٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى بيّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان ولا يتركون الكفر فقال: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ } يعني أن الذين تحرص على أن يصدقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع، كقوله {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [النمل: 80] قال علي بن عيسى: الفرق بين يستجيب ويجيب، أن يستجيب في قبوله لما دعيَ إليه، وليس كذلك يجيب لأنه قد يجيب بالمخالفة كقول القائل: أتوافق في هذا المذهب أم تخالف؟ فيقول المجيب: أخالف. وأما قوله {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ } ففيه قولان: الأول: أنه مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة والمراد: أنه تعالى هو القادر على أن يبعث الموتى من القبور يوم القيامة ثم إليه يرجعون للجزاء، فكذلك ههنا أنه تعالى هو القادر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر عليه. والقول الثاني: أن المعنى: وهؤلاء الموتى يعني الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى استمعاهم، وقريء {يَرْجِعُونَ } بفتح الياء. وأقول: لا شك أن الجسد الخالي عن الروح يظهر منه النتن والصديد والقيح وأنواع العفونات، وأصلح أحواله أن يدفن تحت التراب، وأيضاً الروح الخالية عن العقل يكون صاحبها مجنوناً يستوجب القيد والحبس والعقل بالنسبة إلى الروح كالروح بالنسبة إلى الجسد، وأيضاً العقل بدون معرفة الله تعالى وصفاته وطاعته كالضائع الباطل، فنسبة التوحيد والمعرفة إلى العقل كنسبة العقل إلى الروح، ونسبة الروح إلى الجسد فمعرفة الله ومحبته روح روح الروح فالنفس الخالية عن هذه المعرفة تكون بصفة الأموات، فلهذا السبب وصف الله تعالى أولئك الكفار المصرين بأنهم الموتى. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} أي سماع إصغاء وتفهُّم وإرادة الحق، وهم المؤمنون الذين يقبلون ما يسمعون فينتفعون به ويعملون؛ قال معناه الحسن ومجاهد، وتمّ الكلام. ثم قال: {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} وهم الكفار؛ عن الحسن ومجاهد؛ أي هم بمنزلة الموتى في أنهم لا يقبلون ولا يصغون إلى حجة. وقيل: الموتى كل من مات. {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} أي للحساب؛ وعلى ٱلأول بَعْثهِم هِدَايتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم. وعن الحسن: هو بعثهم من شِركهم حتى يؤمنوا بك يا محمد ـ يعني عند حضور الموت ـ في حال ٱلإلجاء في الدنيا. قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} قال الحسن: «لولا» ها هنا بمعنى هلاّ؛ وقال الشاعر: شعر : تَعدُّون عَقْر النِّيبِ أفضل مَجْدِكم بَني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المقنَّعَا تفسير : وكان هذا منهم تعنتاً بعد ظهور البراهين؛ وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله، لما فيه من الوصف وعلم الغيوب. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون أن الله عز وجل إنما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة لعباده؛ وكان في علم الله أن يخرج من أصلابهم أقواماً يؤمنون به ولم يرد ٱستئصالهم. وقيل: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الله قادر على إنزالها. الزجاج: طلبوا أن يجمعهم على الهدى أي جمع إلجاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ } دعاءك إلى الإِيمان {ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ } سماع تفهم واعتبار {وَٱلْمَوْتَىٰ } أي الكفار شبههم بهم في عدم السماع {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ } في الآخرة {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } يردّون فيجازيهم بأعمالهم.
ابن عطية
تفسير : هذا من النمط المتقدم في التسلية أي لا تحفل بمن أعرض فإنما يستجيب لداعي الإيمان الذين يقيمون الآيات ويتلقون البراهين بالقبول، فعبر عن ذلك كله بـ {يسمعون} إذ هو طريق العلم بالنبوة والآيات المعجزة، وهذه لفظة تستعملها الصوفية إذا بلغت الموعظة من أحد مبلغاً شافياً قالوا سمع، ثم قال تعالى: {والموتى} يريد الكفار، فعبر، عنهم بضد ما عبر عن المؤمنين وبالصفة التي تشبه حالهم في العمى عن نور الله تعالى والصمم عن وعي كلماته، قاله مجاهد وقتادة والحسن، و {يبعثهم الله} يحتمل معنيين قال الحسن معناه "يبعثهم الله" بأن يؤمنوا حين يوقفهم. قال القاضي أبو محمد: فتجيء الاستعارة في هذا التأويل، في الوجهين في تسميتهم موتى وفي تسمية إيمانهم وهدايتهم بعثاً، والواو على هذا مشركة في العامل عطفت {الموتى} على {الذين}، و {يبعثهم الله} في موضع الحال، وكأن معنى الآية إنما يستجيب الذين يرشدون حين يسمعون فيؤمنون والكفار حين يرشدهم الله بمشيئته، فلا تتأسف أنت ولا تستعجل ما لم يقدر، وقرأ الحسن "ثم إليه يرجعون" فتناسبت الآية، وقال مجاهد وقتادة: {والموتى} يريد الكفار، أي هم بمثابة الموتى حين لا يرون هدى ولا يسمعون فيعون، و {يبعثهم الله} أي: يحشرهم يوم القيامة {ثم إليه} أي إلى سطوته وعقابه {يرجعون} وقرأت هذه الطائفة يرجعون بياء والواو على هذا عاطفة جملة كلام على جملة، {الموتى} مبتدأ و {يبعثهم الله} خبره، فكأن معنى الآية إنما يستجيب الذين يسمعون فيعون والكفار سيبعثهم الله ويردهم إلى عقابه، فالآية على هذا متضمنة الوعيد للكفار، والعائد على {الذين} هو الضمير في {يسمعون}، والضمير في {قالوا} عائد على الكفار، و {لولا} تحضيض بمعنى هلا، قال الشاعر[جرير]: [الطويل] شعر : تَعُدُّونَ عَقْرَ النّيبِ أفضلَ مَجْدِكُمْ بَنِي ضَوْطرى لولا الكميّ المقنَّعا تفسير : ومعنى الآية هلا أنزل على محمد بيان واضح لا يقع معه توقف من أحد كملك يشهد له أو أكثر أو غير ذلك من تشططهم المحفوظ في هذا، فأمر عليه السلام بالرد عليهم بأن الله عز وجل له القدرة على إنزال تلك الآية، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أنها لو نزلت ولم يؤمنوا لعوجلوا بالعذاب، ويحتمل {ولكن أكثرهم لا يعلمون} إن الله تعالى إنما جعل المصلحة في آيات معرضة للنظر والتأمل ليهتدي قوم ويضل آخرون، وقوله تعالى: {وما من دابة} الآية، المعنى في هذه الآية التنبيه على آيات الله الموجودة في أنواع مخلوقاته، أي قل لهم إن الله قادر على أن ينزل آية إلا أنكم لا تعلمون وجه الحكمة في أن لا ينزل آية مجهزة وإنما يحيل على الآيات المنصوبة لمن فكر واعتبر كالدواب والطير التي قد حصرت جميع الحيوان، وهي أمم أي جماعات مماثلة للناس في الخلق والرزق والحياة والموت والحشر، ويحتمل أن يريد بالمماثلة أنها في كونها أمماً لا غير كما تريد بقولك مررت برجل مثلك أي في رجل، ويصح في غير ذلك من الأوصاف إلا أن الفائدة في هذه الآية، إنما تقع بأن تكون المماثلة في أوصاف غير كونها أمماً، قال الطبري وغيره: والمماثلة في أنها يهتبل بأعمالها وتحاسب ويقتص لبعضها من بعض ما روي في الأحاديث، أي: فإذا كان يفعل هذا بالبهائم فأنتم أحرى إذ أنتم مكلفون عقلاء وروى أبو ذر أنهحديث : انتطحت عنزان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتعلمون فيم انتطحتا؟ قلنا لا: قال: فإن الله يعلم وسيقضي بينهماتفسير : ، وقد قال مكي في المماثلة في أنها تعرف الله تعالى وتعبده، وهذا قول خلف و {دابة} وزنها فاعلة وهي صفة وضعت موضع الاسم كما قالوا الأعرج والأبرق، وأزيل منه معنى الصفة وليست بالصفة الغالبة في قولنا العباس والحارث لأن معنى الصفة باق في الصفة الغالبة، وقرأت طائفة "ولا طائرِ" عطفاً على اللفظ وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة "ولا طائرٌ" بالرفع عطفاً على المعنى، وقرأت فرقة "ولا طير" وهو جمع "طائر" وقوله: {بجناحيه} تأكيد وبيان وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة فقد يقال "طائر" السعد والنحس. وقوله تعالى: {ألزمناه طائره في عنقه} أي عمله، ويقال: "طار لفلان طائر" كذا أي سهمه في المقتسمات،فقوله تعالى {بجناحيه} إخراج للطائر عن هذا كله، وقرأ علقمة وابن هرمز "فرَطنا في الكتاب" بتخفيف الراء والمعنى واحد، وقال النقاش معنى "فرطنا" مخففة أخرنا كما قالوا فرط الله عنك المرض أي أزاله، والأول أصوب، والتفريط التقصير في الشيء مع القدرة على ترك التقصير والكتاب القرآن وهو الذي يقتضيه نظام المعنى في هذه الآيات، وقيل اللوح المحفوظ، ومن شيء على هذا القول عام في جميع الأشياء، وعلى القول بأنه قرآن خاص في الأشياء التي فيها منافع للمخاطبين وطرائق هدايتهم، و {يحشرون} قالت فرقة حشر البهائم موتها، وقالت فرقة حشرها بعثها، واحتجوا بالأحاديث المضمنة أن الله تعالى يقتص للجماء من القرناء، إنما هي كناية عن العدل وليست بحقيقة فهو قول مردود ينحو إلى القول بالرموز ونحوها.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} طلباً للحق، أو يعقلون، والاستجابة القبول والجواب يكون قبولاً وغير قبول. {وَالْمَوْتَى} الكفار، أو الذين فقدوا الحياة.
النسفي
تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ } أي إنما يجيب دعاءك الذين يسمعون دعاءك بقلوبهم {وَٱلْمَوْتَىٰ } مبتدأ إي الكفار {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } فحينئذ يسمعون وأما قبل ذلك فلا {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ } هلا أنزل عليه {ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } كما نقترح من جعل الصفا ذهباً وتوسيع أرض مكة وتفجير الأنهار خلالها {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً } كما اقترحوا {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } إن الله قادر على أن ينزل تلك الآية، أو لا يعلمون ما عليهم في الآية من البلاء لو أنزلت {وَمَا مِن دَابَّةٍ } هي اسم لما يدب وتقع على المذكر والمؤنث {فِي ٱلأَرْضِ } في موضع جر صفة لـ {دَابَّةٍ } {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } قيد الطيران بالجناحين لنفي المجاز لأن غير الطائر قد يقال فيه طار إذا أسرع {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } في الخلق والموت والبعث والاحتياج إلى مدبر يدبر أمرها {مَّا فَرَّطْنَا } ما تركنا {فِي ٱلْكِتَـٰبِ } في اللوح المحفوظ {مِن شَيْءٍ } من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت، أو الكتاب القرآن. وقوله {مِن شَيْءٍ } أي من شيء يحتاجون إليه فهو مشتمل على ما تعبدنا به عبارة وإشارة ودلالة واقتضاء {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } يعني الأمم كلها من الدواب والطيور فينصف بعضها من بعض كما رُوي أنه يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول: كوني تراباً. وإنما قال {إِلاَّ أُمَمٌ } مع إفراد الدابة والطائر لمعنى الاستغراق فيهما. ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته وينادي على عظمته قال {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـايَـٰتِنَا صُمٌّ } لا يسمعون كلام المنبه {وَبُكْمٌ } لا ينطقون بالحق خابطون {فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ } أي ظلمة الجهل والحيرة والكفر، غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه. { صُمٌّ وَبُكْمٌ } خبر {ٱلَّذِينَ } ودخول الواو لا يمنع من ذلك، و {فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ } خبر آخر. ثم قال إيذاناً بأنه فعال لما يريد {مَن يَشَأْ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ } أي من يشأ الله ضلاله يضلله {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وفيه دلالة خلق الأفعال وإرادة المعاصي ونفي الأصلح. {قُلْ أَرَءَيتَكُم} وبتليين الهمزة: مدني، وبتركه: علي، ومعناه هل علمتم أن الأمر كما يقال لكم فأخبروني بما عندكم، والضمير الثاني لا محل له من الإعراب والتاء ضمير الفاعل ومتعلق الاستخبار محذوف تقديره أرأيتكم { إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ } من تدعون. ثم بكتهم بقوله {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } أي أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضر أم تدعون الله دونها {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في أن الأصنام آلهة فادعوها لتخلصكم {بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ } بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ } أي ما تدعونه إلى كشفه {إِن شَاءَ } إن أراد أن يتفضل عليكم {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } وتتركون آلهتكم، أو لا تذكرون آلهتكم في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر ربكم وحده إذ هو القادر على كشف الضر دون غيره، ويجوز أن يتعلق الاستخبار بقوله {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } كأنه قيل: أرأيتكم أغير اللّه تدعون إن أتاكم عذاب اللّه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إنما يستجيب الذين يسمعون} يعني المؤمنين الذين فتح الله أسماع قلوبهم فهم يسمعون الحق ويستجيبون له ويبغونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمع قلبه وهو قوله {الموتى} يعني الكفار الذين لا يسمعون ولا يستجيبون {يبعثهم الله} يعني يوم القيامة {ثم إليه يرجعون} فيجزيهم بأعمالهم {وقالوا} يعني رؤساء كفار قريش {لولا} يعني هلا {نزل عليه آية من ربه} يعني الملك ليشهد لمحمد بالنبوة وقيل الآية المعجزة الباهرة كمثل معجزات الأنبياء {قل} يعني قل لهم يا محمد {إن الله قادر على أن ينزل آية} يعني أنه تعالى قادر على إيجاد ما طلبوه وإنزال ما اقترحوه من الآيات والمعجزات الباهرات {ولكن أكثرهم لا يعلمون} يعني ماذا عليهم في إنزالها من العذاب إن لم يؤمنوا بها وقيل معناه إنهم لا يعلمون أن الله قادر على إنزال الآيات وقيل إنهم لا يعلمون وجه المصلحة في إنزالها قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} قال العلماء: جميع ما خلق الله عز وجل لا يخرج عن هاتين الحالتين إما أن يدب على الأرض، أو يطير في الهواء، حتى ألحقوا حيوان الماء بالطير، لأن الحيتان تسبح في الماء كما أن الطير يسبح في الهواء. وإنما خص ما في الأرض بذكر دون ما في السماء وإن كان ما في السماء مخلوقاً لأن الاحتجاج بالشاهد أظهر وأولى مما لا يشهد وإنما ذكر الجناح في قوله بجناحيه للتوكيد كقولك كتبت بيدي ونظرت بعيني إلا أمم أمثالكم. قال مجاهد: أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. يريدون أن كل جنس من الحيوان أمة فالطير أمة والدواب أمة والسباع أمة تعرف بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم كما يقال الإنس والناس ويدل على أن كل جنس من الدواب أمة ما روي عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. فإن قلت ثبت بالآية والحديث أن الدواب والطير أمم أمثالنا وهذه المماثلة لم تحصل من كل الوجوه فيما يظهر لنا فما وجه هذه المماثلة. قلت: اختلف العلماء في وجه هذه المماثلة فقيل: إن هذه الحيوانات تعرف الله وتوحده وتسبّحه وتصلي له كما أنكم تعرفون الله وتوحدونه وتسبحونه وتصلّون له. وقيل: إنها مخلوقة لله كما أنكم مخلوقون لله عز وجل وقيل إنها يفهم بعضها عن بعض ويألف بعضها بعضاً كما أن جنس الإنسان يألف بعضهم بعضاً ويفهم بعضهم عن بعض. وقيل: أمثالكم في طلب الرزق وتوقي المهالك ومعرفة الذكر والأنثى. وقيل: أمثالكم في الخلق والموت والبعث بعد الموت للحساب حتى يقتص للجماء من القرناء وهو قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} يعني في اللوح المحفوظ لأنه يشمل جميع أحوال المخلوقات وقيل إن المراد بالكتاب القرآن يعني أن القرآن مشتمل على جميع الأحوال: {ثم إلى ربهم يحشرون} يعني الدواب والطير قال ابن عباس: حشرها موتها. وقال أبو هريرة يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء ثم يقول كوني تراباً (م). عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاء القرناء "
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّه بَيَّنَ السَّبَبَ في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان، ولا يتركون الكفر فقال: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ}، يعني: أن الذين تحرص على أن يُصَدِّقُوكَ بمنزلة المَوْتَى الذين لا يسمعون، وإنّما يستجيب من يَسْمَعُ كقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [النمل:80]. وقال عَلِيُّ بن عيسى: الفَرْقُ بين "يستجيب" و "يجيب" أن "يستجيب" فيه قَبُولٌ لما دُعِيَ إليه، وليس كذلك "يجيب"؛ لأنه قد يجيب بالمخالفة كقول القائل: أتُوَافِقُ في هذا المذهب أم تخالف؟ فيقول المجيب: أخالف. قوله:{وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها جملة من مبتدأ وخبر سِيقَتْ للإخبار بقُدْرتِهِ، وأنَّ من قدرَ على بَعْثِ الموتى يقدر على إحياء قلوب الكَفَرةِ بالإيمان، فلا تَتَأسَّفْ على من كفر. والثاني: أن المَوْتى مَنْصُوبٌ بفعلٍ مُضْمَر يُفَسِّرُهُ الظَّاهر بعده، ورجح هذا الوجه على الرَّفع بالابتداء لطعف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها، فهو نظير: {أية : وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [الإنسان:31] بعد قوله: {أية : يُدْخِلُ} تفسير : [الإنسان:31]. والثالث: أنَّهُ مرفوع على الموصول قبله، والمراد بـ "الموتى" الكفَّار أي: إنما يستجيب المؤمنون السَّامِعُون من أوَّل وَهْلَةٍ، والكافرون الذين يجيبهم الله - تعالى - بالإيمان ويوفقهم له، فالكافرون يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، وحينئذٍ يسمعون، وأمّا قبل ذلك فلا يسمعون ألْبَتَّةَ، وعلى هذا فتكون الجملة من قوله: {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال، إلاّ أنْ هذا القول يبعده قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، إلا أن يكون من ترشيح المجاز، وقد تقدَّم له نظائرُ. وقرئ "يَرْجِعُونَ" من "رجع" اللاَّزم. اعلم أن الجَسَدَ الخالي [عن] الرُّوح يظهر منه النَّتنُ والصَّديدُ، وأصْلحُ أحْوَالِهِ أن يُدْفَنَ تحت التُّرَاب، والرُّوحُ الخاليَةُ عن العَقْلِ يكون صاحبها مَجْنُوناً يستوجب القَيْدَ والحَبْسَ، والعَقْلُ بالنسبة إلى الرُّوح كالرُّوحِ بالنسبة إلى الجَسَدِ، والعَقْلُ بدُونِ معرفة الله وطَاعَتِهِ كالضَّائِعِ الباطل، فَنِسْبَةُ التوحيد والمَعْرِفَةِ إلى العَقْلِ كنسبة العَقْلِ إلى الرُّوح، ونسبة الروح إلى الجَسَدِ؛ فمعرفة الله وَمَحَبَّتُهُ هي رُوحُ الرُّوح، فالنَّفْسُ الخالِيَةُ عن هذه المعرفة تكون كَصِفةِ الأموات، فلهذا السَّبَب وُصِفَ الكُفَّارُ بأنهم مَوْتَى.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} تقريرٌ لما مر من أن على قلوبهم أكنةً مانعة من الفقه، وفي آذانهم وَقراً حاجزاً من السماع، وتحقيقٌ لكونهم بذلك من قبـيل الموتى لا يُتصور منهم الإيمانُ البتةَ، والاستجابةُ الإجابةُ المقارنة للقَبول، أي إنما يَقبلُ دعوتَك إلى الإيمان الذين يسمعون ما يُلقىٰ إليهم سماعَ تفهمٍ وتدبُّر دون الموتى الذين هؤلاء منهم كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [الروم، الآية 52]. وقوله تعالى: {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} تمثيلٌ لاختصاصه تعالى بالقدرة على توفيقهم للإيمان باختصاصه تعالى بالقدرة على بعث الموتى من القبور، وقيل: بـيانٌ لاستمرارهم على الكفر وعدمِ إقلاعهم عنه أصلاً على أن الموتى من القبور. وقيل: بـيان مستعارٌ للكفرة بناءً على تشبـيه جهلهم بموتهم، أي وهؤلاء الكفرة يبعثهم الله تعالى من قبورهم {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} للجزاء، فحينئذ يستجيبون وأما قبل ذلك فلا سبـيل إليه وقرىء (يَرْجِعون) على البناء للفاعل من رجَع رُجوعاً والمشهورُ أوفى بحق المقام لإنبائه عن كون مرجِعِهم إليه تعالى بطريق الاضطرار.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الآية: 36]. قال النورى: من فتح سمعه للسماع أجرى لسانه بالجواب. قوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ}. قال ابن عطاء: أخبر الله أن أهل السماع هم الأحياء وهم أهل الخطاب والجواب، وأخبر أن الآخرين هم الأموات بقوله {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ}.
القشيري
تفسير : مَنْ فقد الاستماع في سرائره عَدِمَ توفيقَ الاتِّباعِ بظاهره، والاختيارُ السابقُ في معلومه - سبحانه - غالبٌ.
البقلي
تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} السماع سماعان سماع فهم وسماع عشق ومحبة من سمع سماع فهم لم يكن من اهل النطف فى جريان حكم المعراف لانه فى مقام البداية ولم يكن له تصرف الا تصرف ظاهر العلم ومن سمع سماع العشق بسمع المعرفة على حد الكمال يكون له لسان بيان المعرفة والتصرف فى الاشارات والعبارات الا ترى الى النبى صلى الله عليه وسلم وأله وسلم وموسى عليه السلام لما كان النبى صلى الله عليه وأله وسلم كاملا مستقيما قال بعثت بجوامع الكلم وانا افصح العرب والعجم ولما كان موسى عليه السلام فى محل الارادة اخبر الله سبحانه عنه بقوله بعد سواله بشرح الصدر الموجب فصاحة اللسان فى المعرفة قال واحلل عقدة من لسانى وبين ان على قدر السماع يكون الجواب ونفى السماع عن غير الاحباء بالمعرفة والمشاهدة قال النورى من فتح سمعه بالسماع اجرى لسانه بالجواب قال الله تعالى انما يستجيب الذين يسمعون وقال ابن عطا اخبر الله ان اهل السماع هم الاحباء وهم اهل الخطاب والجواب واخبر ان الأخرين هم الاموات بقوله والموتى يبعثهم الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {إنما يستجيب} اي يقبل دعوتك الى الايمان {الذين يسمعون} ما يلقى اليهم سماع فهم وتدبر دون الموتى الذين هؤلاء منهم: قال الحافظ شعر : كوهر باك ببايدكه شود قابل فيض ورنه هرسنك وكلى لؤلؤ ومرجان نشود تفسير : {والموتى} اى الكفار شبههم بهم فى عدم السماع {يبعثهم الله} من قبورهم {ثم اليه} تعالى لا الى غيره {يرجعون} اى يردون للجزاء فحينئذ يستجيبون واما قبل ذلك فلا سبيل اليه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إنما يستجيب} لك، ويُجيب دعوتك إلى الإيمان {الذين يسمعون} سماع تفهم وتدبر، وهو من كان قبله حيًا، وأما الكفار فهم موتى لا يسمعون ولا يفقهون، {والموتى}، وهم الكفار الذين ماتت أرواحهم بالجهل حتى ماتوا حسًا، {يبعثهم الله}، فيظهر لهم حينئذٍ الحق، ويسمعون حين لا ينفع الإيمان، أو يبعثهم الله في الدنيا بالهداية، أو الموتى حقيقة حسًا، يبعثهم الله للحساب، {ثم إليه يُرجعون} للجزاء. الإشارة: إنما يستجيب لدعوة الخصوصية، ويُجيبون الدعاة إلى السير لشهود عظمة الربوبية، الذين سبقت لهم العناية، وأحيا اللهُ قلوبهم بالهداية، فيسمعون بسمع القلوب والأرواح، ويتَرقَّون من حضرة عالم الأشباح إلى حضرة عالم الأسرار والأرواح؛ والموتى بالغفلة والجهل يبعثهم الله ببركة صُحبة أهل الله فَتهُبُ عليهم نفحات الهداية؛ لِما سبق لهم من سر العناية، ثم إليه يُرجعون فيتنعمون في حضرة الشهود، في مقعد صدقٍ عند الملك الودود. ثم عاتبهم على اقتراح الآيات، فقال: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ}.
الطوسي
تفسير : الوقف عند قوله {الذين يسمعون} ومعنى الآية انما يستجيب الى الايمان بالله وما أنزل اليك من يسمع كلامك ويصغي اليك، والى ما تقرأ عليه من القرآن وما تبين له من الحجج والآيات ويفكر في ذلك لانه لا يتبين الحق من الباطل الا لمن تفكر فيه واستدل عليه بما يستمع أو يعرف من الآيات والادلة على صحته، وجعل من لم يتفكر ولم ينتفع بالآيات بمنزلة من لم يستمع كما قال الشاعر: شعر : لقد اسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي تفسير : وكما جعله الشاعر بمنزلة الاصم في قوله: شعر : اصم عما ساءه سميع تفسير : وقوله {والموتى يبعثهم الله} معناه ان الذين لا يصغون اليك من هؤلاء الكفار ولا يسمعون كلامك ان كلمتهم، ولا يسمعون ما تقرأه عليهم وتبينه لهم من حجج الله وآياته، وينفرون عنه اذا كلمتهم بمنزلة الموتى، فكما ان الموتى لا يستجيبون لمن يدعوهم الى الحق والايمان، فكذلك هؤلاء الكفار لا يستجيبون لك اذا دعوتهم الى الايمان، فكما آيست ان يسمع الموتى كلامك الى ان يبعثهم الله والى ان يرجعوا اليه، فكذلك فآيس من هؤلاء أن يسمعوا كلامك وأن يستجيبوا لك. وبين أن الموتى اذا بعثهم الله بمعنى أحياهم انهم يرجعون بعد الحشر والبعث الى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه عليهم غير الله تعالى، ولا يملك محاسبتهم وضرهم ونفعهم غيره، فجعل رجوعهم الى ذلك الموضع رجوعا الى الله وذلك مستعمل في اللغة. وقال مجاهد: {إنما يستجيب الذين يسمعون} يعني المؤمنين يسمعون الذكر {والموتى يبعثهم الله} يعني المشركين الصم يبعثهم الله فيحييهم من شركهم حتى يؤمنوا {ثم إلينا يرجعون} يوم القيامة.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} يعنى الّذين يستعدّون للقبول فبقدر سببيّة القابل فى الفعل لهم سببيّة فى ضلالهم وهديهم ولمّا توهّم من انّ المستعدّ يجيب وغير المستعدّ لا يجيب انّه لا ينبغى لغير المستعدّ دعوة ولا امر ولا نهى ولا يلزم عليه ذمّ ولوم فأجاب عنه وقال {وَٱلْمَوْتَىٰ} الّذين لا استعداد لهم والمتوقّفون فى مراقد طبعهم اذا جاهدوا {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} من مراقد طبعهم {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} فيسمعون بعد التّوجّه اليه ويجيبون بعد السّماع ليس الموت للموتى حتماً ولا الحيوة للاحياء حتماً.
اطفيش
تفسير : {إنَّما يسْتجيبُ} إلى الإيمان {الَّذين يسْمعونَ} القرآن سماع قبول، وهم الذين فتح الله قلوبهم للإيمان {والموتى يبْعثُهم الله} أى والذين كفروا الشبيهون بالموتى فى عدم الاستجابة والسمع، قاله قتادة والحسن ومجاهد، يبعثهم الله بعد موتهم من قبورهم. {ثم إليه يُرجَعُون} فيجزيهم بأعمالهم، أو المراد بالموتى كل من مات فيشمل الكفار والمؤمنين، فيتضمن أيضاً الكلام عقاب الكفار، وعلى كل حال فالمستجيب يفوز باستجابته، والكفار يهلكون بعد البعث، فلا يحزنك أمرهم، ولا تحرص على هداهم، فقد ختم على قلوبهم وهم كالموتى فلا يستجيبون إلى الإيمان، وقيل المعنى إن الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون ويعقلون، وقال الحسن: معنى يبعثهم يخرجهم من الكفر إلى الإيمان، وقرأ ترجعون بالتاء، ويجوز أن يقدر ثم إلىَّ يرجعون أو ترجعون، وعلى الخطاب فالخطاب للناس كلهم أو للموتى على طريق الالتفات، وقرئ بفتح ياء يرجعون وكسر الجيم.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} سمع تأَمل فينفعهم، وغير ذلك من السمع كالصم، والمعنى يجيبونك وهذا مما اتفق فيه استفعل وأفعل، ولا يطرد ما قيل أَن استجاب للقبول وأَجاب للعموم، ومن ذلك أَوقد واستوقد بمعنى واحد، وقال: شعر : وداع دعا: يا من يجيب إِلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : فقابل يستجيب بمجيب، كذا يقال، وليس لازماً لجواز بقاء مجيب على عمومه، أَى لم يجبه أَحداً بما ينفع ولا بما لا ينفع، ولعل هذا أَرجح {وَالْمَوْتَى}الكفار يستجيبون بعد البعث ولا ينفعهم لا هؤلاء فالموتى عطف على الذين وهو شامل لهؤلاء، وقوله {يَبْعَثُهُمُ اللهُ} مستأنف أَو حال مقدرة من الموتى، والمعروف أَن الموتى مبتدأ خبره يبعثهم الله، ونصبه على الاشتغال أَنسب إِذ فيه عطف فعليه على فعلية، فيشير إِلى هؤلاء كالموتى كما لا يستجيب الموتى قبل البعث كذلك هؤلاء لا يبعثون من موت الجهالة إلا يوم القيامة حيث لا ينفعهم، وإِلى أَن الله قادر على إِحياء قلب الكافر بالإِيمان كما قدر على إِحياء الموتى، والاستجابة أَخص لأَن فيها القبول لما دعى إِليه، والإِجابة أَعم لأَنه قد يجيب بالمخالفة أَو بما لا يفيد، والمراد هنا الأَخص على ظاهره، ويجوز أَن يكون المراد بالموتى هؤلاء الأَحياء تشبيهاً فى عدم انتفاعهم بأَبدانهم على الاستعارة وهو مبتدأ، أَى هؤلاء يبعثهم الله فى جهلهم وشركهم {ثُمَّ إِليْهِ يُرْجَعُونَ} للجزاء فيسمعون.
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ } تقرير لما يفهمه الكلام السابق من أنهم لا يؤمنون. والاستجابة بمعنى الإجابة، وكثيراً ما أجري استفعل مجرى أفعل كاستخلص بمعنى أخلص واستوقد بمعنى أوقد إلى غير ذلك. ومنه قول الغنوي: شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : ويدل على ذلك أنه قال مجيب ولم يقل مستجيب، ومنهم من فرق بين استجاب وأجاب بأن استجاب يدل على قبول. والمراد بالسماع الفرد الكامل وهو سماع الفهم والتدبر بجعل ما عداه كلا سماع أي إنما يجيب دعوتك إلى الإيمان الذين يسمعون ما يلقى إليهم سماع فهم وتدبر دون الموتى الذين هؤلاء منهم كقوله تعالى: { أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [النمل:80]. وَ {ٱلْمَوْتَىٰ } أي الكفار كما قال الحسن، / ورواه عنه غير واحد {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ } من قبورهم إلى المحشر، وقيل: بعثهم هدايتهم إلى الايمان وليس بشيء {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} للجزاء فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى سماعهم لما أن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقراً. وفي إطلاق الموتى على الكفار استعارة تبعية مبنية على تشبيه كفرهم وجهلهم بالموت كما قيل: شعر : لا يعجبن الجهول بزيه فذاك ميت ثيابه كفن تفسير : وقيل: الموتى على حقيقته، والكلام تمثيل لاختصاصه تعالى بالقدرة على توفيق أولئك الكفار للإيمان باختصاصه سبحانه بالقدرة على بعث الموتى الذين رمت عظامهم من القبور، وفيه إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يقدر على هدايتهم لأنها كبعث الموتى. وتعقب بأنه على هذا ليس لقوله سبحانه {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} كبير دخل في التمثيل إلا أن يراد أنه إشارة إلى ما يترتب على الايمان من الآثار. وفي إعراب (الموتى) وجهان، أحدهما: أنه مرفوع على الابتداء، والثاني: أنه منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده واختاره أبو البقاء، ويفهم من كلام مجاهد أنه مرفوع بالعطف على الموصول، والجملة بعده في موضع الحال والظاهر خلافه. وقرىء {يرجعون } على البناء للفاعل من رجع رجوعاً. والمتواترة أوفى بحق المقام لإنبائها عن كون مرجعهم إليه تعالى بطريق الاضطرار.
ابن عاشور
تفسير : تعليل لما أفاده قوله: {أية : وإنْ كان كَبُر عليك إعراضهم} تفسير : [الأنعام: 35] إلى قوله {أية : فلا تكوننّ من الجاهلين}تفسير : [الأنعام: 35] من تأييس من ولوج الدعوة إلى أنفسهم، أي لا يستجيب الذين يسمعون دون هؤلاء الذين حرمهم فائدة السمع وفهم المسموع. ومفهوم الحصر مؤذن بإعمال منطوقه الذي يؤمىء إلى إرجاء بعد تأييس بأنّ الله جعل لقوم آخرين قلوباً يفقهون بها وآذاناً يسمعون بها فأولئك يستجيبون. وقوله: {يستجيب} بمعنى يجيب، فالسين والتاء زائدان للتأكيد؛ وقد تقدّم الكلام على هذا الفعل عند قوله تعالى: {أية : فاستجاب لهم ربّهم}تفسير : في سورة [آل عمران: 195]. وحذف متعلّق {يستجيب} لظهوره من المقام لأنّ المقام مقام الدعوة إلى التوحيد وتصديق الرسول. ومعنى {يسمعون}، أنّهم يفقهون ما يلقى إليهم من الإرشاد لأنّ الضالّين كمن لا يسمع. فالمقصود سمع خاصّ وهو سمع الاعتبار. أمّا قوله: {والموتى يبعثهم الله} فالوجه أنّه مقابل لِـ{الذين يسمعون}. ولذلك حسن عطف هذه الجملة على جملة: {إنما يستجيب الذين يسمعون}. فمعنى الكلام: وأمّا المعرضون عنك فهم مثل الموتى فلا يستجيبون، كقوله: {أية : إنّك لا تسمع الموتى}تفسير : [النمل: 80]. فحذف من الكلام ما دلّ عليه السياق، فإنّ الذي لا يسمع قد يكون فقدان سمعه من علّة كالصمم، وقد يكون من عدم الحياة، كما قال عبد الرحمان بن الحكم الثقفي: شعر : لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً ولكن لا حياة لمنْ تنادي تفسير : فتضمّن عطف {والموتى يبعثهم الله} تعريضاً بأنّ هؤلاء كالأموات لا ترجى منهم استجابة. وتخلّص إلى وعيدهم بأنّه يبعثهم بعد موتهم، أي لا يرجى منهم رجوع إلى الحقّ إلى أن يبعثوا، وحينئذٍ يلاقون جزاء كفرهم. {والموتى} استعارة لمن لا ينتفعون بعقولهم ومواهبهم في أهمّ الأشياء، وهو ما يُرضي الله تعالى. و{يبعثهم} على هذا حقيقة، وهو ترشيح للاستعارة، لأنّ البعث من ملائمات المشبّه به في العرف وإن كان الحي يخبر عنه بأنه يبعث، أي بعد موته، ولكن العرف لا يذكر البعث إلاّ باعتبار وصف المبعوث بأنّه ميّت. ويجوز أن يكون البعث استعارة أيضاً للهداية بعد الضلال تبعاً لاستعارة الموت لعدم قبول الهدى على الوجهين المعروفين في الترشيح ـــ في فن البيان ـــ من كونه تارة يبقى على حقيقته لا يقصد منه إلاّ تقوية الاستعارة، وتارة يستعار من ملائم المشبّه به إلى شبهه من ملائم المشبّه، كقوله تعالى: {أية : واعتصموا بحبل الله جميعاً}تفسير : [آل عمران: 103]. فيكون على هذا الوجه في الكلام وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بأنّ بعض هؤلاء الضالّين المكذّبين سيهديهم الله تعالى إلى الإسلام، وهم من لم يسبق في علمه حرمانهم من الإيمان. فعلى الوجه الأول يكون قوله {ثم إليه يُرْجعون} زيادة في التهديد والوعيد. وعلى الوجه الثاني يكون تحريضاً لهم على الإيمان ليلقوا جزاءه حين يُرجعون إلى الله. ويجوز أن يكون الوقف عند قوله تعالى: {يبعثهم الله}. وتمّ التمثيل هنالك. ويكون قوله: {ثم إليه يرجعون} استطراداً تُخلّص به إلى قرع أسماعهم بإثبات الحشر الذي يقع بعد البعث الحقيقي، فيكون البعث في قوله: {يبعثهم الله} مستعملاً في حقيقته ومجازه. وقريب منه في التخلّص قوله تعالى: {أية : فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى}تفسير : في سورة [البقرة: 73].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} الآية. قال جمهور علماء التفسير: المراد بالموتى في هذه الآية: الكفارن وتدل لذلك آيات من كتاب الله، كقوله تعالى {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} تفسير : [الأنعام: 122] الآية، وقوله {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} تفسير : [فاطر: 22]، وقوله: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} تفسير : [فاطر: 22] إلى غير ذلك من الآيات.
الواحدي
تفسير : {إنما يستجيب} أَيْ: يُجيبك إلى الإيمان {الذين يسمعون} وهم المؤمنون الذين يستمعون الذِّكر، فيقبلونه وينتفعون به، والكافر الذي ختم الله على سمعه كيف يصغى إلى الحقِّ!؟ {والموتى} يعني: كفَّار مكة {يبعثهم الله ثمَّ إليه يرجعون} يردُّون فيجازيهم بأعمالهم. {وقالوا} يعني: رؤساء قريش {لولا} هلاَّ {نُزِّلَ عليه آية من ربه} يعنون: نزول ملك يشهد له بالنُّبوَّة {قل إنَّ الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} ما عليهم في ذلك من البلاء، وهو ما ذكرناه في قوله: {أية : ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر }. تفسير : {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} يعني: جميع الحيوانات؛ لأنَّها لا تخلو من هاتين الحالتين {إلاَّ أمم أمثالكم} أصناف مصنَّفة تُعرف بأسمائها، فكلُّ جنس من البهائم أُمَّةٌ، كالطَّير، والظِّباء، والذُّباب، والأُسود، وكلُّ صنفٍ من الحيوان أُمَّةٌ مثل بني آدم يعرفون بالإِنس {ما فرَّطنا في الكتاب من شيء} ما تركنا في الكتاب من شيءٍ بالعباد إليه حاجةٌ إلاَّ وقد بيَّناه؛ إمَّا نصّاً؛ وإمَّا دلالة؛ وإمَّا مجملاً؛ وإمَّا مفصَّلاً كقوله: {أية : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكلِّ شيء} تفسير : أَيْ: لكلِّ شيءٍ يُحتاج إليه من أمر الدِّين {ثم إلى ربهم} أَيْ: هذه الأمم {يحشرون} للحساب والجزاء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنما يستجيب: أي لدعوة الحق التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيؤمن ويهتدي. يبعثهم الله: أي يوم القيامة. لولا نزل عليه آية: هلا أداة تحضيض لا لولا الشرطية. آية من ربه: آية: خارقة تكون علامة على صدقه. لا يعلمون: أي ما يترتب على إيتائها مع عدم الإِيمان بعدها من هلاك ودمار. من دابة: الدابة كل ما يدب على الأرض من إنسان وحيوان. في الكتاب: كتاب المقادير أم الكتاب اللوح المحفوظ. صم وبكم في الظلمات: صم: لا يسمعون وبكم: لا ينطقون في الظلمات لا يبصرون. صراط مستقيم: هو الدين الإِسلامي المفضي بالآخذ به إلى سعادة الدارين. معنى الآيات: بعدما سلى الرب تعالى رسوله في الآيات السابقة وحمله على الصبر أعلمه هنا بحقيقة علمية تساعده على الثبات والصبر فأعلمه أن الذين يستجيبون لدعوته صلى الله عليه وسلم هم الذين يسمعون لأن حاسة السمع عندهم سليمة ما أصابها ما يخل بأداء وظيفتها من كره الحق. وبغض أهله والداعين إليه فهؤلاء هم الذين يستجيبون لأنهم أحياء أما الأموات فإنهم لا يسمعون ولذا فهم لا يستجيبون ولكن سيبعثهم الله يوم القيامة أحياء ثم يرجع الجميع إليه من استجاب، لحياة قلبه، ومن لم يستجب لموت قلبه ويجزيهم بما عملوا الجزاء الأوفى وهو على كل شيء قدير، هذا ما دلت عيله الآية الأولى [36] أما الآية الثانية [37] فقد أخبر تعالى رسوله بقولهم {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ}، وعلمه أن يقول لهم {إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً} وهي الخارقة كإحياء الموتى أو تسيير الجبال أو إنزال الملائكة يشاهدونهم عياناً، ولكن لم ينزلها لحكم عالية وتدبير حكيم، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} الحكمة في ذلك، ولو علموا أنها إذا نزلت كانت نهاية حياتهم لما سألوها. هذا ما تضمنته الآية الثانية أما الآية الثالثة [38] وهي قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} سبقت هذه الآية لبيان كمال الله تعالى وشمول علمه وعظيم قدرته، وسعة تدبيره تدليلاً على أنه تعالى قادر على إنزال الآيات، ولكن منع ذلك حكمته تعالى في تدبير خلقه فما من دابة تدب في الأرض ولا طائر يطير في السماء إلا أمم مثل الأمة الإِنسانية مفتقرة إلى الله تعالى في خلقها ورزقها وتدبير حياتها، والله وحده القائم عليها، وفوق ذلك إحصاء عملها عليها ثم بعثها يوم القيامة ومحاسبتها ومجازاتها، وكل ذلك حواه كتاب المقادير وهو يقع في كل ساعة ولا يخرج شيء عما كتب في كتاب المقادير، اللوح المحفوظ {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ} فهل يعقل مع هذا أن يعجز الله تعالى عن إنزال آية، وكل مخلوقاته دالة على قدرته وعلمه ووحدانيته، ووجوب عبادته وفق مرضاته، وقوله {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} كل دابة وكل طائر يموت أحب أم كره، ويبعث أحب أم كره، والله وحده مميته ومحييه ومحاسبه ومجازيه، {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}، ومن هنا كان المكذبون بآيات الله {صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} أموات غير أحياء إذ الأحياء يسمعون وينطقون ويبصرون وهؤلاء صم بكم في الظلمات فهم أموات غير أحياء وما يشعرون. وأخيراً أعلم تعالى عباده أن هدايتهم كإضلالهم بيده فمن شاء هداه ومن شاء أضله، وعليه فمن أراد الهداية فليطلبها في صدق من الله جل جلاله وعظم سلطانه ومن رغب عنها فلن يعطاها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الإِيمان بالله ورسوله ولقائه حياة والكفر بذلك موت فالمؤمن حي والكافر ميت. 2- سبب تأخر الآيات علم الله تعالى بأنهم لو أعطاهم الآيات ما آمنوا وبذلك يستوجبون العذاب. 3- تعدد الأمم في الأرض وتعدد أجناسها والكل خاضع لتدبير الله تعالى مربوب له. 4- تقرير ركن القضاء والقدر وإثباته في أم الكتاب.
القطان
تفسير : استجاب: أطاع في ما دُعي إليه، وأجاب الداعي واستجاب له: لبّاه وقام بما دعاه اليه. والاستجابة من الله يعبر بها في الأمور التي تقع في المستقبل. استجاب الله فلاناً، ومنه، وله - قِبل دعاءه وقضى حاجته الموتى: هنا الكفار يبعثهم الله: يحييهم. بعد أن بيّن الله تعالى أن حكمته اقتضت أن يكون البشر متفاوتين في الاستعداد مختارين في تصرفاتهم واعمالهم، فمنهم من يختارون الهدى ومنهم من يختارون الضلال - بيّن هنا أن الأولين هم الذين ينظرون في الآيات ويفقهون ما يسمعون، وأن الآخرين لا يفقهون ولا يسمعون، فهم والاموات سواء. {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ...}. إنما يجيب دعوةَ الحق مقبلين عليه، أولئك الذين يسمعون كلامَ الله سماع فهمٍ وتدبّر، أما الذين لا تُرجى استجابتهم فإنهم لا يسمعون السماع النافع، ولا ينتفعون بدعوتك، لأنهم في حكم الاموات، يُترك أمرهم الى الله، فهو سيبعثهم يوم القيامة من القبور، ويرجعهم اليه فيحاسبهم على ما فعلوا. {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}. ذكر شيئا من تعنتهم وعنادهم الدال على عظيم جحودهم. إذا قالوا: إننا نطلب ان تُنزّل آية معجزة على محمد كدليل مادي من ربه تشهد بصدق دعوته. {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. قل لهم ايها الرسول: إن الله قادر على ان ينزل اي دليل تفترحونه، ولكن أكثركم لا تعلمون حكمة الله في إنزال الآيات. انها ليست تابعة لأهوائكم، ولو أجاب مقترحاتكم ثم كذبتم بعد ذلك لاهلككم، لكم اكثركم لا يعلمون نتائج أعمالهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (36) - الذِينَ يَسْتَجِيبُونَ، للهِ وَلِلرَّسُولِ، هُمُ الذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ، وَيَعُونَهُ، وَيَتَدَبَّرُونَهُ، فَيَعْقِلُونَ الآَيَاتِ، وَيُذْعِنُونَ لِمَا عَرَفُوا بِهَا مِنَ الحَقِّ، لِسَلاَمَةِ فِطْرَتِهِمْ، وَصَفَاءِ نُفُوسِهِمْ، وَطَهَارَةِ قُلُوبِهِمْ. أمَّا الذِينَ لاَ تُرْجَى اسْتِجَابَتُهُمْ، لأَِنَّهُمْ كَالمَوْتَى، لا يَسْمَعُونَ السَّمَاعَ النَّافِعَ، وَلا يَتَدَبَّرُونَ، فَيُتْرَكُ أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ، فَهُوَ الذِي يَبْعَثُهُمْ، بَعْدَ مَوْتِهِمْ، لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَلاَ تُهْلِكْ نَفسَكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، فَلَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِكَ هِدَايَتُهُمْ، وَلا إِرْجَاعُهُمْ إِلى جَادَّةِ الصَّوَابِ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم اللّه على سمعه فلا يصغي إلى الحق {وَٱلْمَوْتَىٰ} يعني الكفار {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} مع الموتى {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقَالُواْ} يعني الحرث بن عامر وأصحابه. {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} حالهم في نزولها {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني. {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إلاّ أمم أمثالكم جماعات أمثالكم. وقال عطاء: أمثالكم في التوحيد [ومعرفة اللّه] وقيل: إلاّ أمم أمثالكم في التصور والتشخيص {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} يعني في اللوح المحفوظ {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}. قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها. وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر اللّه الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب اللّه يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني تراباً فعند ذلك {أية : وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد للّه الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا ناراً نخاف، فيقول اللّه عز وجل لهم كونوا تراباً فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون تراباً. وعن أبي ذر قال: حديث : بينا أنا عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذ انتطحت عنزان فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أتدرون فيما إنتطحا" قالوا: لا ندري، قال: لكن اللّه يدري ويقضي بينهما تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} محمد والقرآن {صُمٌّ} لا يسمعون الخبر {وَبُكْمٌ} لا يتكلمون، الخبر {فِي ٱلظُّلُمَاتِ} في ظلالات الكفر {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ} يموتون على كفرهم {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} قائم وهو الإسلام {قُلْ أَرَأَيْتُكُم} أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، {أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ} في صرف العذاب، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} ثم قال {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} تخلصون {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ} تتركون {مَا تُشْرِكُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} فكفروا {فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ} الفقر والجوع {وَٱلضَّرَّآءِ} المرض والزمانة {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون. {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا} عذابنا {تَضَرَّعُواْ} فآمنوا فكشف عنهم {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} من الكفر والمعصية {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي أنكروا ما عظوا وأمروا به {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ} أعجبوا {بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} فجأة امن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} يئسون من كل خير. قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون. وقرأ عبد الرحمن السلمي: مبلسون بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: إبن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه. قال جعفر الصادق: فلما نسوا ما ذكروا به من التعظيم فتحنا عليهم أبواب كل شيء من النعم حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ} قال السدي: أصل القوم. قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} على إهلاكهم. روى عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا رأيت اللّه أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم". ثم تلا هذه الآية {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} الآية .
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"يستجيب" معناها أنهم يطيعون أمر الآمر ونهي الناهي. وهناك فارق بين "الاستجابة" و "الإجابة"؛ فـ "الاستجابة" هي: أن يجيبك من طلبت منه إلى ما طلبت ويحققه لك، و "الإجابة" هي: أن يجيبك من سألت ولو بالرفض لما تقول، وقد يكون الجواب ضد مطلوب ما سألت. ويقول الحق: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} أي أن الذين يستجيبون لنداء الحق هم الذين يسمعون بآذانهم وقلوبهم مصدقة؛ لأن هناك فارقاً بين سماع ظاهره سماع وباطنه انصراف، وبين سماع ظاهره طاعة وباطنه محبة لهذه الطاعة. ونعلم أن استقبال المسموع شيء، وانفعال الإنسان بالمسموع شيء آخر. وعندما يتحد حسن الاستماع مع انفعال الحب لتنفيذ ما سمعه الإنسان فهذا ما يطلبه الإيمان. والمؤمنون هم الذين يستمعون لكلمات الله بانفعال الحب، وهم يختلفون عن هؤلاء الذين يسمعون الكلام من أذن ويخرجونه من الأذن الأخرى، ويتركون الكلمات بلا تطبيق، ولا يبقى في النفس الواعية من آثار الكلام شيء. وهكذا نرى أن الله قد صنع وخلق في الإنسان من الحواس ما تهديه وترشده إلى الإيمان أو إلى الكفر؛ فالأذن عند المؤمن تسمع، والقلب يصدق، والعقل يمحص ويؤمن. أما الكافر فأذنه تسمع وقلبه يعارض، وعقله يبحث في أسباب الكفر رغبة فيه وسعيًا إليه، ولذلك لا تؤدي حواسه مهامها بانسجام، وكأن الذين يسمعون ولا يستجيبون هم من الموتى. فالأمر - إذن ليس مقصوراً على السمع بل المطلوب أن يكون هناك سماع انفعال بالمسموع وانصياع له، ولا تظن أن الله يعجز عن أن يجعل الذي لا يسمع سماع طاعة يهتدي ويستقيم، فلا شيء ولا كائن يتأبى على الله؛ لأنه سبحانه يحيي الموتى. وما دام هو سبحانه يحيي الموتى فهو لا يتطلب إيمانا جبرياً. إنما يطلب إيمان الاختيار والاقتناع، وهو سبحانه لو شاء لأنزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين، وسبحانه يطلب قلوباً لا قوالب. إذن فالذين يستجيبون لداعي الإيمان هم الأحياء حقاً، أما الذين لا يستجيبون فهم في حكم الأموات، وهم من بعد موتهم وانتهاء حياتهم سيبعثهم الله ليسألهم عن أفعالهم في الحياة الدنيا. وعندما يرجعون إلى الله سوف يجدون الحساب. ونعلم أن المرجع أخيراً ودائماً إلى الله. ومن يرجع إلى الله وعمله طيب يتعجل الجزاء الطيب ويتشوق ويتشوف إليه، أما من يرجعه الله قَهْراً فهو يخشى الجزاء الأليم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر الله تعالى إعراض المشركين عن القرآن وعن الإِيمان بالنبي عليه السلام، ذكر في هذه الآيات السبب في ذلك وهو أن القرآن نور وشفاء يهتدي به المؤمنون، وأما الكافرون فهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ولا يستجيبون، ثم ذكر اقتراح المشركين بعض الآيات وشبههم بالصم البكم الذين لا يعقلون. اللغَة: {تَضَرَّعُواْ} التضرع من الضراعة وهي الذلة يقال: ضرع فهو ضارع {ٱلْبَأْسَآءِ} من البؤس وهو الفقر {ٱلضَّرَّآءِ} من الضر وهو البلاء قال القرطبي: البأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، هذا قول الأكثر {مُّبْلِسُونَ} المبلس: اليائس من الخير من أبلس الرجل إذا يئس ومنه "إبليس" لأنه أبلس من رحمة الله عز وجل {دَابِرُ} الدابر: الآخر ودابر القوم: خلفهم من نسلهم قال قطرب: يعني استؤصلوا وأهلكوا قال الشاعر: شعر : فأهلكوا بعذابٍ حصَّ دابرهم فما استطاعوا له صرفاً ولا انتصروا تفسير : {يَصْدِفُونَ} صَدَف عن الشيء أعرض عنه {تَطْرُدِ} الطرد: الإِبعاد مع الإِهانة {ٱلْفَاصِلِينَ} الحاكمين. سَبَبُ النّزول: عن ابن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده "صهيب، وخبّاب، وبلال، وعمّار" وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد: أرضيتَ بهؤلاء من قومك! أفنحن نكون تبعاً لهم! أهؤلاء الذين منّ الله عليهم! اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم إِتَّبعناك فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} الآية. التفسِير: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} أي إنما يستجيب للإِيمان الذين يسمعون سماع قبول وإصغاء، وهنا تمَّ الكلام ثم ابتدأ فقال {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} قال ابن كثير: يعني بذلك الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم الله بأموات الأجساد، وهذا من باب التهكم بهم والإِزراء عليهم وقال الطبري: يعني والكفار يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتاً، ولا يعقلون دعاءً، ولا يفقهون قولاً، إذ كانوا لا يتدبرون حجج الله ولا يعتبرون بآياته ولا يتذكرون فينزجرون عن تكذيب رسل الله {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} أي ثم مرجعهم إلى الله فيجازيهم بأعمالهم {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} أي قال كفار مكة هلاّ نُزّل على محمد معجزة تدل على صدقه كالناقة والعصا والمائدة قال القرطبي وكان هذا منهم تعنتاً بعد ظهور البراهين وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة من مثله {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً} أي هو تعالى قادرٌ على أن يأتيهم بما اقترحوا {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون ان إنزالها يستجلب لهم البلاء لأنه لو أنزلها وَفْق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السابقة {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي ما من حيوان يمشي على وجه الأرض {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} أي ولا من طائر يطير في الجو بجناحيه {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} أي إلا طوائف مخلوقة مثلكم خلقها الله وقدَّر أحوالها وأرزاقها وآجالها قال البيضاوي: والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزّل آية {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} أي ما تركنا وما أغفلنا في القرآن شيئاً من أمر الدين يحتاج الناس إليه في أمورهم إلا بيّناه وقيل: إن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ويكون المعنى: ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئاً فلم نكتبه {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} أي يجمعون فيقضي بينهم قال الزمخشري: يعني الأمم كلها من الدواب والطير فيعوضها وينصف بعضها من بعض كما روي أنه يأخذ للجماء من القرناء {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} أي والذين كذبوا بالقرآن صمٌ لا يسمعون كلام الله سماع قبول بكمٌ لا ينطقون بالحق خابطون في ظلمات الكفر قال ابن كثير: وهذا مثل أي مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصم وهو الذي لا يسمع، أبكم وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدى مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه! {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي من يشأ الله إضلاله يضلله ومن يشأ هدايته يرشده إلى الهدى ويوفقه لدين الإِسلام {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ} استفهام تعجيب أي أخبروني إن أتاكم عذاب الله كما أتى من قبلكم أو أتتكم القيامة بغتة من تدعون؟ {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي أتدعون غير الله لكشف الضر عنكم؟ إن كنتم صادقين في أن الأصنام تنفعكم {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} أي بل تخصونه تعالى بدعائكم في الشدائد فيكشف الضر الذي تدعونه إلى كشفه إن شاء كشفه {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} أي تتركون الآلهة فلا تدعونها لاعتقادكم أن الله تعالى هو القادر على كشف الضر وحده دون سواه {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي والله لقد أرسلنا رسلاً إلى أمم كثيرين من قبلك فكذبوهم {فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} أي بالفقر والبؤس والأسقام والأوجاع {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي لكي يتضرعوا إِلى الله بالتذلل والإِنابة {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} لولا للتحضيض أي فهلا تضرعوا حين جاءهم العذاب، وهذا عتاب على ترك الدعاء وإخبارٌ عنهم أنهم لم يتضرعوا مع قيام ما يدعوهم إلى التضرع {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي ولكن ظهر منهم النقيض حيث قست قلوبهم فلم تلن للإِيمان {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} أي زين لهم المعاصي والإِصرار على الضلال {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي لما تركوا ما وُعظوا به {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أي من النعم والخيرات استدراجاً لهم {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ} أي فرحوا بذلك النعيم وازدادوا بطراً {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} أي أخذناهم بعذابنا فجأة فإذا هم يائسون قانطون من كل خير {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي استؤصلوا وهلكوا عن آخرهم {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي على نصر الرسل وإهلاك الكافرين قال الحسن: مُكر بالقوم وربّ الكعبة، أُعطوا حاجتهم ثم أخذوا وفي الحديث "حديث : إذا رأيتَ الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم قرأ {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} تفسير : أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين المعاندين من أهل مكة أخبروني لو أذهب الله حواسكم فأصمكم وأعماكم {وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} أي طبع على قلوبكم حتى زال عنها العقل والفهم {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} أي هل أحد غير الله يقدر على ردّ ذلك إليكم إِذا سلبه الله منكم؟ {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} أي انظر كيف نبيّن ونوضح الآيات الدالة على وحدانيتنا ثم هم بعد ذلك يعرضون عنها فلا يعتبرون {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} أي قل لهؤلاء المكذبين أخبروني إن أتاكم عذاب الله العاجل فجأة أو عياناً بالليل أو بالنهار {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ} الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي ما يهلك بالعذاب إلا أنتم لأنكم كفرتم وعاندتم {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي ما نرسل الرسل إلا لتبشير المؤمنين بالثواب، وإِنذار الكافرين بالعقاب، وليس إِرسالهم ليأتوا بما يقترحه الكافرون من الآيات {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي فمن آمن بهم وأصلح عمله فلا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون والمراد أنهم لا يخافون ولا يحزنون لأن الآخرة دار الجزاء للمتقين {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي وأما المكذبون بآيات الله فيمسهم العذاب الأليم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله قال ابن عباس: يفسقون أي يكفرون {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة الذين يقترحون عليك تنزيل الآيات وخوارق العادات لستُ أدعي أن خزائن الله مفوضةٌ إليَّ حتى تقترحوا عليَّ تنزيل الآيات ولا أدعي أيضاً أني أعلم الغيب حتى تسألوني عن وقت نزول العذاب {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} أي ولست أدعي أني من الملائكة حتى تكلفوني الصعود إلى السماء وعدم المشي في الأسواق وعدم الأكل والشرب قال الصاوي: وهذه الآية نزلت حين قالوا له إن كنت رسولاً فاطلب من ربك أن يوسّع علينا ويغني فقرنا وأخبرنا بمصالحنا ومضارنا فأخبر أن ذلك بيد الله سبحانه لا بيده. والمعنى: إني لا أدعي شيئاً من هذه الأشياء الثلاثة حتى تجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحة رسالتي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} أي ما أتّبع فيما أدعوكم إليه إلاّ وحي الله الذي يوحيه إليَّ {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} أي هل يتساوى الكافر والمؤمن والضال والمهتدي؟ {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} تقريعٌ وتوبيخ أي أتسمعون فلا تتفكرون؟ {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} أي خوِّف يا محمد بهذا القرآن المؤمنين المصدقين بوعد الله ووعيده الذين يتوقعون عذاب الحشر قال أبو حيان: وكأنه قيل: أنذر بالقرآن من يُرجى إيمانُه وأما الكفرة المعرضون فدعهم ورأيهم {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} أي ليس لهم غير الله وليٌّ ينصرهم ولا شفيع يشفع لهم {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي أنذرهم لكي يتقوا الكفر والمعاصي {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي لا تطرد هؤلاء المؤمنين الضعفاء من مجلسك يا محمد الذين يعبدون ربَّهم دوماً في الصباح والمساء يلتمسون بذلك القرب من الله والدنوَّ من رضاه قال الطبري: نزلت الآية في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك وأراد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك طمعاً في إسلامهم {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} أي لا تؤاخذ بأعمالهم وذنوبهم كقول نوح {أية : إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي} تفسير : [الشعراء: 113] قال الصاوي: هذا كالتعليل لما قبله والمعنى لا تؤاخذ بذنوبهم ولا بما في قلوبهم إن أرادوا بصحبتك غير وجه الله، وهذا على فرض تسليم ما قاله المشركون وإلا فقد شهد الله لهم بالإِخلاص بقوله {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ} وهذا التأكيد لمطابقة الكلام والمعنى لا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم بحسابك فلم تطردهم؟ وقيل إن المراد بالحساب الرزق، والمعنى ليس رزقهم عليك ولا رزقك عليهم وإنما يرزقك وإياهم الله رب العالمين {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا تطردهم فإنك إن طردتهم تكون من الظالمين، وهذا لبيان الأحكام وحاشاه من وقوع ذلك منه عليه السلام قال القرطبي: وهذا كقوله تعالى {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي ابتلينا الغنيّ بالفقير والشريف بالوضيع {لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} أي ليقول الأشراف والأغنياء أهؤلاء الضعفاء والفقراء منَّ الله عليهم بالهداية والسبق إلى الإِسلام من دوننا!! قالوا ذلك إِنكاراً واستهزاءً كقولهم {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} تفسير : [الفرقان: 41] قال تعالى رداً عليهم {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ}؟ أي الله أعلم بمن يشكر فيهديه ومن يكفر فيخزيه، والاستفهام للتقرير {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} قال القرطبي: نزلت في الذين نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن طردهم فكان إِذا رآهم بدأهم بالسلام وقال "حديث : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" تفسير : وأُمر صلى الله عليه وسلم بأن يبدأهم بالسلام إِكراماً لهم وتطييباً لقلوبهم {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} أي ألزم نفسه الرحمة تفضلاً منه وإِحساناً {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ} أي خطيئة من غير قصد قال مجاهد: أي لا يعلم حلالاً من حرام ومن جهالته ركب الأمر {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي ثم تاب من بعد ذلك الذنب وأصلح عمله فإن الله يغفر له، وهو وعدٌ بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي كما فصلنا في هذه السورة الدلائل والحجج على ضلالات المشركين كذلك نبيّن ونوضّح لكم أمور الدين {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي ولتتوضح وتظهر طريق المجرمين فينكشف أمرهم وتستبين سبلُهم {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إني نُهيت أن أعبد هذه الأصنام التي زعمتموها آلهة وعبدتموها من دون الله {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ} أي في عبادة غير الله، وفيه تنبيه على سبب ضلالهم {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} أي قد ضللت إِن أتبعتُ أهواءكم ولا أكون في زمرة المهتدين {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إِليّ {وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي وكذَّبتم بالحق الذي جاءني من عند الله {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي ليس عندي ما أبادركم به من العذاب قال الزمخشري: يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال: 32] {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} أي ما الحكم في أمر العذاب وغيره إلا لله وحده {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} أي يخبر الخبر الحق ويبينه البيان الشافي وهو خير الحاكمين بين عباده {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي لو أن بيدي أمر العذاب الذي تستعجلونه {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي لعجلته لكم لأستريح منكم ولكنه بيد الله قال ابن عباس: لم أهملكم ساعةً ولأهلكتكم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ} أي هو تعالى أعلم بهم إِن شاء عاجلهم وإِن شاء آخرّ عقوبتهم، وفيه وعيد وتهديد. البَلاَغَة: 1- {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} فيه استعارة لأن الموتى عبارة عن الكفار لموت قلوبهم. 2- {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تأكيد لدفع توهم المجاز لأن الطائر قد يستعمل مجازاً للعمل كقوله {أية : أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} تفسير : [الإسراء: 13]. 3- {صُمٌّ وَبُكْمٌ} تشبيه بليغ أي كالصم البكم في عدم السماع وعدم الكلام فحذفت منه الأداة ووجه الشبه. 4- {إِيَّاهُ تَدْعُونَ} فيه قصر أي لا تدعون غيره لكشف الضر، فهو قصر صفة على موصوف. 5- {فَقُطِعَ دَابِرُ} كناية عن إهلاكهم بعذاب الاستئصال. 6- {ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} استعارة عن الكافر والمؤمن. 7- {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ} في هاتين الجملتين من أنواع البديع ما يسمى ردّ الصدر على العجز. فَائِدَة: قال الزمخشري في قوله تعالى {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} هذا إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة وأنه من أجلّ النعم وأجزل القسم. فَائِدَة: قال بعض المفسرين: إن الواجب في الدعاء الإِخلاص به لأنه تعالى قال {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} وهكذا جميع الطاعات لا ينبغي أن تكون لشيء من أغراض الدنيا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} معناهُ المؤمنونَ الَّذِينَ يَقْبلونُ. {وَٱلْمَوْتَىٰ} [معناهُ] الكُفَّارُ. {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} معناهُ يُحْييهِم الله.
الأندلسي
تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ} أي إنما يستجيب للإِيمان. {ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} سماع قبول وإصغاء، كما قال: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ} تفسير : [الزمر: 21، ق: 37]، ويستجيب بمعنى يجيب. وفرق الرماني بين أجاب واستجاب بأن استجاب فيه قبول لما دعي ويستجيب جاء معدي باللام كقوله تعالى: {أية : فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي}تفسير : [البقرة: 186]. و{أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ}تفسير : [آل عمران: 195]. وجاء معدّاً بنفسه للمفعول. قال الشاعر: شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} الظاهر أن هذه جملة مستقلة من مبتدأ وخبر. والظاهر أن الموت هنا والبعث حقيقة وذلك إخبار منه تعالى أن الموتى على العموم من مستجيب وغير مستجيب يبعثهم الله تعالى فيجازيهم على أعمالهم. وقيل: الموت والبعث مجازان استعير الموت للكفر والإِيمان والبعث. وقيل: الجملة من قوله: والموتى يبعثهم الله، مبتدأ وخبر أي والموتى بالكفر يحييهم الله بالإِيمان. {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ} الآية، قال ابن عباس: نزلت في رؤساء قريش سألوا الرسول آية تعنتاً منهم وإلا فقد جاءهم بآيات كثيرة فيها مقنع. "انتهى". {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ} أي إن ما سألتموه من إنزال آية، الله قادر على ذلك، كما أنزل الآيات السابقة فلا فرق في تعلق القدرة بالآيات المقترحة على سبيل التعنت والآيات التي لم تقترح وقد اقترحتم آيات كانشقاق القمر فلم يجد عنكم ولا أثرت فيكم وقلتم هذا سحر مستمر. {لاَ يَعْلَمُونَ} قدرته على إنزال الآيات. {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ} تقدم الكلام عليها وهي هنا في سياق النفي مصحوبة بمن التي تفيد استغراق الجنس فهي عامة تشمل كل ما يدب فيندرج فيها الطائر فذكر الطائر بعد ذكر دابة تخصيص بعد تعميم وذكر بعض من كل وصار من باب التجريد كقوله تعالى: {أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ} تفسير : [البقرة: 98]، بعد ذكر الملائكة، وإنما جرد الطائر لأن تصرفه في الجوّ دون تصرف غيره من الحيوان أبلغ في القدرة وأول على عظمها من تصرف غيره من الحيوان في الأرض إذ الأرض جسم كثيف يمكن تصرف الأجرام عليها والهواء جسم لطيف لا يمكن عادة تصرف الأجرام الكثيفة فيها إلا بباهر القدرة الإِلهية ولذلك قال تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ} تفسير : [النحل: 79]، الآية، وجاء قوله في الأرض إشارة إلى تعميم جميع الأماكن لما كان لفظ: من دابة، وهو المتصرف أي المتصرف فيه عاماً وهو الأرض ويشمل الأرض البر والبحر ويطير بجناحيه تأكيد لقوله: ولا طائر، لأنه لا طائر إلا يطير بجناحيه. وليرفع المجاز الذي كان يحتمله قوله: ولا طائر، ولو اقتصر عليه ألا ترى إلى استعارة الطائر للعمل في قوله: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} تفسير : [الإسراء: 13]. وقولهم: طار لفلان طائر كذا في القسمة، أي سهمه. وطائر السعد والنحس ففيه تنبيه على تصور هيئته على حالة الطيران واستحضار لمشاهدة هذا الفعل الغريب، وجاء الوصف بلفظ يطير لأنه مشعر بالديمومة والغلبة لأن أكثر أحوال الطائر كونه يطير وقل ما يسكن، حتى ان المحبوس منها يكثر ولوعه بالطيران في الذي حبس فيه من قفص وغيره. ومن دابة في موضع رفع بالابتداء إذ من زائدة في النفي وخبره. {أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}. {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ} الآية، وكثيراً ما يستدل بعض الظاهرية بهذه الآية، وقوله: من شىء، يشير إلى أن الكتاب تضمن الأحكام التكليفية كلها. والتفريط: التقصير. وأصل فعله أن يتعدى بفي كقوله تعالى: {أية : عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 56]، وإذا كان كذلك فيكون قد ضمن معنى ما أغفلنا في الكتاب شيئاً يحتاج إليه من دلائل النبوة والألوهية والتكاليف. {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} الظاهر أنه يراد به البعث يوم القيامة وهو قول الجمهور، فتحشر البهائم والدواب والطير وفي ذلك حديث يرويه يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: حديث : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيبلغ من عدل الله عز وجل يومئذٍ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباًتفسير : ، فذلك قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}تفسير : [النبأ: 40]. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} قال النقاش: نزلت في بني عبد الدار ثم انسحبت على من سواهم. والآيات هنا: القرآن، أو ما ظهر على يدي الرسول عليه السلام من المعجزات والدلائل والحجج والاخبار عنهم بقوله: {صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} الظاهر أنه استعارة عن عدم الإِنتفاع الديني بهذه الحواس لا أنهم صم وبكم في الظلمات حقيقة. وجاء قوله: في الظلمات، كناية عن عمي البصيرة فهو ينظر لقوله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} تفسير : [البقرة: 18، 171]، لكن قوله: في الظلمات، أبلغ من قوله: عمي، إذ جعلت الظلمات ظرفاً لهم وجمعت لاختلاف جهات الكفر. {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ} الآية من مبتدأة شرطية ويشأ مجزوم بمن، ومفعول يشأ محذوف تقديره من يشأ الله إضلاله يضلله؛ وكذلك مفعول يشأ الثاني محذوف تقديره أي ومن يشأ جعله. وظاهر الآية يدل على مذهب أهل السنة في أن الله تعالى هو الهادي وهو المضل وان ذلك معذوق بمشيئته لا يسأل عما يفعل.
الجيلاني
تفسير : وكيف تطلب إيمانهم وتتوقع هدايتهم أيها الرسول الداعي مع أن الداعي {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} الدعوة عن رضا، ويلقون السمع وقلوبهم حاضرة يفهمها، وهم في أنفسهم طالبون الحياة الحقيقية {وَ} هؤلاء ليسوا من الطالبين بل هم {ٱلْمَوْتَىٰ} حقيقة وإن كانوا أحياء صورة {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} في يوم الحشر ويحييهم بالحياة الحقيقية حتى يطلعوا على ما فاتهم في الحياة الصورية، ولا تنفعنم تلك الحياة والإطلاع إلى الحسرة والندامة على ما فات عنهم في دار العمل والاختبار {ثُمَّ} بعدما أحياهم وأطلعهم، {إِلَيْهِ} لا إلى غيره {يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36] يساقون لجزاء ما عملوا في الدنيا من تكذيب الآيات والرسل والاستهزاء معهم والذب عنهم. {وَ} من غاية بغضهم وعنادهم وبغضهم معك يا أكمل الرسل {قَالُواْ} أي: بعضهم لبعض: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً {لَوْلاَ} هلا {نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} أي: آية اقترحناها منه وآية تلجئنا إلى الإيمان به أو آية تستأصلنا بالمرة مع أن دعواه أن ربه يقوى ويقدر على جميعها {قُلْ} لهم: {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {قَادِرٌ} بالقدرة التامة الكاملة {عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً} من آية اقترحتموها متى تعلقت إرادته ومشيئته {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37] أن الله فعال لما يريد، وأن الله لو أنزلها نزل عقبها عليهم البلاء كما نزل على الأمم الماضية. {وَ} كيف لا يقدر سبحانه على جميع المرادات المقدروات مع أنه {مَا مِن دَآبَّةٍ} تتحرك {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ} في الجو {بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} محفوظة أحوالها وأرزاقها وآجالها عندنا؛ بحيث لا نهمل شيئاً من حوائجهما، بل نكتب ونثبت في لوحنا المحفوظ وكتابنا المبين على الفضيل بحيث {مَّا فَرَّطْنَا} وأفرطنا {فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ} من حوائجهم وأحوالهم {ثُمَّ} بعدما حفظوا ورزقوا كل منهم {إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] يرجعون رجوع الظل إلى ذي الظل. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} الدالة على قدرتنا الكاملة {صُمٌّ} عن استماع كلمة الحق من ألسنة الرسل {وَبُكْمٌ} عن التنطق بها مع أنهم تيقنوا بها بل هم مغمورون {فِي ٱلظُّلُمَاتِ} أي: الحجب الناشئة من هوياتهم الباطلة وهياكلهم الفاسدة العاطلة {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ} إضلاله بمقتضى اسمه المذل المضل {يُضْلِلْهُ} حتماً بلا هداية وإرشاد أصلاً {وَمَن يَشَأْ} هدايته {يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39] موصل إلى توحيده؛ إذ كل من عنده ميسر موفق لما خلق له.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ } لدعوتك، ويلبي رسالتك، وينقاد لأمرك ونهيك { الَّذِينَ يَسْمَعُونَ } بقلوبهم ما ينفعهم، وهم أولو الألباب والأسماع. والمراد بالسماع هنا: سماع القلب والاستجابة، وإلا فمجرد سماع الأذن،يشترك فيه البر والفاجر. فكل المكلفين قد قامت عليهم حجة الله تعالى،باستماع آياته، فلم يبق لهم عذر، في عدم القبول. { وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } يحتمل أن المعنى، مقابل للمعنى المذكور. أي: إنما يستجيب لك أحياء القلوب، وأما أموات القلوب، الذين لا يشعرون بسعادتهم، ولا يحسون بما ينجيهم، فإنهم لا يستجيبون لك، ولا ينقادون، وموعدهم القيامة، يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، ويحتمل أن المراد بالآية، على ظاهرها، وأن الله تعالى يقرر المعاد، وأنه سيبعث الأموات يوم القيامة ثم ينبئهم بما كانوا يعملون. ويكون هذا، متضمنا للترغيب في الاستجابة لله ورسوله، والترهيب من عدم ذلك. { وَقَالُوا } أي: المكذبون بالرسول، تعنتا وعنادا: { لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } يعنون بذلك آيات الاقتراح، التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة. كقولهم: {أية : وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا } تفسير : الآيات. { قُلْ } مجيبا لقولهم { إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنزلَ آيَةً } فليس في قدرته قصور عن ذلك كيف وجميع الأشياء منقادة لعزته مذعنة لسلطانه؟ ولكن أكثر الناس لا يعلمون فهم لجهلهم وعدم علمهم يطلبون ما هو شر لهممن الآيات التي لو جاءتهم فلم يؤمنوا بها لعوجلوا بالعقاب كما هي سنة الله التي لا تبديل لها ومع هذا فإن كان قصدهم الآيات التي تبين لهم الحق وتوضح السبيل فقد أتى محمد صلى الله عليه وسلم بكل آية قاطعةوحجة ساطعة دالة على ما جاء به من الحق بحيث يتمكن العبد في كل مسألة من مسائل الدين أن يجد فيما جاء به عدة أدلة عقلية ونقلية بحيث لا تبقي في القلوب أدنى شك وارتياب فتبارك الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وأيده بالآيات البينات ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):