Verse. 829 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ اَرَءَيْتَكُمْ اِنْ اَتٰىكُمْ عَذَابُ اللہِ اَوْ اَتَتْكُمُ السَّاعَۃُ اَغَيْرَ اللہِ تَدْعُوْنَ۝۰ۚ اِنْ كُنْتُمْ صٰدِقِيْنَ۝۴۰
Qul araaytakum in atakum AAathabu Allahi aw atatkumu alssaAAatu aghayra Allahi tadAAoona in kuntum sadiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» يا محمد لأهل مكة «أرأيتكم» أخبروني «أن أتاكم عذاب الله» في الدنيا «أو أتتكم الساعة» القيامة المشتملة عليه بغتة «أغير الله تدعون» لا «إن كنتم صادقين» في أن الأصنام تنفعكم فادعوها.

40

Tafseer

الرازي

تفسير : أعلم أنه تعالى لما بين غاية جهل أولئك الكفار بين من حالهم أيضاً أنهم إذا نزلت بهم بلية أو محنة يفزعون إلى الله تعالى ويلجأون إليه ولا يتمردون عن طاعته، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء للعرب في (أرأيت) لغتان: إحداهما: رؤية العين، فإذا قلت للرجل رأيتك كان المراد: أهل رأيت نفسك؟ ثم يثنى ويجمع. فنقول: أرأيتكما أرأيتكم، والمعنى الثاني: أن تقول أرأيتك، وتريد: أخبرني، وإذا أردت هذا المعنى تركت التاء مفتوحة على كل حال تقول: أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن. إذا عرفت هذا فنقول: مذهب البصريين: أن الضمير الثاني وهو الكاف في قولك: أرأيتك لا محل له من الاعراب، والدليل قوله تعالى: {أية : قَالَ أَرَءيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَيّ} تفسير : [الإسراء: 62] ويقال أيضا: أرأيتك زيداً ما شأنه، ولو جعلت الكاف محلاً لكنت كأنك تقول: أرأيت نفسك زيداً ما شأنه، وذلك كلام فاسد، فثبت أن الكاف لا محل له من الاعراب، بل هو حرف لأجل الخطاب، وقال الفراء: لو كانت الكاف توكيداً لوقعت التثنية والجمع على التاء، كما يقعان عليها عند عدم الكاف، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع، ووقعت علامة الجمع على الكاف، دل ذلك على أن الكاف غير مذكور للتوكيد. ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة: أرأيت، فثبت بهذا انصراف الفعل إلى الكاف، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها. أجاب الواحدي عنه: بأن هذه الحجة تبطل بكاف ذلك وأولئك، فإن علامة الجمع تقع عليها مع أنها حرف للخطاب، مجرد عن الاسمية، والله أعلم. المسألة الثانية: قرأ نافع {أَرَأَيْتُكُم.وأرأيتكم.وأرأيت.وأفرأيت.وأرأيتك.وأفرأيتك } وأشباه ذلك بتخفيف الهمزة في كل القرآن، والكسائي ترك الهمزة في كل القرآن، والباقون بالهمزة. أما تخفيف الهمزة، فالمراد جعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي. وأما مذهب الكسائي فحسن، وبه قرأ عيسى بن عمر وهو كثير في الشعر، وقد تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة للتخفيف كما قالوا: وسله، وكما أنشد أحمد بن يحيى:شعر : وإن لم أقاتل فالبسوني برقعا تفسير : بحذف الهمزة. أراد فألبسوني بإثبات الهمزة. وأما الذين قرأوا بتخفيف الهمزة فالسبب أن الهمزة عين الفعل والله أعلم. المسألة الثالثة: معنى الآية أن الله تعالى قال لمحمد عليه السلام: قل يا محمد لهؤلاء الكفار إن أتاكم عذاب الله في الدنيا وأتاكم العذاب عند قيام الساعة، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء والضر أو ترجعون فيه إلى الله تعالى؟ ولما كان من المعلوم بالضرورة أنهم إنما يرجعون إلى الله تعالى في دفع البلاء والمحنة لا إلى الأصنام والأوثان، لا جرم قال { بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ } يعني أنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية والمحنة إلا إلى الله تعالى. ثم قال: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ } أي فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم وتنسون ما تشركون به، وفيه وجوه: الأول: قال ابن عباس: المراد تتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع. الثاني: قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم، وهذا قول الحسن لأنه قال: يعرضون إعراض الناسي، ونظيره قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أنهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ} تفسير : [يونس: 22] ولا يذكرون الأوثان. المسألة الرابعة: هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يجيب الدعاء إن شاء وقد لا يجيبه، لأنه تعالى قال: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء } ولقائل أن يقول: إن قوله {أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] يفيد الجزم بحصول الإجابة، فكيف الطريق إلى الجمع بين الآيتين. والجواب أن نقول: تارة يجزم تعالى بالإجابة وتارة لا يجزم، إما بحسب محض المشيئة كما هو قول أصحابنا، أو بحسب رعاية المصلحة كما هو قول المعتزلة، ولما كان كلا الأمرين حاصلاً لا جرم وردت الآيتان على هذين الوجهين. المسألة الخامسة: حاصل هذا الكلام كأنه تعالى يقول لعبدة الأوثان: إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله تعالى لا إلى الأصنام والأثان، فلم تقدمون على عبادة الأصنام التي لا تنتفعون بعبادتها ألبتة؟ وهذا الكلام إنما يفيد لو كان ذكر الحجة والدليل مقبولاً. أما لو كان ذلك مردوداً وكان الواجب هو محض التقليد، كان هذا الكلام ساقطاً، فثبت أن هذه الآية أقوى الدلائل على أن أصل الدين هو الحجة والدليل. والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه الفعَّال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل، يجيب لمن يشاء، ولهذا قال: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ} أي: أتاكم هذا أو هذا {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: لا تدعون غيره؛ لعلمكم أَنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: في اتخاذكم آلهة معه { بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} أي: في وقت الضرورة، لا تدعون أحداً سواه، وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم؛ كقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67] الآية، وقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ} يعني: الفقر والضيق في العيش، {وٱلضَّرَّاءِ} وهي الأمراض والأسقام والآلام؛ {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي: يدعون الله، ويتضرعون إليه ويخشعون، قال الله تعالى: {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} أي: فهلا إذ ابتليناهم بذلك، تضرعوا إلينا، وتمسكنوا لدينا، ولكن {قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: ما رقت ولا خشعت {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} أي: من الشرك والمعاندة والمعاصي، {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي: أعرضوا عنه، وتناسوه، وجعلوه وراء ظهورهم، {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى، وإملاء لهم، عياذاً بالله من مكره، ولهذا قال: {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ} أي: من الأموال والأولاد والأرزاق، {أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً} أي: على غفلة، {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} أي: آيسون من كل خير، قال الوالبي عن ابن عباس: المبلس: الآيس، وقال الحسن البصري: من وسع الله عليه، فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له، ومن قتر عليه، فلم ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} قال: مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجتهم، ثم أخذوا، رواه ابن أبي حاتم، وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط، إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون، رواه ابن أبي حاتم أيضاً. وقال مالك عن الزهري: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} قال: رخاء الدنيا ويسرها، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين - يعني: ابن سعد أبا الحجاج المهري - عن حرملة بن عمران التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج» تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام ابن عمار، حدثنا عراك بن خالد بن يزيد، حدثني أبي عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : إذا أراد الله بقوم بقاء أو نماء، رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعاً، فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة» تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} كما قال: { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، ورواه أحمد وغيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } يا محمد لأهل مكة {أَرءَيْتُكُم } أخبروني {إِنْ أَتَٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ } في الدنيا {أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ } القيامة المشتملة عليه بغتة {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } لا {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } في أنّ الأصنام تنفعكم فادعوها.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَرَأَيْتُكُم } الكاف والميم عند البصريين للخطاب، ولا حظ لهما في الإعراب، وهو اختيار الزجاج. وقال الكسائي والفراء وغيرهما: إن الكاف والميم في محل نصب بوقوع الرؤية عليهما. والمعنى: أرأيتم أنفسكم. قال في الكشاف مرجحاً للمذهب الأوّل: إنه لا محل للضمير الثاني، يعني الكاف من الإعراب، لأنك تقول: أرأيتك زيداً ما شأنه، فلو جعلت للكاف محلا لكنت كأنك تقول: أرأيت نفسك زيداً ما شأنه، وهو خلف من القول انتهى. والمعنى: أخبروني {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ } كما أتى غيركم من الأمم {أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ } أي القيامة {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } هذا على طريقة التبكيت والتوبيخ، أي أتدعون غير الله في هذه الحالة من الأصنام التي تعبدونها، أم تدعون الله سبحانه؟ وقوله: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تأكيد لذلك التوبيخ، أي أغير الله من الأصنام تدعون إن كنتم صادقين أن أصنامكم تضرّ وتنفع، وأنها آلهة كما تزعمون. قوله: {بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ } معطوف على منفيّ مقدّر، أي لا تدعون غيره، بل إياه تخصون بالدعاء {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ } أي فيكشف عنكم ما تدعونه إلى كشفه إن شاء أن يكشفه عنكم لا إذا لم يشأ ذلك. قوله: {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } أي وتنسون عند أن يأتيكم العذاب ما تشركون به تعالى، أي ما تجعلونه شريكاً له من الأصنام ونحوها فلا تدعونها، ولا ترجون كشف ما بكم منها، بل تعرضون عنها إعراض الناس. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى: وتتركون ما تشركون. قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } كلام مبتدأ مسوق لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم، أي ولقد أرسلنا إلى أمم كائنة من قبلك رسلاً فكذبوهم {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء } أي البؤس والضرّ. وقيل: البأساء المصائب في الأموال، والضراء المصائب في الأبدان، وبه قال الأكثر {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } أي يدعون الله بضراعة، مأخوذ من الضراعة وهي الذلّ، يقال: ضرع فهو ضارع، ومنه قول الشاعر:شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : قوله: {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } أي فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا لكنهم لم يتضرعوا، وهذا عتاب لهم على ترك الدعاء في كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمرّدهم وغلوّهم في الكفر، ويجوز أن يكون المعنى أنهم تضرّعوا عند أن نزل بهم العذاب، وذلك تضرّع ضروري لم يصدر عن إخلاص، فهو غير نافع لصاحبه، والأول أولى، كما يدل عليه {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أي صلبت وغلظت {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } أي أغواهم بالتصميم على الكفر والاستمرار على المعاصي. قوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } أي: تركوا ما ذكروا به، أو أعرضوا عما ذكروا به، لأن النسيان لو كان على حقيقته لم يؤاخذوا به، إذ ليس هو من فعلهم، وبه قال ابن عباس، وابن جريج، وأبو علي الفارسي. والمعنى: أنهم لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضرّاء وأعرضوا عن ذلك {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } أي لما نسوا ما ذكروا به استدرجناهم بفتح أبواب كل نوع من أنواع الخير عليهم {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ } من الخير على أنواعه فرح بطر وأشر وأعجبوا بذلك وظنوا أنهم إنما أعطوه لكون كفرهم الذي هم عليه حقاً وصواباً {أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً } أي فجأة وهم غير مترقبين لذلك والبغتة: الأخذ على غرّة من غير تقدمة أمارة، وهي مصدر في موضع الحال، لا يقاس عليها عند سيبويه. قوله: {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} المبلس: الحزين الآيس من الخير لشدّة ما نزل به من سوء الحال، ومن ذلك اشتق اسم إبليس، يقال أبلس الرجل إذا سكت، وأبلست الناقة إذا لم ترع. قال العجاج:شعر : صاح هل تعرف رسما مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا تفسير : أي تحول لهول ما رأى، والمعنى: فإذا هم محزونون متحيرون آيسون من الفرح. قوله: {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } الدابر الآخر، يقال دبر القوم يدبرهم دبراً: إذا كان آخرهم في المجيء، والمعنى: أنه قطع آخرهم أي استؤصلوا جميعاً حتى آخرهم. قال قطرب: يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا. قال أمية بن أبي الصلت:شعر : فأهلكوا بعذاب حص دابرهم فما استطاعوا له صرفاً ولا انتصروا تفسير : ومنه التدبير؛ لأنه إحكام عواقب الأمور. قوله: {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي على هلاكهم، وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، فإنهم أشدّ على عباد الله من كل شديد، اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين، واقطع دابرهم، وأبدلهم بالعدل الشامل لهم. وقد أخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله: {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء } قال: خوف السلطان وغلاء السعر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } قال: يعني تركوا ما ذكروا به. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } قال: ما دعاهم الله إليه ورسله، أبوه وردّوه عليهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } قال: رخاء الدنيا ويسرها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السدي، في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ } قال: من الرزق {أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } قال: مهلكون متغير حالهم {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } يقول: فقطع أصل الذين ظلموا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن محمد بن النضر الحارثي في قوله: {أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً } قال: أمهلوا عشرين سنة، ولا يخفى أن هذا مخالف لمعنى البغتة لغة ومحتاج إلى نقل عن الشارع، وإلا فهو كلام لا طائل تحته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد قال: المبلس المجهود المكروب الذي قد نزل به الشرّ الذي لا يدفعه، والمبلس أشدّ من المستكين، وفي قوله: {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } قال: استؤصلوا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكَّرُوا بِهِ} معنى ذلك أنهم تركوا ما ذَكَّرَهُم الله من آياته الدالة على توحيده وصدق رسوله. {فَتَحْنَا عَلَيْهِمُ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} يعني من نِعَمِ الدنيا وسَعَة الرزق. وفي إنعامه عليهم مع كفرهم وجهان: أحدهما: ليكون إنعامه عليهم داعياً إلى إيمانهم. والثاني: ليكون استدراجاً وبلوى، وقد روى ابن لهيعة بإسناده عن عقبة ابن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِذَا رَأَيْتَ اللَّه يعِطي العِبَادَ مَا يَشَاءُونَ عَلَى مَعَاصِيهِم إِيَّاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ" تفسير : ثم تلا: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابِ كُلِّ شَيْءٍ}. {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ} يعني من النِّعَمْ فلم يؤمنوا. {أَخَذَنَاهُم بَغْتَةً} يحتمل وجهين. أحدهما: أنه تعجيل العذاب المُهْلِك جزاء لأمرين. أحدهما: لكفرهم به. والثاني: لكفرهم بنِعَمِهِ. والوجه الثاني: هو سرعة الموت عند الغفلة عنه بالنِّعَمِ قَطْعاً للذة، وتعذيباً للحسرة. ثم قال تعالى: {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} وفيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الإِبلاس: الإِياس قال عدي بن زيد: شعر : ملك إذا حل العفاة ببابه غبطوا وأنجح منهم المستبلس تفسير : يعني الآيس. والثاني: أنه الحزن والندم. والثالث: الخشوع. والرابع: الخذلان. والخامس: السكوت وانقطاع الحجة، ومنه قول العجاج: شعر : يا صاح هل تعرف رسماً مكرساً قال نعم أعرفه وأبلسا

ابن عادل

تفسير : يجوز نقل همزة حركة الاستفهام إلى لام "قُلْ"، وتُحْذَفُ الهمزةُ تخفيفاً وهي قراءة وَرْشٍ، وهو تسهيل مُطَّرِدٌ، و "أرأيتكم" هذه بمعنى "أخبرني"، ولها أحكامٌ تَخْتَصُّ بها، اضْطَرَبَتْ أقوال الناس فيها، وانتشر خلافُهُمْ، ولا بُدَّ من التَّعَرُّضِ لذلك، فنقول: أرأيت إن كان البصرية، أو العلمية الباقية على معناها، أو التي لإصابة الرئة كقولهم: "رأيْتُ الطَّائِرَ"، أي: أصَبْتُ رئَتَهُ لم يَجُزْ فيها تخفيف الهمزة التي هي عَيْنُهَا، بل تُحَقَّقُ ليس إلاَّ، أو تُسَهَّلُ بَيْنَ بَيْنَ من غير إبدالٍ ولا حذفٍ، ولا يجوز أن تلحقها كافٌ على أنها حرف خطاب، بل إن لحقها كاف كانت ضميراً مفعولاً أوَّل، ويكون مُطَابقاً لما يُرَادُ به من تَذْكِيرٍ وتأنيثٍ، وإفراد وتثنية وجمعٍ، وإذا اتَّصَلَتْ بها تاء الخطاب لزِمَ مُطَابَقتُهَا لما يُرَادُ بها مِمَّا ذُكِرَ، ويكون ضميراً فاعلاً، نحو: أرأيتم، أرأيتما، أرأيتُنَّ، ويدخلها التَّعْلِيقُ والإلْغَاءُ، وإن كانت العِلميَّة التي ضُمِّنَتْ معنى "أخبرني" أختصَّتْ بأحكامٍ أخَرَ. منها: أنه يجوز تَسْهِيلُ همزتها بإبدالها ألفاً، وهي مَرْويَّةٌ عن نافع من طريق ورشٍ، والنُّحاة يَسْتَضْعِفْون إبدال هذه الهمزةِ ألفاً، بل المشهور عندهم تَسْهِيلُهَا بَيْنَ بَيْنَ، وهي الرواية المشهورة عن نافع، لكنَّهُ قد نَقَلَ الإبدال المَحْض قُطْربٌ وغيرهُ من الللغويين قال بعضهم "هذا غَلَطٌ غُلِّط عليه"، أي: على نافعٍ، وسبب ذلك أنه يُؤدِّي إلى الجَمْعِ بين ساكنين، فإن "الياء" بعدها ساكنة. ونقل أبو عبيد القاسم بن سلام عن أبي جعفر ونافعٍ، وغيرهما من أهل "المدينة" أنهم يُسْقِطُونَ الهمزة، ويَدَّعُونَ أن الألف خلفٌ منها. قال شهابُ الدين: وهذه العبارةُ تُشْعِرُ بأنَّ هذه الألف ليست بدلاً من الهمزة، بل جيءَ بها عِوَضاً عن الهمزة السَّاقِطَةِ. وقال مَكِّيُّ بْنُ أبي طالب: "وقد روي عن وَرْشٍ إبدالُ الهَمْزَةِ ألفاً؛ لأن الرِّواية عنه أنه يَمُدَّ الثانية، والمَدُّ لا يتمكن إلاَّ مع البدلِ، وحسَّنَ جوازَ البدلِ في الهمزة وبعدها سَاكِنٌ أنَّ الأوِّل حَرْفُ مدِّ ولينٍ، فإن هذا الذي يحدث مع السكون يقوم مقامَ حركةٍ يُتَوصَّلُ بها إلى النُّطْقِ بالساكن". وقد تقدَّم شَيءٌ من هذا عند قوله: {أية : ءَأَنذَرْتَهُمْ} تفسير : [البقرة:6]. ومنها: أن تُحْذَفَ الهمزة التي هي عَيْنُ الكلمة، وبها قرأ الكسائي، وهي فاشية نَظْماً ونَثْراً فمن النظم قوله: [الرجز] شعر : 2158- أرَيْتَ مَا جَاءَتْ بِهِ أمْلُودا مُرَجَّلاً وَيَلبسُ البُرُودَا أقَائِلُنَّ أحْضِرُوا الشُّهُودَا تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 2159- أرَيْتَكَ إذْ هُنَّا عَلَيْكَ ألَمْ تَخَفْ رَقِيباً وَحَوْلِي مِنْ عَدُوِّكَ حُضَّرُ تفسير : وأنشد الكسائي لأبي الأسود: [المتقارب] شعر : 2160- أرَيْتَ امْرَأ كُنْتُ لَمْ أبْلُهُ أتَانِي فَقَالَ: اتَّخذنِي خَلِيلاً تفسير : وزعم الفرَّاءُ أن هذه اللُّغَةَ لُغَةُ أكثر العربِ. قال: "في أرَأيْتَ لغتان ومعنيان: أحدهما: أن يسأل الرجل: أرأيت زَيْداً، أي: أعَلِمْتَ، فهذه مهموزة. وثانيهما: أن تقول: أرأيت بمعنى "أخْبِرْني"، فهاهنا تترك الهمزة إن شِئْتَ، وهو أكثر كلام العرب تُؤمئ إلى تَرْكِ الهَمْزَةِ للفرق بين المَعْنَيَين". انتهى. وفي كيفية حذف هذه الهمزة ثلاثة أوجه: أحدها: - وهو الظَّاهر- أنه اسْتُثْقِلَ الجَمَعُ بين همزتين في فعلٍ اتَّصَلَ به ضَمِيرٌ، فَخَفَّفَهُ بإسقاط إحدى الهمزتَيْنِ، وكانت الثانية أولى، لأنها حصل بها الثِّقَلُ؛ ولأنَّ حذفها ثابِتٌ في مضارع هذا الفعل، نحو: أرى، ويرى، ونرى، وترى، ولأنَّ حذف الأولى يُخِلُّ بالتَّفَاهُمِ، إذ هي للاستفهام. والثاني: أنه أبْدَلَ الهمزة ألِفاً، كما فعل نَافِعٌ في رواية ورش، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما وهو الألف. والثالث: أنه أبْدَلَها ياءً، ثم سَكَّنَهَا، ثم حذفها لالتقاء الساكنين، قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ، ثم قال: "وقَرَّب ذلك فيها حَذْفُها في مُسْتَقْبَلِ هذا الفعل" يعني في يرى وبابه، ورجَّحَ بعضهم مذهبَ الكسائي بأن الهَمْزَةَ قد اجترِىءَ عليها بالحذف، وأنشد: [الرجز] شعر : 2161- إنْ لَمْ أقَاتِلْ فَالْبِسُونِي بُرْقُعَا تفسير : وأنشد لأبي الأسود: [الكامل] شعر : 2162- يَا بَا المُغيرةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ فَرَّجْتُهُ بِالمَكْرِ مِنَّي وَالدَّهَا تفسير : [وقولهم: "وَيْلُمِّهِ"]. وقوله: [البسيط] شعر : 2163- وَيْلُمِّهَا خُلَّةً قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا فَجْعٌ وَوَلْعٌ وإخلافٌ وتَبْدِيلُ تفسير : وأنشد أيضاً: [الوافر] شعر : 2164- وَمَنْ رَا مِثْلَ مَعْدَانَ بْنِ سَعْدٍ إذَا مَا النِّسْعُ طَالَ عَلَى المَطِيِّه تفسير : أي: ومَنْ رأى. ومنها: أنه لا يَدْخُلُهَا تَعْلِيقٌ، ولا إلغَاءٌ؛ لأنها [بمعنى] "أخبرني" و "أخبرني" لا يُعَلَّقُ عند الجمهور. قال سيبويه: "وتقولُ: أرأيتك زَيْداً أبو مَنْ هو؟ لا يَحْسُنُ فيه إلاَّ النَّصْبُ في "زيد"، ألا ترى أنَّك لو قلت: "أرأيت أبو مَنْ أنت؟" لم يَحْسُنْ؛ لأن فيه معنى أخبرني عن زيد، وصار الاستفهامُ في موضع المفعول الثاني" وقد خالف سيبويه غَيْرُهُ من النحويين، وقالوا: كثيراً ما تُعَلَّق "أرأيت" وفي القرآن من ذلك كثيرٌ، واسْتَدَلُّوا بهذه الآية التي نَحْنُ فيها، وبقوله: {أية : أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ} تفسير : [العلق:13، 14]، وبقوله: شعر : 2165- أرَيْتَ مَا جَاءْتُ بِهِ أمْلُودَا تفسير : وهذا لا يرد على سيبويه، وسيأتي تأويل ذلك قريباً. ومنها: أنها تَلْحَقُهَا "التاء" فَيُلْتَزَمُ إفْرَادُهَا وتذكيرها، ويُسْتَغْنَى عن لحاقِ علامة الفُرُوعٍ بها بِلحاقِهَا بالكافِ، بخلاف التي لم تُضَمَّنْ معنى "أخبرني" فإنها تُطَابِقُ فيها، كما تقدَّم ما يُرادُ بها. ومنها: أنه يلحقها "كاف" هي حرف خطابٍ تُطابقُ ما يُرَادُ بها من إفرادٍ وتذكير وضِدَّيهما، وهل هذه "التَّاء" فاعل، و "الكاف" حرف خطاب [تبيَّن أحوال التاء، كما تبينه إذا كانت ضميراً، أو التاء حرف خطاب] و "الكاف" هي الفاعل, واسْتُعِيرَ ضَمِيرُ النَّصْبِ في مكان ضمير الرفع, أو "التاء" فاعلٌ أيضاً, و "الكاف" ضمير في موضع المفعول الأول؟ ثلاثةُ مذاهب مشهورة، الأوَّل: قول البصريين، والثاني: قول الفراء، والثالث: قول الكسائي، ولنَقْتَصِرْ على بعض أدلَّةِ كُلِّ فريق. قال أبو علي: "قولهم: "أرَأيْتَكَ زَيْداً ما فعل" بفتح "التاء" في جميع الأحوال، فالكافُ لا يخلو أن يكون للخطاب مُجَرَّداً، ومعنى الاسمية مَخْلُوعٌ منه، أو يكون دالاً على الاسم مع دلالتهِ على الخطابِ، ولو كان اسْماً لوجب أن يكُون الاسْمُ الذي بعده هو هو؛ لأن هذه الأفعال مفعولها الثَّاني هو الأوَّل في المعنى، لكنه ليس به، فتعيَّن أن يكون مَخْلُوعاً منه الاسميَّةُ، وإذا ثبت أنه للخطَابِ مُعَرى من الاسمية ثَبَت أن "التاء" لا تكون لِمُجرَّدِ الخطابِ، ألا ترى أنه لا ينبغي أن يَلْحَقَ الكَلِمَةُ علامتَا خطاب، كما لا يحلقها علامتا تأنيث ولا علامتَا استفهامٍ، فلمَّا لم يَجُزْ ذلك أفرِدَت "التاءُ" في جميع الأحْوَالِ لمَّا كان الفِعْلُ لا بُدَّ من فاعلٍ، وجُعِلَ في جميع الأحْوَالِ على لَفْظٍ واحد اسْتِغْنَاءً بما يَلْحَقُ "الكاف"، ولو لحق "التاء" علامةُ الفروع علامتَانِ للخطاب مما كان يَلْحَقُ "التاء"، وممَّا كان يلحق "الكاف"، فلما كان ذلك يُؤدِّي إلى ما لا نَظِيرَ له رُفِضَ، وأجْرِي على ما عليه سِائِرُ كلامهم". وقال الزَّجَّاج بعد حكايته مَذْهَبَ الفراء: "وهذا القَوْلُ لم يَقْبَلُهُ النحويون القُدَمَاءُ وهو خَطَأٌ؛ لأنَّ قولك: "أرأيت زَيْداً ما شأنه" لو تعدَّتِ الرؤية إلى "الكاف" وإلى زيد لصار المعنى: أرَأتْ نَفْسُكَ زيداً ما شأنُهُ وهذا مُحَالٌ" ثم ذكر مذهب البصريين. وقال مكِّي بن أبي طالبٍ بعد حكايته مَذْهَبَ الفرَّاءِ: "وهذا مُحَالٌ، لأنَّ "التاء" هي "الكاف" في "أرأيتكم"، فكان يجب أن تُظْهَرَ علامةُ جمع "التاء" وكان يجب أن يكون فاعلان لفعلٍ واحدٍ وهما لِشَيءٍ واحد، ويجب أن يكون معنى قولك: "أرأيتك زَيْداً ما صَنَعَ": أرأيْتَ نَفْسَكَ زَيْداً ما صنع؛ لأن "الكاف" هو المُخَاطَبُ، وهذا مُحَالٌ في المعنى، ومُتَنَاقِضٌ في الإعراب والمعنى؛ لأنك تَسْتَفْهِمُ عن نفسه في صَدْرِ السُّؤال، ثم ترد السؤال إلى غيره في آخره وتخاطبه أولاً، ثم تأتي بغائبٍ آخر، أو لأنه يَصِيرُ ثلاثة مفعولين لـ "رأيت"، وهذا كله لا يَجُوزُ. ولو قلت: "أرأيتك عالماً بزيد" لكان كلاماً صحيحاً، وقد تعدَّى "رأى" إلى مفعولين". وقال أبو البقاء بعدما حكا مذهب البصريين: "والدَّليلُ على ذلك أنها - أي "الكاف" - لو كانت اسْماً لكانت: إمَّا مَجْرُورةً - وهو باطلٌ إذ لا جارَّ هنا - وإمَّا مَرْفُوعَةٌ، وهو باطِلٌ أيضاً لأمرين: أحدهما: أن "الكاف" ليست من ضمائر الرفع. والثاني: أنها لا رَافِع لها؛ إذا ليست فاعلاً؛ لأن "التاء" فاعل، ولا يكون لفعل واحدٍ فاعلان، وإمَّا أن تكون مَنْصُوبةً، وذلك باطلٌ لثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا الفِعْلَ يتعدَّى إلى مَفْعُولينِ كقولك: "أرأيت زيداً ما فعلَ" فلو جعلت "الكاف" مفعولاً لكان ثالثاً. والثاني: أنه لو كان مَفْعُولاً لكان هو الفاعل في المَعْنَى، وليس المعنى على ذلك، إذ ليس الغَرَضُ أرأيت نفسك، بل أرأيت غيرك، ولذلك قلت: أرأيتك زيداً وزيد غير المُخَاطَبِ، ولا هو بدل منه. والثالث: أنه لو كان مَنْصُوباً على أنه مَفْعُولٌ لظَهَرتْ علامةُ التثنية والجمع والتَّأنيث في "التاء" فكنت تقول: أرأيتماكما، أرأيتموكم، أرأيتكنَّ". ثم ذكر مَذْهَبَ الفرَّاءِ ثم قال: " وفيما ذكرنا إبطالٌ لمذهبه". وقد انْتَصَرَ أبو بكر بن الأنْبَاريّ لمذهب الفرَّاء بأن قال: "لو كانت "الكافُ" توكيداً لوقَعت التَّثْنِيَةُ والجمع بالتاء، كما يَقَعَانَ بها عند عدم "الكاف"، فلمَّا فُتِحت "التاءُ" في خِطَابِ الجَمْعِ ووقع مِيْسَمُ الجمع لغيرها كان ذلك دَلِيلاً على أن "الكاف" غيرُ توكيد. ألا ترى أن "الكاف" لو سَقَطَتْ لم يَصلُحْ أن يُقالَ لجماعة: أرأيت، فوضحَ بهذا انْصِرَافُ الفِعْلِ إلى "الكاف"، وأنها واجبةٌ لازَمَةٌ مُفْتَقَرٌ إليها". وهذا الذي قاله أبُو بَكْرٍ بَاطِلٌ بالكاف اللاحِقَةِ لاسم الإشارة، فإنها يَقَعُ عليها مِيْسَمُ الجَمْعِ، ومع ذلك هي حرفٌ. وقال الفراء: "موضعُ "الكاف" نصب، وتأويلها رَفْعٌ؛ لأن الفعل يِتَحَوَّلُ عن "التاء" إليها، وهي بِمَنْزِلَةِ "الكاف" في "دونك" إذا أغْريَ بها، كما تقول: "دُونَكَ زيداً" فتجد "الكاف" في اللَّفْظِ خَفْضاً، وفي المعنى رفعاً؛ لأنها مَأمُورةٌ، فكذلك هذه "الكافُ" موضعُها نصبٌ، وتأويلها رفع". قال شهابُ الدين: "وهذه الشُّبْهَةُ بَاطِلةٌ لما تقدَّم، والخلافُ في "دونك" و"إليك" وبابهما مَشْهُورٌ تقدَّم التَّنْبِيهُ عليه مراراً". وقال الفرَّاءُ أيضاً كلاماً حَسَناً [رأيت أن أذكره فإنه مُبِينٌ نَافِعٌ] قال: للعرب في "أرأيت" لغتان ومعنيان: أحدهما: رؤية العَيْنِ، فإذا رأيت هذا عَدَّيْتَ الرؤية بالضمير إلى المُخَاطَبِ، ويتصرَّفُ تصرُّف سَائِرِ الأفعال، تقول للرجل: "أرأيتك على غير هذه الحالِ"، تريدُ: هل رأيت نفسك، ثم تُثَنِّي وتَجْمَعُ فتقول: "أرَأيْتُمَاكُمَا، أرَأيْتُمُوكُمْ، أرَأيْتُكُنَّ". والمعنى الآخر: أن تقول: "أرأيتك" وأنت تريد معنى "أخبرني"، كقولك: أرأيتك إنْ فَعَلْتُ كذا ماذا تَفْعَلُ، أي: أخبرني، وتترك "التاء" إذا أردت هذا المعنى مُوَحَّدةً على كل حالٍ تقول: "أرأيتكما، أرأيتكم، أرأيتكنَّ"، وإنما تركتِ العربُ "التاء" واحدةً؛ لأنهم لم يريدوا أن يكون الفِعْلُ واقعاً من المُخَاطَبِ على نفسه، فاكْتَفَوْا من علامةِ المُخاطبِ بذكره في المكان، وتركوا "التاء" على التذكير والتوحيد إذا لم يكون الفِعْلُ واقعاً، والرُّؤيَةُ من الأفعال الناقصة التي يُعَدِّيها المُخَاطبُ إلى نفسه بالمكنى مثل: ظننتني ورأيتني، ولا يقولون ذلك في الأفْعَالِ التَّامةِ، لا يقولون للرجل: قَتَلْتَكَ بمعنى: قتلت نفسك, ولا أحْسَنْتَ إليك, كما يقولون: نتى تَظُنُّك خارجاً؟ وذلك أنَّهم أرَادُوا الفَصْلَ بين الفعلِ الذي قد يُلْغَى، وبين الفعل الذي لا يَجُوزُ إلْغَاؤهُ، ألا ترى أنك تقول: "أنا أظُنُّ خَارِجٌ" فتلغي "أظن" وقال الله تعالى {أية : أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق:7] ولم يَقُل: رأى نَفْسَهُ. وقد جاء في ضرورة الشعر إجْرَاءُ الأفعال التامة مُجْرَى النواقص؛ قال جِرَانُ العَوْدِ: [الطويل] شعر : 2166- لَقَدْ كَانَ لِي عَنْ ضَرَّتَيْنِ عَدِمْتُنِي وَعَمَّا ألاَقِي مِنْهُمَا مُتَزَحْزحُ تفسير : والعربُ تقول: "عَدِمْتني ووَجَدْتُني وفَقدْتُني" وليس بوجه الكلام. انتهى. واعلم أنَّ النَّاس اختلفوا في الجملة الاستِفْهَامِيَّةِ الواقِعَةِ بعد المنصوب بـ "أرأيتك" [نحو: أرأيتك] زَيْداً ما صنع؟ فالجمهور على أنَّ "زيداً" مفعول أوَّل، والجملة بعده في مَحَلِّ نصبٍ سادَّةً مَسَدَّ المفعول الثاني. وقد تقدَّم أنه لا يجُوزُ التَّعْلِيقُ في هذه، وإن جاز في غيرها من أخَوَاتِهَا نحو: علمت زيداً أبو مَنْ هو. وقال ابن كَيْسَان: "إن هذه الجملة الا ستفهاميَّة في أرأيت زيداً ما صنع بَدَلٌ من أرأيتك". وقال الأخْفَشُ: "إنه لا بُدَّ بعد "أرأيت" التي بمعنى "أخبرني" من الاسم المُسْتَخْبَرِ عنه، ويَلْزَمُ الجُمْلَةَ التي بعده الاستفهام؛ لأن "أخبرني" موافق لمعنى الاستفهام". وزعم أيضاً أنها تخرج عن بابها، فتكون بمعنى "أما" أو "تنبَّه"، وحينئذٍ لا يكونُ لها مَفْعُولانِ، ولا مَفْعُولٌ واحدٌ، وجعل من ذلك: {أية : أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ} تفسير : [الكهف:63]. وهذا ينبغي ألاَّ يجوز؛ لأنه إخْرَاجٌ لِلَّفْظةِ عن موضوعها من غير دَاعٍ إلى ذلك. إذا تقرَّرَ هذا فَيْلُرْجَعْ إلى الآية الكريمة فَنَقُولُ، وبالله التوفيق: اختلف النَّاسُ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المفعول الأول، والجملة الاستفهامية التي سدَّت مسدَّ الثاني مَحْذُوفانِ لفهم المعنى، والتقديرُ: أرأيتكم عبادتكم الأصْنَامَ هل تنفعُكمُ؟ أو اتِّخَاذكُمْ غَيْرَ الله إلهاً هَلْ يِكشِفُ ضُركم؟ ونحو ذلك، فـ "عِبَادَتَكُمْ" أو "اتِّخاذكم" مفعول أوّل، والجملة الاستفهامية سادَّةٌ مسدَّ الثَّاني، و"التاء" هي الفاعل، و"الكاف" حرف خطاب. الثاني: أن الشَّرْطَ وجوابَهُ - وسيأتي بَيَانُهُ - قد سدَّا مَسَدَّ المفعولين؛ لأنهما قد حَصَّلا المعنى المقصود، فلم يَحْتَجْ هذا الفعل إلى مَفْعُولٍ، وليس بشيء؛ لأن الشَّرْطَ وجوابه لم يُعْهَدْ فيهما أن يَسُدَّا مَسَدَّ مفعولي "ظَنَّ"، وكونُ الفاعلِ غيرَ مُحْتاجٍ لمفعول إخْرَاجٌ له عن وضعه، فإن عنى بقوله: "سَدَّا مَسدَّهُ" أنَّهُمَا دَالاَّنِ عليه فهو المُدَّعَى. والثالث: أن المفعول الأوَّل محذوفٌ، والمسألةُ من باب التَّنازُعِ بين "أرأيتكم وأتاكم"، والمُتنازعُ فيه لَفْظُ "العذاب" وهذا اختيار أبي حيَّان، ولنُورِدْ كلامه ليظهر فإنه كلامٌ حسنٌ قال: "فنقول: الذي نَخْتَارُهُ أنها بَاقِيَةٌ على حكمها في التعدِّي إلى اثنين، فالأوَّل منصوب، والثاني لم نَجِدْهُ بالاسْتِقْرَاءِ إلاَّ جملة استفهاميةً أو قَسَمِيَّةً. فإذا تقرَّرَ هذا فنقول: المفعول الأول في هذه الآية مَحْذُوفٌ، والمسألة من باب التَّنازُعِ، تنازع "أرأيتكم" والشرط على "عذاب الله" فأعمل الثَّاني، وهُو "أتاكم"، فارتفع "عذابَ" به، ولو أعمل الأوَّل لكان التَّرْكيب: "عذاب" بالنَّصْبِ، ونظير ذلك "اضرب إنْ جاءك زيد" على إعْمَالِ "جاءك"، ولو نصب لجاز، وكان من إعمال الأوَّل. وأمَّا المفعول الثَّاني، فهو الجملة من الاستفهام "أغَيْرَ الله تَدْعُونَ" والرَّابِطُ لهذه الجملة بالمفعول الأوَّل المحذوف مَحْذُوفٌ تقديره: أغَيْرَ الله تدعون لِكَشْفِهِ، والمعنى: قل: أرأيتكم عذابَ الله إن أتاكم - أو السَّاعة إن أتتكم - أغَيْرَ الله تَدْعُونَ لكشفه، أو لكشف نَوازِلها". انتهى. والتقدير الإعْرَابيُّ الذي ذكره يَحْتَاجُ إلى بعض إيْضَاحٍ، وتقديره: قل: أرأيتكموه أو أريتكم إيَّاهُ إن أتاكم عَذابُ الله، فذلك الضمير هو ضَمِيرُ العذابِ لمَّا عَمِلَ الثَّاني في ظاهره أعْطِيَ المُلْغَى ضَمِيرَهُ، وإذا أضْمِرَ في الأوَّل حُذِفَ ما لم يكن مَرْفُوعاً، أو خبراً في الأصْلِ، وهذا الضمير ليس مَرْفُوعاً، ولا خبراً في الأصل، فلأجل ذلك حُذِفَ ولا يَثْبُتُ إلاَّ ضَرُورَةً. وأمَّا جوابُ الشَّرْط ففيه خَمسةُ أوجهٍ: أحدها: أنه مَحْذُوفٌ، فقدَّرهُ الزمخشري: "إن أتاكم عذابُ الله مَنْ تدعون". قال أبو حيَّان: "وإصْلاحُهُ أن تقول: "فَمَنْ تَدْعُون" بالفاء؛ لأن جواب الشَّرْطِ إذا وقع جُمْلَةً اسْتفهامِيَّةً فلا بُدَّ فيه من الفاء". الثاني: أنه "أرأيتكم"، قاله الحُوفي، وهو فَاسِدٌ لوجهين: أحدهما: أنّ جواب الشرط لا يتقدَّمُ عند جمهور البصريين، إنما جوَّزه الكوفيون، وأبو زيدٍ، والمُبَرِّدُ. والثاني: أن الجملة المُصدَّرةَ بالهمزة لا تقعُ جواباً للشَّرْطِ ألْبَتَّةً، إنما يقع من الاسْتِفْهَامِ ما كان بـ "هل" أو اسْم من أسْمَاءِ الاستفهام، وإنما لم تَقعِ الجُمْلَةُ المصدَّرةُ بالهمزة جواباً؛ لأنه لا يخْلُو: أن تأتي معها بالفاء، أو لا تأتي بها، لا جَائِز ألاَّ تأتي بها؛ لأن كُلَّ ما لا يَصْلُحُ شرطاً يجب اقْتِرَانُهُ بالفاء إذا وقع جواباً. ولا جَائِزَ أن تأتي بها؛ لأنك: إمَّا أن تأتي بها قَبْلَ الهمزة، نحو: "إن قمت فأزيد مُنْطَلِقٌ"، أو بعدها نحو: "أفَزَيدٌ مُنْطَلِقٌ"، وكلاهما مُمْتَنِعٌ، أمَّا الأوَّل فلتَصَدُّرِ "الفاء" على الهمزة. وأما الثَّاني، فإنه يُؤدِّي إلى عدم الجواب بالفاء في موضع كان يجبُ فيه الإتْيَانُ بها وهذا بخلاف هل، فإنك تأتي بالفاءِ قبلها، فنقول: "إن قمت فهل زيد قَائِم"؛ لأنه ليس لها تمامُ التصدير الذي تَسْتَحِقُهُ الهمزة، ولذلك تَصَدَّرتْ على بعض حروف العطفِ، وقد تقدَّم [مشروحاً] مراراً. الثالث: أنه "أغير الله" وهو ظَاهِرُ عِبَارَةِ الزمخشري، فإنه قال: "ويجوز أن يتعلَّق الشَّرْطُ بقوله: "أغير اللَّهِ تدعون"، كأنه قيل: أغير الله تَدْعُون إن أتاكُمْ عَذابُ الله". قال أبو حيَّان: ولا يجوز أن يتعلِّق الشرطُ بقوله: "أغير الله"؛ لأنه لو تعلَّقَ به لكانَ جواباً له، لكنه لا يقع جواباً، لأن جواب الشَّرْط إذا كان اسْتِفْهاماً بالحرف لا يَقَعُ إلا بـ "هل" وذكر ما قدَّمْتُه إلى آخره، وعزاه الأخفَشُ عن العرب، ثم قال: "ولا يجوز أيضاً من وجْهٍ آخر؛ لأنَّا قد قرَّرْنَا أنَّ "أرأيتك" مُتعدِّيةٌ إلى اثنين؛ أحدهما في هذه الآية محذوفٌ، وأنه من باب التَّنازُعِ، والآخر وقعت الجُملةُ الاستفهَامِيَّةُ موقعه، فلو جَعَلْتَهَا جواب الشَّرْطِ لبقيت "أرأيتكم" مُتعدِّيَةً إلى واحدٍ، وذلك لا يجوز". قال شهابُ الدين: وهذا لا يَلْزَمُ الزمخشري، فإنه لا يرتضي ما قاله من الإعراب المُشَارِ إليه. قوله: "يلزم تعدِّيهَا لِوَاحِدٍ". قلنا: لا نُسَلِّمُ، بل يتعدَّى لاثْنَيْنِ محذوفين ثانيهما جملة الاستفهام، كما قدَّره غَيْرُهُ: بـ "أرأيتكم عبادتكم هل تنفعكم" ثم قال: "وأيضاً التزامُ العرب في الشَّرْط الجائي بعد "أرأيت" مُضِيَّ الفعل دليلٌ على أنَّ جوابَ الشرط محْذُوفٌ، لأنه لا يُحْذَفُ جوابُ الشرط إلاَّ عند مُضِيَّ فِعْلِهِ، قال تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام:47] {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام:46] {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ} تفسير : [القصص:71] {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} تفسير : [يونس:50] {أية : أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} تفسير : [الشعراء:205] {أية : أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} تفسير : [العلق:13] إلى غير ذلك من الآيات. وقال الشاعر: [الرجز] شعر : 2167- أرَيْتَ إنْ جَاءَتُ بِهِ أمْلُودَا تفسير : وأيضاً مَجيءُ الجملة الاستفهاميَّةِ مصدَّرةً بهمزة الاستفْهَامِ دليلٌ على أنها ليست جوابَ الشَّرْط، إذ لا يَصِحُّ وُقُوعُهَا جواباً للشرط" انتهى. ولمَّا جوَّز الزمخشري أن الشَّرْطَ مُتعلِّقٌ بقوله: "أغَيْرَ الله" سأل سؤالاً، وأجاب عنه، قال: "فإن قلت: إن علّقت الشَّرْط به، فما تصْنَعُ بقوله: {فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ} مع قوله: {أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ}، وقوارعُ السَّاعةَ لا تُكْشَفُ عن المشركين؟ قلت: قد اشترط في الكَشْفِ المَشِيئَةَ وهو قوله: "إنْ شَاءَ" إيذَاناً بأنه إنْ فَعَلَ كان له وَجْهٌ من الحكمة، إلا أنه لا يَفْعَلُ لِوَجْهٍ آخرَ من الحكمة أرجح منه". قال أبو حيَّان: "وهذا مَبْنِيُّ على أن الشَّرطَ متعلقٌ بـ "أغير الله" وقد اسْتَدْلَلْنَا على أنه لا يَجُوزُ". قال شهابُ الدين: ترك الشَّيخُ التَّنْبِيهَ على ما هو أهَمُّ من ذلك, وهو قوله: "إلاَّ أنه لا يفعل لوجهٍ آخر من الحِكْمَةِ أرْجَحَ منه" وهذا أصْلٌ فاسدٌ من أصُولِ المعتزلة يزعمون أن أفعاله - تعالى تابعةٌ لمصالحَ وحكم، يترَّجحُ مع بعضها الفعلُ، ومع بعضها التركُ، ومع بعضها يَجبُ الفعلُ أو الترك، تعالى الله عن ذلك، بل أفْعَالُهُ لا تُعَلَّلُ بغرضٍ من الأغراض، {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} تفسير : [الأنبياء:23]، كما تقرر في علم الأصول. الرابع: أن جوابَ الشَّرْطِ محذوف تقديره: إن أتاكم عذابُ الله، أو أتتكم السَّاعَةُ [دَعَوْتُمْ] ودَلَّ عليه قوله: "أغير الله تدعون". الخامس: أنه مَحْذُوفٌ أيضاً، ولكنه مُقدَّرٌ من جِنْسِ ما تقدَّم في المعنى، تقديره: إن أتاكم عذابُ الله، أو أتتكم السَّاعةُ فأخبروني عنه أتَدْعُونَ غير الله لِكَشْفِهِ، كما تقول: "أخبرني عن زيدٍ إن جاءك ما تصنعُ به"، أي إن جاءك فأخْبِرْنِي عنه، فحذف الجوابُ لدلالة "أخبرني" عليه، ونظيرُهُ: أنت ظَالِمٌ إن فعلت، أي: فأنت ظَالِمٌ، فحذف "فأنت ظَالِمٌ" لدلالة ما تقدَّم عليه. وهذا ما اختارَهُ أبو حيَّان. قال: "وهو جارٍ على قواعدِ العربية" وادَّعى أنه لم يَرهُ لغيره. قوله: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُون}. "غَيْرَ" مفعول مُقدَّمٌ لـ "تَدْعون"، وتقديمُه: إمَّا للاخْتِصَاصِ كما قال الزمخشري: بَكَّتَهُمْ بقوله: أغير الله تَدْعُون، بمعنى: أتَخُصُّونَ آلهتكم بالدَّعْوةِ فيما هو عَادَتُكُمْ إذا أصَابَكُمْ ضُرُّ، أم تدعون الله دونها، وإمَّا للإنْكَارِ عليهم في دُعَائِهِمْ للأصْنَامِ، لأن المُنْكَرِ إنما هو دُعَاءُ الأصْنَام لا نَفْسُ الدُّعاء، ألا ترى أنك إذا قلت: "أزَيْداً تضربُ" إنما تُنْكِرُ كَوْنَ "زيد" محلاَّ للضَّرْب، [ولا تُنْكِرُ نَفْسَ الضرب،] وهذا من قَاعِدَةِ بَيَانِيَّةٍ قدمت التنبيه عليها عند قوله تعالى: {أية : ءَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي} تفسير : [المائدة:116]. قوله: {إنْ كُنْتُمْ صادقِينَ} جوابه مَحْذُوفٌ لدلالة الكلام عليه، وكذلك مَعْمُولُ "صَادِقِينَ"، والتقدير إن كنتم صَادِقينَ في دعْوَاكُمْ أنَّ غير الله إلهٌ، فهل تَدْعونه لِكَشْفِ ما يَحُلُّ بكم من العذابِ؟ فصل في المراد من الآية معنى الآية: قال ابن عبَّاسٍ: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتكم إن أتاكُمْ عذابُ الله قبل الموتِ، أرأيتكم السَّاعة يعني العذاب يوم القيامة، أترجعون إلى غير الله في دَفْعِ البلاء والضُّرِّ، أو ترجعون إلى الله في دَفْعِ البلاء والمِحْنَةِ لا إلى الأصنام والأوثانَ، وأراد الكُفَّارَ يدعون الله في أحْوالِ الاضْطِرَارِ كما أخبر اللَّهُ عنهم {أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [لقمان:32] لا جرم قال: {بَلْ إيَّاهُ تدعُونَ} "بل" حرفُ إضْرَابٍ وانتقال، لا إبطال لما عُرِفَ غير مَرَّةٍ من أنها في كلام اللَّهِ كذلك، و"إيَّاه" مفعول مُقدَّمٌ للاخْتِصَاصِ عند الزمخشري، ولذلك قال: بل تَخُصُّونه بالدُّعَاءِ، وعند غيره للاعْتِنَاء، وإن كان ثَمَّ حَصْرٌ واختصاصٌ فمن قَرينةٍ أخرى، و"إياه" ضمير منصوبٌ مُنْفِصلٌ تقدَّم الكلامُ عليه في "الفاتحة". وقال ابن عطية: "هنا "إيَّا" اسم مُضْمَرٌ أجري مجرى المظهرات في أنه مضاف أبَداً". قال أبو حيان: وهذا خِلافُ مذهب سيبويه أن ما بعد "إيَّا" حرف يُبَيَّن أحْوالَ الضمير، وليس مُضَافاً لما بعده لئلا يَلْزَمُ تَعْرِيفُ الإضافة، وذلك يِسْتَدْعِي تنكيره، والضَّمَائِرُ لا تَقْبَلُ التنكير فلا تَقْبَلُ الإضافة. قوله: "ما تَدْعُونَ" يجوز في "ما" أربعةُ أوجهٍ: أظهرها: أنها موصولةٌ بمعنى "الذي"، أي: فيكشف الذي تَدْعُونَ، والعائدُ محذوف لاسْتِكْمَالِ الشروط، أي: تَدْعُونَهُ. الثاني: أنها ظَرْفِيَّةٌ، قاله ابن عطية، وعلى هذا فيكون مَفْعُول "يكشفُ" مَحْذُوفاً تقديره: فيكشف العذابَ مُدَّة دعائكم، أي: ما دُمْتُمْ داعينه وقال أبو حيَّان: وهذا ما لا حاجةَ إليه مع أنَّ فيه وصْلَها بمضارعٍ، وهو قليلٌ جداً تقول: "لا أكَلِّمُكَ ما طلعت الشمسُ"، ويضعف: "ما تَطْلَعُ الشمس". قال شهاب الدين: قوله: "بمُضارع" كان ينبغي أن يقُول: "مثبت"؛ لأنه متى كان مَنْفِيَّا بـ "لم" كَثُرَ وصْلُهَا به، نحو قوله: [الطويل] شعر : 2168- وَلَن يَلْبَثَ الْجُهَّالُ أنْ [يَتَهَضَّمُوا] أخَا الحِلْمِ مَا لِمْ يِسْتَعِنْ بِجَهُولِ تفسير : ومِنْ وَصْلِهَا بمضارعٍ مثبتٍ قوله: [الوافر] شعر : 2169- أطوِّفُ مَا أطَوِّفُ ثُمَّ آوِي إلَى أمَّى وَيَرْوينِي النَّقِيعُ تفسير : وقول الآخر: [الوافر] شعر : 2170- أطَوِّفُ ما أطَوِّفُ ثُمَّ آوِي إلَى بِيْتٍ قَعِيدَتُهُ لكَاعٍ تفسير : فـ "أطَوِّفُ" صِلَةٌ لـ "ما" الظرفية. الثالث: أنها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ ذكره أبو البقاء، والعِائِدٌ أيضاً مَحْذُوفٌ أي: فيكشفُ شَيْئاً تَدْعُونه، أي: تَدْعُونَ كشْفَهُ والحَذْفُ من الصِّفَةِ أقَلُّ منه من الصلة. الرابع: أنها مَصْدَرِيَّةٌ، قال ابن عطيَّة: "ويَصِحَّ أن تكون مَصْدَرِيَّةً على حذفٍ في الكلام". قال الزجَّاج: وهو مثْل" {أية : وَسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف:82]. قال شهاب الدين: فيكشف سبب دعائكم وموجبه. قال أبو حيَّان: وهذه دَعْوَى محذوف غير مُعَيّن، وهو خلافُ الظاهر. وقال أبو البقاء: "وليست مَصْدَرِيَّةً إلاَّ أن تَجْعَلَهَا مصدراً بمعنى المفعول" يعني يصير تقديره: فيكشف مَدْعُوَّكُمْ، أي: الذي تَدْعُون لأجله، وهو الضُّرُّ ونحوه. قوله: "إليه" فيما يتعلَّق به وجهان: أحدهما: أن تيعلَّق بـ "تَدْعون"، والضَّمير حينئذٍ يعود على "ما" الموصولة، أي: الذي تَدْعُون إلى كَشْفِهِ، و"دعا" بالنسبة إلى متعلّق الدعاء يتعدَّى بـ "إلى" أو "اللام". قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [فصلت:33] {أية : وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [النور:48]. وقال: [الطويل] شعر : 2171- وإنْ أُدْعَ لِلْجُلَّى أكُنْ مِنْ حُمَاتِهَا .......................... تفسير : وقال: [البسيط] شعر : 2172- وَإنْ [دَعَوْت] إلى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ يَوْماً سَرَاةَ كِرَامِ النَّاسِ فَادْعِينَا تفسير : وقال: [المتقارب] شعر : 2173- دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَراً فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ تفسير : والثاني: أن يتعلَّق بـ "يكشفُ". قال أبو البقاء: "أي: يرفعه إليه" انتهى. والضميرُ على هذا عائدٌ على الله تعالى، وذكر أبو البقاء وَجْهَيِ التعلق ولم يَتَعَرَّضْ للضمير، [وقدْ عَرَفْتَهُ]. وقال ابن عطية: والضمير في "إليه" يَحْتَمِلُ أن يعُود إلى الله، بتقدير: فيكشف ما تدعون فيه إليه. قال أبو حيَّان: وهذا ليس بِجَيدٍ؛ لأنَّ "دعا" يتعدَّى لمفعول به دون حَرْفِ جرِّ: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر:60]، {أية : إِذَا دَعَانِ} تفسير : [البقرة:186] ومن كلام العرب: "دَعَوْتُ الله سَمِيعاً". قلت: ومِثْلُهُ: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ} تفسير : [الإسراء:110] {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعا} تفسير : [الأعراف:55] قال: "ولا تقولُ بهذا المعنى: "دعوت إلى الله" بمعنى: دعوت الله، إلاَّ أنه يمكن أن يُصَحَّحَ كلامُهُ بمعنى التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ "تدعون" معنى "تلجؤون فيه إلى الله" إلاَّ أنَّ التضمين ليس بقياس, لا يُصَارُ إليه إلاَّ عند الضَّرُورَةِ، ولا ضرورةَ تدعو إليه هنا". قال شهاب الدين: ليس التضمين مَقْصُوراً على الضرورة، وهو في القرآن أكثر من أن يُحْصَرَ، وقد تقدَّم منه جملة صَالِحَةٌ، وسيأتِي إن شاء الله - تعالى - مثلُهَا على أن قد يُقَال: تجويزُ أبي مُحَمَّدٍ عَوْدَ الضمير إلى الله - تعالى - مَحْمُولٌ على أن "إليه" مُتَعَلِّقٌ بـ "يكشف"، كما تقدَّم نَقْلُهُ عن أبي البقاءِ، وأن معناه يرفعه إليه، فلا يلزم المحذور المذكور، لولا أنه يُعَكِّرُ عليه تقديرُهُ بقوله: "تدعون فيه إليه"، فتقديره: "فيه" ظاهره أنه يَزْعُمُ تعَلُّقَهُ بـ "تَدْعُون". قوله: "إنْ شَاءَ" جوابه مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المعنى، ودلالة ما قبله عليه، أي: إنْ شَاءِ أن يَكْشِفَ كَشَفَ، وادِّعاءُ تقديم جوابِ الشرط هنا واضِحٌ لاقترانه بـ "الفاء" فهو أحْسَنُ من قولهم: "أنت ظالم إن فعلت" لكن يمنع من كونها جواباً هنا أنها سَبَبِيَّةٌ مرتبة، أي: أنها أفادت تَرتُّبَ الكَشْفِ عن الدعاء، وأن الدُّعَاءَ سَبَبٌ فيه، على أن لنا خِلاَفاً في "فاء" الجزاء: هل تفيد السَّبَبِيَّةَ أو لا؟ قوله: {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُون} الظاهر في "ما" أن تكون مَوْصُولَةَ اسمية، والمُرَادُ بها ما عُبِدَ مِنْ دون اللَّهِ مُطْلَقاً: العُقَلاَء وغيرهم، إلاّ أنه غَلَّبَ غير العقلاء عليهم كقوله: {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} تفسير : [النحل:49] والعائد محذوف، أي: ما تُشْرِكُونَهُ مع الله في العِبَادَةِ. وقال الفارسيُّ: "الأصْلُ: وتَنْسَوْنَ دُعاءَ ما تشركون، فحذف المضاف". ويجوز أن تكون مَصْدرِيَّةً، وحينئذٍ لا تَحْتَاجُ إلى عائد عند الجمهور. ثم هل هذا المصدر باقٍ على حقيقته؟ أي: تَنْسَوْنَ الإشراك نَفْسَهُ لما يَلْحَقُكُمْ من الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ، أو هو واقع موقع المعفول به، أي: وتنسون المُشْرَكَ به، وهي الأصنام وغيرها، وعلى هذه فمعناه كالأوَّلِ، وحينئذ يحتمل أن يكون السياق على بابه من "الغَفْلَة" وأن يكون بمعنى التَّرْكِ، وإن كانوا [ذاكرين] لها أي: للأصنام وغيرها. فصل في المراد من الآية معنى الآية فيكشف الضُّرَّ الذي من أجْلِهِ دَعَوْتُمْ إن شاء، وهذه الآية تَدُلُّ على أنه - تعالى - قد يجيب الدُّعَاءَ إن شاء، وقد لا يجيبه. فإن قيل: قوله: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر:60] يفيد الجَزْمَ بالإجابة، وهاهنا عَلَّقَ الإجابة على المشية، فكيف يجمع بين الآيتين؟ فالجوابُ أن يقال: تَارَةً يَجْزِمُ سُبْحَانَهُ بالإجابة، وتارةً لا يجيب إمَّا بحسب المشيئة كما يقول أهل السُّنَّةِ، أو بحسب رعايَةِ المصلحة كما يقول المعتزلة، ولمَّا كان كلا الأمرين حَاصِلاً لا جَرَمَ وردت الآيتين على هذهين الوجهين. فصل في أن أصل الدين هو الحجة وهذه الآية من أقْوَى الدَّلائِلِ على أن أصل الدين هو الحُجَّةُ والدليل، لا يخصُّ التقليد؛ لأنه - تعالى - كان يقول لِعبدةِ الأوْثَانِ إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله لا إلى الأصنام والأوثان، فَلِمَ تقدمون على الأصنام التي لا تَنْتَفِعُونَ بعبادتها ألْبَتَّةَ، وهذا الكلامُ إنما يُفيدُ لو كان ذكرُ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ مقبولاً، أمَّا لو كان مَرْدُوداً وكان الواجب التقليد كان هذا الكلام سَاقِطاً.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُكُم} أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُبكِّتَهم ويُلقِمَهم الحجرَ بما لا سبـيل لهم إلى النكير، والكاف حرف جيء به لتأكيد الخطاب لا محلَّ له من الإعراب ومَبْنىٰ التركيب وإن كان على الاستخبار عن الرؤية قلبـية كانت أو بصَرية لكنّ المرادَ به الاستخبارُ عن مُتعلَّقِها أي أخبروني {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} حسبما أتى الأممَ السابقةَ من أنواع العذاب الدنيوي {أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ} التي لا محيصَ عنها البتة {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ} هذا مناطُ الاستخبار ومحطّ التبكيت وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} متعلق بأرأيتكم مؤكِّد للتبكيت كاشفٌ عن كذبهم، وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدلالة المذكور عليه أي إن كنتم صادقين في أن أصنامكم آلهةٌ كما أنها دعواكم المعروفةُ، أو إن كنتم قوماً صادقين فأخبروني أغيرَ الله تدعون إن أتاكم عذابُ الله الخ، فإن صدقهم بأيِّ معنى كان من موجبات إخبارِهم بدعائهم غيرَه سبحانه، وأما جعلُ الجواب ما يدل عليه قولُه تعالى: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ} أعني فادعوه على أن الضمير لغير الله فمُخِلٌّ بجزالة النظم الكريم، كيف لا والمطلوبُ منهم إنما هو الإخبارُ بدعائهم غيرَه تعالى عند إتيانِ ما يأتي لا نفسُ دعائهم إياه، وقوله تعالى: {بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ} عطفٌ على جملة منفيةٍ ينْبىء عنها الجملةُ التي تعلقَ بها الاستخبارُ إنباءً جلياً كأنه قيل: لا غيرَه تعالى تدعون بل إياه تدعون وقوله تعالى {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ} أي إلى كشفه، عطفٌ على تدعون أي فيكشفه إثرَ دعائِكم، وقوله تعالى: {إِن شَاء} أي إن شاء كشفَه لبـيانِ أن قبولَ دعائِهم غيرُ مطَّردٍ، بل هو تابعٌ لمشيئته المبنيةِ على حِكَمٍ خفيةٍ قد استأثر الله تعالى بعلمها فقد يقبلُه كما في بعض دعواتهم المتعلقةِ بكشف العذاب الدنيوي، وقد لا يقبله كما في بعضٍ آخَرَ منها وفي جميع ما يتعلق بكشف العذابِ الأخرويِّ الذي من جملته الساعةُ. وقوله تعالى: {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} أي تتركون ما تشركونه به تعالى من الأصنام تركاً كلياً. عطفٌ على تدعون أيضاً وتوسيطُ الكشفِ بـينهما مع تقارنهما وتأخُرِ الكشف عنهما لإظهار كمال العنايةِ بشأن الكشفِ والأيذان بترتّبه على الدعاء خاصةً.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الآية: 40]. قيل أعلى غيره تتوكلون وإلى سواه ترجعون؟ وهو الذى وفقكم لمعرفته وأقامكم مقام الصادقين من عباده. قال الجريرى: مرجع العارفين إلى الحق فى أوائل البدايات، ومرجع العوام إليه بعد الإياس من الخلق. قال الله تعالى: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

القشيري

تفسير : إذا مَسَّكم الضُرُّ، ونَابَكُم أمرٌ فمِمَّنْ ترومون كَشْفَه؟ ومَنْ الذي تؤملون لُطْفَه؟ أمخلوقاً شرقياً أم شخصاً غربياً؟ أم مَلَكاً سماوياً أم عبداً أرضياً؟ ثم قال: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ}: أي إنكم - إنْ تذللتم بنفوسكم أو فكرتم طويلاً بقلوبكم - لن تجدوا من دونه أحداً، ولا عن حكمه مُلْتَحَداً، فتعودون إليه في استكشاف الضر، واستلطاف الخير والبِّر، كما قيل: شعر : ويرجعني إليك - وإن تناءتْ دياري عنكَ - معرفةُ الرجال وقد تركنـاكَ للـذي تريد فعسى إِنْ خَبَرْتَه أَنْ تعودا تفسير : فإذا جرَّبْتَ الكُل، وذُقْتَ الحُلْوَ والمُرَّ، أفضى بك الضُرُّ إلى بابه، فإذا رجعت بنعت الانكسار، وشواهد الذل والاضطرار، فإنه يفعل ما يريد: إِنْ شاء أتاح اليُسْر وأزال العُسر، وإن شاء ضاعف الضُر وعوَّض الأجر، وإنْ شاء ترك الحال على ما (قبل) السؤال والابتهال.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} غير الله الجاهلين ربوبيته عند امتحانهم ببلائه يرجعون الى غيره من الخلق لطلب المعاونة بدفع البلاء عنهم اى ان كنتم صادقين فى دعوى معرفتى تتكلمون الى غيرى عند نزول البلاء فانكم تدعوننى حين تدعون غيرى فان الدعاء لم يقع على غير اذفنى الحوادث فى سطوات عظمتى لكن لا يعلمون انكم تدعوننى حين يدعون غيرى من جهلكم بفناء الحدث فى القدم وايضا وبخهم بضرافهم عن بابه تعالى فى دة العيش من قلة وجدانهم حلاوة قربه ووصاله الى طلب زيادة حظوظهم انفسهم والسكون الى غير الله يرجعون الى يابه حين امتحنهم بالبلاء ويدعونه لكشف الضر عنهم لا لطلب مشاهدة وقربه يدعونه وهذا عادة للمفلسين المعرضين عنه الى غيره قيل على غيره تتكلمون والى سواه ترجعون وهو الذى وفقكم لمعرفته واقامكم مقام الصادقين من عباده قال الجريرى يرجع العارفين الى الحق فى اوائل البدايات ومرجع العوام اليه بعد الباس من الخلق قال الله تعالى اغير الله تدعون ان كنتم صادقين بل الصادق من اليه يرجع وايه يدعو قال الجنيد من دعا الحق فباياه لاياه تدعوا من غير حظ فيه ولا حضور من نفسه قال تعالى با اياه تدعون قال بعضهم بل اليه المرجع لمن غفل عنه خطابه.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد لاهل مكة {أرأيتكم} الكاف حرف خطاب اكدبه ضمير الفاعل المخاطب لتأكيد الاسناد لا محل له من الاعراب كالكاف فى اياك وذلك الكاف يدل على احوال المخاطب من الافراد والتذكير ونحوها فهو يطابق ما يراد به والتاء تبقى على حالة واحدة مفردة مفتوحة ابدا نحو ارأيتك ارأيتكما ارأيتكم ومبنى التركيب وان كان على الاستخبار عن الرؤية قلبية كانت او بصرية لكن المراد به الاستخبار عن متعلقها اى اخبرونى فجعل العلم او الابصار الذى هو سبب الاخبار مجازا عن الاخبار عن متعلقها اى اخبرونى فجعل العلم او الابصار الذى هو سبب الاخبار مجازا عن الاخبار وجعل الاستفهام الذى للتبكيت والالجاء الى الاقرار مجازا عن الامر بجامع الطلب {إن أتٰكم عذاب الله} فى الدنيا كما اتى من قبلكم من الامم {او أتتكم الساعة} اى القيامة المشتملة على ذلك العذاب وهو العذاب الاخروى. والساعة اسم لوقت تقوم فيه القيامة سمى بها لانها ساعة خفيفة يحدث فيها امر عظيم {أغير الله تدعون} هذا مناط الاستخبار ومحط التبكيت {إن كنتم صادقين} جواب الشرط محذوف اى ان كنتم صادقين فى ان اصنامكم آلهة كما انها دعواكم المعروفة فاخبرونى أغير الله تدعون إن أتاكم عذاب الله فان صدقهم بهذا المعنى من موجبات أخبارهم بدعائهم غيره سبحانه.

ابن عجيبة

تفسير : قال في المشارق: أرأيتك: معناه: الاستخبار والاستفهام، أي: أخبرني عن كذا، وهو بفتح التاء في المذكر والمؤنث والواحد والجمع، تقول: أرأيتك وأرأيتكما وأرأيتكم، ولم تُثَن ما قبل علامة المخاطب ولم تَجمعَهُ، فإذا أردت معنى الرؤية ـ أي البصرية ـ ثَنيت وجمعت وأنثت، فقلت: أرأيتك قائمًا، وأرأيتُكِ قائمة، وأرأيتكما وأرأيتموكم وأرأيتيكن. هـ. وقال في الإتقان: إذا دخلت الهمزة على "رأيت" امتنع أن يكون من رؤية العين والقلب، وصار المعنى: أخبرني، وهو خلاف ما قال في المشارق، فانظره وانظر الحاشية الفاسية. قال البيضاوي: {أرأيتكم}: استفهام تعجب، والكاف: حرف خطاب، أكد به الضمير للتأكيد، لكن لا محل له من الإعراب، لأنك تقول: أرأيتك زيدًا ما شأنه، فلو جعلت الكاف مفعولاً ـ كما قاله الكوفيون ـ لعدَّيت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، ولزم في الآية أن يقول: أرأيتكموكم، بل الفعل معلق، أو المفعول محذوف، وتقديره: أرأيتكم آلهتكم تنفعكم إذ تدعونها إن أتاكم عذاب الله، ويدل عليه: {أغير الله تدعون}. هـ. وجواب {إنْ}: محذوف؛ أي: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة فمن تدعون؟ وجواب {إن كنتم}: محذوف أيضًا؛ أي: إنَّ كنتم صادقين في أنَّ غير الله ينفعكم فادعوه، ثم وصفهم بأنهم لا يدعون حينئذٍ إلا الله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم يا محمد: {أرأيتكم} أي: أخبروني {إن أتاكم عذاب الله} في الدنيا كما أتى من قبلكم، {أو أتتكم الساعة} وأهوالها، {أغير الله تدعون} وتلتجئون إليه في كشف ما نزل بكم {إن كنتم صادقين} أن الأصنام آلهة، لا، {بل أياه تدعون} وحده، {فيكشف ما تدعون إليه} أي: ما تدعونه إلى كشفه، {إن شاء} أن يتفضل عليكم بالكشف في الدنيا، وقد لا يشاء، {وتنسون ما تشركون} أي: وتتركون آلهتكم في ذلك الوقت؛ لِما ركز في العقول من أنه قادر على كشف الضر دون غيره، أو تنسون من شدة الأمر وهوله. الإشارة: إنما يظهر توحيد الرجال عند هجوم الأحوال، فإن رجع إلى الله وحده ولم يلتفت إلى شيء سواه، علمنا أنه من الأبطال، وإن فزع إلى شيء من السَّوى، علمنا أنه من جملة الضعفاء. وعندهم من جملة أصول الطريق: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فإن رجع إليه أجابه فيما يريد، وفي الوقت الذي يريد، وقد لا يريد على حسب إرادة المريد. والله تعالى أعلم. ثم حضَّ على الرجوع إليه في حالة الضراء، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ الكسائي وحده "أريتكم" وما جاء منه اذا كان استفهاما بحذف الهمزة التي بعد الراء. والباقون باثباتها، وتحفيفها الا أهل المدينة، فانهم جعلوها بين بين، فان كان غير استفهام اتفقوا على اثبات الهمزة وتخفيفها الا ما رواه ورش في تحقيقها في ستة مواضع ذكرت في باب الهمزة في القراءات. من حقق الهمزة، فلانه (فعلت) من الرؤية، فالهمزة عين الفعل، ومن خفف فانه جعلها بين بين، وهذا التخفيف على قياس التحقيق، ومن حذف الهمزة فعلى غير مذهب التخفيف، لان التخفيف القياس فيها أن تجعل بين بين، كما فعل نافع، وهذا حذف، كما قالوا، ويلمه، وكما أنشد احمد بن يحيى: شعر : ان لم أقاتل فالبسوني برقعا تفسير : وقال ابو الاسود: شعر : يابا المغيرة رب أمر معضل تفسير : وذكر أن عيسى كذلك كان يقرأها ويقوي ذلك قول الراجز: شعر : أريت ان جاءت به أملودا مرجَّلا ويلبس البرودا تفسير : وقال الفراء: العرب لها في (أرأيت) لغتان: احدهما - ان يسأل الرجل الرجل أرأيت زيدا بعينك؟ فهذه مهموزة، فاذا أوقعتها على الرجل منه قلت: أرأيتك على غير هذه الحال تريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحال ثم يثنى ويجمع، فتقول للرجلين أرايتما كما، وللقوم أرايتموكم، وللنسوة أرأيتنكن، وللمرأة أرأيتك بخفض التاء ولا يجوز إِلا ذلك. والآخر - ان تقول ارأيتك. وانت تريد اخبرني، فتهمزها وتنصب التاء منها وتترك الهمز ان شئت، وهو اكثر كلام العرب، وتترك التاء مفتوحة للواحد، والجمع مؤنثه ومذكره، تقول للمرأة: أرايتك زيدا، وللنساء أرايتكن زيدا ما فعل. وانما تركت العرب التاء واحدة لانهم لم يريدوا أن يكون الفعل منها واقعا على نفسها، فاكتفوا بذكرها في الكاف ووجهوا التاء الى المذكر والتوحيد، اذا لم يكن الفعل واقعا على نفسها. واختلفوا في هذه الكاف، فقال الفراء: موضعها نصب وتأويلها رفع، مثل قولك: دونك زيدا، فموضع الكاف خفض، ومعناه الرفع، لان المعنى خذ زيدا. قال الزجاج: هذا خطأ ولم يقله أحد قبله، قال: لان قولك أرايتك زيدا ما شأنه يصير أرايت قد تعدت الى الكاف والى زيد، فنصب أرايت اسمين فيصير المعنى: أرايت نفسك زيدا ما حاله. وهذا محال. قال والصحيح الذي عليه النحويون ان الكاف لا موضع لها والمعنى أرايت زيدا ما حاله، والكاف زيادة في بيان الخطاب، وهو المعتمد عليه في الخطاب ولذلك تكون التاء مفتوحة في خطاب المذكر والمؤنث والواحد والجمع. فنقول للرجل أرايتك زيدا ما حاله بفتح التاء والكاف وللمرأة أرايتك بفتح التاء وكسر الكاف، لانها صارت آخر ما في الكلمة، وللاثنين أرايتكما، وللجمع أرايتكم، فتوحد التاء، فكما وجب ان توحدها في التثنية والجمع، كذلك وجب ان تذكرها مع المؤنث، فان عديت الفاعل الى المفعول في هذا الباب صارت الكاف مفعوله تقول: رأيتني عالما بفلان، فاذا سألت علي هذا الشرط قلت للرجل: أريتك عالما؟ وللاثنين أرأيتماكما وللجمع أرأيتموكم، لان هذا في تأويل أرأيتم أنفسكم، وللمرأة ارأيتك، وللثنتين أرايتما كما، وللجماعة أرايتنكن، فعلى هذا قياس هذين البابين. قال ابو علي الفارسى: لا يخلو ان يكون الكاف للخطاب مجردا، ومعنى الاسم مخلوعا منه أو يكون دالا على الاسم مع دلالته على الخطاب، والدليل على انه للخطاب مجردا من علامة الاسم أنه لو كان اسما وجب ان يكون الاسم الذي بعده في نحو قوله {أية : أرأيتك هذا الذي كرمت علي}تفسير : وقولهم: أريتك زيدا ما صنع هو الكاف في المعنى، ألا ترى ان (رأيت) يتعدى الى مفعولين يكون الاول منهما هو الثاني في المعنى واذا لم يكن المفعول الذي بعده هو الكاف في المعنى، وإنما هو غيره وجب ان يدل ذلك على أنه ليس باسم، واذ لم يكن اسما كان حرفا للخطاب مجردا من معنى الاسمية، كما أن الكاف في (ذلك وهنالك) للخطاب ومثله التاء في (أنت) لانه للخطاب معرى من معنى الاسم فاذا ثبت انه للخطاب معرى من معنى الاسماء ثبت ان التاء لا يجوز أن تكون بمعنى الخطاب ألا ترى أنه لا ينبغي ان يلحق الكلمة علامتان للخطاب، كما لا يلحقها علامتان للتأنيث، ولا علامتان للاستفهام، فلما لم يجز ذلك افردت التاء في جميع الاحوال لما كان الفعل لا بد له من فاعل وجعل في جميع الاحوال على لفظ واحد، لان ما يلحق الكاف من معنى الخطاب يبين الفاعلين، لتخصيص التأنيث من التذكير والتثنية من الجمع، فلو لحق علامة التأنيث والجمع التاء لاجتمع علامتان للخطاب بما كان يلحق التاء وما يلحق الكاف وذلك يؤدي الى ما لا نظير له فرفض لذلك. أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بهذه الآية ان يقول لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الاصنام {أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله} كما اتى الكافرين من قبلكم كعاد وثمود، وغيرهم {أو آتتكم الساعة} وهي القيامة. قال الزجاج: الساعة اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد واسم للوقت الذي تبعث فيه، والمعنى أرأيتكم الساعة التي وعدتم فيها بالبعث والفناء، لان قبل البعث يموت الخلق كلهم، اتدعون فيها - لكشف ذلك عنكم - هذه الاوثان التي تعلمون أنها لا تقدر أن تنفع أنفسها ولا غيرها؟! أو تدعون لكشف ذلك عنكم الله تعالى الذي هو خالقكم ومالككم ومن يملك ضركم ونفعكم؟ ودلهم بذلك على انه لا ينبغي لهم ان يعبدوا ما لا يملك لهم نفعا ولا يقدر أن يدفع عنهم ضرا وان يعبدوا الله وحده الذي هو خالقهم ومالكهم والقادر على نفعهم وضرهم. وقوله {إن كنتم صادقين} يعني في ان هذه الاوثان آلهة لكم، فبين الله لهم بذلك انها ليست آلهة وانهم في هذا القول غير صادقين. وقوله {بل إياه تدعون} معنى {بل} استدراك وايجاب بعد نفي تقول ما جاءني زيد بل عمرو. واعلمهم الله تعالى انهم لا يدعون في حال الشدائد الا إِياه، لانه إِذا لحقهم الشدائد والاهوال في البحار والبراري القفار، التجؤا فيه اليه وتضرعوا لديه، كما قال {أية : وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين}تفسير : وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لانهم عبدوا الاصنام. وقوله {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} معناه يكشف الضر الذي من اجله دعوتم، وهو مجاز كقوله {واسأل القرية} ومعناه واسأل أهل القرية. وقوله {وتنسون ما تشركون} معنى تنسون يحتمل امرين: احدهما - ان يكون بمعنى ما تشركون بالله. الثاني - أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من نسيهم، وهذا الذي أحتج الله به على الكفار دلالة على صحة الاحتجاج في الدين على كل من خالف الحق، لانه لو كان الاحتجاج لا يجوز ولا يفضي الى الحق لما احتج به على عباده في كتابه. وانما قال: {إن شاء} لانه ليس كلما يدعون لكشفه يكشفه عنهم بل يكشف ما شاء من ذلك مما تقتضيه المصلحة وصواب التدبر، وتوجبه الحكمة. والاستثناء راجع الى العذاب دون الساعة، لانها لا تكشف ولا محيص عنها.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُكُم} هذه اللّفظة لكثرة استعمالها صارت كالمثل فلا يتغيّر الضّمير المرفوع بحسب حال المخاطب وقد يلحق صورة الضّمير المنصوب بها وقد لا تلحق واذا لحقت يلحظ فيها كثيراً حال المخاطب وهى حرف خطابٍ او ضمير نصب تأكيد للضّمير المرفوع او مفعول اوّل لرأيت واذا كانت حرفاً للخطاب او تأكيداً للضّمير المرفوع فمفعولا رأيت كانا محذوفين، او جملة الشّرط والجزاء قائمة مقامهما معلّقاً عنها رأيت، او جملة غير الله تدعون معلّقاً عنها واذا كانت مفعولاً اوّلاً فالمفعول الثّانى محذوف او هو جملة الشّرط والجزاء او جملة غير الله تدعون معلّقاً عنها مفعولاً واذا كانت اوّلاً فالمفعول الثّانى محذوف او هو جملة الشّرط والجزاء او جملة غير الله تدعون معلّقاً عنها العامل ولمّا كان الاستفهام استخباراً او كانت هذه الكلمة غير باقية على صورتها ومعناها الاصيلين صار المقصود الاستخبار من مضمون ما بعدها من غير نظرٍ الى مضمون نفسها فكأنّه قال اخبرونى {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} فى الدّنيا والآخرة او المنظور منه عذاب الدّنيا فقط لاشعار السّاعة بعذاب الآخرة {أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ} فسّرت السّاعة بساعة الموت وساعة ظهور القائم عجّل الله فرجه وبساعة القيامة والكلّ صحيح اذا المقصود إتيان حالة لا يثبت فيه الخيال ويفرّ الهوى والآمال وهذه الحالة تكون فى كلّ من هذه {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ} يعنى لا تدعون فى هذه الحال الاّ الله المتعال لانّ كلّ ما سواه ممّا هو متشبّث الخيال ومعتمد الهوى والآمال ينسى ولا يبقى فى تلك الحالة الاّ الفطرة الانسانيّة المفطورة على دعاء الله وجواب الشّرط محذوف او هو جملة اغير الله بحذف الفاء {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فى اشراك الاصنام او الكواكب فى الآلهة والجملة معترضة وجواب الشّرط محذوف والتّقدير ان كنتم صادقين فادعوا غير الله فى تلك الحال.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أرأيتُكم} أخبرونى أيها الكفرة العبدة الأصنام، وذلك أن الرؤية أو العلم بالشئ سبب للإخبار الاستفهامى، والكاف حرف خطاب أكدت به التاء، والميم هى التى تتصل بالتاء فى نحو: ضربتم، لكن فصلت بينهما الكاف، وليست بالتى تتصل بالكاف فى نحو ضربكم، فالفاعل التاء، والميم علامة على أن المراد بها الجماعة، والكاف تأكيد للخطاب بها والفصل بها، مما يدل على أن الفاعل فى نحو ضربتم هو التاء وحدها ولواحقها علامات على المراد إذ لا يفصل بعض الضمير ولم تؤخر الكاف لئلا يكون اللفظ على صيغة غير واردة، ولم تقدم لأن المؤكد بعد المؤكد، ولأنه بصيغة ضمير النصب وهو لا يسبق فى الاتصال ضمير الرفع، وأصل هذه التاء الضم، لأنها التى تتصل مع الميم الشبيهة بالواو التى تناسب الضم فى نحو: ضربتم، ولكن لما فصلت بالكاف رجعت لأصلها الأول وهو الفتح، لأنها للخطاب، هذا ما ظهر لى فى تحقيق المقام. وظهر لى وجه آخر هو أن التاء فاعل كما فى الوجه الأول المراد به الجماعة كما فى الوجه الأول، لكن ليست الميم لها، بل للكاف كميم ذلكم، استغنى بهما إذ كان الكاف للخطاب، والميم حرف للجماعة جماعة الذكور، لعدم حرف علامة الإناث عما يلحق التاء من الميم فى نحو: ضربتم، والكاف أيضا فى هذا الوجه حرف خطاب، وقال الكوفيون: الكاف مفعول به، والميم له لا للتاء، ويرده أنه يقال: أرأيتك زيداً ما شأنه، أو أرأيت زيداً قائماً، فيلزم أن يتعدى رأى إلى مفاعيل ثلاثة بلا همزة للاستفهام، ولأنه لو كان كذلك لقيل أرأيتموكم، وقد ذكر غير هذا البحث فى سورة الأسرى أو غيرها، والهمزة بعد الراء مسهلة فى أرأيتم، أو رأيت وأرأيتم وأفرأيتم ونحو ذلك مما فيه قبل الراء همزة عند نافع، ومحذوفة عند الكسائى، ومحققة عند حمزة والباقين إلا أن حمزة يسهلها فى الوقف. {إنْ أتاكُم عذابُ الله} كما أتى غيركم ممن كان قبلكم كالغرق والمسخ، والخسف والريح والصيحة، وكالضر الذى يصيب، كغرق السفينة، وهجوم القدم والمرض، وجواب إن محذوف دل عليه أرأيتكم، وجملة أغير الله تدعون مفعول به برأيتم منعتها عن العمل، وإنما نصب أرأيتكم المفعول وهو الجملة، مع أنه بمعنى أخبرونا، لأن فيه معنى أعلمونا، وباب العلم والظن ينصب الجملة ويعلق عنها بالاستفهام مثلا أودع عنك معنى أخبرونا، وقد بمعنى أعلمتم بفتح العين بعد همزة الاستفهام، والمفعول لجملة كذلك، وقامت مقام مفعولين، أو قل مفعولاه محذوفان، أى أرأيتكم آلهتكم تنفعكم، أى هل علمتم آلهتكم تنفعكم {أو أتتكم السَّاعة} يوم القيامة، وإذا لم تجعل قوله عز وجل {أغير اللهِ} الاستفهام للإنكار {تدْعُون} مفعولا لرأيتكم فهو مستأنف أغنى عن جواب قوله: {إنْ كُنتُم صَادقِينَ} وإذا جعلناه مفعولا لرأيتكم فمجموع {أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون} مغن عن جوابه، وغير مفعول لتدعون على كل حال، والمعنى إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تقربكم إلى الله أو فى إن الأصنام تنفعكم، وقيل: جواب إن محذوف تقديره إن كنتم صادقين فادعوه، أى فادعوا غير الله.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ} أَخبرونى يا أَهل مكة عن حالتكم العجيبة لما كان العلم بالشيء للإخبار عنه، أَو كان الإِبصار به طريقاً إِلى الإِحاطة به علما وإِلى صحة الإِخبار عنه استعملت الصيغة التى هى لطلب العلم أَو لطلب الإِبصار فى طلب الإخبار لاشتراكهما فى الطلب ففيه مجازان: استعمال رأَى التى بمعنى علم أَو أَبصر فى الإِخبار، واستعمال الهمزة التى هى لطلب الرؤية فى طلب الإِخبار لأَنها سبب للإِخبار وملزوم له، قال الفراء: تقول العرب أَرأَيتك وتريد معنى أَخبرنى، كقولك أَرأَيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل أَى أَخبرنى، وتفرد التاء وتفتح، ولو ثنيت ما بعدها أَو جمعته أَو خوطب مؤنث تقول أَرأَيتكما وأَريتكم وأَرأَيتكن لأَنهم لم يريدوا أَن يكون الفعل واقعاً من المخاطب على نفسه فاكتفوا من علامة المخاطب بذكرها فى الكاف وما بعدها، وقال البصريون: التاء حرف خطاب كتاء أَنت والكاف فاعل استعير للرفع، ودعاه لذلك لزوم إِفراد التاء لأَن العرب إِذا ثنتها أَو جمعتها لم يريدوا معنى أَخبرنى بل يريدون معنى المفعولية للكاف، تقول: أَرأَيتك على غير هذا الحال، أَى أَرأَيت نفسك، فتقول أَرأَيتماكما، وأَرأيتموكم وأَرأَيتكن. وقال شيخه الكسائي: التاء فاعل والكاف مفعول به، وقال البصريون: الكاف حرف خطاب والتاء قبلها فاعل، ثم إِنه لا يلزم من كون أَرأَيت بمعنى أَخبرنى أَن يتعدى بعن مثله، والمراد من التعجيب أَخبرونى إِخباراً يناسب حال الشدة {إِنْ أَتَأكُمْ} بغتة {عَذَابُ اللهِ} فى الدنيا سابقاً على العذاب المعد لكم فى الآخرة كما أَتى من قبلكم {أَوْ أَتَتْكُمُ} أَى بغتة، وإِنما قدرت بغتة لأَن المقام للتخويف {السَّاعَةُ} ساعة موت الحيوانات كلها، والبعث والحشر وأَهوال ذلك الحساب، وجواب إن محذوف فمن تدعون أَو دعوتم الله، أَو فأَخبرونى عن حالكم، وزعم الرضى أَن الجملة المصدرة بهمزة الاستفهام يجوز أَن تكون جواباً ولا تقترن بالفاء وعليه فيجوز أَن يكون أَغير الله تدعون جواب إِن، وليس كذلك وإِن سلمنا مجيئها جواباً قرنت بالفاء المؤخرة عنها، ومفعول أَرأَيت محذوف، أَى أَرأَيتكم آلهتكم تنفعكم، أَو اتخاذكم غير الله نافعاً أَو كاشفاً عنكم الضر، دل عليها وعلى الهول قوله تعالى {أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ} أَو هذا سد مسدها، وعلق بالاستفهام الداخل على غير، ونافع يسهل همزة أَرأَيت بعد الراء إِذا دخلت عليه الهمزة كما هنا ويبدلها أَلفاً محضة إِذا لم تدخل الهمزة، كقوله تعالى "أية : إِذا جاءَ نصر الله والفتح. ورأَيت الناس" تفسير : [النصر: 1 - 2] كما قيل عن نافع بخلاف ما فى الأَيدى من نسخ المغاربة، واستفهام تبكيت واِلجاء إِلى الإِقرار بأَنهم إِنما يرجعون فى دفع العذاب والهول إِلى الله لا إِلى آلهتهم، ولذلك قال أَولا {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فى أَنها تدفع السوءَ، أَو فى أَنها آلهة، وجواب إِن محذوف أَى فادعوه، أَى فادعوا غير الله، أَخبرونى إِن أَتاكم عذاب الله أَو أَتتكم الساعة من تدعون، على أَن أَغير الله إِلخ استئناف للتبكيت، أَى أَتخصون آلهتكم بالدعوة كما هو عادتكم إِذا أَصابكم ضر، أَم تدعون الله عز وجل دونها، وقدر بعض فمن تدعون، وبعض دعوتم الله تعالى، وقدر بعض إِن أَتاكم عذاب الله تعالى فأَخبروني عنه أَتدعون غير الله تعالى لكشفه، وقال ثانياً: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} فى كشف الضر فى الدنيا، قدم للحصر، وأَما غير فقدم للاهتمام بآلهتهم على زعمهم أَنها عظيمة وأَنها نافعة {فَيَكْشِفُ مَا} أَى الضر الذى {تَدْعُونَ} أَى تدعونه أَو تشركون بدعائها، أَو تتركون إِشراككم، وذلك {إِليْهِ} أَى إِلى كشفه {إِنْ شَاءَ} كشفه فى الدنيا، وأَما فى الآخرة فلا يكشف عنهم الضر، وأَما كشف ضر المحشر فإِنما هو إِلى أَعظم منه وهو الخلود فى النار {وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} أَى تشركونه، أَى تتركون فى الدنيا آلهتكم لما ركز فى قلوبكم من أَن النافع الضار هو الله عز وجل، حتى أَنهم إِذا أَرادوا ركوب السفينة قال لهم صاحبها أَخلصوا فيخلصون، أَو يخلصون ولو لم يأمرهم صاحبها، وكذا إِذا هاج البحر يخلصون وإِذا أسلموا إِلى البر رجعوا إِلى كفرهم، كما ذكر الله سبحانه وتعالى، أَو معنى تنسون، إِلخ... تزول عن حافظتكم آلهتكم لشدة الهول، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وإِذا مسكم الضر} تفسير : [الإسراء: 67] إلخ.. وقوله جل جلاله: {أية : وظنوا أَنهم أحيط بهم} تفسير : [يونس: 22] إِلخ.. قال جعفر الصادق لزنديق: هل ركبت البحر؟ قال: نعم. قال: هل رأَيت أَهواله؟ قال: نعم.. هاجت يوماً رياح هائلة، فكسرت السفينة وغرق الملاحون، وتعلقت ببعض ألواحها، ثم ذهب عنى اللوح فتلاطمت بى الأَمواج حتى حصلت بالساحل، فقال جعفر: قد كان اعتمادك على السفينة والملاح واللوح وهل رجوت السلامة بعد ذهابهم؟ قال: نعم.. قال: ممن؟ فسكت، فقال جعفر: إِن الله عز وجل هو الذى أَنجاك، فأَسلم الرجل. وزاده تسلية بقوله.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُكُم} أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبكتهم ويلقمهم الحجر بما لا سبيل لهم إلى إنكاره. والتاء على ما قاله أبو البقاء ضمير الفاعل وما بعده حرف خطاب جىء به للتأكيد وليس اسماً لأنه لو كان كذلك لكان إما مجروراً ولا جار هنا أو مرفوعاً وليس من ضمائر الرفع ولا مقتضى له أيضاً أو منصوباً وهو باطل لثلاثة أوجه، الأول: أن هذا الفعل قلبـي بمعنى علم يتعدى إلى مفعولين كقولك: أرأيت زيداً ما فعل فلو جعل المذكور مفعولاً لكان ثالثاً. والثاني: أنه لو جعل مفعولاً لكان هو الفاعل في المعنى وليس المعنى على ذلك إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيداً وزيد غير المخاطب ولا هو بدل منه. والثالث: أنه لو جعل كذلك لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء فكنت تقول: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتكن وهذا مذهب البصريين. والمفعولان في هذه الآية قيل: الأول: منهما محذوف تقديره أرأيتكم إياه أو إياها أي العذاب أو الساعة الواقعين في قوله سبحانه: {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} أي الدنيوي حسبما أتى من قبلكم {أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ} أي هو لها كما يدل عليه ما بعد لأن الكلام من باب التنازع حيث تنازع رأى وأتى في معمول واحد وهو {عَذَابَ ٱللَّهِ} و {ٱلسَّاعَةَ } فأعمل الثاني وأضمر في الأول. والثاني: منهما جملة الاستفهام وهي قوله تعالى {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } والرابط لها بالمفعول الأول محذوف أي أغير الله تدعون لكشف ذلك. وقيل: لا تنازع والتقدير أرأيتكم عبادتكم للأصنام أو الأصنام التي تعبدونها هل تنفعكم، وقيل: إن الجملة الاستفهامية سادة مسد المفعولين. وذهب الرضي تبعاً لغيره أن رأى هنا بصرية وقيل: قلبية بمعنى عرف. وهي على القولين متعدية لواحد وأصل اللفظ الاستفهام عن العلم أو العرفان أو الإبصار إلا أنه تجوز به عن معنى أخبرني ولا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة لشيء. وفيه ـ على ما قال الكرماني ـ وغيره تجوزان إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار لأن الرؤية بأي معنى كانت سبب له. وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب. وقول بعضهم: إن الاستفهام للتعجيب لا ينافي كون ذلك بمعنى أخبرني لما قيل أنه بالنظر إلى أصل الكلام. ونقل عن أبـي حيان أن الأخفش قال: إن العرب أخرجت هذا اللفظ عن معناه بالكلية فقالوا: أرأيتك وأريتك بحذف الهمزة الثانية إذا كان بمعنى أخبرت وإذا كان بمعنى أبصرت لم تحذف همزته وألزمته أيضاً الخطاب على هذا المعنى / فلا تقول أبداً أراني زيد عمراً ما صنع وتقول هذا على معنى أعلم، وأخرجته أيضاً عن موضوعه بالكلية لمعنى إما بدليل دخول الفاء بعده كقوله تعالى: { أية : أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى ٱلصَّخْرَةِ } تفسير : [الكهف: 63] الآية. فما دخلت الفاء إلا وقد خرجت لمعنى أما. والمعنى أما إذ أوينا إلى الصخرة فالأمر كذا وكذا. وقد أخرجته أيضاً إلى معنى أخبرني كما قدمنا، وإذا كان بهذا المعنى فلا بد بعده من اسم المستخبر عنه وتلزم الجملة بعد الاستفهام. وقد يخرج لهذا المعنى وبعده الشرط وظرف الزمان اهـ ولم يوافق في جميع ذلك. وذهب شيخ أهل الكوفة الكسائي إلى أن التاء ضمير الفاعل وأداة الخطاب اللاحقة في موضع المفعول الأول. وذهب الفراء إلى أن التاء حرف خطاب واللواحق بعده في موضع الرفع على الفاعلية وهي ضمائر نصب استعملت استعمال ضمائر الرفع. والكلام على ذلك مبسوط في محله. والمختار عند كثير من المحققين ما ذهب إليه البصريون من جعل (كُم) هنا وكذا سائر اللواحق حرف خطاب ومتعلق الاستخبار عندهم ومحط التبكيت قوله تعالى. {أَغَيْرَ ٱللَّهِ } الخ. وقوله سبحانه: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } متعلق بأريتكم مؤكد للتبكيت كاشف عن كذبهم. وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه، والتقدير ـ على ما قيل ـ إن كنتم صادقين في أن أصنامكم آلهة أو أن عبادتكم لها نافعة أو إن كنتم قوماً من شأنكم الصدق فأخبروني أإلهاً غير الله تعالى تدعون إن أتاكم عذاب الله الخ فإن صدقهم من موجبات إخبارهم بدعائهم غيره سبحانه. وقيل: إن الجواب ما يدل عليه قوله تعالى: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } أعني فادعوه على أن الضمير لغير الله، واعترض بأنه يخل بجزالة النظم الكريم كيف لا والمطلوب منهم إنما هو الإخبار بدعائهم غيره جل شأنه عند إتيان ما يأتي لا نفس دعائهم إياه، وجوز آخرون كون متعلق الاستخبار محذوفاً تقديره أخبروني إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون، وجعلوا قوله سبحانه: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ } الخ استئنافاً للتبكيت على معنى أتخصون آلهتكم بالدعوة كما هو عادتكم إذا أصابكم ضر أم تدعون الله تعالى دونها، وعليه فتقديم المفعول للتخصيص. وبعضهم جعل تقديمه لأن الإنكار متعلق به وأنكر تعلقه بالتخصيص.

سيد قطب

تفسير : هنا - في هذه الموجة - يواجه السياق القرآني فطرة المشركين ببأس الله. بل يواجههم بفطرتهم ذاتها حين تواجه بأس الله.. حين تتعرى من الركام في مواجهة الهول، وحين يهزها الهول فيتساقط عنها ذلك الركام! وتنسى حكاية الآلهة الزائفة؛ وتتجه من فورها إلى ربها الذي تعرفه في قرارتها تسأله وحده الخلاص والنجاة! ثم يأخذ بأيديهم ليوقفهم على مصارع الغابرين من أسلافهم، وفي الطريق يريهم كيف تجري سنة الله، وكيف يعمل قدر الله. ويكشف لأبصارهم وبصائرهم عن استدراج الله لهم، بعد تكذيبهم برسل الله، وكيف قدم لهم الابتلاء بعد الابتلاء - الابتلاء بالبأساء والضراء، ثم الابتلاء بالرخاء والنعماء - وأتاح لهم الفرصة بعد الفرصة، لينتبهوا من الغفلة، حتى إذا استنفدوا الفرص كلها، وغرتهم النعمة بعد أن لم توقظهم الشدة، جرى قدر الله، وفق سنته الجارية وجاءهم العذاب بغتة: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}. وما يكاد هذا المشهد الذي يهز القلوب هزاً يتوارى، حتى يجيء في أعقابه مشهد آخر وهم يتعرضون لبأس الله أيضاً، فيأخذ سمعهم وأبصارهم، ويختم على قلوبهم، ثم لا يجدون إلهاً غير الله يرد عليهم سمعهم وأبصارهم وإدراكهم. وفي مواجهة هذين المشهدين الرائعين الهائلين يتحدث إليهم عن وظيفة الرسل.. إنها البشارة والنذارة.. ليس وراء ذلك شيء.. ليس لهم أن يأتوا بالخوارق، ولا أن يستجيبوا لمقترحات المقترحين! إنما هم يبلغون. يبشرون وينذرون. ثم يؤمن فريق من الناس ويعمل صالحاً فيأمن الخوف وينجو من الحزن. ويكذب فريق ويعرض فيمسه العذاب بهذا الإعراض والتكذيب. فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.. فهذا هو المصير.. {قل: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة، أغير الله تدعون - إن كنتم صادقين - بل إياه تدعون، فيكشف ما تدعون إليه - إن شاء - وتنسون ما تشركون}.. هذا طرف من وسائل المنهج الرباني في خطاب الفطرة الإنسانية بهذه العقيدة يضم إلى ذلك الطرف الذي سبق بيانه في الفقرة السابقة وفيما قبلها وما بعدها كذلك في سياق السورة. لقد خاطبها هناك بما في عوالم الأحياء من آثار التدبير الإلهي والتنظيم؛ وبما في علم الله من إحاطة وشمول. وهو هنا يخاطبها ببأس الله؛ وبموقف الفطرة إزاءه حين يواجهها في صورة من صوره الهائلة، التي تهز القلوب، فيتساقط عنها ركام الشرك؛ وتتعرى فطرتها من هذا الركام الذي يحجب عنها ما هو مستقر في أعماقها من معرفتها بربها، ومن توحيدها له أيضاً: {قل: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة.. أغير الله تدعون.. إن كنتم صادقين}.. إنها مواجهة الفطرة بتصور الهول.. عذاب الله في الدنيا عذابَ الهلاك والدمار؛ أو مجيء الساعة على غير انتظار.. والفطرة حين تلمس هذه اللمسة؛ وتتصور هذا الهول؛ تدرك - ويعلم الله سبحانه أنها تدرك - حقيقة هذا التصور، وتهتز له؛ لأنه يمثل حقيقة كامنة فيها، يعلم بارئها سبحانه أنها كامنة فيها ويخاطبها بها على سبيل التصور؛ فتهتز لها وترتجف وتتعرى! وهو يسألهم ويطلب إليهم الجواب بالصدق من ألسنتهم؛ ليكون تعبيراً عن الصدق في فطرتهم: {أغير الله تدعون.. إن كنتم صادقين}. ثم يبادر فيقرر الجواب الصادق، المطابق لما في فطرتهم بالفعل، ولو لم تنطق به ألسنتهم: {بل إياه تدعون.. فيكشف ما تدعون إليه إن شاء.. وتنسون ما تشركون}. بل تدعونه وحده؛ وتنسون شرككم كله!.. إن الهول يعرّي فطرتكم - حينئذ - فتتجه بطلب النجاة إلى الله وحده. وتنسى أنها أشركت به أحداً. بل تنسى هذا الشرك ذاته.. إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها؛ فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها، بفعل عوامل أخرى. قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها. فإذا هزها الهول تساقط هذا الركام، وتطايرت هذه القشرة، وتكشفت الحقيقة الأصيلة، وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها، ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به، ولا حيلة لها فيه.. هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول؛ يواجه السياق القرآني به المشركين.. فأما شأن الله - سبحانه - فيقرره في ثنايا المواجهة. فهو يكشف ما يدعونه إليه - إن شاء - فمشيئته طليقة، لا يرد عليها قيد. فإذا شاء استجاب لهم فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه؛ وإن شاء لم يستجب، وفق تقديره وحكمته وعلمه. هذا هو موقف الفطرة من الشرك الذي تزاوله أحياناً، بسبب ما يطرأ عليها من الانحراف، نتيجة عوامل شتى، تغطي على نصاعة الحقيقة الكامنة فيها.. حقيقة اتجاهها إلى ربها ومعرفتها بوحدانيته.. فما هو موقفها من الإلحاد وإنكار وجود الله أصلاً؟ نحن نشك شكاً عميقاً - كما قلنا من قبل - في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون أنهم يعتقدونه. نحن نشك في أن هناك خلقاً أنشأته يد الله، ثم يبلغ به الأمر حقيقة أن ينطمس فيه تماماً طابع اليد التي أنشأته؛ وفي صميم كينونته هذا الطابع، مختلطاً بتكوينه متمثلاً في كل خلية وفي كل ذرة! إنما هو التاريخ الطويل من العذاب البشع، ومن الصراع الوحشي مع الكنيسة، ومن الكبت والقمع، ومن أنكار الكنيسة للدوافع الفطرية للناس مع استغراقها هي في اللذائذ المنحرفة.. إلى آخر هذا التاريخ النكد الذي عاشته أوربا قروناً طويلة.. هو الذي دفع الأوربيين في هذه الموجة من الإلحاد في النهاية.. فراراً في التيه، من الغول الكريه. ذلك إلى استغلال اليهود لهذا الواقع التاريخي؛ ودفع النصارى بعيداً عن دينهم؛ ليسلس لهم قيادهم، ويسهل عليهم إشاعة الانحلال والشقاء فيهم، وليتيسر لهم استخدامهم - كالحمير - على حد تعبير "التلمود" و "بروتوكولات حكماء صهيون".. وما كان اليهود ليبلغوا من هذا كله شيئاً إلا باستغلال ذلك التاريخ الأوربي النكد، لدفع الناس إلى الإلحاد هرباً من الكنيسة. ومع كل هذا الجهد الناصب، المتمثل في محاولة "الشيوعية" - وهي إحدى المنظمات اليهودية - لنشر الإلحاد، خلال أكثر من نصف قرن، بمعرفة كل أجهزة الدولة الساحقة، فإن الشعب الروسي نفسه لم يزل في أعماق فطرته الحنين إلى عقيدة في الله.. ولقد اضطر "ستالين" الوحشي - كما يصوره خلفه خروشوف! - أن يهادن الكنسية، في أثناء الحرب العالمية الثانية، وأن يفرج عن كبير الأساقفة، لأن ضغط الحرب كان يلوي عنقه للاعتراف للعقيدة في الله بأصالتها في فطرة الناس.. مهما يكن رأيه ورأي القليلين من الملحدين من ذوي السلطان حوله. ولقد حاول اليهود - بمساعدة "الحمير" الذين يستخدمونهم من الصليبيين - أن ينشروا موجة من الإلحاد في نفوس الأمم التي تعلن الإسلام عقيدة لها وديناً. ومع أن الإسلام كان قد بهت وذبل في هذه النفوس.. فإن الموجة التي أطلقوها عن طريق "البطل" أتاتورك في تركيا.. انحسرت على الرغم من كل ما بذلوه لها - وللبطل - من التمجيد والمساعدة. وعلى كل ما ألفوه من الكتب عن البطل والتجربة الرائدة التي قام بها.. ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك، ألا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد. إنما يرفعون عليها راية الإسلام. كي لا تصدم الفطرة، كما صدمتها تجربة أتاتورك. ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي، ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بجملتها في الرقعة الإسلامية. غير أن العبرة التي تبقى من وراء ذلك كله، هي أن الفطرة تعرف ربها جيداً، وتدين له بالوحدانية، فإذا غشي عليها الركام فترة، فإنها إذا هزها الهول تساقط عنها ذلك الركام كله وتعرت منه جملة، وعادت إلى بارئها كما خلقها أول مرة.. مؤمنة طائعة خاشعة.. أما ذلك الكيد كله فحسبه صيحة حق تزلزل قوائمه، وترد الفطرة إلى بارئها سبحانه. ولن يذهب الباطل ناجياً، وفي الأرض من يطلق هذه الصيحة. ولن يخلوا وجه الأرض مهما جهدوا ممن يطلق هذه الصيحة. {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون. فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون. فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}. إنها المواجهة بنموذج من بأس الله سبحانه. نموذج من الواقع التاريخي. نموذج يعرض ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله، وكيف تكون عاقبة تعرضهم له، وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة، ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه؛ فإذا نسوا ما ذكروا به، ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله والتضرع له، ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة، كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى معه صلاح، وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء. فحقت عليهم كلمة الله. ونزل بساحتهم الدمار الذي لا تنجو منه ديار.. {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون. فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون}.. ولقد عرف الواقع البشري كثيراً من هذه الأمم، التي قص القرآن الكريم على الإنسانية خبر الكثير منها، قبل أن يولد "التاريخ" الذي صنعه الإنسان! فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد، صغير السن، لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل - على قصره - بالأكاذيب والأغاليط؛ وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة والمحركة للتاريخ البشري؛ والتي يكمن بعضها في أغوار النفس، ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب، ولا يبدو منها إلا بعضها. وهذا البعض يخطىء البشر في جمعه، ويخطئون في تفسيره، ويخطئون أيضاً في تمييز صحيحه من زائفة - إلا قليلاً - ودعوى أي بشر أنه أحاط بالتاريخ البشري علماً، وأنه يملك تفسيره تفسيراً "علمياً"، وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضاً.. هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر! ومن عجب أن بعضهم يدعيها! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها! ولو قال ذلك المدعي: إنه يتحدث عن (توقعات) لا عن (حتميات) لكان ذلك مستساغاً.. ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري؟! والله يقول الحق؛ ويعلم ماذا كان، ولماذا كان. ويقص على عبيده - رحمة منه وفضلاً - جانباً من أسرار سنته وقدره؛ ليأخذوا حذرهم ويتعظوا؛ وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة؛ يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيراً كاملاً صحيحاً. ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون، استناداً إلى سنة الله التي لا تتبدل.. هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها.. وفي هذه الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى.. أمم جاءتهم رسلهم. فكذبوا. فأخذهم الله بالبأساء والضراء. في أموالهم وفي أنفسهم. في أحوالهم وأوضاعهم.. البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون "عذاب الله" الذي تحدثت عنه الآية السابقة، وهو عذاب التدمير والاستئصال.. وقد ذكر القرآن نموذجاً محدداً من هذه الأمم، ومن البأساء والضراء التي أخذها بها.. في قصة فرعون وملئه: {أية : ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون. فإذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه. ألا إنما طائرهم عند الله، ولكن أكثرهم لا يعلمون. وقالوا: مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين. فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات، فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين }.. تفسير : وهو نموذج من نماذج كثيرة تشير إليها الآية.. لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم؛ وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم، لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله، ويتذللون له، وينزلون عن عنادهم واستكبارهم، ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة، فيرفع الله عنهم البلاء، ويفتح لهم أبواب الرحمة.. ولكنهم لم يفعلوا ما كان حرياً أن يفعلوا. لم يلجأوا إلى الله، ولم يرجعوا عن عنادهم، ولم ترد إليهم الشدة وعيهم، ولم تفتح بصيرتهم، ولم تلين قلوبهم. وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد: {ولكن قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون}.. والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة! ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس! وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه، فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة، التي تنبه القلوب الحية للتلقي والاستجابة. والشدة ابتلاء من الله للعبد؛ فمن كان حياً أيقظته، وفتحت مغاليق قلبه، وردته إلى ربه؛ وكانت رحمة له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه.. ومن كان ميتاً حسبت عليه، ولم تفده شيئاً، وإنما أسقطت عذره وحجته، وكانت عليه شقوة، وكانت موطئة للعذاب! وهذه الأمم التي يقص الله - سبحانه - من أنبائها على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن وراءه من أمته.. لم تفد من الشدة شيئاً. لم تتضرع إلى الله، ولم ترجع عما زينه لها الشيطان من الإعراض والعناد.. وهنا يملي لها الله - سبحانه - ويستدرجها بالرخاء: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة، فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين}.. إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة. وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة! والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة. يبتلي الطائعين والعصاة سواء. بهذه وبذاك سواء.. والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر، ويبتلى بالرخاء فيشكر. ويكون أمره كله خيراً.. وفي الحديث: "حديث : عجباً للمؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" تفسير : (رواه مسلم). فأما هذه الأمم التي كذبت بالرسل، والتي يقص الله من أنبائها هنا. فإنهم لما نسوا ما ذكروا به، وعلم الله - سبحانه - أنهم مهلكون، وابتلاهم بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا.. فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل شيء للاستدراج بعد الابتلاء.. والتعبير القرآني: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء}.. يصور الأرزاق والخيرات، والمتاع، والسلطان.. متدفقة كالسيول؛ بلا حواجز ولا قيود! وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة! إنه مشهد عجيب؛ يرسم حالة في حركة؛ على طريقة التصوير القرآني العجيب. {حتى إذا فرحوا بما أوتوا}.. وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة؛ واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها - بلا شكر ولا ذكر - وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه؛ وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات، وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو والمتاع. وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع، بعد فساد القلوب والأخلاق؛ وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها.. عندئذ جاء موعد السنة التي لا تتبدل: {أخذناهم بغتة، فإذا هم مبلسون}.. فكان أخذهم على غرة؛ وهم في سهوة وسكرة. فإذا هم حائرون منقطعو الرجاء في النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه. واذا هم مهلكون بجملتهم حتى آخر واحد منهم. {فقطع دابر القوم الذين ظلموا}.. ودابر القوم هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيء على أدبارهم فإذا قطع هذا فأوائلهم أولى!.. و {الذين ظلموا} تعني هنا الذين أشركوا.. كما هو التعبير القرآني في أغلب المواضع عن الشرك بالظلم وعن المشركين بالظالمين.. {والحمد لله رب العالمين}.. تعقيب على استئصال الظالمين (المشركين) بعد هذا الاستدراج الإلهي والكيد المتين.. وهل يحمد الله على نعمة، أجل من نعمة تطهير الأرض من الظالمين، أو على رحمة أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير؟ لقد أخذ الله قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط، كما أخذ الفراعنة والإغريق والرومان وغيرهم بهذه السنة؛ ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها، ذلك السر المغيب من قدر الله؛ وهذا القدر الظاهر من سنته؛ وهذا التفسير الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف. ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة؛ وكان لها من التمكين في الأرض؛ وكان لها من الرخاء والمتاع؛ ما لا يقل - إن لم يزد في بعض نواحيه - عما تتمتع به اليوم أمم؛ مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع؛ مخدوعة بما هي فيه؛ خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء.. هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة. والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف، ويتعاظمهم الرخاء والسلطان، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم، وهي لا تعبد الله أو لا تعرفه، وهي تتمرد على سلطانه، وهي تدعي لأنفسها خصائص ألوهيته، وهي تعيث في الأرض فساداً، وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله.. ولقد كنت - في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية - أرى رأي العين مصداق قول الله سبحانه: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء}.. فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية.. مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب!.. لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك! وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه، وشعورهم بأنه وقف على "الرجل الأبيض" وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة، وفي وحشية كذلك بشعة! وفي صلف على أهل الأرض كلهم لا يقاس إليه صلف النازية الذي شهر به اليهود في الأرض كلها حتى صار علماً على الصلف العنصري. بينما الأمريكي الأبيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى! وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين.. كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية، وأتوقع سنة الله، وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى الغافلين: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}.. وإذا كان الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهناك ألوان من العذاب باقية. والبشرية - وبخاصة الأمم التي فتحت عليها أبواب كل شيء - تذوق منها الكثير. على الرغم من هذا النتاج الوفير، ومن هذا الرزق الغزير! إن العذاب النفسي، والشقاء الروحي، والشذوذ الجنسي، والانحلال الخلقي.. الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم، ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء والمتاع؛ وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء! ذلك إلى جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية، التي تباع فيها أسرار الدولة، وتقع فيها الخيانة للأمة، في مقابل شهوة أو شذوذ.. وهي طلائع لا تخطىء على نهاية المطاف! وليس هذا كله إلا بداية الطريق.. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا - على معاصيه - ما يحب. فإنما هو استدراج"تفسير : .. ثم تلا {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}.. (رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم). غير أنه ينبغي، مع ذلك، التنبيه إلى أن سنة الله في تدمير (الباطل) أن يقوم في الأرض (حق) يتمثل في (أمة).. ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذاهو زاهق.. فلا يقعدنّ أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد. فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق، ولا يكونون أهله.. وهم كسالى قاعدون.. والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض، وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون خصائص الألوهية.. هذا هو الحق الأول، والحق الأصيل.. {أية : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }.. تفسير : بعد ذلك يقف السياق القرآني المشركين بالله، أمام بأس الله، في ذوات أنفسهم، في أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم، وهم عاجزون عن رده، وهم لا يجدون كذلك إلهاً غير الله، يرد عليهم أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم إن أخذها الله منهم: {قل: أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم، من إله غير الله يأتيكم به؟ انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون!}.. وهو مشهد تصويري يجسم لهم عجزهم أمام بأس الله من جانب، كما يصور لهم حقيقة ما يشركون به من دون الله في موقف الجد من جانب.. ولكن هذا المشهد يهزهم من الأعماق.. إن خالق الفطرة البشرية يعلم أنها تدرك ما في هذا المشهد التصويري من جد، وما وراءه من حق.. أنها تدرك أن الله قادر على أن يفعل بها هذا. قادر على أن يأخذ الأسماع والأبصار، وأن يختم على القلوب، فلا تعود هذه الأجهزة تؤدي وظائفها. وأنه - إن فعل ذلك - فليس هناك من إله غيره يرد بأسه.. وفي ظلال هذا المشهد، الذي يبعث بالرجفة في القلوب والأوصال، ويقرر في الوقت ذاته تفاهة عقيدة الشرك، وضلال اتخاذ الأولياء من دون الله.. في ظلال هذا المشهد يعجب من أمر هؤلاء الذين يصرف لهم الآيات، وينوعها، ثم هم يميلون عنها كالبعير الذي يصدف أي يميل بخفه إلى الجانب الوحشي الخارجي من مرض يصيبه! {انظر كيف نصرّف الآيات، ثم هم يصدفون!}.. وهو تعجيب مصحوب بمشهد الصدوف! المعروف عند العرب، والذي يذكرهم بمشهد البعير المؤوف! فيثير في النفس السخرية والاستخفاف والعزوف! وقبل أن يفيقوا من تأثير ذلك المشهد المتوقع يتلقاهم بتوقع جديد، ليس على الله ببعيد، يريهم فيه مصارعهم - وهم الظالمون: أي المشركون - وهو يرسم مصارع الظالمين حين يباغتهم عذاب الله أو يواجههم؛ وحين يأتيهم على غرة أو وهم مستيقظون: {قل: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة، هل يهلك إلا القوم الظالمون؟}.. إن عذاب الله يأتي في أية صورة وفي أية حالة. وسواء جاءهم العذاب بغتة وهم غارون لا يتوقعونه، أو جاءهم جهرة وهم صاحون متأهبون. فإن الهلاك سيحل بالقوم الظالمين - أي المشركين كغالبية التعبير في القرآن الكريم - وسينالهم هم دون سواهم. ولن يدفعوه عن أنفسهم سواء جاءهم بغتة أو جهرة. فهم أضعف من أن يدفعوه ولو واجهوه! ولن يدفعه عنهم أحد ممن يتولونهم من الشركاء. فكلهم من عبيدالله الضعفاء! وهو توقع يعرضه السياق عليهم ليتقوه، ويتقوا أسبابه قبل أن يجيء. والله - سبحانه - يعلم أن عرض هذا التوقع في هذا المشهد يخاطب الكينونة البشرية خطاباً تعرفه في قرارتها، وتعرف ما وراءه من حقيقة ترجف لها القلوب! وحين تبلغ الموجة أقصى مدها، بعرض هذه المشاهد المتوالية، والتعقيبات الموحية، والإيقاعات التي تحمل الإنذار إلى أعماق السرائر.. تختم ببيان وظيفة الرسل، الذين تطالبهم أقوامهم بالخوارق، وإن هم إلا مبلغين، مبشرين ومنذرين، ثم يكون بعد ذلك من أمر الناس ما يكون، وفق ما يتخذونه لأنفسهم من مواقف يترتب عليها الجزاء الأخير: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين. فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا بآياتنا يمسّهم العذاب بما كانوا يفسقون}.. لقد كان هذا الدين يعد البشرية للرشد العقلي، ويؤهلها لاستخدام هذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان استخداماً كاملاً في إدراك الحق الذي تنبث آياته في صفحات الوجود، وفي أطوار الحياة، وفي أسرار الخلق؛ والذي جاء هذا القرآن لكشفه وتجليته وتوجيه الإدراك البشري إليه.. وكان هذا كله يقتضي الانتقال بالبشرية من عهد الخوارق الحسية؛ التي تلوي الأعناق وتجبر المنكرين على الإذعان، أمام القهر بالخارقة المادية البادية للعيان! إلى توجيه الإدراك البشري لملاحظة بدائع الصنعة الإلهية في الوجود كله. وهي في ذاتها خوارق معجزة.. ولكنها خوارق دائمة يقوم عليها كيان الوجود، ويتألف منها قوامه وإلى مخاطبة هذا الإدراك بكتاب من عند الله باهر معجز في تعبيره ومعجز في منهجه ومعجز في الكيان الاجتماعي العضوي الحركي الذي يرمي إلى إنشائه على غير مثال. والذي لم يلحق به من بعده أي مثال! وقد اقتضى هذا الأمر تربية طويلة، وتوجيهاً طويلاً، حتى يألف الإدراك البشري هذا اللون من النقلة، وهذا المدى من الرقي؛ وحتى يتجه الإنسان إلى قراءة سفر الوجود بإدراكه البشري، في ظل التوجيه الرباني، والضبط القرآني، والتربية النبوية.. قراءة هذا السفر قراءة غيبية واقعية إيجابية في آن واحد، بعيدة عن منهج التصورات الذهنية التجريدية التي كانت سائدة في قسم من الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحي؛ وعن منهج التصورات الحسية المادية التي كانت سائدة في قسم من تلك الفلسفة وفي بعض الفلسفة الهندية والمصرية والبوذية والمجوسية كذلك، مع الخروج من الحسية الساذجة التي كانت سائدة في العقائد الجاهلية العربية! وجانب من تلك التربية وهذا التوجيه يتمثل في بيان وظيفة الرسول، وحقيقة دوره في الرسالة على النحو الذي تعرضه هاتان الآيتان - كما ستعرضه الموجة التالية في سياق السورة - فالرسول بشر، يرسله الله ليبشر وينذر، وهنا تنتهي وظيفته، وتبدأ استجابة البشر، ويمضي قدر الله ومشيئته من خلال هذه الاستجابة، وينتهي الأمر بالجزاء الإلهي وفق هذه الاستجابة.. فمن آمن وعمل صالحاً يتمثل فيه الإيمان، فلا خوف عليه مما سيأتي ولا هو يحزن على ما أسلف. فهناك المغفرة على ما أسلف، والثواب على ما أصلح.. ومن كذب بآيات الله التي جاءه بها الرسول، والتي لفته إليها في صفحات هذا الوجود. يمسهم العذاب بسبب كفرهم، الذي يعبر عنه هنا بقوله: {بما كانوا يفسقون} حيث يعبر القرآن غالباً عن الشرك والكفر بالظلم والفسق في معظم المواضع.. تصور واضح بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض. وبيان محكم عن الرسول ووظيفته وحدود عمله في هذا الدين.. تصور يفرد الله سبحانه بالألوهية وخصائصها؛ ويرد إلى مشيئة الله وقدره الأمر كله، ويجعل للإنسان - من خلال ذلك - حرية اتجاهه وتبعة هذا الاتجاه، ويبين مصائر الطائعين لله والعصاة بياناً حاسماً؛ وينفي كل الأساطير والتصورات الغامضة عن طبيعة الرسول وعمله، مما كان سائداً في الجاهليات.. وبذلك ينقل البشرية إلى عهد الرشد العقلي؛ دون أن يضرب بها في تيه الفلسفات الذهنية، والجدل اللاهوتي، الذي استنفذ طاقة الإدراك البشري أجيالاً بعد أجيال!!!

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي يتضمّن تهديداً بالوعيد طرداً للأغراض السابقة، وتخلّله تعريض بالحثّ على خلع الشرك إذ ليس لشركائهم نفع بأيديهم، فذُكِّروا بأحوال قد تعرض لهم يلجأون فيها إلى الله. وألقي عليهم سأل أيستمرون على الإشراك بالله في تلك الحالة وهل يستمرّون من الآن على الشرك إلى أن يأتيهم العذاب أو تأتيهم القيامة حين يلجأون إلى الإيمان بوحدانيته، ولات حينَ إيمان. وافتتح هذا التهديد بالأمر بالقول اهتماماً به وإلاّ فإنّ معظم ما في القرآن مأمور الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم. وقد تتابع الأمر بالقول في الآيات بعد هذه إلى قوله: {أية : لكلّ نبأ مستقرّ}تفسير : [الأنعام: 67] اثنتي عشرة مرّة. وورد نظيره في سورة يونس. وقوله: {أرأيتكم} تركيب شهير الاستعمال، يفتتح بمثله الكلام الذي يراد تحقيقه والاهتمام به. وهمزة الاستفهام فيه للاستفهام التقريري. و(رأى) فيه بمعنى الظنّ. يسند إلى تاء خطاب تلازم حالة واحدة ملازمة حركة واحدة، وهي الفتحة لا تختلف باختلاف عدد المخاطب وصنفه سواء كان مفرداً أو غيره، مذكّراً أو غيره، ويجعل المفعول الأول في هذا التركيب غالباً ضمير خطاب عائداً إلى فاعل الرؤية القلبية ومستغنى به لبيان المراد بتاء الخطاب. والمعنى أنّ المخاطب يعلم نفسه على الحالة المذكورة بعد ضمير الخطاب، فالمخاطب فاعل ومفعول باختلاف الاعتبار، فإنّ من خصائص أفعال باب الظنّ أنّه يجوز أن يكون فاعلها ومفعولها واحداً (وألحق بأفعال العلم فعلان: فقَد، وعَدِم في الدعاء نحو فقدتُني)، وتقع بعد الضمير المنصوب جملة في موضع مفعوله الثاني، وقد يجيء في تلك الجملة ما يعلق فعل الرؤية عن العمل. هذا هو الوجه في تحليل هذا التركيب. وبعض النحاة يجعل تلك الجملة سادّة مسدّ المفعولين تفصّياً من جعل ضمائر الخطاب مفاعيل إذ يجعلونها مجرّد علامات خطاب لا محلّ لها من الإعراب، وذلك حفاظاً على متعارف قواعد النحو في الاستعمال الأصلي المتعارف مع أنّ لغرائب الاستعمال أحوالاً خاصّة لا ينبغي غضّ النظر عنها إلاّ إذا قصد بيان أصل الكلام أو عدم التشويش على المتعلّمين. ولا يخفى أنّ ما ذهبوا إليه هو أشدّ غرابة وهو الجمع بين علامتي خطاب مختلفتين في الصورة ومرجعهما متَّحد. وعلى الوجه الذي اخترناه فالمفعول الثاني في هذا التركيب هو جملة: {أغير الله تدعون}. وإنّما تركت التاء على حالة واحدة لأنّه لمَّا جعلتْ ذاتُ الفاعل ذات المفعول إعراباً وراموا أن يجعلوا هذا التركيب جارياً مجرى المثل في كونه قليل الألفاظ وافر المعنى تجنّبوا ما يحدثه الجمع بين ضميري خطاب مرفوع ومنصوب من الثقل في نحو أرأيتما كُما، وأرأيتُمْكُم وأريْتُنُّكُنّ، ونحو ذلك، سلكوا هذه الطريقة الغريبة فاستغنوا بالاختلاف حالة الضمير الثاني عن اختلاف حالة الضمير الأول اختصاراً وتخفيفاً، وبذلك تأتَّى أن يكون هذا التركيب جارياً مجرى المثل لما فيه من الإيجاز تسهيلاً لشيوع استعماله استعمالاً خاصّاً لا يغيّر عنه، فلذلك لا تكسر تلك التاء في خطاب المؤنّث ولا تضمّ في خطاب المثنّى والمجموع. وعن الأخفش: أخرجت العرب هذا اللفظ من معناه بالكلية فألزمته الخطاب، وأخرجته عن موضوعه إلى معنى (أمّا) بفتح الهمزة، فجعلت الفاء بعده في بعض استعمالاته كقوله تعالى: {أية : أرأيتَ إذْ أويْنَا إلى الصخرة فإنّي نسيت الحوت}تفسير : [الكهف: 63] فما دخلت الفاء إلاّ وقد أخرجت (أرأيت) لمعنى (أمّا)؛ وأخرجته أيضاً إلى معنى (أخبرني) فلا بد بعده من اسم المستخبر عنه؛ وتلزم الجملة بعد الاستفهام، وقد يخرج لهذا المعنى وبعده الشرط وظرففِ الزمان. اهــ. في «الكشاف»: متعلِّق الاستخبار محذوف، تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون، ثم بكتهم بقوله {أغير الله تدعون}، أي أتخصّون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها بل إيَّاه تدعون اهــ. وجملة: {أغير الله تدعون} هي المفعول الثاني لفعل {أرأيتكم}. واعلم أنّ هذا استعمال خاصّ بهذا التركيب الخاصّ الجاري مجرى المثل، فأمّا إذا أريد جريان فعل الرؤية العلمية على أصل بابه فإنَّه يجري على المتعارف في تعدية الفعل إلى فاعله ومفعوليه. فمن قال لك: رأيتُني عالماً بفلان. فأردت التحقّق فيه تقول: أرأيتَك عالماً بفلان. وتقول للمثنّى: أرأيتماكما عالمين بفلان، وللجمع أرأيتُموكُم وللمؤنثة أرأيتِك ـــ بكسر التاء ـــ. وقرأه نافع في المشهور ـــ بتسهيل الهمزة ألفاً ـــ؛ وعنه رواية بجعلها بين الهمزة والألف. وقرأه الكسائي ـــ بإسقاط الهمزة ـــ التي هي عين الكلمة، فيقول: {أرَيْت} وهي لغة. وقرأه الباقون ـــ بتحقيق الهمزة ـــ. وجملة: {إن أتاكم عذاب الله} الخ معترضة بني مفعولي فعل الرؤية، وهي جملة شرطية حذف جوابها لدلالة جملة المفعول الثاني عليه. وإتيان العذاب: حلوله وحصوله، فهو مجاز لأن حقيقة الإتيان المجيء، وهو الانتقال من موضع بعيد إلى الموضع الذي استقر فيه مفعول الإتيان، فيطلق مجازاً على حصول شيء لم يكن حاصلاً. وكذلك القول في إتيان الساعة سواء. ووجه إعادة فعل {أتتكم الساعة} مع كون حرف العطف مغنياً عن إعادة العامل بأن يقال: إن أتاكم عذاب الله أو الساعة، هو ما يوجَّه به الإظهار في مقام الإضمار من إرادة الاهتمام بالمُظْهَر بحيث يعاد لفظه الصريح لأنّه أقوى استقراراً في ذهن السامع. والاهتمام هنا دعا إليه التهويل وإدخال الروع في ضمير السامع بأن يصرّح بإسناد هذا الإتيان لاسم المسند إليه الدّالّ على أمر مهول ليدلّ تعلّق هذا الفعل بالمفعول على تهويله وإراعته. وقد استشعر الاحتياجَ إلى توجيه إعادة الفعل هنا الشيخ محمد بن عَرفة في درس تفسيره، ولكنَّه وجّهه بأنَّه إذا كان العاملان متفاوتين في المعنى لكون أحدهما أشدّ يعاد العامل بعد حرف العطف إشعاراً بالتفاوت، فإنّ إتيان العذاب أشدّ من إتيان الساعة (أي بناء على أنّ المراد بعذاب الله عذاب الآخرة) أو كان العاملان متباعدين، فإن أريد بالساعة القيامة وبعذاب الله المحْقُ والرزايا في الدنيا فيعقبه بعد مهلة تامَّة. وإن أريد بالساعة المدّة فالمحق الدنيوي كثير، منه متقدّم ومنه متأخِّر إلى الموت، فالتقدّم ظاهر اهــ. وفي توجيهه نظر إذ لا يشهد له الاستعمال. وإضافة العذاب إلى اسم الجلالة لتهويله لصدوره من أقدر القادرين. والمراد عذاب يحصل في الدنيا يضرعون إلى الله لرفعه عنهم بدليل قوله {أغير الله تدعون}، فإنّ الدعاء لا يكون بطلب رفع عذاب الجزاء. وهذا تهديد وإنذار. والساعة: علَم بالغلبة على ساعة انقراض الدنيا، أي إن أدركتْكم الساعة. وتقديم {أغير الله} على عامله وهو {تدعون} لتكون الجملة المستفهم عنها جملة قصر، أي أتعرضون عن دعاء الله فتدعون غيره دونه كما هو دأبكم الآن، فالقصر لحكاية حالهم لا لقصد الردّ على الغير. وقد دلّ الكلام على التعجّب، أي تستمرّون على هذه الحال. والكلام زيادة في الإنذار. وجملة {إن كنتم صادقين} مستأنفة، وجوابها محذوف دلّ عليه قوله: {أرأيتكم} الذي هو بمعنى التقرير. فتقدير الجواب: إن كنتم صادقين فأنتم مقرّون بأنَّكم لا تدعون غير الله. ذَكّرهم في هذه الآية وألجأهم إلى النظر ليعلموا أنّه إذا أراد الله عذابهم لا تستطيع آلهتهم دفعه عنهم، فهم إن توخّوا الصدق في الخبر عن هذا المستقبل أعادوا التأمّل فلا يسعهم إلاّ الاعتراف بأنّ الله إذا شاء شيئاً لا يدفعه غيرُه إلاّ بمشيئته، لأنّهم يعترفون بأنّ الأصنام إنَّما تقرّبهم إلى الله زلفى، فإذا صدقوا وقالوا: أندعوا الله، فقد قامت الحجّة عليهم من الآن لأنّ من لا يغني في بعض الشدائد لا ينبغي الاعتماد عليه في بعض آخر. ولذلك كان موقع {بَل إيّاه تدعون} عقب هذا الاستفهام موقع النتيجة للاستدلال. فحرف (بل) لإبطال دعوة غير الله. أي فأنا أجيب عنكم بأنّكم لا تدعون إلاّ الله. ووجه تولّي الجواب عنهم من السائل نفسِه أنّ هذا الجواب لمّا كان لا يسع المسؤول إلاّ إقرارُه صحّ أن يتولّى السائل الجوابَ عنه، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله}تفسير : في هذه السورة (12). وتقديم المفعول على {تَدْعون} للقصر وهو قصر إفراد للردّ على المشركين في زعمهم أنّهم يدعون الله ويدعون أصنامهم، وهم وإن كانوا لم يزعموا ذلك في حالِ ما إذا أتاهم عذاب الله أو أتتهم الساعة إلاّ أنّهم لمّا ادّعوه في غير تلك الحالة نزّلوا منزلة من يستصحب هذا الزعم في تلك الحالة أيضاً. وقوله: {فيكشف} عطف على {تدعون}، وهذا إطماع في رحمة الله لعلّهم يتذكّرون. ولأجل التعجيل به قدّم {وتنسوْن ما تشركون} وكان حقّه التأخير. فهو شبيه بتعجيل المسرّة. ومفعول: {تدعون} محذوف وهو ضمير اسم الجلالة، أي ما تدعونه. والضمير المجرور بِـ (إلى) عائد على {ما} من قوله {ما تدعون} أي يكشف الذي تدعونه إلى كشفه. وإنّما قيّد كشف الضرّ عنهم بالمشيئة لأنَّه إطماع لا وعد. وعديّ فعل {تدعون} بحرف (إلى) لأنّ أصل الدعاء نداء فكأنّ المدعو مطلوب بالحضور إلى مكان اليأس. ومفعول {شاء} محذوف على طريقة حذف مفعول فعل المشيئة الواقع شرطاً، كما تقدّم آنفاً. وفي قوله: {إن شاء} إشارة إلى مقابله، وهو إن لم يشأ لم يكشف، وذلك في عذاب الدنيا. وأما إتيان الساعة فلا يُكشف إلاّ أن يراد بإتيانها ما يحصل معها من القوارع والمصائب من خسف وشبهه فيجوز كشفه عن بعض الناس. وممَّا كشفه الله عنهم من عذاب الدنيا عذابُ الجوع الذي في قوله تعالى: {أية : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم} تفسير : [الدخان: 10 - 11] إلى قوله {أية : إنّا كاشفوا العذاب قليلاً إنّكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون}تفسير : [الدخان: 15 - 16] فُسّرت البطشة بيوم بدر. وجملة: {فيكشف} الخ معترضة بين المعطوفين. وقوله: {وتنسون ما تشركون} عطف على {إيّاه تدعون}، أي فإنّكم في ذلك الوقت تنسون ما تشركون مع الله، وهو الأصنام. وقوله: {وتنسون ما تُشركون} يجوز أن يكون النسيان على حقيقته، أي تذهلون عن الأصنام لِمَا ترون من هول العذاب وما يقع في نفوسهم من أنّه مرسل عليهم من الله فتنشغل أذهانهم بالذي أرسل العذاب وينسون الأصنام التي اعتادوا أن يستشفعوا بها. ويجوز أن يكون مجازاً في الترك والإعراض، أي وتعرضون عن الأصنام، إذ لعلَّهم يلهمون أن يستدلّون في تلك الساعة على أنّ غير الله لا يكشف عنهم من ذلك العذاب شيئاً، وإطلاق النسيان على الترك شائع في كلام العرب، كما في قوله تعالى: {أية : فاليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا}تفسير : [الجاثية: 34]، أي نهملكم كما أنكرتم لقاء الله هذا اليوم. ومن قبيله قوله تعالى: {أية : الذين هم عن صلاتهم ساهون}تفسير : [الماعون: 5]. وفي قوله: {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} دليل على أنّ الله تعالى قد يجيب دعوة الكافر في الدنيا تبعاً لإجراء نعم الله على الكفّار. والخلاف في ذلك بين الأشعري والماتريدي آئل إلى الاختلاف اللفظي.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن المشركين إذ أتاهم عذاب من الله، أو أتتهم الساعة أخلصوا الدعاء الذي هو مخ العبادة لله وحده، ونسوا ما كانوا يشركون به. لعلمهم أنه لا يكشف الكروب إلا الله وحده جل وعلا. ولم يبين هنا نوع العذاب الدنيوي الذي يحملهم على الإخلاص لله، ولم يبين هنا أيضاً إذا كشف عنهم العذاب هل يستمرون على أخلاصهم، أو يرجعون إلى كفرهم وشركهم، ولكنه بين كل ذلك في مواضع أخر. فبين أن العذاب الدنيوي الذي يحملهم على الإخلاص، هو نزول الكروب التي يخاف من نزلت به الهلاك، كأن يهيج البحر عليهم وتلتطم أمواجه، ويغلب على ظنهم أنهم سيغرقون فيه إن لم يخلصوا الدعاء لله وحده، كقوله تعالى {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} تفسير : [يونس: 22-23]، وقوله {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء:67] وقوله {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [العنكبوت:65]، وقوله {أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [لقمان:32] إلى غير ذلك من الآيات. وبين أنهم إذا كشف الله عنهم ذلك الكرب، رجعوا إلى ما كانوا عليه من الشرك في مواضع كثيرة كقوله {أية : فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} تفسير : [الإسراء: 67] وقوله {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت: 65]، وقوله {أية : قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 64]، وقوله {أية : فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}تفسير : [يونس: 23] إلى غير ذلك من الآيات. وبين تعالى أن رجوعهم للشرك بعد أن نجاهم الله من الغرق من شدة جهلهم، وعماهم: لأنه قادر على أن يهلكهم في البر كقدرته على إهلاكهم في البحر، وقادر على أن يعيدهم في البحر مرة أخرى، ويهلكهم فيه بالغرق فجرأتهم عليه إذا وصلوا البر لا وجه لها. لأنها من جهلهم وضلالهم، وذلك في قوله [أية : أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً}تفسير : [الإسراء: 68-69].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أرأيتكم: أخبروني. الساعة: يوم القيامة. يكشف: يزيل ويبعد وينجي. البأساء والضراء: البأساء: الشدائد من الحروب والأمراض، والضراء: الضر. يتضرعون: يتذللون في الدعاء خاضعون. بغتة: فجأة وعلى حين غفلة. مبلسون: آيسون قنطون متحسرون حزنون. دابر القوم: آخرهم أي أهلكوا من أولهم إلى آخرهم. الحمد لله: الثناء بالجميل والشكر لله دون سواه. معنى الآيات: ما زال السياق في طلب هداية المشركين العادلين بربهم أصناماً وأحجاراً، فيقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل يا رسولنا لأولئك الذين يعدلون بنا الأصنام {أَرَءَيْتَكُمْ} أي أخبروني، {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} اليوم انتقاما منكم، {أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ} وفيها عذاب يوم القيامة، {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ} ليقيكم العذاب ويصرفه عنكم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في أن آلهتكم تنفع وتضر، تقي السوء وتجلب الخير؟ والجواب معلوم أنكم لا تدعونها ليأسكم من إجابتها بل الله وحده هو الذي تدعونه فيكشف ما تدعونه له إن شاء، وتنسون عندها ما تشركون به من الأصنام فلا تدعونها ليأسكم من إجابتها لضعفها وحقارتها. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى [40] والثانية [41] وأما الآيات الأربع بعدهما فإن الله تعالى يخبر رسوله بقوله {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} أي أرسلنا رسلاً من قبلك إلى أممهم فأمروهم بالإِيمان والتوحيد والعبادة فكفروا وعصوا فأخذناهم بالشدائد من حروب ومجاعات وأمراض لعلهم يتضرعون إلينا فيرجعون إلى الإِيمان بعد الكفر والتوحيد بعد الشرك والطاعة بعد العصيان ولما لم يفعلوا وبخهم تعالى بقوله: {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} أي فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا إلينا {وَلَـٰكِن} حصل العكس حيث {قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ} أي حسن لهم {مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} من الشرك والمعاصي. وهنا لما نسوا ما ذكرتهم به رسلهم فتركوا العمل به معرضين عنه غير ملتفتين إليه فتح الله تعالى عليهم أبواب كل شيء من الخيرات حتى إذا فرحوا بذلك وسكنوا إليه واطمأنوا ولم يبق بينهم من هو أهل للنجاة. قال تعالى {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} أي فجأة بعذاب من أنواع العذاب الشديدة {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} آيسون من الخلاص متحسرون {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي استؤصلوا بالعذاب عن آخرهم. وانتهى أمرهم {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} ناصر أوليائه ومهلك أعدائه فاذكر هذا لقومك يا رسولنا لعلهم يثوبون إلى رشدهم ويعودون إلى الحق الذي تدعوهم إليه وهم معرضون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- من غريب أحوال الإِنسان المشرك أنه في حال الشدة الحقيقية يدعو الله وحده ولا يدعو معه الآلهة الباطلة التي كان في حال الرخاء والعافية يدعوها. 2- بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم. 3- إذا رأيت الأمة قد فسقت عن أمر ربها ورسوله فعوقبت فلم تتعظ بالعقوبة واستمرت على فسقها وبسط الله تعالى لها في الرزق وأغدق عليها الخيرات فاعلم أنها قد استدرجت للهلاك وأنها هالكة لا محالة. 4- شؤم الظلم هلاك الظالمين. 5- الإِرشاد إلى حمد الله تعالى عند نهاية كل عمل، وعاقبة كل أمر.

القطان

تفسير : أرأيتكم: أخبِروني، وهو أسلوب يُذكر للتعجيب والتنبيه الى أن ما يُذكر بعده غريب عجيب. يكشف: يزيل ما تدعونه الى كشفه البأساء: المشقة، والعذاب الشديد. الضراء: الضُرّ ضد النفع يتضرعون: يظهرون الخضوع بتكلّف. مُبْلِسون: متحسّرون، يائِسون من النجاة. دابر القوم: آخرهم. بعد أن بيّن الله تعالى للمشركين أن علمه محيط بالكون كله، وعنايته تعم كل ما فيه، وأن أمم الحيوان، كأمم الانسان، قد اوتيت من الإلهام والغريزة ما تميز به بين ما ينفعها وما يضرها - أمرَ نبيّه الكريم ان يوجّه الى الكفار هذا السؤال، ليعلموا ان ماتقلّدوه من الشرك عارض يُفسد أذهانهم وقت الرخاء، حتى اذا جد الجد ونزل بهم مكروه دعوا الله مخلصين له الدين. والسؤال هو: أخبروني أيها المكذّبون إن اتاكم عذاب كالذي نزل بمن قبلكم، او جاءتكم القيامةُ بأهوالها، الى من تتجهون!؟ ألغيرِ اله تضرَعون أن يكشف ما نزل بكم من البلاء؟ إن كنتم صادقين في عبادتكم لغير الله فيجب ان تتجهوا إليهم. { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ...}. الواقع أنكم لا تتجهون إلا اليه، تدعونه ان يكشف عنكم البلاء ان شاء. إنكم في حال الشدة تنسون كل ما تجعلونه شركاء لله، فلماذا تفطنون لهم في الرخاء!! وقد بين الله في اكثر من آية أن المشركين ينسون آلهتهم المزيفة عند الشدة والضيف، مثل قوله تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت:65]. ثم بين أن من سنّته تعالى أخْذَ عباده بالشدائد لعلّهم يثوبون الى رشدهم، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ....}. فلا يشُق عليك أيها الرسول ما تلاقيه من قومك.. لقد بعثنا قبلك رسلاً إلى أمم كثيرة قبل أمتك فكذّبوهم، فعاقبناهم لعلّهم يرجعون الى الله. لكنّ كثيراً من الناس يصلون الى حال من الشرك والفجور لا يغيّرها بأس ولا يُحَوّلها بؤس فلا تجدي معهم العبر والمواعظ، ومنهم تلك الأمم الذين أُرسل اليهم أولئك الانبياء. ولا تذهب بعيداً، وحالنا نحن العربَ شاهد ودليل.. لقد نزل بنا أكبر الشدائد وهاجمنا في ديارنا ألأَمُ الناس وأخبثُهم، بل أخذوا قسما عزيزاً من بلادنا، ومع ذلك لم نتعظ ولم نغير من حالنا شيئا. إننا لا زِلنا سادرين في غرورنا، نتفاخر بماضينا، غافلين عن عدونا الحاضر، ويقتل بعضنا بعضاً طمعاً في مناصب فصّلها لهم عدُّ الأمة وخصيم الاسلام.. لم نرجع ألى ديننا، ولم نتضرع الى ربنا، بل تضرعنا الى اعدائنا الألداء في أمريكا واوروبا، نطلب منهم النصر، غافلين متعمدين عن أن النصر من عند الله ومن عند انفسنا. {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ}. هلاّ تضرّعوا إلينا خاشعين تائبين قبل أن جاءتهم مقدمات العذاب. إنهم لم يفعلوا، واستمرت قلوبهم على قسوتها، وزين لهم الشيطان ما هم عليه من الشرك والفجور. {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ...} الآية. فلما أعرضوا عن الاتعاظ بما ابتليناهم من الفقر والمرض، وأصرّوا على كفرهم، ابتليناهم بعد ذلك بالرزق الوسع، وفتحنا عليهم ابواب رخاء العيش وصحة الاجسام والأمن على الانفس، حتى اذا فرحوا بكل ذلك ولم يشكروا الله عليه، جاءهم العذابُ بغتة، فإذا هم متحسّرون يائسون من النحاة لايجدون إليها سبيلا. والخلاصة أن الله تعالى سلّط عليهم المكاره والشدائد ليعتبروا ويتعظوا، فلما تجدِ معهم شيئا نَقَلَهم الى حال هي ضدُّها، ففتح عليهم أبواب الخيرات، وسهّل لهم سبل الرزق والرخاء فلم ينتفعوا به ايضاً. عند ذاك أذاقهم جزاءهم العادل. روى الامام احمد حديث : ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: اذا رأيتَ الله يعطي العبد من الدنيا، على معاصيه، ما يحبّ، فإنما هو استدراج، تفسير : ثم تلا هذه الآية. وروى مسلم عن صُهيب عن النبي انه قال: "حديث : عجبا لأمر المؤمن، إن أمْرَهُ كلّه خير، وليس لك لاحدٍ الا للمؤمن، إن أصابتْه سراءُ شكَر فكان خيراً له، وان اصباتْه ضراءُ صبرَ فكان خيراً له " تفسير : {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }. لقد هلك اولئك القوم الظالمون وأبيدوا عن آخرهم. والحمدُ.. هنا ارشاد من الله لعباده بتذكيرهم بما يجب عليهم من حمده على نصر المرسَلين المصلحين، وإيماءٌ الى وجوب ذكره في عاقبة كل أمر وخاتمة كل عمل، {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. قراءات: قرأ نافع أرأيتكم بتسهيل الهمزة، وقرأ الكسائي: أريتكم بحذف الهمزة. والباقون "أرأيتكم" بتحقيق الهمزة وحمزة يسهل الهمزة بالوقف.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَأَيْتُكُم} {أَتَاكُمْ} {أَتَتْكُمْ} {صَادِقِينَ} (40) - قُلْ أيُّهَا الرَّسُولُ لِهؤلاءِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ: أَخْبِرُونِي إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابٌ مِنَ اللهِ، كَالذِي نَزَلَ بِمَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ الذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، أَوْ جَاءَتْكُمُ السَّاعَةُ بِأَهْوَالِهَا وَخِزْيِها وَنَكَالِها، وَبُعِثْتم لِمَوْقِفِ الحِسَابِ، مَنْ تَدْعُونَ غَيْرَ اللهِ، فِي هَذِهِ الأَحْوَالِ، لِيَكْشِفَ عَنْكُمْ مَا نَزَلَ بِكُمْ مِنَ البَلاَءِ؟ وَهَلْ تَفْزَعُونَ إِلَى الآلِهَةِ التِي تَزْعُمُونَ شِرْكَتَهَا مَعَ اللهِ لِكَشْفِ البَلاءِ النَّازِلِ بِكُمْ، هذا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ ألُوهِيَّةَ هؤُلاءِ الشُّرَكَاءِ؟ أَرَأَيْتَكُمْ - أَخْبِرُونِي عَنْ عَجيب أَمْرِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"أرأيتكم" مكونة من استفهام وفعل، ومن ضمير وهو لفظ التاء المفتوح للمخاطب كقولك: "أرأيت فلاناً" وكأنك تقول له: "إن كنت قد رأيته فأخبرني عنه"، وعندما تقول للمخاطب ذلك فأنت تستفهم منه عن شيء رآه وأبصره وبعد ذلك تأتي بكاف الخطاب، فكأنك تقول له: أخبرني عنك، فيكون المعنى أخبروني عن أنفسكم، وهكذا تكون: "أرأيتكم" معناها: أخبروني عن حالكم إخبار من يرى. فالأمر إذن لرسول الله ليسأل المشركين أن يخبروه ماذا يفعلون عندما يصيبهم الضر أو أي شيء فوق الأسباب، هل هم يدعون اللات والعزى؟ لا، إنهم لا يستطيعون وقت الخطر الداهم أن يكذبوا على أنفسهم، إنما ينادون الله الذي لا يعلنون الإيمان به. ولو كانوا صادقين مع كفرهم لما نادوا الله، بل كان يجب أن ينادوا آلهتهم؛ لكنّهم في لحظة الخطر يقولون: "يارب" كأنهم يعرفون أنه لا منقذ لهم إلا هو سبحانه. وهكذا ينكشف أمامهم كذب كفرهم وشركهم بالله. ولا أحد يغش نفسه، حتى الدجال الذي يدعي ممارسته شفاء الناس، إن أصابه مرض نجده يلجأ إلى طبيب متخصص متعلم. فلا أحد يغش نفسه، وساعة يمس الخطر ذات الإنسان نجد الحقيقة تنبع من الإنسان نفسه. ويسألهم النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ يدعونه لحظة الخطر؟ إنهم يدعون الله. وكأنهم لا يثقون في آلهتهم. {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} تفسير : [يونس: 12]. لكن ماذا يحدث عندما يعود للقلب غلظته؟ {أية : فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} تفسير : [يونس: 12]. لماذا إذن يطلب من الله النجدة وقت الخطر، ولا يتبع التكليف؟ يأتي الأمر إلى الرسول ليسألهم من تدعون لحظة الخطر؟ ويأتي الجواب أيضاً من الحق سبحانه وتعالى: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ...}

الأندلسي

تفسير : {قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ} الآية قال الفراء: للعرب في أرأيت لغتان ومعنيان، إحداهما: أن تسأل الرجل: أرأيت زيداً، أي بعينك فهذه مهموزة. وثانيهما، أن تقول: أرأيت، وأنت تريد أخبرني فهاهنا تترك الهمزة إن شئت، وهو أكثر كلام العرب يومىء إلى ترك الهمزة للفرق بين المعنين. "انتهى". وإذا كانت بمعنى أخبرني جاز أن تختلفا لتاء مفتوحة كحالها للواحد المذكر. ومذهب البصريين أن التاء هي الفاعل وما لحقها حرف خطاب يدل على اختلاف المخاطب. ومذهب الكسائي أن الفاعل هو التاء وأن أداة الخطاب اللاحقة في موضع المفعول الأول. ومذهب الفراء ان التاء هي حرف خطاب كهي في أنت وان أداة الخطاب بعده هي في موضع الفاعل استعيرت ضمائر النصب للرفع والكلام على هذه المذاهب إبطالاً وتصحيحاً مذكور في النحو وكون أرأيت وأرأيتك بمعنى أخبرني نص عليه سيبويه وغيره من أئمة العربية، وكون أرأيت بمعنى أخبرني هو تفسير معنى لا تفسير إعراب لأن أخبرني تتعدى بعن فنقول: أخبرني عن زيد وأرأيت تتعدى لمفعول به صريح وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني كقولك: أرأيت زيداً ما صنع فما بمعنى أي شىء وهو مبتدأ وضع في موضع الخبر وأما في هذه الآية فنقول: هو من باب الأعمال فارأيتكم يطلب مرفوعاً وهو قوله: عذاب الله فلما اجتمع العاملان أرأيتكم وفعل الشرط الذي هو أتاكم أعمل الثاني وهو أتاكم على اختيار مذهب البصريين أن الثاني هو أولى بالأعمال ولو كان على أعمال أرأيتكم لكان التركيب بنصب عذاب والساعة فكان يكون في غير القرآن أرأيتكم ان أتاكم عذاب الدنيا أو الساعة لكنه لما أعمل الثاني حذف مفعول أرأيتكم الأول، والثاني هو جملة الاستفهام وهو قوله: أغير الله ورابط هذه الجملة الاستفهامية بالمفعول المحذوف في أرأيتكم مقدر تقديره أغير الله تدعون لكشفه وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره ان أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة فأخبروني. وأتاكم عذاب الله، أي أتاكم خوفه وإماراته وأوائله مثل الجدب والبأساء والأمراض التي يخاف منها الهلاك، ولا يحتاج إلى تأويل العذاب بمقدماته بل إذا حل بالإِنسان العذاب واستمر عليه لا يدعو إلا الله تعالى. وقوله: أغير الله، تقديره إلهاً غير الله تدعون وهو استفهام توبيخ وتقرير. {تَدْعُونَ} أي لكشف ما حل بكم وإياه مفعول مقدم انتقل من استفهام التوبيخ إلى حصر من يدعونه بقوله: بل إياه، أي بل الله تدعون. وما من قوله: ما تدعون، إلا ظهر انها موصولة. قال ابن عطية: ويصح أن تكون ظرفية. "انتهى". فيكون مفعول يكشف محذوفاً أي فيكشف العذاب مدة دعائكم أي ما دمتم داعية وهذا فيه حذف المفعول وخروج عن الظاهر لغير حاجة ويضعّفه وصل ما الظرفية بالمضارع وهو قليل جداً إنما بابها أن توصل بالماضي، تقول: لا أكلمك ما طلعت الشمس. ويضعف ما تطلع الشمس ولذلك علة ذكرت في علم النحو، وقوله: إن شاء، مفعول شاء محذوف تقديره إن شاء كشفه وتنسون أي تتركون الإِلتجاء إلى آلهتكم التي تشركون بها ربكم. {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ} الآية، هذه تسلية له عليه السلام وإن عادة الأمم مع رسلهم التكذيب والمبالغة في قسوة القلوب، حتى إذا أخذوا بالبلايا لا يتذللون لله تعالى ولا يسألونه كشفها وهؤلاء الأمم الذين بعث الله إليهم الرسل أبلغ انحرافاً وأشد شكيمة وأجلد من الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خاطبهم تعالى بقوله: {قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ}، الآية، وأخبر أنهم عند الإِمارات لا يدعون لكشفها إلا الله. وفي الكلام حذف التقدير ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فكذبوا فأخذناهم. وتقدم تفسير البأساء والضراء في البقرة. والترجي هنا بالنسبة إلى البشر أي لو رأى أحد ما حل بهم لرجا تضرعهم وابتهالهم إلى الله في كشفه. والأخذ: الإِمساك بقوة وبطش وقهر، وهو هنا مجاز عن مبالغة العقوبة والملازمة، والمعنى فعاقبناهم في الدنيا. {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ}، ولولا هنا حرف تحضيض يليها الفعل ظاهراً أو مضمراً أو فصل بينهما بالظرف فصل بين لولا وتضرعوا بإِذ وهي معمولة لتضرعوا والتحضيض بدل على أنه يقع تضرعهم حين جاء البأس، فمعناه إظهار معاتبة بذنب غائب وإظهار سوء فعله. وإسناد المجيء إلى البأس مجاز عن وصوله إليهم، والمراد أوائل البأس وعلاماته. {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي صلبت وصبرت على ملاقاة العذاب لما أراد الله تعالى من كفرهم ووقوع لكن هنا حسن لأن المعنى انتفاء التذلل عند مجيء البأس. ووجود القسوة الدالة على العتو والتعزز فوقعت لكن بين ضدين وهما اللين والقسوة، وكذا إن كانت القسوة عبارة عن الكفر فعبر بالسبب عن المسبب والضراعة عبارة عن الإِيمان فعبر بالمسبب عن السبب كانت أيضاً واقعة بين ضدين. تقول: فسأقلبه فكفر وآمن فتضرع. {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ} يحتمل أن تكون الجملة داخلة تحت الاستدراك. ويحتمل أن يكون استئناف اخبار، والظاهر الأول فيكون الحامل على ترك التضرع قسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي كان الشيطان سبباً في تحسينها لهم. {فَلَمَّا نَسُواْ} أي تركوا الاتعاظ والازدجار بما ذكروا به من البأس استدرجناهم بتسير مطالبهم الدنيوية وعبّر عن ذلك بقوله: فتحنا عليهم أبواب كل شىء إذ يقتضي شمول الخيرات وبلوغ الطلبات. {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} ومعنى هذه الجملة معنى قوله: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} تفسير : [آل عمران: 178]. وفي الحديث الصحيح عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا رأيت الله يعطي العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإِنما ذلك استدراج منه لهم. ثم تلا: فلما نسواتفسير : ، الآية. والأبواب عبارة عن الأسباب التي هيأها الله لهم المقتضية لبسط الرزق عليهم والإِيهام في هذا العموم لتهويل ما فتح عليه وتعظيمه، وغيا الفتح بفرحهم بما أوتوا وترتب على فرحهم أخذهم بغتة أي إهلاكهم فجأة وهو أشد الاهلاك إذ لم يتقدم شعور به فتتوطن النفس على لقائه ابتلاهم أولاً بالبأساء والضراء فلم يتعظوا ثم نقلهم إلى ما أوجب سرورهم من إسباغ النعم عليهم فلم يجد ذلك عندهم ولا تصدوا لشكر ولا أصغوا إلى إنابة بل لم يحصلوا إلا على فرح بما أسبغ عليهم. قال محمد بن النضر الحارثي: أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة. {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} أي باهتون بائسون لا يخبرون جواباً. {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ} عبارة عن استئصالهم بالهلاك ونبه على سبب الاستئصال بذكر الوصف الذي هو الظلم وهو هنا الكفر. والدابر: التابع للشىء من خلفه. يقال: دبر الولد يدبره. قال أمية بن أبي الصلت: شعر : استئصلوا بعذاب خص دابرهم فلما استطاعوا له صرفاً ولا انتصروا تفسير : {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} الظاهر أنه تعالى لما أرسل الرسل إلى هؤلاء الأمم كذبوهم وآذوهم فابتلاهم الله تعالى تارة بالبلاء وتارة بالرخاء فلم يؤمنوا، فأهلكهم واستراح الرسل من شرهم وتكذيبهم، وصار ذلك نعمة في حق الرسل إذ أنجز الله وعده على لسانهم بهلاك مكذبيهم فناسب هذا الفعل كله الختم بالحمد لله رب العالمين.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إمحاضاً للنصح: {أَرَءَيْتَكُمْ} أي: أخبروني صريحاً {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} في يوم الجزاء {أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ} التي تحشرون فيها إلى الله تعالى هائمين حائرين {أَغَيْرَ ٱللَّهِ } المنقذ من العذاب، والمنجي من الحيرة والهيما {تَدْعُونَ} أم تدعونه تضرعاً وتلجئون نحوه استعاذة؟ بينوا إليَّ أمركم في حالة اضطراركم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} [الأنعام: 40] في الأقوال والأخبار. {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} إذ لا ملجأ ولا ملاذ حينئذ إلا هو {فَيَكْشِفُ} عنكم {مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ} من الضرر والبلاء {إِنْ شَآءَ} أي: إن تعلقت مشيئته وإرادته {وَتَنسَوْنَ} حينئذ {مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 41] له من الأظلال الباطلة والتماثيل العاطلة، وقل لهم أيضاً: إذ سمعتم مآل أمركم وعاقبة حالكم وشأنكم، فتضرعوا إلى الله في جميع أحوالكم، والتجئوا نحوه، ومع ذلك لم يقبلوا منك قولك ونصحك البتة لخبث باطنهم. {وَ} اعلم أنَّا {لَقَدْ أَرْسَلنَآ} رسلاً من مقام جودنا ولطفنا {إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} وأيدناههم بآيات ظاهرة ومعجزات باهرة فكذبوهم {فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42] رجاء أن يتضروعوا إلينا ويتلجئوا نحونا فلم يتضرعوا ولم يلتجئوا. {فَلَوْلاۤ} هلا {إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} وما هي من عدم تأثرهم في البأساء والضراء بل يتأثرون منها ويزعجون {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ} أي: حبب وحسن {لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43] من عدم المبالاة بآيات الله، وتكذيب رسله، والإعراض عن دينه. {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} من البأساء والضراء ولم يتعظوا بها {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ} ابتلاء وفتنة {أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} نافع وخير وأمهلناهم عليها {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ} أعجبوا {بِمَآ أُوتُوۤاْ} مترفهين متنعمين بطرين مغرورين بالنعم ناسين المنعم بالمرة {أَخَذْنَاهُمْ} بانواع البلاء {بَغْتَةً} فجأة {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] متحسرون آيسون خائبون محرومون.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لرسوله: { قُلْ } للمشركين بالله، العادلين به غيره: { أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أي: إذا حصلت هذه المشقات، وهذه الكروب، التي يضطر إلى دفعها، هل تدعون آلهتكم وأصنامكم، أم تدعون ربكم الملك الحق المبين. { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } فإذا كانت هذه حالكم مع أندادكم عند الشدائد، تنسونهم، لعلمكم أنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا. وتخلصون لله الدعاء، لعلمكم أنه هو النافع الضار، المجيب لدعوة المضطر،فما بالكم في الرخاء تشركون به، وتجعلون له شركاء؟. هل دلكم على ذلك،عقل أو نقل، أم عندكم من سلطان بهذا؟ بل تفترون على الله الكذب.