٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى أزال الحزن عن قلب رسوله في الآية الأولى بأن بين أن تكذيبه يجري مجرى تكذيب الله تعالى فذكر في هذه الآية طريقاً آخر في إزالة الحزن عن قلبه وذلك بأن بين أن سائر الأمم عاملوا أنبياءهم بمثل هذه المعاملة، وأن أولئك الأنبياء صبروا على تكذيبهم وإيذائهم حتى أتاهم النصر والفتح والظفر فأنت أولى بالتزام هذه الطريقة لأنك مبعوث إلى جميع العالمين، فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا. ثم أكد وقوى تعالى هذا الوعد بقوله ولا مبدل لكلمات الله يعني أن وعد الله إياك بالنصر حق وصدق، ولا يمكن تطرق الخلف والتبديل إليه ونظيره قوله تعالى {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الصافات: 171] وقوله {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] وبالجملة فالخلف في كلام الله تعالى محال وقوله {وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِىْ ٱلْمُرْسَلِينَ } أي خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ودمرنا قومهم. قال الأخفش: {مِنْ } ههنا صلة، كما تقول أصابنا من مطر. وقال غيره: لا يجوز ذلك لأنها لا تزاد في الواجب، وإنما تزاد مع النفي كما تقول: ما أتاني من أحد، وهي ههنا للتبعيض، فإن الواصل إلى الرسول عليه السلام قصص بعض الأنبياء لا قصص كلهم كما قال تعالى: {أية : مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ }تفسير : [غافر: 78] وفاعل: (جاء) مضمر أضمر لدلالة المذكور عليه، وتقديره: ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين. المسألة الثانية: قوله تعالى:{ ولا مبدل لكلمات الله} يدل على قولنا في خلق الأفعال لأن كل ما أخبر الله عن وقوعه، فذلك الخبر ممتنع التغير، وإذا امتنع تطرق التغير إلى ذلك الخبر امتنع تطرق التغير إلى المخبر عنه. فإذا أخبر الله عن بعضهم بأنه يموت على الكفر كان ترك الكفر منه محالاً. فكان تكليفه بالإيمان تكليفاً بما لا يطاق. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَٰهُمْ نَصْرُنَا } بإهلاك قومهم فاصبر حتى يأتيك النصر بإهلاك قومك {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ } مواعيده {وَلَقدْ جآءَكَ مِن نَّبَإِىْ ٱلْمُرْسَلِينَ } ما يسكن به قلبك.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية تضمنت عرض الأسوة التي ينبغي الاقتداء بها على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وترجيته أن يأتيه مثل ما أتاهم من النصر إذا امتثل ما امتثلوه من الصبر، قال الضحاك وابن جريج: عزى الله بهذه الآية نبيه، وروي عن ابن عامر أنه قرأ "وأذوا" بغير واو بعد الهمزة، ثم قوى ذلك الرجاء بقوله: {ولا مبدل لكلمات الله} أي لا راد لأمره وكلماته السابقات بما يكون ولا مكذب لما أخبر به، فكأن المعنى فاصبر كما صبروا وانتظر ما يأتي وثق بهذا الإخبار فإنه لا مبدل له، فالقصد هنا هذا الخبر وجاء اللفظ عاماً جميع كلمات الله السابقات، وأما كلام الله عز وجل في التوراة والإنجيل فمذهب ابن عباس أنه لا مبدل لها وإنما حرفها اليهود بالتأويل لا ببدل حروف وألفاظ، وجوز كثير من العلماء أن يكونوا بدلوا الألفاظ لأنهم استحفظوها وهو الأظهر، وأما القرآن فإن الله تعالى تضمن حفظه فلا يجوز فيه التبديل، قال الله تعالى: {أية : وإنا له لحافظون}تفسير : [الحجر: 9] وقال في أولئك {أية : بما استحفظوا من كتاب الله} تفسير : [المائدة: 44] وقوله تعالى: {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} أي فيما أنزلناه وقصصناه عليك ما يقضي هذا الذي أخبرناك به، وفاعل {جاءك} مضمر على ما ذهب إليه الطبري والرماني، تقديره ولقد جاءك نبأ أو أنباء. قال القاضي أبو محمد: والثواب عندي في المعنى أن يقدر جلاء أو بيان، وقال أبو علي الفارسي: قوله {من نبأ المرسلين}، في موضع رفع بـ "جاء"، ودخل حرف الجر على الفاعل، وهذا على مذهب الأخفش في تجويزه دخول من في الواجب، ووجه قول الرماني أن من لا تزاد في الواجب، وقوله تعالى: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} الآية، آية فيها إلزام الحجة للنبي صلى الله عليه وسلم وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين أن لا وجه إلا الصبر والمضي لأمر الله تعالى، والمعنى إن كنت تعظم تكذيبهم وكفرهم على نفسك وتلتزم الحزن عليه فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعماق الأرض أو على ارتقاء سلم في السماء فدونك وشأنك به، أي إنك لا تقدر على شيء من هذا، ولا بد لك من التزام الصبر واحتمال المشقة ومعارضتهم بالآيات التي نصبها الله تعالى للناظرين المتأملين، إذ هو لا إله إلا هو لم يرد أن يجمعهم على الهدى، وإنما أراد أن ينصب من الآيات ما يهتدي بالنظر فيه قوم ويضل آخرون، إذ خلقهم على الفطرة وهدى السبيل وسبقت رحمته غضبه، وله ذلك كله بحق ملكه {فلا تكونن من الجاهلين} في أن تأسف وتحزن على أمر أراده الله وأمضاه وعلم المصلحة فيه. قال القاضي أبو محمد: وهذا أسلوب معنى الآية، واسم كان يصح أن يكون الأمر والشأن و {كبر إعراضهم} خبرها، ويصح أن يكون {إعراضهم} هو اسم كان ويقدر في {كبر} ضمير وتكون {كبر} في موضع الخبر، والأول من الوجهين أقيس، والنفق السرب في الأرض ومنه نافقاء اليربوع، والسلم الشيء الذي يصعد عليه ويرتقى، ويمكن أن يشتق اسمه من السلامة لأنه سببها وجمعه سلاليم، ومنه قول الشاعر [ابن مقبل}: [البسيط] شعر : لا يَحْزُنُ المَرْء أحْجاء البلادِ ولا تُبْنَى له في السماواتِ السَّلاليمُ تفسير : و {تأتيهم بآية} أي بعلامة، ويريد إما في فعلك ذلك أي تكون الآية نفس دخولك في الأرض أو ارتقائك في السماء، وإما أن {تأتيهم بالآية} من إحدى الجهتين، وحذف جواب الشرط قبل في قوله {إن استطعت} إيجاز لفهم السامع به، تقديره فافعل أو فدونك كما تقدم، و {لجمعهم} يحتمل إما بأن يخلقهم مؤمنين، وإما بأن يكسبهم الإيمان بعد كفرهم بأن يشرح صدورهم، والهدى الإرشاد، وهذه الآية ترد على القدرية المفوضة الذين يقولون إن القدرة لا تقتضي أن يؤمن الكافر وإن ما يأتيه الإنسان من جميع أفعاله لا خلق لله فيه تعالى عن قولهم، و {من الجاهلين} يحتمل في أن لا يعلم أن الله {لو شاء لجمعهم} ويحتمل في أن تهتم بوجود كفرهم الذي قدره وأراده، وتذهب به لنفسك إلى مالم يقدر الله به، يظهر تباين ما بين قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {فلا تكونن من الجاهلين} وبين قوله لنوح عليه السلام {أية : إني أعظك أن تكون من الجاهلين} تفسير : [هود: 46] وقد تقرر أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، قال مكي والمهدي: والخطاب بقوله {فلا تكونن من الجاهلين} للنبي عليه السلام والمراد به أمته، وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ، وقال قوم: وقر نوح لسنه وشيبته، وقال قوم: جاء الحمل أشد على محمد صلى الله عليه وسلم لقربه من الله تعالى ومكانته عنده كما يحمل العاقب على قريبه أكثر من حمله على الأجانب. قال القاضي أبو محمد: والوجه القوي عندي في الآية هو أن ذلك لم يجيء بحسب النبيين وإنما جاء بحسب الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما وبين أن الأمر الذي نهى عنه محمد صلى الله عليه وسلم أكبر قدراً وأخطر مواقعة من الأمر الذي واقعه نوح صلى الله عليه وسلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَّبَإِىْ الْمُرْسَلِينَ} في صبرهم ونصرهم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولقد كذبت رسل من قبلك} يعني ولقد كذبت الأمم الخالية رسلهم كما كذبك قومك: {فصبروا على ما كذبوا وأوذوا} يعني أن الرسل عليهم السلام صبروا على تكذيب قومهم إياهم وصبروا على أذاهم، فاصبر أنت يا محمد على تكذيب قومك وأذاهم لك كما صبر مَن كان قبلك من الرسل وهذا فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وإزالة حزنه على تكذيب قومه له وأذاهم إياه {حتى أتاهم نصرنا} يعني بإهلاك من كذبهم {ولا مبدل لكلمات الله} يعني ولا ناقض لما حكم الله به من إهلاك المكذبين ونصر المسلمين كما قال {أية : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لَهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون}تفسير : [الصافات: 171-173] وقال الله تعالى:{أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}تفسير : [المجادلة: 21] ولا خلف فيما وعد الله به. وقوله تعالى: {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} يعني ولقد أنزلت عليك في القرآن من أخبار المرسلين ما فيه تسلية لك وتسكين لقلبك. وقال الأخفش: من هنا صلة كما تقول أصابنا من مطر وقال غيره بل هي للتبعيض لأن الواصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قصص بعض الأنبياء وأخبارهم كما قال تعالى:{أية : منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} تفسير : [غافر: 78] قوله تعالى: {إن كان كبر عليك إعراضهم} ذكر ابن الجوزي في سبب نزول هذه الآية: أن الحارث بن عامر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش فقال: ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات فإن فعلت آمنا بك فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الآية: وإن كان عظم عليك يا محمد إعراض هؤلاء المشركين عنك وعن تصديقك والإيمان بك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد الحرص وكان إذا سألوه آية أحب أن يريهم الله ذلك طمعاً في إيمانهم فقال الله عز وجل: {فإن استطعت أن تبتغي} يعني تطلب وتتخذ {نفقاً في الأرض} يعني سرباً في الأرض والنفق سرب في الأرض تخلص منه إلى مكان آخر {أو سلماً في السماء} يعني: أو تتخذ مصعداً إلى السماء والسلم المصعد وهو مشتق من السلامة {فتأتيهم بآية} يعني بالآية: التي سألوا عنها. ومعنى الآية وإن كان كبر وعظم عليك إعراض قومك عن الإيمان بك فإن قدرت أن تذهب في الأرض أو تصعد إلى السماء فتأتيهم بآية تدلهم على صدقك فافعل وإنما حسن حذف جواب الشرط لأنه معلوم عند السامع والمقصود من هذا أن يقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعه عن إيمانهم ولا يتأذى بسبب إعراضهم عنه وعن الإيمان به ويدل عليه قوله تعالى: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} أخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم إنما تركوا الإيمان وأعرضوا عنه وأقبلوا على الكفر بمشيئة الله تعالى ونافذ قضائه فيهم وأنه لو شاء لجمعهم على الهدى: {فلا تكونن من الجاهلين} يعني بأن لو شاء الله لجمعهم على الهدى وأنه يؤمن بك بعضهم دون بعض وقيل معناه لا يشتد تحسرك على تكذيبهم، إياك ولا تجزع من إعراضهم عنك فتقارب حال الجاهلين الذين لا صبر لهم وإنما نهاه عن هذه الحالة وغلَّظ له الخطاب تبعيداً له عن هذه الحالة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ} الآية. قال ابن جُرَيْجٍ، والضحاك: عَزَّىٰ اللَّه بهذه الآية نَبِيَّهُ ـــ عليه السلام ـــ ثم قَوَّى سبحانه رَجَاء نَبِيِّهِ فيما وَعَدَهُ من النصر، بقوله: {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ}، أي: لاَ رَادَّ لأَمْرِهِ، وكلماته السابقة بما يكون، فكأن المعنى: فاصبر كما صَبَرُوا، وانتظر ما يأتي، وَثِقْ بهذا الإخبار، فإنه لا مُبَدِّلَ له. وقوله تعالى: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ...} الآية فيها إلزام الحجة للنبي صلى الله عليه وسلم وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين أنْ لاَ وَجْهَ إلا الصَّبر، والمعنى: إن كنت تعظم تكذيبهم، وكفرهم على نَفْسِكَ، وتلتزم الحُزْنَ، فإن كنت تقدر على دُخُولِ سَرَبٍ في أعماق الأرض، أو على ارْتِقَاءِ سُلَّمٍ في السماء، فافعل، أي: ولست بِقَادِرٍ على شيء من هذا، ولا بُدَّ لك من التزام الصَّبْرِ، واحتمال المشقة، {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} في أن تَأْسَفَ وتحزن على أَمْرٍ أراده اللَّه، وأمضاه. وروى الدَّارَقُطْنِيُّ في «سننه» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: «حديث : إذا أَصَابَ أَحَدَكُمْ هَمٌّ أوْ حُزْنٌ فليقل سَبْعَ مَرَّاتٍ: اللَّه اللَّه رَبِّي لاَ أُشْرِكُ به شَيْئاً»تفسير : انتهى من «الكوكب الدُّري». و {فَتَأْتِيَهُم بِـئَايَةٍ} أي: بعلامة. وقال مَكّي، والمَهْدوي: الخِطَابُ بقوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} للنبي صلى الله عليه وسلم والمُرَادُ أمته، وهذا ضَعِيفٌ لا يقتضيه اللفظ. قلت وما قاله * ع *: فيه عندي نَظَرٌ؛ لأن هذا شَأْنُ التأويل إخراج اللَّفْظِ عن ظاهره لموجب، عَلَى أن أَبَا محمد مَكِّيًّا ـــ رحمه اللَّه ـــ نَقَلَ هذا القول عن غيره نَقْلاً، ولفظه: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} أي: ممن لا يعلم أن اللَّه لو شَاءَ لَجَمَعَ على الهُدَى جميع خَلْقِهِ. وقيل: معنى الخطاب لأُمَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين، ومثله في القرآن كثير. انتهى من «الهِدَايَةِ». وقوله سبحانه: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} هذا من النَّمَطِ المُتَقَدِّمِ في التسلية، أي: لا تحفل بمن أعرض، فإنما يَسْتَجِيبُ لداعي الإيمان الذين يَفْهَمُونَ الآيات، ويتلقون البَرَاهِينَ بالقَبُولِ، فعبر عن ذلك كله بـــ {يَسْمَعُونَ} إذ هو طريق العلم، وهذه لفظة تستعملها الصُّوفِيَّةُ ـــ رضي اللَّه عنهم ــــ إذا بلغت المَوْعِظَةُ من أحد مبلغاً شافياً، قالوا: سمع. ثم قال تعالى: {وَٱلْمَوْتَىٰ} يُرِيدُ الكفار أي: هم بمَثَابَةِ الموتى، فعبر عنهم بِضِدِّ ما عبر عن المؤمنين، وبالصفة التي تُشْبِهُ حالهم في العَمَىٰ عن نور اللَّه، والصَّمَمِ عن وَعْيِ كلماته. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة. و {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} يحتمل معنيين: قال الحسن: معناه يبعثهم بأن يُؤْمنوا حين يوفقهم، وقراءة الحسن «ثم إليه تُرْجَعُون» بالتاء من فوق، فَتَنَاسَبَت الآية. وقال مجاهد، وقتادة: {وَٱلْمَوْتَىٰ} يريد الكفار {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ}، أي: يَحْشرهم يوم القيامة، {ثُمَّ إِلَيْهِ}، أي: إلى سَطْوته، وعقابه يرجعون.
ابن عادل
تفسير : لما أزال الحُزْنَ عن قَلْبِ رسوله - عليه الصلاة والسلام - في الآية الأولى بأن بَيَّنَ أن تكذيبهم يَجْريِ مجرى تكذيب الله - تعالى - ذكر في هذه الآية طريقاً آخر في إزالةِ الحُزْنِ عن قلبه وذلك بأنْ بَيَّنَ أن سائر الأمم عاملوا أنبياءهم بمثلِ هذه المعاملة، وأن أولئك صَبَرُوا على تكذيبهم وإيذائهم حتى آتاهم الله النَّصْرَ والفَتْحَ والظَّفر، فوجب أن يقتدي بهم في هذه الطريقة. قوله: "من قبلك" متعلّق بـ "كَذَّبت". ومنع أبو البقاء يكون صفة لـ "رسل"؛ لأنه زَمَانٌ، والزَّمَانُ لا تُوصَفُ به الجُثَثُ، وقد تقدَّم البَحْثُ في ذلك في "البقرة"، وهنا عند قوله: {أية : وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً} تفسير : [الأنعام:6]. قوله: "وأوذُوا" يجوز فيه أربعة أوجه: أظهرها: أنه عَطْفٌ على قوله: "كُذِّبَتْ" أي: كُذِّبت الرُّسُلُ، وأوذوا, فصبروا على ذلك. والثاني: أنه مَعْطُوفٌ على "صَبَرُوا" أي: فَصَبَرُوا وأوذوا. والثالث، وهو بَعِيدٌ: أن يكون مَعْطُوفاً على "كُذِّبوا"، فيكون دَاخِلاً في صلة الحرف المَصْدَرِيّ، والتَّقْدِير فيه: فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم. والرابع: أن يكون مُسْتَأنفاً. قال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون الوَقْفُ ثَمَّ على قوله: "كُذِّبوا"، ثم استأنف فقال: وأوذُوا". وقرأ الجُمْهُور: "وأوذُوا" بواو بعد الهمزة؛ [من "آذى" "يؤذي" رباعياً. وقرأ ابن عامر في رواية شاذّةٍ: "وأذُوا" من غير واو بعد الهمزة] وهو من "أذَيْتُ" الرجل ثلاثياً لا من "آذيت" رباعياً. قوله: {حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} الظَّاهر أن هذه الغايةَ متعلقةٌ بقوله: "فصبروا"، أي: كان غَايَةُ صَبْرِهِمْ نَصْرَ الله إياهم، وإن جَعَلْنَا "وأوذُوا" عَطْفاً عليه كانت غَايَةٌ لهما؛ وهو أوضح وإن جعلناه مُسْتَأنَفاً كانت غَايَةً له فقط، وإن جعلناه معطوفاً على "كَذَّبت" فتكون الغايةُ للثلاثة، و"النصر" مُضَافاً لفاعله ومفعوله مَحْذُوفٌ، أي: نَصْرُنَا أتَاهم، وفيه التِفَاتٌ من ضمير الغَيْبَةِ إلى ضمير المتكلِّم، إذ قَبْله "بآيات الله"، فلو جاء على ذلك لقيل "نصره". وفائدة الالتِفَاتِ إسْنَادُ النصر إلى ضمير المتكلّم المشعر بالعظمة. قوله: "ولا مُبَدِّل لِكلمَاتِ اللَّهِ" يعني أن وَعْدَ الله إيَّاك بالنصر حَقٌ وصدقٌ لا يمكن تَطَرُّقٌ الخُلْفِ والتبديل إليه، كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُون} تفسير : [الصافات:171، 172] وقوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ} تفسير : [المجادلة:21] وهذه الآية تَدُلُّ على قول أهل السُّنَةِ في خَلْقِ الأفعال؛ لأن كل كا أخبر الله عن وُقُوعِهِ، فذلك الخبرُ مُمْتَنِعُ التغيير، وإذا امتنع تَطَرُّقُ التغيير إلى ذلك الخبر امتنع [تطرق التغيير إلى المخبر عنه] فإذا أخبر الله عن بعضهم بأنه يَمُوتُ على الكُفْرِ كان ترك الكفر منه مُحَالاً، فكان تَكْلِيفُهُ بالإيمان تَكْلِيفاً بما لا يُطَاقُ، واللَّهُ أعلمُ. قوله: {وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي: خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ودمَّرنا قومهم. وفي فاعل "جاء" وجهان: أحدهما: هو مُضْمرٌ، واختلفوا فيما يَعُودُ عليه هذا الضمير، فقال ابن عطية الصَّوابُ عندي أن يقدر "جلاء" أو بيان". وقال الرُّمَّاني: تقديره: "نبأ". وقال أبو حيَّان: "الذي يظهر لي أنَّهُ يعود على ما دلَّ عليه المعنى من الجملة السَّابقة، أي: ولقد جاءك هذا الخَبَرُ من تكذيب أتْبَاع الرُّسُلِ للرُّسُلِ، والصَّبْر والإيذاء إلى أن نُصِرُوا". وعلى هذه الأقوال يكون "من نبأ المرسلين" في مَحَلِّ نصب على الحال وعاملها هو "جاء"؛ لأنه عامل في صاحبها. والثاني: أنَّ "من نبأ" هو الفاعل. ذكر الفارسي، وهذا إنما يَتَمشَّى له على رأي الأخفش؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئاً، وهذا - كما رأيت - كلامٌ مُوجبٌ، والمجرور بـ "مِنْ" معرفةٌ. وضُعفَ أيضاً من جهة المعنى بأنه لم يَجئه كُلُّ نبأ للمرسلين؛ لقوله: { أية : مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} تفسير : [غافر:78]، وزيادة "مِنْ" تؤدِّي إلى أنه جاءه جميع الأنباء؛ لأنه اسم جنس مُضَاف، والأمْرُ بخلافه. ولم يتعرّض الزمخشري للفاعل إلاَّ أنه قال: "ولقد جاءك من نبأ المرسلين بعضُ أنبائهم وقصصهمْ" وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ إذ "مِنْ" لا تكون فاعلة، ولا يجوز أن يكون "من نبأ" صِفَةً لمحذوف هو الفاعل، أي: ولقد جاءكَ نبأ من نبأ المرسلين؛ لأن الفاعل لا يُحْذّفُ بحالٍ إلاَّ في مواضعَ ذُكِرَت، كذا قالوا. قال أبو البقاء: "ولا يجوز عند الجميع أن تكون "من" صفة لمحذوف، لأن الفاعل لا يُحْذَفُ، وحرف الجر إذا لم يكون زائداً لم يصحَّ أن يكون فاعلاً؛ لأن حرف الجر يُعَدّي كل فعل يعمل في الفاعل من غير تعدِّ". يعني بقوله: "لم يصح أن يكون فاعلاً" لم يصح أن يكون المجرور بذلك الحرف، وإلاَّ فالحرفُ لا يكونُ فاعلاً ألْبَتَّةَ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا} قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، ويخبره أن الرسل قد كذبت قبله فصبروا على ما كذبوا حتى حكم الله وهو خير الحاكمين. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {ولقد كذبت رسل من قبلك} قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ولقد كذبت رسل من قبلك ...} الآية. قال يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم .
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} افتنانٌ في تسليته عليه الصلاة والسلام فإن عمومَ البلية ربما يهوِّنُ أمرَها بعضَ تهوين، وإرشادٌ له عليه الصلاة والسلام إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام في الصبر على ما أصابهم من أممهم من فنون الأَذِيَّة، وعِدَةٌ ضِمْنية له عليه الصلاة والسلام بمثل ما مُنِحوه من النصر. وتصديرُ الكلام بالقسم لتأكيد التسلية وتنوينُ (رسلٌ) للتفخيم والتكثير، و(من) إما متعلقةٌ بكُذِّبت أو بمحذوفٍ وقع صفةً (لرسلٌ) أي وبالله لقد كذِّبت من قبل تكذيبك رسلٌ أولو شأنٍ خطير وذوُو عددٍ كثير أو كُذبت رسل كانوا من زمان قبلَ زمانك {فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذّبُواْ} ما مصدرية وقوله تعالى {وَأُوذُواْ} عطف على (كُذبوا) داخلٌ في حكمه فأنسبك منهما مصدران من المبنيِّ للمفعول أي فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم فتأسَّ بهم واصطبِرْ على ما نالك من قومك، والمرادُ بإيذائهم إما عينُ تكذيبهم وإما ما يقارنه من فنون الإيذاء لم يُصرَّحْ به ثقةً باستلزام التكذيب إياه غالباً، وأياً ما كان ففيه تأكيدٌ للتسلية، وقيل: عطفٌ على صبروا وقيل: على كذبت، وقيل: هو استئناف وقوله تعالى: {حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا} غايةٌ للصبر، وفيه إيذانٌ بأن نَصره تعالى إياهم أمرٌ مقرَّر لا مرد له وأنه متوجه إليهم لا بد من إتيانه البتةَ، والالتفاتُ إلى نون العظمة لإبراز الاعتناء بشأن النصر وقوله تعالى: {وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ} اعتراض مقرِّرٌ لما قبله من إتيان نصرِه إياهم والمراد بكلماته تعالى ما يُنْبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الصافات، الآية 171 - 173] وقولُه تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى}تفسير : [المجادلة، الآية 21] من المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام الدالة على نُصرة رسول الله أيضاً لا نفسُ الآياتِ المذكورة ونظائرُها، فإن الإخبارَ بعدم تبدّلِها إنما يفيد عدمَ تبدلِ المواعيدِ الواردةِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام ويجوزُ أن يُرادَ بكلماته تعالى جميعُ كلماته التي من جملتها تلك المواعيدُ الكريمةُ ويدخل فيها المواعيدُ الكريمة، ويدخل فيها المواعيدُ الواردة في حقه عليه الصلاة والسلام دخولاً أولياً، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية من موجبات أن لا يغالبه أحدٌ في فعلٍ من الأفعال ولا يقعَ منه تعالى خُلْفٌ في قول من الأقوال وقوله تعالى: {وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} جملة قَسَمية جيءَ بها لتحقيق ما مُنحوا من النصر وتأكيدِ ما في ضِمْنه من الوعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لتقرير جميع ما ذكِر من تكذيب الأمم وما ترتّب عليه من الأمور. والجارُّ والمجرور في محل الرفع على أنه فاعل إما باعتبار مضمونِه أي بعضُ نبأ المرسلين كما مر في تفسير قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ }تفسير : [العنكبوت، الآية 10] الآية، وأياً ما كان فالمرادُ بنَبَئِهم عليهم السلام على الأول نصرُه تعالى إياهم بعد اللُّتيا والتي، وعلى الثاني جميعُ ما جرى بـينهم وبـين أممهم على ما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ } تفسير : [البقرة، الآية 214] الآية، وقيل: في محل النصب على الحالية من (الضمير) المستكنِّ في جاء العائدِ إلى ما يُفهم من الجملة السابقة أي ولقد جاءك هذا الخبر كائناً من نبأ المرسلين.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} [الآية: 34]. قال الواسطى رحمة الله عليه: طيب قلب نبيه صلى الله عليه وسلم بما خالفوه به من أنواع الخلاف لئلا يشق عليه حال الإبلاغ. قوله تعالى: {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ}. قيل: لا مغير لها لما أجرى فى الأزل عند ظهورها في الأبد، والأزل والأبد عنده واحد ولا أزل ولا أبد حقيقة.
القشيري
تفسير : يعني إنَّ مَنْ سَلَكَ سبيلَنا صبر على ما أصابه من حديثنا، فلا خَسِرَتْ فينا صفقتُه، ولا خَفِيَتْ علينا حالتُه، وما قَابَلَ حُكْمَنَا مَنْ عَرَفَنَا إلا بالمُهج، وما حملوا ما لقوا فينا إلا على الحدق: شعر : إنَّ الأُلى ماتوا على دين الهوى وجدوا المنيةَ منهلاً معسولا
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد كذبت رسل من قبلك} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فان البلية اذا عمت طابت اى وبالله لقد كذبت من قبل تكذيبك رسل اولو شأن خطير وذوا عدد كثير او كذبت رسل كانوا من زمان قبل زمانك {فصبروا على ما كذبوا وأوذوا} اى على تكذيبهم وايذائهم {حتى أتٰهم نصرنا} اى كان غاية صبرهم نصر الله تعالى اياهم فتأس بهم واصطبر على ما نالك من قومك والنصر الموعود للصابرين يحتمل ان يكون بطريق اظهار الحجج والبراهين ويحتمل ان يكون بطريق القهر والغلبة او باهلاك الاعداء: قال الحافظ شعر : اى دل صبور باش ومخور غم كه عاقبت اين شام صبح كردد واين شب سحر شود تفسير : وقال ايضا شعر : كرت جو نوح نبى صبر هست برغم طوفان بلا بكردد وكام هزار ساله بر آيد تفسير : {ولا مبدل لكلمات الله} اى مواعيده بالنصرة والغلبة كما قال تعالى {أية : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} تفسير : {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} اى من خبرهم ما يسكن به قلبك وهو نصره تعالى اياك. وقال المولى ابو السعود والجار والمجرور فى محل الرفع على انه فاعل اما باعتبار مضمونه اى بعض نبأ المرسلين او بتقدير الموصوف اى بعض من نبأ المرسلين.
الطوسي
تفسير : سلى الله تعالى بهذه الآية نبيه (صلى الله عليه وسلم) بان اخبر ان الكفار قد كذبوا رسلا من قبلك، وصبر الرسل على تكذيبهم وعلى ما نالهم من أذاهم، وتكذيب الكفار لهم، حتى اذا جاء نصر الله اياهم علىْ المكذبين، فمنهم من نصرهم عليهم بالحرب ومكنهم من الظفر بهم حتى قتلوهم، ومنهم من نصرهم عليهم بان أهلكهم واستأصلهم كما أهلك عادا وثمودا وقوم نوح ولوط، وغيرهم. فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) بالصبر على كفار قومه وأذاهم الى ان يأتيه نصره كما صبرت الانبياء. وقوله {لا مبدل لكلمات الله} معناه لا أحد يقدر على تكذيب خبر الله على الحقيقة، ولا على إِخلاف وعده فان ما أخبر الله به ان يفعل بالكفار، فلا بد من كونه لا محالة، وما وعدك به من نصره فلا بد من حصوله، لانه لا يجوز الكذب في اخباره، ولا الخلف في وعده. وقيل: معناه انه لا مبطل لحججه وبراهينه ولا مفسد لادلته. وقوله {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} معناه انه لا تبديل لخبر الله ولا خلف لذلك ولا تكذيب، وان ما أخبر الله به ان ينزله بالكفار فانه سيفعل بهم كما فعل بأمم من تقدم من الانبياء الذين أنزل الله عليهم العذاب واستأصلهم بتكذيبهم أنبياءهم وعرفك أخبارهم على صحتها.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} فتأسّ بهم واصبر ولا تحزن {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} عطف باعتبار المعنى او جملة حاليّة كأنّه قال: لا مانع من نصر الله ولا مبدّل لكلمات الله اى مواعيده وآياته العظمى من الرّسل واوصيائهم (ع)، او آياته بالقهريّة من مظاهر الشّرور فانّه لا يقدر احد على تبديلهم عمّا هم عليه {وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} واقوامهم وانّ الغلبة بالاخرة لهم على اقوامهم لا لاقوامهم عليهم.
اطفيش
تفسير : {ولقد كُذِّبتْ رسلٌ من قَبْلك} كثيرة عظام، ومن قبلك نعت رسل، أو متعلق بكذب، هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه له، وهذا مما يدل على التفسير الأخير فى قوله: {فإنهم لا يكذبونك} وهو أن المعنى أنهم لا يصيرونك كاذباً بجحودهم، سواء جحدوا بألسنتهم فقط أو بها وبقلوبهم، لأن الرسل قبله كذبتم أممهم بألسنتهم قلوبهم، أو بعض كذلك وبعض بألسنتهم. {فَصبرُوا على ما كُذِّبُوا وأوذُوا} عطف على كذبوا، وما مصدرية، أى فصبروا على تكذيبهم وإذائهم، ويجوز عطفه على كذبت رسل، أى كذبت رسل من قبلك وأوذوا، وإذا عطف على واحد قدر مثله للآخر، وكأنه قيل: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، وذلك أنه لا يحسن أن يقال: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا فصبروا على التكذيب فقط دون الإيذاء، ولا أنهم كذبوا فقط صبروا على ما كذبوا وأوذوا معاً. {حتَّى أتاهُم نصْرنَا} حتى ابتدائية، ولا تخلوا عن معنى الغاية لأنها كفاء السببية، وهى للربط والاتصال، فاصبر على التكذيب والإيذاء كما صبرت الرسل من قبلك، ويأتيك نصرنا كما أتاهم نصرنا، وتفريع حتى أتاهم نصرنا على صبروا أولى من تفريعه على كذبوا وأوذوا، والمراد بالنصر القهر والغلبة، أو إهلاك الأعداء، أو إظهار البراهين والحجج، والآية، وعد النصر للصابرين. {ولا مَبْدل لكَلماتِ الله} مواعيده، وهى قوله: {أية : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} تفسير : الآيات، إذ تتضمن غلبة الرسل، وقوله: {أية : فإن حزب الله هم الغالبون}تفسير : وقوله: {أية : كتب الله الأغلبن أنا ورسلى} تفسير : ونحو ذلك. {ولَقَد جَاءك مِنْ نبإِ المرْسَلين} من صلة للتأكيد وبناء فاعل عند الأخفش، المجيز زيادة من فى الإيجاب والتعريف، والمانع يجعلها للتبعيض تتعلق بمحذوف وجوباً نعت لفاعل محذوف، أى جاءك شئ ثابت حق نبأ المرسلين، أى شئ هو بعض نبأ المرسلين، ونبأهم هو خبرهم الواقع بينهم وبين أمهم، إذ كانت أممهم تؤذيهم ويصبرون ويكذبونهم، فما يمنعهم التكذيب عن التبليغ والتكرير، وروى أن بعض المشركين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نفر من قريش فقالوا: يا محمد ائتنا بآية من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل، فإنا نصدق بك، فأبى الله أن يأتيهم بها، فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق ذلك عليه فنزل قوله تعالى:
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} وعموم البلوى مما يهونها بعض تهوين {فَصَبَروا} قبلك {عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} هذا يدل على أن قوله يكذبونك ليس نفياً للكذب مطلقاً، بل نفياً له بالنظر ليعضهم، أَو باعتبار أَن قائله كذب لا أَنت، أَو باعتبار أَن الله قال لهم إِن ذلك تكذيب لى، وكأَنه قيل، ولقد كذبت رسل كثيرون عظام من قبل تكذيبك، أَو رسل كذلك ثابتون قبلك، كما قال الله، {وإِن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك}، فصبروا على تكذيبهم وإِيذائهم حتى نصرناهم، فاصبر على تكذيب قومك وإِيذائهم إِياك كما صبروا ننصرك كما نصرناهم، وذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم ووعد بالنصر وتفريع بالنصر على الصبر، فإِن حتى تفريع على صبروا لا على أوذوا، ويجوز كونه تفريعاً عليهما وعلى كذبت، وأوذوا عطف على كذبوا وما مصدر، وتنكير رسل للتعظيم والتكثير، والمراد الإِيذاء الضرب والخنق والرمى بالحجارة، أو تأثير مضرة الكذب فيهم فإِنه ليس عين التكذيب، ومقتضى الظاهر نصره، وقال نصرنا بإِشعار التكلم بالعظمة {وَلاَ مُبَدِّلَ} لا أَنا ولا غيرى، على أَن المتكلم يدخل فى عموم كلامه، وعلى عدم الدخول ينتفى عن الله تعالى أَن يكون مبدلا لكلامه لا وعده ولا وعيده، لأَن ذلك من شأن من يجهل العاقبة، {لِكَلِمَاتِ اللهِ} الأَشياء التى قضاها الله وتكلم بها لخلقه، وكذلك ما لم يخبرهم به لا يتبدل، فالنصر الموعود به لا بد من وقوعه، إِما بالإِهلاك بما شاءَ وإما بالقتل، أَو بالحجج بأَن يكونوا أَولا على محسوسة بل معقولة ثم تأْتيهم محسوسة، وهذا كقوله تعالى "أية : ولقد سبقت كلمتنا"تفسير : [الصافات: 171] إلخ، إِلا أَنه جمع هنا على الأَصل من التعدد، وأَفرد هنالك باعتبار الاتحاد فى معنى واحد وهو القضاء، أَو أَراد بالكلمات التلويح إِلى قوله تعالى "أية : ولقد سبقت كلمتنا" تفسير : [الصافات: 171] إِلخ، وقوله "أية : كتب الله لأَغلبن" تفسير : [المجادلة: 21] إِلخ، ونحو ذلك {وَلَقدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ} أَى خبر، وإِنما يذكر فيما له شأن كما هنا، وقيل للخبر مطلقاً {الْمُرْسَلِينَ} أَى جاءَك هو، أَى هذا الخبر المذكور، أَو جاءَك النبأ ثابتاً من نبإ المرسلين، أَو جاءَك شئ ثابت من نبإ المرسلين، فناب عن الفاعل نعته، أَو الفاعل من بمعنى بعض مضافة إِلى نبإ أَى خبر المرسلين وما كابدوا أَقوامهم، كقوله تعالى: "أية : أَم حسبتم أَن تدخلوا الجنة"تفسير : [البقرة: 214] إِلخ، وروى أَنه أَتى بعض رؤساء قريش فى نفر منهم، ويقال الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، فقالوا: يا محمد إيتنا بآية من عند الله كما تفعل الأَنبياء، فإِنا نصدقك فأَبى الله أَن يأْتيهم بها فأَعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى، {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى الأَرْضِ أَو سُلَّماً فى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} يطلبونها تضطرهم إِلى الإِيمان فافعل ما استطعت من ذلك، وهذا أَمر تعجيز، وفى الآية تضمن لمدح النبى صلى الله عليه وسلم بمبالغته فى حب الخير لهم، والحرص على إِسلامهم مع أَنهم جفوه وآذوه، {أية : لعلك باخع نفسك} تفسير : [الشعراء: 3]، إِلخ. وبأَنه يغضب إِذا غضب لله عز وجل لا لنفسه، وكبر شق وإِنما كان بإِن الموضوعة لغير المتحقق مع أَن شق ذلك عليه متحقق نظراً إِلى إِخفائه فى قلبه، أَو إِلى ما يستقبل من الشق عليه المحتمل بحسب الظاهر، ولو تحقق عند الله الأمر، وقيل إِن نفس الصعود والدخول فى النفق هو الآية، ويرده أَن قولهم فتأتيهم بآية ينافيه، وأَن الآية غيرهما، ولا يصح ذلك إِلا على معنى فتكون قد أَتيتهم بآية وهو تأويل يحتاج لدليل، واسم كان ضمير الشأن، أَو تنازع هو وكبر فى إِعراض، والمراد إِعراضهم عن الإِيمان بك، وبما جئت به، وجملة إِن شرطها وجوابها المقدر جواب إِن الأولى، وتبتغى طلب، والنفق منفذ فيه إِلى جوف الأَرض، وعن ابن عباس يهرب به، وأَصله نافقاء اليربوع، إِذ يحفر إِلى أَسفل ثم يصعد من جانب إِلى الأَعلى ليتخلص منه إِذ طلب، والسلم المصعد، وفى الأَرض نعت نفقاً، سمى للسلامه به إِلى ما يصعد إِليه، وفى السماء نعت لسلما، أَو يتعلقان بنفقا وسلما لتضمنهما معنى الحدث لأَن المراد إِن تنفذ إِلى جوف الأَرض فتأتيهم من جوفها بآية، وتصعد إِلى السماء فتدخلها فتأْتيهم منها بآية. أَو يتعلقان بتبتغى، ويضعف جعلهما حالا من ضمير تبتغى. والشرط الثانى وجوابه جواب الأَول، ويضعف ما قيل إِن ذلك قطع لطمعه عن إِيمانهم، وأَن لا يتأَذى بكفرهم، ولو ناسبه قوله تعالى {وَلَوْ شَاءَ اللهُْ} جمعهم على الهدى، ولو شاءَ الله هدايتهم لأَنها حاصل معنى جواب لو {لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} بالتوفيق لكن لم يشأ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فإِنه لا يحدث شئ إِلا بإِرادة الله عز وجل ومشيئته، فهو سبحانه مريد لكفرهم خالق له ولداعيته، وقدرة العبد صالحة للضدين غير كافية فى تعيين أَحداهما، ولو قدر على التعيين لتسلسل وبطل قول المعتزلة أَن الله عز وجل لا يريد من العبد إِلا الإِيمان والطاعة والمباح، فزعموا أَن معنى الآية لو شاءَ الله أَن يلجئهم إِلى الإِيمان لجمعهم عليه بأَن يعلمهم أَنه قد قضى أَنهم لو حاولوا أَن لا يؤمنوا لمنعهم من أَن لا يؤمنوا فيؤمنوا فيكون إِيمان اضطرار وهو مناف للتكليف بالإِيمان اختياراً الذى يترتب عليه الجزاء، إِذ لا جزاء في الإجبار، فلزم المعتزلة أَن يكون الله مقهوراً إِذ وقع فى ملكه ما لم يرده حاشاه، وزعموا أَنه يجب على الله اللطف، وهو عبارة عما يبعد عن المعصية، وأَخطأُوا وقيل يجمعهم على التقى معكم، {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ} بالحرص على ما لا يكون بعد علمك أَن الله قضى فى قوم مخصوصين أَن لا يؤمنوا، وذلك أَن حرصه قبل ذلك ليس جهالة وهو بعد العلم غير حارص، فالمعنى دم على أَن لا تكون من الجاهلين بالحرص على إِيمانهم. والجهالة الذنب ولو علم صاحبه أَنه ذنب لجريانه على غير مقتضى العلم فكأَنه لم يعلم، وقيل المراد بالجاهلين المقترحون الآية. بمعنى لا تساعدهم على اقتراحهم، وقيل: المعنى لا تجزع فى موطن الصبر فيقارب حالك حال الجاهلين، وزاد تأْكيداً لنفى إِيمانهم بقوله.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} تسلية إثر تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن عموم البلوى ربما يهونها بعض تهوين / وفيه إرشاد له عليه الصلاة والسلام إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام في الصبر على الأذى وعدة ضمنية بمثل ما منحوه من النصر، وتصدير الكلام بالقسم لتأكيد التسلية، وتنوين {رسل} للتفخيم والتكثير، و (من) متعلقة بكذبت، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع صفة لرسل، ورده أبو البقاء بأن الجثة لا توصف بالزمان، وفيه منع ظاهر، والمعنى تالله لقد كذبت من قبل تكذيبك رسل أولو شأن خطير وعدد كثير أو كذبت رسل كانوا من زمان قبل زمانك. {فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذّبُواْ} (ما) مصدرية وقوله: {وَأُوذُواْ } عطف على {كذبوا} داخل في حكمه، ومصدر كذب التكذيب، «وآذى أذى وأذاة وأذية» كما في «القاموس» وإيذاء كما أثبته الراغب وغيره، وقول صاحب «القاموس»: «ولا تقل إيذاء» خطأ، والذي غرَّه ترك الجوهري وغيره له، وهو وسائر أهل اللغة لا يذكرون المصادر القياسية لعدم الاحتياج إلى ذكرها، والمصدران هنا من المبني للمفعول وهو ظاهر أي فصبروا على تكذيب قومهم لهم وإيذائهم إياهم فتأس بهم واصبر على ما نالك من قومك، والمراد بإيذائهم إما عين تكذيبهم أو ما يقارنه من فنون الإيذاء، - واختاره الطبرسي - ولم يصرح به ثقة باستلزام التكذيب إياه غالباً، وفيه تأكيد للتسلية، وجوز العطف على {كذبت} أو على {صبروا} وجوز أبو البقاء أن يكون هذا استئنافاً ثم رجح الأول. وقوله سبحانه: {حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا} غاية للصبر، وفيه إيماء إلى وعد النصر للصابرين، وجوز أن يكون غاية للإيذاء وهو مبني على احتمال الاستئناف، والالتفات إلى نون العظمة للإشارة إلى الاعتناء بشأن النصر. {وَلا مُبَدِّلَ لكلَمَات الله} تقرير لمضمون ما قبله من إتيان نصره سبحانه إياهم، والمراد بكلماته تعالى ـ كما قال الكلبـي وقتادة ـ الآيات التي وعد فيها نصر أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الدالة على نصر النبـي صلى الله عليه وسلم أيضاً كقوله تعالى { أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] وقوله عز شأنه: { أية : إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الصافات: 172-173] وجوز أن يراد بها جميع كلماته سبحانه التي من جملتها الآيات المتضمنة للمواعيد الكريمة ويدخل فيها المواعيد الواردة في حقه صلى الله عليه وسلم دخولاً أولياً. والالتفات إلى الاسم الجليل ـ كما قيل ـ للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية من موجبات أن لا يغالبه سبحانه أحد في فعل من الأفعال ولا يقع منه جل شأنه خلف في قول من الأقوال، وظاهر الآية أن أحداً غيره تعالى لا يستطيع أن يبدل كلمات الله عز وجل بمعنى أن يفعل خلاف ما دلت عليه ويحول بين الله عز اسمه وبين تحقيق ذلك وأما أنه تعالى لا يبدل فلا تدل عليه الآية، والذي دلت عليه النصوص أنه سبحانه ربما يبدل الوعيد ولا يبدل الوعد. {وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} تقرير أي تقرير لما منحوا من النصر وتأكيد لما أشعر به الكلام من الوعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو تقرير لجميع ما ذكر من تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام وإيذائهم ونصرهم، والنبأ كالقصص لفظاً ومعنى. وفي «القاموس» «النبأ محركة الخبر جمعه أنباء» وقيده بعضهم - وقد مرت الإشارة إليه - بما له شأن، وهو عند الأخفش المجوز زيادة من في الإثبات وقبل المعرفة مخالفاً في ذلك لسيبويه فاعل (جاء)، وصحح أن الفاعل ضمير مستتر تقديره هو أي النبأ أو البيان. والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً منه، وقيل ـ وإليه يشير كلام الرماني ـ إنه محذوف والجار والمجرور صفته أي ولقد جاءك نبأ كائن من نبأ المرسلين، وفيه أن الفاعل لا يجوز / حذفه هنا، وقال أبو حيان: «الذي يظهر لي أن الفاعل ضمير عائد على ما دل عليه المعنى من الجملة السابقة أي ولقد جاءك هذا الخبر من التكذيب وما يتبعه». وقيل ـ وربما يشعر به كلام «الكشاف» ـ: إن (من) هي الفاعل، والمراد بعض أنبائهم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : فإنّهم لا يكذّبونك}تفسير : [الأنعام: 33] أو على جملة {أية : ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون}تفسير : [الأنعام: 33]. ويجوز أن تكون الواو واو الحال من الكلام المحذوف قبل الفاء، أي فلا تحزن، أو إن أحزنك ذلك فإنّهم لا يكذّبونك والحال قد كذّبت رسل من قبلك. والكلام على كلّ تقدير تسلية وتهوين وتكريم بأنّ إساءة أهل الشرك لمحمد ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ هي دون ما أساء الأقوام إلى الرسل من قبله؛ فإنّهم كذّبوا بالقول والاعتقاد وأمّا قومه فكذّبوا بالقول فقط. وفي الكلام أيضاً تأسَ للرسول بمن قبله من الرسل. ولام القسم لتأكيد الخبر بتنزيل الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة من ذهل طويلاً عن تكذيب الرسل لأنّه لمّا أحزنه قول قومه فيه كان كمن بعُد علمه بذلك. و{من قبلك} وصف كاشف لِـ {رُسل} جيء به لتقرير معنى التأسّي بأنّ ذلك سنّة الرسل. وفي موقع هذه الآية بعد التي قبلها إيماء لرجاحة عقول العرب على عقول من سبقهم من الأمم، فإنّ الأمم كذّبت رسلها باعتقاد ونطق ألسنتها، والعرب كذّبوا باللسان وأيقنوا بصدق الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ بعقولهم التي لا يروج عندها الزيف. و(ما) مصدرية، أي صبروا على التكذيب، فيجوز أن يكون قوله {وأوذوا} عطفاً على {كذّبوا} وتكون جملة {فصبروا} معترضة. والتقدير: ولقد كذّبت وأوذيَت رسل فصبروا. فلا يعتبر الوقف عند قوله {على ما كذّبوا} بل يوصل الكلام إلى قوله {نَصْرُنَا}، وأن يكون عطفاً على {كُذّبت رسل}، أي كذّبت وأوذوا. ويفهم الصبر على الأذى من الصبر على التكذيب لأنّ التكذيب أذى فيحسن الوقف عند قوله: {على ما كذّبوا}. وقرن فعل {كذّبت} بعلامة التأنيث لأنّ فاعل الفعل إذا كان جمع تكسير يرجّح اتِّصال الفعل بعلامة التأنيث على التأويل بالجماعة. ومن ثمّ جاء فعلا {فصبروا} و{كذّبوا} مقترنين بواو الجمع، لأنّ فاعليهما ضميران مستتران فرجح اعتبار التذكير. وعطف {وأوذوا} على {كذّبت} عطف الأعمّ على الأخصّ، والأذى أعمّ من التكذيب، لأنّ الأذى هو ما يسوء ولو إساءة مّا، قال تعالى: {أية : لن يضرّوكم إلاّ أذى}تفسير : [آل عمران: 111] ويطلق على الشديد منه. فالأذى اسم اشتقّ منه آذى إذا جعل له أذى وألحقه به. فالهمزة به للجعل أو للتصيير. ومصادر هذا الفعل أذى وأذَاة وأذيَّة. وكلّها أسماء مصادر وليست مصادر. وقياس مصدره الإيذاء لكنّه لم يسمع في كلام العرب. فلذلك قال صاحب «القاموس»: لا يقال: إيذاء. وقال الراغب: يقال: إيذاء. ولعلّ الخلاف مبني على الخلاف في أنّ القياسي يصحّ إطلاقه ولو لم يسمع في كلامهم أو يتوقّف إطلاقه على سماع نوعه من مادّته. ومن أنكر على صاحب «القاموس» فقد ظلمه. وأيّاً ما كان فالإيذاء لفظ غير فصيح لغرابته. ولقد يعدّ على صاحب «الكشاف» استعماله هنا وهو ما هو في علم البلاغة. و{حتَّى} ابتدائية أفادت غاية ما قبلها، وهو التكذيب والأذى والصبر عليهما، فإنّ النصر كان بإهلاك المكذّبين المؤذين، فكان غاية للتكذيب والأذى، وكان غاية للصبر الخاصّ، وهو الصبر على التكذيب والأذى، وبقي صبر الرسل على أشياء ممّا أمر بالصبر عليه. والإتيان في قوله: {أتاهم نصرنا} مجاز في وقوع النصر بعد انتظاره، فشبِّه وقوعه بالمجيء من مكان بعيد كما يجيء المنادى المنتظر. وتقدّم بيان هذا عند قوله تعالى: {أية : وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين}تفسير : في هذه السورة (4). وجملة {ولا مبدّل} عطف على جملة: {أتاهم نصرنا}. وكلمات الله وحيه للرسل الدّالّ على وعده إيّاهم بالنصر، كما دلّت عليه إضافة النصر إلى ضمير الجلالة. فالمراد كلمات من نوع خاصّ، فلا يرد أنّ بعض كلمات الله في التشريع قد تبدّل بالنسخ؛ على أنّ التبديل المنفي مجاز في النقض، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : فمَن بدّله بعدما سَمعَه}تفسير : في سورة [البقرة: 181]. وسيأتي تحقيق لهذا المعنى عند قوله تعالى: وتمّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً لا مبدّل لكلماته في هذه السورة (115). وهذا تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم بأنّ الله ينصره كما نصر من قبله من الرسل، ويجوز أن تكون كلمات الله ما كتبه في أزله وقدره من سننه في الأمم، أي أنّ إهلاك المكذّبين يقع كما وقع إهلاك من قبلهم. ونفي المُبدّل كناية عن نفي التبذيل، أي لا تبديل، لأنّ التبديل لا يكون إلاّ من مبدّل. ومعناه: أنّ غير الله عاجز عن أن يبدّل مراد الله، وأن الله أراد أن لا يبدّل كلماته في هذا الشأن. وقوله: {ولقد جاءك من نبإ المرسلين} عطف على جملة: {ولا مبدّل لكلمات الله}، وهو كلام جامع لتفاصيل ما حلّ بالمكذّبين، وبكيف كان نصر الله رسله. وذلك في تضاعيف ما نزل من القرآن في ذلك. والقول في {جاءك} كالقول في {أتاهم نصرُنا}، فهو مجاز في بلوغ ذلك وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم به. و(مِنْ) في قوله: {مِنْ نبأ} إمّا اسم بمعنى (بعض) فتكون فاعلاً مضافة إلى النبأ، وهو ناظر إلى قوله تعالى: {أية : منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك}تفسير : [غافر: 78]. والأحسن أن تجعل صفة لموصوف محذوف تقديره: لقد جاءك نَبَأ من نَبَأ المرسلين. والنبأ الخبر عن أمر عظيم، قال تعالى: {أية : عمّ يتساءلون عن النّبأ العظيم}تفسير : [النبأ: 1، 2]، وقال: {أية : قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون}تفسير : [ص: 67، 68]، وقال في هذه السورة (67) {أية : لكلّ نبإ مُسْتَقرّ وسوف تعلمون}.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَتَاهُمْ} {لِكَلِمَاتِ} {نَّبَإِ} (34) - يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى نَظَرَ رَسُولِهِ إِلَى مَا لاَقَاهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ مِنْ تَكْذِيبِ أَقْوَامِهِمْ لَهُمْ، فَصَبَرُوا عَلَى الإِيذَاءِ وَالتَّكْذِيبِ، حَتَّى جَاءَ نَصْرُ اللهِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَعَلَيْكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ أَنْ تَتَأَسَّى بِهِمْ، وَتَصْبِرَ، فَكَما جَاءَ نَصْرُ اللهِ مَنْ سَبَقَكَ مِنَ الرُّسُلِ، كَذَلِكَ سَيَنْصُرُكَ اللهُ عَلَى أَعْدَائِكَ الكَافِرِينَ، وَلاَ مُبَدِّلَ لَكَلِمَاتِ اللهِ التِي قَضَى فِيهَا أنَّ النَّصْرَ وَالعَاقِبَةَ سَتَكُونَانِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. وَلَقَدْ جَاءَكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ نَبَأُ نَصْرِ اللهِ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُمْ وَعَادَاهُمْ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، فِيمَا قَصَّهُ عَلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ نَبَأِ المُرْسَلِينَ قَبْلَكَ، وَفِي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَكَ، وَتَثْبِيتٌ. (وَيُرْوَى أنَّ سُورَةَ الأَنْعَامِ نَزَلَتْ بَيْنَ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ وَالنَّمْلِ وُهُودٍ وَالقَصَصِ وَالحِجْرِ، المُشْتَمِلَةِ عَلَى أَنْبَاءِ المُرْسَلِينَ بِالتَّفْصِيلِ). لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ - لا مُغَيِّرَ لِمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ رُسُلَهَ مِنَ النَّصْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فإذا كان الرسل الذين سبقوك قد كُذِّبوا وصبروا على ذلك، وهم رسل لقومهم أو لأمة خاصة، ولزمان خاص، فماذا عنك يا خاتم الرسل وأنت للناس كافة وللأزمان عامة؟ إن عليك أن تتحمل هذا؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قد اختارك لهذه المهمة وهو العليم أنك أهل لها. والحق كفيل بنصر رسله فلا يتأتى أن يترك الشر أو الباطل ليغلب الرسل، وما دام سبحانه وتعالى قد بعث الرسول فلا بد أن ينصره. فهو القائل: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. وما دامت قد سبقت كلمة الله للرسل فلا مبدل لكلمات الله، ولا أحد بقادر على أن يعدِّل في المبادئ التي وضعها الله بقوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34]. وقد قص الحق سبحانه على رسوله قصص المرسلين، ولم يكتف بالقول لرسوله أن الرسل السابقين عليه قد كذبتهم أقوامهم، ولكن أورد الحق لرسوله ما حدث لكل رسول ممن جاء ذكرهم بالقرآن الكريم وماذا حدث للرسول - أي رسول - من ثبات أمام الأعداء، ثم بيّن أن كلمة الحق قد انتصرت دائماً. وقد روى الحق بعضاً من قصص الرسل فقال: {أية : مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} تفسير : [غافر: 78]. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):