٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: في وجه النظم قولان: الأول: أنه تعالى بين من حال الكفار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كأن قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول الإيمان بقوله {أية : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [الأنعام: 36] فذكر هذه الآية تقريراً لذلك المعنى الثاني أنه تعالى لما ذكر في قوله {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } تفسير : [الأنعام: 38] في كونها دالة على كونها تحت تدبير مدبر قديم وتحت تقدير مقدر حكيم، وفي أن عناية الله محيطة بهم، ورحمته واصلة إليهم، قال بعده والمكذبون لهذه الدلائل والمنكرون لهذه العجائب صم لا يسمعون كلاماً ألبتة، بكم لا ينطقون بالحق، خائضون في ظلمات الكفر، غافلون عن تأمل هذه الدلائل. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال ليس إلا من الله تعالى. وتقريره أنه تعالى وصفهم بكونهم صماً وبكماً وبكونهم في الظلمات وهو إشارة إلى كونهم عمياً فهو بعينه نظير قوله في سورة البقرة {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } تفسير : [البقرة: 18]. ثم قال تعالى: {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وهو صريح في أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى. قالت المعتزلة: الجواب عن هذا من وجوه: الوجه الأول: قال الجبائي معناه أنه تعالى يجعلهم صماً وبكماً يوم القيامة عند الحشر. ويكونون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صماً وبكماً في الظلمات، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن طريقها ويصيرهم إلى النار، وأكد القاضي هذا القول بأنه تعالى بين في سائر الآيات أنه يحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم. والوجه الثاني: قال الجبائي أيضاً ويحتمل أنهم كذلك في الدنيا، فيكون توسعاً من حيث جعلوا بتكذيبهم بآيات الله تعالى في الظلمات لا يهتدون إلى منافع الدين، كالصم والبكم الذين لا يهتدون إلى منافع الدنيا. فشبههم من هذا الوجه بهم، وأجرى عليهم مثل صفاتهم على سبيل التشبيه. والوجه الثالث: قال الكعبي قوله {صُمٌّ وَبُكْمٌ } محمول على الشتم والإهانة، لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة. وأما قوله تعالى: {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ } فقال الكعبي: ليس هذا على سبيل المجاز لأنه تعالى وإن أجمل القول فيه هٰهنا، فقد فصله في سائر الآيات وهو قوله {أية : وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [إبراهيم: 27] وقوله {أية : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [البقرة: 26] وقوله {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد: 17] وقوله {أية : يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ } تفسير : [المائدة: 16] وقوله {أية : يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ } تفسير : [إبراهيم: 27] وقوله {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبلنا} تفسير : [العنكبوت: 69] فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال وإن كانت مجملة في هذه الآية، إلا أنها مخصصة مفصلة في سائر الآيات، فيجب حمل هذا المجمل على تلك المفصلات، ثم إن المعتزلة ذكروا تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل من وجوه: الأول: أن المراد من قوله {ٱلظُّلُمَـٰتِ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ } محمول على منع الألطاف فصاروا عندها كالصم والبكم. والثاني: {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ } يوم القيامة عن طريق الجنة وعن وجدان الثواب، ومن يشأ أن يهديه إلى الجنة يجعله على صراط مستقيم، وهو الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة. وقد ثبت بالدليل أنه تعالى لا يشاء هذا الاضلال إلا لمن يستحق عقوبة كما لا يشاء الهدى إلا للمؤمنين. وأعلم أن هذه الوجوه التي تكلفها هؤلاء الأقوام إنما يحسن المصير إليها لو ثبت في العقل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره. وأما لما ثبت بالدليل العقلي القاطع أنه لا يمكن حمل هذا الكلام إلا على ظاهره كان العدول إلى هذه الوجوه المتكلفة بعيداً جداً، وقد دللنا على أن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعي، وبينا أن خالق ذلك الداعي هو الله، وبينا أن عند حصوله يجب الفعل، فهذه المقدمات الثلاثة توجب القطع بأن الكفر والإيمان من الله، وبتخليقه وتقديره وتكوينه، ومتى ثبت بهذا البرهان القاطع صحة هذا الظاهر، كان الذهاب إلى هذه التكلفات فاسداً قطعاً، وأيضاً فقد تتبعنا هذه الوجوه بالابطال والنقض في تفسير قوله {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [البقرة: 7] وفي سائر الآيات، فلا حاجة إلى الإعادة، وأقربها أن هذا الاضلال والهداية معلقان بالمشيئة، وعلى ما قالوه: فهو أمر واجب على الله تعالى يجب عليه أن يفعله شاء أم أبى والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } اختلفوا في المراد بتلك الآيات، فمنهم من قال: القرآن ومحمد، ومنهم من قال: يتناول جميع الدلائل والحجج، وهذا هو الأصح. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ} ٱبتداء وخبر، أي عدِموا الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم؛ فكل أُمة من الدواب وغيرها تهتدي لمصالحها والكفار لا يهتدون؛ وقد تقدّم في «البقرة». {فِي ٱلظُّلُمَاتِ} أي ظلمات الكفر. وقال أبو علي: يجوز أن يكون المعنى «صم وبكم» في الآخرة؛ فيكون حقيقة دون مجاز اللغة. {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ} دلّ على أنه شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله؛ ألا ترى أنه قال: {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي على دين الإسلام لينفذ فيه فضله. وفيه إبطال لمذهب القَدَرية. والمشيئة راجعة إلى الذين كذبوا، فمنهم من يضله ومنهم من يهديه. قوله تعالىٰ: {قُلْ أَرَأَيْتَكُم} وقرأ نافع بتخفيف الهمزتين، يلقي حركة الأُولى على ما قبلها، ويأتي بالثانية بَيْن بَيْن. وحكى أبو عُبيد عنه أنه يسقط الهمزة ويعوض منها ألفاً. قال النحاس: وهذا عند أهل العربية غلط عليه؛ لأن الياء ساكنة والألف ساكنة ولا يجتمع ساكنان. قال مكيّ: وقد روي عن وَرْش أنه أبدل من الهمزة ألفاً؛ لأن الرواية عنه أنه يمدّ الثانية، والمد لا يتمكن إلاَّ مع البدل، والبدل فرع عن الأُصول، والأصل أن تجعل الهمزة بين الهمزة المفتوحة والألف؛ وعليه كل من خفّف الثانية غير وَرْش؛ وحسن جواز البدل في الهمزة وبعدها ساكن لأن الأوّل حرف مدّ ولِين، فالمدّ الذي يحدث مع الساكن يقوم مقام حركة يوصل بها إلى النطق بالساكن الثاني. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة {أَرَأَيْتَكُم} بتحقيق الهمزتين وأتوا بالكلمة على أصلها، والأصل الهمز؛ لأن همزة الاستفهام دخلت على «رأيت» فالهمزة عين الفعل، والياء ساكنة لاتصال المضمر المرفوع بها. وقرأ عيسى بن عمر والكسائي {أَرَأَيْتَكُم} بحذف الهمزة الثانية. قال النحاس: هذا بعيد في العربية، وإنما يجوز في الشعر؛ والعرب تقول: أرأيتك زيداً ما شأنه. ومذهب البصريين أن الكاف والميم للخطاب، لاحظ لهما في الإعراب؛ وهو اختيار الزجاج. ومذهب الكسائي والفراء وغيرهما أن الكاف والميم نصب بوقوع الرؤية عليهما، والمعنى أرأيتم أنفسكم؛ فإذا كانت للخطاب ـ زائدة للتأكيد ـ كان «إن» من قوله {إِنْ أَتَاكُمْ} في موضع نصب على المفعول لرأيت، وإذا كان ٱسماً في موضع نصب فـ «ـإن» في موضع المفعول الثاني؛ فالأوّل من رؤية العين لتعدّيها لمفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين. وقوله: {أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ} المعنى: أو أتتكم الساعة التي تبعثون فيها. ثم قال: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} والآية في محاجَّة المشركين ممن ٱعترف أن له صانعاً؛ أي أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله، وسترجعون إليه يوم القيامة أيضاً فلم تصرّون على الشرك في حال الرفاهية؟! وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب. قوله تعالىٰ: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} «بل» إضراب عن الأوّل وإيجاب للثاني. «إياه» نصب بـ «تدعون» {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} أي يكشف الضرّ الذي تدعون إلى كشفه إن شاء كشفه. {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} قيل: عند نزول العذاب. وقال الحسن: أي تعرضون عنه إعراض الناسِي، وذلك لليأس من النجاة من قِبله إذ لا ضرر فيه ولا نفع. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى وتتركون. قال النحاس: مثل قوله: { أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ } تفسير : [طه: 115].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا } القرآن {صُمٌّ } عن سماعها سماع قبول {وَبُكْمٌ } عن النطق بالحق {فِى ٱلظُّلُمَٰتِ } الكفر {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ } إضلاله {يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ } هدايته {يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرٰطٍ } طريق {مُّسْتَقِيمٍ } دين الإسلام.
ابن عطية
تفسير : كأنه قال وما من دابة ولا طائر ولا شيء إلا فيه آية منصوبة على وحدانية الله تعالى، ولكن الذين كذبوا صم وبكم لا يتلقون ذلك ولا يقبلونه، وظاهر الآية أنها تعم كل مكذب، وقال النقاش نزلت في بني عبد الدار. قال القاضي أبو محمد: ثم انسحبت على سواهم، ثم بيّن أن ذلك حكم من الله عز وجل بمشيئته في خلقه فقال مبتدئاً الكلام {من يشأ الله يضلله} شرط وجوابه، وقوله: {في الظلمات} ينوب عن "عمي"، وفي الظلمات أهول عبارة وأفصح وأوقع في النفس، والصراط الطريق الواضح. وقوله تعالى: {قل أرأيتكم} الآية، ابتداء احتجاج على الكفار الجاعلين لله شركاء، والمعنى أرأيتم إذا خفتم عذاب الله أو خفتم هلاكاً أو خفتم الساعة أتدعون أصنامكم وتلجؤون إليها في كشف ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها آلهة؟ بل تدعون الله الخالق الرزاق فيكشف ما خفتموه إن شاء وتنسون أصنامكم أي تتركونهم، فعبر عن الترك بأعظم وجوهه الذي هو مع الترك ذهول وإغفال، فكيف يجعل إلهاً من هذه حاله في الشدائد والأزمات؟ وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة "أرأيتكم" بألف مهموزة على الأصل، لأن الهمزة عين الفعل، وقرأ نافع بتخفيف الهمزة بين على عرف التخفيف وقياسه، وروي عنه أنه قرأها بألف ساكنة وحذف الهمزة، وهذا تخفيف على غير قياس، والكاف في أرأيتك زيداً و "أرأيتكم" ليست باسم وإنما هي مجردة للخطاب كما هي في ذلك، وأبصرك زيداً ونحوه، ويدل على ذلك أن رأيت بمعنى العلم، إنما تدخل على الابتداء والخبر، فالأول من مفعوليها هو الثاني بعينه، والكاف في أرأيتك زيداً ليست المفعول الثاني كقوله تعالى: {أية : أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ} تفسير : [الإسراء: 62] فإذا لم تكن اسماً صح أنها مجردة للخطاب وإذا تجردت للخطاب صح أن التاء ليست للخطاب كما هي في أنت لأن علامتي خطاب لا تجمعان على كلمة كما لا تجتمع علامتا تأنيث ولا علامتا استفهام فلما تجردت التاء من الخطاب وبقيت علامة الفاعل فقط استغني عن إظهار تغيير الجمع والتأنيث لظهور ذلك في الكاف وبقيت التاء على حد واحد في الإفراد والتثنية والجمع والتأنيث وروي عن بعض بني كلاب أنه قال: أتعلمك كان أحد أشعر من ذي الرمة، فهذه الكاف صلة في الخطاب، و {أتاكم عذاب الله} معناه أتاكم خوفه وأماراته وأوائله مثل الجدب والبأساء والأمراض ونحوها التي خاف منها الهلاك، ويدعو إلى هذا التأويل أنا لو قدرنا إتيان العذاب وحلوله لم يترتب أن يقول بعد ذلك {فيكشف ما تدعون} لأن ما قد صح حلوله ومضى على البشر لا يصح كشفه، ويحتمل أن يراد بـ {الساعة} في هذه الآية موت الإنسان، وقوله تعالى: {بل إياه تدعون} الآية، المعنى بل لا ملجأ لكم إلا لله، وأصنامكم مطرحة منسية، و {ما} بمعنى الذي تدعون إليه من أجله، ويصح أن تكون {ما} ظرفية، ويصح أن تكون مصدرية على حذف في الكلام، قال الزجّاج هو مثل {أية : وأسأل القرية} تفسير : [يوسف:82] والضمير في {إليه} يحتمل أن يعود إلى الله تعالى بتقدير فيكشف ما تدعون إليه، و {إن شاء} استثناء لأن المحنة إذا أظلت عليهم فدعوا إليهم في كشفها وصرفها فهو لا إله إلا هو كاشف إن شاء ومصيب إن شاء لا يجب عليه شيء، وتقدم معنى {تنسون} و {إياه} اسم مضمر أُجري مجرى المظهرات في أنه يضاف أبداً، وقيل هو مبهم وليس بالقوي لأن الأسماء المبهمة مضمنة الإشارة إلى حاضر نحو ذاك وتلك هؤلاء، و "إيا" ليس فيه معنى الإشارة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والذين كذبوا بآياتنا} يعني بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل: كذبوا بحجج الله وأدلته على توحيده {صم} يعني عن سماع الحق {وبكم} يعني عن النطق به والمعنى أنهم في حال كفرهم وتكذيبهم كمن لا يسمع ولا يتكلم، ولهذا شبه الكفار بالموتى لأن الميت لا يسمع ولا يتكلم {في الظلمات} يعني في ظلمات الكفر، حائرين مترددين فيها لا يهتدون سبيلاً {من يشأ الله يضلله} يعني عن الإيمان {ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} يعني ومن يشأ يجعله الله على دين الإسلام وفي هذا دليل على أن الهادي والمضل هو الله تعالى فمن أحب هدايته وفقه بفضله وإحسانه للإيمان به ومن أحب ضلالته تركه على كفره وهذا عدل منه لأنه تعالى هو الفاعل المختار لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. قوله تعالى: {قل أرأيتكم} يعني: قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين تركوا عبادة الله عز وجل وعبدوا غيره من الأصنام أخبروني تقول العرب أرأيتك بمعنى أخبرنا بحالك وأصله أرأيتم والكاف فيه للتأكيد: {إن أتاكم عذاب الله} يعني قبل الموت مثل ما نزل بالأمم الماضية الكافرة من: الغرق والخسف والمسخ والصواعق ونحو ذلك من العذاب {أو أتتكم الساعة} يعني القيامة {أغير الله تدعون} يعني في كشف العذاب عنكم {إن كنتم صادقين} يعني في دعواكم. ومعنى الآية أن الكفار كانوا إذا نزل بهم شدة وبلاء رجعوا إلى الله بالتضرع والدعاء وتركوا الأصنام فقيل لهم: أترجعون إلى الله في حال الشدة والبلاء ولا تعبدونه ولا تطيعونه في حال اليسر والرخاء؟ {بل إياه تدعون} يعني بل تدعون الله، ولا تدعون غيره في كشف ما نزل بكم {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} يعني فيكشف الضر الذي من أجله دعوتموه وإنما قيد الإجابة بالمشيئة رعاية للمصلحة وإن كانت الأمور كلها بمشيئة الله تعالى: {وتنسون ما تشركون} يعني: وتتركون دعاء الأصنام التي تعبدونها فلا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع وقيل معناه أنكم في ترككم دعاء الأصنام بمنزلة من قد نسيها؛ وهذا معنى قول الحسن لأنه قال وتعرضون عنها إعراض الناس لها. قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} في الآية محذوف والتقدير ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك يا محمد رسلاً فخالفوهم وكفروا وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً عند السامع {فأخذناهم بالبأساء} يعني بالفقر الشديد وأصله من البؤس وهو الشدة والمكروه وقيل: البأساء، شدة الجوع {والضراء} يعني الأمراض والأوجاع والزمانة {لعلهم يتضرعون} يعني يخضعون ويتوبون والتضرع التخشع والتذلل والانقياد وترك التمرد وأصله من الضراعة وهي الذلة. ومقصود الآية، أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قد أرسل من قبله رسلاً إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالبأساء والضراء وهي الشدة في النفس والمال فلم يخضعوا ولم يتضرعوا ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {فلولا} يعني فهلا {إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} معناه نفي التضرع فلم يتضرعوا {ولكن قست قلوبهم} يعني ولكن غلظت قلوبهم فلم تضرع ولم تخشع بل أقاموا على كفرهم وتكذيبهم رسلهم {وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} يعني من الكفر والتكذيب وتزيين الشيطان إغواؤه بما في المعصية من اللذة. قال ابن عباس: يريد زين الشيطان الضلالة التي كانوا عليها فأصروا على معاصي الله عز وجل.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ...} الآية كأنه قال: وما من دَابَّةٍ، ولا طائر، ولا شَيْءٍ، إلاَّ وفيه آية منصوبة دالة على وَحْدَانِيَّةِ اللَّه ـــ تعالى ـــ ولكن الذين كَذَّبُوا بآياتنا صُمّ وبكم لا يتلقون ذلك، ولا يَقْبَلُونَهُ، وظاهر الآية أنها تعمُّ كل مُكَذِّبٍ. وقال النقاش: نزلت في بني عَبْدِ الدَّارِ. قال * ع *: ثم تَنْسَحِبُ على سواهم. وقوله: {فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ} يَنُوبُ عن عمي، وفي الظلمات أَهْوَل عبارة، وأفصح، وأوقع في النَّفْسِ. قال أبو حَيَّانَ: {فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ} خبر مبتدإ مَحْذُوفٍ، أي: هم في الظلمات، أو صفة لـــ {بِكُمْ}؛ أي: كائنون في الظلمات، أو حال من الضمير المقدر في الخبر، أي: ضالون في الظلمات. انتهى. وقوله سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتَكُم} ابتداء احْتِجَاجٍ على الكفار الجاعلين للَّه شركاء، والمعنى: أرأيتم إذا خِفْتُمْ عَذَابَ اللَّه، أو خفتم هَلاَكاً، أو خفتم السَّاعَةَ، أتدعون أَصْنَامَكُمْ وتَلْجَئُون إليها في كَشْفِ ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها آلهة، بل إنما تدعون اللَّه الخَالِقَ الرازق، فيكشف ما خِفْتُمُوه، إن شاء، وتنسون أصنامكم، أي: تتركونهم، فعبر عن التَّرْكِ بأعظم وجوهه الذي هو مَعَ التَّرْكِ ذهول، وإغفال، فكيف يجعل إلهاً من هذه حَالُهُ في الشدائد والأَزَمَاتِ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} مبتدأ، وما بعده الخبر. ويجوز أن يكون "صمُّ" خبر مبتدأ محذوف، والجملة خَبَرُ الأوَّل، والتقدير: والذين كذَّبوا بعضهم صُمٌّ، وبعضهم بُكْمٌ. وقال أبو البقاء: "صُمٌّ وبُكْمٌ" الخبر مثل: "حُلْوٌ حَامِضٌ"، والواو لا تمنع من ذلك". وهذا الذي قاله لا يجوز من وجهين: أحدهما: أن ذلك إنما يكون إذا كان الخبرانِ في معنى خبر واحد، لأنهما في معنى: "مُزّ"، وهو "أعْسَرُ يَسَرٌ" بمعنى "أضْبَط"، وأمَّا هذان الخبرانِ فكل منهما مستقلٌّ بالفائدة. والثاني: أن "الواو" لا تجوز في مثل هذا إلا عند أبي عَلِيَّ الفارسي وهو وجه ضعيف. والمراد بالآيات، قيل: جميع الدَّلائل والحججِ. وقيل: القرآن ومحمد عليه السلام. قوله: "في الظلمات" فيه أوجه: أحدها: أن يكون خبراً ثانياً لقوله: "والذين كَذَّبُوا" ويكون ذلك عبارة عن العَمَى ويصير نظير الآية الأخرى: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} تفسير : [البقرة:18] فَعَبَّر عن العَمَى بلازمه، والمراد بذلك عَمَى البَصِيَرَةِ. الثاني: أنه متعلِّق بمحذوف على أنه حالٌ من الضمير المُسْتَكِنّ في الخبر، تقديره: ضالون حَالَ كونهم مُسْتقرِّين في الظلمات. الثالث: أنه صَفَةٌ لـ "بكم"، فيتعلَّق أيضاً بمحذوف، أي: بكم كائنون في الظلمات. الرابع: أن يكون ظَرْفاً على حقيقته، وهو ظَرْفٌ لـ "صم"، أو لـ "بكم". قال أبو البقاء: أو لما ينوب عنهما من الفِعْلِ، أي: لأن الصفتين في قوة التصريح بالفعل. فصل في بيان نظم الآية في وجه النَّظْم قولان: الأول: أنه - تعالى - لما بيَّن من حال الكُفَّار أنهم بلغوا في الكُفْرِ إلى حيث كانت قلوبهم قد صارت مَيِّتَةً عن قَبُولِ الإيمان بقوله: {أية : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام:36] فذكر هذه الآية تقريراً ذلك المعنى. الثاني: أنه - تعالى - لمَّا ذكر في قوله: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} تفسير : [الأنعام:38] في كونها دالَّة على كونها تحت تدبير مُدَبِّرٍ قديمٍ, وتحت تقدير مٌقدِّرٍ حكيم، وفي أنّ عناية الله مُحيطة بهم, ورحمته واصِلَةٌ إليهم- قال بعده: والمُكَذِّبُونَ بهذه الدَّلائل والمنكرون لهذه العجائبِ صُمُّ لا يسمعون كلاماً، بُكْمٌ لا ينطقون بالحق، خَائِضونَ في ظلمات الكُفْرِ، غافلون عن تَأمُّلِ هذه الدلائل. قوله: {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ} في "مَنْ" وجهان: أحدهما: أنها مبتدأ، وخبرها ما بعدها، وقد عُرِفَ غير مَرَّةٍ. ومفعول "يشأ" محذوف، أي: من يشأ الله إضلاله. والثاني: أنه مَنْصُوبٌ بفعل مُضْمَرٍ يفسِّرُهُ ما بعده من حيث المعنى، ويقدِّر ذلك الفعل متأخّراً عن اسم الشَّرْطِ لئلا يلزم خروجه عن الصَّدرِ. وقد تقدَّمَ التَّنْبِيهُ على ذلك، وأن فيه خلافاً، والتقدير: من يُشْقِ اللَّهُ يَشَأ إضلاله، ومن يُسْعِدْ يَشَأ هدايتَهُ. فإن قيل: هل يجوز أن تكون "من" مفعولاً مُقدِّماً لـ "يشاء"؟ فالجواب: أن ذلك لا يجوز لفساد المعنى. فإن قيل: أقدّر مضافاً هو المفعول حُذف وأقيمت "من" مقامه, تقديره: إضلال من يشاء, وهداية من يشاء, ودلَّ على هذا المضاف جوابُ الشرط. فالجواب أن الأخْفَشَ حكى عن العربِ أنَّ اسم الشَّرْطِ غير الظرف، والمضاف إلى اسم الشرط لا بد أن يكون في الجَزَاءِ ضَمِيرٌ يعود عليه، أو على أضيف إليهن فالضَّمير في "يضلله" و "يجعله": إمّا أن يعود على المُضافِ المحذوف، ويكون كقوله: {أية : أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ} تفسير : [النور:40]. فالهاء في "يغشاه" تعود على المُضاف، أي: كَذي ظلمات يَغْشَاهُ. وإمَّا أن يعود على اسم الشرط [والأول ممتنع؛ إذ يصير التقدير: إضلالُ من يشأ الله يضلله، أي: يضلّ الإضلال، وهو فاسد. والثاني أيضاً مُمْتَنِعٌ لخلو الجواب من ضَمِيرٍ يعود على المضاف إلى اسم الشرط]. فإن قيل: يجوز أن يكون المعنى: من يشأ الله بالإضلالِ، وتكون "من" مفعولاً مقدّماً؛ لأن "شاء" بمعنى "أراد"، و"أراد" يتعدَّى بالباء. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2157- أرَادَتْ عَرَارًا بالهَوَانِ ومَنْ يُرِدْ عَرَاراً لَعَمْرِي بالهَوَانِ فَقَدْ ظَلَمْ تفسير : قيل: لا يلزم من كَوْنِ "شاء" بمعنى "أراد" أن يتعدَّى تعديته، ولذلك نَجِدُ اللفظ الواحدَ تختلف تعديتُهُ باختلاف متعلّقة، تقول: دخلت الدَّارَ، ودخلت في الأمْرِ، ولا تقول: دخلت الأمر، فإذا كان في اللَّفظِ الواحد فَمَا بَالُكَ بلفظين؟ ولم يُحْفَظْ عن العَربِ تعديَةُ "شاء" بالباء، وإن كانت في معنى أراد. فصل في أنّ الهداية والضلال من الله تعالى احتج أهْلُ السُّنَّةِ بهذه الآية على أن الهُدَى والضلال ليسا إلاَّ من الله - تعالى - لتصريح الآية بذلك. وأجاب المعتزلة عن ذلك بوجوه: الأول: قال الجُبَّائي: معناه أنّه - تعالى - يجعلهم صُمَّاً وبُكماً وعُمْياً يوم القيامة عند الحَشْرِ، ويكنون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صُمَّا وبُكماً في الظلمات ويضلهم بذلك عن الجَنَّةِ، وعن طريقها، ويصيرهم إلى النار، وأكَّد القاضي هذا بأنه - تعالى - بيَّن في باقي الآيات أنه يحشرهم على وجوهم عُمْياً وبُكْماً وصُمّاً مَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ. الثاني: قال الجُبائي أيضاً: ويحتمل أنهم يكونون كذلك في الدنيا، فيكون توسّعاً من حيث أنهم جعلوا بتكذيبهم بآيات الله في الظلمات لا يهتدون إلى منافعِ الدنيا فَشَبَّهَهُمْ من هذا الوجه بهم وأجرى بهم وأجرى عليهم مثل صِفَاتِهِمْ على سبيل التَّشْبِيهِ. الثالث: قال الكَعْبِيُّ: قوله "صُمُّ وبُكْمٌ" قائم على الشَّتْمِ والإهانة، لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة. أمَّا قوله: { مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ} فقال الكعبي: ليس هذا على سبيل المجاز لأنه - تعالى - وإن أجْمَلَ القول فيه هَا هُنَا فَقَدْ فَسَّرَهُ في سائر الآيات، وهو قوله: {أية : وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [إبراهيم:27] وقوله: {أية : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [البقرة:26]. وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى}تفسير : [محمد:17]، وقوله تعالى: {أية : يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} تفسير : [المائدة:16]. وقوله: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} تفسير : [إبراهيم:27] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت:69]. فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال، وإن كانت مُجْمَلَةً في هذه الآية، إلاَّ أنها [مخصصة] مفصلة في سائر الآيات، فيحمل هذا المُجْمَلُ على تلك المُفصَّلاتِ. ثم إن المعتزلة ذكروا في تأويل هذه الآية وُجُوهاً: أحدهما: قوله: {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ} [الآية:39] مَحْمَوُلٌ على مَنْعِ الألْطَافِ، فصاروا عندها كالصُّمِّ والبُكم. وثانيها: يضلله يوم القيامة عن طريق الجنة، وعن وجدانِ الثوابِ؛ لأنه ثبت بالدليل أنه - تعالى - لا يشاء هذا الإضلال إلاَّ لمن يستحقه عقوبة، كما لم يشأ الهُدَى إلاَّ للمؤمنين. واعلم أن هذه الوجوه التي تكَلَّفَهَا المعتزلة إنما تَحْسُنُ لَوْ ثَبَتَ في العقل أنه لا يمكن إجْرَاءُ هذا الكلام على ظاهرة، وقد دللنا على أنَّ هذا الفعل لا يحصل إلاَّ عند حُصُول الداعي، وبيَّنَّا أنِّ خالق ذلك الداعي هو الله تعالى، وبيَّنَّا أن عند حصوله يجبُ الفعلُ في هذه المقدِّمَاتِ الثلاث، فوجب القَطْعُ بأن الكفر والإيمان من الله تعالى، وبتخليقه وتقديره وتكوينه، وقد تقدَّم إبطالُ هذه الوجوه عند قوله: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} تفسير : [البقرة:7] وغيرها من الآيات، فلا حاجةَ إلى الإعادةِ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم} قال: هذا مثل الكافر أصم أبكم لا يبصر هدى ولا ينتفع به، صم عن الحق في الظلمات لا يستطيع منها خروجاً متسكع فيها . أخرج أبو الشيخ عن أبي يوسف المدني قال: كل مشيئة في القرآن إلى ابن آدم منسوخة، نسختها {من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} . وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {فأخذناهم بالبأساء والضراء} قال: خوف السلطان، وغلا السعر، والله أعلم .
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} [الآية: 39]. قال بعضهم: لم يصدقوا إظهار كرامتنا على المقربين من عبادنا، عموا وصموا عن أنوار الملاحظات، وبقوا مع ظلمات النفوس وهواجس الهياكل. قوله تعالى: {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. قال من يرد الله به الخير يجره إلى حسن اختياره له فيبقى على أسلم الطريق، وهو الرضا بمجارى القدرة وهو الصراط المستقيم. ومن يرد به الشر تركه فى سوء تدبيره فيبقى فى ضلاله.
القشيري
تفسير : الذين فاتتهم العناية الأزلية سَدَّ الحرمانُ أسماعَهم، وغَشَّى الخِذلان أبصارَهم. والإرادة لا تُعارَض، والمشيئةُ لا تَزَاحَم، والحقُّ - سبحانه - في جميع الأحوالِ غالبٌ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} وصف سبحانه اهل الامتحان الذى يهتف الذى يهتف هواتف الالهام بالخطاب لقلوبهم من الغيب فيستقبلونها بمعارضة نفوسهم ويكذبون خواطر الحق بخاطر الباطل حين لم يعرفوا الالهام من الوسواس وذلك من وقر الضلالة فى اذانهم حيث لم يلقوا سماعهم فى مقام الشهود الى الله ولم يذكر اسم الله السنة اسرارهم بوصف الهيبة والمحبة وذلك من بقايا نفوسهم فى ظلمات هواها ومعناه اى من كذب خواطر الحق الواردة من عندنا حين الهمناه بخالص الايمان بكرامات اوليائه ومعجزات انبيائنا تعطى اذان اسراره وابصار بصائر بغشاوة الضلالة حتى لا يسمع كلامنا من الغيب ولا يرانا الملكوت ويبقيه فى ظلمات نفسه الامارة وشيطانه الكافر ولا يقدران يتلكم بذكرنا ومعرفتنا قيل لم تصدقوا اظهار كراماتنا على المقربين من عبادنا عموا وصموا عن انوار الملاحزات وبقوامع ظلمات النفوس وهو اسج الهياكل قوله تعالى {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} المشية يقع على المقبولين والمطرودين على الابعاد والقبول والرضا والسخط بما جرى عليهم ى الازل من السعادة والشقاوة فمن لم يكن صادقا فى بدو ارادته ولم ينقص عقد بدايته بمتابعة نفسه والفترة عن طاعة ربه يهديه الحق بنفسه الى نفسه ويجعله مستقيما فى طريق معرفته وطاعته والطرث المستقيم طرق افعاله العقول بنعت الفكرة وطرق صفاته للقلوب بنعت المحبة وطرق ذاته للارواح بنعت المعرفة قيل من يرد الله به الشر تركه فى سؤ تدبيره ليبقى فى ضلالته ومن يرد الله به الخير يجره الى حسن اختياره فيبقى على اسلم الطرق وهو الرضا بمجارى القدرة وهو الصراط المستقيم.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين كذبوا بآياتنا} اى القرآن {صم} لا يسمعونها سمع تدبر وفهم فلذلك يسمعونها اساطير الاولين ولا يعدونها من الآيات ويقترحون غيرها. وهو جمع اصم والمقصود تشبيه حالهم بحال الاصم لكن حذف حرف التشبيه للمبالغة {وبكم} لا يقدرون على ان ينطقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون دعوتك. وهو جمع ابكم {فى الظلمات} اى ظلمات الكفر خبر ثالث للمبتدأ {من يشأ الله} اضلاله اى ان يخلق فيه الضلال {يضلله} اى يخلقه فيه لكن لا ابتداء بطريق الجبر من غير ان يكون له دخل ما فى ذلك بل عند صرف اختياره الى كسبه وتحصيله {ومن يشأ} هدايته {يجعله على صراط مستقيم} لا يضل من ذهب اليه ولا يزل من ثبت قدمه عليه وفى الآيات امور. الاول ان غير الانسان من الامم ايضا وفى الحديث "حديث : لولا ان الكلاب امة لامرت بقتلها فاقتلوا منها كل اسود بهيم ". تفسير : وذلك لان الكلب الاسود شيطان لكونه اعقر الكلاب واخبثها واقلها نفعا واكثرها نعاسا ومن هذا. قال احمد بن حنبل لا يخل الصيد به والاشارة ان ما يدب فى ارض البشرية ويتحرك كالسمع والبصر واللسان والاعضاء كلها والنفس وصفاتها وكذا ما يطير بجانحى الشريعة والطريقة كالقلب والروح وصفاتها امم امثالكم فى السؤال عن افعالهم واحوالهم يدل عليه قوله تعالى {أية : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا} تفسير : [الإِسراء: 36]. والثانى ان الحشر عام كما قال ابو هريرة رضى الله عنه يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شئ فيأخذ للجماء من القرناء كما فى الحديث "حديث : لتؤدن الحقوق الى اهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ". تفسير : اى يقتص للشاة التى لا قرن لها من التى لها قرن. قال ابن ملك وفيه دلالة على حشر الوحوش كما قال تعالى {أية : وإذا الوحوش حُشرت} تفسير : [التكوير: 5]. لكن القصاص فيها قصاص مقابلة لا قصاص تكليف انتهى. ثم يقال للبهائم والوحوش والطيور كونى ترابا فتكون ترابا مثل تراب ارض ذلك العالم وعند ذلك يتمنى الكافر ويقول {أية : يا ليتنى كنت ترابا} تفسير : [النبأ: 40]. قال الحدادى والمراد بهذا الافناء للبهائم بعد ان احياها انه افناء لا يكون فيه الم. والثالث ان الذين ختم الله على قلوبهم فهم كالاصم والابكم الاصليين ومن خاصة الابكم ان يكون اصم: كما قال فى المثنوى شعر : دائما هر كر اصلى كنك بود ناطق آنكس شدكه زماد رشود جون سليمان سوى مرغان سبا يك صفيرى كردبست آن جمله را جزمكر مرغى كه بدبى جان وبر يا جوما هى كنك بوداز اصل كر تى غلظ كفتم كه كركر سرنهد بيش وحى كبريا سمعش دهد تفسير : فقلوب الخلق بيد الله تعالى يصرفها كيف يشاء ـ حديث : روى ـ ان كفار مكة اجتمعوا على قتل النبى عليه السلام فبينما هم كذلك اذ دخل عليهم ابليس فقال لماذا اجتمعتم فاخبروه بالقصة فقال لابى جهل يا ابا الحكم لو انك حملت صنمك وآلهك الذى تعبده ووضعته بين يدى محمد وسجدت له ربما يسمع محمد منه شيئاً وكان صنمه مرصعا بالجوهر والياقوت فحمل ابو جهل صنمه ووضعه بين يدى النبى عليه السلام وسجد له. وقال الهى نعبدك ونتقرب اليك هذا محمد شتمنا بسببك ونطمع منك ان تنصرنا وتشتم محمدا فاخذه الصنم يتحرك ويتكلم ويشتم فدخل فى قلب النبى عليه السلام ورجع الى بيت خديجة فلم يلبث ان دق الباب فاذا شاب دخل وبيده سيف فسلم وقال مرنى يا رسول الله حتى امتثل امرك فقال عليه السلام "من انت" قال انا من الجن قال "كم تبلغ قوتك" قال اقدر ان اقلع جبلى حراء وابى قبيس وارميهما فى البحر قال "من اين اقبلت الساعة" قال كنت فى جزيرة البحر السابع اذ اتانى جبرائيل فقال ادرك فلانا الشيطان دخل فى الصنم وشتم النبى عليه السلام فاقتله بهذا السيف فادركته فى الارض الرابعة فقتلته فقال له عليه السلام "ارجع فانى استعين بربى من عدوى" وقال الشاب لى اليك حاجه هى ان ترجع الى مكان كنت فيه امس فانهم يستخبرون ذلك الصنم ثانيا فرجع فى الغد ومعه ابو بكر الصديق فجاء ابو جهل مع صنمه ففعل كما فعل بالامس فاخذ الصنم يتحرك ويقول لا الله الا الله محمد رسول الله وانا صنم لا انفع ولا اضر ويل لمن عبدنى من دون الله فلما سمعوا ذلك قام ابو جهل وكسر صنمه وقال ان محمدا سحر الاصنام تفسير : فظهر ان الله تعالى يقول الحق من ألسنة المظاهر ولكن لا يسمع المنافق والكافر.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {والذين كذبوا بآياتنا} الدالة على كمال قدرتنا وتحقيق وحدانيتنا، أو بآياتنا المنزلة على رسولنا، هم {صمٌّ} لا يسمعون مثل هذه الآيات ـ الدالة على ربوبيته وكمال علمه وعظيم قدرته ـ سماعًا تتأثر به نفوسهم، {و} هم أيضًا {بُكم} لا ينطقون بالحق، وهم {في الظلمات} أي: خائضون في بحر ظلمات الكفر والجهل، وظلمة العناد، وظلمة التقليد، فوصفهم بالصمم والبَكَم والعَمى، ويؤخذ العمى من قوله: {في الظلمات}، وهذا كله داخل تحت مشيئته وعلمه السابق؛ {من يشأ الله يُضلله} عدلاً، {ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم}؛ بأن يرشده إلى الهدى ويحمله عليه، فيتبع الطريق الذي لا عوج فيه. الإشارة: أولياء الله في أرضه آية من آيات الله، فمن كذب بهم بقي في ظلمة الجهل بالله وظلمة حجاب النفس وحجاب الأكوان، محجوبًا بمحيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، قلبه أصم عن تَذَكُّرِ الحقائق، ولسانه أبكم عن النطق بحكم العلم والأسرار، لم تسبق له في مشيئة الحق عناية، ولا هَبَّ عليه شيءٌ من رياح الهداية، عائذًا بالله من سوء القضاء ودرك الشقاء. ثم أقام لهم البرهان على توحيده، فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ}.
الطوسي
تفسير : الوقف التام عند قوله {في الظلمات}. وقوله {صم وبكم في الظلمات} يحتمل امرين: احدهما - ان يراد ان هؤلاء الكفار الذين كذبوا بآيات الله صم وبكم في الظلمات في الآخرة على الحقيقة عقوبة لهم على كفرهم، لانه ذكرهم عند ذكر الحشر. والثاني - ان يكون عنى انهم صم وبكم في الظلمات في الدنيا، فمتى أريد الاول كان ذلك حقيقة، لانه تعالى لا يمتنع ان يجعلهم صما بكما في الظلمات، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن الصراط الذي يسلكه المؤمنون اليها ويصيرهم الى النار. وان أريد به الوجه الثاني، فانه يكون مجازا وتوسعا. وانما شبههم بالصم والبكم الذين في الظمات، لان المكذبين بآيات الله لا يهتدون الى شىء مما ناله المؤمنون من منافع الدين ولا يصلون الى ذلك، كما أن الصم البكم الذين في الظلمات لا يهتدون الى شىء من منافع الدنيا ولا يصلون اليها، فتشبيههم من هذا الوجه بالصم البكم. وقال البلخي {صم وبكم في الظلمات} معناه في الجهل والشرك والكفر. وقوله {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} لا يجوز ان يكون على عمومه، لانا قد علمنا ان الله تعالى لا يشاء ان يضل الانبياء والمؤمنين ولا يهدي الكافرين، لكن قد بين تعالى في موضع آخر من الذي يشاء ان يضله، فقال {أية : وما يضل به إلا الفاسقين}تفسير : وقال {أية : ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}تفسير : وقال {أية : والذين اهتدوا زادهم هدى}تفسير : وقال: {أية : يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام}تفسير : وقال{أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.تفسير : وقوله {ومن يشأ الله يضلله} ها هنا يحتمل امرين: احدهما - {ومن يشأ الله يضلله} أي من يشأ يخذله بأن يمنعه ألطافه وفوائده، وذلك اذا واتر عليه الادلة وأوضح له البراهين فأعرض عنها ولم يمعن النظر فيها، فصار كالاصم الاعمى، فحينئذ يشاء أن يضله بان يخذله. والثاني - من يشأ الله اضلاله عن طريق الجنة، ونيل ثوابها يضلله على وجه العقوبة {ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} ومعناه من يشأ ان يرحمه ويهديه الى الجنة ونيل الثواب يجعله على الصراط الذي يسلكه المؤمنون الى الجنة، ويعدل الكافرين عنه الى النار ولا يلحق الاضلال الا الكفار والفساق المستحقين للعقاب وكذلك لا يفعل الثواب والخلود في الجنة الا بالمؤمنين، لانه ثواب لا يستحقه سواهم.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} عطف على محذوف اى فالّذين آمنوا بآياتنا وصدّقوها خارجون من صمم الحيوانات وبكمها وظلماتها بامتيازهم بالعلم عنها، والّذين كذّبوا بآياتنا التّدوينيّة والتّكوينيّة الآفاقيّة وعلىّ (ع) اعظمها والانفسيّة والعقل اعظمها وهو مظهر علىّ (ع) {صُمٌّ وَبُكْمٌ} مثل سائر الدّوابّ وليس الفرق بينهم الاّ بالايمان والعلم {فِي ٱلظُّلُمَاتِ} زائداً على سائر الدّوابّ فانّها غير خارجة من انوار نفوسها الضّعيفة بخلاف الكافر بالولاية فانّه يخرج من نوره القوىّ الّذى هو نور النّفس الانسانيّة وهو جهة العلم والايمان الى ظلمات الجهل السّاذج ثمّ ظلمات الجهل المركّب ثمّ ظلمات الاهوية الفاسدة ثمّ ظلمات الطّبع ثمّ استدرك توهّم انّ فى ملكه، ما ليس بمشيّته بقوله تعالى {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ} ويجعله اصمّ وابكم وفى الظّلمات {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الصّراط المستقيم كما سبق هو طريق الولاية وطريق القلب الى الله وهو الولاية التّكوينيّة وصاحب الولاية طريق ايضاً بمراتبه المنتهية الى الله والاصل فى صاحبى الولاية علىّ (ع) وطريق القلب وطريق الولاية وصاحب الولاية متّحدة والتغائر اعتبارىّ فصحّ تفسير الطّريق المستقيم بالولاية وبعلّى (ع) كلّما وقع كما فسّروه لنا، فالمعنى من يشأ الله يضلله عن الولاية ومن يشأ يجعله على ولاية علىّ (ع).
الهواري
تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ} أي عن الهدى فلا يسمعونه {وَبُكْمٌ} عنه فلا ينطقون به {فِي الظُّلُمَاتِ} أي ظلمات الكفر {مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي الجنة. وقال بعضهم: الكافر أصمّ أبكم لا يسمع خيراً ولا يعقله، ولا يتكلم به ولا يَقْبَلُه. قوله: {قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ} قال الحسن: يعني عذاب الله بالاستئصال {أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} أي بالعذاب {أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} على الاستفهام، أي إنكم لا تدعون إلا الله فتؤمنون حيث لا يقبل الإِيمان عند نزول العذاب. قال الله: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي عذابنا (أية : سُنَّتَ اللهِ التِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) تفسير : [غافر:85]. قال: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيهِ إِن شَاءَ} وهذه مشيئة القدرة، ولا يشاء أن يكشف عنهم عند نزول العذاب. {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} بالله من هذه الأوثان. وقال بعضهم: {أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ} أي إذا أصابكم الضرّ في الدنيا. قوله: {وَلَقَدَ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} والبأساء البؤس، وهي الشدائد من الجدوبة وشدة المعاش. والضراء هي الأذى من الأمراض والأوجاع. قوله: {فَلَوْلاَ} أي فهلا {إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} أي إنهم لم يتضرعوا. {وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي غلظت قلوبهم فلم يؤمنوا. وهذا الذي كان يصيب الأمم من البأساء والضراء إنما هو شيء يبتليهم الله به قبل العذاب لعلّهم يؤمنون، فإذا لم يؤمنوا أهلكهم الله. قال: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. قال: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} أي ما وُعِظُوا به، أي تركوا ما جاءتهم به الرسل. وفي قول الحسن: أعرضواعما جاءت به الرسل. {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أي من الرزق. وقال مجاهد: أبواب كل شيء من رخاء الدنيا. {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} أي بالعذاب فجأة. وقال مجاهد: فجأة آمنين وهم لا يشعرون. {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} أي يئسون. وقال بعضهم: ما ذكروا به من أمر الله {أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} أي بغت القومَ أمرُ الله. وقلّ مَا أخذ الله قوماً قط إلا عند سلوتهم وغبطتهم. قال: {فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي القوم الذين أشركوا {وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ}. وهي مثل الآية التي في الأعراف: (أية : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ)تفسير : أي القحط (أية : الحَسَنَةَ)تفسير : أي الرخاء (أية : حَتَّى عَفَوْا)تفسير : أي حتى كثروا (أية : وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) تفسير : فلم يكن شيء. قال الله: (أية : فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) تفسير : [الأعراف:94-95].
اطفيش
تفسير : {والَّذينَ كذَّبوا بآياتنا} ما يدل علينا من آيات القرآن، وقيل: القرآن ومحمد سيدنا صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، وكلما يدل على توحيده وكل خلق يدل عليه. {صمّ} كالرجال الذين لا يسمعون لأنهم لما لم ينتفعوا بما سمعوا من القرآن والآيات السمعية، أو لا يستمعون إليه كانوا كمن لا يسمع، وزادوا بالعقاب، وهذا يدل على ما فسرت الآيات به من أنها آيات القرآن، لأن ذكر الصم يناسب السمع. {وبُكْمٌ} كالرجال الذين لا ينطقون لخرس فيهم، لأنهم لا ينطقون فنطقهم بغيره كلا نطق لعدم الفائدة، بل عليهم العقاب، وإن شئت فقل: صموا عن سماع الحق سماع قبول، وبكموا عن النطق به. {فى الظُّلمات} خبر ثالث، والثانى بُكْم بواسطة العطف، أى خابطون فى ظلمات الكفر، أو ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد، ويجوز أن يكون حالا من المستتر فى بُكْم، وقال أبو حيان: خبر لمحذوف، أى هم فى الظلمات أو نعت لبُكْم أو حال من الضمير المقدر فى الخبر. {مَنْ يَشإ اللهُ} إضلاله {يُضْلِلهُ} باختياره لا جبراً وكسبه {ومن يشأ} توفيقه {يجْعلهُ عَلى صِراطٍ مُستقيمٍ} باختياره وتوفيقه، وذلك عدل من الله تعالى: {أية : لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا} الجنس أَوالمذكورين بقوله: وقالوا {أية : لولا أَنزل عليه آية من ربه} تفسير : [يونس: 20، الرعد: 7، 27] {بِآيَاتِنَا} القرآن {صُمٌّ} خبر أَول {وَبُكْمٌ} خبر ثان بتوسط حرف العطف {فِى الظُّلُمَاتِ} خبر ثالث، عبارة عن العمى، كما قال {أية : صم بكم عمى} تفسير : [البقرة: 18، 171]، أَو حال من المستتر فى بكم، وكلهم صم بكم فى الظلمات، وقيل المراد التقسيم إِلى قسمين صم بكم، ويكفى فى ذلك العطف، وقدر بعضهم: بعض صم وبعض بكم، وجعل الجملة خبراً، فيكون فى الظلمات خبراً ثانيا وكلهم فى الظلمات، والمراد بالظلمات أَنواع الكفر أَو الجهل والعناد والتقليد، أَو الضلال أَو غضب الله وعقابه، لا يسمعون سماع قبول وتفكر، ولا ينطقون بالحق فهم كالأَصم الأخرس زاد بالعمى، فإِن الأَصم الأخرس البصير يفهم عن غيره بالإِشارة والكتابة، ويفهم عنه غيره كذلك، وقيل: المراد بالظلمات حقيقة ظلمات الآخرة {مَنْ يَشإِ الله} إِضلاله {يُضْلِلْهُ} بالخذلان فالله عز وجل مريد لكفر الكافرين، لا كما قالت المعتزلة أَنه غير مريد له، والمعتزلة يحملونه الآية ونحوها على مشيئة الإِجبار والقهر وهو خطأ ظاهر {وَمَنْ يَشَأْ} هدايته {يَجْعَلْهُ عَلَى صرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} بالتوفيق، ومشيئته لا تتخلف، والهداية نفس الجعل على صراط مستقيم، وتنكيره تعظيم، وهو عين الإِسلام، وقيل الإِضلال عن الطريق فى الموقف إِلى الجنة، والجعل على الصراط الهداية إِلى الطريق فيه إِلى الجنة ولا يتبادر.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } أي القرآن أو سائر الحجج ويدخل دخولاً أولياً، والموصول عبارة عن المعهودين في قوله عز وجل: { أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } تفسير : [الأنعام: 25] الخ أو الأعم من أولئك. والكلام متعلق بقوله سبحانه: { أية : مَّا فَرَّطْنَا } تفسير : [الأنعام: 38] الخ أو بقوله جل شأنه { أية : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ } تفسير : [الأنعام: 36] والواو للاستئناف وما بعدها مبتدأ خبره {صُمٌّ وَبُكْمٌ } وجوز أن يكون هذا خبر مبتدأ محذوف أي بعضهم صم وبعضهم بكم. والجملة خبر المبتدأ والأول أولى، وهو من التشبيه البليغ على القول الأصح في أمثاله أي أنهم كالصم وكالبكم فلا يسمعون الآيات سماعاً تتأثر منه نفوسهم ولا يقدرون على أن ينطقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون ويقولون في الآيات ما يقولون. وقوله سبحانه: {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ} أي في ظلمات الكفر وأنواعه أو في ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد في الباطل إما خبر بعد خبر للموصول على أنه واقع موقع (عمي) كما في قوله تعالى: { أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } تفسير : [البقرة: 18، 171] ووجه ترك العطف فيه دون ما تقدمه الإيماء إلى أنه وحده كاف في الذم والإعراض عن الحق، واختير العطف فيما تقدم للتلازم، وقد يترك رعاية لنكتة أخرى، وإما متعلق بمحذوف وقع حالاً من المستكن في الخبر كأنه قيل: ضالون خابطين أو كائنين في الظلمات. ورجحت الحالية بأنها أبلغ إذ يفهم حينئذٍ أن صممهم وبكمهم مقيد بحال كونهم في ظلمات الكفر أو الجهل وأخويه حتى لو أخرجوا منها لسمعوا ونطقوا، وعليها لا يحتاج إلى بيان وجه ترك العطف. وجوز أبو البقاء أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم في الظلمات؛ وأن يكون صفة لبكم أو ظرفاً له أو لصم أو لما ينوب عنهما من الفعل، وعن أبـي علي الجبائي أن المراد بالظلمات ظلمات الآخرة على الحقيقة أي أنهم كذلك يوم القيامة عقاباً لهم على كفرهم في الدنيا. والكلام عليه متعلق بقوله تعالى: { أية : ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } تفسير : [الأنعام: 38] على أن الضمير للأمم على الإطلاق وفيه بعد. وقوله سبحانه: {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ } تحقيق للحق وتقرير لما سبق من حالهم ببيان أنهم من أهل الطبع لا يتأتى منهم الإيمان أصلاً فمن مبتدأ خبره ما بعده ومفعول (يشأ) محذوف أي إضلاله. ولا يجوز أن يكون (من) مفعولاً مقدماً له لفساد / المعنى، والمراد من يرد سبحانه أن يخلق فيه الضلال عن الحق يخلقه فيه حسب اختياره الناشىء عن استعداده، وجوز بعضهم أن يكون {من} في موضع نصب بفعل مقدر بعده يفسره ما بعده أي من يشق أو يعذب يشأ إضلاله. {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } عطف على ما تقدم، والكلام فيه كالكلام فيه. والآية دليل لأهل السنة على أن الكفر والإيمان بإرادته سبحانه وأن الإرادة لا تتخلف عن المراد. والزمخشري لما رأى تخرق عقيدته الفاسدة رام رقعها كما هو دأبه فقال: «معنى {يُضْلِلْهُ } يخذله ولم يلطف به و {يَجْعَلُهُ } الخ يلطف به»، وقال غيره: المراد من يشأ إضلاله يوم القيامة عن طريق الجنة يضلله ومن يشأ يجعله على الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة وهو كما ترى. وكان الظاهر على ما قيل: أن يقال ومن يشأ يهده إلا أنه عدل عنه لأن هدايته تعالى وهي إرشاده إلى الهدى غير مختصة ببعض دون بعض. ولهذا قيل في تفسير {يَجْعَلُهُ } الخ أي يرشده إلى الهدى ويحمله عليه.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن تكون الواو للعطف، والمعطوف عليه جملة: {إنّما يستجيب الذين يسمعون}. والمعنى: والذين كذّبوا بآياتنا ولم يستمعوا لها، أي لا يستجيبون بمنزلة صمّ وبكم في ظلمات لا يهتدون. ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والواو استئنافية، أي عاطفة كلاماً مبتدأ ليس مرتبطاً بجملة معيّنة من الكلام السابق ولكنّه ناشيء عن جميع الكلام المتقدّم. فإنّ الله لمّا ذكر من مخلوقاته وآثار قدرته ما شأنه أن يعرّف الناس بوحدانيته ويدلّهم على آياته وصدق رسوله أعقبه ببيان أنّ المكذّبين في ضلال مبين عن الاهتداء لذلك، وعن التأمّل والتفكير فيه، وعلى الوجهين فمناسبة وقوع هذه الجملة عقب جملة: {أية : وما من دابة في الأرض}تفسير : [الأنعام: 38] الآية قد تعرّضنا إليها آنفاً. والمراد بالذين كذّبوا المشركون الذين مضى الكلام على أحوالهم عموماً وخصوصاً. وقوله: {صمّ وبكم في الظلمات} تمثيل لحالهم في ضلال عقائدهم والابتعاد عن الاهتداء بحال قوم صمّ وبُكم في ظلام. فالصّمم يمنعهم من تلقِّي هدى من يهديهم، والبكَم يمنعهم من الاسترشاد ممّن يمرّ بهم، والظلام يمنعهم من التبصّر في الطريق أو المنفذ المخرج لهم من مأزقهم. وإنَّما قيل في {الظلمات} ولم يوصفوا بأنَّهم عُمّي كما في قوله: {أية : عُميا وبُكما وصمّا}تفسير : [الإسراء: 97] ليكون لبعض أجزاء الهيئة المشبَّهة بها ما يصلح لشبه بعض أجزاء الهيئة المشبَّهة، فإنّ الكفر الذي هم فيه والذي أصارهم إلى استمرار الضلال يشبه الظلمات في الحيلولة بين الداخل فيه وبين الاهتداء إلى طريق النجاة. وفي الحديث: "حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة"تفسير : . فهذا التمثيل جاء على أتمّ شروط التمثيل. وهو قبوله لتفكيك أجزاء الهيئتين إلى تشبيهات مفردة، كقول بشّار: شعر : كأنّ مُثَار النّقع فوقَ رؤوسنا وأسيافنا ليل تَهادَى كواكبُه تفسير : وجمع الظلمات جار على الفصيح من عدم استعمال الظلمة مفرداً. وقد تقدّم في صدر السورة، وقيل: للإشارة إلى ظلمة الكفر، وظلمة الجهل، وظلمة العناد. وقوله: {صمّ وبكم} خبر ومعطوف عليه. وقوله: {في الظلمات} خبر ثالث لأنّه يجوز في الأخبار المتعددة ما يجوز في النعوت المتعدّدة من العطف وتركه. وقوله: {من يشأ الله يضلله} استئناف بياني لأنّ حالهم العجيبة تثير سؤالاً وهو أن يقول قائل ما بالهم لا يهتدون مع وضوح هذه الدلائل البيّنات، فأجيب بأنّ الله أضلّهم فلا يهتدون، وأنّ الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، فدلّ قوله: {من يشأ الله يضلله} على أنّ هؤلاء المكذّبين الضالّين هم ممَّن شاء الله إضلالهم على طريقة الإيجاز بالحذف لظهور المحذوف، وهذا مرتبط بما تقدّم من قوله تعالى: {أية : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}تفسير : [الأنعام: 35]. ومعنى إضلال الله تقديره الضلال؛ بأن يخلق الضّالّ بعقل قابل للضلال مُصرّ على ضلاله عنيد عليه فإذا أخذ في مبادىء الضلال كما يعرض لكثير من الناس فوعظه واعظ أو خطر له في نفسه خاطر أنَّه على ضلال منعه إصراره من الإقلاع عنه فلا يزال يهوي به في مهاوي الضلالة حتَّى يبلغ به إلى غاية التخلّق بالضلال فلا ينكفّ عنه. وهذا ممّا أشار إليه قوله تعالى: {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين} تفسير : [التين: 4، 5]، ودلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إنّ الرجل ليَصْدُق حتَّى يكون صدّيقاً وإنّ الرجل ليكذب حتَّى يُكتب عند الله كذّاباً»تفسير : . وكلّ هذا من تصرّف الله تعالى بالتكوين والخلق وهو تصرّف القدر. وله اتِّصال بناموس التسلسل في تطوّر أحوال البشر في تصرّفات بعقولهم وعوائدهم، وهي سلسلة بعيدة المدى اقتضتها حكمة الله تعالى في تدبير نظام هذا العالم، ولا يعلم كنهها إلاّ الله تعالى، وليس هذا الإضلال بالأمر بالضلال فإنّ الله لا يأمر بالفحشاء ولا بتلقينه والحثّ عليه وتسهيله فإنّ ذلك من فعل الشيطان، كما أنّ الله قد حرم من أراد إضلاله من انتشاله واللطف به لأنّ ذلك فضل مَن هو أعلم بأهله. ومفعول {يشأ} محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، كما هو الشائع في مفعول فعل المشيئة الواقع شرطاً. والصراط هو الطريق البيّن. ومعنى المستقيم أنّه لا اعوجاج فيه، لأنّ السّير في الطريق المستقيم أيسر على السائر وأقرب وصولاً إلى المقصود. ومعنى (على) الاستعلاء، وهو استعلاء السائر على الطريق. فالكلام تمثيل لحال الذي خلقه الله فمَنّ عليه بعقل يرعوي من غيّه ويُصغي إلى النصيحة فلا يقع في الفساد فاتّبع الدين الحقّ، بحال السائر في طريق واضحة لا يتحيَّر ولا يخطىء القصد، ومستقيمة لا تطوح به في طول السير. وهذا التمثيل أيضاً صالح لتشبيه كلّ جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّه بها، كما تقدّم في نظيره. وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: {أية : اهدنا الصراط المستقيم}تفسير : [الفاتحة: 6]. فالدين يشبه الصراط الموصّل بغير عناء، والهدي إليه شبيه الجعل على الصراط.
الواحدي
تفسير : {والذين كذَّبوا بآياتنا} بما جاء به محمَّد عليه السَّلام {صمٌّ} عن القرآن لا يسمعونه سماع انتفاع {وبكم} عن القرآن لا ينطقون به، ثمَّ أخبر أنَّهم بمشيئته صاروا كذلك، فقال: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراطٍ مستقيم}. {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين بالله {أرأيتكم} معناه: أخبروني {إن أتاكم عذاب الله} يريد: الموت {أو أتتكم الساعة} القيامة {أغير الله تدعون} أَيْ: أتدعون هذه الأصنام والأحجار التي عبدتموها من دون الله {إن كنتم صادقين} جوابٌ لقوله: {أرأيتكم} لأنَّه بمعنى أخبروني، كأنَّه قيل: إنْ كنتم صادقين أخبروا مَنْ تدعون عند نزول البلاء بكم. {بل} أَيْ: لا تدعون غيره {إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه} أَيْ: يكشف الضُّرَّ الذي من أجله دعوتموه {إن شاء وتنسون} وتتركون {ما تشركون} به من الأصنام فلا تدعونه. {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} رسلاً فكفروا بهم {فأخذناهم بالبأساء} وهو شدَّة الفقر {والضرَّاء} الأوجاع والأمراض {لعلهم يتضرعون} لكي يتذللَّوا ويتخشعوا. {فلولا} فهلاَّ {إذ جاءهم بأسنا} عذابنا {تضرعوا} تذلَّلوا، والمعنى: لم يتضرعوا {ولكن قست قلوبهم} فأقاموا على كفرهم {وزيَّن لهم الشيطان} الضَّلالة التي هم عليها، فأصروا.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 39- والذين لم يصدقوا بأدلتنا الدالة على قدرتنا وصدق رسالتك، لم ينتفعوا بحواسهم فى معرفة الحق، فتخبطوا فى ضلال الشرك والعناد، تخبط الأصم الأبكم فى ظلمات الليل، لا نجاة له من الهلاك. ولو كان فى هؤلاء استعداد للخير لوفقهم الله إليه، فإنه سبحانه إذا أراد إضلال إنسان لفساد قصده، تركه وشأنه، وإذا أراد هدايته لسلامة قصده، يسر له السير فى طريق الإيمان الواضح المستقيم. 40- قل أيها النبى لهؤلاء الكفار: أخبرونى إن جاءكم عذاب من عند الله فى الدنيا أو جاءتكم القيامة بأهوالها، هل تتجهون لغير الله تضرعون إليه فى هذا الوقت فينفعكم شيئاً، إن كنتم صادقين فى عبادتكم لغير الله؟ 41- بل إنكم لا تتجهون إلا إليه، إذ تدعونه فيكشف عنكم ما تطلبون كشفه إن شاء. وفى حال هذه الشدة، تنسون من تجعلونهم لله شركاء!! 42- لا يشق عليك - أيها النبى - ما تلاقيه من قومك. فلقد بعثنا قبلك رسلا إلى أمم كثيرة قبل أمتك. فكذبوهم، فعاقبناهم بالشدائد تنزل بهم، وبما يضرهم فى أبدانهم، لعلهم يخشعون ويرجعون إلى الله. 43- وكان ينبغى لهم أن يرجعوا إلى ربهم، ولكنهم لم يفعلوا، بل استمرت قلوبهم على قسوتها، وزين لهم الشيطان عملهم القبيح.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَا} {ٱلظُّلُمَاتِ} {صِرَاطٍ} (39) - وَالذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ مَثَلُهُمْ، فِي جَهْلِهِمْ، كَمَثَلِ الصُّمِّ الذِينَ لا يَسْمَعُونَ، البُكْمِ الذِينَ لاَ يَنْطِقُونَ، وَهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ، فَكَيْفَ يَهْتَدِي أَمْثَالُ هَؤُلاَءِ إِلَى طَرِيقِ الهُدَى، وَيَخْرُجُونَ مِمَّا هُمْ فِيهِ؟ وَاللهُ هُوَ المُتَصَرِّفُ فِي خَلقِهِ فَإِنْ أَرَادَ إِضْلاَلَ إِنْسَانٍ، لفَسَادِ قَصْدِهِ، تَرَكَهُ وَشَأنَهُ، وَإِذَا أَرَادَ هِدَايَتَهُ، لِسَلامَةِ قَصْدِهِ، يَسَّرَ لَهُ السَّيْرَ فِي طَريقِ الإِيمَانِ الوَاضِحِ المُسْتَقِيمِ. فِي الظُّلُمَاتِ - ظُلُمَاتِ الجَهْلِ وَالعِنَادِ وَالكُفْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والصمم آفة تصيب الأذن فلا تسمع. والبكم آفة تصيب اللسان فلا ينطق. والبكم مرتبط بالصمم؛ لأن الإنسان لا يتكلم إلا إذا سمع؛ لأن اللغة بنت المحاكاة؛ فالإنسان لا يتكلم إلا إذا سمع. إن البشر ينشأون في بيئات مختلفة اللغة ولا يتكلمون إلا باللغة التي نشأوا في بيئتها؛ لأن اللغة ليست دماً ولا جنساً. بل اللغة سماع. وما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. ولا يقرأ الإنسان إلا إذا سمع وعرف ارتباط ما يسمع بما يرى؛ لذلك نعرف أن السمع هو المنفذ الأول للإدراك، ولهذا كان الصمم قبل البكم. ولكن هل الإدراك مرتبط بالصمم والبكم فقط؟ لا، إن الإنسان يسمع أوَلاً، ثم يرى، ثم يتذوق، ثم يشم، ثم يلمس، ثم تأتي له المعلومات العقلية. والمثال على ذلك أن كل إنسان يعرف أن النار محرقة، وهو لم يعرف هذا إلا لأنه وجدها قد لمست كائناً وأحرقته. ومثال آخر: يتفق الناس على أن صوت العندليب جميل، وهذا الاتفاق جاء من سماع الناس لصوت العندليب. إذن فالمعلومات العقلية تأتي نتيجة للمعلومات الحسية. {صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} إنهم بلا قدرة أيضاً على إبصار الهداية من أي ناحية؛ صم لا يسمعون لكلمة الحق، وبكم لا ينطقون، وفي ظلمات لا يهتدون إلى إدراكات الأشياء ولا إلى الإيمان. وكل ذلك مردود إلى المشيئة: {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لكن هل اقتحمت المشيئة على الناس وقهرتهم؟ لا؛ لأن الحق قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} تفسير : [غافر: 28]. وقال سبحانه أيضاً: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} إذن، فبتقديمهم الظلم، والفسق، والكفر، وقد فعلوا ذلك اختياراً فصار المرض واستقر في قلوبهم وزادهم الله مرضاً، وهو سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك به، فمن أشرك مع الله شيئاً فهو له. ويأتي من بعد ذلك أمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا بيان لحال المكذبين بآيات الله، المكذبين لرسله، أنهم قد سدوا على أنفسهم باب الهدى، وفتحوا باب الردى، وأنهم { صُمٌّ } عن سماع الحق { وَبُكْمٌ } عن النطق به، فلا ينطقون إلا بباطل. { فِي الظُّلُمَاتِ } أي: منغمسون في ظلمات الجهل، والكفر، والظلم، والعناد،والمعاصي. وهذا من إضلال الله إياهم، فـ { مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } لأنه المنفرد بالهداية والإضلال، بحسب ما اقتضاه فضله وحكمته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):