Verse. 820 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قَدْ خَسِرَ الَّذِيْنَ كَذَّبُوْا بِلِقَاۗءِ اؘ۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَا جَاۗءَتْہُمُ السَّاعَۃُ بَغْتَۃً قَالُوْا يٰحَسْرَتَنَا عَلٰي مَا فَرَّطْنَا فِيْہَا۝۰ۙ وَہُمْ يَحْمِلُوْنَ اَوْزَارَہُمْ عَلٰي ظُہُوْرِہِمْ۝۰ۭ اَلَا سَاۗءَ مَا يَزِرُوْنَ۝۳۱
Qad khasira allatheena kaththaboo biliqai Allahi hatta itha jaathumu alssaAAatu baghtatan qaloo ya hasratana AAala ma farratna feeha wahum yahmiloona awzarahum AAala thuhoorihim ala saa ma yaziroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قد خسر الذين كذَّبوا بلقاء الله» بالبعث «حتى» غاية للتكذيب «إذا جاءتهم الساعة» القيامة «بغتة» فجأة «قالوا يا حسرتنا» هي شدة التألم ونداؤها مجاز أي هذا أوانك فاحضري «على ما فرَّطنا» قصَّرنا «فيها» أي الدنيا «وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم» بأن تأتيهم عند البعث في أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فتركبهم «ألا ساء» بئس «ما يزرون» يحملونه حملهم ذلك.

31

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حالة أخرى من أحوال منكري البعث والقيامة وهي أمران: أحدهما: حصول الخسران. والثاني: حمل الأوزار العظيمة. أما النوع الأول: وهو حصول الخسران فتقريره أنه تعالى بعث جوهر النفس الناطقة القدسية الجسماني وأعطاه هذه الآلات الجسمانية والأدوات الجسدانية وأعطاه العقل والتفكر أجلى أن يتوصل باستعمال هذه الآلات والأدوات إلى تحصيل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة التي يعظم منافعها بعد الموت فإذا استعمل الإنسان هذه الآلات والأدوات والقوة العقلية والقوة الفكرية في تحصيل هذه اللذات الدائرة والسعادات المنقطعة ثم انتهى الإنسان إلى آخر عمره فقد خسر خسراناً مبيناً لأن رأس المال قد فنى والربح الذي ظن أنه هو المطلوب فنى أيضاً وانقطع فلم يبق في يده لا من رأس المال أثر ولا من الربح شيء. فكان هذا هو الخسران المبين. وهذا الخسران إنما يحصل لمن كان منكراً للبعث والقيامة وكان يعتقد أن منتهى السعادات ونهاية الكمالات هو هذه السعادات العاجلة الفانية. أما من كان مؤمناً بالبعث والقيامة فإنه لا يغتر بهذه السعادات الجسمانية ولا يكتفي بهذه الخيرات العاجلة بل يسعى في إعداد الزاد ليوم المعاد فلم يحصل له الخسران فثبت بما ذكرنا أن الذين كذبوا بلقاء الله وأنكروا البعث والقيامة قد خسروا خسراناً مبيناً وأنهم عند الوصول إلى موقف القيامة يتحسرون على تفريطهم في تحصيل الزاد ليوم المعاد. والنوع الثاني من وجوه: خسرانهم أنهم يحملون أوزارهم على ظهورهم. وتقرير الكلام فيه أن كمال السعادة في الاقبال على الله تعالى والاشتغال بعبوديته والاجتهاد في حبه وخدمته وأيضاً في الانقطاع عن الدنيا وترك محبتها وفي قطع العلاقة بين القلب وبينها، فمن كان منكراً للبعث والقيامة، فإنه لا يسعى في إعداد الزاد لموقف القيامة، ولا يسعى في قطع العلاقة بين القلب وبين الدنيا، فإذا مات بقي كالغريب في عالم الروحانيات، وكالمنقطع عن أحبابه وأقاربه الذين كانوا في عالم الجسمانيات فيحصل له الحسرات العظيمة بسبب فقدان الزاد وعدم الاهتداء إلى المخالطة بأهل ذلك العالم ويحصل له الآلام العظيمة بسبب الانقطاع عن لذات هذا العالم والامتناع عن الاستسعاد بخيرات هذا العالم. فالأول: هو المراد من قوله {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } والثاني: هو المراد من قوله {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } فهذا تقرير المقصود من هذه الآية. المسألة الثانية: المراد من الخسران فوت الثواب العظيم وحصول العقاب العظيم {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ } المراد منه الذين أنكروا البعث والقيامة، وقد بالغنا في شرح هذه الكلمة عند قوله {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 46] وإنما حسنت هذه الكناية أن موقف القيامة موقف لا حكم فيه لأحد إلا لله تعالى، ولا قدرة لأحد على النفع والضر والرفع والخفض إلا لله. وقوله {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } اعلم أن كلمة (حتى) غاية لقوله {كَذَّبُواْ } لا لقوله {قَدْ خَسِرَ } لأن خسرانهم لا غاية له ومعنى (حتى) ههنا أن منتهى تكذيبهم الحسرة يوم القيامة، والمعنى أنهم كذبوا إلى أن ظهرت الساعة بغتة. فإن قيل: إنما يتحسرون عند موتهم. قلنا: لما كان الموت وقوعاً في أحوال الآخرة ومقدماتها جعل من جنس الساعة وسمي باسمها ولذلك قال عليه السلام: «حديث : من مات فقد قامت قيامته» تفسير : والمراد بالساعة القيامة، وفي تسمية يوم القيامة بهذا الاسم وجوه: الأول: أن يوم القيامة يسمى الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هي إلا ساعة الحساب. الثاني: الساعة هي الوقت الذي تقوم القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله تعالى. ألا ترى أنه تعالى قال: {بَغْتَةً } والبغت والبغتة هو الفجأة والمعنى: أن الساعة لا تجيء إلا دفعة لأنه لا يعلم أحد متى يكون مجيئها، وفي أي وقت يكون حدوثها وقوله {بَغْتَةً } انتصابه على الحال بمعنى: باغتة أو على المصدر كأنه قيل: بغتتهم الساعة بغتة. ثم قال تعالى: {قَالُواْ يا حَسْرَتَنَا} قال الزجاج: معنى دعاء الحسرة تنبيه للناس على ما سيحصل لهم من الحسرة والعرب تعبر عن تعظيم أمثال هذه الأمور بهذه اللفظة كقوله تعالى: {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } تفسير : [يس: 30] و {أية : يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 56] {أية : يٰوَيْلَتَا ءأَلِدُ } تفسير : [هود: 72] وهذا أبلغ من أن يقال: الحسرة علينا في تفريطنا ومثله {أية : يا أسفي عَلَىٰ يُوسُفَ } تفسير : [يوسف: 84] تأويله يا أيها الناس تنبهوا على ما وقع بي من الأسف فوقع النداء على غير المنادى في الحقيقة. وقال سيبويه: إنك إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت يا عجب احضر وتعال فإن هذا زمانك. إذا عرفت هذا فنقول: حصل للنداء ههنا تأويلان: أحدهما: أن النداء للحسرة، والمراد منه تنبيه المخاطبين وهو قول الزجاج. والثاني: أن المنادى هو نفس الحسرة على معنى: أن هذا وقتك فاحضري وهو قول سيبويه وقوله {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } فيه بحثان. البحث الأول: قال أبو عبيدة يقال: فرطت في الشيء أي ضيعته فقوله {فَرَّطْنَا } أي تركنا وضيعنا وقال الزجاج: فرطنا أي قدمنا العجز جعله من قولهم فرط فلان إذا سبق وتقدم، وفرط الشيء إذا قدمه. قال الواحدي: فالتفريط عنده تقديم التقصير. والبحث الثاني: أن الضمير في قوله {فِيهَا } إلى ماذا يعود فيه وجوه: الأول: قال ابن عباس في الدنيا والسؤال عليه أنه لم يجر للدنيا ذكر فكيف يمكن عود هذا الضمير إليها. وجوابه: أن العقل دل على أن موضع التقصير ليس إلا الدنيا، فحسن عود الضمير إليها لهذا المعنى. الثاني: قال الحسن المراد يا حسرتنا على ما فرطنا في الساعة، والمعنى: على ما فرطنا في إعداد الزاد للساعة وتحصيل الأهبة لها. والثالث: أن تعود الكناية إلى معنى ما في قوله {مَّا فَرَّطْنَا } أي حسرتنا على الأعمال والطاعات التي فرطنا فيها. والرابع: قال محمد بن جرير الطبري: الكناية تعود إلى الصفقة لأنه تعالى لما ذكر الخسران دل ذلك على حصول الصفقة والمبايعة. ثم قال تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } فاعلم أن المراد من قولهم يا حسرتنا على ما فرطنا فيها إشارة إلى أنهم لم يحصلوا لأنفسهم ما به يستحقون الثواب، وقوله {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } إشارة إلى أنهم حصلوا لأنفسهم ما به استحقوا العذاب العظيم، ولا شك أن ذلك نهاية الخسران. قال ابن عباس: الأوزار الآثام والخطايا قال أهل اللغة الوزر الثقل وأصله من الحمل يقال وزرت الشيء أي حملته أزره وزرا، ثم قيل للذنوب أوزار لأنها تثقل ظهر من عملها، وقوله {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [فاطر: 18] أي لا تحمل نفس حاملة. قال أبو عبيدة: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع أحمل وزرك وأوزار الحرب أثقالها من السلاح ووزير السلطان الذي يزر عنه أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية أي يحمل. قال الزجاج: وهم يحملون أوزارهم أي يحملون ثقل ذنوبهم، واختلفوا في كيفية حملهم الأوزار فقال المفسرون: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً ويقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } تفسير : [مريم: 85] قالوا ركباناً وأن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم فذلك قوله {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } وهذا قول قتادة والسدي. وقال الزجاج: الثقل كما يذكر في المنقول، فقد يذكر أيضاً في الحال والصفة يقال: ثقل على خطاب فلان، والمعنى كرهته فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم. وقال آخرون: معنى قوله {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ } أي لا تزايلهم أوزارهم كما تقول شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي. ثم قال تعالى: {أَلاَ سَآء مَا يَزِرُونَ } والمعنى بئس الشيء الذي يزرونه أي يحملونه والاستقصاء في تفسير هذا اللفظ مذكور في سورة النساء في قوله {أية : وَسَاء سَبِيلاً } تفسير : [سورة النساء: 22].

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} قيل: بالبعث بعد الموت وبالجزاء؛ دليله قوله عليه السَّلام: « حديث : مَن حَلَف على يمين كاذبة ليقتَطعَ بها مال ٱمرىء مسلم لقي اللَّهَ وهو عليه غضبان » تفسير : أي لقي جزاءه؛ لأن من غضب عليه لا يرى الله عند مثبتي الرؤية، ذهب إلى هذا القَفَّال وغيره؛ قال القُشَيْريّ: وهذا ليس بشيء؛ لأن حمل اللقاء في موضع على الجزاء لدليلٍ قائم لا يوجب هذا التأويل في كل موضع، فليحمل اللقاء على ظاهره في هذه الآية؛ والكفار كانوا ينكرون الصانع، ومنكر الرؤية منكر للوجود!. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها. ومعنى «بغتة» فجأة؛ يقال: بَغَتهم الأمرُ يَبْغَتُهُمْ بَغْتاً وبَغْتَةً. وهي نصب على الحال، وهي عند سيبويه مصدر في موضع الحال، كما تقول: قتلته صَبْراً. وأنشد: شعر : فَلأَيَاً بِلأْيً ما حَمَلْنَا وَليدَنا على ظَهْرِ مَحْبوكٍ ظِمَاءٍ مَفَاصِلهُ تفسير : ولا يجيز سيبويه أن يقاس عليه؛ لا يقال: جاء فلان سُرْعةً. قوله تعالى: {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا} وقع النداء على الحسرة وليست بمنادى في الحقيقة، ولكنه يدل على كثرة التّحسر، ومثله يا للعجب ويا للرخاء وليسا بمنادين في الحقيقة، ولكنه يدل على كثرة التعجب والرخاء؛ قال سيبويه: كأنه قال يا عجبُ تَعالَ فهذا زمن إتيانك؛ وكذلك قولك يا حسرتي أي يا حسرتا تعالي فهذا وقتك؛ وكذلك ما لا يصح نداؤه يجري هذا المجرى، فهذا أبلغ من قولك تعجبت. ومنه قول الشاعر: شعر : فيا عجباً من رَحْلِها المتحمَّلِ تفسير : وقيل: هو تنبيه للناس على عظيم ما يحلّ بهم من الحسرة؛ أي يا أيها الناس تنَبَّهوا على عظيم ما بي من الحسرة. فوقع النداء على غير المنادى حقيقة؛ كقولك: لا أَرينّك ها هنا. فيقع النهي على غير المنهي في الحقيقة. قوله تعالى: {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} أي في الساعة، أي في التقدمة لها؛ عن الحسن. و «فَرَّطْنَا» معناه ضيعنا وأصله التقدّم يقال: «فَرَط فلان أي تقدّم وسبق إلى الماء، ومنه: «أنا فَرَطكم على الحوض». ومنه الفَارِط أي المتقدّم للماء، ومنه ـ في الدعاء للصبي ـ اللهم اجعله فَرَطا لأبويه؛ فقولهم: «فَرَّطْنَا» أي قدمناه العجز. وقيل: «فَرَّطْنَا» أي جعلناه غيرنا الفارِط السابق لنا إلى طاعة الله وتَخَلَّفنا. «فيها» أي في الدنيا بترك العمل للساعة. وقال الطَّبري: (الهاء) راجعة إلى الصَّفْقة، وذلك أنهم لما تَبيّن لهم خسران صَفْقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر، والآخرة بالدنيا. {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} أي في الصَّفْقة، وترك ذكرها لدلالة الكلام عليها؛ لأن الخسران لا يكون إلا في صفْقة بيع؛ دليله قوله: { أية : فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ } تفسير : [البقرة: 16]. وقال السُّدي: على ما ضيَّعنا أي من عمل الجنة. وفي الخبر عن أبي سعيد الخُدْري عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: « حديث : يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون: «يَا حَسْرَتَنَا» ». تفسير : قوله تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} أي ذنوبهم جمع وِزر. {عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} مجاز وتوسّع وتشبيه بمن يحمل ثِقْلاً؛ يقال منه: وَزَرَ يَزِر، ووَزِرَ يُوزَر فهو وازر ومَوْزور؛ وأصله من الوَزَر وهو الجبل. ومنه الحديث في النساء اللواتي خرجن في جنازة: « حديث : ٱرجعن مَوْزوراتٍ غيرَ مأجورات » تفسير : قال أبو عبيد: والعامة تقول: «مأزورات» كأنه لا وجه له عنده؛ لأنه من الوِزر. قال أبوعبيد: ويقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع ٱحمل وِزْرك أي ثِقْلك. ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما يُسنَد إليه من تدبير الولاية: والمعنى أنهم لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها. {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} أي ما أسوأ الشيء الذي يحملونه.

البيضاوي

تفسير : {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ} إذ فاتهم النعم واستوجبوا العذاب المقيم ولقاء الله البعث وما يتبعه. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ } غاية لكذبوا لا لخسر، لأن خسرانهم لا غاية له. {بَغْتَةً} فجأة ونصبها على الحال، أو المصدر فإنها نوع من المجيء. {قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا} أي تعالي فهذا أوانك. {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا} قصرنا {فِيهَا } في الحياة الدنيا أضمرت وإن لم يجر ذكرها للعلم بها، أو في الساعة يعني في شأنها والإِيمان بها. {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} تمثيل لاستحقاقهم آصار الآثام. {أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} بئس شيئاً يزرونه وزرهم. {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي وما أعمالها إلا لعب ولهو يلهي الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية. وهو جواب لقولهم {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا }تفسير : [الأنعام: 29] {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} لدوامها وخلوص منافعها ولذاتها، وقوله: {لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو. وقرأ ابن عامر «ولدار الآخرة». {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي الأمرين خير. وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب بالتاء على خطاب المخاطبين به، أو تغليب الحاضرين على الغائبين. {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ} معنى قد زيادة الفعل وكثرته كما في قوله:شعر : وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلُهْ تفسير : والهاء في أنه للشأن. وقرىء {لَيَحْزُنُكَ} من أحزن. {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ } في الحقيقة. وقرأ نافع والكسائي {لاَ يُكَذّبُونَكَ} من أكذبه إذا وجده كاذباً، أو نسبه إلى الكذب. {وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} ولكنهم يجحدون بآيات الله ويكذبونها، فوضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا بجحودهم، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم، والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب. روي أن أبا جهل كان يقول: ما نكذبك وإنك عندنا لصادق وإنما نكذب ما جئتنا به. فنزلت. {وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل على أن قوله: {لاَ يُكَذّبُونَكَ}، ليس لنفي تكذيبه مطلقاً. {فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ} على تكذيبهم وإيذائهم فتأس بهم واصبر. {حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا} فيه إيماء بوعد النصر للصابرين. {وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ } لمواعيده من قوله: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ }تفسير : [الصافات: 171] الآيات. {وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَبَإِي ٱلْمُرْسَلِينَ} أي بعض قصصهم وما كابدوا من قومهم. {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ} عظم وشق. {إِعْرَاضُهُمْ} عنك وعن الإِيمان بما جئت به. {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} منفذاً تنفذ فيه إلى جوف الأرض فتطلع لهم آية، أو مصعداً تصعد به إلى السماء فتنزل منها آية، وفي الأرض صفة لنفقاً وفي السماء صفة لسلما، ويجوز أن يكونا متعلقين بتبتغي، أو حالين من المستكن وجواب الشرط الثاني محذوف تقديره فافعل، والجملة جواب الأول والمقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وأنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} لوفقهم للإِيمان حتى يؤمنوا ولكن لم تتعلق به مشيئته، فلا تتهالك عليه والمعتزلة أولوه بأنه لو شاء لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} بالحرص على ما لا يكون، والجزع في مواطن الصبر فإن ذلك من دأب الجهلة. {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ } إنما يجيب الذين يسمعون بفهم وتأمل لقوله تعالى: {أية : أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } تفسير : [ق: 37] وهؤلاء كالموتى الذين لا يسمعون. {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} فيعلمهم حين لا ينفعهم الإِيمان. {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} للجزاء. {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ} أي آية بما اقترحوه، أو آية أخرى سوى ما أنزل من الآيات المتكاثرة لعدم اعتدادهم بها عناداً. {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزّلٍ ءايَةً} مما اقترحوه، أو آية تضطرهم إلى الإِيمان كنتق الجبل، أو آية إن جحدوها هلكوا. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الله قادر على إنزالها، وأن إنزالها يستجلب عليهم البلاء، وأن لهم فيما أنزل مندوحة عن غيره. وقرأ ابن كثير ينزل بالتخفيف والمعنى واحد. {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ} تدب على وجهها. {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} في الهواء، وصفه به قطعاً لمجاز السرعة ونحوها. وقرىء «ولا طائر» بالرفع على المحل. {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ} محفوظة أحوالها مقدرة أرزاقها وآجالها، والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره، ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية. وجمع الأمم للحمل على المعنى. {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَـٰبِ مِن شَيْء } يعني اللوح المحفوظ، فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من الجليل والدقيق لم يهمل فيه أمر، حيوان ولا جماد. أو القرآن فإنه قد دون فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلاً أو مجملاً، ومن مزيدة وشيء في موضع المصدر لا بالمفعول به، فإن فرط لا يتعدى بنفسه وقد عدي بفي إلى الكتاب. وقرىء {مَّا فَرَّطْنَا } بالتخفيف. {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } يعني الأمم كلها فينصف بعضها من بعض كما روي: أنه يأخذ للجماء من القرناء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حشرها موتها. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا صُمٌّ} لا يسمعون مثل هذه الآيات الدالة على ربوبيته وكمال علمه وعظم قدرته سماعاً تتأثر به نفوسهم. {وَبُكْمٌ } لا ينطقون بالحق. {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ} خبر ثالث أي خابطون في ظلمات الكفر، أو في ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد، ويجوز أن يكون حالاً من المستكن في الخبر. {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ} من يشأ الله إضلاله يضلله، وهو دليل واضح لنا على المعتزلة. {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} بأن يرشده إلى الهدى ويحمله عليه. {قُلْ أَرَأَيْتُكُم} استفهام تعجيب، والكاف حرف خطاب أكد به الضمير للتأكيد لا محل له من الإِعراب لأنك تقول: أرأيتك زيداً ما شأنه فلو جعلت الكاف مفعولاً كما قاله الكوفيون لعديت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، وللزم في الآية أن يقال: أرأيتموكم بل الفعل معلق أو المفعول محذوف تقديره: أرأيتكم آلهتكم تنفعكم. إذ تدعونها. وقرأ نافع أرأيتكم وأرأيت وأرأيتم وأفرأيتم وأفرأيت وشبهها إذا كان قبل الراء همزة بتسهيل الهمزة التي بعد الراء، والكسائي يحذفها أصلاً والباقون يحققونها وحمزة إذا وقف وافق نافعاً. {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} كما أتى من قبلكم. {أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ} وهو لها ويدل عليه. {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ} وهو تبكيت لهم. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أن الأصنام آلهة وجوابه محذوف أي فادعوه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن خسارة من كذب بلقائه، وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعل، ولهذا قال: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة، وعلى الأعمال وعلى الدار الآخرة، أي: في أمرها، وقوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} أي: يحملون، وقال قتادة: يعملون، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن أبي مرزوق، قال: يستقبل الكافر أو الفاجر عند خروجه من قبره، كأقبح صورة رأها، وأنتن ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أوَ مَا تعرفني، فيقول: لا والله، إلا أن الله قبح وجهك، وأنتن ريحك، فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا، هلم أركبك؛ فهو قوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} الآية، وقال أسباط: عن السدي أنه قال: ليس من رجل ظالم يدخل قبره، إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الريح، وعليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك؟ قال: كذلك كان عملك قبيحاً، قال: ما أنتن ريحك؟ قال: كذلك كان عملك منتناً، قال: ما أدنس ثيابك؟ قال: فيقول: إن عملك كان دنساً، قال له: من أنت؟ قال: عملك، قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني، قال: فيركب على ظهره، فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}. وقوله: {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي: إنما غالبها كذلك {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ ٱللَّهِ } بالبعث {حَتَّىٰ } غاية للتكذيب {إِذَا جَاءتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ } القيامة {بَغْتَةً } فجأة {قَالُواْ يَحَسْرَتَنَا} هي شدّة التألم ونداؤها مجاز أي هذا أوانك فاحضري { عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا } قصَّرنا {فِيهَا } أي الدنيا {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } بأن تأتيهم عند البعث في أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً فتركبهم {أَلاَ سَآءَ } بئس {مَا يَزِرُونَ } يحملونه حملهم ذلك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ } هم الذين تقدّم ذكرهم. والمراد من تكذيبهم بلقاء الله تكذيبهم بالبعث، وقيل تكذيبهم بالجزاء. والأوّل أولى، لأنهم الذين قالوا قريباً: {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} تفسير : [الأنعام: 29] {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} أي القيامة، وسميت ساعة لسرعة الحساب فيها. ومعنى بغتة: فجأة، يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتاً وبغتة. قال سيبويه: وهي مصدر في موضع الحال، قال: ولا يجوز أن يقاس عليه، فلا يقال: جاء فلان سرعة، و"حَتَّىٰ } غاية للتكذيب لا للخسران، فإنه لا غاية له {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا} هذا جواب {إذا جاءتهم} أوقعوا النداء على الحسرة، وليست بمنادى في الحقيقة ليدلّ ذلك على كثرة تحسرهم. والمعنى: يا حسرتنا احضري، فهذا أوانك، كذا قال سيبويه في هذا النداء وأمثاله، كقولهم يا للعجب ويا للرجل. وقيل: هو تنبيه للناس على عظم ما يحلّ بهم من الحسرة، كأنهم قالوا: يا أيها الناس تنبهوا على عظيم ما بنا من الحسرة، والحسرة: الندم الشديد {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } أي على تفريطنا في الساعة، أي في الاعتداد لها، والاحتفال بشأنها، والتصديق بها. ومعنى فرّطنا ضيعنا، وأصله التقدّم، يقال فرط فلان: أي تقدّم وسبق إلى الماء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وأنا فرطكم على الحوض"تفسير : ، ومنه الفارط: أي المتقدم فكأنهم أرادوا بقولهم: {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا} أي على ما قدّمنا من عجزنا عن التصديق بالساعة والاعتداد لها، وقال ابن جرير الطبري: إن الضمير في {فرّطنا فيها} يرجع إلى الصفقة، وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر، والدنيا بالآخرة {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} في صفقتنا، وإن لم تذكر في الكلام، فهو دالّ عليها؛ لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة. وقيل الضمير راجع إلى الحياة: أي على ما فرّطنا في حياتنا. قوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } هذه الجملة حالية، أي يقولون تلك المقالة، والحال أنهم: {يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } أي ذنوبهم، جمع وزر: يقال: وزر يزر، فهو وازر وموزور، وأصله من الوزر. قال أبو عبيدة: يقال للرجال إذا بسط ثوبه، فجعل فيه المتاع: احمل وزرك، أي ثقلك، ومنه الوزير، لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية. والمعنى: أنها لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها، وجعلها محمولة على الظهور تمثيل {أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } أي بئس ما يحملون. قوله: {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ } أي وما متاع الدنيا إلا لعب ولهو على تقدير حذف مضاف، أو ما الدنيا من حيث هي، إلا لعب ولهو. والقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم: {مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا }، واللعب معروف، وكذلك اللهو، وكل ما يشغلك فقد ألهاك. وقيل: أصله الصرف عن الشيء. وردّ بأن اللهو بمعنى الصرف لامه "ياء"، يقال لهيت عنه، ولام اللهو واو، يقال لهوت بكذا {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا، أي هي خير للذين يتقون الشرك والمعاصي، أفلا تعقلون ذلك. قرأ ابن عامر "وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ" بلام واحدة، وبالإضافة وقرأ الجمهور باللام التي للتعريف معها، وجعل الآخرة نعتاً لها والخبر "خير"، وقرىء تعقلون بالفوقية والتحتية. قوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ } هذا الكلام مبتدأ مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما ناله من الغمّ والحزن بتكذيب الكفار له. ودخول قد للتكثير، فإنها قد تأتي لإفادته كما تأتي ربّ. والضمير في "إنَّه" للشأن، وقرىء بفتح الياء من "يحزنك" وضمها. وقرىء {يكذبونك} مشدّداً ومخففاً، واختار أبو عبيد قراءة التخفيف. قال النحاس: وقد خولف أبو عبيد في هذا. ومعنى {يكذبونك} على التشديد: ينسبونك إلى الكذب ويردّون عليك ما قلته. ومعنى المخفف: أنهم لا يجدونك كذاباً، يقال أكذبته: وجدته كذاباً، وأبخلته: وجدته بخيلاً. وحكى الكسائي عن العرب: أكذبت الرجل: أخبرت أنه جاء بالكذب، وكذّبته: أخبرت أنه كاذب. وقال الزجاج: كذبته إذا قلت له كذبت، وأكذبته: إذا أردت أن ما أتى به كذب. والمعنى: أن تكذيبهم ليس يرجع إليك، فإنهم يعترفون لك بالصدق، ولكن تكذيبهم راجع إلى ما جئت به، ولهذا قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التوبيخ لهم، والإزراء عليهم، ووصفهم بالظلم لبيان أن هذا الذي وقع منهم ظلم بين. قوله: {وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا } هذا من جملة التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أن هذا الذي وقع من هؤلاء إليك ليس هو بأوّل ما صنعه الكفار مع من أرسله الله إليهم، بل قد وقع التكذيب لكثير من الرسل المرسلين من قبلك، فاقتد بهم ولا تحزن واصبر كما صبروا على ما كذبوا به، وأوذوا، حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم فإنا لا نخلف الميعاد و{أية : لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } تفسير : [الرعد: 38] {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [غافر: 51] {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الصافات: 171 ــ 173] {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] {وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ } بل وعده كائن، وأنت منصور على المكذبين، ظاهر عليهم. وقد كان ذلك ولله الحمد. {وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ } ما جاءك من تجرّى قومهم عليهم في الابتداء، وتكذيبهم لهم، ثم نصرهم عليهم في الانتهاء، وأنت ستكون عاقبة هؤلاء المكذبين لك كعاقبة المكذبين للرسل، فيرجعون إليك ويدخلون في الدين الذي تدعوهم إليه طوعاً أو كرهاً. قوله: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ }، كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يكبر عليه إعراض قومه، ويتعاظمه، ويحزن له، فبين له الله سبحانه أن هذا الذي وقع منهم من توليهم عن الإجابة له، والإعراض عما دعا إليه، هو كائن لا محالة لما سبق في علم الله عزّ وجلّ، وليس في استطاعته وقدرته إصلاحهم وإجابتهم قبل أن يأذن الله بذلك، ثم علق ذلك بما هو محال، فقال {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى ٱلأَرْضِ } فتأتيهم بآية منه {أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} منها فافعل، ولكنك لا تستطيع ذلك فدع الحزن،{أية : وَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } تفسير : [فاطر: 8] و{أية : مَا أَنتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ } تفسير : [الغاشية: 22] والنفق: السرب والمنفذ، ومنه النافقاء لجحر اليربوع، ومنه المنافق. وقد تقدّم في البقرة ما يغني عن الإعادة. والسلم: الدرج الذي يرتقي عليه، وهو مذكر لا يؤنث، وقال الفراء: إنه يؤنث. قال الزجاج: وهو مشتق من السلامة، لأنه يسلك به إلى موضع الأمن. وقيل: إن الخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد به أمته، لأنها كانت تضيق صدورهم بتمرّد الكفرة وتصميمهم على كفرهم، ولا يشعرون أن لله سبحانه في ذلك حكمة، لا تبلغها العقول، ولا تدركها الأفهام، فإن الله سبحانه لو جاء لرسوله صلى الله عليه وسلم بآية تضطرهم إلى الإيمان لم يبق للتكليف الذي هو الابتلاء والامتحان معنى، ولهذا قال: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} جمع إلجاء وقسر، ولكنه لم يشأ ذلك، ولله الحكمة البالغة {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } فإن شدّة الحرص والحزن لإعراض الكفار عن الإجابة قبل أن يأذن الله بذلك هو صنيع أهل الجهل، ولست منهم، فدع الأمور مفوّضة إلى عالم الغيب والشهادة، فهو أعلم بما فيه المصلحة، ولا تحزن لعدم حصول ما يطلبونه من الآيات التي لو بدا لهم بعضها، لكان إيمانهم بها اضطراراً {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ } أي إنما يستجيب لك إلى ما تدعو إليه الذين يسمعون سماع تفهم بما تقتضيه العقول وتوجبه الأفهام، وهؤلاء ليسوا كذلك، بل هم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ولا يعقلون لما جعلنا على قلوبهم من الأكنة، وفي آذانهم من الوقر، ولهذا قال {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ } شبههم بالأموات بجامع أنهم جميعاً لا يفهمون الصواب، ولا يعقلون الحق، أي أن هؤلاء لا يلجئهم الله إلى الإيمان وإن كان قادراً على ذلك، كما يقدر على بعثة الموتى للحساب {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } إلى الجزاء فيجازى كلا بما يليق به كما تقتضيه حكمته البالغة. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {قَالُوا يٰحَسْرَتَنَا} قال: الحسرة الندامة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم في قوله: {يا حسرتنا} قال: "حديث : الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم من الجنة، فتلك الحسرة"تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } قال: ما يعملون. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {لَعِبٌ وَلَهْوٌ } قال: كل لعب: لهو. وأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والضياء في المختارة، عن عليّ بن أبي طالب، قال: قال أبو جهل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذّبك ولكن نكذّب بما جئت به، فأنزل الله: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُون}. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي يزيد المدني، أن أبا جهل قال: والله إني لأعلم أنه صادق، ولكن متى كنا تبعاً لبني عبد مناف؟. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي ميسرة، نحو رواية عليّ بن أبي طالب. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } قال: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } قال: يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسما والصفات، عن ابن عباس قال: {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى ٱلأَرْضِ } والنفق: السرب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لهم سلماً في السماء فتصعد عليه {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَة} أفضل مما أتيناهم به، فافعل {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } يقول سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {نَفَقاً فِى ٱلأرْضِ } قال: سرباً {أَوْ سُلَّماً فِى ٱلسَّمَاء } قال: يعني الدرج. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن في قوله: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ } قال: المؤمنون {وَٱلْمَوْتَىٰ } قال: الكفار. وأخرج هؤلاء عن مجاهد مثله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: وما أمر الدنيا والعمل لها إلا لعب ولهو، فأما عمل الصالحات فيها فهو من عمل الآخرة، فخرج من أن يكون لعباً ولهواً. والثاني: وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو لاشتغالهم بها عما هو أولى منها، قاله الحسن. والثالث: أنهم كأهل اللعب واللهو لانقطاع لذاتهم وقصور مدتهم، وأهل الآخرة بخلافهم لبقاء مدتهم واتصال لذتهم، وهو معنى قوله تعالى: {وَلَلدَّارُ الأخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} لأنه قَدْ دام لهم فيها ما كان منقطعاً في غيرها. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أن ذلك خير لكم. وذكر بعض الخاطرية قولاً رابعاً: أنها لعب لمن جمعها، لهو لمن يرثها.

ابن عطية

تفسير : هذا استئناف إخبار عن خسارة المكذبين يتضمن تعظيم المصاب الذي حل بهم، وتستعمل الخسارة في مثل هذا لأنه من أخذ الكفر واتبعه فكأنه قد أعطى الإيمان واطرحه، فأشبهت صفقة أخذ وإعطاء والإشارة بهذه الآية إلى الذين قالوا إنما هي حياتنا الدنيا، وقوله: {بلقاء الله} معناه: بالرجوع إليه وإلى أحكامه وقدرته، كما تقول لقي فلان أعماله أي لقي عواقبها ومآلها، و {الساعة} يوم القيامة، وأدخل عليها تعريف العهد دون تقدم ذكرها لشهرتها واستقرارها في النفوس وذيعان ذكرها، وأيضاً فقد تضمنها قوله تعالى: {بلقاء الله} وبغتة معناه فجأة، تقول بغتني الأمر أي فجأني ومنه قول الشاعر: شعر : ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة وأفظع شيء حين يفجأك البغت تفسير : ونصبها على المصدر في موضع الحال كما تقول: قتلته صبراً، ولا يجيز سيبويه القياس عليه ولا تقول جاء فلان سرعة ونحوه، ونداء الحسرة على تعظيم الأمر وتشنيعه، قال سيبويه وكأن الذي ينادي الحسرة أو العجب أو السرور أو الويل يقول: اقربي أو احضري فهذا وقتك وزمنك، وفي ذلك تعظيم للأمر على نفس المتكلم وعلى سامعه إن كان ثم سامع، وهذا التعظيم على النفس والسامع هو المقصود أيضاً بنداء الجمادات كقولك يا دار ويا ربع، وفي نداء ما لا يعقل كقولهم يا جمل، ونحو هذا، و {فرطنا} معناه قصرنا مع القدرة على ترك التقصير، وهذه حقيقة التفريط، والضمير في قوله {فيها} عائد على {الساعة} أي في التقدمة لها، وهذا قول الحسن، وقال الطبري يعود على الصفقة التي يتضمنها ذكر الخسارة في أول الآية. ويحتمل أن يعود الضمير على الدنيا إذ المعنى يقتضيها، وتجيء الظرفية أمكن بمنزلة زيد في الدار، وعوده على {الساعة} إنما معناه في أمورها والاستعداد لها، بمنزلة زيد في العلم مشتغل. وقوله تعالى: {وهم يحملون أوزارهم} الآية، الواو واو الحال، والأوزار جمع وزر بكسر الواو وهو الثقل من الذنوب، تقول منه وزر يزر إذا حمل، قال الله تعالى: {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [الأنعام:164] وتقول وزر الرجل فهو موزور، قال أبو عبيد والعامة مازور، وأما إذا اقترن ذلك بما جوز فإن العرب تقول مأزور، وقدحديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنساء لقيهن مقبلات من المقابر:"ارجعن مأزورات غير مأجورات"تفسير : قال أبو علي وغيره فهذا للإتباع اللفظي، والوزر هنا تجوز وتشبيه بثقل الأحمال، وقوى التشبيه بأن جعله على الظهور إذ هو في العادة موضع حمل الأثقال، ومن قال إنه من الوزر وهو الجبل الذي يلجأ إليه ومنه الوزير وهو المعين فهي مقالة غير بينة، وقال الطبري وغيره هذا على جهة الحقيقة ورووا في ذلك خبراً أن المؤمن يلقاه عمله في أحسن صورة وأفوحها فيسلم عليه ويقول له طال ما ركبتك في الدنيا وأجهدتك فاركبني اليوم، قال فيحمله تمثال العمل، وأن الكافر يلقاه عمله في أقبح صورة وأنتنها فيشتمه ويقول أنا عملك الخبيث طال ما ركبتني في الدنيا بشهواتك فأنا أركبك اليوم، قال فيحمل تمثال عمله وأوزاره على ظهره، وقوله تعالى: {ألا ساء ما يزرون} إخبار عن سوء ما يأثمون مضمن التعظيم لذلك والإشادة به، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم ألا فليبلغ الشاهد الغائب، وقوله ألا هل بلغت، فإنما أراد الإشادة والتشهير وهذا كله يتضمنه {ألا} ، وأما {ساء ما يزرون} فهو خبر مجرد كقول الشاعر: [البسيط] شعر : رَضِيت خِطَّةَ خَسْفٍ غًيْرَ طَائِلَةٍ فَسَاءَ هَذا رِضى يا قَيْس غيلانَا تفسير : و {ساء} فعل ماضٍ و {ما} فاعلة به كما تقول ساءني أمر كذا، ويحتمل أن تجري {ساء} هنا مجرى بئس، ويقدر ما يقدر لـ "بئس" إذ قد جاء في كتاب الله {أية : ساء مثلاً القوم} تفسير : [الأعراف:177].

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} يعني خسروا أنفسهم بسبب تكذيبهم بالمصير إلى الله تعالى وبالبعث بعد الموت وهذا الخسران هو فوت الثواب العظيم في دار النعيم المقيم وحصول العذاب الأليم، في دركات الجحيم {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة} يعني جاءتهم القيامة فجأة وسميت القيامة ساعة: لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله تبارك وتعالى. وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة أو أقل من ذلك {قالوا} يعني منكري البعث وهم كفار قريش ومن سلك سبيلهم في الكفر والاعتقاد {يا حسرتنا} يعني: يا ندامتنا والحسرة التلهف على الشيء الفائت وذكرت على وجه النداء للمبالغة والمراد تنبيه المخاطبين على ما وقع بهم من الحسرة {على ما فرطنا} يعني قصرنا {فيها} يعني في الدنيا لأنها موضع التفريط في الأعمال الصالحة والمعنى يا حسرتنا على الأعمال الصالحة التي فرطنا فيها في دار الدنيا. وقال محمد بن جرير الطبري: الهاء والألف في قوله فيها تعود إلى الصفقة ولكن اكتفى بدلالة قوله قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله عليها من ذكرها إذ كان معلوماً أن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرى ومعنى الآية قد وكس الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به رضوان الله وجنته بالكفر الذي يستوجبون به سخط الله وعقوبته وهم لا يشعرون بذلك حتى تقوم الساعة. فإذا جاءتهم الساعة بغتة ورأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم قالوا حينئذ: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وروى الطبرى بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله يا حسرتنا، قال: "حديث : يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون يا حسرتنا ". تفسير : وقوله تعالى: {وهم يحملون أوزارهم} يعني أثقالهم: {على ظهورهم} والأوزار: الخطايا والذنوب. وأصل الوزر: الثقل والحمل. يقال: وزرته إذا حملته وإنما قيل للذنوب أوزار، لأنها تثقل ظهر من يحملها. قال قتادة والسدي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحاً فيقول هل تعرفني؟ فيقول لا فيقول أنا عملك الصالح فاركبني فقد طالما ركبتك في الدنيا فذلك قوله: {أية : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً}تفسير : [مريم: 85] يعني ركباناً. وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً فيقول هل تعرفني؟ فيقول لا فيقول أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك فذلك معنى قوله {وهم يحملون أوزراهم على ظهورهم}. وقال عمر بن هانئ: يحشر مع كل كافر عمله في صورة رجل قبيح كلما رأى هو صورته وقبحه زاده الله خوفاً فيقول له بئس الجليس أنت فيقول أنا عملك طالما ركبتني فلأركبنك اليوم حتى أخزيك على رؤوس الخلائق فيركبه ويتخطى به الناس حتى يقف بين يدي ربه تعالى فذلك قوله تعالى: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم}. وقال الزجاج: الثقل كما يذكر في الوزن فقد يذكر في الحال والصفة يقال ثقل علي كلام فلان بمعنى كرهته فالمعنى أنهم يقاسون من ألم عقاب ذنوبهم مقاساة تثقل ذلك عليهم فعلى هذا القول يكون قوله {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} مجازاً عما يقاسونه من شدة العذاب. وقيل في معنى الآية: أوزارهم لا تزايلهم كما تقول شخصه نصب عيني أي ذكره ملازم لي {ألا ساء ما يزرون} يعني بئس الشيء شيئاً يحملونه. وقال ابن عباس: بئس الحمل حملوا. قوله عز وجل: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} أي باطل وغرور لا بقاء لها وهذا فيه رد على منكري البعث في قولهم {أية : إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين}تفسير : [الأَنعام: 29] فقال الله رداً عليهم وكذباً لهم {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} وهل المراد بهذه الحياة حياة المؤمن أو الكافر قولان: أحدهما: إن المراد بها حياة الكافر لأن المؤمن لا يزداد بحياته في الدنيا إلا خيراً لأنه يحصل في أيام حياته من الأعمال الصالحة والطاعة، ما يكون سبباً لحصول السعادة في الآخرة؛ وأما الكافر فإن كل حياته في الدنيا وبال عليه قال ابن عباس يريد حياة أهل الشرك والنفاق. والقول الثاني: إن هذا عام في حياة المؤمن والكافر لأن الإنسان يلتذ باللعب واللهو ثم عند انقضائه تحصل له الحسرة والندامة لأن الذي كان فيه من اللعب واللهو سريع الزوال لا بقاء له فبان بهذا التقرير أن المراد بهذه الحياة حياة المؤمن والكافر وأنه عام فيهما. وإنما شبه الحياة الدنيا باللعب واللهو لسرعة زوالها وقصر عمرها كالشيء الذي يُلعب به. وقيل: معناه إن أمر الدنيا والعمل لها لعب ولهو فأما فعل الخير والعمل الصالح فهو من فعل الآخرة وإن كان وقوعه في الدنيا وقيل معناه وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو لأنه لا يجدي شيئاً ولاشتغالهم عما أمروا به ونسبوا إلى اللعب وقوله تعالى: {وللدار الآخرة} يعني الجنة واللام فيه لام القسم تقديره والله لدار الآخرة {خير} يعني من الدنيا وأفضل لأن الدنيا سريعة الزوال والانقطاع {للذين يتقون} يعني الشرك. وقيل: يتقون اللعب واللهو {أفلا تعقلون} إن الآخرة خير من الدنيا فيعملون لها. قوله تعالى: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} يعني قد نعلم يا محمد إنه ليحزنك الذي يقوله المشركون لك، قال السدي: التقى الأخنس بن شريق أبو جهل بن هشام فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس هنا أحد يسمع كلامك غيري؟ فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله هذه الآية وقال ناجبة بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك ولا نكذبك ولكنا نكذب الذي جئت به، فأنزل الله هذه الآية. عن علي بن أبي طالب أن أبا جهل قال للنبي إنا لا نكذبك ولكنا نكذب بما جئت به فأنزل الله فيهم {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أخرجه الترمذي من طريقين وقال في أحدهما وهذا أصح، ففي هذا الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية عما يواجهه به قومه لأنهم كانوا يعتقدون صدقه وأنه ليس بكذاب وإنما حملهم على تكذيبه في الظاهر الحسد والظلم: {فإنهم لا يكذبونك} يعني أنهم لا يكذبونك في السر، لأنهم قد عرفوا أنك صادق {ولكن الظالمين} يعني الكافرين {بآيات الله يجحدون} يعني في العلانية وذلك أنهم جحدوا القرآن بعد معرفة الصدق الذي أنزل عليه لعنادهم وكفرهم كما قال الله تعالى في حق غيرهم، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً. وقيل: ظاهر الآية يدل على أنهم لم يكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم وإنما جحدوا آيات الله وهي القرآن الدال على صدقه، فعلى هذا يكون المعنى: فإنهم لا يكذبونك لأنهم قد عرفوا صدقك وإنما جحدوا صحة نبوتك ورسالتك.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} [الآية:31] وصف أحوال منكري البَعْثِ بأمرين: أحدهما: حصول الخُسْرَانِ، أي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى اللَّهِ - تبارك وتعالى - بالبَعْثِ بعد الموت. والثاني: حَمْلُ الأوْزَارِ العظيمة, فأمَّا خسرانهم فهو حسرتهم على تفريطهم وفوات الثواب وحُصُول العقاب. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَة} في نصب "بَغْتَةً" أربعة أوجه: أحدها: أنها مصدرٌ في موضع الحال من فاعل "جاءَتْهُمْ", أي: مُبَاغتةً, وإمَّا من مفعوله أي: مبغوتين. الثاني: أنها مصدرٌ على غير الصَّدر؛ لأنَّ معنى "جاءتهم" بَغَتَتْهُمْ بغتة، فهو كقولهم: "أتيته رَكْضاً". الثالث: أنَّها منصوبةٌ بفعل محذوف من لفظها، أي: تبغتهم بَغْتَة. الرابع: بفعل [من غير لفظها، أي: أتتهم بغتة، والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من] غير اعتدادٍ به، ولا جَعْلِ بالٍ منه حتَّى لو استشعر الإنسانُ به، ثم جاء بسرعة من غير اعتدادٍ به لا يُقَالُ فيه: بَغْتَة، وكذلك قول الشاعر في ذلك: [الطويل] شعر : 2144- إذَا بَغَتَتْ أشْيَاءُ قَدْ كَانَ قَبْلَهَا قَدِيماً فَلاَ تَعْتَدَّهَا بَغَتَاتِ تفسير : والألف واللام في "السَّاعة" للغَلَبَةِ كالنَّجْمِ والثُّرَيَّا؛ لأنها غلبت على يوم القيامة، وسِّمَيتِ القيامَةُ سَاعةً لسرعة الحِسَابِ فيها على الباري تبارك وتعالى. وقيل: لأنَّ السَّاعة من الوَقْتِ الذي تقوم فيه القيامة؛ لأنها تَفْجأ الناس في ساعة لا يعلمها [أحدٌ] إلاَّ اللَّهُ تعالى. وقوله: "قالوا" هو جواب "إذا". قوله: "يَا حَسْرَتَنَا" هذا مجازٌ؛ لأن الحَسْرَةَ لا يتأتى منها الإقْبَالُ، وإنَّما المعنى على المُبَالغَةِ في شِدَّةِ التَّحَسُّرِ، وكأنهم نادوا التحسُّر، وقالوا: إن كان لك وَقْتٌ، فهذا أوانُ حضورك. ومثله: "يا ويلتا" والمقصودُ التنبيهُ على خطأ المنادي، حيث ترك ما أحْوَجَهُ تركه إلى نداء هذه الأشياء. قال سيبويه - رحمه الله -: فيكون المنادى هو نفس الحَسْرَةِ، والمُرَادُ بالحَسْرَةِ النَّدَامَةُ. قال الزَّجَّاج - رحمه الله تعالى -: هذا النِّدَاءُ ينبِّهُ الناس على ما سيحصل لهم من الحَسْرَةِ، والعربُ تعبر عن تعظيم أمثال هذه الأمور باللَّفظَةِ كقوله تبارك وتعالى: {أية : يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} تفسير : [يس:30] {أية : يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر:56] {أية : يَـٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ} تفسير : [هود:72] و {أية : يَـٰأَسَفَىٰ} تفسير : [يوسف:84] والمعنى: يا أيها النَّاس تَنَبَّهُوا على ما وَقَعَ من الأسَفِ، فوقع النداءُ على غير المنادى في الحقيقة. قوله: "عَلَىَ مَا فَرَّطْنَا" متعلّق بالحسرة و"ما" مَصْدريَّةٌ، أي: على تفريطنا، والضمير في "فيها" يجوز أن يعود على السَّاعِةِ، ولا بد من مضاف، أي في شأنها والإيمان بها، وأن يعود على الصِّفَقَةِ المتضمِّنة في قوله: {قّدْ خَسِرَ الَّذين}، قاله الحسن، أو يعود على الحياة الدنيا، وإن لم يَجْرِ لها ذِكُرٌ لكونها مَعْلُومَةَ، قاله الزمخشري - رحمه الله تعالى -. وقيل: يعود على مَنَازِلِهْم في الجنَّةِ إذا رأوها، وهو بَعِيدٌ. والتفريطُ: التقصير في الشيء مع القُدْرَةِ على فعله. وقال أبو عُبَيْدِ هو التَّضْييعُ. وقال ابن بَحْرِ: وهو السَّبْقُ ومنه الفارط، أي: السَّابق للقوم، فمعنى فَرَّط بالتشديد خَلَّى السَّبْقَ لغيره، فالتضعيف فيه للسَّلْبِ، كـ "جلَّدت البعير" ومنه {أية : فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} تفسير : [الإسراء:79]. فصل في تحرير معنى الخسران اعلم أن [كلمة "حتى"] غاية [لقوله: "كذبوا"] لا لقوله: "قد خَسِرَ"، لأن خسرانهم لا غَايَةَ له، ومعنى "حتى" ها هنا أنَّ مُنْتَهَى تكذيبهم الحَسْرةُ يوم القيامة والمعنى: أنهم كذبوا بالبَعْثِ إلى أن ظهرت السَّاعةُ بَغْتَةً، فإن قيل: إنما يَتَحَسَّرُونَ عن موتهم. فالجواب: بما كان المَوْتُ وُقُوعاً في [أحوال الآخرة و] مقدماتها جُعِلَ من جنس السَّاعة، وسُمِّيَ باسمها، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ"تفسير : والمراد بالساعة: القيامة. قوله: "وَهُمْ يَحْمِلُونَ" "الواو" للحال، وصَاحِبُ الحال "الواو" في "قالوا" أي: قالوا: يا حَسْرَتَنَا في حالةِ حَمْلِهِمْ أوْزَارَهُمْ. وصُدِّرت هذه الجملة بصمير مبتدأ؛ ليكون ذِكْرُهُ مَرَّتين فهو أبْلَغُ. والحَمْلُ هنا قيل: مجازٌ عن مُقََاساتِهِمُ العذابَ الذي سَبَبُهُ الأوْزَارُ. [قال الزَّجَّاجُ: كما يُقَال: "ثقل عليّ كلام فلان"] والمعنى: كرهته. وقيل: هو حقيقة وفي الحديث: "حديث : إنَّهُ يُمَثَّلُ لَهُ عَمَلُهُ بِصُورَةٍ قَبِيْحَةٍ مُنْتِنَةِ الرِّيح فَيَحمِلُهَا" تفسير : وهو قول قتادَةَ، والسُّدي، وخُصَّ الظَّهْرُ، لأنه يُطيق [من الحَمْل] ما لا يُطِيقُهُ غيره من الأعْضَاءِ كالرأس والكَاهِلِ، وهذا كما تقدم في قوله: {أية : فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} تفسير : [الأنعام:7] {أية : فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} تفسير : [آل عمران:187] لأن اليد أقوى في الإدراك اللَّمْسِيِّ من غيرها. والأوزَارُ: جمع "وِزْر" كـ "حِمْل" وأحمال وعِدْل وأعْدَال. والوِزْر في الأصل الثقل، ومنه،: وَزَرْتُهُ، أي: حَمَّلته شَيْئاً ثقيلاً, ووزير الملك من هذا؛ لأنه يَتَحَمَّلُ أعْبَاء ما قَلَّدَهُ المَلِكُ من مئونة رعيَّته وحَشَمَتِه ومنه أوْزَارُ الحرب لسلاحها وآلاتها، قال [القائل في ذلك]: [المتقارب] شعر : 2145- وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزَارَهَا رِمَاحاً طِوَالاً وخَيْلاً ذُكُورَا تفسير : وقيل: الأصل في ذلك الوَزَرُ بفتح الواو والزاي، وهو المَلْجأ الذي يُلْتَجَأُ إليه من الجَبَلِ، قال تعالى: {أية : كَلاَّ لاَ وَزَرَ} تفسير : [القيامة:11] ثمَّ قيل للثقل: وِزْرٌ تَشْبيهاً بالجَبَلِ، ثم اسْتُعِيرَ الوِزْرُ إلى الذَّنْبِ تشْبيهاً به في مُلاقَاةِ المَشَقَّةِ، والحاصلُ أنَّ هذه المادة تَدُلُّ على الرَّزَانَةِ والعَظَمَةِ. قوله: {ألا سَاءَ ما يزِرُونَ} "ساء" هنا تحتمل أوجهاً ثلاثة: أحدها: أنها "ساء" المُتَصَرِّفَةُ المتعدِّيَةُ، ووزنها حينئذٍ "فَعَل" بفتح العين، ومفعولها حينئذٍ محذوفٌ، وفاعلها "ما". و"ما" تحتمل ثلاثة أوجه: أن تكون موصولةً اسميةً، أو حرفية، أو نكرة موصوفة، وهو بعيد، [وعلى جعلها اسمية أو نكرة موصوفة تقدّر] لها عائداً، والحرفية غير محتاجة إليه عند الجمهور. والتقدير: ألا سَاءَهُمُ الذي يَزِرُونَهُ، أو شيء يزرونه، أو وزْرُهُمْ [وبدأ ابن عطية بهذا الوجه؛ قال: كما تقول: ساءني هذا الأمر، والكلام خبر مجرد كقوله: [البسيط] شعر : 2146 - رَضيتَ خِطَّةَ خَسْفٍ غَيْرَ طَائِلَةٍ فَسَاءَ هَذَا رِضًى يا قَيْسَ عَيْلانَا تفسير : قال أبو حيان: ولا يتعين أن تكون "ما" في البيت خبراً مجرداً، بل تحتمل الأوجه الثلاثة] وهو ظاهر. الثاني: أن يكون للتعجُّب، فتنتقل من "فَعَل" بفتح العين [إلى] "فعُل" بضمها، فتعطى حكم فعل التَّعَجُّب من عدمِ التصرف، والخروج من الخبر المَحْضِ إلى الإنشاء إن قلنا: إن التعجُّب إنشاء، وهو الصحيح، والمعنى: ما أسْوَأَ، أي: أقبح الذي يزرونه، أو شيئاً يزرونه، أو وِزْرُهم. الثالث: أنها بمعنى "بئس" فتكون للمُبَالَغَةِ في الذَّمِّ فتعطى أحكامها أيضاً، ويجري الخِلافُ في "ما" الواقعةِ بعدها حَسْبَما ذكر في {أية : بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ} تفسير : [البقرة: 90] وقد ظهر الفَرْقُ بين هذه الأوجه الثلاثة، فإنها في الأوَّل متعدّية متصرّفة، والكلام معها خَبَرٌ مَحْضٌ، وفي الأخيرين قَاصِرَةٌ جامدة إنشائية. والفرق بين الوجهين الأخيرين أنَّ التعجبيَّة لا يُشْتَرَطُ في فاعلها ما يشترط في فاعل "بئس". وقال أبو حيَّان: والفَرْقُ بين هذا الوجه يعني كونها بمعنى "بئس"، والوجه الذي قبله - يعني كونها تعجبيَّةً - أنه لا يُشْتَرَطُ فيه ما يشترط في فاعل "بئس" من الأحكام، ولا هو جملةٌ منعقدةٌ من مبتدأ وخبر، [إنما هو منعقد من فعل أو فاعل انتهى، وظاهره لا يظهر إلاَّ بتأويل، وهو أن الذم لا بد فيه مَن مَخْصوص بالذَّمِّ، وهو مبتدأ، والجملة الفعلية قبله خبره فانعقد من هذه الجملة مبتدأ وخبر]. إلا أنَّ لقائلٍ أن يقول: إنما يَتَأتَّى هذا على أحَدِ الأعَارِيبِ في [المخصوص] وعلى تقدير التَّسْليم، فلا مَدْخَلَ للمخصوص بالذَّمِّ في جملة الذَّمِّ بالنسبة إلى كونها فِعْلِيَّة، فحينئذٍ لا يظهر فَرْقٌ بينها وبين التَّعجبية في أنَّ كُلاَّ منهما منعقدةٌ من فِعلٍ وفاعل. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: بئْسَ الحمْلُ حَمَلُوا".

البقاعي

تفسير : ولما أنتج هذا ما تقدم الإخبار به عن خسرانهم لأنفسهم في القيامة توقع السامع ذكره، فقال تحقيقاً لذلك، وزاده الحمل فإنه من ذوق العذاب: {قد خسر} وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتنبيهاً على ما أوجب لهم ذلك فقال: {الذين كذبوا بلقاء الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه، قد خسروا كل شيء يمكن إحرازه من الثواب العظيم واستمر تكذيبهم {حتى إذا جاءتهم الساعة} أي الحقيقة، وكذا الموت الذي هو مبدأها فإن من مات جاءت ساعته، وحذرهم منها بقوله: {بغتة} أي باغتة، أو ذات بغتة، أو بغتتهم بإتيانها على حين غفلة، لا يمكن أن يشعروا بعين الوقت الذي تجيء فيه نوعاً من الشعور {قالوا يا حسرتنا} أي تعالى احضرينا أيها الحسرة اللائقة بنا في هذا المقام! فإنه لا نديم لنا سواك، وهو كناية عن عظمة الحسرة وتنبيه عليه، لينتهي الإنسان عن أسبابها {على ما فرطنا} أي قصرنا {فيها} أي بسبب الساعة، ففاتنا ما يسعد فيها من تهذيب الأخلاق المهيئة للسباق بترك اتباع الرسل، وذلك أن الله خلق المكلف وبعث له النفس الناطقة القدسية منزلاً لها إلى العالم السفلي، وأفاض عليه نعماً ظاهرة وهي الحواس الظاهرة المدركة والأعضاء والآلات الجثمانية، ونعماً باطنة وهي العقل والفكر وغيرهما، ليتوسل باستعمال هذه القوى والآلات إلى تحصيل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت، وبعث الأنبياء عليهم السلام للهداية وأظهر عليهم المعجزات ليصدقوا، فأعرضوا عما دعوا إليه من تزكية النفس، وأقبلوا على استعمال الآلات والقوى في اللذات والشهوات الفانية ففاتت الآلات البدنية التي هي رأس المال، وما ظنوه من اللذات التي عدوها أرباحاً فات ففقدوا الزاد، ولم يهيئوا النفوس للاهتداء، فلا رأس مال ولا ربح، فصاروا في غاية الانقطاع والغربة، ولا خسران أعظم من هذا. ولما كان هذا أمراً مفظعاً، زاد في تفظيعه بالإخبار في جملة حالية بشدة تعبهم في ذلك الموقف ووهن ظهورهم بذنوبهم، حتى كأن عليهم أحمالاً ثقالاً فقال: {وهم} أي وقالوا ذلك والحال أنهم {يحملون أوزارهم} أي أحمال ذنوبهم التي من شأنها أن يثقل، وحقق الأمر وصوره بقوله: {على ظهورهم} لاعتقاد الحمل عليه، كما يقال: ثقل عليك كلام فلان، ويجوز أن يجسد أعمالهم أجساداً ثقالاً، فيكلفوا حملها؛ ولما كان ذلك الحمل أمراً لا يبلغ الوصف الذي يحتمله عقولنا كل حقيقة ما هو عليه من البشاعة والثقل، أشار إلى ذلك بقوله جامعاً للمذام: {ألا ساء ما يزرون *}. فلما تأكد أمر البعث غاية التأكد، ولم يبق فيه لذي لب وقفة، صرح بما اقتضاه الحال من أمر هذه الدار، فقال منبهاً على خساستها معجباً منهم في قوة رغبتهم في إيثار لذاذتها، معلماً بأنه قد كشف الحال عن أن ما ركنوا إليه خيال، وما كذبوا به حقيقة ثابتة ليس لها زوال، عكس ما كانوا يقولون: {وما الحياة الدنيا}. ولما كان السياق للخسارة، وكانت أكثر ما تكون من اللعب - وهو فعل ما يزيد سرور النفس على وجه غير مشروع، ويسرع انقضاؤه - قدمه فقال: {إلا لعب ولهو} أي للأشقياء، وللحياة الدنيا شر للذين يلعبون، واللهو ما من شأنه أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال والنساء على وجه لم يؤذن فيه، فيكون سبباً للغفلة عما ينفع، فتأخيره إشارة إلى أن الجهلة كلما فتروا في اللعب وهو اشتغال بالأمور السافلة والشواغل الباطلة بعلو النفوس أثاروا الشهوات بالملاهي، والمعنى أنه تحقق من هذه الآيات زوال الدنيا، فتحققت سرعته، لأن كل آتٍ قريب، فحينئذ ما هي إلا ساعة لعب، يندم الإنسان على ما فرط فيها، كما يندم اللاعب - إن كان له عقل - على تفويت الأرباح إذا رأى ما حصل أولو الجد وأرباب العزائم. ولما كان التقدير بما أرشد إليه المعنى: وما الدار الآخرة إلا جد وحضور وبقاء للأتقياء، أتبعه قوله مؤكداً: {وللدار الآخرة خير} ولما كان الكل مآلهم إلى الآخرة، خصص فقال: {للذين يتقون} أي يوجدون التقوى، وهي الخوف من الله الذي يحمل على فعل الطاعات وترك المعاصي، ليكون ذلك وقاية لهم من غضب الله، فذكر حال الدنيا وحذف نتيجتها لأهلها لدلالة ثمرة الآخرة عليه وحذف ذكر حال الآخرة لدلالة ذكر حال الدنيا عليه، فهو احتباك؛ ولما كان من شأن العقلاء الإقبال على الخير وترك غيره، تسبب عن إقبالهم على الفاني وتركهم الباقي قوله منكراً: {أفلا تعقلون *}. ولما كرر في هذه السورة أمره بمقاولتهم، وأطال في الحث على مجادلتهم، وختم بما يقتضي سلبهم العقل مع تكرير الإخبار بأن المقضي بخسارته منهم لا يؤمنون لآية من الآيات، وكان من المعلوم أنهم حال إسماعهم ما أمر به لا يسكتون لما عندهم من عظيم النخوة وشماخة الكبر وقوة الجرأة، وأنه لا جواب لهم إلا التبعة والبذاءة كما هو دأب المعاند المغلوب، وأن ذلك يحزنه صلى الله عليه وسلم لما جبل عليه من الحياء والشهامة والصيانة والنزاهة، كان الحال محتاجاً إلى التسلية فقال تعالى: {قد نعلم} والمراد بالمضارع وجود العلم من غير نظر إلى زمان، وعدل عن الماضي لئلا يظن الاختصاص به، فالمراد تحقق التجدد لتعلق العلم بتجدد الأقوال {إنه ليحزنك} أي يوقع على سبيل التجديد والاستمرار لك الحزن على ما فاتك من حالات الصفاء التي كدرها {الذي يقولون} أي من تكذيبك، فقد علمنا امتثالك لأوامرنا في إسماعهم ما يكرهون من تنزيهنا، وعلمنا ردهم عليك بما لا يرضيك، وعلمنا أنه يبلغ منك، فلا تحزن لأن من علم أن ربه يرضي المطيع له ويجزي عاصيه، وهو عالم بما ينال المطيع في طاعته لا ينبغي أن يحزن بل يسر، وهو كقوله تعالى في سورة يسۤ {أية : فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون}تفسير : [يسۤ: 76] ولا شك أن الحزن عند وقوع ما يسوء من طبع البشر الذي لا يقدر على الانفكاك عنه، فالنهي عنه إنما هو نهي عما ينشأ عنه من الاسترسال المؤدي إلى الجزع المؤدي إلى عدم الصبر ونسيان ما يعزي، فهو من النهي عن السبب للمبالغة في النهي عن المسبب، وما أنسب ذكر ما يحزن بعد تقرير أن الدنيا لأهلها لعب ولهو وأن الآخرة خير للمتقين، ومن المعلوم أنهما ضدان، فلا تنال إحداهما إلاّ بضد ما للأخرى، فلا تنال الآخرة إلا بضد ما لأهل الدنيا من اللعب واللهو، وذلك هو الحزن الناشئ عن التقوى الحامل عليها الخوف كما روي في حديث قدسي "حديث : أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". تفسير : ولما أخبره سبحانه بعلمه بذلك، سبب عنه قوله: {فإنهم} أي فلا يحزنك ذلك فإنهم {لا يكذبونك} بل أنت عندهم الأمين، وليكن علمنا بما تلقى منهم سبباً لزوال حزنك، وكذا إخبارنا لك بعدم تكذيبهم لك، بل أنت عندهم في نفس الأمر أمين غير متهم ولكنهم لشدة عنادهم ووقوفهم مع الحظوظ وعجزهم عن جواب يبرد غللهم ويشفي عللهم ينكرون آيات الله مع علمهم بحقيتها، فليخفف حزنك لنفسك ما انتهكوه من حرمة من أرسلك، والآية من الاحتباك: حذف من الجملة الأولى - إظهاراً لشرف النبي صلى الله عليه وسلم وأدباً معه - سبب الحزن، وهو التكذيب لدلالة الثانية عليه، ومن الثاني النهي عن المسبب لدلالة الأولى عليه؛ روى الطبري في تفسيره عن السدي أنه لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة إن محمداً ابن أختكم، وأنتم أحق من كف عنه، فإنه إن كان نبياً لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذباً كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غَلِب محمد رجعتم سالمين، وإن غَلَب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئاً، فيومئذ سمي "الأخنس"، وكان اسمه "أبي"، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس به فقال: يا أبا الحكم! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش! وعن ناجية قال قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به، فأنزل الله الآية وعلى ذلك يدل قوله تعالى: {ولكن}، وقال: {الظالمين} في موضع الضمير تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف، اي الذين كانوا في مثل الظلام {بآيات} أي بسبب آيات {الله} أي الملك الأكبر الذي له الكمال كله {يجحدون *} قال أبو علي الفارسي في أول كتاب الحجة: أي يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك، وعلق باء الجر بالظالمين كما هي في قوله {أية : وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} تفسير : [الإسراء: 59] ونحوها، وقال ابن القطاع في كتاب الأفعال: جحد الشيء جحداً وجحوداً: أنكره وهو عالم به. هذا قصدهم غير أنه لا طريق لهم إلا إنكار الآيات إلا بالتكذيب، أو ما يؤول إليه، وأنت تعلم أن الذي أرسلك على كل شيء قدير، وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير، فاقتضت قدرته وقهره وانتصاره لأهل ولايته وجبره أن يحل بأعدائهم سطوة تجل عن الوصف، واقتضت حكمته عدم المعاجلة بها تشريفاً لك وتكثيراً لأمتك. ولما سلاه بوعده النصرة المسببة عن علم المرسل القادر، وبأن تكذيبهم إنما هو له سبحانه، وهو مع ذلك يصبر عليهم ويحلم عنهم، بل ويحسن إليهم بالرزق والمنافع، زاده أن ذلك سنة في إخوانه من الرسل فقال: {ولقد} ولما كان المنكي هو التكذيب لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: {كذبت رسل}. ولما كان تكذيبهم لم يستغرق الزمان، وكان الاشتراك في شيء يهوّنه، وكلما قرب الزمان كان أجدر بذلك أدخل الجار فقال: {من قبلك} بأن جحد قومهم ما يعرفون من صدقهم وأمانتهم كما فعل بك {فصبروا} أي فتسبب عن تكذيب قومهم لهم أنهم صبروا {على ما كذبوا وأوذوا} أي فصبروا أيضاً على ما أوذوا، ثم أشار إلى الوعد بالنصر بشرط الصبر فقال: {حتى} أي وامتد صبرهم حتى {آتاهم نصرنا} أي فليكن لك بهم أسوة، وفيهم مسلاة، فاصبر حتى يأتيك النصر كما أتاهم، فقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون في قولنا {أية : فإن حزب الله هم الغالبون} تفسير : [المائدة: 56] {ولا مبدل لكلمات الله} أي لأن له جميع العظمة فلا كفوء له، ودل سبحانه على صعوبة مقام الصبر جداً بالتأكيد فقال: {ولقد جاءك} ودل على عظيم ما تحملوا بقوله: {من نبإى المرسلين *} أي خبرهم العظيم في صبرهم واحتمالهم وطاعتهم وامتثالهم ورفقهم بمن أرسلوا إليهم ونصرنا لهم على من بغى عليهم، ومجيء نبأهم تقدم إجمالاً وتفصيلاً، أما إجمالاً ففي مثل قوله {أية : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} تفسير : [آل عمران: 146]، {أية : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم} تفسير : [البقرة: 87] وأما تفصيلاً ففي ذكر موسى وعيسى وغيرهما؛ وفي قوله {فصبروا} أدل دليل على ما تقدم من أن النهي عن الحزن نهي عن تابعه المؤدي إلى عدم الصبر، والتعبير بمن التبعيضية تهويل لما لقوا، فهو أبلغ في التعزية.

ابو السعود

تفسير : {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ} هم الذين حُكِيت أحوالُهم، لكنْ وْضع الموصولُ موضعَ الضمير للإيذان بسبب خسرانهم بما في حيز الصلة من التكذيب بلقائه تعالى بقيام الساعة وما يترتب عليه من البعث وأحكامه المتفرعةِ عليه واستمرارِهم على ذلك، فإن كلمةَ (حتى) في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ} غايةٌ لتكذيبهم لا لخُسرانهم فإنه أبديٌّ لا حدَّ له {بَغْتَةً} البغْتُ والبغتةُ مفاجأةُ الشيءِ بسرعة من غير شعور به يقال: بغَته بغْتاً وبغتةً أي فجأةً، وانتصابُها إما على أنها مصدرٌ واقع موقعَ الحال من فاعل جاءتهم أي مباغتةً أو من مفعوله أي مبغوتين وإما على أنها مصدرٌ مؤكِّدٌ على غير الصدر فإنّ (جاءتهم) في معنى بغتتهم كقولهم: أتيته ركضاً أو مصدرٌ مؤكِّد لفعل محذوف وقع حالاً من فاعل (جاءتهم) أي جاءتهم الساعة تبغتهم بغتة. {قَالُواْ} جواب إذا {يا حسرتنا} تعالَيْ فهذا أوانُك، والحسرةُ شدة الندم، وهذا التحسرُ وإن كان يعتريهم عند الموت لكنْ لما كان ذلك من مبادي الساعة سُمِّيَ باسمها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من مات فقد قامت قيامتُه» تفسير : أو جُعل مجيءُ الساعة بعد الموت كالواقع بغير فترةٍ لسرعته {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} أي على تفريطنا في شأن الساعة وتقصيرنا في مراعاة حقها والاستعداد لها بالإيمان بها واكتسابِ الأعمالِ الصالحة كما في قوله تعالى: {أية : عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ }تفسير : [الزمر، الآية 56] وقيل: الضميرُ للحياة الدنيا وإن لم يجْرِ لها ذكرٌ لكونها معلومة، والتفريطُ التقصيرُ في الشيء مع القدرة على فعله وقيل: هو التضيـيعُ وقيل: الفَرَط السبق ومنه الفارط أي السابق ومعنى فرَّط: خلَّى السبْقَ لغيره فالتضعيف فيه للسلب كما في جلّدتُ البعير وقوله تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} حال من فاعل (قالوا) فائدتُه الأيذان بأن عذابَهم ليس مقصوراً على ما ذكِر من الحسرة على ما فات وزال، بل يقاسون مع ذلك تحمُّلَ الأوزار الثِقال، والإيماءُ إلى أن تلك الحسرةَ من الشدة بحيث لا تزول ولا تُنسىٰ بما يكابدونه من فنون العقوبات. والسرُّ في ذلك أن العذابَ الروحانيَّ أشدُّ من الجُسمانيِّ نعوذُ برحمة الله عز وجل منهما، والوِزر في الأصل الحِملُ الثقيل سُمِّي به الإثمُ والذنبُ لغاية ثِقَلِه على صاحبه، وذكرُ الظهور كذكر الأيدي في قوله تعالى: {أية : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } تفسير : [الشورى، الآية 30] فإن المعتاد حملُ الأثقالِ على الظهور كما أن المألوفَ هو الكسبُ بالأيدي، والمعنى أنهم يتحسرون على ما لم يعملوا من الحسنات، والحال أنهم يحمِلون أوزارَ ما عملوا من السيئات {أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} تذيـيلٌ مقرِّرٌ لما قبله وتكملةٌ له أي بئس شيئاً يَزِرُونه وِزْرُهم. {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} لمّا حقَّق فيما سبق أن وراءَ الحياة الدنيا حياةً أخرى يلقَوْن فيها من الخطوب ما يلقون بَـيَّن بعدَه حالَ تينِك الحياتين في أنفسهما، واللعبُ عملٌ يشغل النفسَ ويُفتّرها عما تنتفع به، واللهوُ صرفُها عن الجدّ إلى الهزل، والمعنى إما على حذف المضاف أو على جعل الحياة الدنيا نفسَ اللعِب واللهوِ مبالغةً كما في قول الخنساء: [البسيط] شعر : [تّرْتع ما رتَعَتْ حتى إذا ادَّكَرَتْ] فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ تفسير : أي وما أعمالُ الدنيا أي الأعمالُ المتعلقةُ بها من حيث هي هي، أو وما هي من حيث إنها محلٌ لكسب تلك الأعمال إلا لعبٌ يشغَل الناسَ ويلهيهم بما فيه من منفعةٍ سريعةِ الزوال ولذةٍ وشيكة الاضمحلال عما يعقُبهم من منفعة جليلة باقية ولذة حقيقية غير متناهية من الإيمان والعمل الصالح {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} التي هي محلُ الحياة الأخرى {خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الكفرَ والمعاصِيَ، لأن منافعها خالصةٌ عن المضارِّ ولذاتِها غيرُ مُنغّصةٍ بالآلام، مستمرةٌ على الدوام {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والعصيان، والفاء للعطف على مقدر أي أتغفُلون فلا تعقِلون؟ أو ألا تتفكرون فتعقِلون وقرىء (يعقلون) على الغَيْبة.

القشيري

تفسير : خسران وأي خسران! لم يخسروا مالاً، ولا مقاماً ولا حالاً، ولكن كما قيل: شعر : لعمري لئن أنزفتُ دمعي فإنه لفرقِه مَنْ أفنيتُ في ذكره عمري تفسير : المصيبة لهم والحسرة على غيرهم، ومَنْ لم يَعْرِفْ جَلالَ قدره متى تأسَّف على ما يفوته من حديثه وأمره؟! وقوله: {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ}: ما كان للنفس فيه حظ ونصيب اليوم فهو من الدنيا، وما كان من الدنيا فإنه - لا محالة - يُلهيك عن مولاك، وما يشغلك عن الحق ركونُه فغيرُ مباركٍ قُرْبُه. قوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}: هذه تعزية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتسلية. أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسَببِنَا ولأَجْلِنا. ولقد كُنْتَ عظيمَ الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليكَ هذا الرقم؛ وكانوا يسمونك محمداً الأمين، فإنْ أصابَكَ ما يصيبك فَلأَجْلِ حديثنا، وغيرُ ضائعٍ لك هذا عندنا، وحالُكَ فينا كما قيل: شعر : أشاعوا لنا في الحيِّ أشنع قصةٍ وكانوا لنا سِلْما فصاروا لنا حَربا

اسماعيل حقي

تفسير : {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} اى قد غبن الذين كذبوا بالبعث بعد الموت {حتى اذا جاءتهم الساعة} غاية لتكذيبهم لا لخسرانهم فانه ابدى لا حد له {بغتة} حال من فاعل جاءتهم اى باغتة مفاجئة والبغت والبغتة مفاجأة الشى بسرعة من غير ان يشعر به الانسان حتى لو كان له شعور بمجيئه ثم جاءه بسرعة لا يقال فيه بغتة والوقت الذى تقوم فيه القيامة يفجأ الناس فى ساعة لا يعلمها احد الا الله تعالى فلذلك سميت ساعة خفيفة يحدث فيها امر عظيم وسميت الساعة ساعة لسعيها الى جانب الوقوع ومسافته الانفاس والمعنى انهم قد كذبوا الى ان ظهرت الساعة بغتة. فان قيل انما يكذبون الى ان يموتوا والجواب ان زمان الموت آخر زمان من ازمنة الدنيا واول زمان من ازمنة الآخرة فمن انتهى تكذيبه الى هذا الوقت صدق انه كذب الى ان ظهرت الساعة بغتة ولذلك قال عليه الصلاة والسلام "حديث : من مات فقد قامت قيامته" تفسير : {قالوا} جواب اذا {يا حسرتنا} الحسرة هى شدة الندم والتألم ونداؤها مجاز لان الحسرة لا يتأتى منها الاقبال وانما المعنى على المبالغة فى شدة التحسر كأنهم نادوا الحسرة وقالوا ان كان لك وقت فهذا اوان حضورك ومثله يا ويلتنا والمقصود التنبيه على خطأ المنادى حيث ترك ما احوجه تركه الى نداء هذه الاشياء {على ما فرطنا فيها} اى على تفريطنا فى شان الساعة وتقصيرنا فى مراعاة حقها والاستعداد لها بالايمان بها واكتساب الاعمال الصالحة فعلى متعلق بالحسرة وما مصدرية والتفريط التقصير فى الشئ مع القدرة على فعله {وهم يحملون اوزارهم على ظهورهم} حال من فاعل قالوا. والاوزار جمع وزر وهو فى الاصل الحمل الثقيل يقال وزرته اى حملته ثقيلا ومنه وزير الملك لانه يتحمل اعباء ما قلده الملك من مؤونة رعيته وحشمه سمى به الاثم والذنب لغاية ثقله على صاحبه والحمل من توابع الاعيان الكثيفة لا من عوارض المعانى فلا يوصف به العرض الاعلى سبيل التمثيل والتشبيه وذكر الظهور كذكر الايدى فى قوله تعالى {أية : فبما كسبت أيديكم} تفسير : [الشورى: 30] فان المعتاد حمل الأثقال على الظهور كما ان المألوف هو الكسب بالايدى. والمعنى انهم يتحسرون على ما لم يعملوا من الحسنات والحال انهم يحملون اوزار ما عملوا من السيئات {ألا سآء ما يزرون} اى بئس شيئاً يزرون اى يحملون وزرهم. قال السدى وغيره ان المؤمن اذا خرج من قبره استقبله احسن شئ صورة واطيبه ريحا فيقول هل تعرفنى فيقول لا فيقول انا عملك الصالح فاركبنى فقد طالما ركبتك فى الدنيا فذلك قوله تعالى {أية : يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا} تفسير : [مريم: 85] اى ركبانا. واما الكافر فيستقبله اقبح شئ صورة وانتنه ريحا فيقول هل تعرفنى فيقول لا فيقول انا عملك الخبيث طالما ركبتنى فى الدنيا وانا اليوم اركبك فهو معنى قوله تعالى {أية : وهم يحملون} تفسير : [الأَنعام: 31] الخ. فيكون الحمل على حقيقته لان للاعمال صورا تظهر فى الآخرة وان كان نفسها اعراضا. واعلم ان الاوزار كثيرة لكن ذنب الوجود فوق الكل اذ هو الباعث على سائر الاوزار وهو ثقل مانع عن السلوك فعلى السالك ان يتوب عن الكل ويفنى فى طريق الحق فناء كليا: قال الحافظ شعر : فكر خوددو رأى خود در عالم رندى نيست كفرست درين مذهب خود بينى وخود رأيى تفسير : قال بعضهم لا يمكن الخروج من النفس بالنفس وانما يمكن الخروج من النفس بالله تعالى. قال الشيخ ابو عبدالله محمد بن على الترمذى الحكيم قدس سره ذكر الله تعالى يرطب القلب ويلينه فاذا خلا عن الذكر اصابته حرارة النفس ونار الشهوات فقسا ويبس وامتنعت الاعضاء من الطاعة فاذا مددتها انكسرت كالشجرة اذا يبست لا تصلح الا للقطع وتصير وقودا للنار اعاذنا الله منها فالذكر والتوحيد والاتباع الى اهله هو اصل الاصول ـ حكى ـ عن على بن الموفق انه قال حججت سنة من السنين فى محمل فرأيت رجالا فاحببت المشى معهم فنزلت واركبت واحدا فى المحمل ومشيت معهم فتقدمنا الى البرية وعدلنا عن الطريق فنمنا فرأيت فى منامى جوارى معهن طشوت من ذهب واباريق من فضة يغسلن ارجل المشاة فبقيت انا فقالت احداهن لصواحبها أليس هذا منهم قلن هذا له محمل فقالت بلى هو منهم لانه احب المشى معهم فغسلن رجلى فذهب عنى كل تعب كنت اجده هذه حال من مشى مع ولى باعتقاد صحيح فكيف مع نبى فلو ان كفار مكة ومشركى العرب استمعوا الى النبى عليه السلام واتبعوا الذكر الذى انزل اليه لنجوا واسقطوا كل حمل عن ظهورهم ومشوا الى جنة الفردوس لكن الله تعالى يهدى من يشاء.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى أنه خسر هؤلاء الكفار {الذين كذبوا بلقاء الله} يعني الذين كذبوا بما وعد الله به من الثواب والعقاب وجعل لقاءهم لذلك لقاء له تعالى مجازا، كما يقول المسلمون لمن مات منهم: قد لقي الله وصار اليه. وانما يعنون: لقي ما يستحقه من الله وصار الى الموضع الذي لا يملك الامر فيه سواه، كما قال {أية : ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون}تفسير : والموت لا يشاهد، وانما أراد انكم كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوا أسبابه، فقد رأيتم أسبابه وانتم تنظرون، فجعل لقاء أسبابه لقاءه. وقوله {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة} كل شىء أتى فجأة، فقد بغت يقال: قد بغته الامر يبغته بغتا وبغتة اذا أتاه فجأة قال الشاعر: شعر : ولكنهم ماتوا ولم أخش بغتة وافظع شىء حين يفجؤك البغت تفسير : وقوله {قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} قد علم أن الحسرة لا تدعى وانما دعاؤها تنبيه للمخاطبين. و (الحسرة) شدة الندم حتى يحسر النادم كما يحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد. قال الزجاج: العرب اذا اجتهدت في المبالغة في الاخبار عن أمر عظيم يقع فيه جعلته نداء، فلفظه لفظ ما ينبه، والمنبه به غيره، كقوله{أية : يا حسرة على العباد}تفسير : وقوله {أية : يا حسرتى على ما فرطت}تفسير : و{أية : يا ويلتا أألد وأنا عجوز}تفسير : و {أية : يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا}تفسير : ، فهذا أبلغ من ان يقول: أنا اتحسر على العباد وابلغ من ان يقول: الحسرة علينا في تفريطنا. قال سيبويه: اذا قلت يا عجباه فكأنك قلت احضر وتعال يا عجب، فانه من أزمانك. وتأويل {يا حسرتنا} انتبهوا على أنا قد خسرنا. وقوله {على ما فرطنا فيها} يعني قدمنا العجز. وقيل معناه ما ضيعنا فيها يعني في الساعة. وانما يحسروا على تفريطهم في الايمان والتأهب لكونها بالاعمال الصالحة. وقوله {وهم يحملون أوزارهم} يعني ثقل ذنوبهم، وهذا مثل جائزان يكون جعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يتحمل، لان الثقل قد يستعمل في الوزن وقد يستعمل في الحال تقول في الحال: قد ثقل علي خطاب فلان، ومعناه كرهت خطابه كراهة اشتدت علي. ويحتمل أن يكون المراد بالاوزار العقوبات التي استحقوها بالذنوب والعقوبات قد تسمى اوزاراً، فبين أنه لثقلها عليهم يحملونها على ظهورهم. وذلك يدل على عظمها. و (الوزر) الثقل في اللغة واشتقاقه من الوزر، وهو الجبل الذي يعتصم به. ومنه قيل: وزير، كأنه يعتصم الملك به، ومنه قوله {أية : واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي} تفسير : وقال {أية : وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا}.تفسير : وقوله {ألا ساء ما يزرون} يعني بئس الشىء شيئا يزرونه أي يحملونه، وقد بينا عمل (بئس، ونعم) فيما مضى. ومثله {أية : ساء مثلا القوم}تفسير : ومعناه ساء مثلا مثل القوم. وقال بعضهم: معنى {يحملون أوزارهم على ظهورهم} وصف افتضاحهم في الموقف بما يشاهدونه من حالهم وعجزهم عن عبور الصراط كما يعبره المخفون من المؤمنين. ومعنى قوله {ألا ساء} ما ينالهم جزاء لذنوبهم واعمالهم الردية اذ كان ذلك عذابا ونكالا. وقوله {يزرون} من وزر يزر وزراً اذا أثم. وقيل أيضا، وزر، فهو موزور اذا فعل به ذلك. ومنه الحديث في النساء يتبعن جنازة قتيل لهن "حديث : أرجعن موزورات غير مأجورات" تفسير : والعامة تقول ما زورات.

الجنابذي

تفسير : {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} فى مظاهره الولويّة فانّ لقاءه تعالى اضافة بينه وبين عبده وحقيقة اضافاته تعالى هى اضافته الاشراقيّة الّتى هى الولاية المطلقة وهى علىّ (ع) بعلويّته {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ} ساعة الموت او ساعة القيامة او ظهور القائم (ع) يعنى ظهور الامام عند حضور السّاعة وقد فسّرت فى الاخبار بكلّ والكلّ راجع الى معنى واحد والتّفاوت اعتبارىّ {بَغْتَةً} ولقوا الله بظهور علىّ (ع) او ظهور القائم (ع) {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا} جيئي فهذا اوان حضورك {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا} وقصّرنا {فِيهَا} فى السّاعة ولقاء الرّبّ عندها {وَهُمْ} حينئذٍ {يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} اثقالهم الّتى كسبوها فى الدّنيا {عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} لانّه لا يزر اليوم وازرٌ وزر آخر {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} لا يليق بالحكيم ان يجعل مثلها غايةً لفعله؛ واللّعب ما كان له غاية خياليّة، واللّهو ما لم يكن له غاية، وهو عطف على {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا}، او على {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} او على {بَلَىٰ وَرَبِّنَا}، او على {فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ}، او على {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ}، او على {يٰحَسْرَتَنَا}، او على {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ}، او حال متعلّق بواحدة من الجمل السّابقة {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} وامّا الّذين لا يتّقون فى اشدّ دار لهم عذاباً {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} انّه لا يليق بالحكيم جعل الاولى غاية ويليق به جعل الثّانية غاية فاطلبوها.

الهواري

تفسير : قوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ} يعني الذين تقوم عليهم الساعة الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا} والتحسّر التندّم {عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} أي في الساعة إذ لم يؤمنوا بها. والتفريط هو التضييع. فآمنوا حيث لا ينفعهم الإِيمان. قال: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ} أي بئس ما يحملون، وهي ذنوبهم. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الكافر إذا خرج من قبره مثل له عمله في أقبح صورة رآها قط، أقبحه وجهاً وأنتنه ريحاً وأسوده لوناً، فيقول: من أنت، أعوذ بالله منك، فما رأيت أقبح منك وجهاً ولا أنتن منك ريحاً ولا أسود منك لوناً. فيقول: أتعجب من قبحي؟ فيقول نعم. فيقول: أنا والله عملك الخبيث. إن عملك كان والله خبيثاً. إنك كنت تركبني في الدنيا! وإني والله لأَركَبَنَّك اليوم فيركبه، فلا يرى شيئاً يَهُوله ولا يَرُوعه إلا قال: أبشر يا عدو الله، أنت والله الذي يُراد، وأنت الذي يُعنى، وهو قوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ} . تفسير : قوله: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [أي إن أهل الدنيا أهل لعب ولهو] كقوله: (أية : إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا)تفسير : [يونس:7] ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر . تفسير : قال: {وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.

اطفيش

تفسير : {قَدْ خَسِر الَّذينَ كذَّبُوا بلقاءِ الله} أى كذبوا بالبعث وخسرانهم هو فوات الجنة، أو لقاء الله البعث والحساب، وخسرانهم فوات الجنة وحصول العذاب الدائم. {حتَّى إذا جاءتْهُم السَّاعة} معنى حتى عائد إلى كذبوا بلقاء الله، أما على القول بأنها جارة لإذا، فالمعنى أنهم مصرون على التكذيب إلى أن جاءتهم ساعة الموت، أو إلى أن جاءهم يوم القيامة، والمراد أيضاً وقت الموت، لأنه من مات فقد قامت قيامته، فالميت داخل فى اليوم الآخر من حين مات، والقيام من القبور يكون فى بعض ذلك اليوم الأخير، أو سمى ساعة الموت باسم يوم البعث، لأنهُ يظهر فيها تحقيق البعث، وسمى يوم القيامة ساعة لسرعة الحساب فيه، حاسبون فيه قدر ساعة أو أقل، وأما على القول بأنها ابتدائية فإنها كفاء السببية فى الترتيب، فيكون جواب إذا مترتباً على تكذيبهم. {بَغْتَةً} حال، أى ذات بغتة أو باغتة، أو مفعول مطلق، أى مجئ بغتة أو مفعول مطلق باعتبار أنها نوع من المجئ، والبغتة الفجأة من غير أن يشعر الإنسان، فلو عام بمجئ الشئ فى وقت مخصوص فجاء فيه بسرعة لم تقل فيه جاء بغتة، والوقت الذى تقوم فيه الساعة تفجأ الناس فى ساعة لا يعلمها أحد إلا الله، وذلك أعظم على الخلق كما قال الشاعر: شعر : ولكنهم باتوا ولم أخش بغتة وأفظع شئ حين يفجأك البغت تفسير : قال بعض العلماء لا يعرف مقدار الحياة إلا الموتى، لأنهم قد ظهرت لهم الأمور، وانكشفت لهم الحقائق، وتبدلت لم المنازل، وعلموا مقدار الأعمال الصالحات. {قالوا يا حَسْرتنا} إن كان لك وقت حضور فاحضرى، فهذا أوان حضورك، نعى الله عليهم ترك ما أحوجم تركه إلى نداء الحسرة. {على ما فرَّطْنا فِيها} ما مصدرية، أى على تفريطنا فيها، ومجرور فى هو ضمير عائد إلى الحياة الدنيا، وإن لم يجر لها ذكر لدلالة ذكر التفريط فى العمل عليها، لأن العمل زمانه الحياة الدنيا لا الآخرة، وقال الحسن البصرى: الضمير عائد إلى الساعة على معنى ما فرطنا فى شأن الساعة، وشأن الساعة تقديم العمل الصالح والإيمان بها إن كانت ساعة يوم القيامة، وإن كانت ساعة الموت فلا أحد لا يؤمن بالموت، فالمراد شأنها الذى هو التقديم. وقال محمد بن عبد الله بن جرير الطبرى: عائد إلى الصفة المدلول عليها بقوله: خسر إذا استبدلوا الكفر بالإيمان، فكان كبيع بصفقة خاسرة، قال أبو سعيد الخدرى، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرى أهل النار منازلهم فى الجنة فيقولون يا حسرتنا على ما فرطنا فيها" تفسير : فلا مانع من عود الضمير إلى منازلهم فى الجنة المدلول عليها بذكر الساعة، فإن الإنسان يرى منزله فى الجنة إذا مات وإذا بعث، ولا يدخله فيشتد تحسره. {وهم يحْمِلُونَ أوْزارهُم علَى ظُهُورهم} يجيئون ربهم بذنوبهم إذ لم يتوبوا ويعملوا ما يمحوها، والمشرك تمحوا ذنوبه كلمة الشهادة، سمى الذنب أوزاراً لثقلها بالعقاب، ورشحه بذكر الحمل على الظهور، أو سمى المجئ إلى الله حملا على الظهور، وقيل ذلك حقيقة بأن تأتيهم عند البعث ذنوبهم هى أقبح صورة وأنتن رائحة فتركبهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الكافر إذا خرج من قبره مثل له عمله فى أقبح صورة رآها أقبح وجهاً وأنتن رائحة وأسود لوناً، فيقول: أعوذ بالله منك، فما رأيت أقبح منك وجهاً ولا أنتن منك ريحاً ولا أسود لوناً، فيقول: أتعجب من قبحى؟ فيقول: نعم أنا عملك الخبيث، والله كنت تركبنى فى الدينا، وإنى والله لأركبنك اليوم، فذلك قوله تعالى: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} تفسير : رواه الشيخ هود رحمه الله، وذكره قتادة والسدى. وذكر قبلهُ أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شئ صورة وأطيبه ريحاً، فيقول: هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح فاركبنى، فقد طال ما ركبتك فى الدنيا، فذلك قوله تعالى: {أية : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} تفسير : يعنى ركباناً. وقال عمرو بن هانئ: يحشر مع كل كافر عمله فى صورة رجل قبيح، كلما رأى هول صورته وقبحه ازداد خوفاً، فيقول له بئس الجليس أنت، فيقول: طال ما ركبتنى فلأركبنك اليوم حتى أخزيك على رءوس الخلائق فيركبه ويتخطى الناس، حتى يقف بين يدى ربه. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان يوم القيامة بعث الله مع كل امرئ مؤمن عمله، وبعث مع الكافر عمله، فلا يرى المؤمن شيئاً يروعه، ولا شيئا يفزعه ويخافه إلا قال له عمله: أبشر بالذى يسرك فإنك لست بالذى تراد بهذا، ولا يرى الكافر شيئا يروعه، ولا شيئا يفزعه ويخافه إلا قال له عملهُ أبشر يا عدو الله بالذى يسوءك، فوالله إنك لأنت الذى يراد بهذا"، تفسير : ويجوز أن يكون المعنى أن ذنوبهم لا تزايلهم فى الدنيا، لأنهم لا يتركونها فى الدنيا، ولا يتوبون حتى وردوا يوم القيامة، ولا يزايلهم، ولا كما يزايلهم عقابها أو لا تزايلهم تلك الصورة التى تتصورها فيدخلون معها النار، والجملة حال من واو قالوا. {ألا سَاءَ ما يزَرُون} ألا حرف استفتاح وتنبيه وتوكيد لمضمون الجملة، وساءَ بئس، وما نكرة موصوفة بالجملة تمييز مفسر بفاعل ساء المستتر، أو فاعل أو موصول فاعل، والمخصوص بالذم محذوف، أى بئس الشئ يزرونه وزرهم، أى بئس الذى يزرونه وزرهم، أو ما مصدرية، والمصدر فاعل، والمخصوص محذوف.

اطفيش

تفسير : {قَدْ خَسِرَ} منازل فى الجنة وأَزواجاً والأَنفس بمنازل فى النار {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ} بالبعث والجزاء على أَن لقاء الله استعارة تمثيلية عن البعث وما بعده، وقدر بعض مضافاً أَى بلقاء جزاء الله {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ} القيامة لأَن الموت مبدؤها وباب لها، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات فقد قامت قيامته" تفسير : وحتى غاية التكذيب ولو كانت ابتدائية كما مر بيانه، ولا يخفى أَن التكذيب ينقطع بالموت فليسوا باقين فى التكذيب حتى يبعثوا، أَو غاية للخسران، أَى خسر المكذبون إِلى قيام الساعة بأَنواع البلاء، وإِذا قامت وقعوا فيما ينسيهم هذا الخسران، والساعة قطعة من الزمان وغلبت على الوقت المعلوم كالنجم للثريا، وسمى ساعة لقلته بالنسبة إِلى الخلود، أَو لسرعة الحساب فيه، وفسره بعض بوقت الموت هنا {بَغْتَةً} حال، أَى فى نفس البغتة مبالغة، أَو ذات بغتة أَو باغتة، أَو مبغوتين بها، أَو جاءَت بمعنى بغتت كقمت وقوفاً، أَو باغتة بغتة، أَو نبغتهم بغتة،، والبغتة المفاجأَة من غير استعداد ولا جعله ببال، ولو جعل ببال لم يعد بغتة ولو لم يستعد له، وفى التعبير عن القيامة بالساعة تلويح إِلى سرعة الحساب، وإِيذان بأَنها شهرت حتى لا ينصرف عنها لفظ الساعة علماً بالغلبة فكيف يغفل عن الاستعداد لها، {قَالُوا} جواب إِذا، ومن زعم أَن حتى جارة قال استئناف {يَا حَسْرَتَنَا} ندمنا وتلهفنا احضر فهذا وقتك، والمراد شدة التحسر، وتصريحهم بإهمال أَنفسهم عن الحق حتى نادوا للحسرة والحسرة لا تسمع وتقبل، وقد قيل كأَنهم ذهلوا حتى نادوها، ويقال: هذا التحسر وإِن كان عند الموت لكن الموت من مقدمات الآخرة، فجعل من جنس الساعة وسمى باسمها، أَو جعل مجيءَ الساعة بعد الموت كالواقع باتصال {عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} ما مصدرية، أَى على تفريطنا فى الدنيا، وإِن لم يجر لها ذكر لعلمها من المقام،وتقدر فى أخرى ومجرورها، أَى فى الإِيمان والعمل الصالح، لجواز تعليق اسم الزمان ومجرور فى بعامل واحد ولو بلا تبعية، والدنيا زمان فكما يجوز أَقمت زمانا فى مكان كذا أَو فى عمل كذا يجوز أَقمت فى زمان فى مكان أَو فى عمل، ويجوز عود الضمير إِلى الأَعمال لعلمها من المقام فلا تقدر فى أخرى، أَى فى الدنيا، أَو تقدر وتعلق فى الأَعمال، كما قيل بعودة إِلى ما على أَن ما اسم واقع على الأَعمال، أَى على الأَعمال التى قصرنا فيها، وقيل بعود الضمير إِلى الساعة، أَى فرطنا فى مراعاة حق القيامة، وقيل إِلى الجنة أَى فرطنا فى طلبها، وقيل إِلى الصفة لدلالة الخسران عليها، وهو أَقوال بعيدة، ويقولون يا حسرتنا على ما فرطنا فيها حال حملهم الوزر كما بينه بواو الحال فى قوله {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} ذنوبهم {عَلَى ظُهُورِهِمْ} سمى الذنوب أَوزاراً لثقلها ثقلا معنويا وهو شدة العذاب عليها أَو حسياً كما هو معنوى أَيضاً، كما روى أَن المؤمن إِذا خرج من قبره استقبله أَحسن شئ صورة وأَطيبه ريحاً، فيقول: هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أَنا عملك الصالح فاركبنى فقد طال ما ركبتك فى الدنيا، فذلك قوله تعالى "أية : يوم نحشر المتقين إِلى الرحمن وفداً"تفسير : [مريم: 85] يعنى ركباناً، وأَما الكافر فيستقبله أَقبح شئ صورة وأَنتنه ريحاً، فيقول: هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أَنا عملك الخبيث، طال ما ركبتنى فى الدنيا، فإِنا اليوم أَركبك، فذلك قوله تعالى: {وهم يحملون أَوزارهم على ظهروهم}، وقيل يدخل معه قبره فى أَقبح وجه وأَسوئه، وأَنتن ريح وأَدنس ثوب، ويقول: من أَنت؟ ما أَقبحك ‍‍فيقول: أَنا عملك فى الدنيا، وإِذا خرج وجده أَيضاً، ويركبه حتى يدخله النار، والصحيح أَن الأَعمال لا تجسم، فيحمل الحديث والقرآن على التمثيل، وخص الظهر لأَنه يطيق من الحمل ما لا يطيقه غيره من الجسد، وهو الأَصل فى الحمل، كما أَن الكسب فى الأَكثر بالأَيدى وهى الأَصل فيه {أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ} أَى ما يذنبون، أَى يكسبونه من الذنوب، أَو يحملونه، والمخصوص بالندم محذوف، أَى حملهم ذلك، أَو ذنوبهم تلك، وساءَ من باب نعم وبئس فحول من الفتح إِلى الضم واللزوم، أَو مستعمل فى التعجب كذلك، أَو باق على الفتح والتعدية، أَى ساءهم، وما موصول اسمى، أَو نكرة موصوفة أَو مصدرية، ولا حمل فى الآية، بل تمثيل لاستحقاقهم العقاب، لأَن الذنوب أَعراض لا أَجسام.

الالوسي

تفسير : {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ} هم الكفار الذين حكيت أحوالهم لكن وضع الموصول موضع الضمير للإيذان بتسبب خسرانهم عما في حيز الصلة من التكذيب بلقاء الله تعالى والاستمرار عليه، والمراد به لقاء ما وعد سبحانه وتعالى على ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم، وصرح بعضهم بتقدير المضاف أي لقاء جزاء الله تعالى، وصرح آخرون بأن لقاء الله تعالى استعارة تمثيلية عن البعث وما يتبعه. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ } أي الوقت المخصوص وهو يوم القيامة، وأصل الساعة القطعة من الزمان وغلبت على الوقت المعلوم كالنجم للثريا، وسمي ساعة لقلته بالنسبة لما بعده من الخلود أو بسرعة الحساب فيه على الباري عز اسمه. وفسرها بعضهم هنا بوقت الموت، والغاية المذكورة للتكذيب. وجوز أن تكون غاية للخسران لكن بالمعنى المتعارف والكلام حينئذٍ على حد قوله تعالى: { أية : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [صۤ: 78] أي إنك مذموم مدعو عليك باللعنة إلى ذلك اليوم فإذا جاء اليوم لقيت ما تنسى اللعن معه فكأنه قيل: خسر المكذبون إلى قيام الساعة بأنواع المحن والبلاء فإذا قامت الساعة يقعون فيما ينسون معه هذا الخسران وذلك هو الخسران المبين {بَغْتَةً} أي فجأة وبغتة بالتحريك مثلها، وبغته كمنعه فجأه أي هجم عليه من غير شعور، وانتصابها على أنها مصدر واقع موقع الحال من فاعل {جَاءَتْهُمْ} أي مباغتة أو من مفعوله أي مبغوتين، وجوز أن تكون منصوبة على أنها مفعول مطلق لجاءتهم على حد رجع القهقرى أو لفعل مقدر من اللفظ أو من غيره. وقوله سبحانه وتعالى: {قَالُواْ} جواب {إِذَا} {يَا حَسْرَتَنَا} نداء للحسرة وهي شدة الندم كأنه قيل: يا حسرتنا تعالي فهذا أوانك، قيل: وهذا التحسر وإن كان يعتريهم عند الموت لكن لما كان الموت من مقدمات الآخرة جعل من جنس الساعة وسمي باسمها، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : من مات فقد قامت قيامته » تفسير : أو جعل مجىء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة. وقال أبو البقاء: التقدير يا حسرة احضري هذا أوانك، وهو نداء مجازي ومعناه تنبيه أنفسهم لتذكير أسباب الحسرة لأن الحسرة نفسها لا تطلب ولا يتأتى إقبالها وإنما المعنى على المبالغة في ذلك حتى كأنهم ذهلوا فنادوها، ومثل ذلك نداء الويل ونحوه ولا يخفى حسنه. {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا} أي على تفريطنا، فما مصدرية فالتفريط التقصير فيما قدر على فعله، وقال أبو عبيدة: معناه التضييع، وقال ابن بحر: معناه السبق ومنه الفارط للسابق. ومعنى فرط خلا السبق لغيره فالتضعيف فيه للسلب كجلدات البعير أزلت جلده وسلبته {فِيهَا } أي الحياة الدنيا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو في الساعة كما روي عن الحسن، والمراد من التفريط في الساعة التقصير في مراعاة حقها والاستعداد لها بالإيمان والأعمال الصالحة. وقيل: الضمير للجنة أي على ما فرطنا في طلبها ونسب إلى السدي ولا يخفى بعده، وقول الطبرسي: ويدل عليه ما رواه الأعمش عن أبـي صالح عن أبـي سعيد عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: « حديث : يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا » تفسير : الخ لا يخلو عن نظر لقيام الاحتمال بعد وهو يبطل الاستدلال، وعن محمد بن جرير أن الهاء يعود إلى الصفقة لدلالة الخسران عليها وهو بعيد أيضاً، ومثل ذلك ما قيل: إن ما موصولة بمعنى التي، والمراد بها الأعمال والضمير عائد إليها كأنه قيل يا حسرتنا على الأعمال الصالحة التي قصرنا فيها، نعم مرجع الضمير على هذا مذكور في كلامهم دونه على الأقوال السابقة فإنه غير مذكور فيه بل ولا في كلامه تعالى في قص حال هؤلاء القائلين على القول الأول عند بعض فتدبر. {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } في موضع الحال من فاعل {قَالُواْ } وهي حال مقارنة أو مقدرة. والوزر في الأصل الثقل ويقال للذنب وهو المراد هنا أي يحملون ذنوبهم وخطاياهم كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وذكر الظهور لأن المعتاد الأغلب الحمل عليها كما في { أية : كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } تفسير : [الشورى: 30] فإن الكسب في الأكثر بالأيدي. وفي ذلك أيضاً إشارة إلى مزيد ثقل المحمول، وجعل الذنوب والآثام محمولة على الظهر من باب الاستعارة التمثيلية، والمراد بيان سوء حالهم وشدة ما يجدونه من المشقة والآلام والعقوبات العظيمة بسبب الذنوب، وقيل: حملها على الظهر حقيقة وإنها تجسم، فقد أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن السدي أنه قال: «ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح عليه ثياب / دنسة حتى يدخل معه قبره فإذا رآه قال ما أقبح وجهك؟ قال كذلك كان عملك قبيحاً قال: ما أنتن ريحك؟ قال: كذلك كان عملك منتناً قال: ما أدنس ثيابك فيقول: إن عملك كان دنساً قال من أنت؟ قال: أنا عملك فيكون معه في قبره فإذا بعث يوم القيامة قال له إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات فأنت اليوم تحملني فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار» وأخرجا عن عمرو بن قيس قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن شيء صورة وأطيبه ريحاً فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله تعالى قد طيب ريحك وحسن صورتك فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم وتلا { أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } تفسير : [مريم: 85] وإن كان الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله تعالى قد قبح صورتك ونتن ريحك فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك السيء طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك وتلا {وَهُمْ يَحْمِلُونَ } الآية. وبعضهم يجعل كل ما ورد في هذا الباب مما ذكر تمثيلاً أيضاً، ولا مانع من الحمل على الحقيقة وإجراء الكلام على ظاهره، وقد قال كثير من أهل السنة بتجسيم الأعمال في تلك الدار وهو الذي يقتضيه ظاهر الوزن. {أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} تذييل مقرر لما قبله وتكملة له، و {ساء} تحتمل ـ كما قيل ـ هنا ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون المتعدية المتصرفة ووزنها فعل بفتح العين، والمعنى ألا ساءهم ما يزرون؛ و (ما) موصولة أو مصدرية أو نكرة موصوفة فاعل لها والكلام خبر، وثانيها: أنها حولت إلى فعل اللازم بضم العين واشربت معنى التعجب، والمعنى ما أسوأ الذي يزرونه أو ما أسوأ وزرهم. وثالثها: أنها حولت أيضاً للمبالغة في الذم فتساوي بئس في المعنى والأحكام.

ابن عاشور

تفسير : استئناف للتعجيب من حالهم حين يقعون يوم القيامة في العذاب على ما استداموه من الكفر الذي جرّأهم على استدامته اعتقادهم نفي البعث فذاقوا العذاب لذلك، فتلك حالة يستحقّون بها أن يقال فيهم: قد خسِروا وخابوا. والخسران تقدّم القول فيه عند قوله تعالى: {أية : الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}تفسير : في هذه السورة (12). والخسارة هنا حرمان خيرات الآخرة لا الدنيا. والذين كذّبوا بلقاء الله هم الذين حكي عنهم بقوله: {وقالوا إن هي إلاّ حياتنا الدنيا} فكان مقتضى الظاهر الإضمار تبعاً لقوله {أية : ولو ترى إذ وقفوا على النار}تفسير : [الأنعام: 27] وما بعده، بأن يقال: قد خسروا، لكن عُدل إلى الإظهار ليكون الكلام مستقلاً وليبنى عليه ما في الصلة من تفصيل بقوله: {حتّى إذا جاءتهم الساعة بغتة} الخ. ولقاء الله هو ظهور آثار رضاه وغضبه دون تأخير ولا إمهال ولا وقاية بأسباب عادية من نظام الحياة الدنيا، فلمّا كان العالم الأخروي وهو ما بعد البعث عالم ظهور الحقائق بآثارها دون موانع، وتلك الحقائق هي مراد الله الأعلى الذي جعله عالم كمال الحقائق، جعل المصير إليه مماثلاً للقاء صاحب الحق بعد الغيبة والاستقلال عنه زماناً طويلاً، فلذلك سمّي البعث ملاقاة الله، ولقاء الله ومصيراً إلى الله، ومجيئاً إليه، في كثير من الآيات والألفاظ النبوية، وإلاّ فإنّ الناس في الدنيا هم في قبضة تصرّف الله لو شاء لقبضهم إليه ولعجّل إليهم جزاءهم. قال تعالى: {أية : ولو يعجِّل الله للنّاس الشرّ استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم}تفسير : [يونس: 11]. ولكنّه لمّا أمهلهم واستدرجهم في هذا العالم الدنيوي ورغّب ورهّب ووعَد وتوعّد كان حال الناس فيه كحال العبيد يأتيهم الأمر من مولاهم الغائب عنهم ويرغّبهم ويحذّرهم، فمنهم من يمتثل ومنهم من يعصي، وهم لا يلقون حينئذٍ جزاء عن طاعة ولا عقاباً عن معصية لأنّه يملي لهم ويؤخّرهم، فإذا طوي هذا العالم وجاءت الحياة الثانية صار الناس في نظام آخر، وهو نظام ظهور الآثار دون ريث، قال تعالى: {أية : ووجدوا ما عملوا حاضراً}تفسير : [الكهف: 49]، فكانوا كعبيد لقُوا ربّهم بعد أن غابوا وأمهلوا. فاللقاء استعارة تمثيلية: شبّهت حالة الخلق عند المصير إلى تنفيذ وعد الله ووعيده بحالة العبيد عند حضور سيِّدهم بعد غيبة ليجزيهم على ما فعلوا في مدّة المغيب. وشاع هذا التمثيل في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال: «حديث : من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه»تفسير : ، وفي القرآن {أية : ليُنْذر يوْمَ التَّلاقِ}تفسير : [غافر: 15]. وقوله: {حتّى إذا جاءتهم الساعة بغتة} (حتّى) ابتدائية، وهي لا تفيد الغاية وإنّما تفيد السببية، كما صرّح به ابن الحاجب، أي فإذا جاءتهم الساعة بغتة. ومن المفسّرين من جعل مجيء الساعة غاية للخسران، وهو فاسد لأنّ الخسران المقصود هنا هو خسرانهم يوم القيامة، فأمّا في الدنيا ففيهم مَن لم يخسر شيئاً. وقد تقدّم كلام على (حتّى) الابتدائية عند قوله تعالى: {أية : وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك}تفسير : في هذه السورة (25). وسيجيء لمعنى (حتى) زيادة بيان عند قوله تعالى: {أية : فمن أظلم ممّن افترى على الله كذباً أو كذّب بآياته} تفسير : [الأعراف: 37] إلى قوله {أية : حتّى إذا جاءتهم رسلنا}تفسير : في سورة [الأعراف: 37]. والساعة: علَم بالغلبة على ساعة البعث والحشر. والبغتة فعلة من البَغْت، وهو مصدر بغتَه الأمر إذا نزل به فجأة من غير ترقّب ولا إعلام ولا ظهور شبح أو نحوه. ففي البغت معنى المجيء عن غير إشعار. وهو منتصب على الحال، فإنّ المصدر يجيء حالاً إذا كان ظاهراً تأويلُه باسم الفاعل، وهو يرجع إلى الإخبار بالمصدر لقصد المبالغة. وقوله: {قالوا} جواب (إذا). و{يا حسرتنا} نداء مقصود به التعجّب والتندّم، وهو في أصل الوضع نداء للحسرة بتنزيلها منزلة شخص يسمع ويُنادي ليحضُر كأنّه يقول: يا حسرة احضري فهذا أوان حضورك. ومنه قولهم: يا ليتني فعلت كذا، ويا أسفي أو يا أسفاً، كما تقدّم آنفاً. وأضافوا الحسرة إلى أنفسهم ليكون تحسّرهم لأجل أنفسهم، فهم المتحسّرون والمتحسَّر عليهم، بخلاف قول القائل: يا حسرة، فإنّه في الغالب تحسّر لأجل غيره فهو يتحسّر لحال غيره. ولذلك تجيء معه (على) التي تدخل على الشيء المتحسّر من أجله داخلة على ما يدلّ على غير التحسّر، كقوله تعالى: {يا حسرة على العباد} فأمّا مع (يا حسرتي، أو يا حسرتا) فإنّما تجيء (على) داخلة على الأمر الذي كان سبباً في التحسّر كما هنا {على ما فرطنا فيها}. ومثل ذلك قولهم: يا ويلي ويا ويلتِي، قال تعالى: {أية : ويقولون يا ويلتنا}تفسير : [الكهف: 49]، فإذا أراد المتكلِّم أنّ الويل لغيره قال: ويْلك، قال تعالى: {أية : ويلك آمنْ}تفسير : [الأحقاف: 17] ويقولون: ويل لك. والحسرة: الندم الشديد، وهو التلهّف، وهي فَعْلة من حِسر يحْسَر حَسْراً، من باب فرح، ويقال: تحسّر تحسّراً. والعرب يعاملون اسم المرّة معاملة مطلق المصدر غير ملاحظين فيه معنى المرّة، ولكنّهم يلاحظون المصدر في ضمن فرد، كمدلول لام الحقيقة، ولذلك يحسن هذا الاعتبار في مقام النداء لأنّ المصدر اسم للحاصل بالفعل بخلاف اسم المرّة فهو اسم لفرد من أفراد المصدر فيقوم مقام الماهية. و{فَرّطنَا} أضعنا. يقال: فرّط في الأمر إذا تهاون بشيء ولم يحفظه، أو في اكتسابه حتى فاته وأفلت منه. وهو يتعدّى إلى المفعول بنفسه، كما دلّ عليه قوله تعالى: {أية : ما فرّطنا في الكتاب من شيء}تفسير : [الأنعام: 38]. والأكثر أن يتعدّى بحرف (في) فيقال فرّط في ماله، إذا أضاعه. و{مَا} موصولة ماصْدَقُها الأعمال الصالحة. ومفعول {فرّطنا} محذوف يعود إلى {مَا}. تقديره: ما فرّطناه وهم عامّ مثل معاده، أي ندمنا على إضاعة كلّ ما من شأنه أن ينفعنا ففرّطناه، وضمير {فيها} عائد إلى الساعة. و«في» تعليلية، أي ما فوّتناه من الأعمال النافعة لأجل نفع هذه الساعة، ويجوز أن يكون {في} للتعدية بتقدير مضاف إلى الضمير، أي في خيراتها. والمعنى على ما فرّطنا في الساعة، يَعْنُونَ ما شاهدوه من نجاة ونعيم أهل الفلاح. ويجوز أن يعود ضمير {فيها} على الحياة الدنيا، فيكون «في» للظرفية الحقيقية. وجملة: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} في موضع الحال من ضمير {قالوا}، أي قالوا ذلك في حال أنّهم يحملون أوزارهم فهُم بين تلهّف على التفريط في الأعمال الصالحة والإيمان وبين مقاساة العذاب على الأوزار التي اقترفوها، أي لم يكونوا محرومين من خير ذلك اليوم فحسب بل كانوا مع ذلك متعبين مثقلين بالعذاب. والأوزار جمع وِزر ـــ بكسر الواو ـــ، وهو الحمل الثقيل، وفعله وزَرَ يَزِرُ إذا حمل. ومنه قوله هنا {ألا ساء ما يزرون}. وقوله: {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى}تفسير : [الأنعام: 164]. وأطلق الوزر على الذنب والجناية لثقل عاقبتها على جانيها. وقوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} تمثيل لهيئة عنتهم من جرّاء ذنوبهم بحال من يحمل حملاً ثقيلاً. وذكْر {على ظهورهم} هنا مبالغة في تمثيل الحالة، كقوله تعالى: {أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}تفسير : [الشورى: 30]. فذكر الأيدي لأنّ الكسب يكون باليد، فهو يشبه تخييل الاستعارة ولكنّه لا يتأتّى التخييل في التمثيلية لأنّ ما يذكر فيها صالح لاعتباره من جملة الهيئة، فإنّ الحمل على الظهر مؤذن بنهاية ثقل المحمول على الحامل. ومن لطائف التوجيه وضع لفظ الأوزار في هذا التمثيل؛ فإنّه مشترك بين الأحمال الثقيلة وبين الذنوب، وهم إنَّما وقعوا في هذه الشدّة من جرّاء ذنوبهم فكأنّهم يحملونها لأنّهم يعانون شدّة آلامها. وجملة: {ألا ساء ما يزرون} تذييل. و(ألا) حرف استفتاح يفيد التنبيه للعناية بالخبر. و{ساء ما يزرون} إنشاء ذمّ. و{يزرون} بمعنى {يحملون}، أي ساء ما يمثّل من حالهم بالحمْل. و{ما يزرون} فاعل {ساء}. والمخصوص بالذمّ محذوف، تقديره: حَمْلُهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰحَسْرَتَنَا} (31) - لَقَدْ خَسِرَ هؤُلاءِ الكُفَّارُ، الذِينَ كَذَّبُوا بِالحَشْرِ، وَلِقَاءِ اللهِ فِي الآخِرَةِ لِلْحِسَابِ، كُلَّ مَا رَبِحَهُ المُؤْمِنُونَ، وَفَازُوا بِهِ مِنْ ثَمَرَاتِ الإِيمَانِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَيَسْتَمِرُّ هؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ فِي ضَلاَلِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ، وَبَاطِلِهِمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ فَجْأَةً دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ، فَحِينَئِذٍ يُدْرِكُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ. وَيَقُولُونَ: يَا حَسْرَتَنا عَلَى مَا فَرَّطْنا فِي حَيَاتِنا الدُّنْيَا فَكَذَّبْنا وَاسْتَكْبَرْنا، وَاسْتَسْلَمْنَا لِلشَّهَوَاتِ، وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لاَ حَيَاةَ أُخْرَى، وَلا بَعْثَ وَلا حِسَابَ. وَيَأْتُونَ اللهَ فِي ذلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ وَهُمْ يَحْمِلُونَ ذُنُوبَهُمْ وَخَطَايَاهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ وَكَأَنَّها الأَحْمَالُ الثَّقِيلَةُ (أَوْزَارَهُمْ)، وَمَا أَسْوَأَ مَا يَحْمِلُونَ. بَغْتَةً - فَجْأَةً. فَرَّطْنَا فِيها - قَصَّرْنَا وَضَيَّعْنا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا. أَوْزَارَهُمْ - أَحْمَالَهُمْ - وَهِيَ هُنَا ذُنُوبُهُمْ وَخَطَايَاهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن كل رأس مال يحتاج إلى عمل يزيده، لكن أن يكون العمل قد أضاع المال، فهذا يعني الخسارة مرتين: مرة لأن رأس المال لم يبق عند حده بل إنه قد فنى وذهب وضاع، وثانية لأن هناك جهداً من الإنسان قد ضاع وأضاع معه رأس المال. إذن فقد خسر الذين كذبوا بلقاء الله؛ لأنهم باعوا الآجل الطويل العمر بالعاجل القصير العمر. وكل إنسان منا يريد أن يثمّر عمله ويحاول أن يعطي قليلاً ليأخذ كثيراً. وعلى سبيل المثال نجد الفلاح يقتطع مقدار كيلتين من أرادب القمح التي في مخزنه ليبذرها في الأرض بعد أن تُحرث. وهذا يعني النقص القليل في مخزن هذا الفلاح، ولكنه نقص لزيادة قادمة؛ فعندما وضع البذور في الأرض المحروثة نجد الحق سبحانه وتعالى ينبتها له أضعافاً مضاعفة. والفلاح بذلك يبيع العاجل القليل من أجل أن يأخذ الآجل الكبير. وهذه أصول حركة العاقل الذي يزن خطواته، فإن أراد أن يزيد الثمار من حركته، فعليه أن يبذل الجهد. أما إن كانت الحركة لا تأتي له إلا بالقليل فلن يتحرك. ولأن العاقل لا يحب الخسارة نجده يوازن دائماً ويقارن بين ما يبذله من جهد والعائد الذي سيأتي إليه. أما الذين كفروا بلقاء الله فهم قد خسروا أنفسهم، لأنهم لم يوازنوا بين حياتين: حياة مظنونة، وحياة متيقنة؛ لأن مدة حياتنا الدنيا مظنونة غير متيقنة. إننا لا نعرف كم ستحيا فيها؛ فمتوسط عمر الإنسان على الأرض هو سبعون عاماً على سبيل المثال، ولكن أحداً لا يعرف كم عمره في الدنيا بالضبط، وله أجل محدود. إنه فان وذاهب وميّت، ولكن حياة الآخرة متيقنة لا أجل لها، إنها دائمة، ونعلم أن نعيم الدنيا بالنسبة للإنسان هو على قدر الأسباب الموجودة لديه، أما نعيم الآخرة فهو على قدر طلاقة قدره المسبب وهو الله، وعلى هذا تكون خسارة الذين كفروا كبيرة وفادحة ودامية؛ لأنهم لم يتاجروا مع الله. {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} [الأنعام: 31]. ونعلم أن "حتى" هي جسر بين أمرين؛ فالأمر الذي نريد أن نصل إليه هو غاية، كقول إنسان ما: "سرت حتى وصلت المنزل"، والمنزل هنا هو غاية السير. والذين كفروا، كان كفرهم وتكذيبهم موصلاً إلى الخسران، فمجيء الساعة بغتة ليس هو نهاية المطاف، ولكنه وصول إلى أول الخسران؛ لأن خسرانهم لا ينتهي من فور مجيء الساعة، ولكنه يبدأ لحظة مفاجأة الساعة لهم. فهم يفاجأون بوقوع ما كانوا يكذبون به. ويعلمون جيداً أن ما صنعوه في الدنيا لا يستوجب إلا العذاب. وهنا تبدأ الحسرة التي لا يقدرون على كتمانها، ولذلك يقولون: {يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} . . أي على تفريطنا وإسرافنا في أمرنا وذلك في أثناء وجودنا في الدنيا. وبذلك نعرف أن عدم التفريط في الدنيا والأخذ بالأسباب فيها أمر غير مذموم، ولكن التفريط في أثناء الحياة الدنيا هو الأمر المذموم؛ لأنه إضاعة للوقت وإفساد في الأرض. إنني أقول ذلك حتى لا يفهم أحد أن الاستمتاع في الدنيا أمر مذموم في حد ذاته، وحتى لا يفهم أحد أن الآخرة هي موضوع الدين؛ لأن الدنيا هي موضوع الدين أيضاً، والجزاء في الآخرة إنما يكون على ألوان السلوك المختلفة في الدنيا؛ فمن يحسن السلوك في الدنيا ينال ثواب الآخرة ومن يسيء ينال عقاب الآخرة. ولذلك لا يصح على الإطلاق أن نقارن الدين بالدنيا. إن علينا أن نعلم خطأ الذين يقولون: "دين ودنيا" فالدين ليس مقابلاً للدنيا. بل الدنيا هي موضوع الدين. أقول ذلك رداً على من يظنون أن سبب ارتقاء بعض البلاد في زماننا هو أن أصحابها أهملوا الدين وفتنوا بما في الدنيا من لذة ومتعة فعملوا على بناء الحضارات. نقول: إن الإقبال على الدين بروح من الفهم هو الذي يبني الحضارات ويُثاب المصلح في الدنيا يوم الجزاء، ولنا أن نعرف أن المقابل للدنيا هو الآخرة، والدين يشملهما معاً؛ يشمل الدنيا موضوعاً، والآخرة جزاءً. والذين يفتنون بالدنيا ولا يؤمنون بالآخرة هم الذين يقولون يوم القيامة: {يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ}. والأوزار المعنوية في الدنيا - وهي الذنوب - ستتجسم بحسيات وذلك حتى تكون الفضيحة علنية؛ فمن سرق غنمه يُبعث يوم القيامة وهو يحملها على ظهره، ومن سرق بقرة يُبعث يوم القيامة وهو يحملها على كتفه وهي تخور، وكذلك من سرق طنا من حديد عمارة سيُبعث يوم القيامة وهو يحمله على ظهره، وكذلك يفضحه الله يوم القيامة. وهذا يكون موقف أهل النار؛ لذلك يقول: {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} ونعلم أنهم لا يحملون أوزاراً فقط بل يحملون من أوزار الذين اتخذهم قدوة له، فهذا وزر الإضلال ويعرفون - جميعاً أن حمل الوزر يتجسد في الإحساس بعبئه؛ فقد قادتهم هذه الأوزار إلى الجحيم، ونعلم أن نتيجة كل عمل هي الهدف منه، فمن عمل صالحاً سيجد صلاح عمله، ومن أساء فسيجد عمله السيء. إننا نرى الأمثلة العملية لذلك في حياتنا اليومية؛ فهذان شقيقان يعملان بالزراعة، وكل منهما يملك فدانين من الأرض مثلاً: الأول منهما يقوم مع طلوع الفجر ليعتني بأرضه ويحرثها ويحمل إليها السباخ ويعتني بمواقيت الري ويسعى إلى يوم الحصاد بجد واهتمام. والاخر يسهر الليل أمام شاشة التليفزيون، ولا يقوم من النوم إلا في منتصف النهار، ولا يخدم أرضه إلا بأقل القليل من الجهد. ثم يأتي يوم الحصاد فينال الأول ناتج تعبه من محصول وفير، وينال الآخر محصولاً قليلاً بالإضافة إلى الحسرة التي يتجرعها بسبب إهماله وكسله. إذن فالعاقل هو من يدرس ما تعطيه حركته في الحياة. ويختار نوعية الحركة في الحياة بما يضمن له سعادة الدنيا والآخرة، واطمئنان النفس في الدنيا والآخرة. إن من ينام ولا يذهب إلى عمله هو إنسان يحب نفسه، ومن قام في بكرة الفجر إلى عمله يحب نفسه أيضاً، ولكنّ هناك فارقاً بين حب أحمق عقباه الندم، وحب أعمق لمعنى الحياة وعقباه الجزاء الوافر. والحق سبحانه وتعالى يقول لنا: {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَوْزَارَهُمْ} معناهُ آثَامُهُم. واحِدُهَا وِزرٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قد خاب وخسر، وحرم الخير كله، من كذب بلقاء الله، فأوجب له هذا التكذيب، الاجتراء على المحرمات، واقتراف الموبقات { حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ } وهم على أقبح حال وأسوئه، فأظهروا غاية الندم. و { قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } ولكن هذا تحسر ذهب وقته، { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } فإن وزرهم وزر يثقلهم، ولا يقدرون على التخلص منه، ولهذا خلدوا في النار، واستحقوا التأبيد في غضب الجبار.

همام الصنعاني

تفسير : 794- قال: وقال في قوله تعالى: {سَآءَ مَا يَزِرُونَ}: [الآية: 31] قال: سَاءَ ما يَعْمَلُونَ.