٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش، فقالوا: يا محمد ائتنا من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل فانا نصدق بك فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه، فنزلت هذه الآية، والمعنى، وإن كان كبر عليك إعراضهم عن الإيمان بك، وصحة القرآن، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فافعل. فالجواب محذوف وحسن هذا الحذف لأنه معلوم في النفوس. والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر، ومنه نافقاء اليربوع لأن اليربوع يثقب الأرض إلى القعر، ثم يصعد من ذلك القعر إلى وجه الأرض من جانب آخر، فكأنه ينفق الأرض نفقاً، أي يجعل له منفذاً من جانب آخر. ومنه أيضاً سمي المنافق منافقاً لأنه يضمر غير ما يظهر كالنافقاء الذي يتخذه اليربوع وأما السلم فهو مشتق من السلامة، وهو الشيء الذي يسلمك إلى مصعدك، والمقصود من هذا الكلام أن يقطع الرسول طمعه عن إيمانهم، وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الإيمان وإقبالهم على الكفر. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى} تقديره: ولو شاء الله هداهم لجمعهم على الهدى وحيثما جمعهم على الهدى، وجب أن يقال: إنه ما شاء هداهم، وذلك يدل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر بل يريد إبقاءه على الكفر، والذي يقرب هذا الظاهر أن قدرة الكافر على الكفر إما أن تكون صالحة للإيمان، أو غير صالحة له، فإن لم تكن صالحة له فالقدرة على الكفر مستلزمة للكفر، وغير صالحة للإيمان، فخالق هذه القدرة يكون قد أراد هذا الكفر منه لا محالة، وأما إن كانت هذه القدرة، كما أنها صلحت للكفر فهي أيضاً صالحة للإيمان، فلما استوت نسبة القدرة إلى الطرفين امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر، إلا لداعية مرجحة، وحصول تلك الداعية ليس من العبد، وإلا وقع التسلسل، فثبت أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى، وثبت أن مجموع القدرة مع الداعية الحاصلة موجب للفعل، فثبت أن خالق مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك الكفر مريد لذلك الكفر، وغير مريد لذلك الإيمان. فهذا البرهان اليقيني قوي ظاهر بهذه الآية، ولا بيان أقوى من أن يتطابق البرهان مع ظاهر القرآن. قالت المعتزلة: المراد ولو شاء الله أن يلجئهم إلى الإيمان لجمعهم عليه. قال القاضي: والالجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه، وحينئذٍ يمتنعون من فعل شيء غير الإيمان. ومثاله: أن أحدنا لو حصل بحضرة السلطان وحضر هناك من حشمه الجمع العظيم، وهذا الرجل علم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال، فإن هذا العلم يصير مانعاً له من قصد قتلك ذلك السلطان، ويكون ذلك سبباً لكونه ملجأ إلى ترك ذلك الفعل فكذا ههنا. إذا عرفت الالجاء فنقول: إنه تعالى إنما ترك فعل هذا الالجاء لأن ذلك يزيل تكليفهم فيكون ما يقع منهم كأن لم يقع، وإنما أراد تعالى أن ينتفعوا بما يختارونه من قبل أنفسهم من جهة الوصلة إلى الثواب، وذلك لا يكون إلا اختياراً. والجواب: أنه تعالى أراد منهم الاقدام على الإيمان حال كون الداعي إلى الإيمان وإلى الكفر على السوية أو حال حصول هذا الرجحان. والأول: تكليف ما لا يطاق، لأن الأمر بتحصيل الرجحان حال حصول الاستواء، تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال، وإن كان الثاني: فالطرف الراجح يكون واجب الوقوع، والطرف المرجوح يكون ممتنع الوقوع، وكل هذه الأقسام تنافي ما ذكروه من المكنة والاختيار، فسقط قولهم بالكلية. والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله تعالى في آخر الآية {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } نهي له عن هذه الحالة، وهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة كما أن قوله {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [الأحزاب: 48] لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أطاعهم وقبل دينهم، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيبهم، ولا يجوز أن تجزع من إعراضهم عنك فإنك لو فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل، والمقصود من تغليظ الخطاب التبعيد والزجر له عن مثل هذه الحالة. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} أي عظم عليك إعراضهم وتوليهم عن الإيمان. {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ} قدرت {أَن تَبْتَغِيَ} تطلب {نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ} أي سَرَباً تخلص منه إلى مكان آخر، ومنه النافِقاء لجحر الْيَرْبُوع، وقد تقدّم في «البقرة» بيانه، ومنه المنافق وقد تقدم. {أَوْ سُلَّماً} معطوف عليه، أي سبباً إلى السماء؛ وهذا تمثيل لأن السّلم الذي يُرْتقى عليه سبب إلى الموضع، وهو مذكّر، ولا يُعرف ما حكاه الفرّاء من تأنيث السّلم. قال قَتَادة: السلم الدَّرج. الزجاج: وهو مشتق من السلامة كأنه يسلِمك إلى الموضع الذي تريد. {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} عطف عليه أي ليؤمنوا فافعل؛ فأُضمِر الجواب لعلم السامع. أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يشتدّ حزنه عليهم إذا كانوا لا يؤمنون؛ كما أنه لا يستطيع هداهم. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} أي لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه؛ بيّن تعالى أن كفرهم بمشيئة الله ردّا على القدَرية. وقيل المعنى: أي لأراهم آية تضطرهم إلى الإيمان، ولكنه أراد عز وجل أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي من الذين ٱشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد، وإلى ما لا يَحِل؛ أي لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين. وقيل: الخطاب له والمراد الأمة؛ فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذايتهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن كَانَ كَبُرَ } عظم {عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ } عن الإسلام لحرصك عليهم {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً } سرباً {فِى ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً } مصعداً {فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِئَايَةٍ } مما اقترحوا فافعل، المعنى أنك لا تستطيع ذلك فاصبر حتى يحكم الله {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ } هدايتهم {لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } ولكن لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ } بذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِعْرَاضُهُمْ} عن سماع القرآن، أو عن اتباعك. {نَفَقاً} سَرَباً، وهو المسلك النافذ مأخوذ من نافقاء اليربوع {سُلَّماً} مصعداً، أو درجاً، أو سبباً. {فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ} أفضل من آيتك فافعل فحذف الجواب. {مِنَ الْجَاهِلِينَ} لا تجزع في مواطن الصبر فتشبه الجاهلين.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَإِن كَانَ كَبُرَ}: هذا شَرْطٌ، جوابه "الفاء" الداخلة على الشرط الثَّاني، وجواب الثَّاني محذوف، تقديره: فإن استطعت أن تبتغي فافعل، ثم جُعِلَ الشَّرْطُ الثاني وجوابه جَواباً للشَّرْط الأوَّل، وقد تقدَّم مِثْلُ ذلك في قوله: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ} تفسير : [البقرة:38] إلاَّ أن جوابَ الثاني هناك مُظْهَرٌ. و"كان" في اسمها وجهان: أحدهما: أنه "إعراضهم"، و"كَبُرَ" جملةٌ فعلية في محل نصب خبراً مقدَّماً على الاسم، وهي مسألة خلاف: هل يجوزُ تقديمُ خبر "كان" على اسمها إذا كان فِعْلاً رافعاً لضمير مستتر أم لا؟ وأمَّا إذا كان خبراً للمبتدأ، فلا يجوز ألْبَتَّةَ لئلاَّ يَلْتَبِسَ بباب الفاعل، واللَّبْسُ هنا مَأمُونٌ. ووَجْهُ المنع اسْتصْحَابُ الأصل، و"كَبُرَ" إذا قيل: إنه خبر "كان"، فهل يحتاج إلى إضمار "قَدْ" أم لا؟ والظاهر أنه لا يَحْتَاجُ؛ لأنه كَثُرَ وُقُوعُ الماضي خبراً لها من غير "قد" نَظْماً ونَثْراً، وبعضهم يخص ذلك بـ "كان" ويمنعه في غيرها من أخواتها إلا بـ "قد" ظَاهِرَةً أو مُضْمَرَةً، ومن مجيء ذلك في خبر أخواتها قَوْلُ النابغة: [البسيط] شعر : 2152- أمْسَتْ خَلاءً وأمْسَى أهْلُهَا احْتَمَلُوا أخْنَى عَلَيْهَا الَّذِي أخْنَى عَلَى لُبَدِ تفسير : والثاني: أن يكون اسمها ضمير الأمر والشأن، والجملة الفعلية مُفَسِّرٌ له في مَحَلِّ نصب على الخبر، فإعراضُهُمْ مرفوعٌ بـ "كَبُر"، وفي الوجه الأول بـ "كان"، ولا ضمير في "كَبُرَ" على الثاني، وفيه ضميرعلى الأول، ومثل ذلك في جواز هذين الوجهين قوله تعالى: {أية : وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} تفسير : [الأعراف:137] {أية : وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} تفسير : [الجن:4]، فـ "فرعون" يحتمل أن يكون اسْماً، وأن يكون فاعلاً، وكذلك "سَفِيهُنَا"، ومثله أيضاً قولُ امرئ القيس: [الطويل] شعر : 2153- وإنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ تفسير : فـ "خليقة" يحتمل الأمرين، وإظهار "قد" هنا يُرَجِّحُ قول من يشترطها، وهل يجوز في مثل هذا التركيب التَّنَازعُ، وذلك أن كُلاًّ من "كان" وما بعدها من الأفعال المذكورة في هذه الأمثلة يطلب المَرْفُوعَ من جهة المعنى، وشروط الإعمال موجودة. قال شهاب الدين: وكنت قديماً سألت الشيخ - يعني أبا حيَّان - عن ذلك، فأجاب بالمَنْعِ مُحْتَجّاً بأن شَرْطَ الإعمال ألاَّ يكون أحَدُ المُتنازِعَينِ مُفْتَقِراً إلى الآخر، وألاَّ يكون من تمام معناه و"كان" مُفْتَقِرةٌ إلى خبرها، وهو من تمام معناها، وهذا الذي ذكره من المَنْعِ، وترجيحه ظَاهِرٌ، إلاَّ أن النحويين لم يذكروه في شروطِ الإعمال. وقوله: "وإن كان كَبُرَ" مُؤوَّلٌ بالاسْتِقْبَالِ، وهو التَّبَيُّنُ والظهور فهو كقوله: {أية : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} تفسير : [يوسف:26] أي: إن تَبَيَّنَ وَظَهَر، وإلاَّ فهذه الأفعالُ قَدْ وَقَعَتْ وانقضت فكيف تَقَعُ شرطاً؟ وقد تقدَّم أنَّ المُبَرِّدَ يُبْقي "كان" خَاصَّةً على مُضِيِّهَا في المعنى مع أدوات الشَّرْطِ، وليس بشيء. وأمَّا: "فإن استطعت" فهو مستقبل معنى؛ لأنه لم يَقَعْ، بخلاف كونه "كَبُرَ عليه إعراضهم"، وقدِّ القَمِيص، و "أن تبتغي" مفعول الاسْتِطَاعَةِ. و "نفقاً" مفعول الابْتِغَاءِ. والنَّفَقُ: السَّرَبُ النَّافِدُ في الأرض، وأصله من جحرة اليَرْبُوع، ومنه: النَّافِقَاءُ، والقَاصِعَاءُ، وذلك أن اليربوع يَحْفُرُ في الأرض سَرَباً ويجعل له بَابَيْنِ، وقيل: ثلاثة: النَّافِقَاءُ، والقَاصِعَاءُ والدَّابِقَاءُ، ثم يَرِقُّ بالحفر ما تقارب وجه الأرض، فإذا نَابَهُ أمْرٌ دفع تلك القِشْرَةٌ الرقيقة وخرج، وقد تقدَّم اسْتِيفَاءُ هذه المادَّةِ عند قوله: {أية : يُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة:3]، و {أية : ٱلْمُنَافِقِين} تفسير : [النساء:61]. وقوله "في الأرض" ظاهرة أنه متعلقٌ بالفعل قَبْلَهُ، ويجوز أن يكون صِفَةً لـ "نَفَقاً" فيتعلّق بمحذوفٍ وهُوَ صِفَةٌ لمجرَّد التوكيد، إذ النَّفَق لا يكون إلاَّ في الأرض. وجوَّز أبو البقاء مع هذين الوجهين أن يكون حالاً من فاعل "تبتغي"، أي: وأنت في الأرض. قال وكذلك في السماء. ويعني من جواز الأوجه الثلاثة، وهذا الوَجْهُ الثالث ينبغي ألاَّ يجوز لِخُلُوِّهِ عن الفائدة. والسُّلَّمُ: قيل المِصْعَدُ، وقيل: الدَّرَجُ، وقيل: السَّبَبُ تقول العرب: اتَّخِذْني سُلَّماً لحاجتك، أي: سبباً. قال كعب بن زهير: [الطويل] شعر : 2154- وَلاَ لَكُمَا مَنْجًى مِن الأرْضِ فَابْغِيَا بِهَا نَفَقاً أوْ السَّمواتِ سُلَّما تفسير : وهو مُشْتَقٌ من السَّلامة، قالوا: لأنه يسلم به إلى المصعد والسُّلَّم مُذَكَّرٍ، وحكى الفرَّاء تأنيثه. قال بعضهم: ليس ذلك بالوَضْعِ، بل لأنه بمعنى المَرْقَاة، كما أنَّث بعضهم الصوت في قوله: [البسيط] شعر : 2155-...................... سَائِلْ بَنِي أسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ تفسير : لمَّا كان في معنى الصَّرْخة. فصل في نزول الآية روى ابن عباس أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مَنَافٍ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مَحْضَرٍ من قريش، فقالوا: يا محمد ائْتِنَا بآية من عند الله، كما كانت الآنبياء تفعل فإنا نصدق بك، فأبى أن يأتيهم بآية من عند الله، كما كانت الأنبياء تفعل فإنا نصدق بك، فأبى الله أن يأتيهم بآية، فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فَشَقَّ ذلك عليه، فنزلت هذه الآ ية. والمعنى: وإن عَظُمَ عليك إعْرَاضُهُمْ عن الإيمان وشَقَّ ذلك عليك. وكان - عليه الصَّلاة والسَّلام - يَحْرِصُ على إيمان قومه أشَدَّ الحرص وكانوا إذا سألوا آيَةً أحَبَّ أن يريهم اللَّهُ ذلك طَمَعاً في إيمانهم، فقال الله عزَّ وجلَّ: "فإن استطعت أن تبتغي" أي: تطلب وتتَّخِذَ نَفَقاً - سَرَباً - في الأرض فتذهب فيه، أو سُلَّماً دَرَجاً ومِصْعَداً في السماء فَتَصْعَدَ فيه فتأتيهم بآية فافعل، ولو شاء الله لَجَمَعَهُمْ على الهُدَى فآمنوا كلهم، وهذا يَدُلُّ على أنه - تعالى - لا يريد الإيمان من الكافر، بل يريد إبقاءه على الكُفْرِ، وتقريره: أن قُدْرَةَ الكافر على الكُفْرِ إمَّا أن تكون صَالِحَةً للإيمان، أو غير صالحة له، فإن لم تكن صَالِحَةً له فالقُدْرةُ على الكُفْرِ مُسْتَلْزِمةٌ للكفر وغير صالحة للإيمان، وخالق هذه القُدْرَةِ يكون قد أرادَ الكُفْرَ منه لا مَحَالَة، وأما إن كانت هذه القُدْرةُ كما أنها صالحةٌ للكُفْرِ، فهي أيضاً صالحة للإيمان، فيكون نسبة القُدْرة إلى الطَّرفين مستويةً، فيمتنع رُجْحَانُ أحد الطَّرَفَيْنِ على الآخر إلاّ لِدَاعِيةٍ مرجّحة، وحصول تلك الدَّاعية ليس من العبد، وإلاّ لزم التَّسَلْسُلُ، فثبت أن خالق تلك الدَّاعيةِ هو الله تعالى، وثبت أن مَجْمُوعَ القدرة مع الداعية الخالصة ويجب الفِعْلَ، فثبت أن خالقَ مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك الكفر مريد لذلك الكفر وغير مُريدٍ لذلك الإيمان. قوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} نهي له عن هذه الحالة وهو قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَى} فإنَّ من يكفر لسابق علم الله فيه، وهذا النَّهْيُ لا يقتضي إقدامه على مثل مثل هذه الحالة كقوله: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [الأحزاب:1] لا يَدُلُّ على أنه - عليه الصلاة والسلام - أطاعهم وقَبِلَ دِينَهُمْ، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تَحَسُّرُكَ على تكذيبهم، ولا تَجْزَع من إعراضهم عنك، فإنَّك لو فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل، والمقصُودُ تبعيده عن مثل هذه الحالة.
البقاعي
تفسير : ولما سلاه بما هو في غاية الكفاية في التسلية، أخبره بأنه لا حيلة له غير الصبر، فقال عاطفاً على ما تقديره: فتسلّ واصبر كما صبروا، وليصغر عندك ما تلاقي منهم في جنب الله: {وإن كان كبر} أي عظم جداً {عليك إعراضهم} أي عما يأتيهم به من الآيات الذي قدمنا الإخبار عنه بقولنا {أية : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} تفسير : [الأنعام: 4] وأردت أن تنتقل - في إخبارنا لك بأنه لا ينفعهم الآيات المقترحات - من علم اليقين إلى عين اليقين {فإن استطعت أن تبتغي} أي تطلب بجهدك وغاية طاقتك {نفقاً} أي منفذاً {في الأرض} تنفذ فيه إلى ما عساك تقدر على الانتهاء إليه {أو سلماً في السماء} أي جهة العلو لترتقي فيه إلى ما تقدر عليه {فتأتيهم بآية} أي ما اقترحوا عليك فافعل لتشاهد أنهم لا يزدادون عند إتيانك بها إلا إعراضاً كما أخبرناك، لأن الله قد شاء ضلال بعضهم، والمراد بهذا بيان شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على هدايتهم بأنه لو قدر على أن يتكلف النزول إلى تحت الأرض أو فوق السماء فيأتيهم بما يؤمنون به لفعل. ولما كان هذا السياق ربما أوهم شيئاً في القدرة، نفاه إرشاداً إلى تقدير ما قدرته فقال: {ولو شاء الله} أي الذي له العظمة الباهرة والقدرة الكاملة القاهرة {لجمعهم على الهدى} أي لأن قدرته شاملة، وإيمانهم في حد ذاته ممكن، ولكنه قد شاء افتراقهم بإضلال بعضهم؛ ولما كان صلى الله عليه وسلم - بعد إعلام الله له بما أعلم من حكمه بأن الآيات لا تنفع من حتم بكفره - حريصاً على إجابتهم إلى ما يقترحونه رجاء جمعهم على الهدى لما طبع عليه من مزيد الشفقة على الغريب فضلاً عن القريب، مع ما أوصاه الله به ليلة الإسراء من غير واسطة - كما أفاده الحرالي - من إدامة الشفقة على عباده والرحمة لهم والإحسان إليهم واللين لهم وإدخال السرور عليهم، فتظافر على ذلك الطبع والإيصاء حتى كان لا يكف عنه إلا لأمر جازم أو نهي مؤكد صارم، سبب عن ذلك قوله: {فلا تكونن} فأكد الكلام سبحانه ليعلم صلى الله عليه وسلم أنه قد حتم بافتراقهم، فيسكن إلى ذلك ويخالف ما جبل عليه من شدة الشفقة عليهم {من الجاهلين *} أي إنك أعلم الناس مطلقاً ولك الفراسة التامة والبصر النافذ والفكرة الصافية بمن لم تعاشره، فكيف بمن بلوتهم ناشئاً وكهلاً ويافعاً! فلا تعمل بحجة ما أوصاك الله به من الصبر والصفح، وجبلك عليه من الأناة والحلم في ابتغاء إيمانهم بخلاف ما يعلم من خسرانهم، فلا تطمع نفسك فيما لا مطمع فيه، فإن ما شاءه لا يكون غيره، فهذه الآية وأمثالها - مما في ظاهره غلظة - من الدلالة على عظيم رتبته صلى الله عليه وسلم ومن لطيف أمداح القرآن له - كما يبين إن شاء الله تعالى في سورة التوبة عند قوله تعالى {أية : عفا الله عنك}تفسير : [التوبة: 43]. ولما أفهم هذا القضاء الحتم أنه قد صار حالهم حال من حتم بالموت، فلا يمكن إسماعه إلا الله، ولا يمكن أن يستجيب عادة، قال: {إنما يستجيب} أي في مجاري عاداتكم {الذين يسمعون} أي فيهم قابلية السمع لأنهم أحياء فيتدبرون حينئذ ما يلقى إليهم فينتفعون به، وهؤلاء قد ساووا الموتى في عدم قابلية السماع للختم على مشاعرهم {والموتى} أي كلهم حساً ومعنى {يبعثهم الله} أي الملك المحيط علماً وقدرة، فهو قادر على بعثهم بإفاضة الإيمان على الكافر وإعادة الروح إلى الهالك فيسمعون حينئذ، فالآية من الاحتباك: حذف من الأول الحياة لدلالة {الموتى} عليها، ومن الثاني السماع لدلالة {يسمعون} عليه. ولما قرر أن من لا يؤمن كالميت، حثاً على الإيمان وترغيباً فيه، وقدر قدرته على البعث، خوَّفَ من سطواته بقوله: {ثم إليه} أي وحده {يرجعون *} أي معنى في الدنيا فإنه قادر على كل ما يشاء منهم، لا يخرج شيء من أحوالهم عن مراده أصلاً وحساً بعد الموت، فيساقون قهراً إلى موقف يفصل فيه بين كل مظلوم وظالمه. ولما سلاه صلى الله عليه وسلم فيما أخبرته من أقوالهم بما شرح صدره وسر خاطره، وأعلمه تخفيفاً عليه أن أمرهم إنما هو بيده، ذكَّره بعضَ كلامهم الآئل إلى التكذيب عقب إخباره بالحشر الذي يجازي فيه كلاًّ بما يفعل، فقال عطفاً على قوله {أية : وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا} تفسير : [الأنعام: 29] وقوله {أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملك} تفسير : [الأنعام: 8] يعجب منه تعجيباً آخر: {وقالوا} أي مغالطة أو عناداً أو مكابرة {لولا} أي هلا {نزل} أي بالتدريج {عليه} أي خاصة {آية} أي واحدة تكون ثابتة بالتدريج لا تنقطع، وهذا منهم إشارة إلى أنهم لا يعدون القرآن آية ولا شيئاً مما رأوه منه صلى الله عليه وسلم من غير ذلك نحو انشقاق القمر {من ربه} أي المحسن إليه على حس ما يدعيه لنستدل بها على ما يقول من التوحيد والبعث. ولما كان في هذا - كما تقدم - إشارة منهم إلى أنه لم يأت بآية على هذه الصفة إما مكابرة وإما مغالطة، أمره بالجواب بقوله: {قل إن الله} أي الذي له جميع الأمر {قادر على أن} وأشار بتشديد الفعل إلى آية القرآن المتكررة عليهم كل حين تدعوهم إلى المبارزة وتتحداهم بالمبالغة والمعاجزة فقال: {ينزل} وقراءة ابن كثير بالتخفيف مشيرة إلى أنهم بلغوا في الوقاحة الغاية، وأنهم لو قالوا: لولا أنزل، أي مرة واحدة، لكان أخف في الوقاحة، أو إلى أنه أنزل عليهم أيّ آية، كانت تلجئهم وتضطرهم إليه في آن واحد كما قال تعالى {أية : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} تفسير : [الشعراء: 4] ولكنه لا يسأل ذلك إلا بالتدريج كما يشير إليه صيغة التفعيل في قراءة غيره المذكرة بأن آية القرآن لا تنقضي، بل كلما سمعها أحد منهم أو من غيرهم طول الدهر كانت منزلة عليه لكونها واصلة إليه، فهو أبلغ من مطلوبهم آية ينزل عليه وحده، والحاصل أنهم طلبوا آية باقية محضة، فلوح لهم إلى آية هي - مع كونها خاصة به فيما حصل له من الشرف - عامة لكل من بلغته، باقية طول المدى {آية} أي مما اقترحوه ومن غيره، لا يعجزه شيء، وفي كل شيء له من الآيات ما يعجز الوصف، وكفى بالقرآن العظيم مثالاً لذلك {ولكن أكثرهم لا يعلمون *} أي ليس فيهم قابلية العلم، فهم لا يتفكرون في شيء من ذلك الذي يحدثه من مصنوعاته ليدلهم على أنه على كل شيء قدير، فلا فائدة لهم في إنزال ما طلبوه، وأما غير الأكثر فهو سبحانه يردهم بآية القرآن أو غيرها مما لم يقترحوه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض} والنفق السرب فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لهم سلماً {في السماء} فتصعد عليه {فتأتيهم بآية} أفضل مما أتيناهم به فافعل {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} يقول الله سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {نفقاً في الأرض} قال: سرباً {أو سلماً في السماء} قال: يعني الدرج . وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله تعالى {تبتغي نفقاً في الأرض} قال: سرباً في الأرض فتذهب هرباً. قال: وهل تعرب العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: شعر : فدس لها على الانفاق عمرو بشكته وما خشيت كمينا تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {إنما يستجيب الذين يسمعون} قال: المؤمنون {والموتى} قال: الكفار . وأخرج عبد بن حميد وابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {إنما يستجيب الذين يسمعون} قال: المؤمنون للذكر {والموتى} قال: الكفار حين يبعثهم الله مع الموتى . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {إنما يستجيب الذين يسمعون} قال: هذا مثل المؤمن سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله، فهو حي القلب حي البصر {أية : والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم}تفسير : [الأنعام:39] وهذا مثل الكافر أصم أبكم لا يبصر هدي ولا ينتفع به .
ابو السعود
تفسير : {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لتأكيد إيجاب الصبر المستفاد من التسلية ببـيان أنه أمرٌ لا محيدَ عنه أصلاً أي إن كان عظُم عليك وشقَّ إعراضُهم عن الإيمان بما جئت به من القرآن الكريم حسبما يُفصح عنه ما حُكي عنهم من تسميتهم له أساطيرَ الأولين وتنائيهم عنه ونهْيِهمُ الناسَ عنه، وقيل: إن الحارثَ بنَ عامرِ بنِ نوفلَ بنِ عبدِ منافٍ أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في محضر من قريش، فقال: يا محمدُ ائتنا بآيةٍ من عند الله كما كانت الأنبـياءُ تفعل وأنا أصدقك فأبى الله أن يأتي بآية مما اقترحوا، فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه لما أنه عليه الصلاة والسلام كان شديدَ الحِرْص على إيمان قومه، فكان إذا سألوا آيةً يودّ أن يُنزِلها الله تعالى طمعاً في إيمانهم فنزلت، فقوله تعالى: {إِعْرَاضُهُمْ} مرتفعٌ بكبُرَ وتقديم الجار والمجرور عليه لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخَّر، والجملة في محل النصب على أنها خبر لكان مفسرة لاسمها الذي هو ضميرُ الشأن ولا حاجة إلى تقدير قد، وقيل: اسم كان إعراضُهم وكبر جملة فعلية في محل النصب على أنها خبر لها مقدم على اسمها لأنه فعلٌ رافع لضميرٍ مستتر كما هو المشهور وعلى التقديرين فقوله تعالى: {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ} الخ، شرطيةٌ أخرى محذوفةُ الجواب وقعتْ جواباً للشرط الأول، والمعنى إن شق عليك إعراضُهم عن الإيمان بما جئت به من البـينات وعدمُ عدِّهم لها من قبـيل الآيات وأحببتَ أن تجيبهم إلى ما سألوه اقتراحاً فإن استطعت {أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً} أي سَرَباً ومنفَذاً {فِي ٱلأَرْضِ} تنفُذ فيه إلى جَوفها {أَوْ سُلَّماً} أي مصعداً {فِى ٱلسَّمَاء} تعرج به فيها {فَتَأْتِيَهُمْ} منهما {بِـئَايَةٍ} مما اقترحوه فافعلْ وقد جُوِّز أن يكون ابتغاؤهما نفسَ الإتيان بالآية فالفاء في (فتأتيَهم) حينئذ تفسيرية وتنوينُ (آية) للتفخيم أي فإن استطعت أن تبتغيَهما فتجعلَ ذلك آيةً لهم فافعل، والظرفان متعلقان بمحذوفين هما نعتان (لِنفقاً وسلماً) والأول لمجرد التأكيد إذ النفقُ لا يكون إلا في الأرض، أو بتبتغي، وقد جُوِّز تعلقُهما بمحذوف وقع حالاً من فاعل تبتغي أي أن تبتغي نفقاً كائناً في الأرض أو سلماً كائناً في السماء، وفيه من الدلالة على تبالُغِ حِرْصِه عليه الصلاة والسلام على إسلام قومه وتراميه إلى حيث لو قدَر على أن يأتيَ بآيةٍ من تحت الأرض أو من فوق السماء لفعل رجاءً لإيمانهم ما لا يخفى، وإيثار الابتغاءِ على الاتخاذ ونحوه للإيذان بأن ما ذُكر من النفق والسُلّم مما لا يُستطاع ابتغاؤه فكيف باتخاذه. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} أي لو شاء الله تعالى أن يجمعهم على ما أنتم عليه من الهُدى لفعله بأن يوقِّفهم للإتيان فيؤمنوا معكم ولكن لم يشأ لعدم صَرفِ اختيارِهم إلى جانب الهُدى مع تمكنِّهم التامِّ منه في مشاهدتهم للآياتِ الداعية إليه لا أنه تعالى لم يوقِّفْهم له مع توجُّهِهِم إلى تحصيله. وقيل: لو شاء الله لجمعهم عليه بأن يأتيَهم بآيةٍ ملجئةٍ إليه ولكن لم يفعلْه لخروجه عن الحِكْمة. وقوله تعالى: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} نهيٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان عليه من الحرص الشديدِ على إسلامهم والميل إلى إتيان ما يقترحونه من الآيات طمعاً في إيمانهم، مرتَّبٌ على بـيان عدمِ تعلّق مشيئته تعالى بهدايتهم، والمعنى وإذا عرفت أنه تعالى لم يشأ هدايتهم وإيمانهم بأحد الوجهين فلا تكونَنَّ بالحرص الشديدِ على إسلامهم أو الميلِ إلى نزول مقترحاتِهم من الجاهلين بدقائق شؤونِه تعالى التي من جملتها ما ذُكر من عدم تعلُّق مشيئتِه تعالى بإيمانهم، أما اختياراً فلعدم توجُّههم إليه، وأما اضطراراً فلخُروجه عن الحكمة التشريعيةِ المؤسسةِ على الاختيار، ويجوز أن يُرادَ بالجاهلين على الوجه الثاني المقترِحون، ويُراد بالنهْي منعُه عليه الصلاة والسلام من المساعدة على اقتراحهم، وإيرادُهم بعُنوان الجهل دون الكفر ونحوِه لتحقيق مَناطِ النهْي الذي هو الوصفُ الجامع بـينه عليه الصلاة والسلام وبـينهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} [الآية: 35]. قال الواسطى: على جوهرة واحدة فى صفة واحدة. وقيل هذا الخطاب استهانة بمن أعرض عنه، بأنه سيرهم فى مشيئته وصرفهم فى تدبيره.
القشيري
تفسير : لفرط شفقته - صلى الله عليه وسلم - استقصى في التماس الرحمة من الله لهم، وحمل على قلبه العزيز بسبب ما عَلِمَ من سوء أحوالهم ما أثَّر فيه من فنون الأحزان. فعرَّفه أنهم مُبْعَدُون عن التقريب، منكوبون بسالف القسمة. ولو أراد الحقُّ - سبحانه - لخَفَّفَ عنهم، ولو شاء أن يهديَهم لكان لهم مقيل في الصدور، ومثوى على النشاط، ولكن مَنْ كبَسَتْهُ العِزَّةُ لم تُنْعِشْه الحيلة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان كان كبر عليك إعراضهم} اى عظم عليك وشق اعراضهم عن الايمان بما جئت به من القرآن وعدم عدهم له من قبيل الآيات واحببت ان تجيبهم الى ما سألوا اقتراحا لحرصك على اسلامهم {فان استطعت ان تبتغى نفقا} اى سربا ومنفذا {فى الارض} تنفذ فيه الى جوفها. قال ابن الشيخ النفق سرب فى الارض له مخلص الى مكان آخر ومنه نافقاء اليربوع لان اليربوع يخرق الارض الى القعر ثم يصعد من ذلك الى وجه الارض من جانب آخر {أو سلما} مصعدا {فى السماء} تعرج به فيها {فتأتيهم} منها {بآية} مما اقترحوه والجواب محذوف اى فافعل وجملة الشرطية الثانية جواب للشرطية الاولى والمقصود بيان حرصه البالغ على اسلام قومه وانه لو قدر ان يأتيهم بآية من تحت الارض او من فوق السماء لاتى بها رجاء لايمانهم وايثار الابتغاء على الاتخاذ ونحوه للايذان بان ما ذكر من النفق والسلم مما لا يستطاع ابتغاؤه فكيف باتخاذه {ولو شاء الله} هدايتهم {لجمعهم على الهدى} ولكن لم يشأ لعدم صرف اختيارهم الى جانب الهدى مع تمكنهم منه ومشاهدتهم للآيات الداعية اليه فلم يؤمنوا فلا تتهالك عليه {فلا تكونن من الجاهلين} بالحرص على ما لا يكون والجزع فى مواطن الصبر فان ذلك من دأب الجهلة بدقائق شؤونه تعالى التى من جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بايمانهم. وفى الآية تربية وتأديب للنبى عليه السلام من الله تعالى كما قال عليه السلام "حديث : ان الله ادبنى فاحسن تأديبى " .تفسير : لئلا يبالغ فى الشفقة على غير اهلها.
الطوسي
تفسير : خاطب الله تعالى بهذه الآية نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال له {إن كان كبر عليك} وعظم عندك {إعراضهم} أي اعراض هؤلاء الكفار عما أتيتهم به من القرآن والمعجزات وامتناعهم من اتباعك والتصديق لك وكنت حزينا لذلك {فإن استطعت} وقدرت أو تهيأ لك ان تبتغي نفقا ان تتخذ في جوف الارض مسكنا وهو النفق {في الأرض} اذا كان له منفذ {أو سلما في السماء} أو ان تصعد الى السماء بسلم {فتأتيهم بآية} يعني بآية تلجئهم الى الايمان وتجمعهم عليه وعلى ترك الكفر فافعل ذلك. وحذف فافعل لدلالة الكلام عليه، كما تقول: ان رأيت ان تقوم ومعناه فقم، وان أراد غير ذلك لم يجز ان يسكت الا بعد ان يأتي بالجواب، لانه ان اراد ان أردت ان تقوم تصب خيرا فلا بد من الجواب، ولم يرد بذلك آية يؤمنون عندها مختارين، لانه تعالى فعل بهم الآيات التي تزاح علتهم بها ويتمكنون معها من فعل الايمان لانه لو علم تعالى أنه اذا فعل بهم آية من الآيات يؤمنون عندها مختارين وجب ان يفعلها بهم. وبيَّن انه فعل بهم جميع ما لا ينافي التكليف وهم لا يؤمنون كما قال {أية : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة}تفسير : الآية، وكما قال {أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك}تفسير : وانما لم يفعل ما يلجئهم الى الايمان، لان ذلك ينافي التكليف ويسقط استحقاق الثواب الذي هو الغرض بالتكليف، وانما أراد الله تعالى ان يبين لنبيه (صلى الله عليه وسلم) انه لا يستطيع هذا ولا يقدر عليه، فلا ينبغي ان يلزم نفسه الغم والجزع لكفرهم واعراضهم عن الايمان والتصديق به، وجعل ذلك عزاء لنبيه (صلى الله عليه وسلم) وتسلية له. ثم اخبر انه لو شاء ان يجمعهم على الايمان على وجه الالجاء لكان على ذلك قادرا لكنه ينافي ذلك الغرض بالتكليف، وجرى ذلك مجرى قوله {أية : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين}تفسير : فانه أراد بذلك الاخبار عن قدرته وانه لو شاء الجاءهم الى الايمان لكان عليه قادرا. ولا يدل ذلك على أنه لم يشأ منهم الايمان على وجه الاختيار منهم أو لم يشأ ان يفعل ما يؤمنون عنده مختارين، لان الله تعالى قد شاء منهم الايمان على هذا الوجه وانما أفاد نفي المشيئة لما يلجئهم الى الايمان، لانه متى ألجأهم اليه لم يكن ذلك ايمانا يستحق عليه الثواب، والغرض بالآية ان يبين تعالى ان الكفار لم يغلبوا الله بكفرهم ولا قهروه بخلافه وانه لو أراد أن يحول بينهم وبينه لفعل، لكنه يريد ان يكون ايمانهم على وجه يستحقون به الثواب، ولا ينافي التكليف. وقوله {فلا تكونن من الجاهلين} انما هو نهي محض عن الجهل ولا يدل ذلك على ان الجهل كان جائزا منه (صلى الله عليه وسلم) بل يفيد كونه قادرا عليه، لانه تعالى لا يأمر ولا ينهى الا بما يقدر المكلف عليه، ومثله قوله {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك}تفسير : وان كان الشرك لا يجوز عليه لكن لما كان قادرا عليه جاز أن ينهاه عنه. والمراد ها هنا فلا تجزع ولا تحزن لكفرهم واعراضهم عن الايمان، وانهم لم يجمعوا على التصديق بك فتكون في ذلك بمنزلة الجاهلين الذين لا يصبرون على المصائب، ويأثمون لشدة الجزع. والنفق: الطريق النافذ في الارض والنافقاء ممدودا وجر حجر اليربوع يحفره من باطن الارض الى جلدة الارض فاذا بلغ الجلدة أرقها فاذا رابه ريب وقع برأسه هذا المكان وخرج منه، ومنه سمي المنافق منافق لانه أبطن غير ما أظهر، والسلمُّ مشتق من السلامة لانه يسلمك الى مصعدك.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} عنك او عن علىّ (ع) {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً} جحراً او منفذاً {فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} من تحت الارض او من السّماء وجوابه محذوف اى فافعل والمقصود التّعريض بمنافقى امّته والعتاب لهم واظهار انّه (ص) محزون على تولّى القوم عنه وعن علىّ (ع)، او المقصود التّعريض بمن هو حريص على اتيان الآية للمقترحين من موافقى امّته {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} يعنى انّ هداهم وضلالهم بمشيّة الله وما كان بمشيّة الله فالرّضا به اولى من الحزن عليه {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} انّ الكلّ بمشيّة الله ولمّا توهّم من هذا انّهم مجبورون فى افعالهم ولا دخل لهم فى ضلالهم وهديهم رفع ذلك بانّ استعدادهم واستحقاقهم يقتضى تكل المشيّة فقال تعالى {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ}.
الأعقم
تفسير : {وإن كان كبر عليك إعراضهم} أي عظم وشق ذلك أنه عظم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إعراض الخلق عن الله تعالى، ومعصيتهم له، ومخالفتهم لحكمه، فلما كبر ذلك عنده وعظم عليه أنزل الله هذه الآية، والنفق هو المحتقر في الأرض، حتى يُطلع لهم آية يؤمنون بها {أو سلماً} أي درجة ومصعداً {في السماء} يصعد فيه {فتأتيهم بآية} منها فافعل يعني انك لا تستيطع ذلك والمعنى إنما أنت عبد مأمور وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء لايمانهم {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكنه لا يفعل لعلمه بالمصلحة {فلا تكونن من الجاهلين} من الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه قوله تعالى: {إنما يستجيب} أي يجيب، وقد يكون ذلك بالقبول {الذين يسمعون} يعني يجيب من سمع الحق سماع مسترشد طلباً للحق، فأما من لا يسمع أو يسمع منكراً أو معانداً فإنه لا يؤمن {والموتى} يعني الكفار، وقيل: الموتى {يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ما لهم في نزولها، قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} على التأكيد يعني كل ذي روح إما أن تدب وإما أن يطير {إلا أمم أمثالكم} مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبنا آجالكم وأرزاقكم وأعمالكم {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ما تركنا في اللوح المحفوظ من شيء من ذلك لم نكتبه بل كتبناه {ثم إلى ربهم يحشرون} يعني الأمم كلها من الدواب والطير فيعرضون وينصف بعضها من بعض، كما روي أنه يأخذ للجماء من القرناء، وقيل: أمثالكم في الآجال وفي الأرزاق، وقيل: في إنها تولد {والذين كذبوا بآياتنا} بمحمد والقرآن {صم} لا يسمعون الحق {وبكم} لا ينطقون {في الظلمات} يعني ظلمات الكفر فهم غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه {من يشإِ الله يضلله} أي يخليه وضلالته لا يلطف به لأنه ليس من أهل اللطف {ومن يشإِ يجعله على صراط مستقيم} أي يلطف به {أغير الله تدعون} بمعنى أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضر أو تدعون الله دونها {بل إيَّاه تدعون} بل تخصونه بالدعاء دون الالهة {فيكشف ما تدعون إليه} أي ما تدعونه لكشفه {إن شاء} إن أراد أن يتفضل عليكم ولم يكن فيه مفسدة {وتنسون ما تشركون} يعني وتتركون آلهتكم ولا تذكرونها في ذلك الوقت، قوله تعالى: {فأخذناهم بالبأساء} يعني الجوع والقحط {والضراء} الأمراض، وقيل: البأساء شدة الفقر، وقيل: البأساء القتل والضراء احتياج المال، وقيل: البأساء الخوف والضراء المرض وموت الأولاد {لعلهم يتضرعون} يعني فعلنا ذلك لعلهم يتذللون لربهم ويتوبوا، قوله تعالى: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} معناه نفي التضرع عنهم ولم يكن إلا لقسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم، وقيل: معناه هل لا تضرعوا إلى الله من ذنوبهم إذ جاءهم بأسنا أي نزل بهم البلاء {فلما نسوا ما ذكروا به} من البأساء والضراء أي تركوا الاتعاظ ولم ينفع فيهم ولم يزجرهم، وقيل: تركوا ما ذكروا به من الأوامر والنواهي {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أي أبدلناهم مكان الشدة الرخاء في العيش والصحة وصنوف النعمة {حتى إذا فرحوا بما أُوتوا} من الخير {أخذناهم بغتة} أي فجأة اَمَنَ ما كانوا وأعجب ما كانت الدنيا لهم {فإذا هم مبلسون}، قيل: خرجوا من الدنيا آيسين من رحمة الله، وقيل: هالكون آيسون متحيرون، وقيل: مخذولون {فقطع دابر القوم} آخرهم لم يترك منهم أحد يعني استوصلوا وأهلكوا {والحمد لله رب العالمين} عند هلاك الظلمة، فإنه من أجل النعم حيث منعهم من زيادة الكفر والمعاصي، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : إذا رأيت الله سبحانه وتعالى يعطي العباد ما يسألون على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم"تفسير : ، وتلا هذه الآية: {فلما نسوا ما ذكِّروا به}.
اطفيش
تفسير : {وإنْ كانَ كَبُر عَليْك إعْراضُهم فإن اسْتطعتَ أن تبتَغى نَفقاً فى الأرضِ أوْ سُلَّما فى السَّماءِ فتأتِيهم بآيةٍ} أن الثانية وشرطها وجوابها المحذوف جواب الأولى، أى وإن كان شق عليك إعراضهم عنك وعن الإيمان بما جئت به، فإن استطعت أن تطلب سَرَباً فى الأرض وتحصله فتخرج لهم من جوفها آية، أو مصعدا فى جهة السماء فتنزل لهم آية منها فافعل، لفظ الآية مع ما حذف منها أمره صلى الله عليه وسلم بفعل ذلك إن استطاع، والمراد بيان شدة حرصه على إسلام قومه، حتى إنهُ لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض، أو من فوق السماء، لأتاهم بها رجاء إيمانهم. وقال الفخر: المقصود من هذا الكلام أن يقطع الرسول عليه الصلاة والسلام طعمه عن إيمانهم، وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الإيمان وإقبالهم على الكفر، وهذا عندى أولى، على أن المعنى لا يؤمنون، ولو فعلت ذلك كقوله تعالى: {أية : قل كونوا حجارةً أو حديداً} تفسير : الآية، واختار بعضهم الأول، وفى الأرض نعت نفقاً، وفى السماء نعت سلماً، أو يتعلقان بتبتغى قبل، أو حالان من المستتر فى تبتغى، وليس كذلك، وفى على أصلها، ويجوز أن تكون الثانية بمعنى إلى. {ولوْ شَاء اللهُ} أن يجمعهم على الهدى، أو ولو شاء الله أن يؤمنوا كلهم. {لَجَمَعهُم عَلى الهدَى} ولكن لم تتعلق مشيئته بذلك، بل منهم كافر ومنهم مؤمن، وشقى وسعيد، وشكور وكفور، {أية : لأملأنَّ جهنم من الجنة والناس أجمعين} تفسير : فلا تتهالك يا محمد على إيمانهم، لعلك باخع نفسك، فإن الله جل وعلا أراد إيمان المؤمن، وكفر الكافر، ولا تتبدل إرادته، وأحبَّ الطاعة وأمر بها، وأبغض المعصية ونهى عنها، والمعتزلة لما قالوا لا يريد الكفر قالوا: المعنى لو شاء الله أن يلجئهم إلى الإيمان إلجاء لأتاهم بآية تلجئهم، ولكن لا حكمة فى ذلك، لأن إيمان الإلجاء لا ثواب له ولا مدح. {فلا تكونَنَّ مِنَ الجاهِلينَ} بالحرص على ما لا يكون، والتحزن على أمر أراد الله إمضاءه، وهو كفر فمالك إلا التزام الصبر، واحتمال المشقة، فإن الجزع فى موطن الصبر من عادة الجاهلين، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أصاب أحدكم هم أو حزن فليقل: الله ربى لا أشرك به شيئاً سبع مرات" تفسير : أو المعنى لا تكون ممن جهل أنهم لو شاء الله لجمعهم على الهدى، وقال المهدوى: الخطاب فى المعنى لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وضعف لأنهُ خلاف الظاهر، والتأويل خلاف الظاهر، ولكن مثله وارد، كقوله تعالى: {أية : إما يبلغنَّ عندك الكبر} {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : وقيل المعنى لا تجزع على إعراضهم عنك فتقارب حال الجاهلين الذين لا صبر لهم.
الالوسي
تفسير : {وَإِن كَانَ كَبُرَ} أي شق وعظم وأتى بكان ـ على ما قيل ـ ليبقى الشرط على المضي ولا ينقلب مستقبلاً لأن كان لقوة دلالته على المضي لا تقلبه إن للاستقبال بخلاف سائر الأفعال وهو مذهب المبرد، والنحويون يؤولون ذلك بنحو وإن تبين وظهر أنه كبر {عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ } أي الكفار عن الايمان بك وبما جئت به من القرآن المجيد حسبما يفصح عنه قولهم فيه أساطير الأولين وينبىء عنه فعلهم من النأي والنهي، ولعل التعبير بالإعراض دون التكذيب مع أن التسلية على ما ينبىء عنه قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } تفسير : [الأنعام: 34] كانت عنه لتهويل أمر التكذيب وهو فاعل {كَبُرَ }، وتقديم الجار والمجرور لما مر مراراً. والجملة خبر {كَانَ } مفسرة لاسمها الذي هو ضمير الشأن. ولا حاجة إلى تقدير قد، وقيل: اسم كان {إِعْرَاضُهُمْ }، و {كَبُرَ} مع فاعله المستتر الراجع إلى الاسم خبر لها مقدم على اسمها، والكلام استئناف مسوق لتأكيد إيجاب الصبر المستفاد من التسلية ببيان أن ذلك أمر لا محيد عنه أصلاً. وفي بعض الآثار أن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في محضر من قريش فقالوا: يا محمد ائتنا بآية من عند الله تعالى كما كانت الأنبياء تفعل وإنا نصدقك فأبى الله تعالى أن يأتيهم بآية مما اقترحوا فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه عليه الصلاة والسلام لما أنه كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمان قومه فكان إذا سألوه آية يود أن ينزلها الله تعالى طمعاً في إيمانهم فنزلت: {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ } أي إن قدرت وتهيأ لك {أَن تَبْتَغِىَ} أي تطلب {نَفَقاً فِى ٱلأَرْضِ} «هو السَّرَب فيها له مخلص إلى مكان» كما في «القاموس»، وأصل معناه جحر اليربوع، ومنه «النافقاء لأحد منافذه، ويقال لها النُفَقَة كهُمَزَة وهي التي يكتمها ويظهر غيرها فإذا أُتِيَ من القاصِعَاء ضربها برأسه فانتفق» ومنه أخذ النفاق، والجار متعلق بمحذوف وقع صفة {نَفَقاً } والكلام على التجريد في رأي، وجوز تعلقه بتبتغي وبمحذوف وقع حالاً من ضميره المستتر أي نفقاً كائناً في الأرض أو تبتغي في الأرض أو تبتغي أنت حال كونك في الأرض {أَوْ سُلَّماً فِى ٱلسَّمَاء} أي مرقاة فيها أخذاً من السلامة، قال الزجاج: لأنه الذي يسلمك إلى مصعدك، وهو كما قال الفراء: مذكر واستشهدوا لتذكيره بقوله تعالى: { أية : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ } تفسير : [الطور: 38] ثم قال: وأنشدت في تأنيثه بيتاً أنسيته انتهى. قال الغضايري: البيت الذي أنسيه الفراء بيت أوس وهو: شعر : لنا سلم في المجد لا يرتقونها وليس لهم في سورة المجد سلم تفسير : وأنشدوا أيضاً في تذكيره: شعر : الشعر صعب وطويل سلمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه يريد أن يعربه فيعجمه تفسير : و {فِى ٱلسَّمَاء} نظير ما في الجار قبله من الاحتمالات. {فَتَأْتِيَهُمْ} أي منهما {بِـئَايَةٍ} مما اقترحوه من الآيات. والفاء في صدر هذه الشرطية جوابية وجواب الشرط فيها محذوف. ولك تقديره أتيت بصيغة الخبر / أو فافعل فعل أمر؛ والجملة جواب للشرط الأول، والمعنى ان شق عليك إعراضهم عن الإيمان وأحببت أن تجيبهم عما سألوه اقتراحاً ليؤمنوا فإن استطعت كذا فتأتيهم بآية فافعل، وفيه إشارة إلى مزيد حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمان قومه وتحصيل مطلوبهم واقتراحهم مع الإيماء إلى توبيخ القوم أو المعنى ان شق عليك إعراضهم فلو قدرت أن تأتي بالمحال أتيت به، والمقصود بيان أنه صلى الله عليه وسلم بلغ في الحرص على إيمانهم إلى هذه الغاية، وفيه إشعار ببعد إسلامهم عن دائرة الوجود كما لا يخفى على المتدبر، وإيثار الابتغاء على الاتخاذ ونحوه للإيذان بأن ما ذكر من النفق والسلم مما لا يستطيع ابتغاءه فكيف باتخاذه. وجوز أن يكون ابتغاء ذينك الأمرين أعني نفس النفوذ في الأرض والصعود إلى السماء آية، فالفاء في {فَتَأْتِيَهُمْ} حينئذ تفسيرية وتنوين {ءايَةً} للتفخيم، والمعنى عليه فإن استطعت ابتغاءهما فتجعل ذلك آية لهم فعلت. ورده أبو حيان بأن هذا لا يظهر من ظاهر اللفظ إذ لو كان كذلك لكان التركيب فتأتيهم بذلك آية أي أية، وأيضاً فأي آية في دخول سرب في الأرض وإن صح أن يكون الرقي إلى السماء آية، وما ذكرناه من أن إيتاء الآية منهما هو الظاهر المتبادر إلى الأذهان. ورواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: إن المراد فتأتيهم بآية من السماء وابتغاء النفق للهرب، وأيد بما أخرجه الطستي عن نافع بن الأزرق أنه قال لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أخبرني عن قوله تعالى: {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى ٱلأَرْضِ} فقال رضي الله تعالى عنه سرباً في الأرض فتذهب هرباً وفيه بعد، وخبر ابن الأزرق قد قيل فيه ما قيل. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} أي لو شاء الله تعالى جمعهم على ما أنتم عليه من الهدى لجمعهم عليه بأن يوفقهم للإيمان فيؤمنوا معكم ولكن لم يشأ ذلك سبحانه لسوء اختيارهم حسبما علمه الله تعالى منهم في أزل الآزال، وقالت المعتزلة: المراد لو شاء سبحانه جمعهم على الهدى لفعل بأن يأتيهم بآية ملجئة إليه لكنه جل شأنه لم يفعل ذلك لخروجه عن الحكمة، والحق ما عليه أهل السنة. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} أي إذا عرفت أنه سبحانه لم يشأ هدايتهم وإيمانهم فلا تكن بالحرص الشديد على إسلامهم أو الميل إلى نزول مقترحاتهم من قوم ينسبون إلى الجهل بدقائق شؤونه تعالى. وجوز أن يراد بالجاهلين ـ على ما نقل عن المعتزلة ـ المقترحون، ويراد بالنهي منعه صلى الله عليه وسلم من المساعدة على اقتراحهم، وإيرادهم بعنوان الجهل دون الكفر لتحقق مناط النهي. وقال الجبائي: المراد لا تجزع في مواطن الصبر فيقارب حالك حال الجاهلين بأن تسلك سبيلهم والأول أولى، وفي خطابه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب دون خطابه بما خوطب به نوح عليه السلام من قوله سبحانه: { أية : إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [هود: 46] إشارة إلى مزيد شفقته صلى الله عليه وسلم واشتباب حرصه عليه الصلاة والسلام فافهم . هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} يحتمل أن يكون الليل والنهار إشارة إلى قلب الكافر وقلب المؤمن وما سكن فيهما الكفر والإيمان ومعنى كون ذلك له سبحانه أنه من آثار جلاله وجماله، ويحتمل أن يكون إشارة إلى قلب العارف في حالتي القبض والبسط فكأنه قيل: وله ما سكن في قلوب العارفين المنقبضة والمنبسطة من آثار التجليات فلا تلتفت في الحالتين إلى سواه عز شأنه / { أية : وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [الأنعام: 13] فيسمع خواطرها السيئة والحسنة ويعلم شرها وخيرها أو فيسمع أنينها في شوقه ويعلم انسهابه أو نحو ذلك. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} أي ناصراً ومعيناً {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي مبدعهما فهي ملكه سبحانه ونسبة المملوك إلى المالك نسبة اللاشيء إلى الشيء {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } فهو الغني المطلق وغيره جل شأنه محتاج بحت وطلب المحتاج من المحتاج سفه في رأيه وضلة من عقله {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} نفسه لربه عز شأنه، والمراد بالأمر بذلك الأمر الكوني أي: قل إني قيل لي: كن أول من أسلم فكنت، وذلك قبل ظهور هذه التعينات وإليه الإشارة بما شاع من قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : كنت نبياً وآدم بين الماء والطين » تفسير : فأول روح ركضت في ميدان الخضوع والانقياد والمحبة روح نبينا صلى الله عليه وسلم وقد أسلم نفسه لمولاه بلا واسطة وكل إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما أسلموا نفوسهم بواسطته عليه الصلاة والسلام، فهو صلى الله عليه وسلم المرسل إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام في عالم الأرواح وكلهم أمته وهم نوابه في عالم الشهادة، ولا ينافي ذلك أمره عليه الصلاة والسلام باتباع بعضهم في النشأة الجسمانية لأن ذلك لمحض استجلاب المعتقدين بأولئك البعض على أحسن وجه { أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } تفسير : [الأنعام: 14] أي وقيل لي: لا تكونن ممن أشرك مع الله تعالى أحداً بشيء من الأشياء. {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } بإفنائهم والتصرف بهم كيف شاء {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } أي الذي يفعل ما يفعل في عباده بالحكمة { أية : ٱلْخَبِيرُ } تفسير : [الأنعام: 18] الذي يطلع على خفايا الأحوال ومراتب الاستحقاق { أية : قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } تفسير : [الأنعام: 19] بإظهار المعجزات، وأعظم من ذلك عند العارفين ظهور أنوار الله تعالى في مرآة وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم { أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } تفسير : [الأنعام: 20] وذلك بالصفات التي وجدوها في كتابهم لا بالنور المتلألىء على صفحات ذلك الوجه الكريم {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } بإثبات وجود غيره تعالى {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} فأظهر صفات نفسه { أية : إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [الأنعام: 21] لاحتجابهم بما وضعوه في موضع ذات الله تعالى وصفاته جل وعلا {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} وهو يوم القيامة الكبرى وعين الجمع {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} بإثبات الغير { أية : أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تفسير : [الأنعام: 22] أنهم شركاء ولهم وجود {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } أي نهاية شركهم عند ظهور الأمر وبروز الكل لله الواحد القهار { أية : إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] لامتناع وجود شيء نشركه {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } بنفي الشرك عنها مع رسوخ ذلك الاعتقاد فيها {وَضَلَّ } أي ضاع { أية : عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } تفسير : [الأنعام: 24] فلم يجدوه {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} من حيث أنت {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } حسبما اقتضاه استعدادهم {أَن يَفْقَهُوهُ} وهي ظلمات النفس الأمارة {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} وهو وقر الضلالة { أية : وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا } تفسير : [الأنعام: 25] لأن على أبصارهم غشاوة العجب والجهل {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } وهي نار الحرمان {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا} من تجليات صفاته { أية : وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأنعام: 27] أي الموحدين {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} في أنفسهم من الملكات الرديئة والهيئات المظلمة والصفات المهلكة {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} لرسوخ ذلك فيهم { أية : وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [الأنعام: 28] في الدنيا والآخرة لأن الكذب عن ملكة فيهم { أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ } تفسير : [الأنعام:30] الآية قال بعض أهل التأويل: هذا تصوير لحالهم في الاحتجاب والبعد وإن كانوا في عين الجمع المطلق، والوقوف على الشيء غير الوقوف معه فإن الأول: لا يكون إلا كرهاً والثاني: يكون طوعاً ورغبة، فالواقف مع الله سبحانه بالتوحيد لا يوقف للحساب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: { أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } تفسير : [الكهف: 28] { أية : مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْءٍ } تفسير : [الأنعام: 52] ويثاب هذا بأنواع النعيم في الجنان كلها. ومن وقف مع الغير بالشرك وقف على الرب تعالى وعذب بأنواع العذاب لأن الشرك ظلم عظيم. ومن وقف مع الناسوت بمحبة الشهوات وقف على الملكوت وعذب بنيران الحرمان وسلط عليه زبانية الهيئات المظلمة وقرن بشياطين الأهواء المردية، ومن وقف مع الأفعال وقف على الجبروت وعذب بنار الطمع والرجاء ورد إلى مقام الملكوت، ومن وقف مع الصفات وقف على الذات وعذب بنار الشوق والهجران. وليس هذا هو الوقوف عل الرب لأن فيه حجاب الأنية وفي الوقوف على الذات معرفة الرب الموصوف بصفات اللطف. والمشرك موقوف أولاً على الرب فيحجب بالرد والطرد { أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108] ثم على الجبروت فيطرد بالسخط واللعن { أية : وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [آل عمران: 77] ثم على الملكوت فيزجر بالغضب واللعن { أية : قِيلَ ٱدْخُلُواْ أَبْوٰبَ جَهَنَّمَ } تفسير : [الزمر: 72] ثم على النار يسجرون فيعذب بأنواع النيران أبداً فيكون وقفه على النار متأخراً عن وقفه على الرب تعالى معلولاً له كما قال تعالى: { أية : ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } تفسير : [يونس: 70] وأما الواقف مع الناسوت فيوقف للحساب على الملكوت ثم على النار. وقد ينجو لعدم السخط وقد لا ينجو لوجوده. والواقف مع الأفعال لا يوقف على النار أصلاً بل يحاسب ويدخل الجنة. وأما الواقف مع الصفات فهو من الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه انتهى. فتأمل فيه {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} وهي القيامة الصغرى أعني الموت. حكي عن بعض الكبار أنه قيل له: إن فلاناً مات فجأة فقال: لا عجب إذ من لم يمت فجأة مرض فجأة فمات {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} أي في حق تلك الساعة بترك العمل النافع { أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } تفسير : [الأنعام: 31] تصوير لحالهم {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} أي الحياة الحسية فإن المحسوس أدنى وأقرب من المعقول {إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} لا أصل له ولا حقيقة سريع الفناء والانقضاء {وللدار الآخرة} أي عالم الروحانيات { أية : خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } تفسير : [الأنعام:32] وهم المتجردون عن ملابس الصفات البشرية واللذات البدنية {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ } لمقتضى البشرية {ٱلَّذِى يَقُولُونَ } ما يقولون {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ } في الحقيقة {وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} التي تجلى بها { أية : يَجْحَدُونَ } تفسير : [الأنعام: 33] فهو سبحانه ينتقم منهم {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا } فتأس بهم وانتظر الغاية { أية : وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنعام: 34] التي يتجلى بها لعباده فليطمئن قلبك ولا تكونن من الجاهلين الذين لا يطلعون على حكمة تفاوت الاستعدادات فتتأسف على احتجاب من احتجب وتكذيب من كذب. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : قد نعلم إنّه لَيُحْزنك الذي يقولون}تفسير : [الأنعام: 33]، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحزنه ما يقولونه فيه من التكذيب به وبالقرآن حَزَناً على جهل قومه بقدر النصيحة وإنكارهم فضيلة صاحبها، وحزناً من جرّاء الأسف عليهم من دوام ضلالهم شفقة عليهم، وقد سلاّه الله تعالى عن الحزن الأول بقوله {أية : فإنّهم لا يكذبونك}تفسير : [الأنعام: 33] وسلاّه عن الثاني بقوله: {وإن كانَ كَبُر عليك إعراضهم} الآية. و{كبُر} ككرم، كِبراً كعنب: عظمت جثّته. ومعنى {كَبُر} هنا شقّ عليك. وأصله عظم الجثّة، ثم استعمل مجازاً في الأمور العظيمة الثقيلة لأنّ عظم الجثّة يستلزم الثقل، ثم استعمل مجازاً في معنى (شقّ) لأنّ الثقيل يشق جمله. فهو مجاز مرسل بلزومين. وجيء في هذا الشرط بحرف (إنْ) الذي يكثر وروده في الشرط الذي لا يظنّ حصوله للإشارة إلى أنّ الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ ليس بمظنّة ذلك ولكنّه على سبيل الفرض. وزيدت (كان) بعد (إنْ) الشرطية بينها وبين ما هو فعل الشرط في المعنى ليبقى فعل الشرط على معنى المضي فلا تُخلّصه (إن) الشرطيّةُ إلى الاستقبال، كما هو شأن أفعال الشروط بعد (إن)، فإنّ (كان) لقوّة دلالته على المضي لا تقلبه أداة الشرط إلى الاستقبال. والإعراض المعرّف بالإضافة هو الذي مضى ذكره في قوله تعالى: {أية : وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين}تفسير : [الأنعام: 4]. وهو حالة أخرى غير حالة التكذيب، وكلتاهما من أسباب استمرار كفرهم. وقوله: {فإن استطعت} جوابُ {إن كان كبر}، وهو شرط ثان وقع جواباً للشرط الأول. والاستطاعة: القدرة. والسين والتاء فيها للمبالغة في طاع، أي انقاد. والابتغاء: الطلب. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : أفغير دين الله تبغون} تفسير : في سورة [آل عمران: 83]، أي أن تَطْلُبَ نَفَقاً أو سُلّماً لتبلغ إلى خبايا الأرض وعجائبها وإلى خبايا السماء. ومعنى الطلب هنا: البحث. وانتصب {نفقاً} و{سُلّما} على المفعولين لــ {تبتغي}. والنفق: سرب في الأرض عميق. والسّلَّم ـــ بضمّ ففتح مع تشديد اللاّم ـــ آلة للارتقاء تتّخذ من حبلين غليظين متوازيين تصل بينهما أعواد أو حبال أخرى متفرّقة في عرض الفضاء الذي بين الحبلين من مساحة ما بين كلّ من تلك الأعواد بمقدار ما يرفع المرتقي إحدَى رجليه إلى العود الذي فوق ذلك، وتسمّى تلك الأعواد دَرَجَات. ويجعلُ طول الحبلين بمقدار الارتفاع الذي يراد الارتقاء إليه. ويسمَّى السلّم مِرْقاة ومِدْرَجة. وقد سمّوا الغرز الذي يرتقي به الراكب على رحل ناقته سُلّما. وكانوا يرتقون بالسلّم إلى النخيل للجذاذ. وربما كانت السلاليم في الدور تتّخذ من العود فتسمّى المرقاة. فأمّا الدرج المبنيّة في العَلالي فإنّها تُسَمَّى سُلّماً وتسمّى الدّرَجة كما ورد في حديث مقتل أبي رافع قول عبد الله بن عتيك في إحدى الروايات «حديث : حتّى انتهيت إلى دَرَجة له»تفسير : ، وفي رواية «حديث : حتّى أتيت السلّم أريد أن أنزل فأسْقُطُ منه» تفسير : . وقوله {في الأرض} صفة {نفقاً} أي متغلغلاً، أي عميقاً. فذكر هذا المجرور لإفادة المبالغة في العمق مع استحضار الحالة وتصوير حالة الاستطاعة إذ من المعلوم أنّ النفق لا يكون إلاّ في الأرض. وأمّا قوله: {في السماء} فوصف به {سُلّما}، أي كائناً في السماء، أي واصلاً إلى السماء. والمعنى تبلغ به إلى السماء. كقول الأعشى: شعر : ورُقّيتَ أسبَاب السّمَاء بسُلّم تفسير : والمعنى: فإن استطعت أن تطلب آية من جميع الجهات للكائنات. ولعلّ اختيار الابتغاء في الأرض والسماء أنّ المشركين سألوا الرسول ـــ عليه والصلاة والسلام ـــ آيات من جنس ما في الأرض، كقولهم {أية : حتّى تُفجّر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90]، ومن جنس ما في السماء، كقولهم: {أية : أو ترقى في السماء}تفسير : [الإسراء: 93]. وقوله: {بآية} أي بآية يسلّمون بها، فهنالك وصف محذوف دلّ عليه قوله: {إعراضهم}، أي عن الآيات التي جئتهم بها. وجواب الشرط محذوف دلّ عليه فعل الشرط، وهو {استطعت}. والشرط وجوابه مستعملان مجازاً في التأييس من إيمانهم وإقناعهم، لأنّ الله جعل على قلوبهم أكنّة وفي آذانهم وقراً وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها. ويتعيّن تقدير جواب الشرط ممّا دلّ عليه الكلام السابق، أي فأتهم بآية فإنّهم لا يؤمنون بها، كما يقول القائل للراغب في إرضاء مُلحّ. إن استطعت أن تجلب ما في بيتك، أي فهو لا يرضى بما تقصر عنه الاستطاعة بلْهَ ما في الاستطاعة. وهو استعمال شائع، وليس فيه شيء من اللوم ولا من التوبيخ، كما توهّمه كثير من المفسّرين. وقوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} شرط امتناعي دلّ على أنّ الله لم يشأ ذلك، أي لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم عليه؛ فمفعول المشيئة محذوف لقصد البيان بعد الإبهام على الطريقة المسلوكة في فعل المشيئة إذا كان تعلّقه بمفعوله غير غريب وكان شرطاً لإحدى أدوات الشرط كما هنا، وكقوله: {أية : إن يشأ يُذهبكم}تفسير : [النساء: 133]. ومعنى: {لجمعهم على الهدى} لهداهم أجمعين. فوقع تفنّن في أسلوب التعبير فصار تركيباً خاصِّيّاً عدل به على التركيب المشهور في نحو قوله تعالى: {أية : فلو شاء لهداكم أجمعين}تفسير : [الأنعام: 149] للإشارة إلى تمييز الذين آمنوا من أهل مكّة على من بقي فيها من المشركين، أي لو شاء لجمعهم مع المؤمنين على ما هدى إليه المؤمنين من قومهم. والمعنى: لو شاء الله أن يخلقهم بعقول قابلة للحقّ لخلقهم بها فلَقَبلُوا الهدى، ولكنّه خلقهم على ما وصف في قوله: {أية : وجعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً}تفسير : [الأنعام: 25] الآية، كما تقدّم بيانه. وقد قال تعالى: {أية : ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة}تفسير : [هود: 118]، وبذلك تعلم أنّ هذه مشيئة كليّة تكوينيّة، فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى في آخر هذه السورة (148) {أية : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا }تفسير : الآية. فهذا من المشيئة المتعلّقة بالخلق والتكوين لا من المشيئة المتعلّقة بالأمر والتشريع. وبينهما بَوْن، سقط في مهواته من لم يقدّر له صون. وقوله: {فلا تكونّن من الجاهلين} تذييل مفرّع على ما سبق. والمراد بـ {الجاهلين} يجوز أن يكون من الجهل الذي هو ضدّ العلم، كما في قوله تعالى خطاباً لنوح {أية : إنّي أعظُك أن تكون من الجاهلين}تفسير : [هود: 46]، وهو ما حمل عليه المفسّرون هنا. ويجوز أن يكون من الجهل ضدّ الحلم، أي لا تضق صدراً بإعراضهم. وهو أنسب بقوله: {وإن كان كبر عليك إعراضهم}. وإرادة كلا المعنيين ينتظم مع مفاد الجملتين: جملة: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} وجملة {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}. ومع كون هذه الجملة تذييلاً للكلام السابق فالمعنى: فلا يَكْبُرْ عليك إعراضهم ولا تضق به صدراً، وأيضاً فكن عالماً بأنّ الله لو شاء لجمعهم على الهدى. وهذا إنباء من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأمر من علم الحقيقة يختصّ بحالة خاصّة فلا يطّرد في غير ذلك من مواقف التشريع. وإنّما عدل على الأمر بالعلم لأنّ النّهي عن الجهل يتضمّنه فيتقرّر في الذهن مرتين، ولأنّ في النهي عن الجهل بذلك تحريضاً على استحضار العلم به، كما يقال للمتعلّم: لا تنسى هذه المسألة. وليس في الكلام نهي عن شيء تلبّس به الرسول صلى الله عليه وسلم كما توهّمه جمع من المفسّرين، وذهبوا فيه مذاهب لا تستبين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 35- وإن كان قد شق عليك انصرافهم عن دعوتك، فإن استطعت أن تتخذ طريقاً فى باطن الأرض، أو سلماً تصعد به إلى السماء، فتأتيهم بدليل على صدقك، فافعل. وليس فى قدرتك ذلك. فأرح نفسك واصبر لحكم ربك، ولو شاء الله هدايتهم لحملهم جميعاً على الإيمان بما جئت به قسراً وقهراً، ولكنه تركهم لاختيارهم فلا تكونن من الذين لا يعلمون حكم الله وسنته فى الخلق. 36- إنما يجيب دعوة الحق مقبلين عليه، الذين يسمعون سماع فهم وتدبر. وأما هؤلاء فلا ينتفعون بدعوتك، لأنهم فى حكم الأموات. وسيبعثهم الله يوم القيامة من القبور، ويرجعهم إليه، فيحاسبهم على ما فعلوا. 37- وقال الكفار متعنتين: نطلب أن ينزل على محمد دليل مادى من ربه يشهد بصدق دعوته. قل لهم أيها النبى: إن الله قادر على أن ينزل أى دليل تقترحونه. ولكن أكثرهم لا يعلمون حكمة الله فى إنزال الآيات، وأنها ليست تابعة لأهوائهم، وأنه لو أجاب مقترحاتهم ثم كذبوا بعد ذلك لأهلكهم، ولكن أكثرهم لا يعلمون نتائج أعمالهم!! 38- وإن أقوى دليل على قدرة الله وحكمته ورحمته، أنه خلق كل شئ، وليس فى الأرض حيوان يدب فى ظاهر الأرض وباطنها، أو طائر يطير بجناحيه فى الهواء، إلا خلقها الله جماعات تماثلكم، وجعل لها خصائصها ومميزاتها ونظام حياتها. ما تركنا فى الكتاب المحفوظ عندنا شيئاً إلا أثبتناه. وإن كانوا قد كذبوا، فيحشرون مع كل الأمم للحساب يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَةٍ} {ٱلْجَاهِلِينَ} (35) - كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَقْتَرِحُونَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَآيَاتٍ لِيُؤْمِنُوا لَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يَتَمَنَّى لَوْ آتَاهُ اللهُ بَعْضَ مَا طَلَبُوا، حِرْصاً مِنْهُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ، وَأَسَفاً وَحُزْناً مِنْهُ عَلَى إِصْرَارِهِمْ عَلَى الكُفْرِ وَالاسْتِكْبَارِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلاءِ الجَاحِدِينَ لا يؤمِنُونَ وَإِنْ أتَاهُمُ الرَّسُولُ بِمَا يَطْلُبُونَ مِنَ الآيَاتِ. لِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى مُخَاطِباً رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم: إِنْ كَانَ قَدْ شَقَّ عَلَيْكَ إِعْرَاضهُمْ عَنْكَ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ نَفَقٍ فِي الأَرْضِ فَتَذْهَبَ فِيهِ فَتَأْتِيَهُمْ بَآيَةٍ، أَوْ أَنْ تَجْعَلَ لَكَ سُلَّماً تَرْتَقِي فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ لِتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أَفْضَلَ مِمَّا أَتَيْتَهُمْ بِهِ فَافْعَلْ، فَالآيَاتُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَأْتِيَ بِمُعْجِزَةٍ مِنْ عِنْدِكَ. وَلَوْ شَاءَ اللهُ هِدَايَتَهُمْ جَمِيعاً لَهَدَاهُمْ، وَلَجَمَعَهُمْ عَلَى الحَقِّ، فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ سُنَنَ اللهِ فِي خَلْقِهِ، فَتَتَمَنَّى مَا تَرَاهُ حُسْناً نَافِعاً، وَإِنْ كَانَ حُصُولُهُ مُمْتَنِعاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنك يا محمد رسول من عند الله، ومعك منهج هو معجزتك الدالة على صدق ما جئت به، فإن كبر عليك إعراضهم وعظم عليك أن يتولوا ويعرضوا عنك فإن استطعت أن تصنع لنفسك نفقاً في الأرض لتأتيهم بآية أو أن تبني سلماً لتصعد به إلى السماء طلباً لهذه الآية فافعل، ولكنك لن تستطيع ذلك لأن ذلك فوق حدود قدرتك وسيلقى المشركون والمنافقون العذاب لأنك جئت يا رسول الله تبدد من صولجان سلطتهم الزمنية وتقيم العدل الإيماني. ولذلك حاولوا السخرية منك وإيذاءك. وقد طلب الكافرون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل إلى الأرض ليفجر لهم منها ينبوعاً، وطلبوا إليه أن يصعد إلى السماء وأن يجعلها تسقط عليهم كسفاً وقطعاً لتهلكهم. وهذه أشياء لم تكن في مكنة واستطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقول له الحق سبحانه وتعالى ما يقفل عليه أبواب الحزن ويقضي على أسباب الأسى والأسف عنده بسبب إعراضهم، وأن يعرف أن السخرية والمقاومة هي مسألة طبيعية بالنسبة لكل رسول من الرسل، وأنت يا رسول الله أولى بهذا لأن مهمتك أضخم من كل الرسل. ونلحظ أن الحق سبحانه يحذف هنا جواب "إن" فهو يقول: {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} [الأنعام: 35]. ولم يقل الحق: فافعل ذلك، كأن المسألة هي تهدئة للرسول؛ لأن الجواب في مثل هذه الحالة معلوم؛ فالرسول لا يجبر أحداً على الإيمان. وإعراض هؤلاء القوم أمر مقصود لواجب الوجود حتى يختبرهم ولو أراد قهرهم لفعل، فلا أحد يتأبى على الله، فالكون كله مطيع لله، الشمس، والقمر، والنجوم، والهواء، والماء، والجبال، والأرض، وكل ما في الكون مطيع لله بما في ذلك الحيوان المسخر لخدمة الإنسان. ولكنه - سبحانه - أعطى الاختيار للإنسان ليأتي إلى الله محباً. ونعلم أن الحق قد ترك بعضاً من المسخرات غير مذللة ليثبت للإنسان إنه لم يذلل الأشياء بحيلته، ولكنه - جل شأنه - هو الذي خلقها وذللها له؛ لذلك نرى الجمل الضخم يجره طفل صغير، ونرى أي رجل مهما تكن قوته يأخذ الحذر والاحتياط من ثعبان صغير. {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 71-72]. ولو لم يذللها الله فلن يستطيع أحد أن يقترب منها. وأضرب هذا المثل دائماً، عندما قال قائل: لماذا خلق الله الذباب، فقال رجل من أهل الإشراق: ليذل به الجبابرة؛ فسلطانهم لا يمتد إلى هذه الحشرات. لقد أعطى الحق الإنسان عزَّة السيادة، وعلمه أيضاً أن يتواضع للخالق. ويبلغ الحق سبحانه وتعالى رسوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35]. أي أنه سبحانه لو شاء لجعل الناس كلهم مؤمنين. وقد يقول قائل: كيف يخاطب الله رسوله فيقول له: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ}؟ ونقول: إن الحق حين يقول لرسوله ذلك فهو يقولها لا من مظنة أن يفعلها الرسول؛ فالرسول معصوم من الجهل، ولكن هو قول فيه تنزيه للرسول عن أن يكون في مثل هذا الصنف من الجاهلين. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ} معناهُ طريقٌ وهَو السِّربُ. تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ} معناهُ مَصعدٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 796- قال: وأمام قوله: {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ}: [الآية: 35]، قال: سرباً، {أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ} يعني الدرج.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):