٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا النوع الرابع من شبهات منكري نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنهم قالوا: لو كان رسولاً من عند الله فهلا أنزل عليه آية قاهرة ومعجزة باهرة! ويروى أن بعض الملحدة طعن فقال: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم قد أتى بآية معجزة لما صح أن يقول أولئك الكفار {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ } ولما قال: {إن الله قادِرٌ على أن يُنَزِّلَ آيةً }. والجواب عنه: أن القرآن معجزة قاهرة وبينة باهرة، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم تحداهم به فعجزوا عن معارضته، وذلك يدل على كونه معجزاً. بقي أن يقال: فإذا كان الأمر كذلك فكيف قالوا {لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ }. فنقول: الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: لعلّ القوم طعنوا في كون القرآن معجزاً على سبيل اللجاج والعناد، وقالوا: إنه من جنس الكتب، والكتاب لا يكون من جنس المعجزات، كما في التوراة والزبور والإنجيل، ولأجل هذه الشبهة طلبوا المعجزة. والوجه الثاني: أنهم طلبوا معجزات قاهرة من جنس معجزات سائر الأنبياء مثل فلق البحر واظلال الجبل وإحياء الموتى. والوجه الثالث: أنهم طلبوا مزيد الآيات والمعجزات على سبيل التعنت واللجاج مثل إنزال الملائكة وإسقاط السماء كسفاً وسائر ما حكاه عن الكافرين. والوجه الرابع: أن يكون المراد ما حكاه الله تعالى عن بعضهم في قوله {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأنفال: 32] فكل هذه الوجوه مما يحتملها لفظ الآية. ثم إنه تعالى أجاب عن سؤالهم {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزّلٍ ءايَةً } يعني أنه تعالى قادر على إيجاد ما طلبتموه وتحصيل ما اقترحتموه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } واختلفوا في تفسير هذه الكلمة على وجوه: الوجه الأول: أن يكون المراد أنه تعالى لما أنزل آية باهرة ومعجزة قاهرة وهي القرآن كان طلب الزيادة جارياً مجرى التحكم والتعنت الباطل، والله سبحانه له الحكم والأمر فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، فإن فاعليته لا تكون إلا بحسب محض المشيئة على قول أهل السنة أو على وفق المصلحة على قول المعتزلة، وعلى التقديرين: فإنها لا تكون على وفق اقتراحات الناس ومطالباتهم، فإن شاء أجابهم إليها، وإن شاء لم يجبهم إليها. والوجه الثاني: هو أنه لما ظهرت المعجزة القاهرة والدلالة الباهرة الكافية لم يبق لهم عذر ولا علة، فبعد ذلك لو أجابهم الله تعالى في ذلك الاقتراح فلعلّهم يقترحون اقتراحاً ثانياً، وثالثاً، ورابعاً، وهكذا إلى ما لا غاية له، وذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة، فوجب في أول الأمر سد هذا الباب والاكتفاء بما سبق من المعجزة القاهرة والدلالة الباهرة. والوجه الثالث: أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من المعجزات القاهرة، فلو لم يؤمنوا عند ظهورها لاستحقوا عذاب الاستئصال، فاقتضت رحمة الله صونهم عن هذا البلاء فما أعطاهم هذا المطلوب رحمة منه تعالى عليهم، وإن كان لا يعلمون كيفية هذه الرحمة، فلهذا المعنى قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }. والوجه الرابع: أنه تعالى علم منهم أنهم إنما يطلبون هذه المعجزات لا لطلب الفائدة بل لأجل العناد والتعصب وعلم أنه تعالى لو أعطاهم مطلوبهم فهم لا يؤمنون، فلهذا السبب ما أعطاهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنه لا فائدة في ذلك، فالمراد من قوله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } هو أن القوم لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل التعنت والتعصب فإن الله تعالى لا يعطيهم مطلوبهم ولو كانوا عالمين عاقلين لطلبوا ذلك على سبيل طلب الفائدة، وحينئذ كان الله تعالى يعطيهم ذلك المطلوب على أكمل الوجوه. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين، أنهم كانوا يقولون: لولا نزل عليه آية من ربه، أي: خارق؛ على مقتضى ما كانوا يريدون، ومما يتعنتون؛ كقولهم: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا} تفسير : [الإسراء: 90] الآيات: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ ءايَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: هو تعالى قادر على ذلك، ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك؛ لأنه لو أنزل وفق ما طلبوا، ثم لم يؤمنوا، لعاجلهم بالعقوبة؛ كما فعل بالأمم السالفة، كما قال تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} تفسير : [الإسراء: 59] وقال تعالى: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 4]. وقوله: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ} قال مجاهد: أي: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. وقال قتادة: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة، وقال السدي: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ} أي: خلق أمثالكم. وقوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَـٰبِ مِن شَيْءٍ} أي: الجميع علمهم عند الله، ولا ينسى واحداً من جميعها من رزقه وتدبيره، سواء كان برياً أو بحرياً؛ كقوله: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [هود: 6] أي: مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، وقال تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [العنكبوت: 60] وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قل الجراد في سنة من سني عمر رضي الله عنه التي ولي فيها، فسأل عنه، فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكباً إلى كذا، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل: هل رؤي من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها، كبر ثلاثاً، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : خلق الله عز وجل ألف أمة، منها ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا هلكت، تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه»تفسير : . وقوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} قال: حشرها الموت، وكذا رواه ابن جرير من طريق إسرائيل، عن سعيد، عن مسروق، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: موت البهائم حشرها، وكذا رواه العوفي عنه، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والضحاك مثله. (والقول الثاني): إن حشرها هو يوم بعثها يوم القيامة، لقوله: {أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} تفسير : [التكوير: 5] وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سليمان، عن منذر الثوري، عن أشياخ لهم، عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان، فقال: «حديث : يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان؟» تفسير : قال: لا، قال: «حديث : لكن الله يدري، وسيقضي بينهما» تفسير : ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عمن ذكره، عن أبي ذر، قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتدرون فيم انتطحتا؟» تفسير : قالوا: لا ندري، قال: «حديث : لكن الله يدري، وسيقضي بينهما» تفسير : رواه ابن جرير، ثم رواه من طريق منذر الثوري، عن أبي ذر، فذكره، وزاد: قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء، إلا ذكر لنا منه علماً. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثني عباس بن محمد، وأبو يحيى البزار، قالا: حدثنا حجاج بن نصير، حدثنا شعبة، عن العوام بن مراجم من بني قيس بن ثعلبة، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة» تفسير : وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، في قوله: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَـٰبِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة؛ البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ، أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً، فلذلك يقول الكافر: {يَـٰلَيْتَنِي كُنتُ} وقد روي هذا مرفوعاً في حديث الصور. وقوله: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ} أي: مثلهم في جهلهم، وقلة علمهم، وعدم فهمهم؛ كمثل أصم، وهو الذي لا يسمع، أبكم، وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق، أو يخرج مما هو فيه؟ كقوله: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } تفسير : [البقرة:17-18] وكما قال تعالى: {أية : أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور: 40] ولهذا قال: {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: هو المتصرف في خلقه بما يشاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ } أي كفار مكة {لَوْلاَ } هلا {نُزّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مّن رَّبِّهِ } كالناقة والعصا والمائدة {قُلْ } لهم {إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ } بالتشديد والتخفيف {ءَايَةً } مما اقترحوا {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنّ نزولها بلاء عليهم لوجوب هلاكهم إن جحدوها.
الشوكاني
. تفسير : هذا كان منهم تعنتاً ومكابرة، حيث لم يقتدوا بما قد أنزله الله على رسوله من الآيات البينات التي من جملتها القرآن، وقد علموا أنهم قد عجزوا عن أن يأتوا بسورة مثله، ومرادهم بالآية هنا هي التي تضطرهم إلى الإيمان كنزول الملائكة بمرأى منهم ومسمع، أو نتق الجبل كما وقع لبني إسرائيل، فأمره الله سبحانه أن يجيبهم بأن الله قادر على أن ينزل على رسوله آية تضطرهم إلى الإيمان، ولكنه ترك ذلك لتظهر فائدة التكليف الذي هو الابتلاء والامتحان، وأيضاً لو أنزل آية كما طلبوا لم يمهلهم بعد نزولها؛ بل سيعاجلهم بالعقوبة إذا لم يؤمنوا. قال الزجاج: طلبوا أن يجمعهم على الهدى، يعني جمع إلجاء {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الله قادر على ذلك، وأنه تركه لحكمة بالغة لا تبلغها عقولهم. قوله: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلاْرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } الدابة من دبّ يدبّ فهو داب: إذا مشى مشياً فيه تقارب خطو. وقد تقدّم بيان ذلك في البقرة {وَلاَ طَائِرٍ} معطوف على {دَابَّةٍ} مجرور في قراءة الجمهور. وقرأ الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق "وَلاَ طَائِرٍ" بالرفع عطفاً على موضع من دابة على تقدير زيادة من، و{بِجَنَاحَيْهِ} لدفع الإبهام؛ لأن العرب تستعمل الطيران لغير الطير، كقولهم: طر في حاجتي: أي أسرع. وقيل: إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران، ومع عدم الاعتدال يميل، فأعلمنا سبحانه أن الطيران بالجناحين. وقيل: ذكر الجناحين للتأكيد كضرب بيده وأبصر بعينيه. والجناح: أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء، وأصله: الميل إلى ناحية من النواحي. والمعنى: ما من دابة من الدواب التي تدبّ في أيّ مكان من أمكنة الأرض، ولا طائر يطير في أيّ ناحية من نواحيها {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } أي جماعات مثلكم خلقهم الله كما خلقكم، ورزقهم كما رزقكم داخلة تحت علمه وتقديره وإحاطته بكل شيء. وقيل: أمثالنا في ذكر الله والدلالة عليه. وقيل: أمثالنا في كونهم محشورين، روى ذلك عن أبي هريرة. وقال سفيان بن عيينة: أي ما من صنف من الدوابّ والطير إلا في الناس شبه منه، فمنهم من يعدو كالأسد، ومنهم من يشره كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ومنهم من يزهو كالطاوس. وقيل: أمثالكم في أن لها أسماء تعرف بها، وقال الزجاج أمثالكم في الخلق والرزق، والموت، والبعث، والاقتصاص. والأولى أن تحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائناً ما كان. قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء} أي: ما أغفلنا عنه ولا ضيعنا فيه من شيء. والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، فإن الله أثبت فيه جميع الحوادث. وقيل إن المراد به القرآن، أي ما تركنا في القرآن من شيء من أمر الدين إما تفصيلاً أو إجمالاً، ومثله قوله تعالى: {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء }تفسير : [النحل: 89]، وقال: {أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } تفسير : [النحل: 44]، ومن جملة ما أجمله في الكتاب العزيز قوله: {أية : مَا آتَـٰكُمْ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7] فأمر في هذه الآية باتباع ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل حكم سنه الرسول لأمته قد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز، بهذه الآية وبنحو قوله تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى }تفسير : [آل عمران: 31] وبقوله: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } تفسير : [الأحزاب: 21]، «ومن» في {مِن شَىْء } مزيدة للإستغراق. قوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } يعني: الأمم المذكورة، وفيه دلالة على أنها تحشر كما يحشر بنو آدم، وقد ذهب إلى هذا جمع من العلماء، ومنهم أبو ذرّ، وأبو هريرة، والحسن، وغيرهم. وذهب ابن عباس إلى أن حشرها موتها، وبه قال الضحاك. والأوّل أرجح للآية، ولما صح في السنة المطهرة من أنه يقاد يوم القيامة للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، ولقول الله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ } تفسير : [التكوير: 5]: وذهبت طائفة من العلماء إلى أن المراد بالحشر المذكور في الآية حشر الكفار، وما تخلل كلام معترض. قالوا: وأما الحديث فالمقصود به التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص. واستدلوا أيضاً بأن في هذا الحديث خارج الصحيح عن بعض الرواة زيادة، ولفظه«حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء، وللحجر لم ركب على الحجر؟ والعود لم خدش العود؟» قالوا: والجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـايَـٰتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ } أي لا يسمعون بأسماعهم ولا ينطقون بألسنتهم، نزلهم منزلة من لا يسمع ولا ينطق، لعدم قبولهم لما ينبغي قوله من الحجج الواضحة والدلائل الصحيحة. وقال أبو علي: يجوز أن يكون صممهم وبكمهم في الآخرة. قوله: {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ } أي في ظلمات الكفر، والجهل والحيرة، لا يهتدون لشيء مما فيه صلاحهم. والمعنى: كائنين في الظلمات التي تمنع من إبصار المبصرات، وضموا إلى الصمم، والبكم، عدم الانتفاع بالأبصار لتراكم الظلمة عليهم، فكانت حواسهم كالمسلوبة التي لا ينتفع بها بحال، وقد تقدّم في البقرة تحقيق المقام بما يغني عن الإعادة، ثم بين سبحانه أن الأمر بيده ما شاء يفعل، من شاء تعالى أن يضله أضله، ومن شاء أن يهديه جعله على صراط مستقيم، لا يذهب به إلى غير الحق، ولا يمشي فيه إلا إلى صوب الاستقامة. وقد أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في قوله: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } قال: أصنافاً مصنفة تعرف بأسمائها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ: قال: خلق أمثالكم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريح في الآية قال: الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } يعني: ما تركنا شيئاً إلا وقد كتبناه في أم الكتاب. وأخرج عبد الرزاق، وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } قال: موت البهائم حشرها، وفي لفظ قال: يعني بالحشر الموت. وأخرج عبد الرزاق، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال: ما من دابة ولا طائر إلا سيحشر يوم القيامة، ثم يقتصّ لبعضها من بعض، حتى يقتص للجلحاء من ذات القرن، ثم يقال لها كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر:{أية : يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرٰباً } تفسير : [النبأ: 40] وإن شئتم فاقرءوا: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ } الآية. وأخرج ابن جرير، عن أبي ذرّ قال: انتطحت شاتان عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لي: «حديث : يا أبا ذرّ أتدري فيم انتطحتا؟" تفسير : قلت: لا قال: "حديث : لكنّ الله يدري وسيقضي بينهما»تفسير : قال أبو ذرّ: ولقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يقلب طائر جناحيه في السماء ولا ذكر لنا منه علماً. وأخرجه أيضاً أحمد، وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ} يعني آية تكون دليلاً على صدقه وصحة نبوته. {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً} يعني آية يجابون بها إلى ما سألوا. {وَلَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يحتمل وجهين. أحدهما: لا يعلمون المصلحة في نزول الآية. الثاني: لا يعلمون أن زيادة الآيات إذا لم يؤمنوا بها، توجب الزيادة من عذابهم، لكثرة تكذيبهم. فإن قيل: فهذه الآية لا تدل على أن الله لم ينزل عليهم آية تقودهم إلى التصديق فلم يلزمهم الإِيمان، قيل: هذا خطأ، لأن ما أظهره الله من الآيات الدالة على صدق رسوله وصحة نبوته، أظهر من أن يُخْفَى، وأكثر من أن ينكر، وأن القرآن مع عجز من تحداهم الله من الآيات بمثله، وما تضمنه من أخبار الغيوب وصدق خبره عما كان ويكون أبلغ الآيات وأظهر المعجزات. وإنما اقترحوا آية سألوها إعناتاً، فلم يجابوا مع قدرة الله تعالى على إنزالها، لأنه لو أجابهم إليها لاقترحوا غيرها إلى ما لا نهاية له، حتى ينقطع الرسول بإظهار الآيات عن تبليغ الرسالة. وإنما يلزمه إظهار الآيات في موضعين: أحدهما: عند بعثه رسولاً ليكون مع استدعائه لهم دليل على صدقه. والثاني: أن يسألها من يعلم الله منه أنه إن أظهرها له آمن به، وليس يلزمه إظهارها في غير هذين الموضعين. قوله عز وجل: {وَمَا من دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ} دابة بمعنى ما يدب على الأرض من حيوان كله. {وَلاَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} يعني في الهواء، جميع بين ما هو على الأرض وفيها وما ارتفع عنها. {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} في الأمم تأويلان: أحدهما: أنها الجماعات. والثاني: أنها الأجناس، قاله الفراء. وليس يريد بقوله: {أَمْثَالُكُم} في التكليف كما جعل قوم اشتبه الظاهر عليهم وتعلقوا مع اشتباه الظاهر برواية أبي ذر، قال: انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا؟ قلت: لا، قال: "حديث : لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا" تفسير : قال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر بجناحيه في السماء إلا ذكّرنا منه علماً، لأنه إذا كان العقل سبباً للتكليف كان عدمه لارتفاع التكليف. والمراد بقوله: {أَمْثَالُكُم} وجهان: أحدهما: أنها أجناس وتتميز في الصور والأسماء. والثاني: أنها مخلوقة لا تُظْلَم، ومرزوقة لا تُحْرَم. ثم قال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} فيه تأويلان: أحدهما: ما تركنا خلقاً إلا أوجبنا له أجلاً، والكتاب هنا هو إيجاب الأجل كما قال تعالى: {أية : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ} تفسير : [الرعد: 38] قاله ابن بحر وأنشد لنابغة بني جعدة: شعر : بلغو الملوك وأدركوا الـــ ــكتاب وانتهى الأجل تفسير : والتأويل الثاني: وهو قول الجمهور: أن الكتاب هو القرآن الكريم الذي أنزله، ما أخل فيه بشيء من أمور الدين، إما مُفَصَّلاً يَسْتَغْنِي عن التفسير، أو مجْمَلاً جعل إلى تفسيره سبيلاً. يحتمل تأويلاً ثالثاً: ما فرطنا فيه بدخول خلل عليه، أو وجود نقص فيه، فكتاب الله سليم من النقص والخلل. {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرْونَ} فيه تأويلان: أحدهما: أن المراد بالحشر الموت، قاله ابن عباس. والثاني: أن الحشر الجمع لبعث الساعة. فإن قيل: فإذا كانت غير مُكَلَّفَةٍ فلماذا تبعث يوم القيامة؟ قيل: ليس التكليف علة البعث، لأن الأطفال والمجانين يبعثون وإن كانوا في الدنيا غير مكلفين، وإنما يبعثها ليعوض ما استحق العوض منها بإيلام أو ظلم، ثم يجعل ما يشاء منها تراباً، وما شاء من دواب الجنة يتمتع المؤمنون بركوبه ورؤيته.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ} «لَوْلاَ» تحضيض بمعنى «هلاَ»، ومعنى الآية: هلا نزل على محمد بَيَانٌ واضح كَمَلَكٍ يَشْهَدُ له، أو كَنْزٍ، أو غير ذلك من تَشَطُّطهِم المَحْفُوظِ في هذا، ثم أُمِرَ ـــ عليه السلام ـــ بالرَّدِّ عليهم بأن اللَّه ـــ عز وجل ـــ قَادِرٌ على ذلك، ولكن أكثرهم لا يَعْلَمُونَ أنها لو نَزَلَتْ، ولم يؤمنوا لَعُوجِلُوا بالعَذَابِ، ويحتمل {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أنه ـــ سبحانه ـــ إنما جعل الإِنْذَارَ في آيات معرضة للنظر، والتأمُّلِ ليهتدي قَوْمٌ ويضلُّ آخرون. وقوله سبحانه: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ} المعنى: في هذه الآية التَّنْبِيهُ على آيات اللَّه المَوْجُودَةِ في أنواع مَخْلُوقَاتِهِ المَنْصُوبَةِ لمن فَكَّرَ واعتبر؛ كالدواب والطير، ويدخل في هَذَيْنِ جَمِيعُ الحَيَوَانِ، وهي أمم أي: جَمَاعَاتٌ مماثلة للناس في الخَلْقِ، والرزق، والحَيَاةِ، والمَوْتِ، والحَشْرِ. ويحتمل أن يريد بالمُمَاثَلَةِ في كونها أمماً لا غير، إلا أن الفَائِدَةَ في هذه الآية بأن تكون المُمَاثَلَةُ في أَوْصَافٍ غير كونها أمماً. قال الطبري، وغيره: والمُمَاثَلَةُ في أنها يُهْتَبَلُ بأعمالها، وتحاسب، ويقتصّ لبعضها من بَعْضٍ، على ما روي في الأحَادِيثِ؛ أي: فإذا كان هذا يُفْعَلْ بالبهائم، فأنتم أَحْرَى إذ أنتم مُكَلَّفُونَ عُقَلاَء. وروى أبو ذَرٍّ: أنه انْتَطَحَتْ عنزان بِحَضْرَةِ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أَتَعْلَمُونَ فِيمَا انْتَطَحَتَا؟ قِلْنَا: لا، قال: فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا».تفسير : وقال مَكّي: المُمَاثَلَةُ في أنها تَعْرِفُ اللَّه، وتعبده. وقوله: {بِجَنَاحَيْهِ} تأكيد، وبيان، وإزالة للاستعارة المُتَعَاهَدَةِ في هذه اللفظة؛ إذ يقال: طائر السَّعْدِ، والنَّحْسِ. وقال تعالى: {أية : أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِي عُنُقِهِ } تفسير : [الإسراء:13]، ويقال: طار لفلان طائر كذا، أي: سهمه في المقتسمات، فقوله تعالى: {بِجَنَاحَيْهِ} إخراج للطائر عن هذا كله. وقوله سبحانه: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَـٰبِ مِن شَيْءٍ} التفريط: التقصير في الشَّيْءِ مع القُدْرَةِ على تَرْكِ التقصير. قال أبو حيان: أصل فَرَّطْنَا يَتَعَدَّى بـــ «في» ثم يضمن معنى أغفلنا، فيتعدى إلى مَفْعُولٍ به، وهو هنا كذلك، فيكون {مِن شَيْءٍ} في مَوْضِعِ المفعول به. انتهى. و {ٱلْكِتَـٰبِ}: القرآن وهو الذي يقتضيه نَظَامُ المعنى في هَذِهِ الآيَاتِ. وقيل: اللوح المحفوظ، {وَمِنْ شَىْء} على هذا القول عَامٌّ في جَمِيعِ الأشياء، وعلى القول بأنه القُرْآن خَاصٌّ. و {يُحْشَرُونَ}؛ قالت فرقة من العلماء: حَشْرُ البهائم بَعْثُهَا، واحتجوا بالأَحَادِيثِ المضمنة أن اللَّه ـــ تعالى ـــ يَقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ من القَرْنَاءِ، ومن قال: إنما هي كِنَايَةٌ عن العَدْلِ، وليست بحقيقة، فهو قول مَرْدُودٌ ينحو إلى القَوْلِ بالرُّمُوزِ ونحوها.
ابن عادل
تفسير : وهذا من شُبُهَاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم لأنهم قالوا: لو كان رَسُولاً من عند الله فَهَلاَّ أنْزِلَ عليه آيَةٌ قَاهِرةٌ. روي أنَّ بعض المُلْحِدَةِ طعن فقال: لو كان مُحَمَّدٌ قد أُوتِيَ بآية مُعْجِزَةٍ لما صَحَّ أن يقول أولئك الكُفَّار: لولا نُزِّل عليه آيَةٌ، ولما قال: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَة}. والجواب أن القرآن مُعْجِزَةٌ قاهرة وبَيِّنَةٌ باهرة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - تَحَدَّاهُمْ به فَعَجَزُوا عن مُعَارضَتِهِ، فَدَّلَ على كونه مُعْجزاً. فإن قيل: فإذا كان الأمر كذلك، فكيف قالوا: {لولا نُزِّلَ عليه آية من ربّه}. فالجواب من وجوه: الأول: لَعَلَّ القوم طَعَنُوا في كَوْنِ القرآن مُعْجِزَةً على سبيل اللِّجَاجِ والعِنَادِ، وقالوا: إنه من جِنْسِ الكتب، والكتاب لا يكون من جِنْسِ المُعْجِزَاتِ كالتَّوْرَاةِ والإنجيل والزَّبُورِ، فلأجل هذه الشُّبْهَةِ طلبوا المُعْجِزَةَ. الثاني: أنهم طلبوا مُعْجِزَاتٍ [قاهرة] من جِنْسِ مُعْجِزَاتِ سَائِرِ الأنبياء مثل "فلق البحر" و "إظْلال الجَبَل" و "إحْيَاء الموتى". الثالث: أنهم طلبوا مَزيد الآياتِ على سبيل التَّعَنُّتِ واللِّجَاجِ مثل إنْزَالِ الملائكة، وإسْقاطِ السماء كِسَفاً. الرابع: أن يكون المراد ما حَكَاهُ الله عن بعضهم في قوله: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال:32]. ثم إنّه - تعالى - أجابهم بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَة}، أي: أنّه قادرٌ على إيجاد ما طَلَبْتُمُوهُ، وتحصيل ما اقْتَرَحْتُمُوهُ، ولكن أكثرهم لا يعلمون. قوله: "من رَبِّه" فيها وجهان: أحدهما: أنها متعلِّقة بـ "نُزِّل". والثاني: أنها متعلِّقةٌ بمحذوف؛ لأنها صِفَةٌ لـ "آية"، أي: آية [كائنة] من ربِّه. وتقدَّم الكلامُ على "لَوْلاَ" وأنّها تَحْضِيضيَّةٌ. فصل في المراد بالآية معنى قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، أي: ما عليهم في إنزالها، واختلفوا في تفسيرها على وُجُوه: أحدها: أن يكون المُرَادُ أنه - تعالى - لما أنزل آية باهرة ومعجزة قاهرة، وهي القرآن كان طلب الزيادة جارٍ مجرى التحكُّم والتَّعَنُّتِ الباطل، وهو أنه سبحانه له الحُكْمُ والأمر، فإن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل؛ لأن فَاعليَّتَهُ لا تكون إلا بحسب محض المَشِيئةِ على قول أهل السُّنَّة، أو على وفقِ المصْلَحَةِ على قول المعتزلة، وعلى التقديرين فإنها لا تكون على وفْقِ اقْتِرَاحاتِ الناس ومُطالبَاتِهِمْ، فإن شاء أجابهم إليها، وإن شاء لم يُجِبْهُمْ. الثاني: أنه لمَّا ظهرت المعجزة القاهرةُ، والدلالة الكافية لم يَبْقَ لهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فبعد ذلك لو أجَابَهُمُ الله - تعالى - إلى اقتراحهم فَلَعَلَّهُمْ يقترحون اقْتِرَاحاً ثانياًُ وثالثاً ورابعاً إلى ما لا نهاية له، وذلك يفضي إلى ألاَّ يَسْتَقِرَّ الدليل ولا تَتِم الحجة، فوجب سَدُّ هذا الباب في أوَّلِ الأمر والاكتفاء بما سَبَقَ من المعجزة القاهرة. الثالث: أنّه - تعالى - لو أعطاهم ما طَلَبُوا من المُعْجِزَاتِ القاهرة فلو لم يؤمنوا عند ظُهُورهَا لاسْتَحَقُّوا عذاب الاسْتِئْصَالِ، فاقتضت رَحْمَتُهُ صَوْنَهُمْ عن هذا البلاءِ، فما أعطاهم هذا المطلوب رَحْمَةً منه - تعالى - لهم، وإن كانوا لا يعلمون كَيْفِيَّةَ هذه الرحمة. الرابع: أنَّه - تعالى - علم منهم أن طَلَبَهُمْ هذه المعجزات لأجْل العنادِ لا لطلب فائدةٍ، وعلم أنه - تعالى - لو أعْطَاهُمْ مَطْلُوبَهُمْ لم يؤمنوا، فلهذا السبب ما أعطاهم؛ لأنه لا فائدة في ذلك.
ابو السعود
تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ} حكايةٌ لبعضٍ آخَرَ من أباطيلهم بعد حكايةِ ما قالوا في حق القرآن الكريم وبـيانِ ما يتعلّق به والقائلون رؤساءُ قريشٍ وقيل: الحارثُ بنُ عامر بنِ نَوْفلَ وأصحابُه، ولقد بلغت بهم الضلالةُ والطغيان إلى حيث لم يقتنعوا بما شاهدوه من البـينات التي تخِرُّ لها صمُّ الجبال حتى اجترأوا على ادِّعاء أنها ليست من قبـيل الآياتِ وإنما هي ما اقترحوه من الخوارقِ الملجئةِ أو المُعْقِبة للعذاب كما قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [الأنفال، الآية 32] الآية، والتنزيل بمعنى الإنزال كما ينبىء عنه القراءة بالتخفيف فيما سيأتي، وما يفيده التعرّض لعنوان ربوبـيته تعالى له عليه الصلاة والسلام من الإشعار بالعلّية إنما هو بطريق التعريض بالتهكّم من جهتهم، وإطلاق الآية في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزّلٍ ءايَةً} مع أن المرادَ بها ما هو من الخوارق المذكورةِ لا آيةٌ ما من الآيات، لفساد المعنى مجاراةً معهم على زعمهم، ويجوز أن يرادَ بها آيةٌ مُوجبةٌ لهلاكهم كإنزال ملائكةِ العذاب ونحوه على أن تنوينها للتفخيم والتهويل كما أن إظهارَ الاسمِ الجليل لتربـية المهابةِ مع ما فيه من الإشعار بعِلّة القُدرة الباهرةِ، والاقتصار في الجواب على بـيان قدرته تعالى على تنزيلِها مع أنها ليست في حيز الإنكار للإيذان بأن عدمَ تنزيله إياها مع قدرته عليه لحكمةٍ بالغة يجب معرفتها وهم عنها غافلون، كما ينبىء عنه الاستدراكُ بقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ليسوا من أهل العلم على أن المفعول مطروحٌ بالكلية، أو لا يعلمون شيئاً على أنه محذوفٌ مدلولٌ عليه بقرينةِ المقام. والمعنى أنه تعالى قادر على أن ينزل آيةً من ذلك أو آيةً أيَّ آية ولكن أكثرهم لا يعلمون فلا يدرون أن عدمَ تنزيلِها مع ظهور قدرتِه عليه لما أن في تنزيلها قلْعاً لأساسِ التكليف المبنيِّ على قاعدة الاختيار، أو استئصالاً لهم بالكلية فيقترحونها جهلاً ويتخذون عدم تنزيلها ذريعةً إلى التكذيب، وتخصيصُ عدم العلم بأكثرهم لما أن بعضَهم واقفون على حقيقة الحال وإنما يفعلون مكابرةً وعناداً.
القشيري
تفسير : استزادوا من المعجزات وقد حصل من ذلك ما يذبح العذر، ولم يعلموا أن الله المانع لهم فلولا ما (...) من بصائرهم لما تواهموا من عدم دلائلهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا} اى رؤساء قريش {لولا} تحضيضية بمعنى هلا {نزل عليه آية من ربه} كالناقة والعصا والمائدة من الخوارق الملجئة الى الايمان {قل} لهم {ان الله قادر على ان ينزل آية} كما اقترحوا {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ان نزولها بلاء عليهم لوجوب هلاكهم ان جحدوها. اعلم ان الناس فى الاديان على اربعة اقسام. سعيد بالنفس والروح فى لباس السعادة وهم الانبياء واهل الطاعة. والثانى شقى بالنفس فى لباس الشقاوة وهم الكفار والمصرون على الكبائر. والثالث شقى بالنفس فى لباس السعادة مثل بلعم بن باعورا وبر صيصا وابليس. والرابع سعيد بالنفس فى لباس الشقاوة كبلال وصهيب وسلمان فى اوائل امرهم ثم بدل لباسهم بلباس التقوى والهداية. فان قلت ما الحكمة فى ان الله تعالى خلق الخلق سعيدا وشقيا وقال {أية : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} تفسير : [الأَنعام: 35] {أية : فلو شاء لهداكم أجمعين} تفسير : [الأَنعام: 149]. قلنا قال عبدالله بن عمر رضى الله عنهما ان الله تعالى علم فى الازل ان فلانا فى خلقه يعصى لعدم سبق استعداده للسعادة فجعله شقيا لسبق القضاء عليه بمقتضى استعداده فى الاعيان الثابتة ومظهرية استعداده لشؤون الجلال كأنه بلسان الاستعداد كونه شقيا يسأله من فى السموات والارض بلسان القال والحال والاستعداد كل يوم هو فى شأن يفيض ويعطى كل شئ ما يستعد من السعادة والشقاوة على حسب الاستعدادات فى الاعيان الثابتة الغيبية العلمية وعلم سبحانه وتعالى ان عبده يطيع فجعله سعيدا اى بمقتضى استعداده للسعادة الاجمالى والقابلية المودعة فى النشأة الانسانية بقوله {أية : ألست بربكم قالوا بلى} تفسير : [الأَعراف: 172]. فتلك الاجابة منهم تدل على الاستعداد السعادى الازلى فلو لم يكن ذلك لما صح التكليف والخطاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب فاذا عرفت ان الانسان سعيد وشقى فاستعداد السعيد لا يعطى الا الاقوال المرضية والافعال الحسنة والاخلاق الحميدة التى تورث الانبساط واستعداد الشقى لا يعطى الا التى تورث الانقباض فلذا امر الله تعالى حبيبه بالصبر وتحمل الايذاء من اهل الشقاوة والقهر والجلال والابتلاء فى الدنيا سبب للغفران وتكميل الدرجات التى لا تنال فى الجنان الا على قدر البلاء وفى الخبر (ان فى الجنة مقامات معلقة فى الهواء يأوى اليها اهل البلاء كالطير الى وكره ولا ينالها غيرهم) وان الرجل يبتلى على حسب دينه فان كان فى دينه صلابة اشتد بلاؤه وان كان فى دينه رقة ابتلى على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى وما عليه خطيئة والبلاء سوط الله على عباده كيلا يركنوا الى الدنيا ولا يشغلوا بها ويفروا الى الله من ضرب سوطه كما يفر الخيل الى مستقره والآخرة هى دار القرار شعر : ما بلارا بكس عطا نكنيم تاكه نامش زاوليا نكنيم تفسير : وبالجملة فمن ابتلى بشئ من المصائب والبلايا فالعاقبة حميدة فى الصبر وبالصبر يكون من الامة المرحومة حقيقة ويدخل فى اثر النبى عليه السلام.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقالوا} ـ حين سمعوا ذكر البعث والرجوع إلى الله ـ: {لولا نُزل عليه آية من ربه} تدل على ما ادعاه من البعث والرجوع إلى الله، وعلى أنه رسول من عند الله، {قل} لهم: {إن الله قادر على أن ينزل آية} خارقة للعوائد، يرونها عيانًا، وتضطرهم إلى الإيمان، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن إنزالها وبالٌ عليهم؛ لأنهم إن عاينوها ولم يؤمنوا عُوجلوا بالعقاب، أو: لا يعلمون أن الله قادر على أكثر مما طلبوا؟. وهذا الطلب قد تكرر منهم في مواضع من القرآن، وأجابهم الحق تعالى بأجوبة مختلفة، منها: ما يقتضي الرد عليهم في طلبهم الآيات؛ لأنهم قد أتاهم بآيات، وتحصيل الحاصل لا ينبغي، كقوله: {أية : قّدْ بَيَّنَّا الأَيَاتِ }تفسير : [البَقَرَة:118}، { أية : أَوَلَمْ يَكُفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } تفسير : [العنكبوت:51]، ومنها: ما يقتضي الإعراض عنهم؛ لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته. ويحتمل أن يكون منه قوله هنا: {قل إن الله قادر...} الآية. فإن قيل: كيف طلبوا آية وهم قد رأوا آيات كثيرة، كانشقاق القمر، وإخبارهم بالغيب، وغير ذلك؟ فالجواب: أنهم لم يعتدوا بما رأوا؛ لأن سر الربوبية لا يظهر إلاَّ ومعه شيء من أردية القهرية، وهم قد طلبوا آية يدركونها من غير نظر ولا تفكر، وهو خلاف الحكمة. ثم ذكر دلائل قدرته على البعث وغيره، فقال: {وما من دابة} تَدِبُّ {في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} في الهواء، {إلا أمم أمثالكم}؛ مقدرة أرزاقها، محدودة آجالها، معدودة أجناسها وأصنافها، محفوظة ذواتها، معلومة أماكنها، كلها في قبضة الحق، وتحت قدرته ومشيئته، فدل ذلك على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره، فيدل على قدرته على أن ينزل آية، وعلى بعثهم وحشرهم؛ لأنه عالم بما تنقص الأرض منهم، كما قال تعالى: {ما فرطنا في الكتاب} أي: اللوح المحفوظ، {من شيء}؛ فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من جليل ودقيق، لم يهمل فيه أمرَ حيوان ولا جماد، ظاهرًا ولا باطنًا، أو القرآن؛ فإنه قد اشتمل على كل ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلاً ومجملاً، حتى قال بعض السلف: ( لو ضَاع لي عِقالٌ لوجدتُه في كِتَابِ الله) أي: باعتبار العموم وأصول المسائل. قال تعالى: {ثم إلى ربهم يُحشرون} أي: الأمم كلها، فيُنصف بعضها من بعض. كما رُوِي أنه يُؤخذ للجَمَّاء من القَرنَاء وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: يُحشر الخلقُ كلهم يوم القيامة: البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغُ من عَدل الله تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كُوني ترابًا، فذلك حيث يقول الكافر: {أية : يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا } تفسير : [النّبَأ:40]. وفي المسألة اضطراب بين العلماء، والصحيح هو حشرها، كما قال تعالى: {أية : وَإِذّا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } تفسير : [التّكوير:5]، وعن ابن عباس رضي الله عنه: ( حشرها موتها). والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم مرارًا أن طلب الكرامات من الأولياء: لقلة الاعتقاد فيهم وقلة الصدق. وأكمل الكرامات: الاستقامة على التوحيد في الباطن، وتحقيق العبودية في الظاهر. وبالله التوفيق. ثم قبَّح شأن أهل التكذيب، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير {ينزل} بالتخفيف. الباقون بالتشديد. ومعنى {وقالوا} اخبار عما قاله الكفار من انهم قالوا {لولا} ومعناه: هلا {أنزل عليه آية} يعني الآية التي سألوها واقترحوا أن يأتيهم بها من جنس ما شاءوا لما قالوا {أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون}تفسير : يعنون فلق البحر واحياء الموتى. وانما قالوا ذلك حين أيقنوا بالعجز عن معارضته فيما أتى به من القرآن، فاستراحوا الى أن يلتمسوا مثل آيات الاولين، فقال الله تعالى {أية : أو لم يكفهم أنا نزلنا عليك الكتاب}تفسير : وقال ها هنا قل يا محمد {إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} ما في إِنزالها من وجوب الاستئصال لهم اذا لم يؤمنوا عند نزولها. وما في الاقتصار بهم على ما أوتوا من المصلحة لهم. وبين في آية أخرى انه لو أنزل عليهم ما أنزل لم يؤمنوا، وهو قوله {أية : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة} تفسير : الى قوله: {أية : ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله}تفسير : ان يكرههم. وقال {أية : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون}تفسير : يعني الآيات التي اقترحوها انما لم نأتهم بها، لانا لو أتيناهم بها ولم يؤمنوا وجب استئصالهم، كما وجب استئصال من تقدمهم ممن كذب بآيات الله. وقال في سورة العنكبوت {أية : وقالوا لا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب}تفسير : الآية. فبين ان الآيات لا يقدر عليها الا الله، وقد أتاهم بما فيه كفاية وإِزاحة لعلتهم وهو القرآن، وغيره مما شاهدوه ومن المعجزات والآيات، ولا يلزم اظهار المعجزات بحسب اقتراح المقترحين، لانه لو لزم ذلك لوجب اظهارها في كل حال ولكل مكلف وذلك فاسد. وقد طعن قوم من الملحدين، فقالوا: لو كان محمد قد أتى بآية لما قالوا له {لولا أنزل عليه آية} ولما قال {إن الله قادر على أن ينزل آية}. قيل: قد بينا أنهم التمسوا آية مخصوصة وتلك لم يؤتوها وان كان الله تعالى قادرا عليها، وانما لم يؤتوها لان المصلحة منعت من انزالها، وانما اتى بالآيات الاخر التي دلت على نبوته من القرآن وغيره على ما اقتضته المصلحة، ولذلك قال فيما تلوناه {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب} فبين ان في انزال الكتاب كفاية ودلالة على صدقه وانه لا يحتاج معه الى أمر آخر فسقط ما قالوه.
الجنابذي
تفسير : ولا يشعرون قدرة الله على ذلك ولا يشعرون الآيات وانّ الله اجلّ من ان يقترح عليه شيءٌ وعدم علمهم لكونهم موتى.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَالُوا لَوْلاَ} أي هلا {نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم المشركون. قوله: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} ذكروا أن مجاهداً قال: هم أصناف مصنّفة تعرف بأسمائها. قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} يعني من آجالها وأعمالها وأرزاقها وآثارها. أي: إن ذلك كله مكتوب عند الله. {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} أي يوم القيامة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أول ما يدعى إلى الحساب البهائم، فتجعل الشاة الجماء قرناء والقرناء جمّاء حتى يقتصّ لبعضها من بعض، ثم يقال لها. كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}تفسير : [النبأ:40].
اطفيش
تفسير : {وقالُوا} أى رؤساء كفار قريش {لَوْلا نزِّل عَليْه آيةٌ مِنْ ربِّه} هلا أنزل عليه ملك يكون علامة على نبوته صلى الله عليه وسلم ينطق بها، أو هلا أنزل عليه آية من ربه تشبه مائدة عيسى أو ناقة صالح. {قُلْ إنَّ الله قادرٌ على أن ينزِّل آيةً ولكنَّ أكْثرهُم لا يعْلمُون} أنه من طلب آية مجسمة فجاءته ولم يؤمن عاجله العقاب المستأصل، كما مسخ أصحاب المائدة وقوم صالح، أو قالوا لولا أنزل عليه آية من ربه غير الآيات المتكاثرة لكن من جنسها {قل: إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} وجه المصلحة فى إنزالها أو لا يعلمون وجه كونها آية فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا بما أنزل من الآيات، وقيل: ولكن لا يعلمون أن الله قادر على تنزيل الآية، وإن صارفاً من الحكمة يصرفه عن إنزالها، وقيل: لا يعلمون أن لهم فيما أنزل كفاية عن غيرها، واحتراز بالأكثر عن القليل، فإن قليلا منهم يعملون ذلك مع بقائهم على الشرك أو عن القليل الذين سيؤمنون من الرؤساء، وقرئ بإسكان النون وتخفيف الزاى.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا لَوْلاَ} تحضيض أَو توبيخ على عدم إِنزال الآية {أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} مضطرة لهم إِلى الإِيمان فيؤمنوا ولا بد كنتق الجبل، أَو آية معقبة للهلاك كناقة صالح ومائدة عيسى، عليهما السلام، أَو مطلق آية حسية مثل ذلك ومثل العصا وفلق البحر وتظليل الغمام والمن والسلوى وإِحياء الموتى، أَو آية غير ملجئة غير الآيات الكثيرة التى أنزلت عليه وكفروا بها عناداً طلبوا أُخرى يقترحونها، وإِذا طلبوا غير الملجئة وأَجيبوا بالملجئة كان الكلام من الأسلوب الحكيم، أَو أجيبوا بما يستلزم مطلوبهم على الطريق الأَقوى، وقالوا من ربه ولم يقولوا من الله تعريضاً بالربوبية المشعرة بالمسارعة فيما يقويه المترتب عليه من وراء ذلك أَنه لو كان له من الله مكان لسارع فى ذلك {قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ} كما أَرادوه، وتنكير الآية فى الموضعين للتنويع {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ليسوا ممن يعلم لإِهمالهم التدبر فلم ينزل ما يقترحون كإفساح جبال مكة وإِحياء بعض القدماء كقصى، بعلمه أَنهم لا يؤمنون، وما يشعركم أَنها إِذا جاءَت لا يؤمنون، ومن لم يؤمن بالآية الموجودة التى تخر لها صم الجبال، وتنقاد لها بكم التلال لم يؤمن بغيرها، إِذ لا فرق بين آية وأُخرى فهم لا يعلمون أَيضاً أَن لهم فيما نزل كفاية، وأَنه تعالى قادر على الإِنزال، وأَنه لعل إِنزالها يوجب الإِهلاك إِذا لم يؤمنوا فالنفى بلولا المشعر بعدم الوقوع وبذكر القدرة المشعرة بالإِنزال بالإِمكان لا بالفعل عائد على الإِنزال بالأوجه المذكورة على مطلق الإِنزال فإِنه واقع فبطل قول الملحد أَن الآية دلت على أَن الإِنزال غير واقع، وأَنه صلى الله عليه وسلم ادعى النبوة والرسالة بلا حجة، وكلام الملحد متناقض لأَنه إَقرار بَأن هذه الآية فى حقه وأَنه نصرة له على دعواه، فهو نبئ ورسول بهذه الآية، وأَشار إِلى كمال قدرته على الإِنزال وعلى كل شئ، وشمول علمه وتدبيره بقوله.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ} أي رؤساء قريش الذين بلغ بهم الجهل والضلال إلى حيث لم يقنعوا بما شاهدوه من الآيات التي تخر لها صم الجبال ولم يعتدوا به {لَوْلاَ } أي هلا {نُزَّلَ } أي أنزل {عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ} ملجئة للإيمان {قُلْ } يا محمد {إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ ءايَةً} من الآيات الملجئة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فلا يدرون أن عدم تنزيلها مع ظهور قدرته سبحانه وتعالى عليه لما أن في تنزيلها قلعاً لأساس التكليف المبني على قاعدة الاختيار أو استئصالاً لهم بالكلية إذ ذلك من لوازم جحد الآية الملجئة وجوز أن لا يكونوا قد طلبوا الملجيء ولا يلزم من عدم الاعتداد بالمشاهد طلبه بل يجوز أن يكونوا قد طلبوا غير الحاصل مما لا يلجىء لجاجاً وعناداً، ويكون الجواب بالملجىء حينئذ من أسلوب الحكيم أو يكون جواباً بما يستلزم مطلوبهم بطريق أقوى وهو أبلغ. و (من) لابتداء الغاية. والجار والمجرور يجوز أن يكون متعلقاً بنزل، وأن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة لآية. وما يفيده التعرض لعنوان ربوبيته تعالى له عليه الصلاة والسلام من الإشعار بالعلية إنما هو بطريق التعريض بالتهكم من جهتهم. والاقتصار في الجواب على بيان قدرته سبحانه وتعالى على التنزيل مع أنها ليست في حيز الإنكار للإيذان بأن عدم تنزيله تعالى للآية مع قدرته عليه لحكمة بالغة يجب معرفتها وهم عنها غافلون كما ينبىء عنه الاستدراك. وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة مع الإشعار بالعلية. ومفعول {يَعْلَمُونَ } إما مطروح بالكلية على معنى أنهم ليسوا من أهل العلم أو محذوف مدلول عليه بقرينة المقام أي لا يعلمون شيئاً. وتخصيص عدم العلم بأكثرهم لما أن بعضهم واقفون على حقيقة الحال وإنما يفعلون ما يفعلون مكابرة وعناداً. وقرأ ابن كثير {ينزل} بالتخفيف، والمعنى هنا ـ كما قيل ـ واحد لأنه لم ينظر إلى التدريج وعدمه.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : وإن كان كبر عليك إعراضهم}تفسير : [الأنعام: 35] الآيات، وهذا عود إلى ما جاء في أول السورة (4) من ذكر إعراضهم عن آيات الله بقوله {أية : وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين} تفسير : . ثم ذكر ما تفنّنوا به من المعاذير من قولهم:{أية : لولا أنزل عليه ملك}تفسير : [الأنعام: 8] وقوله: {أية : وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها}تفسير : [الأنعام: 25] أي وقالوا: لولا أنزل عليه آية، أي على وفق مقترحهم، وقد اقترحوا آيات مختلفة في مجادلات عديدة. ولذلك أجملها الله تعالى هنا اعتماداً على علمها عند الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقال: {وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه}. فجملة: {وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربِّه} وقع عطفها معترضاً بين جملة {أية : والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون}تفسير : [الأنعام: 36] وجملة {أية : وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38] الخ. وفي الإتيان بفعل النزول ما يدلّ على أنّ الآية المسؤولة من قبيل ما يأتي من السماء، مثل قولهم {أية : لولا أنزل عليه ملك}تفسير : [الأنعام: 8] وقولهم: {أية : ولن نُؤمن لِرُقيّك حتى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه}تفسير : [الإسراء: 93] وشبه ذلك. وجرّد {نزّل} من علامة التأنيث لأنّ المؤنّث الذي تأنيثه لفظي بحت يجوز تجريد فعله من علامة التأنيث؛ فإذا وقع بين الفعل ومرفوعه فاصل اجتمع مسوّغان لتجريد الفعل من علامة التأنيث، فإنّ الفصل بوحده مسوّغ لتجريد الفعل من العلامة. وقد صرّح في «الكشاف» بأنّ تجريد الفعل عن علامة التأنيث حينئذٍ حسن. و{لولا} حرف تحضيض بمعنى (هلاّ). والتحضيض هنا لقطع الخصم وتعجيزه، كما تقدّم في قوله تعالى آنفاً {أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملك}تفسير : [الأنعام: 8]. وتقدّم الكلام على اشتقاق {آية} عند قوله تعالى: {أية : والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا }تفسير : في سورة [البقرة: 39]. وفصل فعل {قل} فلم يعطف لأنَّه وقع موقع المحاورة فجاء على طريقة الفصل التي بيّنّاها في مواضع كثيرة، أولها: قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : في سورة [البقرة: 30]. وأمَر الله رسوله أن يجيبهم بما يُعلم منه أنّ الله لو شاء لأنزل آية على وفق مقترحهم تقوم عليهم بها الحجّة في تصديق الرسول، ولكنّ الله لم يرد ذلك لحكمة يعلمها؛ فعبّر عن هذا المعنى بقوله: {إنّ الله قادر على أنّ ينزّل آية} وهم لا ينكرون أنّ الله قادر، ولذلك سألوا الآية، ولكنّهم يزعمون أنّ الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ لا يَثبُت صدقه إلاّ إذا أيّده الله بآية على وفق مقترحهم. فقوله: {إنّ الله قادر على أن ينزّل آية} مستعمل في معناه الكنائي، وهو انتفاء أن يريد الله تعالى إجابة مقترحهم، لأنَّه لمّا أرسل رسوله بآيات بيّنات حصل المقصود من إقامة الحجّة على الذين كفروا، فلو شاء لزادهم من الآيات لأنّه قادر. ففي هذه الطريقة من الجواب إثبات للردّ بالدليل، وبهذا يظهر موقع الاستدراك في قوله: {ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} فإنّه راجع إلى المدلول الالتزامي، ـــ أي ولكن أكثر المعاندين لا يعلمون أنّ ذلك لو شاء الله لفعله، ويحسبون أنّ عدم الإجابة إلى مقترحهم يدلّ على عدم صدق الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ وذلك من ظلمة عقولهم، فلقد جاءهم من الآيات ما فيه مزدجر. فيكون المعنى الذي أفاده هذا الردّ غير المعنى الذي أفاده قوله {أية : ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون}تفسير : [الأنعام: 8] فإنّ ذلك نبّهوا فيه على أنّ عدم إجابتهم فيه فائدة لهم وهو استبقاؤهم، وهذا نبّهوا فيه على سوء نظرهم في استدلالهم. وبيان ذلك أنّ الله تعالى نصب الآيات دلائل مناسبة للغرض المستدلّ عليه كما يقول المنطقيّون: إنّ المقدّمات والنتيجة تدلّ عقلاً على المطلوب المستدلّ عليه، وإنّ النتيجة هي عين المطلوب في الواقع وإن كانت غيره في الاعتبار؛ فلذلك نجد القرآن يذكر الحجج على عظيم قدرة الله على خلق الأمور العظيمة، كإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في سياق الاستدلال على وقوع البعث والحشر. ويسمّى تلك الحجج آيات كقوله {أية : وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقَرّ ومستودع قد فصّلنا الآيات لقوم يفقهون}تفسير : [الأنعام: 98]، وكما سيجيء في أول سورة [الرعد: 2] {أية : الله الذي رفع السماوات بغير عمد قرونها }تفسير : وذكر في خلال ذلك تفصيل الآيات إلى قوله: {أية : وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنّا تراباً إنّا لفي خلق جديد}تفسير : [الرعد: 5]. وكذلك ذكر الدلائل على وحدانية الله باستقلاله بالخلق، كقوله: {أية : وخلق كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم ذلكم الله ربّكم لا إله إلاّ هو خالق كلّ شيء فاعبدوه} تفسير : [الأنعام: 101- 102] إلى قوله {أية : وكذلك نفصّل الآيات وليقولوا دَرَست}تفسير : [الأنعام: 101 ـــ 105] الخ، وكقوله في الاستدلال على انفراده بأنواع الهداية {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر قد فصّلنا الآيات لقوم يعلمون}. ولمّا كان نزول القرآن على الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ حجّة على صدقه في إخباره أنّه مُنزل من عند الله لمَا اشتمل عليه من العلوم وتفاصيل المواعظ وأحوال الأنبياء والأمم وشرع الأحكام مع كون الذي جاء به معلوم الأمية بينهم قد قضى شبابه بين ظهرانيهم، جعَله آية على صدق الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ فيما أخبر به عن الله تعالى، فسمّاه آيات في قوله: {أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا، بيّنات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا}تفسير : [الحج: 72] فلم يشأ الله أن يجعل الدلائل على الأشياء من غير ما يناسبها. أمّا الجهلة والضّالون فهم يرومون آيات من عجائب التصاريف الخارقة لنظام العالم، يريدون أن تكون علامة بينهم وبين الله على حسب اقتراحهم بأن يحييهم إليها إشارة منه إلى أنّه صدّق الرسول فيما بلّغ عنه، فهذا ليس من قبيل الاستدلال ولكنَّه من قبيل المخاطرة ليزعموا أنّ عدم إجابتهم لما اقترحوه علامة على أنّ الله لم يصدّق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة. ومن أين لهم أنّ الله يرضى بالنزول معهم إلى هذا المجال، ولذلك قال تعالى: {قل إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ولكنّ أكثرهم لا يعلمون}، أي لا يعلمون ما وجه الارتباط بين دلالة الآية ومدلولها. ولذلك قال في الردّ عليهم في سورة [الرعد: 7] {أية : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربّه إنّما أنت منذر} تفسير : فهم جعلوا إيمانهم موقوفاً على أن تنزّل آية من السماء. وهم يعنون أنّ تنزيل آية من السماء جملة واحدة. فقد قالوا: {أية : لولا نُزّل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32] وقالوا: {أية : ولن نؤمن لرقّيك حتّى تُنَزّل علينا كتاباً نقرؤه}تفسير : [الإسراء: 93]. فردّ الله عليهم بقوله: {أية : إنّما أنت منذر}تفسير : [الرعد: 7]، أي لا علاقة بين الإنذار وبين اشتراط كون الإنذار في كتاب ينزّل من السماء، لأنّ الإنذار حاصل بكونه إنذاراً مفصّلاً بليغاً دالاّ على أنّ المنذِر به ما اخترعه من تلقاء نفسه، ولذلك ردّ عليهم بما يبيّن هذا في قوله: {أية : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذَنْ لارْتَابَ المُبطلون} تفسير : [العنكبوت: 48] إلى قوله {أية : وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنَّما الآيات عند الله وإنّما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم}تفسير : [العنكبوت: 50 - 51]، أي فما فائدة كونه ينزل في قرطاس من السماء مع أنّ المضمون واحد. وقال في ردّ قولهم: {أية : حتّى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه}تفسير : [الإسراء: 93] {أية : قل سبحان ربِّي هل كنت إلاّ بشراً رسولا}تفسير : [الإسراء: 93]. نعم إنّ الله قد يقيم آيات من هذا القبيل من تلقاء اختياره بدون اقتراح عليه، وهو ما يسمّى بالمعجزة مثل ما سمّى بعض ذلك بالآيات في قوله: {أية : في تسع آيات إلى فرعون وقومه}تفسير : [النمل: 12]، فذلك أمر أنف من عند الله لم يقترحه عليه أحد. وقد أعطى نبيّنا محمداً صلى الله عليه وسلم من ذلك كثيراً في غير مقام اقتراححٍ من المعرضين، مثل انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام القليل، ونبع الماء من الأرض بسهم رشقه في الأرض. هذا هو البيان الذي وعدتُ به عند قوله تعالى: {أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملَك}تفسير : في هذه السورة (8). ومن المفسِّرين من جعل معنى قوله {ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} أنّهم لا يعلمون أنّ إنزال الآية على وفق مقترحهم يعقبها الاستئصال إن لم يؤمنوا، وهم لعنادهم لا يؤمنون. إلاّ أنّ ما فسّرتها به أولى لئلاّ يكون معناها إعادة لمعنى الآية التي سبقتها، وبه يندفع التوقّف في وجه مطابقة الجواب لمقتضى السؤال حسبما توقّف فيه التفتزاني في تقرير كلام «الكشاف». وقوله: {ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} تنبيه على أنّ فيهم من يعلم ذلك ولكنّه يكابر ويُظهر أنّه لا يتمّ عنده الاستدلال إلاّ على نحو ما اقترحوه. وإعادة لفظ {آية} بالتنكير في قوله {أن يُنزّل آية} من إعادة النكرة نكرة وهي عين الأولى. وهذا يبطل القاعدة المتداولة بين المعربين من أنّ اللفظ المنكّر إذا أعيد في الكلام منكّراً كان الثاني غير الأول. وقد ذكرها ابن هشام في «مغني اللبيب» في الباب السادس ونقضها. وممّا مثّل به لإعادة النكرة نكرة وهي عين الأولى لا غيرها قوله تعالى: {أية : الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة}تفسير : [الروم: 54]. وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: {أية : فلا جناح عليهما أن يصّالحا بينهما صلحاً والصلح خير}تفسير : في سورة [النساء: 128].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. ذكر في هذه الآية الكريمة: أنه قادر على تنزيل الآية التي اقترحها الكفار على رسوله، وأشار لحكمة عدم إنزالها بقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وبين في موضع آخر أن حكمة عدم إنزالها أنها لو أنزلت ولم يؤمنوا بها، لنزل بهم العذاب العاجل كما وقع بقوم صالح لما اقترحوا عليه إخراج ناقة عشراء، وبراء، جوفاء، من صخرة صماء، فأخرجها الله لهم منها بقدرته ومشيئته، فعقروها {أية : وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}تفسير : [الأعراف: 77] فأهلكهم الله دفعة واحدة بعذاب استئصال، وذلك في قوله {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} تفسير : [الإسراء: 59] وبين في مواضع أخر أنه لا داعي إلى ما اقترحوا من الآيات، لأنه أنزل عليهم آية أعظم من جميع الآيات التي اقترحوها وغيرها، وتلك الآية هي هذا القرآن العظيم. وذلك في قوله {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 51] فأنكاره جل وعلا عليهم عدم الاكتفاء بهذا الكتاب عن الآيات المقترحة يدل على أنه أعظم وأفخم من كل آية، وهو كذلك ألا ترى أنه آية واضحة، ومعجزة باهرة، أعجزت جميع أهل الأرض، وهي باقية تتردد في آذان الخلق غضة طرية حتى يأتي أمر الله. بخلاف غيره من معجزات الرسل صلوات الله عليهم وسلامه فإنها كلها مضت وانقضت.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَةٌ} {آيَةً} (37) - كَانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَوْلا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ آيةٌ مِنْ رَبِّهِ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ وَالمَأْلُوفِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْزِّلَ آيةً، وَلَكِنَّ حِكْمَتَهُ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ آيَةً، وَفْقَ طَلَبِهِمْ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، لَعَاجَلَهُمْ بِالعُقُوبَةِ، كَمَا فَعَلَ بِالأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ هؤُلاءِ لا يَعْلَمُونَ حِكَمَ اللهِ، وَسُنَنَهُ فِي خَلْقِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن الله سبحانه يوضح مواصلتهم للجدل، وطلبهم لآية ما. والآية هي الأمر العجيب الذي يبعثه الله على يد نبي ليثبت صدقه في تبليغه عن الله. وكأنهم لا يريدون أن يعترفوا أن القرآن آيات بينات على الرغم من اعترافهم بعظمة القرآن، فقد قالوا: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. ولكنهم لم يعترفوا بالقرآن كآية معجزة؛ لأنهم عرفوا أن الرسل السابقين قد نزل كل منهم بآية معجزة منفصلة عن المنهج الذي جاء به، فموسى عليه السلام معجزته العصا، ويده التي أخرجها من جيبه فكانت بيضاء من غير سوء، وشق البحر، ومنهجه التوارة، وعيسى عليه السلام كانت معجزته التكلم في المهد بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وجاء الإنجيل مكملاً بالروحانيات تلك الماديات التي ملأت نفس اليهود. وبعد أن قالوا عن رسول الله إنه يفتري الكذب تحداهم الحق أن يأتوا بمثل القرآن ثم نزل بهم إلى أن يأتوا بعشر سور من مثله ثم إلى أن يأتوا بمثل سورة واحدة من أقصر سوره. إذن، فالافتراء وارد عليكم أيضا، فكما أن محمداً افترى فيمكن أن تفتروا أنتم كذلك فيما نبغتم وتفوقتم فيه من أساليب البلاغة. إن القرآن قد تحداهم وما دام قد تحداهم فإنه معجزة؛ لأن الأصل في المعجزة التحدي، ويتحداهم الله أن يأتوا بسورة من مثل سور القرآن فلا يستطيعون، إنه يتحداهم في أمر اللغة، وهم سادة اللغة وهم النابغون فيها. جاء القرآن ليتحداهم في مجال نبوغهم، ولكنّ بعضاً من العرب طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعجزة حسية كونية يرونها. وأعماهم الحمق عن معرفة أن المعرفة الحسية موقوتة التأثير، من يراها يقول إنها معجزة، ومن لم يرها قد يصدق وقد يكذب. ونحن - المسلمين - لا نصدق المعجزات الحسية إلا أن القرآن أوردها؛ ولأن القرآن قد جاء للناس كافة؛ لذلك لم يكن من المعقول أن يكون المنهج الخاتم منفصلاً عن معجزة النبي الذي جاء به. جاء القرآن - إذن - معجزة لرسول الله وهو آية معنوية دائمة أبداً بما فيه من أحكام ونظم، وآيات كونية وقضايا علمية، وإذا كان الخلق يختلفون في اللغات فما تضمنه القرآن من معجزات لن تنقضي عجائبه إلى يوم القيامة. وكل يوم نستنبط من آيات الله معجزات جديدة تُخرس كل مكذب، لأنها معجزات كونية، ومن العجيب أن بعض الذين يستنبطونها ليسوا من المسلمين، ولا هم من المؤمنين بالقرآن. ولكنّ بعضاً من المشركين لم يكتف بالقرآن على أنه آية ومعجزة دالة على صدق الرسول، وطالبوا بمعجزة حسية. فهل كان ذلك الطلب للآية حقيقيا يرجون من ورائه معرفة الحق والإيمان له أو كان مجرد سبب يختفون وراءه حتى لا يؤمنوا؟ إن كان طلب الآية هو أمرًا نابعًا من قلوبهم فإننا نأخذ بأيديهم ونرشدهم ونهديهم ونقول لهم: إن الرسل التي جاءت بمعجزات غير كتاب المنهج كانوا رسلاً إلى أمم مخصوصة وفي زمان محدود، فجاءت معهم آيات كونية تُرَى مرة واحدة وتنتهي، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء لعموم الزمان، ولعموم المكان، ولذلك لا تصلح أن تكون آيته ومعجزته حسية؛ حتى لا تنحصر في الزمان والمكان المحددين، وشاء الحق أن تكون معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي المنهج الدائم. وكنز القرآن أظهر وكشف من من الآيات الكونية ما تحقق من علم ورآه البشر، وما سيظل يكتشفه البشر إلى أن تقوم الساعة. ولذلك قال الحق: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. أي أن البشر سيريهم الله وسيكتشف لهم من آياته حتى يظهر ويستبين لهم وجه الحق، وإن كنتم تقترحون آية لمجرد التمحك والتلكؤ في إعلان الإيمان، فلتعلموا أن أقواماً غيركم اقترحت الآيات وأنزل الحق هذه الآيات ومع ذلك كفروا: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الإسراء: 59]. مثلما طلب قوم صالح الناقة، فجاءهم بالناقة، فكذبوا بتلك الآية وعقروا الناقة: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا}. إذن فمسألة طلب الآيات قد سبقت في أمم سابقة، وسبحانه قادر على إنزال الآيات، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون. وسيقولون مثلما قال الذين تكلم فيهم الحق سبحانه: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الإسراء: 59]. ولقد أنزل الحق سبحانه القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم وفيه آيات كثيرة عظمت وجلت عن أن تحصى وتحصر، ولو أنهم اقترحوا آية وحققها الله لهم ولم يؤمنوا لكان حقاً على الله أن يبيدهم جميعاً. ولقد أعطى الله رسوله صلى الله عليه وسلم وعداً بألا يهلكهم وهو صلى الله عليه وسلم فيهم: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}. إذن فعدم استجابة الله لإنزال آية لهم هو نوع من الحرص عليهم، ذلك أن منهم من سيؤمن، ومنهم من سيكون من نسله مؤمنون يحملون المنهج ويقومون به إلى أن تقوم الساعة لأنهم أتباع وحملة الرسالة الخاتمة. وبعد ذلك يأتي الحق بالبيان الارتقائي: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):