٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تقرير وجه النظم، فنقول فيه وجهان: الأول: أنه تعالى بيّن في الآية الأولى أنه لو كان إنزال سائر المعجزات مصلحة لهم لفعلها ولأظهرها إلا أنه لما لم يكن إظهارها مصلحة للمكلفين، لا جرم ما أظهرها. وهذا الجواب إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى يراعي مصالح المكلفين ويتفضل عليهم بذلك فبيّن أن الأمر كذلك، وقرره بأن قال: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلاْرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } في وصول فضل الله وعنايته ورحمته وإحسانه إليهم، وذلك كالأمر المشاهد المحسوس فإذا كانت آثار عنايته واصلة إلى جميع الحيوانات؛ فلو كان في إظهار هذه المعجزات القاهرة مصلحة للمكلفين لفعلها ولأظهرها ولامتنع أن يبخل بها مع ما ظهر أنه لم يبخل على شيء من الحيوانات بمصالحها ومنافعها وذلك يدل على أنه تعالى إنما لم يظهر تلك المعجزات، لأن إظهارها يخل بمصالح المكلفين. فهذا هو وجه النظم والمناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها والله أعلم. الوجه الثاني في كيفية النظم: قال القاضي: إنه تعالى لما قدم ذكر الكفار وبين أنهم يرجعون إلى الله ويحشرون بين أيضاً بعده بقوله {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } في أنهم يحشرون، والمقصود: بيان أن الحشر والبعث كما هو حاصل في حق الناس فهو أيضاً حاصل في حق البهائم. المسألة الثانية: الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير فجميع ما خلق الله تعالى من الحيوانات، فإنه لا يخلو عن هاتين الصفتين، إما أن يدب، وإما أن يطير. وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: من الحيوان ما لا يدخل في هذين القسمين مثل حيتان البحر، وسائر ما يسبح في الماء ويعيش فيه. والجواب: لا يبعد أن يوصف بأنها دابة من حيث إنها تدب في الماء أو هي كالطير، لأنها تسبح في الماء، كما أن الطير يسبح في الهواء، إلا أن وصفها بالدبيب أقرب إلى اللغة من وصفها بالطيران. السؤال الثاني: ما الفائدة في تقييد الدابة بكونها في الأرض؟ والجواب من وجهين: الأول: أنه خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء احتجاجاً بالأظهر لأن ما في السماء وإن كان مخلوقاً مثلنا فغير ظاهر، والثاني: أن المقصود من ذكر هذا الكلام أن عناية الله تعالى لما كانت حاصلة في هذه الحيوانات فلو كان إظهار المعجزات القاهرة مصلحة لما منع الله من إظهارها. وهذا المقصود إنما يتم بذكر من كان أدون مرتبة من الإنسان لا بذكر من كان أعلى حالاً منه، فلهذا المعنى قيد الدابة بكونها في الأرض. السؤال الثالث: ما الفائدة في قوله {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ }؟ مع أن كل طائر إنما يطير بجناحيه. والجواب فيه من وجوه: الأول: أن هذا الوصف إنما ذكر للتأكيد كقوله نعجة أنثى وكما يقال: كلمته بفي ومشيت إليه برجلي. الثاني: أنه قد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع وعلى هذا التقدير: فقد يحصل الطيران لا بالجناح. قال الحماسي:شعر : طاروا إليه زرافات ووحدانا تفسير : فذكر الجناح ليتمحض هذا الكلام في الطير. والثالث: أنه تعالى قال في صفة الملائكة {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ } تفسير : [فاطر: 1] فذكر ههنا قوله {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } ليخرج عنه الملائكة فإنا بينا أن المقصود من هذا الكلام إنما يتم بذكر من كان أدون حالاً من الإنسان لا بذكر من كان أعلى حالاً منه. السؤال الرابع: كيف قال: {إِلاَّ أُمَمٌ } مع إفراد الدابة والطائر؟ والجواب: لما كان قوله {وَمَا مِن دَابَّةٍ وَلاَ طَائِرٍ } دالاً على معنى الاستغراق ومغنياً عن أن يقول: وما من دواب ولا طيور لا جرم حمل قوله {إِلاَّ أُمَمٌ } على المعنى. السؤال الخامس: قوله {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } قال الفرّاء: يقال إن كل صنف من البهائم أمة وجاء في الحديث: «حديث : لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها»تفسير : فجعل الكلاب أمة. إذا ثبت هذا فنقول: الآية دلت على أن هذه الدواب والطيور أمثالنا، وليس فيها ما يدل على أن هذه المماثلة في أي المعاني حصلت ولا يمكن أن يقال:المراد حصول المماثلة من كل الوجوه وإلا لكان يجب كونها أمثالاً لنا في الصورة والصفة والخلقة وذلك باطل فظهر أنه لا دلالة في الآية على أن تلك المماثلة حصلت في أي الأحوال والأمور فبينوا ذلك. والجواب: اختلف الناس في تعيين الأمر الذي حكم الله تعالى فيه بالمماثلة بين البشر وبين الدواب والطيور وذكروا فيه أقوالاً: القول الأول: نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يريد، يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني. وإلى هذا القول ذهب طائفة عظيمة من المفسرين وقالوا: إن هذه الحيوانات تعرف الله وتحمده وتوحده وتسبحه واحتجوا عليه بقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 44] وبقوله في صفة الحيوانات {أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } تفسير : [النور: 41] وبما أنه تعالى خاطب النمل وخاطب الهدهد، وقد استقصينا في تقرير هذا القول وتحقيقه في هذه الآيات. وعن أبي الدرداء أنه قال: أبهمت عقول البهائم عن كل شيء إلا عن أربعة أشياء: معرفة الإلٰه، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر والأنثى، وتهيوء كل واحد منهما لصاحبه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من قتل عصفوراً عبثاً جاء يوم القيامة يعج إلى الله يقول يا رب إن هذا قتلني عبثاً لم ينتفع بي ولم يدعني آكل من خشاش الأرض».تفسير : والقول الثاني: المراد إلا أمم أمثالكم في كونها أمماً وجماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً، ويأنس بعضها ببعض، ويتوالد بعضها من بعض كالإنس إلا أن للسائل أن يقول حمل الآية على هذا الوجه لا يفيد فائدة معتبرة لأن كون الحيوانات بهذه الصفة أمر معلوم لكل أحد فلا فائدة في الاخبار عنها. القول الثالث: المراد أنها أمثالنا في أن دبرها الله تعالى وخلقها وتكفل برزقها وهذا يقرب من القول الثاني في أنه يجري مجرى الاخبار عما علم حصوله بالضرورة. القول الرابع: المراد أنه تعالى كما أحصى في الكتاب كل ما يتعلق بأحوال البشر،من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة فكذلك أحصى في الكتاب جميع هذه الأحوال في كل الحيوانات.قالوا:والدليل عليه قوله تعالى:{ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ} وليس لذكر هذا الكلام عقيب قوله {إلا أممٌ أمثالُكُمْ} فائدةً إلا ما ذكرناه.القول الخامس: أراد تعالى أنها أمثالنا في أنها تحشر يوم القيامة يوصل إليها حقوقها، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يقص للجماء من القرناء».تفسير : القول السادس: ما اخترناه في نظم الآية، وهو أن الكفار طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة الظاهرة، فبين تعالى أن عنايته وصلت إلى جميع الحيوانات كما وصلت إلى الإنسان. ومن بلغت رحمته وفضله إلى حيث لا يبخل به على البهائم كان بأن لا يبخل به على الإنسان أولى، فدل منع الله من إظهار تلك المعجزات القاهرة على أنه لا مصلحة لأولئك السائلين في إظهارها، وأن إظهارها على وفق سؤالهم واقتراحهم يوجب عود الضرر العظيم إليهم. القول السابع: ما رواه أبو سليمان الخطابي عن سفيان بن عيينة، أنه لما قرأ هذه الآية قال: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم، فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس كفعل الطاوس، ومنهم من يشبه الخنزير فإنه لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام الرجل عن رجيعه ولغ فيه. فكذلك نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، فإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلساً إلا رواه عنه. ثم قال: فاعلم يا أخي إنك إنما تعاشر البهائم والسباع، فبالغ في الحذار والاحتراز، فهذا جملة ما قيل في هذا الموضع. المسألة الثالثة: ذهب القائلون بالتناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله تعالى موصوفة بالمعارف الحقة وبالأخلاق الطاهرة،فإنها بعد موتها تنقل إلى أبدان الملوك،وربما قالوا إنها تنقل إلى مخالطة عالم الملائكة، وأما إن كانت شقية جاهلة عاصية فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت تلك الأرواح أكثر شقاوة واستحقاقاً للعذاب نقلت إلى بدن حيوان أخس وأكثر شقاء وتعباً، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فقالوا: صريح هذه الآية يدل على أنه لا دابة ولا طائر إلا وهي أمثالنا، ولفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية أما الصفات العرضية المفارقة، فالمساواة فيها غير معتبرة في حصول المماثلة. ثم إن القائلين بهذا القول زادوا عليه، وقالوا: قد ثبت بهذا أن أرواح جميع الحيوانات عارفة بربها وعارفة بما يحصل لها من السعادة والشقاوة، وأن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولاً من جنسها، واحتجوا عليه بأنه ثبت بهذه الآية أن الدواب والطيور أمم. ثم إنه تعالى قال: {أية : وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } تفسير : [فاطر: 24] وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه الحيوانات رسولاً أرسله الله إليها. ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد، وقصة النمل، وسائر القصص المذكورة في القرآن. واعلم أن القول بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الأصول، وأما هذه الآية فقد ذكرنا ما يكفي في صدق حصول المماثلة في بعض الأمور المذكورة، فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ. والله أعلم. ثم قال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } وفي المراد بالكتاب قولان: القول الأول: المراد منه الكتاب المحفوظ في العرش وعالم السمٰوات المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل التام، كما قال عليه السلام: «حديث : جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة». تفسير : والقول الثاني: أن المراد منه القرآن، وهذا أظهر لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن. إذا ثبت هذا فلقائل أن يقول: كيف قال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب وتفاصيل علم الحساب، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم، وليس فيه أيضاً تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع؟ والجواب: أن قوله {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } يجب أن يكون مخصوصاً ببيان الأشياء التي يجب معرفتها، والإحاطة بها وبيانه من وجهين: الأول: أن لفظ التفريط لا يستعمل نفياً وإثباتاً إلا فيما يجب أن يبين لأن أحداً لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه. الثاني: أن جميع آيات القرآن أو الكثير منها دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال هذا الكتاب بيان الدين ومعرفة الله ومعرفة أحكام الله، وإذا كان هذا التقييد معلوماً من كل القرآن كان المطلق ههنا محمولاً على ذلك المقيد. أما قوله إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع. فنقول: أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه: فأما روايات المذاهب وتفاصيل الأقاويل، فلا حاجة إليها، وأما تفاصيل علم الفروع فنقول: للعلماء ههنا قولان: الأول: أنهم قالوا أن القرآن دل على أن الاجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة، كان ذلك في الحقيقة موجوداً في القرآن، وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة: المثال الأول: روي أن ابن مسعود كان يقول: مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه يعني الواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمستوصلة، وروي أن أمرأة قرأت جميع القرآن، ثم أتته فقالت: يا ابن أم عبد، تلوت البارحة ما بين الدفتين، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة، فقال: لو تلوتيه لوجدتيه، قال الله تعالى: {أية : وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ } تفسير : [الحشر: 7] وإن مما أتانا به رسول الله أنه قال: حديث : لعن الله الواشمة والمستوشمة» تفسير : وأقول: يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك لأنه تعالى قال في سورة النساء: {أية : وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } تفسير : [النساء: 117، 118] فحكم عليه باللعن، ثم عدد بعده قبائح أفعاله وذكر من جملتها قوله {أية : وَلاَمُرَنَّهُمْ فليغيرن خَلَقَ ٱللَّهُ } تفسير : [النساء: 119] وظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن. المثال الثاني: ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالساً في المسجد الحرام فقال:«لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى» فقال رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟ فقال: «لا شيء عليه» فقال: أين هذا في كتاب الله؟ فقال: قال الله تعالى: {وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ } ثم ذكر إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» تفسير : ثم ذكر إسناداً إلى عمر رضي الله عنه أنه قال: للمحرم قتل الزنبور. قال الواحدي: فأجابه من كتاب الله مستنبطاً بثلاث درجات، وأقول: ههنا طريق آخر أقرب منه، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة. قال تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } تفسير : [البقرة: 286] وقال: {أية : وَلاَ يَسْـئَلْكُمْ أَمْوٰلَكُمْ } تفسير : [محمد: 36] وقال: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } تفسير : [النساء: 29] فنهى عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة، وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء، وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة. وأما الطريق الذي ذكره الشافعي: فهو تمسك بالعموم على أربع درجات: أولها: التمسك بعموم قوله {أية : وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ } تفسير : [الحشر: 7] وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي عليه السلام بمتابعة الخلفاء الراشدين، وثانيها: التمسك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»، تفسير : وثالثها: بيان أن عمر رضي الله عنه كان من الخلفاء الراشدين، ورابعها: الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئاً، فثبت أن الطريق الذي ذكرناه أقرب. المثال الثالث: قال الواحدي: روي في حديث العسيف الزاني أن أباه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اقض بيننا بكتاب الله فقال عليه السلام: «حديث : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله» تفسير : ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت. قال الواحدي: وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله. وأقول: هذا المثال حق، لأنه تعالى قال: {أية : لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } تفسير : [النحل: 44] وكل ما بينه الرسول عليه السلام كان داخلاً تحت هذه الآية، فثبت بهذه الأمثلة أن القرآن لما دل على أن الإجماع حجة، وأن خبر الواحد حجة، وأن القياس حجة، فكل حكم ثبت بطريق من هذه الطرق الثلاثة، كان في الحقيقة ثابتاً بالقرآن، فعند هذا يصح قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } هذا تقرير هذا القول، وهو الذي ذهب إلى نصرته جمهور الفقهاء. ولقائل أن يقول: حاصل هذه الوجه أن القرآن لما دل على خبر الواحد والقياس حجة، فكل حكم ثبت بأحد هذين الأصلين كان في الحقيقة قد ثبت بالقرآن إلا أنا نقول: حمل قوله {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } على هذا الوجه لا يجوز لأن قوله {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } ذكر في معرض تعظيم هذا الكتاب والمبالغة في مدحه والثناء عليه، ولو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لم يحصل منه ما يوجب التعظيم، وذلك لأنا لو فرضنا أن الله تعالى قال: اعملوا بالإجماع وخبر الواحد والقياس، كان المعنى الذي ذكروه حاصلاً من هذا اللفظ والمعنى الذي يمكن تحصيله من هذا اللفظ القليل لا يمكن جعله واجباً لمدح القرآن والثناء عليه لسبب اشتمال القرآن عليه، لأن هذا إنما يوجب المدح العظيم والثناء التام لو لم يمكن تحصيله بطريق آخر أشد اختصاراً منه، فأما لما بينا أن هذا القسم المقصود يمكن حمله وتحصيله باللفظ المختصر الذي ذكرناه علمنا أنه لا يمكن ذكره في تعظيم القرآن، فثبت أن هذه الآية مذكورة في معرض تعظيم القرآن، وثبت أن المعنى الذي ذكروه لا يفيد تعظيم القرآن، فوجب أن يقال، إنه لا يجوز حمل هذه الآية على هذا المعنى، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا القول. والقول الثاني: في تفسير هذه الآية قول من يقول: القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام وتقريره أن الأصل براءة الذمة في حق جميع التكليف، وشغل الذمة لا بدّ فيه من دليل منفصل والتنصيص على أقسام ما لم يرد فيه التكليف ممتنع، لأن الأقسام التي لم يرد التكليف فيها غير متناهية، والتنصيص على ما لا نهاية له محال بل التنصيص إنما يمكن على المتناهي مثلاً لله تعالى ألف تكليف على العباد وذكره في القرآن وأمر محمداً عليه السلام بتبليغ ذلك الألف إلى العباد.ثم قال بعده {ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ} فكان معناه أنه ليس لله على الخلق بعد ذلك الألف تكليف آخر، ثم أكد هذه الآية بقوله {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }تفسير : [المائدة: 3] وبقوله: {أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الانعام: 59] فهذا تقرير مذهب هؤلاء، والاستقصاء فيه إنما يليق بأصول الفقه، والله أعلم. ولنرجع الآن إلى التفسير، فنقول: قوله {مِن شَىْء } قال الواحدي {مِنْ } زائدة كقوله: ما جاء لي من أحد. وتقريره ما تركنا في الكتاب شيئاً لم نبينه. وأقول: كلمة {مِنْ } للتبعيض فكان المعنى ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج المكلف إليه، وهذا هو نهاية المبالغة في أنه تعالى ما ترك شيئاً مما يحتاج المكلف إلى معرفته في هذا الكتاب. أما قوله {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } فالمعنى أنه تعالى يحشر الدواب والطيور يوم القيامة. ويتأكد هذا بقوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ } تفسير : [التكوير: 5] وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقتص للجماء من القرناء» تفسير : وللعقلاء فيه قولان: القول الأول: أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لإيصال الأعواض إليها وهو قول المعتزلة. وذلك لأن إيصال الآلام إليها من سبق جناية لا يحسن إلا للعوض، ولما كان إيصال العوض إليها واجباً، فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الأعواض إليها. والقول الثاني: قول أصحابنا أن الإيجاب على الله محال، بل الله تعالى يحشرها بمجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية. واحتجوا على أن القول بوجوب العوض على الله تعالى محال باطل بأمور: الحجة الأولى: أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزماً للذم عند الترك وكونه تعالى مستلزماً للذم محال، لأنه تعالى كامل لذاته والكامل لذاته لا يعقل كونه مستلزماً للذم بسبب أمر منفصل، لأن ما بالذات لا يبطل عند عروض أمر من الخارج. والحجة الثانية: أنه تعالى مالك لكل المحدثات، والمالك يحسن تصرفه في ملك نفسه من غير حاجة إلى العوض. والحجة الثالثة: أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لأجل العوض، لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لأجل التزام العوض من غير رضاه وذلك باطل، فثبت أن القول بالعوض باطل. والله أعلم. إذا عرفت هذا: فلنذكر بعض التفاريع التي ذكرها القاضي في هذا الكتاب. الفرع الأول: قال القاضي: كل حيوان استحق العوض على الله تعالى بما لحقه من الآلام، وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا، فإنه يجب على الله حشره عقلاً في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض والذي لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً، إلا أنه تعالى أخبر أنه يحشر الكل، فمن حيث السمع يقطع بذلك. وإنما قلنا أن في الحيوانات من لا يستحق العوض ألبتة، لأنها ربما بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام ثم إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلاً. فإنه لم يثبت بالدليل أن الموت لا بدّ وأن يحصل معه شيء من الإيلام، وعلى هذا التقدير فإنه لا يستحق العوض ألبتة. الفرع الثاني: كل حيوان أذن الله تعالى في ذبحه فالعوض على الله. وهي أقسام: منها ما أذن في ذبحها لأجل الأكل ومنها ما أذن في ذبحها لأجل كونها مؤذية، مثل السباع العادية والحشرات المؤذية، ومنها آلمها بالأمراض، ومنها ما أذن الله في حمل الأحمال الثقيلة عليها واستعمالها في الأفعال الشاقة وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك الظالم وإذا ظلم بعضها بعضاً فذلك العوض على ذلك الظالم. فإن قيل: إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه على وجه التذكية فعلى من العوض؟ أجاب بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة. الفرع الثالث: المراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة والرفعة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فإنها كانت ترضى به، فهذا هو العوض الذي لأجله يحسن الإيلام والأضرار. الفرع الرابع: مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع. قال القاضي: وهو قول أكثر المفسرين، لأنهم قالوا إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها تراباً، وعند هذا يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً. قال أبو القاسم البخلي: يجب أن يكون العوض دائماً واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا أن يلتزم عملاً شاقاً والأجرة منقطعة، فعلمنا أن إيصال الألم إلى الغير غير مشروط بدوام الأجرة. واحتج البلخي على قوله، بأن قال: إنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم وذلك الألم يوجب عوضاً آخر، وهكذا إلى ما لا آخر له. والجواب عنه: أنه لم يثبت بالدليل أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الإيلام. والله أعلم. الفرع الخامس: أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة أخرى عوضاً، فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله تعالى فإنه تعالى ينقل ذلك العوض إلى المظلوم. وإن لم يكن الأمر كذلك فالله تعالى يكمل ذلك العوض، فهذا مختصر من أحكام الأعواض على قول المعتزلة. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ} تقدّم معنى الدابة والقول فيه في «البقرة» وأصله الصفة؛ من دَبّ يَدِبّ فهو دابّ إذا مشى مشياً فيه تَقَارُب خَطْو. {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} بخفض «طائرٍ» عطفاً على اللفظ. وقرأ الحسن وعبدالله بن أبي إسحاق «وَلاَ طَائِرٌ» بالرفع عطفاً على الموضع، و «مِن» زائدة التقدير: وما دابةٌ. «بِجَنَاحَيْهِ» تأكيد وإزالة للإبهام؛ فإن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر، تقول للرجل: طِرْ في حاجتي؛ أي أَسرعْ؛ فذَكَر «بجناحيه» ليتمحض القول في الطير، وهو في غيره مجاز. وقيل: إن ٱعتدال جَسَد الطائر بين الجناحين يعِينه على الطيران، ولو كان غير معتدل لكان يميل؛ فأعلمنا أن الطيران بالجناحين و { أية : مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ } تفسير : [النحل: 79]. والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء، وأصله الميل إلى ناحية من النواحي؛ ومنه جَنَحت السفينةُ إذا مالت إلى ناحية ٱلأرض لاصقة بها فوقفت. وطائر ٱلإنسان عمله؛ وفي التنزيل { أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ } تفسير : [الإسراء: 13]. {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} أي هم جماعات مثلكم في أن الله عز وجل خلقهم، وتَكفّل بأرزاقهم، وعدَلَ عليهم، فلا ينبغي أن تظلموهم، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به. و«دابة» تقع على جميع ما دبّ؛ وخص بالذكر ما في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه. وقيل: هي أمثال لنا في التسبيح والدلالة؛ والمعنى: وما من دابة ولا طائِر إلا وهو يسبِّح الله تعالى، ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار. وقال أبو هُريرة: هي أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غداً ويقتص للجّماء من القَرْنَاء ثم يقول الله لها: كوني تراباً. وهذا ٱختيار الزجاج فإنه قال: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص، وقد دخل فيه معنى القول ٱلأول أيضاً. وقال سُفيان بن عُيْينة: أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه؛ فمنهم من يعدو كالأسد، ومنهم من يَشْرَه كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ومنهم من يزهو كالطاوس؛ فهذا معنى المماثلة. واستحسن الخَطَّابي هذا وقال: فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حِذْرك. وقال مجاهد في قوله عز وجل: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} قال: أصناف لهن أسماء تُعرف بها كما تُعرَفون. وقيل غير هذا مما لا يصح من أنها مثلنا في المعرفة، وأنها تُحشر وتنعم في الجنة، وتعوّض من الآلام التي حلت بها في الدنيا وأن أهل الجنة يستأنسون بصورهم؛ والصحيح {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته، كما أن رزقكم على الله. وقول سفيان أيضاً حسن؛ فإنه تشبيه واقع في الوجود. قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث. وقيل: أي في القرآن أي ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلا وقد دَلَلْنَا عليه في القرآن؛ إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتَلقّى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب؛ قال الله تعالى: { أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ } تفسير : [النحل: 89] وقال: { أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } تفسير : [النحل: 44] وقال: { أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7] فأجمل في هذه الآية وآية «النحل» ما لم ينص عليه مما لم يذكره، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلاً وإما تأصيلاً؛ وقال: { أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } تفسير : [المائدة: 3]. قوله تعالىٰ: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} أي للجزاء، كما سبق في خبر أبي هُريرة، وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقاد للشاة ٱلجَلْحَاء من الشاة القَرْناء»تفسير : . ودَلّ بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة؛ وهذا قول أبي ذر وأبي هريرة والحسن وغيرهم، ورُوي عن ٱبن عباس؛ قال ٱبن عباس في رواية: حشْرُ الدوابّ والطيْر موتُها؛ وقاله الضحاك؛ وٱلأوّل أصح لظاهر الآية والخبر الصحيح، وفي التنزيل { أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ } تفسير : [التكوير: 5] وقول أبي هُريرة فيما روى جعفر بن بِرقان عن يزيد بن الأصم عنه: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء؛ فيبلغ من عدل الله تعالىٰ يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول: «كُونِي تُرَاباً» فذلك قوله تعالىٰ: { أية : وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً } تفسير : [النبأ: 40]. وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما هم عليه من الجَزَع قلن: الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم، فلا جنة نرجو ولا نار نخاف؛ فيقول الله تعالىٰ لهن: «كُنَّ تُرَاباً» فحينئذٍ يتمنى الكافر أن يكون تُراباً. وقالت جماعة: هذا الحشر الذي في الآية يرجع إلى الكفار وما تَخلّل كلامٌ معتَرضٌ وإقامة حُجج؛ وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه، وأنه لا محيص له عنه؛ وعضدوا هذا بما في الحديث في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة فقال: حتى يُقاد للشاة الجَلْحاء من القَرْناء، وللحجر لما رَكِب على الحجر، وللعود لما خدَش العود: قالوا: فظهر من هذا أن المقصود منه التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل، لأن الجمادات لا يُعقَل خطابها ولا ثوابُها ولا عقابُها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيلة من جملة المعتوهين الأغبياء؛ قالوا: ولأن القلم لا يجري عليهم فلا يجوز أن يؤاخذوا. قلت: الصحيح القول الأوّل لما ذكرناه من حديث أبي هريرة، وإن كان القلم لا يجرى عليهم في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به؛ وروي عن أبي ذر قال: حديث : انتطحت شاتان عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا ذَرٍّ هل تدري فيما ٱنتطحتا»؟ قلت: لا. قال: «لكن الله تعالى يدري وسيقضي بينهما» تفسير : وهذا نص، وقد زدناه بياناً في كتاب «التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة». والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا مِنْ } زائدة {دَآبَّةٍ } تمشي {فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ } في الهواء {بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَٰلُكُمْ } في تدبير خلقها ورزقها وأحوالها {مَّا فَرَّطْنَا } تركنا {فِى ٱلْكِتَٰبِ } اللوح المحفوظ {مِنْ } زائدة {شَىْءٍ } فلم نكتبه {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } فيقضي بينهم، ويقتص للجماء من القرناء، ثم يقول لهم كونوا تراباً.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أرأيتكم} وبابه بتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف {أريتكم} وبابه بغير همز: عليّ: الباقون: {أرأيتكم} بالتحقيق {فتحنا} بالتشديد: يزيد وابن عامر {به انظر} بضم الهاء روى الأصفهاني عن ورش. الوقوف: {أمثالكم} ط {يحشرون} ه {في الظلمات} ط {يضلله} ط لابتداء شرط آخر {مستقيم} ه {تدعون} ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأجيبوا مع اتحاد الكلام {صادقين} ه {تشركون} ه {يتضرعون} ه {يعملون} ه {كل شيء} ط {مبلسون} ه {ظلموا} ط {العالمين} ه {يأتيكم به} ط {يصدفون} ه {الظالمون} ه {ومنذرين} ج {يحزنون} ه {يفسقون} ه {إني ملك} ج للابتداء بالنفي مع اتحاد القائل والمقول {إلى} ط {يتفكرون} ه. التفسير: لما بين أن إنزال سائر المعجزات لو كان مصلحة لهم لفعل ذلك، أكده بما يؤذن أن آثار فضله وإحسانه ولطفه وامتنانه واصلة إلى جميع الحيوانات، فلو كانت مصلحة المكلفين في إظهار تلك المعجزات القاهرة الملجئة لم يخل بذلك ألبتة، وفيه أيضاً مزيد تقرير لأمر البعث وأنه حاصل لجميع الحيوان فضلاً عن الإنسان. فإن الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير. وإنما خص من الدواب ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء أو في الماء، لأن رعاية مصالح الأدون تستلزم رعاية مصالح الأشرف، ويمكن أن يقال: إن الماء أيضاً من جملة الأرض لأنهما جميعاً ككرة واحدة. قال علماء المعاني: إنما وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بجناحيه ليعلم أنهما باقيان على عمومهما إذ بينهما بخواص الجنسين، ولولا ذلك لاحتمل أن يقدّر فيهما صفة نحو ترتع أو تصيد فتخصصا، أو لأوهم أن المراد بهما غير الجنسين المتعارفين لقوله بعده {إلا أمم أمثالكم} وقد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع. قال الحماسي: شعر : طاروا إليه زرافات ووحدانا تفسير : وقيل: ذكر {يطير بجناحيه} ليخرج عنه الملائكة ذوو الأجنحة، فإن المراد ذكر من هو أدون حالاً. وقيل: إن الوصف للتأكيد كقولهم: نعجة أنثى. وكما يقال: مشيت إليه برجلي. وإنما جمع الأمم مع أنه أفرد الدابة والطائر، لأن النكرة المستغرقة في معنى الجمع. قال الفراء: كل صنف من البهائم أمة. وفي الحديث "حديث : لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها"تفسير : ثم ما وجه المماثلة بين البشر والدابة والطائر؟ نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني كقوله {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده} تفسير : [الإسراء: 44] {أية : كل قد علم صلاته وتسبيحه} تفسير : [النور: 41] وعن أبي الدرداء: أبهمت عقول البهائم إلا عن معرفة الإله وطلب الرزق. ومعرفة الذكر والأنثى. وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين. وقيل: وجه المماثلة كونها جماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض. وضعف بأن هذا أمر معلوم مشاهد لا فائدة في الإخبار عنه. وقيل: هو أنه دبرها وخلقها وتكفل برزقها وأحصى أحوالها وما يجري عليها من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة. دليله قوله عقيبه {ما فرطنا في الكتاب من شيء}. وقيل: هو أنها تحشر يوم القيامة ويوصل إليها حقوقها وقد جاء في الحديث "حديث : يقتص للجماء من القرناء"تفسير : ولكن قوله بعد ذلك {ثم إلى ربهم يحشرون} يصير كالمكرر. وعن سفيان بن عيينة: ما في الأرض من آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم. فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوّس كفعال الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام عن رجيعه لعب فيه، وكذلك نجد من الأدميين من يسمع خمسين كلمة من الحكمة لا يحفظ واحدة وإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلساً إلا زاد فيه. واعلم يا أخي أنك تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الحذر والاحتراز. وذهب أهل التناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله تعالى موصوفة بالمعارف الحقة موسومة بالأخلاق الفاضلة فإنها بعد موتها تنتقل إلى أبدان الملوك، وربما قالوا إنها تصل إلى مخالطة عالم الملائكة. وإن كانت شقية جاهلة فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت أكثر شقاء فإنها تنتقل إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعباً وعناء. قالوا: وذلك لأن لفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية. ثم زعموا أن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولاً من جنسها لقوله {أية : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} تفسير : [فاطر: 24] واستشهدوا بقصة النمل وحديث الهدهد ونحو ذلك. وفي تعداد مذاهب أرباب التناسخ طول والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. {ما فرطنا في الكتاب من شيء} "من" مزيدة للاستغراق أي ما تركنا وما أغفلنا شيئاً قط. وقيل: للتبعيض أي ما أهملنا فيه بعض شيء يحتاج المكلف إلى معرفته. والكتاب اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال العالم على التفصيل. وقيل: القرآن لأنه هو الذي تسبق إليه الأذهان فيما بين أهل الإيمان، وأورد عليه أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب والحساب ولا تفاصيل كثير من العلوم ولا حاصل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع. وأجيب بأن لفظ التفريط لا يستعمل إلا فيما يجب أن يفعل، والمحتاج إليه إنما هو الأصول والقوانين لا الفروع التي لا تضبط ولا تتناهى. وما من علم إلا وفي القرآن أصله ومنه شرفه وفضله كقوله {أية : كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} تفسير : [الأعراف: 31] للطب. وقوله {أية : وهو أسرع الحاسبين} تفسير : [الأنعام: 62] للحساب. وكقوله {أية : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} تفسير : [الأعرف: 199] للأخلاق. وأما تفاصيل علم الفروع فذكر العلماء أن السنة والإجماع والقياس كلها مستندة إلى الكتاب كقوله {أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} تفسير : [الحشر: 7] وكقوله {أية : ويتبع غير سبيل المؤمنين} تفسير : [النساء: 115] وكقوله: {أية : فاعتبروا} تفسير : [الحشر: 2] وقيل: إن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، لأن الأصل براءة الذمة عن التكاليف كلها وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل، وكل حكم لم يكن مذكوراً في القرآن بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام لم يكن ذلك تكليفاً أو يكون باقياً على أصل الإباحة والله تعالى أعلم. أما قوله {ثم إلى ربهم يحشرون} فللعقلاء فيه قولان: الأوّل قول الأشاعرة إنه تعالى يحشر الدواب والطيور لا لأن إيصال العوض إليهن واجب بل مجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية. الثاني قول المعتزلة لن يحشر الطيور والبهائم إلا لإيصال الأعواض إليها، لأن إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض. وفرع القاضي على ذلك فقال: كل حيوان استحق العوض على الله تعالى بما لحقه من الآلام وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا فإنه يجب على الله تعالى حشره في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض، والذي لا يكون كذلك لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً إلا أن السمع ورد بحشر الكل فيقطع بذلك. فرع آخر: كل حيوان أذن الله تعالى في ذبحه فالعوض له على الله تعالى، وكذا الذي أذن في قتله في كونه مؤذياً أو ألمه بمرض أو سخره للإنسان لأجل حمل الاثقال، وأما إذا ظلمها الناس فالعوض على الظالم، وكذا إذا ظلم بعضها بعضاً، ولو ذبح المأكول لغير مأكله. فالعوض على الذابح ولهذا ورد النهى عن ذبح الحيوان لغير مأكله والمراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل إلى تحصيل تلك المنافع إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح لرضيت به. فرع آخر: مذهب القاضي وأكثر المعتزلة أن العوض منقطع وبعد ذلك تصير تراباً وحينئذ {أية : يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً} تفسير : [النبأ: 40] وقال أبو القاسم البلخي: يجب دوام العوض لأنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم، وذلك الألم يوجب عوضاً آخر وهلم جراً إلى ما لا نهاية له. وأجيب بالمنع من أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا بالإيلام. فرع آخر: البهيمة إذا استحقت عوضاً على بهيمة أخرى: فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله تعالى فإنه تعالى يوصل ذلك العوض إلى المظلوم وإلا فإنه تعالى يتكفل بذلك العوض، وهذا القدر يكفي في أحكام الأعواض بحسب المقام وهو سبحانه أعلم. ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما ينادي على عظمته ويشهد لربوبيته وينبه على رحمته الكاملة وعنايته الشاملة قال {والذين كذبوا بآياتنا صم} لا يسمعون كلام الله البتة {وبكم} لا ينطقون بالحق خابطون {في الظلمات} ظلمة الكفر وظلمة الشكوك وظلمة الحيرة والضلالة. ثم بين أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان كلها بمشيئته وإرادته وتسخيره وتدبيره فقال {من يشأ الله يضلله ومن يِشأ يجعله على صراط مستقيم} والجبائي أوّل الآية بأن المراد أنهم كذلك في الآخرة كقوله {أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً} تفسير : [الإسراء: 97] وأنهم شبهوا بمن حاله كذا، أو هو محمول على الشتم والإهانة، وأما قوله {من يشأ الله يضلله} أي عن طريق الجنة ولا يشاء الإضلال إلا لمن يستحق عقوبته كما أنه لا يشاء الهدي إلا للمؤمنين. أو المراد بالإضلال منع الألطاف لأنهم ليسوا من أهلها وبالهداية منحها لأنهم من أهلها. ثم بين غاية جهالة الكفار وأنهم مع جحودهم يفزعون إلى الله في البليات فقال {قل أرأيتكم} هو منقول من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل: أبصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة بشيء. فهذا من باب إيقاع السبب على المسبب لأن الإخبار إنما يكون بعد المشاهدة أو العرفان. أما إعرابه فالتاء ضمير الفاعل، والكاف للخطاب. فالتاء يكون بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث. وتختلف هذه المعاني على الكاف نحو: أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن. والتاء في جميع ذلك مفتوحة والكاف حرف خطاب وليست اسماً وإلا لكانت إما مجرورة ولا جار، وإما مرفوعة وليست الكاف من ضمائر المرفوع ولا رافع أيضاً لأن التاء فاعل ولا يكون لفعل فاعلان، وإما منصوبة وهو باطل من وجوه: أحدها أن هذا الفعل قد يتعدى إلى مفعولين نحو أرأيتك زيداً ما شأنه. فلو جعلت الكاف مفعولاً لكان ثالثاً. وثانيها لو كان مفعولاً لكان هو الثاني في المعنى وليس المعنى على ذلك إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيداً، وزيد غير المخاطب ولا هو بدل منه. وثالثها لو كان منصوباً على أنه مفعول لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء نحو: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتموكن. وقد ذهب الفراء إلى أنه اسم مضمر منصوب في معنى المرفوع ويجوز تصريف التاء. فأما مفعولا أرأيت في الآية فقيل: هما محذوفان تقديره أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند مجيء الساعة؟ ودل عليه قوله {أغير الله تدعون} وقيل: لا يحتاج ههنا إلى المفعول لأن الشرط وجوابه قد حصلا معنى المفعول وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام في قوله {أغير الله} تقديره أرأيتكم الساعة دعوتم الله وحاصل الآية قل يا محمد لهؤلاء الكفار أرأيتكم إن أتاكم العذاب في الدنيا أو عند قيام الساعة، أتخصون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها {بل إياه تدعون} بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن شاء لأن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين. وعلى هذا يكون قوله {أية : ادعوني أستجب لكم} تفسير : [غافر: 60] باقياً على إطلاقه لكن في الدنيا، ولو علقت المشيئة بكشف العذاب في الدنيا كان قوله {أية : ادعوني أستجب} تفسير : [غافر: 60] أيضاً مقيداً بالمشيئة {وتنسون ما تشركون} قال ابن عباس: تتركون الأصنام ولا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع، ويجوز أن يراد لا تذكرون الأصنام في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر الله وحده، والمقصود من الآية تبكيت الكفار كأنه قيل: إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله تعالى لا إلى الأصنام فلم تقدمون عبادتها؟ وفيه أن مبنى الدين على الحجة والدليل لا على محض التقليد. ثم سلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن أعلمه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا وأصروا على كفرهم خلاف الأقوام المذكورين الذين يفزعون إلى الله في الشدائد. ويحتمل أن يقال: إن حكم الطائفتين واحد لأن التضرع واللجأ إلى الله إزالة البلية لا على سبيل الإخلاص غير معتبر. وفي الآية محذوف تقديره: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً} فخالفوهم {فأخذناهم بالبأساء والضراء} وحسن الحذف لكونه مفهوماً. والبأساء والضراء البؤس والضر. أو البأساء القحط والجوع، والضراء الأمراض والأوجاع والرزايا {لعلهم يتضرعون} يتذللون ويتخشعون وأصله الانقياد وترك التمرد. ضرع الرجل ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف. احتج الجبائي بالآية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم وسلط هذه البأساء والضراء عليهم إرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، فهو يريد الإيمان والطاعة من الكل. وأجيب بأن الترجي في حقه تعالى محال فإنهم يحملونه على الإرادة، ونحن نحمله على أنه تعالى يعاملهم معاملة المترجي. فالترجيح على أن الفسق وتزيين الشيطان وكل ما يفرضونه لا بد أن ينتهي إلى خلق الله وتكوينه. أما قوله {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} فمعناه نفي التضرع كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. ولكنه جاء بلولا التحضيضية ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا العناد والقسوة والإعجاب، ثم بين أنه لما لم ينجع فيهم المواعظ والزواجر نقلهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء ففتح أبواب الخيرات عليهم وسهل موجبات المسرات لديهم كما يفعله الأب المشفق لولده، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى. ومعنى {كل شيء} أي كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} أي ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ولم يزيدوا إلا بطراً وترفهاً {أخذناهم بغتة} قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة. وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا رأيت الله يعطي العاصي فإن ذلك استدراج من الله تعالى"تفسير : . قال العلماء: وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ما فات من السلامة والعطاء {فإذا هم مبلسون} آيسون من كل خير. وقال الفراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه. ويقال للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس. وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين. "وإذا" ههنا للمفاجأة وهي ظرف مكان "وهم" مبتدأ و{مبلسون} خبره وهو العامل في "إذا" {فقطع دابر القوم} الدابر للشيء من خلفه كالولد للوالد. دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان أخرهم. أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم. الاصمعي: منهم أحداً واستأصلهم لأن ذلك جارٍ مجرى النعمة على أولئك الرسل، أو على أولئك الهالكين كيلا يزيدوا كفراً وعناداً فيزدادوا عذاباً وعقاباً، أو حمد على ما أنعم عليهم قبل ذلك وهو أن كلفهم وأزال عنهم الأعذار والعلل وبعث الأنبياء والرسل وأخذهم بالبأساء. والضراء ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء إلا أنهم لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والضلال فطهر وجه الأرض من شركهم. وفيه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك كل ظالم فإن ذلك من جملة آلاء الله سبحانه، ثم عاد إلى الدلالة على وجود الصانع الحكيم المختار وبيان وحدته جل جلاله فقال {قل أرأيتم إن أخذ الله} وتقرير ذلك أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب كما عدّدنا منافعها في أوائل الكتاب، ولا ريب أن القادر على تحصيل قواها فيه وصرفها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله وحده، ومعنى أخذ السمع والبصر تعطيل منافعهما، ومعنى الختم على القلب إزالة العقل حتى يصير كالمجانين. قال ابن عباس: إنه الطبع أو الإماتة حتى لا يعقل الهدى والصلاح {يأتيكم به} أي بذلك الذي أخذ من السمع والبصر والقلب، فوضع الضمير موضع اسم الإشارة بناء على أن الضمير المذكور بحكم الاستعمال يلزم أن يكون لذي عقل ولو فرضاً. والأحسن أن يقال: إنه ذكر أشياء متعددة فوجب أن يعود الضمير إلى جميعها مؤنثاً إذ لا ترجيح، وحيث لم يكن الضمير مؤنثاً علم أنه أراد المذكور مطلقاً فتعين أم يشار إليه بذلك. ثم إنه أقام الضمير المذكور مقامه أو يعود إلى ما أخذ وختم عليه وصح من غير التكلف المذكور بحكم التغليب {انظر} يا محمداً وكل من له أهلية النظر {كيف نصرف الآيات} نوردها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب. ومعنى "ثم" التفاوت بين الحالين و{يصدفون} أي يعرضون. ويقال: امرأة صدوف للتي تعرض وجهها عليك ثم تصدف أي تعرض. والصدف ميل في الحافر إلى الشق الوحشي. وصدف الدرة غشاؤها لميل فيه، قال الكعبي: لو خلق الله فيهم الإعراض والصد لم ينكر ذلك عليهم. وقالت الأشاعرة: لولا منع الله تعالى لنجع فيهم الدلائل القاطعة للأعذار. ثم عمم الدليل بقوله {قل أرأيتكم إن أتاكم} والمعنى أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحان فوجب أن لا يكون معبوداً إلا هو. ثم العذاب المفروض إما أن يجيء من غير سبق أمارة تدل على ذلك وهو البغتة وأكثر ما يكون ذلك بالليل، أو مع سبق أمارة وهو الجهرة وأكثره بالنهار ولهذا قال الحسن: معناه ليلاً أو نهاراً. أما قوله {هل يهلك إلا القوم الظالمون} أي لا يهلك مع قوله {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} فمعناه أن الهلاك بالحقيقة وهو هلاك التعذيب والسخط مختص بالظالمين الأشرار لأن الأخيار وإن عمهم العذاب إلا أنهم يستفيدون بذلك ثواباً جزيلاً، فهو لهم بلاء في الظاهر وآلاء في الحقيقة خلاف الظلمة فإنهم يخسرون الدنيا والآخرة ومثله قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن أمر المؤمن خير كله إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له"تفسير : واعلم أنه ذكر ههنا {أرأيتكم} مرتين فزاد خطاباً واحداً، لأن عذاب الاستئصال ما عليه من مزيد فناسب زيادة الخطاب لأجل التأكيد، وفيما بينهما قال {أرأيتم} حيث لم يكن كذلك، وكذلك في يونس، ثم ذكر أن الأنبياء والرسل بعثوا للتبشير والإنذار فقط ولا قدرة لهم على إظهار الآيات. وإنزال المعجزات التي اقترحوها في قوله {وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه} وأن ذلك مفوّض إلى مشيئة الله وحكمته فقال {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} بالثواب على الطاعات {ومنذرين} بالعقاب على المعاصي. فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو من أفعال القلب والعمل الصالح الذي هو من أفعال البدن {فلا خوف عليهم والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب} ومعنى المس التقاء الشيئين من غير فصل. قال في الكشاف: جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يرد من الآلام وفيه نظر، لأن المس ليس من خواص الأحياء، نعم إنه من خواص الأجسام، فلو ادعيت المبالغة من هذا الوجه لم يكن بعيداً. قال القاضي: إنه علل عذاب الكافرين بكونهم فاسقين فيكون كل فاسق كافراً. وأقول: هذا من باب إيهام العكس ولا يلزم العكس، فإن كل كافر فاسق ولا يلزم العكس. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة فقال {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي {ولا أعلم الغيب} قال في الكشاف: محله النصل عطفاً على محل قوله {عندي خزائن الله} لأنه من جملة المقول أي لا أقول لكم ذاك ولا هذا. قلت: ويحتمل أن يكون عطفاً على {لا أقول} أي قل لا أعلم الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف كون خزائن الله عنده وكونه ملكاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها. واختلف المفسرون في فائدة نفي هذه الأمور فقيل: المراد إظهار التواضع والخضوع لله تعالى والاعتراف بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح عليه السلام. وقيل: المقصود إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها كقولهم {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} إلى قوله {أية : هل كنت إلا بشراً رسولاً} تفسير : [الإسراء: 93] وقيل: أي لا أدّعي سوى النبوّة والرسالة ولا أدّعي الإلهية ولا الملكية وإنما زيد ههنا {لكم} بخلاف سورة هود حيث قال {أية : ولا أقول إني ملك} تفسير : [الآية: 31] لأنه تقدم ذكر لكم في قوله {أية : إني لكم نذير} تفسير : [هود: 25] فاكتفى بذلك. قال الجبائي: في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ المراد لا أدّعي فوق منزلتي. قال القاضي: إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة. {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} قيل: هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يحكم من تلقاء نفسه بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه لقوله تعالى {أية : فاتبعوه} تفسير : [الأنعام: 153] فلا يجوز العمل بالقياس، وأكد هذا الحكم بقوله {قل هل يستوي الأعمى والبصير} وذلك أن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم عمل البصير. ثم قال {أفلا تتفكرون} تنبيهاً على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين. وأجيب بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية والملكية {أفلا تتفكرون} فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت سوى ما يليق بالبشر والله تعالى أعلم وأحكم. التأويل: {وما من دابة} تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس وصفاتها {إلا أمم أمثالكم} في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله {أية : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا} تفسير : [الإسراء: 36] {ما فرطنا} ما تركنا في القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى الله من الأوامر والنواهي والندب والآداب. {ثم إلى ربهم يحشرون} ههنا بالسير وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال {والذين كذبوا بآياتنا} بدلائلنا الموصلة إلينا {صم} آذان قلوبهم عن استماع الحق {بكم} ألسنة أحوالهم عن إجابة دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة {بل إياه تدعون} لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته. {ولقد أرسلنا إلى أمم} أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا {فأخذناهم بالبأساء والضراء} التي هي موجبة للإلجاء. {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الإلتجاء وحسن التضرع في الدعاء. {فلما نسوا} بسبب القساوة {ما ذكروا به} من معارضة البأساء والضراء فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرّف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم الظاهرة من الماء والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة من فتوحات الغيب وأشباهها {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم {أخذناهم بغتة} بفقد الأحوال والاشتغال بالقال {فإذا هم مبلسون} متحيرون في تيه الغرور. والحمد لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال {قل أرأيتم} الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية المولى في عبادة الهوى. فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة {قل لا أقول لكم} لم يقل ليس {عندي خزائن الله} ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء وماهياتها عنده بإراءة {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} تفسير : [فصلت: 53] وباستجابة دعائه في قوله "أرنا الأشياء كما هي" ولكنه يكلم الناس على قدر عقولهم. {ولا أعلم الغيب} أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق، وقد قال صلى الله عليه وسلم في قصة ليلة المعراج "حديث : نظرت خلفي نظرة علمت ما كان وما سيكون"تفسير : {ولا أقول لكم إني ملك} وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل: تقدم فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت {إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ} أن أخبرهم وقل معهم {قل هل يستوي الأعمى والبصير} فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ}: "من" زائدة لوجود الشرطين، وهي مبتدأ، و"إلاَّ أمم" خَبَرُهَا مع ما عطف عليها. وقوله: "في الأرض" صفة لـ "دابة"، فيجوز لك أن تجعلها في مَحَلِّ جرِّ باعتبار اللفظ، وأن تجعلها في محل رفع باعتبار الموضع. قوله: "ولا طائر" الجمهور على جرِّه نَسَقاً على لفظ "دابةٍ". وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ برفعها نَسَقاً على موضعها. وقرأ ابن عبَّاس "ولا طيرٍ" من غير ألف، وقد تقدَّم الكلام فيه، هل هو جَمْعٌ أو اسم جمع؟ وقوله: "يطير" في قراءة الجمهور يَحْتَمِلُ أن يكون في مَحَلِّ جرّ باعتبار لَفْظِهِ، ويحتمل أن يكون في مَحَلِّ رفع باعتبار موضعه. وأمّا على قراءة ابن أبي عَبْلَةَ، ففي مَحَلِّ رفع ليس إلاّ. وفي قوله: "وَلاَ طَائر" ذكر خاصّ بعد عامٍّ؛ لأن الدَّابَّةَ تشتمل على كُلِّ ما دَبَّ من طائرٍ وغيره، فهو كقوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} تفسير : [البقرة:98] وفيه نظر؛ إذ المُقَابَلَةُ هنا تنفي أن تكون الدَّابة تشمل الطائر. قوله: "بِجَنَاحَيْهِ" فيه قولان: أحدهما: أن "الباء" متعلّقة بـ "يطير"، وتكون "الباء" للاسْتِعَانَةِ. والثاني: أن تتعلَّق بمحذوف على أنها حالٌ، وهي حالٌ مؤكّدة كما يقال: "نظرت عيني"، وفيها رفع مجازٍ يُتَوَهَّمُ؛ لأن الطَّيرانَ يُسْتَعَارُ في السرعة قال: [البسيط] شعر : 2156- قَوْمٌ إذَا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْةِ لَهُمْ طَارُوا إلَيْهِ زَرَافَاتٍ ووُحْدَانَا تفسير : ويطلق الطَّيْرُ على العمل، قال تعالى: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} تفسير : [الإسراء:13]. وقوله: "إلاّ أمم" خَبَرُ المبتدأ، وجُمِعَ وإن لم يتقدَّمهُ إلاَّ شيئان؛ لأن المراد بهما الجِنْسُ. و"أمثالكم" صفة لـ "أمم"، يعني أمثالهم في الأرزاقِ والآجالِ، والموت والحياة، والحشر والنشر والاقتصاص لمظلومها من ظالمها. وقيل: في معرفة الله وعبادته. وقال مُجاهد: أصْنَافٌ مصنّفةٌ تُعْرَفُ بأسمائها، يريد أن كلّ جنسٍ من الحيوان أمَّةٌ: فالطير أمَّة، والدَّوابُّ أمَّة, والسِّبَاع أمة, تعرف بأسمائها مثل بَنِي آدَمَ يُعْرَفُون بأسمائهم، يقال: الإنس والناس، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَوْلاَ أنَّ الكِلابَ أمَّةٌ من الأمَم لأمَرْتُ بِقَتْلِهَا فاقْتُلُوا مِنْهَا كٌاَّ أسْوَدَ بهيمٍ ". تفسير : وقيل: أمثالكم يَفْقَهُ بعضهم عن بعض. فصل في وجه النظم وجه النظم أنه - تعالى - بَيَّنَ في الآية أنَّه لو كان إنْزَالُ سائر المعجزات مَصْلَحَةً لهم لفعلها إلاَّ أنه لمَّا لم يَكُنْ إظهارها مَصْلَحَةً للمكلَّفين لم يظهرها، وهذا الجوابُ إنما يَتِمُّ إذا ثبت أنه تعالى يُرَاعي مصالحَ المكلَّفين، ويَتفضَّلُ عليهم بذلك، فبيَّن ذلك وقرَّره بأن قال: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} في وصول فَضْلِ الله - تعالى - وعنايتِهِ, ورحمته, وإحسانه إليهم, وذلك كالأمر المُشَاهَدِ المَحْسُوسِ, فإذا كانت آثار عِنَايَتِهِ واصِلَةً إلى جميع الحيواناتِ، فلو كان إظهار هذه المُعْجِزَاتِ مَصْلَحةً للمكلفين لفعلها ولم يَبْخَلْ بها؛ لأنه لم يَبْخَلْ على شيءٍ من الحيوانات بمَصَالِحهَا ومَنَافعِهَا؛ يَدُلُّ ذلك على أنَّه - تعالى - لم يظهر تلك المعجزات؛ لأن إظهارها يُخِلُّ بمصالحِ المكلّفين. وقال القاضي: إنّه - تعالى - لمّا قَدَّمَ ذكر الكُفَّار وبيَّن أنهم يرجعون إلى الله، ويحشرون - بيَّن أيضاً بعدهُ - بقوله: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} - في أنهم يحشرون، والمقصود بيان أن الحَشْرَ والبَعْثَ كما هو حَاصِلٌ في حقكم، كذلك هو حاصل في حق البَهَائِمِ. فصل في أسئلة على الآية والإجابة عنها حصر الحيوان في هاتين الصفتين، وهما: إمَّا أن يَدبّ، وإمّا أن يطير. وفي الآيات سُؤالاتٌ: الأول: من الحيوانات ما لا يَدْخُلُ في هذيْنِ القِسْمَيْنِ مثل حيتانِ البَحْرِ، وسائر ما يَسْبَحُ في الماءِ، ويعيش فيه. والجواب لا بعد أنْ يُوصَفَ بأنها دَابَّةٌ، من حيث إنها تَدبُّ في الماء؛ لأن سَبْحَهَا في الماء كَسَبْحِ الطير في الهواءِ، إلا أن وَصْفَهَا بالدَّبِّ أقرب إلى اللُّغَةِ من وصفها بالطيران. السؤال الثاني: ما الفَائِدَةُ في تقييد الدَّابَّةِ بكونها في الأرض؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أنَّه خَصَّ ما في الأرض بالذِّكْرِ دون ما في السماء احْتِجَاجاً بالأظْهَرِ؛ لأن ما في السماء وإن كان مَخْلُوقاً مثلنا فغير ظَاهِرٍ. والثاني: أن المقصود من ذِكْرِ هذا الكلام أن عناية الله لمَّا كانت حَاصِلَةً في هذه الحيوانات، فلو كان إظهارُ المعجزات القاهِرَةِ مَصْلَحَةً لما منع الله من إظهارها، وهذا المقْصُودُ إنما يَتِمُّ بذِكُرِ من كان أدْوَنَ مرتبة من الإنسان، لا بِذِكْرِ من كان أعْلَى حالاً منه، فلهذا المعنى قَيَّد الدَّابَّة بكونها في الأرض. السؤال الثالث: ما الفائدة في قوله: "يطير بجَنَاحَيْهِ" مع أن كل طائر فإنما يطير بجناحيه؟ والجواب: ما تقدَّم من ذِكْرِ التوكيد أو رفع تَوَهُّمِ المجازِ. وقيل: إنه - تعالى - [قال] في صفة الملائكة {أية : رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} تفسير : [فاطر:1]، فذكر [هاهنا] قوله: "بِجَنَاحَيْهِ" ليخرج عنه الملائكة، لِمَا بينَّا أن المقصود من هذا لاكلامِ إنما يَتمُّ بذكر من كان أدْوَنَ حالاً من الإنسان لا بِذِكْرِ من كان أعْلَى منه. السؤال الرابع: كيف قال: "إلاَّ أممٌ" مع إفراد الدَّابَّةِ والطائر؟ والجواب: ما تقدَّم من إرادةِ الجِنْسِ. قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْء}: في المراد بـ "الكتاب" قولان: الأول: المُرَاد به اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ" تفسير : ، وعلى هذا فالعموم ظاهرٌ، لأن الله - تعالى - أثْبَتَ ما كان وما يكون فيه. والثاني: المراد به القرآن؛ لأنَّ الألف واللام إذا دخلا على الاسم المُفْرَدِ انْصَرَفَ إلى المفهوم السَّابق، وهو في هذه الآية القرآن. وعلى هذا فهل العُمُومُ بَاقٍ؟ منهم من قال: نعم إن جميع الأشياء مُثْبَتَةٌ في القرآن إمَّا بالصريح، وإمَّا بالإيمَاءِ. فإن قيل: كيف قال الله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} مع أنه ليس فيه تَفَاصيل علم الطب وعلم الحِسَاب، ولا تَفَاصِيلُ كثيرٍ من المباحثِ والعلوم، ولا تفاصيل مذاهبِ النَّاسِ، ودلائلهم في علم الأصولِ والفروع؟ والجواب أن قوله {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} يجب أن يكون مَخْصُوصاً ببيانِ الأشياءِ التي يجب مَعْرَفَتُهَا والإحَاطَةُ بها، واعلم أن علم الأصُول مَوْجُودٌ بتمامه في القرآن على أبْلَغِ الوجوه، وأما تفاصِيلُ الأقاويل والمذاهب، فلا حاجة إليها. وأمّا تفاصيل الفروع فالعُلَمَاءُ قالوا: إن القرآن دَلَّ على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حُجَّةٌ في الشريعة، وإذا كان كذلك فَكُلُّ ما دَلَّ عليه أحد هذه الأصول الثلاثة كان ذلك في الحقيقة موجوداً في القرآن قال تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر:7]. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشدينَ مِنْ بَعْدِي ". تفسير : وروي أن ابن مِسْعُودٍ كان يقول: "مَا لِي لاَ ألْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ" يعني: الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ، والوَاصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، وروي أنَّ امرأة قرأت جميع القرآن ثم أتَتْهُ فقالت: يا ابن أمّ عَبْدٍ، تَلَوْتُ البارحة ما بين الدَّفَّتيْنِ، فلم أحد فيه لَعْنَ الواشمة، والمستوشمة، فقال: لو تَلَوْتيه لوجدْتيهِ، قال تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر:7]، وإن مما أتانا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: "حديث : لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ ". تفسير : وقال ابن الخطيب: يمكن وجدانُ هذا المعنى في كتاب الله في قوله تعالى في سورة "النساء" حين عَدَّدَ قبائح الشيطان قال: {أية : وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء:119] فَظَاهِرُ هذه الآية يقتضي أن تغيير الخَلْقِ يوجب اللَّعْنَ. وذكر الواحدي أن الشَّافعي جلس في المسجد الحرام فقال: لا تسألوني عن شَيْءٍ إلاّ أجبتكم فيه من كتاب الله، فقال رجل: ما تقول في المُحْرِمِ إذا قتل الزَّنْبُورَ؟، فقال: لا شَيْءَ عليه، فقال: أين هذا في كتاب الله؟، فقال: قال الله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} تفسير : [الحشر:7]، ثم ذكر سَنَداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشدينَ مِنْ بَعْدِي"تفسير : ، ثم ذكر إسْنَاداً إلى عُمَرَ أنه قال: "لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الزَّنْبُورِ". قال الواحديُّ: فأجابه من كتاب الله مُسْتنبطاً بثلاث درجات، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث العسيفِ: "حديث : والَّذي نَفْسِي بِيدِهِ لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ" تفسير : ثم قضى بالجَلْدِ والتَّغْرِيبِ على العسيفِ، وبالرجم على المَرْأةِ إذا اعترفت. قال الواحدي: وليس لِلْجَلْدِ والتَّغْريبِ ذكرٌ في نَصِّ الكتاب، وهذا يَدُلُّ على أن ما جاءكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عَيْنُ كتاب الله. قال تعالى: {أية : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44]، وعند هذا يَصِحُّ قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْء} والله أعلم. وقال بعضهم: إن هذا عامُّ أُرِيدَ به الخُصوصُ، والمعنى ما فرَّطنا في الكتاب من شيءٍ يحتاج إليه المُكَلَّفُونَ. قوله: "من شيءٍ" فيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أن "مِنْ" زائدة في المفعول به، والتقدير: ما فرَّطْنا شَيْئاً، وتضمن "فرطنا" معنى تركنا وأغفَلْنَا، والمعنى ما أغفلنا، ولا تركنا شيئاً. والثاني: أن "مِنْ" تَبْعيضيَّةٌ، أي: ما تركنا ولا أغْفَلْنَا في الكتاب بعض شيء يحتاج إليه المُكَلِّفُ. الثالث: أن "من شيء" في مَحَلِّ نصب على المصدرِ، و"من" زائدة فيه أيضاً. ولم يُجزْ أبو البقاء غيره، فإنه قال: "من" زائدة، و"شيء" هنا واقع موقع المصدرِ، أي تفريطاً. وعلى هذا التَّأويل لا يبقى في الآية حُجَّةٌ لمن ظنَّ أن الكتاب يحتوي على ذِكْرِ كل شيء صَريحاً، ونظير ذلك: {أية : لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} تفسير : [آل عمران:120]. ولا يجوز أن يكون مفعولاً به؛ لأن "فرَّطْنَا" لا يتعدَّى بنفسه, بل بحرف الجرِّ, وقد عُدِّيَتْ إلى "الكتاب" بـ "في"، فلا يتعدَّى بحرف آخر، ولا يَصِحُّ أن يكون المعنى: ما تركنا في الكتاب من شيء؛ لأن المَعْنَى على خلافه، فبان أن التأويل ما ذكرنا. انتهى. قوله: "يحتوي على ذِكْرِ كل شيء صريحاً" لم يقل به أحدٌ؛ لأنه مُكَابرةٌ في الضروريات. وقرأ الأعرج وعلقمة: "فَرَطْنَا" مُخَفَّفاً، فقيل: هما بِمَعْنًى وعن النقاش: فَرَطنا: أخَّرْنا، كما قالوا: "فرط الله عنك المرض" أي: أزاله. قوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُون}: قال ابن عبَّاسٍ، والضحاك: حشرها موتها. وقال أبو هريرة: يحشر الله الخَلْقَ كلهم يوم القيامةِ الإنس والجن والبهائم والدَّوَابَّ والطير وكُلَّ شيء، فيأخذ للجمَّاءِ من القَرْنَاءِ، ثم يقول كوني تُراباً، فحينئذٍ يَتَمَنَّى الكافر ويقول: {أية : يَـٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَابا} تفسير : [النبأ:40]، ويتأكد هذا بقوله: {أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} تفسير : [التكوير:5].
البقاعي
تفسير : ولما عجب منهم في قولهم هذا الذي يقتضي أنهم لم يروا له آية قط بعد ما جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار، ورد إلى الصم الأسماع، وأنار من العمى الأبصار؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل على آيات مستكثرة كافية لصلاحهم، رتبها سبحانه قبل سؤالهم تفضلاً منه عليهم دالة على باهر قدرته على البعث وغيره من الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع الأمر، إذا تأملوها حق تأملها كفتهم في جميع ما يراد منهم فقال تعالى: {وما} أي قالوا ذلك والحال أنه ما، وهي ناظرة أتم نظر إلى قوله {أية : هو الذي خلقكم من طين} تفسير : [الأنعام: 2] أي فعل ذلك بكم وما {من دابة في الأرض} أي تدب أي تنتقل برجل وغير رجل {ولا طائر يطير} وقرر الحقيقة بقوله: {بجناحيه} وشمل ذلك جميع الحيوان حتى ما في البحر، لأن سيرها في الماء إما أن يكون دبيباً أو طيراناً مجازاً. ولما كان المراد بالدابة والطائر الاستغراق قال: {إلا أمم} أي يقصد منها في نفسه، ويقصد هو نوعه وينضم إلى شكله {أمثالكم} أي في ذلك وفي أنا خلقناكم ولم يكونوا شيئاً وحفظنا جميع أحوالهم، وقدرنا كل أرزاقهم وآجالهم، وجعلنا لكم فيهم أحكاماً جددناها لكم، وجعلنا لكل منهم أجلاً للموت لا يتعداه بعد أن فاوتنا بينهم في الحياة، وللكل أجل في علمنا في البرزخ مثبت قبل أن نخلقهم، لا ينقص ذرة ولا يزيد خردلة، وجعلنا في هذه الحيوانات ما هو أقوى منكم وما هو أضعف، وجعلناكم أقوى من الجميع بالعقل، ولو شئنا لجعلنا له بين قوة البدن والعقل، وربما سلطنا الأضعف عليكم كالجراد والفأر والدود بما تعجز عنه عقولكم، ولو شئنا لسلطنا عليكم من أضعفها خلقاً - البعوض - ما أخذ بأنفاسكم ومنعكم القرار وأخرجكم عن حركات الاختيار إلى أن أهلككم جميعاً هلاك نفس واحدة - إلى غير ذلك من أمور تكل عنها العقول وتقف دونها نوافذ الفكر، وهذا كله معنى قوله: {ما فرطنا} أي تركنا وأغفلنا لما لنا من القدرة الكاملة والعلم الشامل {في الكتاب} أي اللوح المحفوظ والقرآن، وأعرق في النفي بقوله: {من شيء} أي ليذهب ذكره كما يذهب العقد الذي ينقطع سلكه فيتفرط، بل ذكرنا جميع أحوال خلقنا من الجن والإنس والملائكة وغيرهم من كل ناطق وصامت، فصارت في غاية الضبط حتى أن الحفظة يعرضون ما يحدث من عمل المكلفين وغيره آخر النهار على ما كان مثبتاً في أم الكتاب فيجدونه كما هو، لا يزيد شيئاً ولا ينقص، فيزدادون إيماناً، وأثبتنا في هذا القرآن مجامع الأمور، فهو تبيان لكل شيء من الأحكام الأصلية والفرعية والدلالات على كل ذلك وأخبار الأولين والآخرين وكل علم يمكن أن يحتاجه المخلوق، فمن أراد الهداية هداه بدقيق أسراره، ومن أعرض أوقعه في الردى، وعمي حتى عن واضح أنواره، والآية كما قال تعالى {إن في خلق السماوات والأرض} إلى أن قال: {أية : وبث فيها من كل دابة - لآيات لقوم يعقلون} تفسير : [البقرة: 164]. شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : أفلا يكون لكم في ذلك آيات تغنيكم عن إرسال الرسل فضلاً عن أن تتوقفوا بعد إرسالهم ولا ترضوا منهم من خوارق العادات إلا بما تقترحونه. ولما أشار إلى ما شارك فيه سائر الحيوان للآدميين من أحوال الحياة وغيرها، نص على الحشر الذي هو محط الحكمة فقال: {ثم} أي بعد طول الحياة والإقامة في البرزخ {إلى ربهم} أي خاصة، وبني للمفعول على طريق كلام القادرين قوله: {يحشرون *} أي يجمعون كرهاً بعد أن يعيدهم كلهم كما بدأهم، وينصف كل مظلوم منهم من ظالمه، كل ذلك عليه هيّن {أية : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} تفسير : [لقمان: 28] والكل محفوظون في كتاب مبين على اختلاف أنواعهم وتباين حقائقهم وأشخاصهم وزيادتهم في الجد على أن يوجه نحوهم العد - سبحان من أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، إن ذلك على الله يسير، وهو على كل شيء قدير. ولما كان التقدير بعد التذكير بهذه الآية التي تنوعت فيها الآيات وتكررت وتكثرت فيها الدلالات: فالذين آمنوا أحياء سامعون لأقوالنا، ناطقون بمحامدنا راؤون لأفعالنا، عطف عليه قوله: {والذين كذبوا} أي أوقعوا التكذيب {بآياتنا} أي على ما لها من العظمة المقتضية لإضافتها إلينا، مرئية كانت أو مسموعة، تكذيباً متكرراً على عدد الآيات بالفعل أو بالقوة ولو بالإعراض عنها {صم} أي أموات فهم لا يسمعون {وبكم} لا ينطقون {في الظلمات} أي عمي لا يبصرون، فلذلك لا يزالون خابطين خبط العشواء ساعين غاية السعي إلى الردى، لأن ذلك شأن من في الظلمة، فكيف بمن هو في جميع الظلمات! ولعله جمعها إشارة إلى أن المكذب لا ينتفع ببصر ولا ببصيرة، وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بحياتهم ولا بأسماعهم ولا نطقهم ولا أبصارهم ولا عقولهم كان كل ذلك منهم عدماً. ولما بين أن الأصم الأبكم الأعمى لا يتمكن هدايته، بين أن ذلك إنما هو بالنسبة لغيره سبحانه فطماً عن طلب إجابتهم إلى ما يقترحون من الآيات وأما هو سبحانه ففعال لما يريد، فقال في جواب من كأنه قال: إنما تمكن هدايتهم: {من يشأ الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه إضلاله {يضلله ومن يشأ} هدايته {يجعله} وأشار إلى تمكينه بأداة الاستعلاء فقال: {على صراط مستقيم *} بأن يخلق الهداية في قلبه - ومن يهد الله فما له من مضل ومن يضلل الله فما له من هاد، مع أن الكل عباده وخلقه، متقلبون في نعمه، غادون رائحون في بره وكرمه - إن في ذلك على وحدانيته وتمام قدرته لآيات بينات لقوم يعقلون. ولما كانت هذه الآية - بما فيها من التصريح بالتكذيب - شديدة الاعتناق لقوله {أية : ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} تفسير : [الأنعام: 21و 39] وقوله {أية : كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباؤا} تفسير : [الأنعام: 5] الآيتين رجع بالذي بعدها إلى فذلكة التفاصيل الماضية وواسطة عقدها وفريدة درها، وهو التوحيد الذي أبانته الأدلة قبل الآيتين، فقال دالاً على اعتقادهم القدرة التي استلزم نعتُهم بطلب الآية نفيها، واعتقادهم للتوحيد في الجملة وهم يكذبون به، بياناً لأنهم في الظلمات مقهورون بيد المشيئة لعدم تحاشيهم من التناقض معجباً منهم: {قل أرءيتكم} أي أخبروني يا من كذب بالآيات والقدرة عناداً وشهد أن مع الله آلهة أخرى، وعدل بالله الذي يعلم السر والجهر، وهو مع من يدعوه في كل سماء وكل أرض بعنايته ونصره. ولما كانت حقيقة {أرءيتكم}: هل رأيتم أنفسكم، وكان هذا لكونه سؤالاً عن معلوم لا يجهله أحد - مشيراً إلى أن السؤال عن غيره مما قد يخفى من أحوال النفس، كان كأنه قيل: عن أيّ أحوال نفوسنا نُسأل؟ فقيل تنبيهاً لهم على حالة تلزمهم بالتوحيد أو العناد الذي يصير في العلم به كالسؤال عن رؤية النفس سواء: {إن أتاكم} أي قبل مجيء الساعة كما آتى من قبلكم {عذاب الله} أي المستجمع لمجامع العظمة، فلا يقدر أحد على كشف ما يأتي به {أو أتتكم الساعة} أي القيامة بما فيها من الأهوال. ولما عجب منهم بما مضى - كما مضى، قال مجيباً للشرط موبخاً لهم منكراً عليهم عدم استمرارهم على دعائه ولزوم سؤاله وندائه، ويجوز أن يكون جواب الشرط محذوفاً تقديره: من تدعون؟ ثم زادهم توبيخاً وتبكيتاً بقوله: {أغير الله} أي الملك الذي له العظمة كلها {تدعون} أي لشدة من تلك الشدائد، ولا تدعون الله مع ذلك الغير {إن كنتم صادقين *} أي في أن غير الله يغني شيئاً حى يستحق الإلهية، وجواب الشرط محذوف تقديره: فادعوا ذلك الغير، وهذه حجة لا يسعهم معها غيرُ التسليم، فإن عادتهم كانت مستمرة أنهم إذا اشتد الأمر وضاق الخناق لا يدعون غير الله ولا يوجهون الهمم إلا إليه، فإن سلكوا سبيل الصدق الذي له ينتحلون وبه يتفاخرون فقالوا: لا ندعو غيره، فقد لزمتهم الحجة في أنه لا يعدل به شيء ولا شريك له، وإن عاندوا نطق لسان الحال أنهم على محض الضلال، وإن سكتوا أثبت عليك الخطاب، وهي مع ذلك - كما ترى - دليل على ما أخبرت به الآية قبلها من أن الأمر كله لله، أي إنكم كلكم مشتركون في وضوح الأمر في أنه لا منصرف إلا إليه وقد افترقتم فصدق بعض وكذب آخرون، فلو أن الأمر موقوف على وضوح الدلالة فقط كان الكل على نهج واحد، هذا ونقل أبو حيان عن الفراء أنه قال: للعرب في أرأيت لغتان ومعنيان: أحدهما أن تسأل الرجل: أرأيت زيداً، أي بعينك، فهذه مهموزة، وثانيهما أن تقول: أرأيت، وأنت تريد: أخبرني، فهاهنا تترك الهمزة إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتومئ إلى ترك الهمزة للفرق بين المعنيين؛ ثم قال أبو حيان: وكون أرأيت وأرأيتك بمعنى أخبرني نص عليه سيبويه وغيره من أئمة العرب، وهو تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأن أخبرني يتعدى بعن، وأرأيت متعد لمفعول به صريح وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني؛ وقال في سورة يونس عليه السلام: تقدم في سورة الأنعام أن العرب تضمن أرأيت معنى أخبرني وأنها تتعدى إذ ذاك إلى مفعولين، وأن المفعول الثاني أكثر ما يكون جملة استفهام، ينعقد منها ومما قبلها مبتدأ وخبر، يقول العرب: أرأيت زيداً ما صنع؟ المعنى: أخبرني عن زيد ما صنع! وقبل دخول أرأيت كان الكلام: زيد ما صنع - انتهى. قلت: وحقيقة المعنى كما مر: هل رأيت زيداً؟ فلما استفهم عن رؤيته - والمراد الخبر لا البصر - عُلم أن السؤال عن بعض أحواله، فكأنه قيل: ما له؟ فقيل: ما صنع؟. ولما كان استفهام الإنكار بمعنى النفي، كان كأنه قيل: لا تدعون غيره، فعطف عليه قوله: {بل إياه} أي خاصة {تدعون} أي حينئذ؛ ولما كان يتسبب عن دعائهم تارة الإجابة وأخرى غيرها قال: {فيكشف} أي الله في الدنيا أو في الآخرة، فإنه لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء {ما تدعون إليه} أي إلى كشفه {إن شاء} أي ذلك تفضلاً عليكم كما هي عادته معكم في وقت شدائدكم، ولكنه لا يشاء كشفه في الآخرة، لأنه لا يبدل القول لديه وإن كان له أن يفعل ما يشاء، ولو كان يجيبكم دائماً وأنتم لا تدعون غيره، لكان ذلك كافياً في الدلالة على اعتقادكم أنه لا قادر إلا هو، فكيف وهو يجيبكم في الدنيا إذا دعوتموه تارة ويجيبكم أخرى، ومع ذلك فلا يردكم عدم إجابته عن اعتقاد قدرته ودوام الإقبال عليه في مثل تلك الحال لما ركز في العقول السليمة والفطر الأولى من أنه الفاعل المختار، وعلى ذلك دل قوله عطفاً على "تدعون": {وتنسون} أي تتركون في تلك الأوقات دائماً {ما تشركون *} أي من معبوداتكم الباطلة لعلمكم أنها لا تغني شيئاً، كما هي عادتكم دائماً في أوقات الشدائد رجوعاً إلى حال الاستقامة. أفلا يكون لكم هذا زاجراً عن الشرك في وقت الرخاء خوفاً من إعادة الضراء!.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {إلا أمم أمثالكم} قال: أصنافاً مصنفة تعرف باسمائها . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} يقول: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {إلا أمم أمثالكم} قال: خلق أمثالكم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في الآية قال: الذرة فما فوقها من ألوان، ما خلق الله من الدواب . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس {ما فرَّطنا في الكتاب من شيء} يعني ما تركنا شيئاً إلا وقد كتبناه في أم الكتاب . وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة {ما فرطنا في الكتاب من شيء} قال: من الكتاب الذي عنده . وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر عن عبد الله بن زيادة البكري قال: دخلت على ابني بشر المازنيين صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يرحمكما الله، الرجل يركب منا الدابة فيضربها بالسوط أو يكبحها باللجام فهل سمعتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئاً؟ فقالا: لا. قال عبد الله: فنادتني امرأة من الداخل فقالت: يا هذا إن الله يقول في كتابه {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } فقالا: هذه أختنا وهي أكبر منا، وقد أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ما فرطنا في الكتاب من شيء} قال: لم نغفل الكتاب، ما من شيء إلا وهو في ذلك الكتاب . وأخرج أبو الشيخ عن أنس بن مالك أنه سأل من يقبض أرواح البهائم؟ فقال: ملك الموت. فبلغ الحسن فقال: صدق أن ذلك في كتاب الله، ثم تلا {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ثم إلى ربهم يحشرون} قال: موت البهائم حشرها. وفي لفظ قال: يعني بالحشر الموت . وأخرج عبد الرزاق وأبو عبد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: ما من دابة ولا طائر إلا ستحشر يوم القيامة، ثم يقتص لبعضها من بعض حتى يقتص للجلحاء من ذات القرن. ثم يقال لهم كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر {أية : يا ليتني كنت تراباً}تفسير : [النبأ:40] وإن شئتم فاقرأوا {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} إلى قوله {يحشرون} . وأخرج ابن جرير عن أبي ذر قال " حديث : انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا أبا ذر أتدري فيما انتطحتا؟ قلت: لا. قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما. قال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً "
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ} الخ، كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لبـيان كمال قدرتِه عز وجل وشمول علمه وسعةِ تدبـيرِه ليكون كالدليل على أنه تعالى قادرٌ على تنزيل الآية، وإنما لا يُنزِّلُها محافظةً على الحِكَم البالغةِ، وزيادةُ (من) لتأكيد الاستغراق وهي متعلقةٌ بمحذوفٍ هو وصفٌ لدابة مفيد لزيادة التعميم، كأنه قيل: وما فردٌ من أفراد الدوابِّ يستقرّ في قُطر من أقطار الأرض وكذا زيادةُ الوصف في قوله تعالى: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} مع ما فيه من زيادة التقرير أي ولا طائرٍ من الطيور يطير في ناحية من نواحي الجو بجناحيه كما هو المشاهَدُ المعتاد، وقرىء ولا طائرٌ بالرفع عطفاً على محل الجار والمجرور كأنه قيل: وما دابة ولا طائر {إِلاَّ أُمَمٌ} أي طوائفُ متخالفةٌ، والجمع باعتبار المعنى كأنه قيل: وما مِنْ دوابَّ ولا طيرٍ إلا أممِ {أَمْثَـٰلَكُم} أي كلُّ أمة منها مثلُكم في أن أحوالها محفوظةٌ وأمورَها مقنَّنة ومصالحَها مرعيةٌ جاريةٌ على سَنن السَّداد، ومنتظمةٌ في سلك التقديرات الإلٰهية والتدبـيراتِ الربانية {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء} يقال: فرَّط في الشيء أي ضيَّعه وتركه، قال ساعدة بن حُوَية: [الكامل] شعر : معه سِقاءٌ لا يُفرِّط حَمْلَهُ [صُفنٌ وأخْراصٌ يَلُحْنَ ومِسأَبُ] تفسير : أي لا يتركه ولا يفارقه ويقال: فرّط في الشيء أي أهمل ما ينبغي أن يكون فيه وأغفله فقوله تعالى: {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} أي في القرآن على الأول ظرفُ لغوٍ، وقوله تعالى: {مِن شَىْء} مفعولٌ لفرّطنا و(من) مزيدة للاستغراق أي ما تركنا في القرآن شيئاً من الأشياء المُهمّة التي من جملتها بـيانُ أنه تعالى مراعٍ لمصالحِ جميعِ مخلوقاته على ما ينبغي، وعلى الثاني مفعول للفعل ومن شيء في موضع المصدر، أي ما جعلنا الكتاب مفرَّطاً فيه شيئاً من التفريط بل ذكرنا فيه كلَّ ما لا بد من ذكره. وأياً ما كان فالجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، وقيل: الكتابُ اللوْح، فالمراد بالاعتراضِ الإشارة إلى أن أحوالَ الأمم مستقصاةٌ في اللوح المحفوظ غيرُ مقصورة على هذا القدر المُجمل، وقرىء فَرَطنا بالتخفيف. وقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ} بـيانٌ لأحوال الأمم المذكورة في الآخرة بعد بـيان أحوالها في الدنيا. وإيرادُ ضميرها على صيغة جمع العقلاء لإجرائها مُجراهم، والتعبـير عنها بالأمم أي إلى مالك أمورهم يحشرون يوم القيامة كدأبكم لا إلى غيره فيجازيهم فيُنصِفُ بعضَهم من بعض حتى يبلُغ من عدله أن يأخذ للجّماءِ من القَرْناء. وقيل: حشرُها موتها. ويأباه مقامُ تهويلِ الخطب وتفظيعِ الحال. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} متعلق بقوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء} والموصول عبارةٌ عن المعهودِين في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآيَـٰتِ} ومحلُه الرفعُ على الابتداء خبرُه ما بعده أي أوردنا في القرآن جميعَ الأمور المهمة وأزَحْنا به العِللَ والأعذارَ والذين كذبوا بآياتنا التي هي منه {صُمٌّ} لا يسمعونها سمعَ تدبرٍ وفهمٍ فلذلك يسمّونها أساطيرَ الأولين ولا يعدّونها من الآيات ويقترحون غيرها {وَبُكْمٌ} لا يقدِرون على أن ينطِقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون دعوتك بها وقوله تعالى: {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ} إما متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من المستكنِّ في الخبر كأنه قيل: ضالون كائنين في الظلمات أو صفةً لبكْم أي بُكم كائنون في الظلمات، والمراد به بـيانُ كمالِ عراقتهم في الجهل وسوء الحال فإن الأصمَّ الأبكمَ إذا كان بصيراً ربما يَفهم شيئاً بإشارةِ غيرِه وإن لم يفهَمْه بعبارته، وكذا يُشعِرُ غيرَه بما في ضميره بالإشارة وإن كان معزولاً عن العبارة، وأما إذا كان مع ذلك أعمىٰ أو كان في الظلمات فينسدّ عليه بابُ الفهم والتفهيم بالكلية، وقوله تعالى: {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ} تحقيقٌ للحق وتقريرٌ لما سبقَ من حالهم ببـيانِ أنهم من أهل الطبْعِ لا يتأتَّى منهم الإيمانُ أصلاً، فمَنْ مبتدأ خبرُه ما بعده ومفعولُ المشيئة محذوفٌ على القاعدة المستمرَّة من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولها مضمونَ الجزاء وانتفاءِ الغرابة في تعلقها به أي من يشأ الله إضلالَه أي أن يخلُق فيه الضلالَ يضلِلْه أي يخلُقه فيه ولكن لا ابتداءً بطريق الجبر من غير أن يكون له دخلٌ ما في ذلك بل عند صَرْفِ اختياره إلى كَسْبه وتحصيلِه وقِسْ عليه قوله تعالى: {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لا يضِلُّ من ذهب إليه ولا يزِلُّ من ثبَت قدمُه عليه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الآية: 38]. قيل: ما أخرنا فى الكتاب ذكر أحدٍ من الخلق ولكن لا يبصر ذكره فى الكتاب إلا المؤيدون بأنوار العزة.
القشيري
تفسير : يعني تساوت المخلوقات، وتماثلت المصنوعات في الحاجة إلى المُنْشِئ: في حال الإبداع ثم في حال البقاء، وكذلك جميع الصفات النفسية والنعوت الذاتية توقفت عن الإيجاد والاختيار، فما من شيء من عينٍ وأثر، ورسم وطلل.. إلا وهو على وحدانيته شاهِدٌ، وعلى كون أنه مخلوق.. دليلٌ ظاهرٌ.
البقلي
تفسير : {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} ان الله سبحانه خلق غير الادمى والملائكة والجن من الحيوانات والطيور السباع والحشرات على فطرة التوحيد وجبلة المعرفة وان الله سبحانه خاطبها الوضوح طرق معارفه والايقان والا يمان جعل لها طرقا من خواطرها بانوار العقل الى حضرته القديمة الازلية واسرارها ينظرون بنور الافعال ولطائف الصنعة وسناء الخطاب اليها على السهدية وانما تعيش وتتحرك وتطير بقوة من قوى الحضرة وهذا الغصير والالحان والزفرات والشهقات منها من حلاوة تصل الى قلوبها من روح عالم الملكوت ووضوح انوار الجبروت ولها على قدر حالها فى المعرف والتوحيد شوق الى الله وذوق من بحار رحمة الله سمعت أن سمنون المحب كان اذا تكلم فى المحبة تنشق القناديل ويسقط الطير من الهواء حتى سمعت ان يوما كان يتكلم فى المحيط فسقط طير بين يديه وغرز منقاره فى الارض وقطر الدم من منقاره ومات بين يديه وامثال هذه الحكاية كثيرة فى الأثار والاخبار من جميع الحيوان والسباع والطيور ولاحشرات الا ترى كيف تكلم الضب مع النبى صلى الله عليه وأله وسلم وكيف مدحه بقوله الا يا رسول الله انك صادق فبوركت مهديا وبوركمت هاديا الى قوله فبوركت فى الاحوال حيا وميتا وبوركنت مولد وبوركت ناشيا وقوله تعالى {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} فى طلب الحق وافراد قدمه عن الحد والاعتبار فى صناعيه اللطيفة التى تبرز منها انوار الصفات فى العالم ومثيلتها انها خلقت من عالم المالك والشهادة والافعال والأدمى والملائكة خلقت اجسامهما من عالم الافعال واراوحهما مننور الملكوت لذلك فضلت الملائكة والأدمى على غيرها قال تعالى {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} تفسير : الأية وقوله ولا طائر يطير بجناحيه ارى جانحيه جناح التوكل والرضا وجناح الخوف والرجا وجناح الفناء وجناح المعرفة والمحبة يطيرون بها هربا وطربا وشوقا وطلبا واشار ة الظاهر فى المثيلة ان جبلة الامم من عناصر الاربع خلقت ومن طبيعة الحيوانية والروحانية انشئت وتساوت فى الأكل والشرب والحركة والاجتماع وصفات النفسانية ونعوت الذاتية من الحرص والغضب والشر والبطر وحقائها فى التساوى رجوعها الى معدن الفطرة الذى انشاها الله منه لقوله تعالى منها خلقناكم وفيها تعيدكم ومنها تخريجكم تارة اخرى ومن ايمة التفسير الطاهر قول عطا قال امثالكم فى التوحيد والمعرفة وقيل الا امم فى التصوير امثالكم فى التسخير وقوام جميع الحيوان والملائكة والجن والانس والجمادات من العرش الى الثرى بالقدرة القادرية الازلية ولهم مشارب وسواق من بحر خطاب الله وكلماته الازلية المبنية طرق توحيد الملائكة ومعرفة الناس وفطرة الحيوانات والطيور والحشرات والسباع الممزوجة طباعها بالعلم بصانعها وخالقها الى ظهور صفاته وذاته هلهم بيانا غير مشكل عليهم ولا ناقص عن تام مرادهم قال تعالى {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} اى كل ما يحتاج الخلق فى العبودية وعرفان الربوبية بينا فى كتابنا ليس مقام ولا حال ولا وجد ولا ادراك ولا معرفة ولا رؤية الا وبين طريقة فى كلامه تعالى صفته الخاصة المبينة عرفان جميع الصفات وطرق الصفات الى الذات اخبر تعالى به عن اسرار الاولين والآخرين من العرش الثرى قال بعضهم فى قوله تعالى ما فرطنا فى الكتاب من شئ على ما أخرنا فى الكتاب ذكر احد من الخلق ولكن لا يبصر ذكره فى الكتاب الا المؤيدون بانوار المعرفة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما من دابة فى الارض} من زائدة لتأكيد الاستغراق وفى متعلقة بمحذوف هو وصف الدابة اى وما فرد من افراد الدواب يستقر فى قطر من اقطار الارض {ولا طائر} من الطيور فى ناحية من نواحى الجوّ {يطير بجناحيه} كما هو المشاهد المعتاد. فقيد الطيران بالجناح تأكيد كما يقال نظرت بعينى واخذت بيدى او هو قطع لمجاز السرعة لانه يقال طار فلان فى الارض اى اسرع {إلا أمم امثالكم} محفوظة احوالها مقدرة ارزاقها وآجالها {ما فرطنا فى الكتاب من شئ} يقال فرط فى الشئ ضيعه وتركه اى ما تركنا فى القرآن شيئاً من الاشياء المهمة التى بينا انه تعالى مراع فيها لمصالح جميع مخلوقاته على ما ينبغى بل قد بينا كل شئ اما مفصلا او مجملا اما المفصل فكقوله تعالى {أية : أن النفس بالنفس والعين بالعين} تفسير : [المائدة: 45]. واما المجمل فكقوله تعالى {أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} تفسير : [الحشر: 7] ـ روى ـ ان الامام الشافعى كان جالسا فى المسجد الحرام فقال لا تسألونى عن شئ الا اجيبكم فيه من كتاب الله تعالى فقال رجل ما تقول فى المحرم اذا قتل الزنبور فقال لا شئ عليه فقال اين هذا فى كتاب الله فقال قال الله تعالى {أية : وما آتالكم الرسول} تفسير : [الحشر: 7] الآية. ثم ذكر اسنادا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال "حديث : للمحرم قتل الزنبور " .تفسير : {ثم الى ربهم} اى الامم {يحشرون} يوم القيامة الى ربهم لا الى غيره فيقضى بينهم.
الطوسي
تفسير : الوقف عند قوله {أمم أمثالكم} وقف تام. ابتدأ الله تعالى بهذه الآية فأخبر بشأن سائر الخلق. وبازاحة علة عباده المكلفين في البيان ليعجب عباده في الآية التي بينها من الكفار وذهابهم عن الله تعالى فقال: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} فجمع جميع الخلق بهذين اللفظين، لان جميع الحيوان لا يخلو من أن يكون مما يطير بجناحيه أو يدب {إلا أمم أمثالكم} أي هم اجناس واصناف كل صنف يشتمل على العدد الكثير والانواع المختلفة وان الله خالقها ورازقها، وانه يعدل عليها فيما يفعله، كما خلقكم ورزقكم وعدل عليكم، وان جميعها دالة وشاهدة على مدبرها وخالقها وانتم بعد ذلك تموتون والى ربكم تحشرون. فبين بهذه العبارة أنه لا ينبغي لهم ان يتعدوا في ظلم شىء منها، فان الله خالقها وهو الناهي عن ظلمها والمنتصف لها. وفي قوله: {يطير بجناحيه} أقوال: احدها - ان قوله بجناحيه تأكيد كما يقولون: رأيت بعيني، وسمعت باذني، وربما قالوا: رأت عيني وسمعت اذني، كل ذلك تأكيد. وقال الفراء: معنى ذلك انه اراد ما يطير بجناحيه دون ما يطير بغير جناحين، لانهم يقولون قد مر الفرس يطير طيرا وسارت السفينة تطير تطيرا، فلو لم يقل {بجناحيه} لم يعلم انه قصد الى جنس ما يطير بجناحيه دون سائر ما يطير بغير جناحين. وقال قوم: انما قال {بجناحيه} لان السمك عند اهل الطبع طائر في الماء، ولا أجنحة لها، وانما خرج السمك عن الطائر، لانه من دواب البحر، وانما أراد ما فى الألارض وما في الجو، ولا حيوان موجود غيرهما. وقال قوم: انما قال ذلك ليدل على الفرق بين طيران الطيور بأجنحتها وبين الطيران بالاسراع تقول: طرت في جناحين، اذا أسرعت، قال الشاعر: شعر : فلو أنها تجري على الارض أدركت ولكنها تهفوا بتمثال طائر تفسير : وانشد سيبويه: شعر : فطرت بمنصلي في يعملات دوام الايد يحبطن السريحا تفسير : وقال المغربي: أراد ان يفرق بين الطائر الذي هو الفائز الفالج في القسم، وقال مزاحم العقيلي: شعر : وطير بمخراق أشم كأنه سليل جيادلم تنله الزعانف تفسير : أي فوزي واغنمي. وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} قيل {ما فرطنا} معناه ما تركنا. وقيل: ما قصرنا. وفي الكتاب قولان: احدهما - انه أراد الكتاب المحفوظ عنده من أجال الحيوان وأرزاقه وآثاره ليعلم ابن آدم ان عمله اولى بالاحصاء والاستقصاء، ذكره الحسن. الثاني - ما فرطنا في القرآن من شىء يحتاج اليه في أمور الدين والدنيا الا وقد بيناه اما مجملا أو مفصلا، فما هو صريح يفيد لفظا، وما هو مجمل بيَّنه على لسان نبيه وأمر باتباعه في قوله{أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}تفسير : ودل بالقرآن على صدق نبوته ووجوب أتباعه، فاذاً لا يبقى أمر من امور الدين والدنيا الا وهو في القرآن - وهذا الوجه اختاره الجبائي - وقال البلخي: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} أي لم ندع الاحتجاج بما يوضح الحق ويدعو الى الطاعة والمعرفة ويزجر عن الجهل والمعصية، وتصريف الامثال وذكر أحوال الملائكة وبني آدم وسائر الخلق من أصناف الحيوان. وكل جنس من الحيوان أمة، لان الامة الجماعة ويقال للصبيان: أمة وان لم يجب عليهم التكليف. وقوله تعالى: {ثم إلى ربهم يحشرون} معناه يحشرون الى الله بعد موتهم يوم القيامة كما يحشر العباد، فيعوض الله تعالى ما يستحق العوض وينتصف لبعضها من بعض، فاذا عوضهما، قال قوم: انها تصير ترابا فحينئذ يتمنى الكافر فيقول {أية : يا ليتني كنت ترابا}تفسير : وقال قوم: يديم الله أعواضها ويخلقها على أحسن ما يكون من الصور فيسر بها المثابون ويكون ذلك من جملة ما ينعمون به، ذكره البلخي. وقال قوم: {يحشرون} معناه يموتون ويفنون وهذا بعيد، لان الحشر في اللغة هو بعث من مكان الى غيره، وها هنا لا معنى للحشر الذي هو الفناء وانما معناه انهم يصيرون الى ربهم ويبعثون اليه. واستدل قوم من التناسخية بهذه الآية على ان البهائم والطيور مكلفة، لانه قال {أمم أمثالكم} وهذا باطل، لانا قد بينا من أي وجه قال: انها {أمم أمثالكم} ولو وجب حملها على العموم لوجب ان تكون أمثالنا في كونها ناسا وفي مثل صورنا واخلاقنا، فمتى قالوا لم يقل امثالنا في كل شىء، قلنا: وكذلك الامتحان والتكليف، على انهم مقرون بان الاطفال غير مكلفين ولا ممتحنين، فما يحملون به أمتحان الصبيان بعينه نحمل بمثله امتحان البهائم، وكيف يصح تكليف البهائم والطيور وهي غير عاقلة. والتكليف لا يصح الا لعاقل، على ان الصبيان أعقل من البهائم ومع هذا فليسوا مكلفين، فكيف يصح تكليف البهائم؟! واما قوله {أية : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}تفسير : فانه مخصوص بالمكلفين العقلاء من البشر والجن، والملائكة بدلالة أن الاطفال أمم وليس فيها نذيره واستدل ابو القاسم البلخي بهذه الآية على ان العوض دائم بان قال: بيَّن الله تعالى انه يحشر الحيوان كلها ويعوضها، فلو كان العوض منقطعا لكان اذا أماتها استحقت اعواضا أخر على الموت وذلك يتسلسل، فدل على انه دائم وهذا ليس بشىء، لانه يجوز ان يميت الله الحيوان على وجه لا يدخل عليهم الالم، فلا يستحقون عوضا ثانيا، فالاولى ان يقول: ان دام دام تفضلا منه تعالى. وقوله {ولا طائر} فانه جرَّ، عطف على دابة وتقديره ولا من طائر، وكان يجوز ان يقرأ بالرفع حملا على المعنى، كما تقول: وما جاءني من رجل ولا امرأة، وتقديره ما جاءني رجل ولا امرأة ومثله قوله {أية : ولا أصغر من ذلك ولا أكبر}تفسير : في موضع بالنصب وفى موضع آخر بالرفع على ما قلناه.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ} توصيفه بوصف الجنس وكذا ما بعده للاشارة الى ارادة الجنس {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} مخلوق مرزوق مدبّر والتّناسخيّة يتوسّلون بامثال هذا فى رواج مذهبهم والمقصود ذمّهم على عدم العلم وانّ الحيوانات العُجم مثلكم فى كلّ جهة وتميزكم عنها بالعلم والاشتداد فيه فاذا لم تكونوا تعلمون فلا تميز بينكم {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} اى فى اللّوح المحفوظ الّذى هذا القرآن صورته التّامّة فما فرّط فيه ايضاً من شيءٍ وسائر الكتب صورته النّاقصة ولذا كان مهيمناً على الكلّ ناسخاً له، وهو من فرّط الشيء بمعنى ضّيعه واهلمه لا من فرّط فى الشيء بمعناه حتّى يكون فى الكتاب مفعوله ومن شيءٍ مفعولاً مطلقاً بل فى الكتاب ظرف ومن شيء مفعول به، لانّ المقصود عدم اهمال شيءٍ فى الكتاب بترك ثبته فيه وهو يستفاد صريحاً اذا جعل من شيء مفعولاً به، وامّا اذا جعل مفعولاً مطلقاً فلا يستفاد الاّ التزاماً والمقصود انّا كما احصيناكم فى الكتاب واحصينا ارزاقكم وآجالكم كذلك احصيناهم لا فرق بينكم الاّّ بالعلم وعدمه {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} كما تحشرون.
اطفيش
تفسير : {وما مِنْ دابَّةٍ فى الأرض} تدب على وجه الأرض {ولا طائرٍ يَطيرُ بجنَاحَيْه} اذكر قوله: {فى الأرض} وقوله: {يطير بجناحيه} لتأكيد عموم الدابة وعموم الطائر، كأنه قيل: ما من موضع فى الأرض يصلح للدبيب لو دبت فيه دابة، ولا يقع طيران بجناحين، وهذا العموم زائد على عموم ما من دابة ولا طائر، وأيضاً ذكر يطير بجناحيه لئلا يتوهم أن المراد بالطيران صبحاً والسرعة، أو غيرها، وقرأ ابن أبى عبلة برفع الطائر عطفاً على موضع دابة، لأن دابة فاعل جر بمن المستغرقة، ففى هذه القراءة يكون الاستغراق نصاً فى دابة، لتسلط من المذكورة عليه، وطائر غير نص، لأن من لم تعتبر فيه والأجر ويستفاد استغراقه من قوله: {يطير بجناحيه} ومن المقام ومن الخارج. ومن قال: النكرة فى سياق النفى تفيد الاستغراق نصاً ولو بدون من، قال: إن قوله: {ولا طائر} بالرفع يفيده، ولكن قوله: {وما من دابة} أعظم استغراق بمن، وهذا البحث ظهر لى محتملا الإمكان أن يكون ولا طائر بالرفع نصاباً، باعتبار أن العطف لما كان على دابة المستغرقة كان معناها وهو نص الاستغراق واقعاً على المعطوف، ولو لم يظهر فيه أثره، وكان بعض العلماء لا يسمى الطائر دابة لهذه الآية، إذ ذكر بعد الدابة، ورد بقوله تعالى: {أية : وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل فى كتاب مبين} تفسير : وأنه عطف الطائر على دابة عطف خاص على عام، لحكمة أن الطائر أشد امتناعاً من غيره، وأنه يذب ويطير، ومع ذلك لا يفوت الله، وبقى الحوت وهو داخل قبل فى الطائر، لأنها تسبح فى الماء كما يسبح الطائر فى الهواء، والظاهر أنه داخل فى الدابة لأنها فى الماء كما تدب الحبة فى الأرض، على أن تجعل فى الأرض نعتاً لدابة لا متعلقاً، ويراد بالأرض ما فى هذا المركز السفلى إلا يرى أنه لا يخرج ما لو صنع له بيت من شجر، وأسكن فيه وأيضاً قد يسبح الحوت منسحباً على الأرض لمعونة الماء. {إلا أممٌ أمثالكم} أمم خبر المبتدأ الذى هو دابة، وأمثالكم نعت أمم فجميع الدواب والطيور أمم، مماثلة لكم فى كونها مخلوقة مقدرة الرزق، مؤجلة معلومة له تعالى، يعرف بعضها بعضاً، وتتألف محفوظة كما أنتم مخلوقون مقدرة أرزاقكم، مؤجلون محفوظون معلومون لله تعالى، فمن كان كذلك كامل القدرة شامل العلم والتدبير، كيف لا يقدر ينزل آية، وجمع أمما باعتبار المعنى، لأن دابة وطائر يعمان إذ كانا فى سياق النفى فهما طيور ودواب لا دابة واحدة ويروى أحد، فالطير أمة، والدواب الإنسية أمة، والوحش أمة، كما أن الإنس أمة، والجن أمة، أو كل نوع أمة، فالحمامة أمة، والهدهد أمة، والحرد أمة، والإبل أمة، والضأن أمة، وهكذا ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم" تفسير : والمراد فالدابة غير بنى آدم لأنه ذكر بنى آدم بقوله: {أمثالكم}. وقيل: وجه الشبه فى قوله: {أمثالكم} الحساب والقصاص، فإذا كانت البهائم تقتص من بعضها لبعض، فأنتم أحرى، إذ أنتم مكلفون عقلاء، قال أبو ذر رضى الله عنه: "حديث : انتطحت عنزان بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "أتعلمون فيما انتطحتا؟" قلنا: لا، قال: "فإن الله يعلم وسيقضى بينهما" تفسير : وبذلك قال الطبرى، وأما مكى وهو عالم مغربى أندلسى ينسب إلى مكة لأنه طلب العلم فيها فقال: وجه الشبه أنها تعرف الله وتعبده، قيل إن الحيوانات توحد الله وتسبحه، وتصلى له، وقيل: أمثالكم فى طلب الرزق، وتوقى المهالك ومعرفة الذكر والأنثى. {ما فَرَّطْنا فى الكِتابِ منْ شَئٍ} أى ما قصرنا، والتفريط التقصير فى الشئ المعتاد إليه مع قدرة عليه، قال أبو حيان فى تفسيره المسمى بالبحر: أصل فرطنا أن يتعدى بفى، ثم يضمن معنى أغفلنا فيتعدى إلى مفعول به وهو هنا كذلك، فيكون من شئ فى موضع المفعول به انتهى. يعنى أن من لتأكيد العموم، وشئ مفعول به، ويجوز أن يكون شئ مفعولا مطلقاً، أى ما فرطنا شيئاً، أى ما فرطنا تفريطاً ما، أى لا تفريط ولو أقل قليل، وقرأ علقمة ما فرطنا بتخفيف الراء والتشديد أبلغ، والأبلغية ترجع إلى النفى، والكتاب اللوح المحفوظ، فإن فيه جميع ما يجرى فى المخلوقات من حركة وسكون، ورزق وأجل، وعدد وغير ذلك فى الحيوان وغيره. وقيل: الكتاب القرآن فشئ على القول الأول عام فى جميع الأشياء، وعلى الثانى بمعنى ما يحتاج إليه من أحكام الدين، فإن كل ما يحتاج إليه من أمر الدين قد اشتمل عليه القرآن بتصريح أو تضمين وتفصيل أو إجمال، مع أن التفريط التقصير فيما لا بد منه، فلا يشكل بما لا يحتاج إليه من مسائل الدين التى لا تقع البلية بها، والإجماع حجة، وخبر الواحد حجة، والقياس حجة أثبتها القرآن، وكل ما دل عليه أحد الثلاثة، فمن القرآن قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" تفسير : وقال الله تعالى: {أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} تفسير : وكان ابن مسعود يقول: مالى لا ألعن من لعنه الله فى كتابه، يعنى الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة. وروى أن امرأة قرأت جميع القرآن ثم أتته فقالت: يا ابن أم عبد تلوت البارحة ما بين الدفتين فلم أجد فيه لعن الله الواشمة؟ فقال: لو تلوتيه لوجدتيه؟ قال الله تعالى: {أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} تفسير : ومما أتانا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: "حديث : لعن الله الواشمة والمستوشمة " تفسير : وروى أن الشافعى كان جالساً فى المسجد الحرام فقال: لا تسألونى عن شئ إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى، فقال رجل: ما تقول فى المحرم إذا قتل زنبوراً؟ فقال: لا شئ عليه، فقال: أين هذا فى كتاب الله تعالى؟ فقال قال الله تعالى: {أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} تفسير : ثم ذكر إسناداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" تفسير : ثم ذُكر إسناد إلى عمر رضى الله عنه أنه قال: للمحرم قتل الزنبور، فأجابه من القرآن بواسطتين. {ثم إلى ربِّهم يُحْشرونَ} يجمعون بالبعث من قبورهم وأماكنهم التى هم فيها، فيحشر الطائر من أرض مات فيها ويلى وما أشبه ذلك، فقيل: يحشر كل حيوان حتى القمل والبعوض، ثم تعود تراباً، قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لتردُّون الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من القرناء " تفسير : وروى عن ابن عباس أنه لا يبعث إلا الجن والإنس والملائكة، وأما حشر سائر الحيوان فهو موته بمعنى أنه جمع إلى الله بموته، وبه قال بعض، وأجاب عن أحاديث أخذ القرناء بالجماء بأنها كناية عن العدل البليغ يوم القيامة وهو ضعيف، قال أبو عمر وعثمان ابن خليفة وقوله:{أية : وإذا الوحوش حشرت}تفسير : قال أبو عبد الله بن أبى بكر رضى الله عنه: حشرها فناءها، وغيره قال: تحشر ثم تحاسب، ويؤخذ من القرناء للجماء، ثم يقال لها كونى تراباً، وذلك فى الحديث كثير، وهو فى حديث الزكاة وغيرها وقوله: {أية : يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب} تفسير : فيها فناؤها وفناء الأشياء كلها على التلاشى لا على الانقلاب ما خلا المكلفين، وأطفال المسلمين فناؤهم كلهم على الانقلاب، وأما أطفال غير المسلمين فالله أعلم وأحكم أعلى الانقلاب يكون فناؤهم أم على التلاشى أم على الانقلاب والتلاشى، وقد ذكر الله:{أية : وإذ الموءودة سُئلت }
اطفيش
تفسير : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ} أَى وما من دابة تمشى فى الأَرض، كما ذكر يطير فى مقابلها، وسواء علقنا فى الأَرض بتمشى أَو بدابة أَو بمحذوف نعت لدابة، أَى ثابتة فى الأَرض، وذكر الأَرض زيادة فى الاستغراق، أَى فى قطر ما من أَقطار الأَرض وفى ظهرها وجوفها، وقال السكاكى ذكر فى الأَرض مع دابة ويطير بجناحيه مع طائر لبيان القصد بدابة وطائر الجنسين وتقريرهما {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} أَى فى الهواء كما ذكر فى الأَرض فى مقابله أَى فى ناحية من نواحى الجو فلزيادة هذا الاستغراق، وذكر يطير بجناحيه. وأَيضاً ذكره لئلا يتوهم أَن المراد بالطيران السرعة على التجوز {إِلاَّ أُمَمٌ} خبر دابة {أَمْثَالُكُمْ} بمعنى أَن كل نوع من أَنواع الدواب فى الأَرض وكل نوع من أَنواع الطير هو أَمة قدر الله على إِيجاده وإِبقائه ورزقه وحفظه وأَجله، وكيف لا يقدر على إِنزال آية، ومعنى المماثلة أَن سائر الحيوان مثلكم، فكما أَقررتم على أَنفسكم بجريان قضاء الله عليكم فكذا أَجرى على غيركم، وفى أنها تنسج كالعنكبوت، وتدخر كالنمل وتعرف الله وتسبحه وتعبده، ويألف بعضها بعضا، ويفهم بعض عن بعض، ويألف بعض بعضاً، ويتعارف الذكر والأُنثى، ويتزوج الطير فى الربيع وتبعث للحساب، وجمع الأُمة لإِرادة النوع كما رأَيت، ولا يكفى أَن نقول جمع لأَن النكرة فى سياق السلب تعم. لأَن هذا بمجرده يفيد أَن كل فرد أمة وليس كذلك، والمراد بالأَرض ما ليس بجو فشملت الماءَ فيدخل حيوان الماء، فتنقله فى الماء كتنقل الحيوان فى الأَرض، كما أَنها شاملة للجبال والشجر، وذكر الطائر مع أَنه يدب فى الأَرض زيادة بالطيران، ولأَن من الطير ما خلق فى الهواء ولا ينزل للأَرض، وأَلحق بعضهم الحوت بالطير إِذ يسبح فى الماء كالطائر فى الهواء، وذكر بجناحيه تأَكيداً، وقيل لئلا يتوهم أَن المراد بالطيران مطلق السرعة وهو توهم بعيد مع أَنه لا يقطع التوهم رأْساً لجواز أَن يكون ترشيحاً لطيران مستعار للسرعة، ولو عملنا بهذا التوهم انفتحت إِليه كل حقيقة فتدخل فى المجاز، وقيل ذكر فى الأَرض ويطير للدلالة على أَن المراد الاستغراق الكلى لا عموم دوام أَرض مخصوصة وطير جو مخصوص عموماً عرفياً، وخص الأَرض دون السماء لأَنها المشاهدة ثم إنه لو لم يشمل عمومها بعضاً لجاز لأَن المراد الدلالة على كمال القدرة ولو بذكر أَحوال بعض الممكنات، أَلا ترى أَنه لم يذكر ما يدب فى السماوات {مَا فَرَّطْنَا} ضيعنا أَو تركنا {فِى الْكِتَابِ مِنْ شَئٍ} ما ضيعنا شيئاً بترك كتابته فى اللوح المحفوظ، وسمى محفوظاً لأَنه حفظ عن الشيطان، ومن تغيره، ولا خفاء فى العموم الحقيقى بخلاف ما إِذا فسرنا الكتاب بالقرآن فالعموم فيه عرفى بحسب ما يحتاج إِليه المكلف، إِما تفصيلا وإِما إِجمالا يفصله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أَو بالقياس، أَو بحسب الإِيماء، أَلا ترى إِلى قوله عز وجل "أية : فاعتبروا يا أولى الأَبصار" تفسير : [الحشر: 2] ونحو هذا فإِنه أَذن فى القياس لأَهله، وقوله تعالى "أية : وما ءَاتٰاكم الرسول فخذوه"تفسير : [الحشر: 7] فإِنه إِشارة إِلى الحديث: "حديث : اعملوا بالخليفتين من بعدى، أَبى بكر وعمر، وبسنة الخلفاء الراشدين من بعدى"تفسير : ، وقد قال ابن مسعود: لعنت الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة فى القرآن، فقالت امرأَة: تلوته البارحة وليس فيه ذلك، فقال: لعنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومصداقه"أية : وما ءَاتٰاكم الرسول فخذوه"تفسير : [الحشر: 7] ولو شاءَ لأَجاب بقوله تعالى "أية : فليغيرن خلق الله" تفسير : [النساء: 119] وقال الشافعى فى المسجد الحرام: لا تسأَلونى عن شئ إِلا أَجبتكم بكتاب الله عز وجل، فقال رجل: أَيحل للمحرم قتل الزنبور؟ فقال: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى"تفسير : ، وذكر إِسناداً إِلى عمر أَنه قال: للمحرم قتل الزنبور، فذلك إِجابة بالقرآن على ثلاث درجات، ولو شاءَ لأَجاب بالقرآن بلا واسطة على مذهبه فى: حرم عليكم صيد البر، والزنبور ليس صيداً فليس مما حرم، ولو شاءَ لأَجاب بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقتلوا كل مؤذ فى الحل والحرم"تفسير : ، مع قوله تعالى "أية : وما ءَاتٰاكم الرسول فخذوه"تفسير : [الحشر: 7] ففى القرآن كل ما يحتاج إِليه وزيادة يستخرج بعضه مستخرجه بقوة فهمه بإِذن الله، ومنه منع ضرب القدمين، بقوله تعالى: "أية : واضربوا منهم كل بنان" تفسير : [الأَنفال: 12] إِذا كان إِغراءً بالأَشد فى الهلاك، وعدى فرط للمفعول لتضمنه معنى ضيع، أَو ترك أَو أَهمل، ويجوز أَن يكون شيء مفعول مطلقاً، أَى ما فرطنا تفريطاً، فالعموم فى التفريط لا فى كل الأَشياء ولا فى الأَمر المكلف به {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} أَى يحشر الأُمم إِلى ربهم للجزاء حتى يأْخذ للجماء من القرناء، ثم يقول لهم: كونوا تراباً، وذكر الدواب والطير بضمير العقلاء وهو هم والواو تغليباً للعقلاء، وإِن أريد بالدابة غير العقلاء فلأِجرائه وإِجراء الطير مجرى العقلاء فى وجوه المماثلة المذكورة فى قوله أَمثالكم، ومن المماثلة حشرها وحسابها كما رأَيت، ولفظ مسلم، حديث : لتؤدون الحقوق إِلى أَهلها حتى يقاد للشاة الجماء من القرناءتفسير : ، وليس هذا جزاء تكليف خلافاً لمن زعم أَن للحيوانات رسلا منها، ولعل منشأَ ذلك التوهم من قوله تعالى "أية : وأَوحى ربك إِلى النحل" تفسير : [النحل: 68] وذلك خطأ، ونسب للجاحظ وغيره، وأَخطأَ من قال ذلك ومثله من تكليف الحيوانات ونحوه، وإِنما يلهمها الله ما يشاء من تمييز كصنعة النحل والعنكبوت، وأَما قوله صلى الله عليه وسلم للأَنصار إِذ ازحموا على زمام ناقته حين هاجر: حديث : دعوها فإِنها مأْمورةتفسير : ، فمعناه أَن زمامها فى يد ملك يجرها إِلى موضع قضى الله تعالى بالنزول فيه وسكناه، ويسوقها ملك إِليه، وإِذا وصلته أَناخها، أَو إِذا وصلته أَبركها الله عز وجل بالتكوين. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: حشر الحيوانات موتها، وحمل الآيات على عموم العدل رده حديث: حتى يقاد للجماء، إِلا أَن يقال بالترشيح.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ} كلام مستأنف مسوق ـ كما قال الطبرسي وغيره ـ لبيان كمال قدرته / عز وجل وحسن تدبيره وحكمته وشمول علمه سبحانه وتعالى فهو كالدليل على أنه تعالى قادر على الإنزال وإنما لا ينزل محافظة على الحكم الباهرة، وقيل: إنه دليل على أنه سبحانه وتعالى قادر على البعث والحشر، والأول أنسب. وزيدت {مِنْ } تنصيصاً على الاستغراق. والدابة ما يدب من الحيوان، وأصله من دب يَدِب [دبَّاً و] دبيباً إذا مشى مشياً فيه تقارب خطو. والجار والمجرور متعلق بمحذوف أو مجرور أو مرفوع وقع صفة لدابة، ووصفت بذلك لزيادة التعميم كأنه قيل: وما من فرد من أفراد الدواب يستقر في قطر من أقطار الأرض وجهها أو جوفها، وكذا الوصف في قوله سبحانه: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } لزيادة التعميم أيضاً أي ولا فرد من أفراد الطير يطير في ناحية من نواحي الجو بجناحيه، وقيل: إنه لقطع مجاز السرعة فقد استعمل الطيران في ذلك كقوله: شعر : قوم إذ الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا تفسير : وكذا استعمل الطائر في العمل والنصيب مجازاً كما في قوله تعالى: { أية : وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ } تفسير : [الإسراء: 13]. واحتمال التجوز مع ذلك بجعله ترشيحاً للمجاز بعيد لا يلتفت إليه بدون قرينة. واختار بعض المتأخرين أن وجه الوصف تصوير تلك الهيئة الغريبة الدالة على كمال القوة والقدرة. وأورد على الوجهين السابقين أنه لو قيل: ولا طائر في السماء لكان أخصر وفي إفادة ذينك الأمرين أظهر مع ما فيه من رعاية المناسبة بين القرينتين بذكر جهة العلو في إحداهما وجهة السفل في الأخرى، ورد ـ كما قال الشهاب ـ بأنه لو قيل: في السماء يطير بجناحيه لم يشمل أكثر الطيور لعدم استقرارها في السماء، ثم إن قصد التصوير لا ينافي قطع المجاز إذ لا مانع من إرادتهما جميعاً كما لا يخفى. ثم لما كان المقصود من ذكر هذين الأمرين الدلالة على كمال قدرته جل وعلا ببيان ما يعرفونه ويشاهدونه من هذين الجنسين وشمول قدرته وعلمه سبحانه لهما كان غيرهما غير مقصود بالبيان، فالاعتراض بأن أمثال حيتان البحر خارجة عنهما، والجواب بأنها داخلة في القسم الأول لأن الأرض فيه بمعنى جهة السفل مما لا يلتفت إليه. وقرأ ابن أبـي عبلة {وَلاَ طَائر } بالرفع عطف على محل الجار والمجرور كأنه قيل: وما دابة ولا طائر. {إِلاَّ أُمَمٌ } أي طوائف متخالفة {أَمْثَـٰلَكُم } في أن أحوالها محفوظة وأمورها (معنية) ومصالحها مرعية جارية على سنن السداد منتظمة في سلك التقديرات الإلٰهية والتدبيرات الربانية. وجمع الأمم باعتبار الحمل على معنى الجمعية المستفاد من العموم كما اختاره غير واحد، وهو يقتضي جواز أن يقال: لا رجل قائمون، والقياس ـ كما قيل ـ لا يأباه إلا أنه لم يرد إلا مع الفصل. وصرح السيد السند بأن النكرة هٰهنا محمولة على المجموع من حيث هو مجموع، وجعل مراده أن النكرة المذكورة من حيث الإخبار عنها محمولة على المجموع لا أنه مراد منها، فلا يرد أن الحكم بقوله سبحانه وتعالى: {إِلاَّ أُمَمٌ } يأبى أن يكون التنكير فيما سبق على ما أشير إليه للفردية لأن الفرد ليس بجماعة، وكذا يأبى أن يكون للنوعية أيضاً لأن الفرد ليس بجماعات وهو ظاهر، وأما ما قيل: إن النوع يشتمل على أصناف وكل صنف أمة أو الأمة كل جماعة في زمان فيدفعه توصيف أمم بأمثالكم إذ الخطاب بكم لأفراد نوع الإنسان فالمناسب تشبيه النوع بالنوع في كونهما محفوظي الأحوال لا تشبيه الصنف بالنوع أو تشبيه جماعة في وقت بالنوع، نعم قال السكاكي في «المفتاح»: إن ذكر {فِى ٱلأَرْضِ} مع دابة و {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} مع طائر لبيان أن القصد من لفظ دابة ولفظ طائر إنما هو إلى الجنسين وإلى تقريرهما، وعليه لا إشكال في صحة الحمل لاشتمال كل من الجنسين / على أنواع كثيرة كل منها أمة كالانسان فكأنه قيل: ما من جنس من هذين الجنسين إلا أمم الخ، وهذا كما يقال: ما من رجل من هذين الرجلين إلا كذا، ومراده أن لفظ دابة وطائر حامل لمعنى الجنس والوحدة فلبيان أن القصد من كل منهما إلى الجنس من حيث هو دون الوحدة والكثرة وصف بصفة لازمة للجنس من حيث هو أي بلا شرط شيء منهما والاستغراق المستفاد من كلمة (من) بالنظر إلى الجنسين، وبهذا يندفع القول بوجوب تأويل كلام السكاكي وإرجاعه إلى ما ذكره الزمخشري في هذا المقام، وعليه لا يتصور كون الوصف مفيداً لزيادة التعميم والإحاطة لأن الجنس من حيث هو أي لا بشرط شيء مفهوم واحد كما لا يخفى. واعترض أيضاً القول بالعموم بأنه كيف يصح مع وجوب خروج المشبه به عنه. وأجيب بأن القصد أولاً: إلى العام والمشبه به في حكم المستثنى بقرينة التشبيه كأنه قيل: ما من واحد من أفراد هذين الجنسين بعمومهما سواكم إلا أمم أمثالكم، ولك أن تدعي دخول كل فرد من أفراد المخاطبين بالتزام أن له اعتبارين اعتبار أنه مشبه واعتبار أنه مشبه به فتأمل جميع ذلك. {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ} التفريط التقصير، وأصله أن يتعدى بفي وقد ضمن هنا معنى أغفلنا وتركنا، فمن شيء في موضع المفعول به ومن زائدة لاستغراق، ويبعد جعلها تبعيضية أي ما فرطنا في الكتاب بعض شيء وإن جوزه بعضهم. والمراد من الكتاب القرآن واختاره البلخي وجماعة فإنه ذكر فيه جميع ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا بل وغير ذلك إما مفصلاً وإما مجملاً، فعن الشافعي عليه الرحمة ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله تعالى الهدى فيها. وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لعن الله تعالى الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله تعالى فقالت له امرأة في ذلك فقال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى فقالت له: قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت { أية : وَمَا ءَاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7] قالت: بلى قال: فإنه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه» وقال الشافعي رحمه الله تعالى مرة بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله تعالى فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فأجاب بأنه يقتله واستدل عليه بنحو استدلال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عنه أنه قال: أنزل في هذا القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن. وأخرج أبو الشيخ في كتاب «العظمة» عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله سبحانه وتعالى لو أغفل شيئاً لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة » تفسير : وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، وقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر الله تعالى به، وقد سمعت من بعضهم والعهدة عليه أن الشيخ الأكبر محيـي الدين بن العربـي قدس الله تعالى سره وقع يوماً عن حماره فرضت رجله فجاؤوا ليحملوه فقال: امهلوني فأمهلوه يسيراً ثم أذن لهم فحملوه فقيل له في ذلك فقال: راجعت كتاب الله تعالى فوجدت خبر هذه الحادثة قد ذكر في الفاتحة، وهذا أمر لا تصله عقولنا. ومثله استخراج بعضهم من الفاتحة أيضاً أسماء سلاطين آل عثمان وأحوالهم ومدة / سلطنتهم إلى ما شاء الله تعالى من الزمان، ولا بدع فهي أم الكتاب وتلد كل أمر عجيب، وعلى هذا لا حاجة إلى القول بتخصيص الشيء بما يحتاج إليه من دلائل التوحيد والتكاليف، وقال أبو البقاء: إن شيئاً هنا واقع موقع المصدر أي تفريطاً، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به لأن {فَرَّطْنَا } لا تتعدى بنفسها بل بحرف الجر وقد عديت بفي إلى الكتاب فلا تتعدى بحرف آخر وتبعه في ذلك غير واحد، وجعلوا ما يفهم من «القاموس» من تعدي هذا الفعل بنفسه حيث قال: «فَـرَّط الشيء وفَـرَّط فيه تفريطاً ضيَّـعه وقدم العجز فيه وقَصَّر» مما تفرد به في مقابلة من هو أطول باعاً منه مع أنه يحتمل أن تعديته المذكورة فيه ليست وضيعة بل مجازية أو بطريق التضمين الذي أشير إليه سابقاً، وعلى هذا لا يبقى ـ كما قال أبو البقاء ـ في الآية حجة لمن ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء، والكلام حينئذٍ نظير قوله تعالى: { أية : لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } تفسير : [آل عمران: 120] أي ضيراً. وأورد عليه أنه ليس كما ذكر لأنه إذا تسلط النفي على المصدر كان منفياً على جهة العموم ويلزمه نفي أنواع المصدر وهو يستلزم نفي جميع أفراده وليس بشيء لأنه يريد أن المعنى حينئذٍ أن جميع أنواع التفريط منفية عن القرآن وهو مما لا شبهة فيه ولا يلزمه أن يذكر فيه كل شيء كما لزم على الوجه الآخر، وأياً ما كان فالجملة إعتراضية مقررة لمضمون ما قبلها فإن من جملة الأشياء أنه تعالى مراع لمصالح جميع مخلوقاته على ما ينبغي، وعن الحسن وقتادة أن المراد بالكتاب الكتاب الذي عند الله تعالى وهو مشتمل على ما كان ويكون وهو اللوح المحفوظ، والمراد بالاعتراض حينئذٍ الإشارة إلى أن أحوال الأمم مستقصاة هناك غير مقصورة على هذا القدر المجمل. وعن أبـي مسلم أن المراد منه الأجل أي ما من شيء إلا وقد جعلنا له أجلاً هو بالغه ولا يخفى بعده. وقرأ علقمة {مَا فَرطنا} بالتخفيف وهو والمشدد بمعنى. وقال أبو العباس: معنى فرطنا المخفف أخرنا كما قالوا فرط الله تعالى عنك المرض أي أزاله. {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ} الضمير للأمم المذكورة في (الكريم)، وصيغة جمع العقلاء لإجرائها مجراهم والتعبير عنها بالأمم، وقيل: هو للأمم مطلقاً وتكون صيغة الجمع للتغليب أي إلى مالك أمورهم لا إلى غيره يحشرون يوم القيامة فيجازيهم وينصف بعضهم من بعض حتى أنه سبحانه وتعالى يبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من القرناء كما جاء في حديث صحيح رواه الشيخان. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن حشر الحيوانات موتها، ومراده رضي الله تعالى عنه ـ على ما قيل ـ ان قوله سبحانه وتعالى: {إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ} مجموعه مستعار على سبيل التمثيل للموت كما ورد في الحديث « حديث : من مات فقد قامت قيامته » تفسير : فلا يرد عليه أن الحشر بعث من مكان إلى آخر، وتعديته بإلى تنصيص على أنه لم يرد به الموت مع أن في الموت أيضاً نقلاً من الدنيا إلى الآخرة. نعم ما ذكره الجماعة أوفق بمقام تهويل الخطب وتفظيع الحال. هذا وفي «رسالة المعاد» لأبـي علي: قال المعترفون بالشريعة من أهل التناسخ: إن هذه الآية دليل عليه لأنه سبحانه قال: {وَمَا مِن دَابَّةٍ } الخ، وفيه الحكم بأن الحيوانات الغير الناطقة أمثالنا وليسوا أمثالنا بالفعل فيتعين كونهم أمثالنا بالقوة لضرورة صدق هذا الحكم وعدم الواسطة بين الفعل والقوة، وحينئذٍ لا بد من القول بحلول النفس الإنسانية في شيء من تلك الحيوانات وهو التناسخ المطلوب. / ولا يخفى أنه دليل كاسد على مذهب فاسد، ومن الناس من جعلها دليلاً على أن للحيوانات بأسرها نفوساً ناطقة كما لأفراد الإنسان، وإليه ذهب الصوفية وبعض الحكماء الإسلاميين. وأورد الشعراني في «الجواهر والدرر» لذلك أدلة غير ما ذكر، منها حديث : أنه صلى الله عليه وسلم لما هاجر وتعرض كل من الأنصار لزمام ناقته قال عليه الصلاة والسلام: "دعوها فإنها مأمورة"تفسير : ووجه الاستدلال بذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الناقة مأمورة ولا يعقل الأمر إلا من له نفس ناطقة، وإذا ثبت أن للناقة نفساً كذلك ثبت للغير إذ لا قائل بالفرق، ومنها ما يشاهد في النحل وصنعتها أقراص الشمع والعناكب واحتيالها لصيد الذباب والنمل وادخاره لقوته على وجه لا يفسد معه ما ادخره. وأورد بعضهم دليلاً لذلك أيضاً النملة التي كلمت سليمان عليه الصلاة والسلام بما قص الله تعالى لنا عنها مما لا يهتدي إلى ما فيه إلا العالمون؛ وخوف الشاة من ذئب لم تشاهد فعله قبل فإن ذلك لا يكون إلا عن استدلال وهو شأن ذوي النفوس الناطقة، وعدم افتراس الأسد المعلم مثلاً صاحبه فإن ذلك دليل على اعتقاد النفع ومعرفة الحسن وهو من شأن ذوي النفوس. وأغرب من هذا دعوى الصوفية ـ ونقله الشعراني عن شيخه عليّ الخواص قدس الله تعالى سره ـ أن الحيوانات مخاطبة مكلفة من عند الله تعالى من حيث لا يشعر المحجوبون ثم قال: ويؤيده قوله تعالى: { أية : وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } تفسير : [فاطر: 24] حيث نكر سبحانه وتعالى الأمة والنذير وهم من جملة الأمم. ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول: جميع ما في الأمم فينا حتى إن فيهم ابن عباس مثلي. وذكر في «الأجوبة المرضية» أن فيهم أنبياء. وفي «الجواهر» أنه يجوز أن يكون النذير من أنفسهم وأن يكون خارجاً عنهم من جنسهم. وحكى شيخه عن بعضهم أنه قال: إن تشبيه الله تعالى من ضل من عباده بالأنعام في قوله سبحانه وتعالى: { أية : إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَـٰمِ } تفسير : [الفرقان: 44] ليس لنقص فيها وإنما هو لبيان كمال مرتبتها في العلم بالله تعالى حتى حارت فيه فالتشبيه في الحقيقة واقع في الحيرة لا في المحار فيه فلا أشد حيرة من العلماء بالله تعالى فاعلى ما يصل إليه العلماء بربهم سبحانه وتعالى هو مبتدأ البهائم الذي لم تنتقل عنه أي عن أصله وإن كانت منتقلة في شؤونه بتنقل الشؤون الإلٰهية لأنها لا تثبت على حال. ولذلك كان من وصفهم الله عز وجل من هؤلاء القوم أضل سبيلاً من الأنعام لأنهم يريدون الخروج من الحيرة من طريق فكرهم ونظرهم ولا يمكن ذلك لهم والبهائم علمت ذلك ووقفت عنده ولم تطلب الخروج عنه وذلك لشدة علمها بالله تعالى اهـ. ونقل الشهاب عن ابن المنير أن من ذهب إلى أن البهائم والهوام مكلفة لها رسل من جنسها فهو من الملاحدة الذين لا يعول عليهم كالجاحظ وغيره، وعلى إكفار القائل بذلك نص كثير من الفقهاء والجزاء الذي يكون يوم القيامة للحيوانات عندهم ليس جزاء تكليف، على أن بعضهم ذهب إلى أن الحيوانات لا تحشر يوم القيامة وأول الظواهر الدالة على ذلك. وما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا أصل له. والمثلية في الآية لا تدل على شيء مما ذكر. وأغرب الغريب عند أهل الظاهر أن الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم جعلوا كل شيء في الوجود حياً دراكاً يفهم الخطاب ويتألم كما يتألم الحيوان وما يزيد الحيوان على الجماد إلا بالشهوة، ويستندون في ذلك إلى الشهود. وربما يستدلون بقوله سبحانه وتعالى: { أية : وَإِن مّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } تفسير : [الإسراء: 44] وبنحو ذلك من الآيات والأخبار. والذي ذهب إليه الأكثرون من العلماء أن التسبيح حالي لا قالي، ونظير ذلك: شعر : شكى إلى جملي طول السرى تفسير : و: شعر : امتلأ الحوض وقال قطني تفسير : وما يصدر عن بعض الجمادات من تسبيح قالي كتسبيح الحصى في كفه الشريف صلى الله عليه وسلم مثلاً إنما هو عن خلق إدراك إذ ذاك، وما يشاهد من الصنائع العجيبة لبعض الحيوانات ليس كما قال الشيخ الرئيس مما يصدر عن استنباط وقياس بل عن إلهام وتسخير، ولذلك لا تختلف ولا تتنوع، والنقض بالحركة الفلكية لا يرد بناءً على قواعدنا. وعدم افتراس الأسد المعلم مثلاً صاحبه ليس عن اعتقاد بل هناك هيئة أخرى نفسانية وهي أن كل حيوان يحب بالطبع ما يلذه والشخص الذي يطعمه محبوب عنده فيصير ذلك مانعاً عن افتراسه. وربما يقع هذا العارض عن إلهام إلهي مثل حب كل حيوان ولده. وعلى هذا الطرز يخرج الخوف مثلاً الذي يعتري بعض الحيوانات. وقد أطالوا الكلام في هذا المقام. وأنا لا أرى مانعاً من القول بأن للحيوانات نفوساً ناطقة وهي متفاوتة الإدراك حسب تفاوتها في أفراد الإنسان وهي مع ذلك كيفما كانت لا تصل في إدراكها وتصرفها إلى غاية يصلها الإنسان والشواهد على هذا كثيرة وليس في مقابلتها قطعي يجب تأويلها لأجله. وقد صرح غير واحد أنها عارفة بربها جل شأنه، وأما إن لها رسلاً من جنسها فلا أقول به ولا أفتي بكفر من قال به. وأما أن الجمادات حية مدركة فأمر وراء طور عقلي، والله تعالى على كل شيء قدير وهو العليم الخبير.
ابن عاشور
تفسير : معنى هذه الآية غامض بدءاً. ونهايتها أشدّ غموضاً، وموقعها في هذا السياق خفي المناسبة. فاعلَم أنّ معنى قوله: {وما من دابّة في الأرض} إلى قوله {إلاّ أمم أمثالكم} أنّ لها خصائص لكلّ جنس ونوع منها كما لأمم البشر خصائصها، أي جعل الله لكلّ نوع ما به قوامه وألهمه اتِّباع نظامه وأنّ لها حياة مؤجّلة لا محالة. فمعنى {أمثالكم} المماثلة في الحياة الحيوانية وفي اختصاصها بنظامها. وأمّا معنى قوله: {ثم إلى ربّهم يحشرون} أنّها صائرة إلى الموت. ويعضّده ما روي عن ابن عباس: حشر البهائم موتها، أي فالحشر مستعمل في مجاز قريب إلى حقيقته اللغوية التي في نحو قوله تعالى: {أية : وحشر لسليمان جنوده}تفسير : [النمل: 17]. فموقع هذه الآية عند بعض المفسّرين أنّها بمنزلة الدليل على مضمون قوله تعالى: {أية : قل إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون}تفسير : [الأنعام: 37]، فيجوز أن تكون معطوفة على جملة {أية : إنّ الله قادر على أن ينزّل آية}تفسير : [الأنعام: 37] على أنّها من جملة ما أمر النبي بأن يقوله لهم؛ ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: {أية : قُل إنّ الله قادر}تفسير : [الأنعام: 37] على أنّها من خطاب الله لهم. أي أنّ الذي خلق أنواع الأحياء كلِّها وجعلها كالأمم ذات خصائص جامعة لأفراد كلّ نوع منها فكان خلقها آية على عظيم قدرته لا يعجزه أن يأتي بآية حسب مقترحكم ولكنّكم لا تعلمون الحكمة في عدم إجابتكم لما سألتم. ويكون تعقيبه بقوله تعالى: {أية : والّذين كذّبوا بآياتنا صمّ وبُكْم}تفسير : [الأنعام: 39] الآية واضح المناسبة، أي لا يهتدون إلى ما في عوالم الدواب والطير من الدلائل على وحدانية الله. وأمّا قوله: {ثمّ إلى ربّهم يحشرون} فإن نظرنا إليه مستقلاً بنصّه غير ملتفتين إلى ما نيط به من آثار مروية في تفسيره؛ فأول ما يبدو للناظر أنّ ضميري {ربّهم} و{يحشرون} عائدان إلى {دابّة} و{طائر} باعتبار دلالتهما على جماعات الدّواب والطير لوقوعهما في حيّز حرف (مِنْ) المفيدة للعموم في سياق النفي، فيتساءل الناظر عن ذلك وهما ضميران موضوعان للعقلاء. وقد تأولوا لوقوع الضميرين على غير العقلاء بوجهين: أحدهما أنّه بناءٌ على التغليب إذ جاء بعده {إلاّ أمم أمثالكم}. الوجه الثاني أنّهما عائدان إلى {أمم أمثالكم}، أي أنّ الأمم كلّها محشورة إلى الله تعالى. وأحسن من ذلك تأويلاً أن يكون الضميران عائديْن إلى ما عادت إليه ضمائر الغيبة في هذه الآيات التي آخرها ضمير {وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه}، فيكون موقع جملة {ثم إلى ربّهم يحشرون} موقع الإدماج والاستطراد مجابهة للمشركين بأنَّهم محشورون إلى الله لا محالة وإن أنكروا ذلك. فإذا وقع الإلتفات إلى ما روي من الآثار المتعلّقة بالآية كان الأمر مُشكلاً. فقد روى مسلم عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لتُؤَدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتّى يقاد للشّاة الجلحاء (التي لا قرن لها، وفي رواية غيره: الجَماء) من الشاة القرناء»تفسير : . وروى أحمد بن حنبل وأبو داوود الطيالسي في «مسنديهما» عن أبي ذرّ قال: انتطحت شاتان أو عنزان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا، قلت: لا، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة. فهذا مقتض إثبات حشر الدوابّ ليوم الحساب، فكان معناه خفي الحكمة إذ من المحقّق انتفاء تكليف الدوابّ والطير تبعاً لانتفاء العقل عنها. وكان موقعها جلي المناسبة بما قاله الفخر نقلاً عن عبد الجبّار بأنّه لمّا قدّم الله أنّ الكفّار يُرجعون إليه ويحشرون بيّن بعده أنّ الدوابّ والطير أمم أمثالهم في أنّهم يحشرون. والمقصود بيان أنّ الحشر والبعث كما هو حاصل في الناس حاصل في البهائم. وهذا ظاهر قوله: {يحشرون} لأنّ غالب إطلاق الحشر في القرآن على الحشر للحساب، فيناسب أن تكون جملة: {وما من دابّة في الأرض} الآية عطفاً على جملة: {والموتى يبعثهم الله}، فإنّ المشركين ينكرون البعث ويجعلون إخبار الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ به من أسباب تهمته فيما جاء به، فلمّا توعّدهم الله بالآية السابقة بأنّهم إليه يرجعون زاد أن سجّل عليهم جهلهم فأخبرهم بما هو أعجب ممّا أنكروه، وهو إعلامهم بأنّ الحشر ليس يختصّ بالبشر بل يعمّ كلّ ما فيه حياة من الدّوابّ والطير. فالمقصود من هذا الخبر هو قوله: {ثم إلى ربّهم يحشرون}. وأمّا ما قبله فهو بمنزلة المقدمة له والاستدلال عليه، أي فالدّوابّ والطير تبعث مثل البشر وتحضر أفرادها كلّها يوم الحشر، وذلك يقتضي لا محالة أن يقتصّ لها، فقد تكون حكمة حشرها تابعة لإلقاء الأرض وما فيها وإعادة أجزاء الحيوان. وإذا كان المراد من هذين الحديثين ظاهرهما فإنّ هذا مظهر من مظاهر الحق يوم القيامة لإصلاح ما فرط في عالم الفناء من رواج الباطل وحكم القوة على العدالة، ويكون القصاص بتمكين المظلوم من الدوابّ من ردّ فعل ظالمه كيلا يستقرّ بالباطل. فهو من قبيل ترتّب المسبّبات على أسبابها شبيه بخطاب الوضع، وليس في ذلك ثواب ولا عقاب لانتفاء التكليف ثم تصير الدواب يومئذٍ تراباً، كما ورد في رواية عن أبي هريرة في قوله تعالى: {أية : ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً}تفسير : [النبأ: 40]. قال المازري في المُعَلِم: واضطرب العلماء في بعث البهائم. وأقوى ما تعلّق به من يقول ببعثها قوله تعالى: {وإذا الوحوش حشرت}. وقد قيل: إنّ هذا كلّه تمثيل للعدل. ونسبه المازري إلى بعض شيوخه قال: هو ضرب مَثل إعلاماً للخلق بأن لا يبقى حقّ عند أحد. والدابّة مشتقّة من دبّ إذا مشى على الأرض، وهي اسم لكلّ ما يدبّ على الأرض. وقوله: {في الأرض} صفة قصد منها إفادة التعميم والشمول بذكر اسم المكان الذي يحوي جميع الدوابّ وهو الأرض، وكذلك وصف {طائر} بقوله {يطير بجناحيه} قصد به الشمول والإحاطة، لأنّه وصف آيل إلى معنى التوكيد، لأنّ مفاد {يطير بجناحيه} أنَّه طائر، كأنَّه قيل: ولا طائر ولا طائر. والتوكيد هنا يؤكّد معنى الشمول الذي دلّت عليه (من) الزائدة في سياق النفي؛ فحصل من هذين الوصفين تقرير معنى الشمول الحاصل من نفي اسمي الجنسين. ونكتة التوكيد أنّ الخبر لغرابته عندهم وكونه مظنّة إنكارهم أنَّه حقيق بأن يؤكّد. ووقع في «المفتاح» في بحث إتباع المسند إليه بالبيان أنّ هذين الوصفين في هذه الآية للدلالة على أنّ القصد من اللفظين الجنس لا بعض الأفراد وهو غير ما في «الكشاف»، وكيف يتوهَّم أنّ المقصود بعض الأفراد ووجود (مِن) في النفي نصّ على نفي الجنس دون الوحدة. وبهذا تعلم أن ليس وصف {يطير بجناحيه} وارداً لرفع احتمال المجاز في {طائر} كما جنح إليه كثير من المفسِّرين وإن كان رفع احتمال المجاز من جملة نكت التوكيد اللفظي إلاّ أنّه غير مطّرد، ولأنّ اعتبار تأكيد العموم أولى، بخلاف نحو قولهم: نظرته بعيني وسمعته بأذني. وقول صخْر: شعر : شر واتّخذت من شَعَر صدارها تفسير : إذ من المعلوم أنّ الصّدار لا يكون إلاّ من شَعَر. و{أمم} جمع أمّة. والأمّة أصلها الجماعة من الناس المتماثلة في صفات ذاتية من نسب أو لغة أو عادة أو جنس أو نوع. قيل: سمّيت أمة لأنّ أفرادها تؤمّ أمَماً واحداً وهو ما يجمع مقوّماتها. وأحسب أنّ لفظ أمَّة خاصّ بالجماعة العظيمة من البشر، فلا يقال في اللغة أمّة الملائكة ولا أمّة السباع. فأمّا إطلاق الأمم على الدّوابّ والطير في هذه الآية فهو مجاز، أي مثل الأمم لأنّ كلّ نوع منها تجتمع أفراده في صفات متّحدة بينها أمماً واحدة، وهو ما يجمعها وأحسب أنّها خاصّة بالبشر. و{دابّة} و{طائر} في سياق النفي يُراد بهما جميع أفراد النوعين كما هو شأن الاستغراق، فالإخبار عنهما بلفظ {أمم} وهو جمع على تأويله بجماعاتها، أي إلاّ جماعاتها أمم، أو إلاّ أفراد أمم. وتشمل الأرض البحر لأنَّه من الأرض ولأنّ مخلوقاته يطلق عليها لفظ الدابَّة، كما ورد في حديث سرية سِيف البحر قول جابر بن عبد الله: فألقى لنا البحر دابّة يقال لها العنبر. والمماثلة في قوله: {أمثالكم} التشابه في فصول الحقائق والخاصّات التي تميّز كلّ نوع من غيره، وهي النظم الفطرية التي فطر الله عليها أنواع المخلوقات. فالدّواب والطير تُماثل الأناسي في أنّها خلقت على طبيعة تشترك فيها أفراد أنواعها وأنّها مخلوقة لله معطاة حياة مقدّرة مع تقدير أرزاقها وولادتها وشبابها وهرمها، ولها نظم لا تستطيع تبديلها. وليست المماثلة براجعة إلى جميع الصفات فإنّها لا تماثل الإنسان في التفكير والحضارة المكتسبة من الفكر الذي اختصّ به الإنسان. ولذلك لا يصحّ أن يكون لغير الإنسان نظام دولة ولا شرائع ولا رسل ترسل إليهن لانعدام عقل التكليف فيهنّ، وكذلك لا يصحّ أن توصف بمعرفة الله تعالى. وأما قوله تعالى: {أية : وإنْ من شيء إلاّ يُسبّح بحمده}تفسير : [الإسراء: 44] فذلك بلسان الحال في العجماوات حين نراها بَهِجَة عند حصول ما يلائمها فنراها مرحة فرحة. وإنّما ذلك بما ساق الله إليها من النعمة وهي لا تفقه أصلها ولكنّها تحسّ بأثرها فتبتهج، ولأنّ في كل نوع منها خصائص لها دلالة على عظيم قدرة الله وعلمه تختلف عن بقية الأنواع من جنسه والمقصد من هذا صرف الأفهام إلى الاعتبار بنظام الخلق الذي أودعه الله في كلّ نوع، والخطاب في قوله: {أمثالكم} موجّه إلى المشركين. وجملة: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} معترضة لبيان سعة علم الله تعالى وعظيم قدرته. فالكتاب هنا بمعنى المكتوب، وهو المكنّى عنه بالقلم المراد به ما سبق في علم الله وإرادته الجارية على، وفْقِه كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : كتب على نفسه الرحمة}تفسير : [الأنعام: 12]. وقيل الكتاب القرآن. وهذا بعيد إذ لا مناسبة بالغرض على هذا التفسير، فقد أورد كيف يشتمل القرآن على كلّ شيء. وقد بسط فخر الدين بيان ذلك لاختيار هذا القول وكذلك أبو إسحاق الشاطبي في «الموافقات». والتفريط: الترك والإهمال، وتقدّم بيانه آنفاً عند قوله تعالى: {أية : قالوا يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها}تفسير : [الأنعام: 31]. والشيء هو الموجود. والمراد به هنا أحوال المخلوقات كما يدلّ عليه السياق فشمل أحوال الدّواب والطير فإنّها معلومة لله تعالى مقدّرة عنده بما أودع فيها من حكمة خلقه تعالى. وقوله {ثم إلى ربِّهم يحشرون} تقدّم تفسيره آنفاً في أوّل تفسير هذه الآية. وفي الآية تنبيه للمسلمين على الرفق بالحيوان فإنّ الإخبار بأنّها أمم أمثالنا تنبيه على المشاركة في المخلوقية وصفات الحيوانية كلّها. وفي قوله: {ثم إلى ربِّهم يحشرون} إلقاء للحذر من الاعتداء عليها بما نهى الشرع عنه من تعذيبها وإذا كان يقتصّ لبعضها من بعض وهي غير مكلّفة، فالاقتصاص من الإنسان لها أولى بالعدل. وقد ثبت في الحديث الصحيح: أنّ الله شكر للذي سقى الكلب العطشان، وأنّ الله أدخل امرأة النار في هرّة حبستها فماتت جوعاً.
القطان
تفسير : الدابة: كل ما يدب على الأرض من الحيوان. الطائر كل ذي جناح الأمم: واحدها أُمة: وهي كل جماعة يجمعهم امر واحد، كزمان أو مكان، أو صفات أو مصالح التفريط: التقصير. الكتاب: اللوح المحفوظ يحشرون: يجمعون. بعد ان بين سبحانه وتعالى انه قادر على انزال الآيات اذا رأى من الحكمة والمصلحة انزالها - ذكرهنا ما هو كالدليل على ذلك، فأرشد الى عموم قدرته وشمول علمه وتدبيره في ما اوجد من مخلوقات على الأرض، أو في الفضاء. ان أقوي دليلٍ على قدرة الله وحكمته، أنه خلَق كل شيء، وليس من حيوان يدب في ظاهر الأرض وباطنها، او طائر يسبح في الهواء - الا خلقها الله جماعاتٍ تماثلكم أيها البشَر، وجعل لها خصائصها ومميزاتها ونظام حياتها. إنه لم يترك في الكتاب المحفوظ شيئاً إلا ذكره. وان كانوا قد كذّبوا، فسوف يُحشرون مع كل الامم للحساب يوم القيامة. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَاتِ...}. والذين لم يصدّقوا بآياتنا الواضحة الدالة على قدرتنا، لم ينتفعوا بحواسهم من معرفة الحق فتخبّطوا في ضلال الشرك والعناد تخبُّط الأصم والابكم في الظلمات الحالكة: ظلمة الوثنية، وظلمة الجاهلية، والكفر، والجحود. وهؤلاء لا نجاة لهم من الهلاك. ولو كان لديهم أي استعداد للخير لوفّقهم الله اليه. فانه سبحانه إذا أراد إضلال إنسان لفساد قصده، تركه وشأنه. وإذا أراد هدايته لسلامة قصده، يسّر له السير في طريق الايمان الواضح المستقيم. وهذه الآية الكريمة وامثالها ترشدنا الى البحث في طباع الأحياء لنزداد علماً بسنُن الله وأسراره في خلقه، ونزداد بآياته إيمانا، ونعتبر بحال من لم يستفيدوا مما فضلهم الله بِهِ على الحيوان، وهو بالعقل، ومما جاء به الرسول الكريم من هدى وارشاد، وهو القرآن.
د. أسعد حومد
تفسير : {طَائِرٍ} {ٱلكِتَابِ} (38) - بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْزِلَ الآيَاتِ إذَا رَأَى مِنَ الحِكْمَةِ وَالمَصْلَحَةِ إِنْزَالَها، ذَكَرَ مَا يُعَدُّ مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى تِلْكَ القُدْرَةِ فَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يُوْجَدُ نَوْعٌ مِنْ أنواع الأَحْيَاءِ، التِي تَدُبُّ عَلَى الأَرْضِ، وَلاَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الطُّيُورِ التِي تَطِيرُ فِي الهَوَاءِ، إِلاَّ وَهِيَ أُمَمٌ مُمَاثِلَةٌ لَكُمْ، أيُّهَا النَّاسُ، لَهَا نِظَامُهَا، وَخَصَائِصُها، وَطَرِيقَةُ حَيَاتِها، وَمَعَاشُها. وَجَميعُ المَخْلُوقَاتِ عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ، وَقَدْ أَثْبَتَهَا عِنْدَهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ، لاَ يَنْسَى وَاحِداً مِنْهَا مِنْ رِزْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ. وَجَميعُ الخَلاَئِقِ تُحْشَرُ إِلى رَبِّها يَوْمَ القِيَامَةِ. أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ - فِي خَلْقِنَا لَهَا وَتَدْبِيرِنا أُمُورَها. مَا فَرَّطْنا - مَا أَغْفَلْنَا وَمَا تَرَكْنَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنه سبحانه يوضح لنا: أنا أعطي الآيات التي أعلم أن الفطرة السليمة تستقبلها كآية وتؤمن بها. وأنزلت لكم القرآن لتؤمنوا بالرسول الذي يحمله منهجا يُصلح حياتكم. وقد جعلتكم سادة للكون؛ تخدمكم كل الكائنات، لأنكم بنو آدم. وكان الأجدر بكم أن تنتبهوا إلى أن الحيوان في خدمتكم، والنبات في خدمة الحيوان وخدمة الإنسان، وكل كائنات الوجود تصب جهدها المسخر لخدمتكم. فإذا كنتُ قد جئتُ للأجناس كلها وجعلتُها دونكم وأعطيتها ما يصلحها ويقيمها ووضعت لها نظاماً، وأعطيتها من الغرائز ما يكفي لصلاح أمرها حتى تؤدي مهمتها معكم على صورة تريحكم فإذا كان هذا هو شأننا وعملنا مع من يخدمكم فكيف يكون الحال معكم؟ إنني أنزلت المنهج الذي يصلح حياة من استخلفته سيداً في الأرض. {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]. وكل الدواب دون الإنسان أعطاها الإله الإيمان بالفطرة، وهداها إلى الرزق بالغريزة. وميز الإنسان فوق كل الكائنات بالعقل، ولكن الإنسان يستخدم عقله مرة استخداما سليما صحيحا فيصل إلى الإيمان، ويستخدمه مرة استخداما سيئا فيضل عن الإيمان. وكان على الإنسان أن يعلم أنه تعلم محاكاة ما دونه من الكائنات؛ فقابيل تعلم من الغراب كيف يواري سوأة أخيه. ومصمم الطائرات تعلم صناعة الطيران من دراسة الطيور. إذن كان يجب أن يتعلم الإنسان أن له خالقاً جعل له من الأجناس ما تخدمه ليطور من حياته ومن رعاية كرامته بعد الموت. والمثال ما قالته نملة لبقية النمل: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} تفسير : [النمل: 18]. إن النمل أمة لها حرس، قالت حارسة منهم هذا القول تحذيراً لبقية النمل. والله سبحانه يقول: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44]. إذن فكل أمة من تلك الأمم الكثيرة التي خلقها الله في الكون تسبح بحمده، ولكن لا يفهم أحد لغات تلك الأمم. وأعلمنا الله أنه علم سيدنا سليمان لغات كل الأقوام وكل الأمم المخلوقة لله، ولذلك عندما سمع سيدنا سليمان ما قالته النملة: تبسم {ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا}. وهكذا علمنا أن الله قد أعطى إذن سليمان عليه السلام ما جعلها تمتلك حاسية التقاط الذبذبة الصادرة من صوت النملة وتفهم ما تعطيه وتؤديه تلك الذبذبة، لذلك تبسم سليمان عليه السلام من قولها؛ لأن الله علمه منطق تلك الكائنات. ولو علمنا الله منطق هذه الكائنات لفقهنا تسبيحهم لله، ونحن لا نفقه تسبيحهم لأننا لم نتعلم لغتهم. ومثال ذلك - والله المثل الأعلى - قد يسافر إنسان عربي إلى بلاد تتحدث الإنجليزية وهو يجهل تلك اللغة، فلا يفهم مما يقال شيئاً. إذن لو علمك الله منطق الطير، ومنطق الجماد، ومنطق النبات؛ لعلمت لغاتهم. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} تفسير : [الأنبياء: 79]. إن الجماد - الجبال - تسبح مع داود. وكذلك الطير؛ فها هوذا الهدهد قد عرف قضية التوحيد، وحز في نفسه أنه رأى ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس من دون الله: {أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [النمل: 24]. إذن فالهدهد قد عرف قضية التوحيد، وعرف أن السجود إنما يكون لله سبحانه وتعالى: {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل: 25]. إذن كل الكائنات هي أمم أمثالنا. وقد يقول قائل: ولكن هناك كائنات ليست في السماء ولا في الأرض، مثل الأسماك التي في البحار؟ ونقول: إن الماء ثلاثة أرباع الأرض والسمك يسبح في جزء من الماء الذي هو جزء من الأرض. فهو يسبح في جزء من الأرض، فسبحانه الذي خلق الدواب في الأرض، وخلق الطيور، وخلق الأدنى من هذه الأمم وهداها إلى مصلحتها ومصدر حياتها: {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}. ونرى العلماء يحاولون الآن اكتشاف لغة الأسماك، واكتشاف كل أسرار مملكة النحل ونظامها، وكيف تصير أعشاش النمل مخازن في الصيف لقوت الشتاء. ودرسوا سلوك النمل مع حبة القمح، وكيف تخلع النملة خلايا الإنبات من بذرة القمح، لأن خلايا الإنبات إن دخلت مع حبة القمح إلى مخزن غذاء النمل قد تنبت وتدمر جحر النمل. وهكذا نرى صدق الحق الأعلى. {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 2-3]. وقرون الاستشعار في النملة تثير العلماء؛ لأن النملة الواحدة ترى على سبيل المثال قطعة السكر، فلا تقربها ولكنها تذهب لاستدعاء جيش من النمل قادر على تحريك قطعة السكر، ووجد العلماء أن وزن الشيء الذي يتغذى به النمل إن زاد على قدرة نملة، فهي تستدعي أعداداً من النمل ليؤدوا المهمة. وتساءل العلماء: من أين للنمل إذن هذه القدرة على تحديد الكتلة والحجم والوزن؟ إن تحديد العدد الذي يحمل حجماً محدداً يثير الغرابة والعجب، فكيف يمكن أن نتصور أن النمل يفرق بين شيئين يتحد حجمهما ويختلف وزنهما ككتلة من حديد وأخرى تماثلها في الحجم من الأسفنج؟ إن النمل يستدعي لكتلة الحديد أضعاف ما يستدعيه لحمل كتلة الأسفنج مع اتحادهما في الحجم؛ إنها من قدرة الحق الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى. ثم إنك تلتفت إلى الحيوان فتجد الذكر والأنثى، وتجد أن الجمال كله في ذكور الحيوان، بينما لا يكون الأمر كذلك في إناث الحيوان، والكثرة الغالبة هي من الإناث والقلة من الذكور، ولا يقرب الذكر أنثاه إلا في موسم معين، وإلى أن يأتي موسم التلقيح تنصرف الأنثى إلى إعداد العش وتهيئته لما عساه أن يوجد من نتاج، وهذه العملية لحكمة عالية ربما تكون لبقاء نوع الحيوان حتى يعين الإنسان في إعمار الأرض. وفي عالم الطير نجد الطيور تبني العش بفن جميل لاستقبال الفرخ الذي خرج من البيض وتفرش له العش بأنعم الأشياء، إنها تفعل ذلك بإتقان جيد وبصورة ربما يعجز البشر أن يعمل مثلها. ثم نجد في دنيا الحيوان والطير أن الكائن ما إن يبلغ القدرة على الاعتماد على نفسه فلا تعرف الأم ابنها من ابن غيرها. إذن فكل المخلوقات أمم أمثالنا أرزاقاً وآجالاً، وأعمالاً، فصدق الله إذ يقول: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ}. وقد يكون المراد من الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، ولكننا نقول: إنه القرآن، وكل شيء موجود ومذكور أو مطمور في القرآن الكريم. وذكر القرآن أن هذه الأمم تعرف التوحيد، وأنهم يسبحون لله. والعمل المعاصر يكتشف في كل دقيقة حقائق هذا الكون المنظم. ونجد العقل يهدينا إلى أن نوجد أشياء لصالح حياتنا، ولكن عندما نتبع الهوى فإننا نفسد هذا الكون. إن الله - سبحانه - جعل للخادم من دواب الأرض نطاقًا للعمل والرزق والأجل بحكم الغريزة، وكذلك جعل للطير، ولكل الكائنات: ويقول الحق سبحانه وتعالى في محكم آياته الكريمة: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]. إذن كل شيء يحشر يوم القيامة. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: "حديث : لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ". تفسير : أي أن الحق سبحانه يقتص من الشاة ذات القرون التي نطحت الشاة التي بلا قرون ويعوضها عن الألم الذي أصابها. وبعد أن يأخذ كل كائن من غير الإنس والجن حَقَّه يصير إلى تراب. أما الذين يسمعون ولا يستجيبون فهم المكذبون بالآيات، ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} معناه أَصْنَافٌ مُصَنفَةٌ تُعرفُ بأَسمَائِهَا. تفسير : وقوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ} معناه مَا ضَيَّعنَا. تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} معناهُ أجْنَاسٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الأمم من بعضها مثل النعم بقوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: 38]، إلى قوله: {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39]، الإشارة فيهما أن في قوله تعالى: وما من دابة في الأرض يشير إلى ما يدب في أرض البشرية، ويتحرك كالسمع والبصر واللسان والأعضاء كلها والنفس وصفاتها وطائر يطير بجناحيه الشريعة والطريقة إلا أمم أمثالكم في السؤال عن أفعالهم وأحوالهم يدل على قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 36]، {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ} [الأنعام: 38]؛ أي: تركنا في القرآن {مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، يحتاج به الإنسان ظاهره وباطنه ذاته وصفاته في السير إلى الله والوصول إليه من المأمورات والمنهيات والندب والاستحباب وجميع يقربه إليه، ويباعدون عنه إلا بيناه {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]، أما المقبلون المقبولون فهاهنا بالسر وجذبات العناية يرجعون إلى ربهم، وأما المدبرون المردودون فبالحشر يحشرون إلى ربهم السلاسل والأغلال يسحبون في النار على وجههم نار القطيعة والرد بالبعد؛ لأن من شأنهم التكذيب بما نزلنا من أسباب الوصول كما قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [الأنعام: 39]، بدلائلنا التي هي توصلهم إلينا {صُمٌّ} [الأنعام: 39]؛ إذ أن قلوبهم لا يسمعون بها دعوة الحق {وَبُكْمٌ} [الأنعام: 39]، ألسنة قلوبهم لا يستجيبون دعوة الحق؛ لأنهم لا يسمعونها وإنما يستجيب الذين يسمعون ومن خاصية الأصم أن يكون أبكم وذلك لأنهم {فِي ٱلظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 39]، هي ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة التي عند غلباتها على القلب يميت القلب من صفاته الروحاني والأخلاق الحميدة والمعنى في قوله تعالى: {صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} من موت القلب، كقوله تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأنعام: 122]، كمن مثله في الظلمات البشرية، وما أحييناه بنور المعرفة {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ} [الأنعام: 39]، إضلاله {يُضْلِلْهُ} [الأنعام: 39]، عن طلب الحق بموت القلب {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39]، في طلب الحق ويحيي قلبه بنور المعرفة. ثم أخبر أنه المولى في كشف البلوى بقوله تعالى: {قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} [الأنعام: 40]، إلى قوله: {مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 41]، الإشارة فيهما أن الله تعالى خص الإنسان بكرامة من بين سائر المخلوقات، وهي أنه تعالى بسط أرض البشرية على وجه بحر الروحانية ويتصرف {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحديد،29] فتح باباً من جناب القدس إلى روحه، ومن روحه إلى البشرية فمن بقي له البابان مفتوحين يرسل الله تعالى نور رحمته إليه فيهما كقوله تعالى: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [فاطر: 2]، فالعبد يكون قلبه نوراً بذلك النور، ويكون في جميع أحواله في السراء والضراء إلى الله تعالى، ومن يشهد له باب جناب القدس يحرم من نور الرحمة، ويبقى في ظلمة البشرية فيكون رجوعه في السراء إلى المخلوقات وينسى الخالق، وأما في الضراء عند الاضطرار، فلا بد يكون رجوعه إلى الحق تعالى، وينسى غيره لأن في روحانيته مركوزاً رجوعه إلى ربه كقوله تعالى: {أية : إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ}تفسير : [العلق: 8]، فقال تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المنسدة أبوابهم إلى جناب القدس ولا يرجعون إليه في السراء {أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} يعني: في الضراء {أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ} [الأنعام: 40]؛ يعني: لكشف الضر عند الاضطرار {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} [الأنعام: 40]، في الجواب {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: 41]؛ لأن في روحانيتكم مركوزا مفرقة خصوصيته أمن يجيب المضطر إذا دعاه فيكشف {مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} [الأنعام: 41]، في الأزل {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 41] فيخلصكم من حبس الاثنينية التي هي منشأ الشرك ويوصلكم إلى الوحدانية أن قدر في الأزل حتى تنسوا وتتركوا الإشراك. ثم أخبر عن البأساء والضراء بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} [الأنعام: 42]، إلى رب العالمين والإشارة فيهما أن أرسلنا لهم نعمة القيامة والكفاف من الرزق والرفاهية في العيش تشغلوا لها عنا وغفلوا عن الرجوع إلينا، فأمهلنا إليهم رسلنا بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة والدلائل الواضحة؛ فدعوا بها إلينا فلم يهتدوا بها {فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42]، منها يمتحنون إلينا ويرجعون عما كانوا عليه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: جميع الحيوانات، الأرضية والهوائية، من البهائم والوحوش والطيور،كلها أمم أمثالكم خلقناها. كما خلقناكم، ورزقناها كما رزقناكم، ونفذت فيها مشيئتنا وقدرتنا، كما كانت نافذة فيكم. { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } أي: ما أهملنا ولا أغفلنا، في اللوح المحفوظ شيئا من الأشياء، بل جميع الأشياء، صغيرها وكبيرها، مثبتة في اللوح المحفوظ، على ما هي عليه، فتقع جميع الحوادث طبق ما جرى به القلم. وفي هذه الآية، دليل على أن الكتاب الأول، قد حوى جميع الكائنات، وهذا أحد مراتب القضاء والقدر، فإنها أربع مراتب: علم الله الشامل لجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الموجودات، ومشيئته وقدرته النافذة العامة لكل شيء، وخلقه لجميع المخلوقات، حتى أفعال العباد. ويحتمل أن المراد بالكتاب، هذا القرآن، وأن المعنى كالمعنى في قوله تعالى {أية : وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } . تفسير : وقوله { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } أي: جميع الأمم تحشر وتجمع إلى الله في موقف القيامة، في ذلك الموقف العظيم الهائل، فيجازيهم بعدله وإحسانه،ويمضي عليهم حكمه الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، أهل السماء وأهل الأرض.
همام الصنعاني
تفسير : 786- حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَر، عَنْ جَعفَرش بن بَرْقَان، عن يزيد بن الأَصمِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ، في قوله تعالى: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}: [الآية: 38]، قال: يُحْشَرُ الخَلْقُ كُلّهم يومَ القيامةِ، البهائِمُ والدوابُ والطَّيْرُ وكل شيءٍ، فيبلغُ مِنْ عَدْلِ اللهِ يَوْمَئذٍ أن اللهَ يأخذ للجماء من القرناء، قال: ثم يقُولُ: كوني تراباً، قال: فلذلك يقول الكافر: {أية : يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}تفسير : : [النبأ: 40]. 787- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الأعمَش، ذكرُهُ عَنْ أبي ذَرٍّ، قال: بَيْنَمَا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ انْتَطَحَتْ عَنْزَانِ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتدرونَ فيما انتطحتَا؟" قالوا: لا ندري قال: "لكن الله يَدْرِي، وسيقضي بينهما ". تفسير : 792- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ}: [الآية: 38] قال: في الكتابِ الذي عِنْدَهُ. 801- حدَّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}: [الآية: 38]، يقول: الطير أُمَّةٌ، والإِنس أُمَّةٌ، والجن أُمَّةٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):