هذا الإنسان يكون [ممقوتاً] مُسْتَحْقَراً، يوصفُ بأنه بَهِيمَةٌ أو كَلْبٌ، أو أخَسُّ، وذلك لأن الناس لا يفتخرون بهذه الأحوال، بل يُخْفُونَهَا، ولذلك عادة العُقَلاءِ عند الاشتغال بالوقَاعِ يختفون عن النَّاسِ، وأيضاً فإن الناس إذا شَتَمَ بعضهم بعضاً لا يذكرون فيه إلاَّ الألفَاظ الدَّالة على الوقَاعِ، وأيضاً فإن هذه [اللَّذات] سَرِيعَةُ الانْقِضَاءِ والاسْتِحَالَةِ، فثبت بهذه الوجود خَسَاسَةُ هذه المَلَذَّاتِ. وأما السَّعادات الرُّوحانية، فإنها سعادات عالية شريفةٌ، باقيةٌ مُقَدَّسَةٌ، ولذلك فإن جميع الخَلْقِ إذا تَخَيَّلُوا في إنسان كثرة العِلْمِ والدِّين وشدِّة الانقباض عن اللِّذاتِ الجسمانية، فإنهم بالطَّبْعِ يجيبونه ويخدمونه، ويعدونه [أنفسهم] عَبِيداً لذلك الإنسان، وأشقياء بالنسبة إليه، وذلك يَدُلُّ عليه خَسَاسَةِ اللَّذاتِ الجسمانية، وكمال مرتبة اللذات الروحانية. الأمر الثاني: في [بيان] أنَّ خَيْرَاتِ الآخرة أفْضَلُ من خيرات الدُّنْيَا، وهو أن يقال: هَبْ أنَّ هذين النوعين تَشَارَكَا في الفَضْلِ إلاَّ أن الوُصُولَ إلى الخيرات الموعودة في [غد القيامة معلوم قطعاً، وأمَّا الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد] الدنيا فغيرُ مَعْلوم، بل ولا مظنونٍ، فكم من سُلْطَانِ قاهر في بُكْرَةِ اليوم صار تحت التُّرَابِ في آخر ذلك [اليوم]. الأمر الثالث: هَبْ أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يوماً آخر في الدنيا إلاَّ أنه لا يَدْرِي هل يمكنه الانْتِفَاعُ بما جمعه من الأموال والطيبات واللَّذاتِ أم لا؟. أمَّا كل ما جمعه من السَّعادات، فإنه يعلم قَطْعاً أنه ينتفعُ به في الآخرة. الأمر الرابع: هَبْ أنه ينتفع بها إلا أن انْتِفَاعَهُ بخيرات الدنيا لا يَخْلُو عن شَوَائِبِ المكروهات [والانتفاع بخيرات] الآخرة خالٍ [عن] شوائب المكروهات. الأمر الخامس: هَبْ أنه ينتفع بتلك الأمْوَالِ والطيبات من غير شائبه إلا أن ذلك الانتفاع [مُنْقَرِضٌ] ذاهبٌ والمنافِعُ المُنَقَرِضَةُ تحزن الإنسان لمفارقتها، وكلما كانت تلك المَنَافِعُ أكمل وألَذّ، كانت [تلك] الأحزانُ الحاصلة عن انقراضها وانقطاعها أقْوَى وأكمل. فصل في المراد بقوله: "وللآخرة خير" قال ابن عباس: المراد بالآخرة الجنَّة، وأنها خير لمن اتَّقَى الكُفْرَ والمعاصي. وقال الحَسَنُ: المراد نفس دار الآخرة خَيْرٌ. وقال الأصم: التمسُّكُ بِعَمَلِ الآخرة خير. وقال آخرون: نعيم الآخرة خيْرٌ من نعيم الدنيا للذين يتَّقُون المعاصي والكبائر، فأمَّا الكَافِرُ والفَاسِق فلا [؛ لأن الدنيا] بالنسبة إليه خير من الآخرة لقوله عليه السلام: "حديث : الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ ". تفسير : قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُون} قد تقدَّم الكلامُ في مِثْلِ هذه الهمزة الداخلة على "الفاء" وأختها "الواو" و "ثم". وقرأ ابن عامر - رضي الله عنه - ونافع وحفص عن عاصم: "تَعْقِلُون" خطاباً لمن كان بحضرته - عليه السَّلام - وفي زمانه. والباقون بياء الغَيْبَةِ ردَّاً على ما تقدَّمَ من الأسماء الغائبة، وحُذِفَ مفعول "تعقلون" لِلْعِلمِ به، أي: فلا تعقلون أنَّ الأمر كما ذكر فَتَزْهَدُوا في الدنيا، أو أنها خَيْرٌ من الدنيا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كل لعب لهو .

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الآية: 32]. قال محمد بن على: لعب لمن جمعه لهو لمن يرث عنه. وقال الواسطى فى قوله {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} جهلهم بعلمهم. قال النصرآباذى: لمن لزم التقوى واشتاق إلى مفارقة الدنيا. قال الله تعالى: {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ}، والإنسان يسارع إلى ما هو خير له. قال بعضهم فى هذه الآية: تعزية للفقراء بما حرموا منها، وتقريع للأغنياء بما ركنوا إليها.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما الحياة الدنيا} على حذف المضاف اى ما اعمال الدنيا اى الاعمال المتعلقة بها من حيث هى هى {إلا لعب ولهو} يلهى الناس ويشغلهم بمنفعته الزائلة عن الايمان والعمل الصالح المؤدى الى اللذة الدائمة واللعب عما يشغل النفس وينفرها عما تنتفع به واللهو صرفها عن الجد الى الهزل {وللدار الآخرة} التى هى محل الحياة الاخرى {خير للذين يتقون} الكفر والمعاصى لان منافعها خالصة عن المضار ولذاتها غير منغصة بالآلام مستمرة على الدوام {أفلا تعقلون} الفاء للعطف على مقدر اى أتغفلون فلا تعقلون اى الامرين خير. وسميت الدنيا بالدنيا لدنوها قبل الآخرة او لدناءتها. وسميت الآخرة بالآخر لتأخرها عن خلقها وانما جعل الله الآخرة غائبة عن الابصار لانها لو كانت حاضرة لما جحدوها ولارتفعت التكاليف والمحن فجعل ما على الارض زينة للابتلاء وحقيقة الدنيا ما يشغلك عن ربك. قال اهل التحقيق السموات والارضون وما فيهما من عالم الكون والفساد يدخل فى حد الدنيا. واما العرش والكرسى وما يتعلق بهما من العمال الصالحة والارواح الطيبة والجنة وما فيها فمن حد الآخرة وفى الخبر القدسى لما خلق الله الدنيا خاطبها بقوله "حديث : يا دنيا اخدمى من خدمنى واتعبى من خدمك" تفسير : ولهذا كانت الدنيا تجيئ لبعض اوليائه وتكنس داره فى صورة العجوز ولبعض اوليائه تجيئ كل يوم برغيف. فان قلت ان الله تعالى خلق هذه الدنيا للمؤمن فلم امر بالزهد فيها. قلت السكر اذا نثر على رأس الختن لا يلتقطه لعلو همته ولو التقطه لكان عيبا وفى الحديث "حديث : جوعوا انفسكم لوليمة الفردوس" تفسير : والضيف اذا كان حكيما لا يشبع من الطعام رجاء الحلواء ـ حكى ـ ان قاضيا من اهل بغداد كان مارا بزقاق كلخان مع خدمه وحشمه كالوزير فطلع الكلخائى وهو يهودى فى صورة جهنمى كأن القطران يقطر من جوانبه فأخذ بلجام بغلة القاضى فقال ايد الله القاضى ما معنى قول نبيكم "حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" تفسير : أما ترى ان الدنيا جنة لك وانت مؤمن محمدى والدنيا سجن لى وانا كافر يهودى والحديث دلالته بالعكس فاجاب القاضى وكان من فضلاء الدنيا وما ترى من زينتها وحشمتها سجن لى بالنسبة الى ما وعد الله فى الجنة وجنة لك بالنسبة الى الدركات المعودة فى النيران. قيل مثل الدنيا والآخرة مثل رجل له امرأتان ان ارضى احداهما اسخط الاخرى. واحتضر عابد فقال ما تأسفى على دار الآخرة والغموم والخطايا والذنوب وانما تأسفى على ليلة نمتها ويوم افطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى شعر : ته عمر خضر بماند نه ملك اسكندر نزاع برسر دنياى دون مكن درويش تفسير : فالدنيا لا تبقى والآخرة خير وابقى ـ يحكى ـ ان جعفر بن سليمان رحمه الله قال مررت انا ومالك ابن دينار رضى الله عنه بالبصرة فبينما ندور فيها مررنا بقصر يعمر واذا بشاب حسن يأمر ببناء القصر ويقول افعلوا واصنعوا فدخلنا عليه وسلمنا فرد السلام قال مالك كم نويت ان تنفق على هذا القصر قال مائة الف درهم قال ألا تعطينى هذا المال فاضعه فى حقه واضمن لك على الله تعالى قصرا خيرا من هذا القصر بولدانه وخدمه وقبابه وخيمه من ياقوتة حمراء مرصع بالجوهر ترابه الزعفران ملاطه المسك لم تمسه يدان ولم يبينه بان قال له الجليل سبحانه كن فكان فاثر فى الشاب كلامه فاحضر البدر ودعا بدواة وقرطاس ثم كتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان بن فلان انى ضمنت لك على الله قصرا بدل قصرك صفته كما وصفت والزيادة على الله واشتريت لك بهذا المال قصرا فى الجنة افسح من قصرك فى ظل ظليل بقرب العزيز الجليل ثم طوى الكتاب ودفعه الى الشاب وانفق ما اخذه من المال على الفقراء وما اتى على الشاب اربعون ليلة حتى مات ووصى ان يجعل الكتاب بين كفنه وبدنه ووجد مالك ليلة وفاته كتابا موضوعا فى المحراب فاخذه ونشره فاذا هو مكتوب بلا مداد هذه براءة من الله العزيز الحكيم مالك بن دينار وفينا الشاب القصر الذى ضمنته له وزيادة سبعين ضعفا: وفى المثنوى شعر : هركه بايان بين ترا ومسعودتر جد ترا وكارد دكه افزون ديدبر زانكه داند كين جهان كاشتن هست بهر محشر وبرداشتن آخرت قطار اشتران بملك درتبع دنياش همجون بشم وبشك بشك بكزينى شتر نبود ترا وربود اشترجه قيمت بشم را تفسير : يعنى ان اخترت الدنيا التى هى كصفوف الجمل وآثرتها على الآخرة التى هى كنفس الجمل تكون محروما من الاخرة كما ان من اختار الصوف يحرم من الجمل بخلاف من كان الجمل ملكا له فانه لا قيمة عنده لصوفه ولا زغبه وقال قدس سره فى محل آخر شعر : باز كونه اى اسيران جهان نام خود كرديد اميران جهان اى توبندة اين جهان محبوس جان جند كوبى خويش راخوا جهه جهان تخته بندست آنكه تختش خوانده صدر بندارى وبر در مانده بادشاهى نيستت برريش خود بادشاهى جون كنى برنيك وبد بى مرادتو شود ريشت سبيد شرم در ازريش خود اى كزاميد افتخار از رنك وبو واز مكان هست شادى وفريت كود كان كون ميكويد بيامن خوش بى ام وان فسادش كفته رومن لا شى ام اى زخوبئ بهاران لب كزان بنكر آن سردئ وزردئ خزان روز ديدى طلعت خورشيد خوب مرك اورا يادكن وقت غروب بدرراديدى برين خوش جار طاق حسرتش را هم بين وقت محاق كودكى از حسن شد مولاى خلق بعد فردا شد خرف رسواى خلق اى بديده لونها جرب وخيز فضله آنرا بين در آب ريز مر خبث را كوكه آن خوبيت كو برطبق آن زوق وآن تغزى وبو بس اتامل رشك استادان شده در صناعت عاقبت لزران شده نركس جشم خمار همجو جان آخر اعمش بين وآب ازوى جكان حيدرى كاندر صف شيران رود آخر او مغلوب موشى ميشود زلف جعد مشكبار عقل بر آخر آن جون ذنب زشت خنك وخر خوش ببين كونش زوال باكشاد وآخران رسوابيش بين وفساد تفسير : والاشارة الحياة التى تكون بالتمتعات الدنيوية النفسانية كلعب الصبيان ولهو اهل العصيان تزيد فى الحجب والسير من البشرية الى الروحانية بترك الشهوات والاعراض عن غير الحق والاقبال على الله خير للذين يتقون عما سوى الله بالله أفلا تعقلون ان الله تعالى خلقكم لهذا الشأن لا لغيره كما قال {أية : واصطنعتك لنفسى} تفسير : [طه: 41]. اللهم احفظنا من تضييع العمر واهدنا الى حقيقة الامر انك انت الوهاب الهادى.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر {ولدار الآخرة} بلام واحدة مع تخفيف الدال. وخفض {الآخرة} على الاضافة. الباقون بلامين وتشديد الدال وضم الآخرة. وقرأ اهل المدينة وابن عامر وحفص ويعقوب {تعقلون} بالتاء ها هنا وفي (الاعراف ويوسف) وافقهم يحيى والعليمي في (يوسف). ومن قرأ بلامين وشدد الدال جعل {الآخرة} صفة لـ {وللدار}، وأجراها في الاعراب مجراها. واستدل على كونها صفة {للدار} بقوله: {أية : وللآخرة خير لك من الأولى}تفسير : فاقامتها مقامها يدل على أنها هي وليس غيرها. فيجوز أن يضيف اليها، وقَّووا ذلك بقوله {أية : وإِن الدار الآخرة لهي الحيوان}تفسير : وقوله {أية : تلك الدار الآخرة}تفسير : ومن قرأ بلام واحدة وخفف الدال فانه لم يجعل {الآخرة} صفة (للدار) لان الشىء لا يضاف الى نفسه لكنه جعلها صفة للساعة، وكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة، وجاز وصف الساعة بـ {الآخرة} كما وصف اليوم بالآخر في قوله: {أية : وارجوا اليوم الآخر}تفسير : وحسن اضافة (الدار) الى الآخرة ولم يقبح من حيث استقبح اقامة الصفة مقام الموصوف، لان الآخرة صارت كالابطح والابرق، ألا ترى أنه قد جاء {أية : وللآخرة خير لك من الأولى}تفسير : واستعملت استعمال الاسماء ولم تكن مثل الصفات التي لم تستعمل استعمال الآخرة. ومثل {الآخرة} في انها استعملت استعمال الاسماء قولهم: الدنيا، لما استعملت استعمال الاسماء حسن أن لا تلحق لام التعريف في نحو قول الشاعر: شعر : في سعي دنيا طال ما قد مدَّت تفسير : وقال الفراء: جعلت (الدار) ها هنا اسما و (الآخرة) صفتها، وأضيفت في غير هذا الموضع. ومثله مما يضاف الى مثله قوله: {أية : حق اليقين}تفسير : والحق هو اليقين، ومثله قولهم بارحة الاولى، ويوم الخميس، فيضاف الشىء الى نفسه اذا اختلف اللفظ، واذا اتفق لم يجز ذلك، لا يقولون حق الحق ولا يقين اليقين، لانهم يتوهمون اذا اختلفا في اللفظ أنهما مختلفان في المعنى. بين الله تعالى في هذه الآية أن ما يتمتع به في الدنيا بمنزلة اللعب واللهو، اللذين لا عاقبة لهما في المنفعة ويقتضي زوالهما عن أهلها في أدنى مدة وأسرع زمان، لانه لا ثبات لهما ولا بقاء، فأما الاعمال الصالحات، فهي من أعمال الآخرة وليست بلهو ولا لعب. وبين ان الدار الآخرة وما فيها من أنواع النعيم والجنان خير للذين يتقون معاصى الله، لانها باقية دائمة لا يزول عنهم نعيمها ولا يذهب عنهم سرورها. وقوله {أفلا تعقلون} أن ذلك كما وصفت لهم فيزهدوا في شهوات الدنيا ويرغبوا في نعيم الآخرة بفعل ما يؤديهم اليه من الاعمال الصالحة. ومن قرأ {يعقلون} بالياء، فلأنه قد تقدم ذكر الغيبة في قوله {للذين يتقون} والتقدير أفلا يعقل الذين يتقون ان الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار فيعملوا بما ينالون به من النعيم الدائم. ومن قرأ بالتاء قصد خطاب جميع الخلق المواجهين به. والعقل هو الامساك عن القبيح وقصر النفس وحبسها على الحسن والحجا أيضا احتباس وتمكث، قال الشاعر: شعر : فهن يعكفن به اذا حجا تفسير : وانشد الاصمعي شعر : حيث يحجا مطرق بالفالق تفسير : حجا أقام بالمكاره، والحجا مصدر كالشبع، ومنه الحجيا اللغز للتمكث الذي يلقى عليه حتى يستخرجها. قال ابو زيد: جمع حجى حجيات، فجاءت الحجيا مصغرة كالثريا والجديا، والنهى يحتمل أن يكون جمعا بدلالة قوله {أية : لأولي النهى}تفسير : لانه اضافه الى الجمع. ويجوز ان يكون مفردا في موضع الجمع، وهو في معنى ثبات، وحسن. ومنه النهي، والنهى والتنهية للمكان الذي ينتهي اليه الماء فينتقع فيه لتسفله ويمنعه ارتفاع ما حوله من أن يسيح فيذهب على وجه الارض.

اطفيش

تفسير : {وما الحياة الدُّنيا إلاَّ لعبٌ ولَهوٌ} باطل وغرور تلهى عما يورث المنفعة الدائمة لا تبقى لم تخلق لذاتها، إنما خلقت للحياة الدائمة، فالعاقل يستعملها للحياة الدائمة ففى ذلك رد على منكرى البعث، وعلى قولهم: {أية : إن هى إلا حياتنا الدنيا} تفسير : وسمى الله الحياة الدنيا لعباً ولهواً على الإطلاق، لأن كل ما فيها من مباح لم يصرف للآخرة أو مكروه أو معصية من مؤمن أو كافر لا نفع فيه للآخرة، يوشك أن ينقطع فيتحسر به المؤمن والكافر، وأفاد ذكر اللعب واللهو أنها سريعة الزوال كاللعب واللهو، وأنها لا تثمر نفعاً كاللهو واللعب، إلا أن تزود منها، ولا بد من تقدير أى ما أمر الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، أو كلعب ولهو، أو ما أهل الدنيا إلا أهل لعب ولهو، وقيل: المراد بالحياة الدنيا حياة الكافر والمنافق، لأن المؤمن يزيد بحياته خيراً، وعن ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق. {وللدَّارُ الآخرِة خَيْرٌ للذِينَ يتَّقون} الشرك والمعاصى من الدار الأولى، لدوامها وخلوص لذاتها عما يكدرها، وكثرتها وعظمها، علق الدار الآخرة بالتقوى، فأعمال غير المتقين لهو ولعب، إذ لا تجر الدار الآخرة، واللام للابتداء، والآخرة نعت، وقرأ ابن عامر وابن عباس: ولدار الآخرة بلام الابتداء، وإضافة دار إلى الآخرة أى ولدار الحياة الآخرة، ولدار الساعة الآخرة، ووجه التفضيل أن فى الدنيا أيضا لذة ومنافع، ويجوز أن يكون خير اسم تفضيل خارجاً عن معنى التفضيل، وأن يكون بمعنى المنفعة، وللذين متعلق به مطلقاً، أو نعت لهُ فى الوجه الآخر، واللام للبيان كغفراناً لزيد. {أفلا تعْقلُون} أن الآخرة خير من الأولى فتعلمون لها، والخطاب للمشركين، وقرأ بالتحتية، أى أفلا يعقل المشركون.

اطفيش

تفسير : {وَمَا الحيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} ما أَعمال الحياة الدنيا التى هى معاص أَو مكروهات وما لا يعنى والمباحات التى لم تصرف إِلى الطاعة بنية إِلا لعب وهو ما لا نفع فيه ولا جد، بل هزل، وإِلا لهو وهو اشتغال عما يهم مما ينفع أَو يتوهم نفعة، وأَخرج بعضهم عن اللهو واللعب ما هو من مروة المعاش ولم تقصد به معصية، وقيل اللعب ما يشغل النفس عما تنتفع به، واللهو صرفها عن الجد إِلى الهزل، فالدنيا ذمت من هذا الوجه، ومدحت من حيث إن الطاعة -ومنها المباح المصروف إِليها - تكتسب فيها، فنعمت المطية، والكلام من التشبيه البليغ، ولو لم يقدر المضاف وهو أَعمال وجعلت الدنيا نفسها لعباً ولهواً مبالغة لصح، وقيل اللهو صرف الهم بما لا يصح أَن يصرف به، واللعب طلب المسرة بما لا يحسن أَن تطلب به، وقيل اللعب ما قصد به تعجيل المسرة، واللهو ما شغل من هوى وطرب، وقيل ما قدم من غير ترك للآخر لعب، وما ترك به الآخر ونسيه لهو، وقيل هما فى الشئ الواحد باعتبارين، فإِذا أَقبل على الباطل أَعرض عن الحق، فإقباله لعب وإِعراضه لهو، وقدم اللهو فى العنكبوت، والله أَعلم، لأَن المقام فيها لقصر الحياة الدنيا واللهو مما يقصر به الزمان، وأَيام السرور قصار، والمقام هنا للرد على الكفرة فى إِنكار الآخرة، والمراد مسرة الدنيا وهى كلا شئَ فقدم لعب، أَو قدمه لإِقبالهم على الباطل قولا وفعلا، أَو لأَن اللعب مقدم خارجاً على اللهو، أَجاب قولهم "أية : إِن هى إِلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين" تفسير : [المؤمنون: 37] بقوله عز وجل {وما الحياة الدنيا إِلا لعب ولهو}، وبقوله {وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ} لدوامها وعدم تكدر لذاتها من الدنيا لعنائها وتكدر لذاتها ونقص لذاتها، أَو خير بمعنى منفعة {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الشرك والمعاصى، أَو أَفضل لهم فى الدنيا، وأَما الكفار فما لهم فى الدنيا منفعة لهم، لا ما فى الآخرة، وما ليس من أَعمال المتقين لهو ولعب لا يؤدى إِلى سعادة، واللام للابتداء متصل بأَلف أَل التى حذفت وبقيت اللام بعدها، ومقتضى قوله: وما الحياة الدنيا أَن يقال وما الدار الآخرة إِلا جد وحق، لكن أُقيم مقامه مسببه وهو الخيرية للذين يتقون، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} للحاضرين أَو تغليب لهم على الغائبين فيكون توبيخهم منطوقاً به كالحاضرين، أَى أَلا يتفكرون فلا يعقلون، أَو تغفلون فلا تعقلون أَن الدار الآخرة خير، وأَن الدنيا لعب ولهو، قيل اللهو واللعب مترادفان، وأَنهما ما يلهو به الصبيان ويجتمعون عليه ساعة مبتهجين ويتفرعون، وذلك صرف الهم بما لا يحسن صرفه به، أَو طلب الفرح بما لا يحسن أَن يطلب، واختار بعض أَن كل لعب لهو ولا عكس، فبينهما عموم وخصوص مطلق، لأَن اللهو يشمل المباح والحرام دون اللعب، لأَن كل لعب حرام، وما استثنى منه فهو فى صورة اللعب، فالأَخص يستلزم الأَعم، وذكر الأَعم بعده يحتاج إِلى عناية، وهى أَنهم يلعبون به ويلهيهم ذلك اللعب فحينئذ يحسن الأَعم بعد ذكر الأَخص، كقوله تعالى: {أية : وكان رسولا نبياً} تفسير : [مريم: 51، 54]، أَى أَرسلهم إِليهم فأَنبأَهم عنه، ولذلك قدم مع أَنه أَخص، وأَما تقديم اللهو فى بعض الآيات فعلى الأَصل من تقديم الأَعم لأَن العام لا شعور له بأَخص معين، والأَصل فى العطف التغاير، فهما غير مترادفين.

الالوسي

تفسير : {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} لما حقق سبحانه وتعالى فيما سبق أن وراء الحياة الدنيا حياة أخرى يلقون فيها من الخطوب ما يلقون، بيَّـن جل شأنه حال تينك الحياتين في أنفسهما، وجعله بعضهم جواباً لقولهم: { أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الأنعام: 29] وفيه بعد، وكيفما كان فالمراد وما أعمال الحياة الدنيا المختصة بها إلا كاللعب واللهو في عدم النفع والثبات، وبهذا التقدير خرج ـ كما قال غير واحد ـ ما فيها من الأعمال الصالحة كالعبادة وما كان لضرورة المعاش، والكلام من التشبيه البليغ ولو لم يقدر مضاف، وجعلت الدنيا نفسها لعباً ولهواً مبالغة كما في قوله: شعر : وإنما هي إقبال وإدبار تفسير : صح، واللهو واللعب ـ على ما في «درة التنزيل« ـ يشتركان في أنهما الاشتغال بما لا يعني العاقل ويهمه من هوى وطرب سواء كان حراماً أو لا؛ وفرق بينهما بأن اللعب ما قصد به تعجيل المسرة والاسترواح به واللهو كل ما شغل من هوى وطرب وإن لم يقصد به ذلك، وإذا أطلق اللهو فهو ـ على ما قيل ـ اجتلاب المسرة بالنساء كما في قوله: شعر : ألا زعمت بسياسة اليوم أنني كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي تفسير : وقال قتادة: اللهو في لغة اليمن المرأة، وقيل: اللعب طلب المسرة والفرح بما لا يحسن أن يطلب به واللهو صرف الهم بما لا يصلح أن يصرف به، وقيل: إن كل شغل أقبل عليه لزم الإعراض عن كل ما سواه لأن من لا يشغله شأن عن شأن هو الله تعالى فإذا أقبل على الباطل لزم الإعراض عن الحق فالإقبال على الباطل لعب والإعراض عن الحق لهو، وقيل: العاقل المشتغل بشىء لا بد له من ترجيحه وتقديمه على غيره فإن قدمه من غير ترك للآخر فلعب وإن تركه ونسيه به فهو لهو. وقد بين صاحب «الدرة» بعد أن سرد هذه الأقوال سر / تقديم اللعب على اللهو حيث جمعا كما هنا وتأخيره عنه كما في العنكبوت بأنه لما كان هذا الكلام مسوقاً للرد على الكفرة فيما يزعمونه من إنكار الآخرة والحصر السابق وليس في اعتقادهم لجهلهم إلا ما عجل من المسرة بزخرف الدنيا الفانية قدم اللعب الدال على ذلك وتمم باللهو أو لما طلبوا الفرح بها وكان مطمح نظرهم وصرف الهم لازم وتابع له قدم ما قدم أو لما أقبلوا على الباطل في أكثر أقوالهم وأفعالهم قدم ما يدل على ذلك أو لما كان التقديم مقدماً على الترك والنسيان قدم اللعب على اللهو رعاية للترتيب الخارجي، وأما في العنكبوت فالمقام لذكر قصر مدة الحياة الدنيا بالقياس إلى الآخرة وتحقيرها بالنسبة إليها ولذا ذكر اسم الإشارة المشعر بالتحقير وعقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى: { أية : وإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ } تفسير : [العنكبوت: 64] والاشتغال باللهو مما يقصر به الزمان وهو أدخل من اللعب فيه، وأيام السرور فصار كما قال: شعر : وليلة إحدى الليالي الزهر لم تك غير شفق وفجر تفسير : وينزل على هذا الوجوه في الفرق، وتفصيله في «الدرة» قاله مولانا شهاب الدين فليفهم. {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} التي هي محل الحياة الأخرى {خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الكفر والمعاصي لخلوص منافعها عن المضار والآلام وسلامة لذاتها عن الانصرام {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والعصيان، والفاء للعطف على محذوف أي أتغفلون (أو ألا تتفكرون فلا تعقلون)، وكان الظاهر أن يقال ـ كما قال الطيبـي ـ وما الدار الآخرة إلا جد وحق لمكان {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} إلا أنه وضع {خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } موضع ذلك إقامة للمسبب مقام السبب، وقال في «الكشف»: إن في ذلك دليلاً على أن ما عدا أعمال المتقين لعب ولهو لأنه لما جعل الدار الآخرة في مقابلة الحياة الدنيا وحكم على الأعمال المقابل بأنها لعب ولهو علم تقابل العملين حسب تقابل ما أضيفا إليه أعني الدنيا والآخرة فإذا خص الخيرية بالمتقين لزم منه أن ما عدا أعمالهم ليس من أعمال الآخرة في شيء فهو لعب ولهو لا يعقب منفعة. وقرأ ابن عامر {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ} بالإضافة وهي من إضافة الصفة إلى الموصوف وقد جوزها الكوفيون، ومن لم يجوز ذلك تأوله بتقدير ولدار النشأة الآخرة أو إجراء الصفة مجرى الاسم، وقرأ ابن كثير وغيره {يَعْقِلُونَ } بالياء والضمير للكفار القائلين { أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الأنعام: 29]، وقيل: للمتقين والاستفهام للتنبيه والحث على التأمل.

ابن عاشور

تفسير : لمّا جرى ذكر الساعة وما يلحق المشركين فيها من الحسرة على ما فرّطوا ناسب أن يذكّر الناس بأنّ الحياة الدنيا زائلة وأنّ عليهم أن يستعدّوا للحياة الآخرة. فيحتمل أن يكون جواباً لقول المشركين: {أية : إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين}تفسير : [الأنعام: 29]. فتكون الواو للحال، أي تقولون إن هي إلاّ حياتنا الدنيا ولو نظرتم حقّ النظر لوجدتم الحياة الدنيا لعباً ولهواً وليس فيها شيء باق، فلعلمتم أنّ وراءها حياة أخرى فيها من الخيرات ما هو أعظم ممّا في الدنيا وإنّما يناله المتّقون، أي المؤمنون، فتكون الآية إعادة لدعوتهم إلى الإيمان والتقوى، ويكون الخطاب في قوله: {أفلا تعقلون} التفاتاً من الحديث عنهم بالغيبة إلى خطابهم بالدعوة. ويحتمل أنَّه اعتراض بالتذييل لحكاية حالهم في الآخرة، فإنَّه لما حكى قولهم: {أية : يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها}تفسير : [الأنعام: 31] علم السامع أنَّهم فرّطوا في الأمور النافعة لهم في الآخرة بسبب الانهماك في زخارف الدنيا، فذُيّل ذلك بخطاب المؤمينن تعريفاً بقيمة زخارف الدنيا وتبشيراً لهم بأنّ الآخرة هي دار الخير للمؤمنين، فتكون الواو عطفت جملة البشارة على حكاية النذارة. والمناسبة هي التضادّد. وأيضاً في هذا نداء على سخافة عقولهم إذ غرّتهم في الدنيا فسوّل لهم الاستخفاف بدعوة الله إلى الحق. فيجعل قوله: {أفلا تعقلون} خطاباً مستأنفاً للمؤمنين تحذيراً لهم من أن تغرّهم زخارف الدنيا فتلهيهم عن العمل للآخرة. وهذا الحكم عامّ على جنس الحياة الدنيا، فالتعريف في الحياة تعريف الجنس، أي الحياة التي يحياها كلّ أحد المعروفة بالدنيا، أي الأولى والقريبة من الناس، وأطلقت الحياة الدنيا على أحوالها، أو على مدّتها. واللعب: عمل أو قول في خفّة وسرعة وطيش ليست له غاية مفيدة بل غايته إراحة البال وتقصير الوقت واستجلاب العقول في حالة ضعفها كعقل الصغير وعقل المتعب، وأكثره أعمال الصبيان. قالوا ولذلك فهو مشتقّ من اللّعاب، وهو ريق الصبي السائل. وضدّ اللعب الجِدّ. واللهو: ما يشتغل به الإنسان ممّا ترتاح إليه نفسه ولا يتعب في الاشتغال به عقله. فلا يطلق إلاّ على ما فيه استمتاع ولذّة وملائمة للشهوة. وبين اللهو واللعب العموم والخصوص الوجهي. فهما يجتمعان في العمل الذي فيه ملاءمة ويقارنه شيء من الخفّة والطيش كالطرب واللهو بالنساء. وينفرد اللعب في لعب الصبيان. وينفرد اللهو في نحو الميسر والصيد. وقد أفادت صيغة {وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو} قصَر الحياة على اللعب واللهو، وهو قصر موصوف على صفة. والمراد بالحياة الأعمال التي يحبّ الإنسان الحياة لأجلها، لأنّ الحياة مدّة وزمن لا يقبل الوصف بغير أوصاف الأزمان من طول أو قصر، وتحديد أو ضدّه، فتعيّن أنّ المراد بالحياة الأعمال المظروفة فيها. واللعب واللهو في قوة الوصف، لأنّهما مصدران أريد بهما الوصف للمبالغة، كقول الخنساء: شعر : فإنّما هي إقبال وإدبار تفسير : وهذا القصر ادّعائي يقصد به المبالغة، لأنّ الأعمال الحاصلة في الحياة كثيرة، منها اللهو واللعب، ومنها غيرهما، قال تعالى: {أية : إنّما الحياة الدنيا لعب ولَهْو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد}تفسير : [الحديد: 20]. فالحياة تشتمل على أحوال كثيرة منها الملائم كالأكل واللذات، ومنها المؤلم كالأمراض والأحزان، فأمّا المؤلمات فلا اعتداد بها هنا ولا التفات إليها لأنّها ليست ممّا يرغب فيه الراغبون، لأنّ المقصود من ذكر الحياة هنا ما يحصل فيها ممّا يحبّها الناس لأجله، وهو الملائمات. وأمّا الملائمات فهي كثيرة، ومنها ما ليس بلعب ولهو، كالطعام والشراب والتدفّىء في الشتاء والتبرّد في الصيف وجمع المال عند المولع به وقرى الضيف ونكاية العدوّ وبذل الخير للمحتاج، إلاّ أنّ هذه لمّا كان معظمها يستدعي صرف همّة وعمل كانت مشتملة على شيء من التعب وهو منافر. فكان معظم ما يحبّ الناس الحياة لأجله هو اللهو واللعب، لأنّه الأغلب على أعمال الناس في أول العمر والغالبُ عليهم فيما بعد ذلك. فمن اللعب المزاح ومغازلة النساء، ومن اللهو الخمر والميسر والمغاني والأسمار وركوب الخيل والصيد. فأمّا أعمالهم في القربات كالحجّ والعمرة والنذر والطواف بالأصنام والعتيرة ونحوها فلأنّها لمّا كانت لا اعتداد بها بدون الإيمان كانت ملحقة باللعب، كما قال تعالى: {أية : وما كان صلاتُهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية}تفسير : [الأنفال: 35]، وقال: {أية : الذين اتّخذوا دينهم لَهَواً ولعباً وغرّتهم الحياة الدنيا}تفسير : [الأعراف: 51]. فلا جرم كان الأغلب على المشركين والغالب على الناس اللعب واللهو إلاّ من آمن وعمل صالحاً. فلذلك وقع القصر الادّعائي في قوله: {وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو}. وعقّب بقوله: {وللدّار الآخرة خير للذين يتَّقون}، فعلم منه أنّ أعمال المتَّقين في الدنيا هي ضدّ اللعب واللهو، لأنّهم جعلت لهم دار أخرى هي خير، وقد علم أنّ الفوز فيها لا يكون إلاّ بعمل في الدنيا فأنتج أنّ عملهم في الدنيا ليس اللهو واللعب وأنّ حياة غيرهم هي المقصورة على اللهو واللعب. والدار محلّ إقامة الناس، وهي الأرض التي فيها بيوت الناس من بناء أو خيام أو قباب. والآخرة مؤنّثُ وصف الآخِر ـــ بكسر الخاء ـــ وهو ضدّ الأول، أي مقرّ الناس الأخير الذي لا تحوّل بعده. وقرأ جمهور العشرة {وللدار} ـــ بلامين ـــ لام الابتداء ولام التعريف، وقرأوا {الآخرة} ـــ بالرفع ـــ. وقرأ ابن عامر {ولَدارُ الآخرة} ـــ بلام الابتداء فقط وبإضافة دار منكّرة إلى الآخرة ـــ فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم: مسجد الجامع، أو هو على تقدير مضاف تكون {الآخرة} وصفاً له. والتقدير: دار الحياة الآخرة. و{خَيْر} تفضيل على الدنيا باعتبار ما في الدنيا من نعيم عاجل زائل يلحق معظمة مؤاخذةٌ وعذاب. وقوله {للذين يتّقون} تعريض بالمشركين بأنّهم صائرون إلى الآخرة لكنّها ليست لهم بخير ممّا كانوا في الدنيا. والمراد بـ{الذين يتّقون} المؤمنون التابعون لما أمر الله به، كقوله تعالى: {أية : هدى للمتّقين}تفسير : [البقرة: 2]، فإنّ الآخرة لهؤلاء خير محض. وأمّا من تلحقهم مؤاخذة على أعمالهم السيئة من المؤمنين فلمّا كان مصيرهم بعدُ إلى الجنّة كانت الآخرة خيراً لهم من الدنيا. وقوله: {أفلا تعقلون} عطف بالفاء على جملة: {وما الحياة الدنيا} إلى آخرها لأنّه يتفرّع عليه مضمون الجملة المعطوفة. والاستفهام عن عدم عقلهم مستعمل في التوبيخ إن كان خطاباً للمشركين، أو في التحذير إن كان خطاباً للمؤمنين. على أنَّه لمّا كان استعماله في أحد هذين على وجه الكناية صحّ أن يراد منه الأمران باعتبار كلا الفريقين، لأنّ المدلولات الكنائية تتعدّد ولا يلزم من تعدّدها الاشتراك، لأنّ دلالتها التزامية، على أنّنا نلتزم استعمال المشترك في معنييه. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب، {أفلا تعقلون} ـــ بتاء الخطاب ـــ على طريقة الإلتفات. وقرأه الباقون ـــ بياء تحتية ـــ، فهو على هذه القراءة عائد لما عاد إليه ضمائر الغيبة قبله، والاستفهام حينئذٍ للتعجيب من حالهم. وفي قوله: {للذين يتّقون} تأييس للمشركين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَيَاةُ} (32) - لَيْسَتِ الحَيَاةُ الدُّنْيا، التِي قَالَ الكُفَّارُ إِنَّهَا لاَ حَيَاةَ غَيْرُهَا، إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ، فَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ عَمَلٍ لاَ عَاقِبَةَ لَهُ، وَلاَ فَائِدَةَ، وَبَيْنَ عَمَلٍ فَائِدَتُهُ عَاجِلَةٌ غَايَتُها دَفْعُ الهُمُومِ وَالآلامِ. وَمَتَاعُ هَذِهِ الدُّنْيا مَتَاعٌ قَصِيرُ الأَجَلِ، لا يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يَغْتَرَّ بِهِ. وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدَّارِ الدُّنْيا، لِمَنْ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وَيَتَّقُونَ عَوَاقِبَ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، فَكَيْفَ يَفُوتُكُمْ ذلِكَ، وَلا تَعْقِلُونَهُ، وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ بِأَعْيُنِكُمْ مَا يحِلُّ بِالنَّاسِ مِنْ مَوْتٍ وَفَوَاجِعَ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هكذا تكون الحياة بالنسبة لمن يقف عند وصفها على أساس أنها "الحياة الدنيا" إنها لا تزيد على كونها لهواً ولعباً. واللعب - كما نعلم - هو مزاولة حدث ونقضه في آن واحد، والمثال على ذلك الطفل على شاطئ البحر قد يقيم بيتاً من الرمال ثم يهدمه، إنه لم يقم ببناء بيت من الرمال إلا ليهدمه. واللعب عملية يُقصد بها قتل وقت في عمل قد يُنقض، فالبناء والنقض في هذه الحالة لعب ولا يشغل اللعبُ الإنسان عن الواجب. أما اللهو فهو قتل الوقت في عمل قد ينقض ويشغل الإنسان عن الواجب أيضاً. والطفل الصغير - على سبيل المثال - يتلقى من والديه بعض اللعب ليقضي وقته معها وقد يخربها ويهدمها وقد يعيد بناءها. ولعب الطفل هو لهو في الوقت نفسه؛ لأن الطفل غير مكلف بواجب. وما أن يدخل إلى المدرسة وتصير له بعض من المسئوليات نجد الأسرة تعلمه أن يفرق بين وقت أداء مسئولياته ووقت اللعب؛ لأنه إن لعب في وقت أداء المسئوليات صار لعبه لهواً؛ لأنه شَغَله عن أداء مسئولية مطلوبة منه. وكذلك الحياة الدنيا مجردة من منهج الله الذي خلقها وخلق الإنسان فيها هي لهو ولعب، إما إن أخذ الإنسان الحياة بمواصفات من خلقها فهي حياة منتجة للخير في الدنيا وفي الآخرة. والذي خق الحياة الدنيا جعلها بالنسبة لنا مزرعة للأخرة. والمؤمن - إذن - له حياتان: حياة صلاح في الدنيا، وحياة نعيم في الآخرة؛ لأنه يعيش الحياة الدنيا على مراد من خلقه. ومن العجيب أن من خلقنا لم يكلفنا إلا بعد أن يصل الإنسان منا إلى البلوغ، أي أن يكون الإنسان صالحاً لإنجاب إنسان مثله إن تزوج. ويأتي التكليف متناسباً مع النضج وعند تمام العقل. وسمح الحق لنا أن نلعب في سنوات ما قبل النضج، ولكن لا بد أن يكون مثل هذا اللعب تحت إشراف من الكبار حتى يمكن للعب أن يتحول إلى دُرْبة تفيدنا في مجالات الحياة، ويجلعنا نعرف كيف وصلنا في العصر الحديث إلى درجة من التقدم في صناعة اللعب التي يتعلم منها الطفل، ويمكن أن يقوم بتفكيكها وإعادة تركيبها، وحتى الكبار نجدهم في زماننا يتعلمون قيادة السيارات في حجرات مغلقة وأمامهم شاشة تليفزيون، وكأنهم في طريق حقيقي وفي شارع مزدحم بالسيارات، ومن يتقن هذا التدريب العملي يخرج إلى قيادة السيارة. وهكذا نجد أن التدريب مفيد للإنسان، يعلم الصغار اللعب الذي ينفعهم عندما يكبرون، وكذلك يفيد التدريب الكبار أيضاً. وعندما أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعلم أبناءنا ركوب الخيل والسباحة والرماية، كانت الخيل - في زمن الرسالة - هي إحدى الأسلحة المهمة ليركبها الداعون إلى الله المجاهدون في سبيله. وحين طلب منا أن نعلم الأبناء السباحة فهذا بناء للجسم والقوة يفيد الشاب ويعلمه مواجهة الصعاب، وحين طلب منا أن نعلم الأبناء الرماية فذلك لأن تحديد الهدف مادياً أو معنوياً ومعرفة الوصول إليه أمر مطلوب من كل شاب. وكل هذه ألعاب ولكنها ليست لهواً، إنها ألعاب ممتعة ويمكن أن تستمر مع الإنسان بعد أن يكلف. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : علموا أبناءكم السباحة والرماية". تفسير : فماذا عن ألعاب عصرنا وزماننا؟ إننا نجد أن لعبة كرة القدم قد أخذت اهتمام الرجال والنساء والكبار والصغار، وهي لعبة لا تعلم أحداً شيئاً، لأنها لعبة لذات اللعب، وهي لعبة تعتدي على وقت معظم الناس، وأخذت تلك اللعبة كل قوانين الأمور الجادّة. فهي تبدأ في زمان محدد، ويذهب المشاهدون إليها قبل الموعد بساعتين، وتجند لها الدولة من قوات الأمن أعداداً كافية للمحافظة على النظام مع أنها من اللهو ولا فائدة منها للمشاهد. وقد تمنع وتحول وتُعَطِّل البعض عن عمله والبعض الآخر عن صلاته. يحدث كل ذلك بينما نجد أن بعضاً من ميادين الجد بلا قانون. وأقول ذلك حتى يُفيق الناس ويعرفوا أن هذه اللعبة لن تفيدهم في شيء ما. وأقول هذا الرأي وأطلب من كل رب أسرة أن يُحكم السيطرة على أهله، وينصحهم بهدوء ووعي حتى ينتبه كل فرد في الأسرة إلى مسئولياته ولنعرف أنها لون من اللهو، ونأخذ الكثير من وقت العمل وواجبات ومسئوليات الحياة، حتى لا نشكو ونتعب من قلة الإنتاج. إن على الدولة أن تلتفت إلى مثل هذه المسائل، ولنأخذ كل أمر بقدره، فلا يصح أن ننقل الجد إلى قوانين اللعب، ولكن ليكن للجد قانونه، وللعب وقته وألا ننقل اللعب إلى دائرة اللهو؛ لأن معنى اللهو هو أن ننصرف إلى عمل لا هدف له ولا فائدة منه. وإن نظرنا إلى الحياة مجردة من منهج الله فهي لعب ولهو. ونلتفت هنا إلى دقة الحق حين جاء باللعب أولاً ثم اللهو من بعد ذلك، ثم يقول: {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} وفي هذا لفت واضح إلى أن الإنسان حين ينعزل عن منهج الحق في الحياة تفاجئه الأحداث بالانتقال المفاجيء إلى جد واضح؛ لذلك فلنأخذ الحياة في ضوء منهج الله؛ لأنه سبحانه حين أبلغنا أنه خلق الإنسان من طين، وصوره ونفخ فيه من روحه فقد أعطاه الحق بذلك حياة أولى، يشترك فيها المؤمن والكافر، والطائع والعاصي وكل إنسان إلى الغاية منها وهي الحياة الثانية وهي الدار الآخرة فإنها الحياة الكاملة الباقية، ونسمع قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال: 24]. إن الحق سبحانه وتعالى يقدم لنا حياة عالية دائمة تخلف الحياة التي تنتهي. والذي يتوقف عن أخذ منهج الله في حياته يكتفي بمثل ما يَأخذ الحيوان من الحياة وهي النفخ في الروح، لكن الذي يأخذ بمنهج الله يأخذ الحياة العالية. . حياة الخير والجمال والإصْلاح والإحسان. ونعلم أن الجمال في الحياة هو الجمال الذي لا يورث قبحاً. والخير الحقيقي هو الذي يعمم خير الله على العباد، فلا يأخذ الإنسان الخير لنفسه ويترك شروره للآخرين؛ لذلك أقول: لا تأخذ أيها المسلم الخير لنفسك على حساب الشر للآخرين؛ لأنك لا تحب أن يحقق الآخرون الخير على حسابك، والذي يحب أن ينطلق بشروره في الناس فليستقبل الشر من غيره. ومن يحب أن يأخذ الخير من الناس فليعطهم من خيره حتى يبقى الوجود جميلاً. إذن فالحياة بدون منهج الله تكون قبيحة؛ لأن القوي يعيث فيها فساداً بقوته وينزوي الضعيف إلى الإحساس بالذلة والضياع. لكن الحق سبحانه أراد الحياة للمؤمنين في ضوء منهجه، وعندما يطبقون تكاليفه بـ "افعل" و "لا تفعل" فهم يصونون الحياة من الفساد حسب أوامر الخالق الأعلى للحياة، فهو سبحانه الذي أوجدنا ووضع لنا قوانين صيانة الحياة. وحين منع مؤمنا واحداً من الشر، فهو قد منع وحرم على كل إنسان مؤمن من أن يصنع شراً لأخيه، وبذلك حمى الإنسان من الشر. وإنما خص الله المؤمنين بالنداء والدعاء؛ لأنهم أهل الاستجابة والطاعة؛ أما ما عداهم من أهل الكفر والشرك فقد تأبوا على الله وعصوه ولم يؤمنوا به. وحين يأمر الله المؤمن بالخير، فهو يأمر المؤمنين جميعاً بأن يصنعوا الخير لهم ولغيرهم. وبذلك يكسبون حياة مطمئنة؛ لذلك يقول سبحانه: {ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}. فالذين لا يستجيبون لله ولا لرسوله حين يدعوهم لما يحييهم يظلون في الحياة الدنيا غارقين في اللهو واللعب، إنهم كالموتى. وحتى نعرف أن الحق سبحانه أراد لنا - نحن المؤمنين - الحياة العالية؛ إنه - سبحانه - قد سمى المنهج الذي يرسم لنا الأوامر والنواهي بالروح: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}. وسمى الحق سبحانه وتعالى بهذا المَلكَ الذي نزل بالوحي: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. إذن فالحياة التي تعطي الإنسان الحس والحركة هي الحياة الأولى التي يلعب ويلهو من خلالها، وليست هي الحياة المرادة لله؛ لأن الحياة المرادة لله هي الحياة الإيمانية ولذلك سماها الحق سبحانه الحيوان أي الحياة الكاملة وسمى المنهج روحاً. {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32]. إن مجرد التعقل يعطي الإنسان الخير، والتعقل هو محاولة فهم نواميس الكون من الأسباب والمسببات، ونحن نرى نور الشمس يعمّ النهار ويشيع الضوء والدفء، وغياب الشمس وظهور القمر يحقق صفاء السكون ويهدي الناس في ظلمات البر والبحر، وجَريان الماء يروي الإنسان والزرع، وحركة الرياح تحرك السحب وتقود السفن وتساعد في حركة الملاحة في الجو والبحر وتلقح النبات، وكل ذلك أسباب أرادها الله حتى يتحقق التوازن في الكون. والإنسان يأخذ حظه من الحياة بالأسباب التي عمل فيها ولا يأخذ الإنسان من أسباب غيره. صحيح أن هناك أناساً يعيشون بلا أسباب ويأخذون تعب غيرهم، ولكن عليهم أن يحذروا الله، فإياك أيها المسلم أن تبني لحمك ولحم أولادك من استغلالك لغيرك؛ ذلك أن أغيار الحياة ستمر عليك وقد تصير قوتك إلى ضعف، وتأمين الإنسان لضعفه إنما يكون بإخراج الزكاة للضعيف، ومساعدته ومعاونته في كل ما يحتاج إليه، ونجد غير المؤمنين وقد أخذوا فكرة التأمين من الزكاة، فأنت تدفع للفقير زكاتك لتؤمن نفسك كمؤمن، وهم أخذوا هذه الفكرة ليحولوها إلى تأمين على الحياة، ولذلك تدخلوا في قدر الله. لكن الحق أراد بالزكاة أن يطمئن المجتمع كله لا أن يطمئن من يؤمن على نفسه فقط. ونعلم أن الذي يخيف الإنسان ويجعله يكدس المال ويجمعه ويكنزه هو الخوف من الضعف، لكن لو أعطى الغني بعضاً من المال للفقير لأشاع الاطمئنان في نفسه ونفوس الضعفاء. والذي يجعل الناس تلهث في الحياة للادخار لأبنائها هو عدم اقتناعهم بالتكافل الاجتماعي الذي شرعه الإسلام. وهم يرون اليتيم وهو يضيع في المجتمع، لكن لو آمن الناس في المجتمع بالتكافل الاجتماعي لوجد كل يتيم أبوة المجتمع كله له. والإنسان الذي يلهث وراء الكسب من أجل أن يؤمن مستقبل أولاده قد يحول أولاده إلى يتامى لأنه مشغول عن تربيتهم، ولذلك يقول أمير الشعراء شوقي رحمة الله عليه: شعر : ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي تلقى له أمَّاً تخلت أو أباً مشغولا تفسير : إن على المجتمع أن يأخذ قضية الخير من قول الحق سبحانه: {ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}. فكما أحيا الحق الأجسام بالروح التي نفخها في القالب الطيني فصار لها حس وحركة، فهو قد أنزل المنهج أيضاً روحاً من عنده لترتقي به روح الحس والحركة، حتى لا يصير الإنسان كالأنعام أو أضل سبيلاً: {أية : وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنعام: 32]. والدار الآخرة خير؛ لأن الدنيا مهما طالت فهي منتهية، لكن الحياة الآخرة خلود أبداً، ونعيمنا في الدنيا نأخذه بالأسباب، ولكن نعيم الآخرة نأخذه على قدر سعة ورحابة قدرة الله. وآفة الدنيا حتى بالنسبة لأهل النعيم والقوة والثراء هي الخوف من الفقر أو الموت، لكن في الآخرة لا يفوت أهل الجنة النعيم ولا يفوتون النعيم. ويقول سبحانه بعد ذلك: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ...}

الجيلاني

تفسير : {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ} التي يحصرون الحياة عليها، ويحرمون من الحياة الحقيقية لأجلها {إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} يلعب بهم ويلهيهم ويشغلهم عن الحياة الأبدية والبقاء السرمدي {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} وجناتها الحقيقية ولذاتها المعنوية {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} عن محارم الله ومنهياته في الحياة الصورية {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32] وتميزون أيها العقلاء بين الحياتين، ولا تعلمون أي اللذتين خير لكم. ثم قال سبحانه: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ} الشا، {لَيَحْزُنُكَ} ويؤذيك القول {ٱلَّذِي يَقُولُونَ} في حقك أولئك المعاندون المكابرون من أنك ساحر كاذب مجنون شاعر وغيرها، ولا تبال بهم وبقولهم {فَإِنَّهُمْ} في الحقيقة {لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ} الخارجين عن حدود الله، المنصرفين عن مقتضى أحكامه {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} المنزلة عليك من عنده لإهداء التائهين من عباده {يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] ينكرون ويعاندون جحوداً وإصراراً، وبالجملة: فاصبر على أذاهم يا أكمل الرسل إلى أن يحل عليهم الغضب من الله المنتقم المقتدر. {وَ} الله يا أكمل الرسل {لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} مثل ما كذبت {فَصَبَرُواْ} وتحملوا {عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} الذي وعدناهم، فنصرناهم وانتقمنا من عدوهم فكانوا هم الغالبين {وَ} بالجملة: لا تيأس من نصر الله وتأييده بإمهال الله إياهم، إذ {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} التي سبقت منه سبحاه لنصر أنبيائه ورسله {وَ} كيف تيأس وتقنط {لَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} الأنعام: 34] ما يكفيك عن التردد فيه. {وَإِن كَانَ كَبُرَ} وشق {عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} عن الإيمان والانقياد لك {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ} من غاية حرصك لإيمانهم وانقيادهم {أَن تَبْتَغِيَ} وتطلب {نَفَقاً} منفذاً {فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً} مرقاة {فِي ٱلسَّمَآءِ} فافعل {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} دالة على إلجائهم إلى الإيمان، وإلا فاصبر حتى يأتي الله بأمر من عنده وما لك إلا التبليغ {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ} [الأنعام: 35] بأن الأمور كلها بيد الله واختياره، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فلا تحصر على إيمانهم وهدايتهم، ولا تجهد فيما لا يسع فيه جهدك وسعيك؛ لأنك لا تهدي من أحببت، هذا تأديب من الله لرسوله وأمثال هذا في القرآن كثيرة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، أما حقيقة الدنيا فإنها لعب ولهو، لعب في الأبدان ولهو في القلوب، فالقلوب لها والهة، والنفوس لها عاشقة، والهموم فيها متعلقة، والاشتغال بها كلعب الصبيان. وأما الآخرة، فإنها { خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } في ذاتها وصفاتها، وبقائها ودوامها، وفيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، من نعيم القلوب والأرواح، وكثرة السرور والأفراح، ولكنها ليست لكل أحد، وإنما هي للمتقين الذين يفعلون أوامر الله، ويتركون نواهيه وزواجره { أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي: أفلا يكون لكم عقول،بها تدركون، أيّ الدارين أحق بالإيثار.