٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
156
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {أَن تَقُولُوۤاْ} في موضع نصب. قال الكوفيون. لئلا تقولوا. وقال البصريون: أنزلناه كراهية أن تقولوا: وقال الفرّاء والكسائيّ. المعنى فاتقوا أن تقولوا يا أهل مكة. {إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ} أي التوراة والإنجيل. {عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} أي على اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا كتاب. {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} أي عن تلاوة كتبهم وعن لغاتهم. ولم يقل عن دراستهما؛ لأن كل طائفة جماعة. {أَوْ تَقُولُواْ} عطف على «أن تَقُولُوا». {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي قد زال العذر بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم. والبينة والبيان واحد؛ والمراد محمد صلى الله عليه وسلم، سماه سبحانه بينة. {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} أي لمن ٱتبعه. ثم قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ} أي فإن كذبتم فلا أحد أظلم منكم. «صَدَفَ» أعرض. و {يَصْدِفُونَ} يعرضون. وقد تقدم.
البيضاوي
تفسير : {أَن تَقُولُواْ} كراهة أن تقولوا علة لأنزلناه. {إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} اليهود والنصارى، ولعل الاختصاص في {إِنَّمَا} لأن الباقي المشهور حينئذ من الكتب السماوية لم يكن غير كتبهم. {وَإِن كُنَّا} إن هي المخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبر كان أي وإنه كنا. {عَن دِرَاسَتِهِمْ} قراءتهم، {لَغَـٰفِلِينَ} لا ندري ما هي، أو لا تعرف مثلها.
ابن كثير
تفسير : قال ابن جرير: معناه: وهذا كتاب أنزلناه؛ لئلا تقولوا: {إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} يعني: لينقطع عذركم؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ ءايَـٰتِكَ} تفسير : [القصص: 47] الآية، وقوله تعالى: {عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هم اليهود والنصارى. وكذا قال مجاهد والسدي وقتادة وغير واحد. وقوله: {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ} أي: وما كنا نفهم ما يقولون؛ لأنهم ليسوا بلساننا، ونحن في غفلة وشغل مع ذلك عما هم فيه. وقوله: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ} أي: وقطعنا تعللكم أن تقولوا: لو أنا أنزل علينا ما أنزل عليهم، لكنا أهدى منهم فيما أوتوه؛ كقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمَِ} تفسير : [فاطر: 42] الآية، وهكذا قال ههنا: {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} يقول: فقد جاءكم من الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم النبي العربي قرآن عظيم، فيه بيان للحلال والحرام، وهدى لما في القلوب، ورحمة من الله لعباده الذين يتبعونه، ويقتفون ما فيه. وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} أي: لم ينتفع بما جاء به الرسول، ولا اتبع ما أرسل به، ولا ترك غيره، بل صدف عن اتباع آيات الله، أي: صَرَفَ الناس، وصدهم عن ذلك، قاله السدي، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة: وصدف عنها: أعرض عنها. وقول السدي ههنا فيه قوة؛ لأنه قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} كما تقدم في أول السورة: {أية : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 26] وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النحل: 88] وقال في هذه الآية الكريمة: {سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَـٰتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} وقد يكون المراد فيما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} أي: لا آمن بها، ولا عمل بها؛ كقوله تعالى: {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [القيامة: 31-32] وغير ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه، وترك العمل بجوارحه، ولكن كلام السدي أقوى وأظهر، والله أعلم؛ لأن الله قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} تفسير : [النحل: 88].
المحلي و السيوطي
تفسير : أنزلناه ل {أن } لا {تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلْكِتَٰبُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ } اليهود والنصارى {مِن قَبْلِنَا وَإِن } مخففة واسمها محذوف أي إنا {كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ } قراءتهم {لَغَٰفِلِينَ } لعدم معرفتنا لها إذ ليست بلغتنا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلآئِكَةُ} فيه وجهان: أحدهما: هل ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة رسلاً، يعني الكفار الذين يتوقفون عن الإيمان مع ظهور الدلائل. والثاني: هي ينظرون يعني في حُجَج الله ودلائله إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، قاله جويبر. {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} فيه وجهان: أحدهما: أمر ربك بالعذاب، قاله الحسن. والثاني: قضاء ربك في القيامة، قاله مجاهد. {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} فيه قولان: أحدهما: أنه طلوع الشمس من مغربها، قاله مجاهد، وقتادة، والسدي، قال ابن مسعود: مع القمر في وقت واحد وقرأ: {أية : وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}تفسير : [القيامة: 9]. والثاني: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، قاله أبو هريرة. {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ...} في أول آيات الساعة وآخرها قولان: أحدهما: أن أولها الدجال، ثم الدخان، ثم يأجوج ومأجوج، ثم الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، {لاَ يَنْفَعُ نَفْسَاً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِِن قَبْلُ} هذا قول معاذ بن جبل. والثاني: أن أولها خروج الدجال، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم طلوع الشمس من مغربها {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مَن قَبْلُ} ثم خروج الدابة، وهذا قول حذيفة بن اليمان ورواه مرفوعاً. ثم اختلفوا في ألا ينفعها إيمانها بظهور أول الآيات أو بظهور آخرها على قولين: أحدهما: إذا خرج أول الآيات، طرحت الأقلام، وجلست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. والقول الثاني: أن ذلك يكون بخروج آخر الآيات ليكون لنا فيها أثر في الإنذار. ثم قال: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيَمَانِهَا خَيْراً} أما إيمانها قبل هذه الآيات فمُعْتَدٌّ به، وأما بعدها فإن لم تكسب فيه خيراً لم يُعْتَدّ به، وإن كسبت فيه خيراً ففي الاعتداد به قولان: أحدهما: يُعْتَدُّ به، وهو ظاهر الآية أن يكون قبل الآيات أو بعده. والثاني: لا يُعْتَدُّ به، ويكون معناه: لم تكن آمنت من قبل وكسب في إيمانها خيراً، وهذا قول السدي. وفي الخير الذي تكسبه وجهان: أحدهما: تأدية الفروض على أكمل أحوالها. والثاني: التطوع بالنوافل بعد الفروض. روى مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحُ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، فَالتَّوْبَةُ مَقْبَولَةٌ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: مِنْ إِبْلِيس رَأْسِ الكُفْرِ، وَمِنْ قَابِيل قَاتِلِ هَابِيلَ، وَمَنْ قَتَلَ نَبِيَّا لاَ تَوْبَةَ لَهُ، فَإِذَا طَلَعَت الشَّمْسُ مِن ذَلِكَ البَابِ كَالعَكَرِ الأَسْوَدِ لاَ نَورَ لَهَا حَتَّى تَتَوَسَّطَ السَّماءَ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيُغْلَقُ البَابُ وَتُرَدُّ التَّوبَةُ فَلاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُن ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيراً، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى مَشَارِقَهَا، فَتَطْلُعُ بَعْدَ ذلِكَ عِشْرِينَ وَمِائَة سَنَة إِلاَّ أَنَّهَا سُنُونَ تَمُرُّ مَراً".
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} قال: اليهود والنصارى خاف أن تقوله قريش . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {على طائفتين من قبلنا} قال: هم اليهود والنصارى {وإن كنا عن دراستهم} قال: تلاوتهم . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} قال: هذا قول كفار العرب . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {فقد جاءتكم بينة من ربكم} يقول: قد جاءتكم بينة لسان عربي مبين حين لم يعرفوا دراسة الطائفتين . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وصدف عنها} قال: أعرض عنها. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله {يصدفون} قال: يعرضون.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ}. أزاح كلَّ عِلَة، وأبدى كل وصلة، فلم يُبْقِ لك تعللا، ولا في آثار الالتجاء إلى العذر موضعاً. قوله جلّ ذكره: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ}. عقوبةُ كلِّ جُرْمٍ مؤجلة، وعقوبة التكذيب معجلة، وهي ما يوجب بقاءهم في أَسْرِ الشك حتى لا يستقر قلبهم على شيء.
اسماعيل حقي
تفسير : {أن تقولوا} على حذف المضاف كما هو رأى البصريين اى انزلناه كراهة ان تقولوا يا اهل مكة يوم القيامة لم تنزله {انما انزل الكتاب} اى التوراة والانجيل {على طائفتين} كائنتين {من قبلنا} وهما اليهود والنصارى ولعل الاختصاص فى انما اشتهار الكتابين يومئذ فيما بين الكتب السماوية {وان} مخففة اى وانه {كنا عن دراستهم} قرآتهم ولم يقل عن دراستهما لان كل طائفة جماعة {لغافلين} لا ندرى ما فى كتابهم اذ لم يكن على لغتنا فلم نقدر على قرآته.
الطوسي
تفسير : العامل في (أن) قوله {أنزلناه} وتقديره لان لا تقولوا، فحذف (لا) لظهور المعنى في انه أنزله لئلا يكون لهم حجة بهذا، وحذف (لا) في قول الفراء، وقال الزجاج: تقديره كراهة ان تقولوا، ولم يجز حذف (لا) ها هنا، واذا كان يجوز حذف المضاف في غير (أن) فهو مع (أن) اجدر، لطولها بالصلة، و (أن) اذا كانت بمعنى المصادر تعمل، ولا تعمل اذا كانت بمعنى (أي) لان هذه تختص بالفعل، والآخرى تدخل للتفسير، فتارة تفسير جملة من ابتداء وخبر، وتارة جملة من فعل وفاعل. وقوله {إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} معنى (إنما) الاختصاص، وانما كان كذلك، لان (أن) كانت تحقيقا بتخصيص المعنى مما خالفه، فلما صحبتها (ما) ممكنة لها ظهر هذا المعنى فيها. والمعني "بالطائفتين من قبلنا" اليهود والنصارى - في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وابن جريج وقتادة والسدي - وانما خصا بالذكر لشهرتهما ولظهور أمرهما. وقوله {وإن كنا عن دراستهم لغافلين} اللام في قوله {لغافلين} لام الابتداء، ولا يجوز ان يعمل ما قبلها فيما بعدها الا في باب (إِنَّ) خاصة لانها زحلقت معها عن الاسم الى الخبر للفصل بين حرفين بمعنى واحد، وتقدير الآية: انا أنزلنا الكتاب الذي هو القرآن لئلا يقولوا: انما أنزل الكتاب على اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا، ولو أريد منا ما أريد ممن قبلنا لانزل الينا كتاب كما أنزل على من قبلنا {وإن كنا عن دراستهم لغافلين} وتقديره وان كنا غافلين عن تلاوة كتبهم يعني الطائفتين اللتين أنزل عليهم الكتاب، لانهم كانوا أهله دوننا.
الجنابذي
تفسير : {أَن تَقُولُوۤاْ} يعنى انزلنا الكتاب كراهة ان تقولوا بعد ذلك او فى القيامة او لئلاّ تقولوا كذلك او كراهة هذا القول الواقع منكم على سبيل الاستمرار. اعلم، انّ مثل هذه العبارة كثيرة فى الكتاب والسّنة وجارية على السنة العرف والمقصود من مثلها انّ هذا القول كان واقعاً منكم وصار وقوع هذا القول سبباً لانزال الكتاب لكراهتنا وقوع هذا القول منكم ولئلاّ يصدر مثله بعد منكم، ولمّا كان صدور هذا القول سبباً لكراهته، وكراهته لهذا القول الصّادر سبباً لانزال الكتاب، وانزال الكتاب سبباً لمنع هذا القول صحّ تفسيره بكراهة ان تقولوا، وبقولهم لئلاّ تقولوا، ولكن لا حاجة الى تقدير الكراهة او تقدير لا وعلى هذا كان المعنى انزلنا الكتاب لكثرة ما كنتم تقولون اظهاراً للعذر فى تقصيركم فى العبادات وتحسّراً على كونكم امّيّين {إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} والاتيان باداة القصر لشهرة الكتابين واهلهما عندهم كأنّهم كانوا لا يعرفون اهل ملّة وكتاب غيرهما {وَإِن كُنَّا} ان مخفّفة من المثقّلة {عَن دِرَاسَتِهِمْ} قراءتهم وبيانهم للكتابين {لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ} او للتّوزيع يعنى كان بعضهم يقولون ذلك وبعضهم هذا {لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ} لانّا احدّ ذهناً وادقّ فهماً، وهذا هو ديدن النّسوان لانّهنّ لا يرضين بنسبة النّقص الى انفسهنّ ويعتذرون بالاعذار الكاذبة ويفتخرن باستعداد الكمالات وقواها حين فقدانها على المتّصف بها ويتحسّرن على الفانية بالتّمنّيات والتّعليق على الفائتات {فَقَدْ جَآءَكُمْ} جواب لشرط مقدّر، اى ان كنتم صادقين فقد جاءكم {بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} كتاب هو حجّة واضحة على كلّ شيءٍ من صدق النّبىّ (ص) ونبوّته والاحكام الّتى هى معالم الهداية {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} التّدوينيّة والتّكوينيّة واعظمها علىّ (ع) فانّ الآيات التّدوينيّة تدلّ على التّكوينيّة وتكذيبها مؤدٍّ الى تكذيبها، وهو تعريض بانّهم كذّبوا بآيات الله بعد وضوحها ولا اظلم منهم {وَصَدَفَ عَنْهَا} اعرض او منع لكنّ الثّانى اولى للتّأسيس يعنى ضلّ واضلّ {سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ هَلْ يَنظُرُونَ} ما ينتظرون {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} لقبض ارواحهم او لعذابهم حين الموت {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} فى الولاية وهو علويّة محمّد (ص) ووجهة ولايته كما قال (ع): يا حار همدان من يمت يرنى {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} كأشياع علىّ (ع) الّذين هم آياته تعالى، وتفسير الآيات فى الاخبار بالعذاب فى دار الدّنيا لا ينفى كونها عند الموت قبل الارتحال من الدّنيا ولا ينافى التّفسير باشياع علىّ (ع) لانّ العذاب آية علىّ (ع) النّازلة واشياعه آياته العالية {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} يعنى حين معاينة الموت {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً} هو اشدّ آية على اهل الايمان خصوصاً على من لا يراقب جهة ايمانه الّذى هو ذكره وفكره، وقد فسّرت الآيات فى هذه الآية بالائمّة (ع) وبطلوع الشّمس من مغربها وبخروج الدّجّال وبظهور القائم (ع) وبخروج دابّة الارض، ولا ينافي ما ذكرنا {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ} احدى الثّلاث {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} لها فانّ لنا بذلك الفوز ولكم الويل.
اطفيش
تفسير : {إنما أُنزل الكِتابُ} جنس الكتاب، والمراد التوراة والإنجيل، أو مع ما أنزل الله على موسى كله أو غيره من بنى إسرائيل {على طائفتين} اليهود والنصارى، والحصر إضافى أى إنما الكتاب على طائفتين {من قَبْلنا} لا علينا، هذا ما ظهر لى وهو أولى مما قيل: إن الحصر حقيقى وإن لم يبق من كتب السماء إلا كتب اليهود والنصارى حين قالوا ذلك، فلم يعرفوا سواها فنفوه. {وإنْ كنَّا} إن مخففة بدليل اللام بعد، وهى مهملة عند التخفيف، وقد تعمل قليلا، وقيل: بقيت على الإعمال واسمها ضمير الشأن كما حذفت نون يكن فى الجزم، وعملت مع ذلك كما قال ابن الحاجب فى الكافية، وهى نثر شرحه الرضى، وقد اتصل بيدى، وقيل: بمعنى قد فى مثل ذلك، وعلى كل حال فاللام فارقة بين النفى والإثبات والمشهور الأول، وقيل: نافية واللام بمعنى إلا {عَنْ دِراسَتِهم لغَافِلينَ} أى لغافلين عن دراستهم، أى قراءتهم لا نعرف معناها، ولا عهدنا لفظها، لأنها بلغتنا، أو لغافلين عنها حالين عن مثلها لو كان لنا مثلها وعرفناه لآمنا به واتبعناه، ولم يقل عن دراستهما مع أن الضمير للتثنية وهى الطائفتان مراعاة للمعنى، لأن كل طائفة منهما جمع، ولو رجع الضمير إليهما بصبغة التثنية لجاز.
اطفيش
تفسير : {أَنْ تَقُولُوا} يوم القيامة لئلا لتقولوا بلام العاقبة أَو التعليل فحذر أَن تقولوا أَو كراهة أَن تقولوا، وعامله أَنزلناه، ولو فصل بأَجنبى وبجمل معترضة أَو بأَنزلنا محذوفاً، أَو مفعول لاتقوا أَى احذروا أَن تقولوا {إِنَّمَا أُنْزِلَ الكِتَابُ} حقيقة الكتاب الشاملة للتوراة والزبور والإِنجيل، ولم يعهد تسمية الصحف كتاباً بل صحفاً ولم يذكر كثيراً الزبور لأَنه لا أَحكام فيه بل مواعظ، {عَلَى طَائِفَتَيْنِ} اليهود والنصارى، وأَما الصابئون فداخلون فيهما لأَنهم امتازوا بالمواظبة على مستحبات مخصوصات من تلك الكتب من غير أَن يتركو فرائضها وأَن يفعلوا محرماتها، ولذلك اعتبروا، ولذلك ذكر الله عز وجل أَن من آمن من الفرق الثلاثة وعمل صالحاً دخل الجنة وبعد بعثته صلى الله عليه وسلم لا يقبل عمل من بلغه خبره ولا يسعه إِلا اتباعه، وأَما المجوس فلا عبرة بهم إِذ لا كتاب لهم، أَو كان فأَسرعوا فى إِبطاله ولم يستمر عليه ولو واحد فلم يعدوا طوائف ثلاثاً بل عدوا طائفتين، ولم يذكر غيرهما لشهرتهما بالتوراة والإِنجيل والزبور {مِنْ قَبْلِنَا} إِذ سبقونا بالزمان مع أَنبيائهم {وَإِنْ كُنَّا} الواو للحال من طائفتين أَو عاطفة وإِن مخففة بدليل اللام فى قوله عز وجل {عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} وقدم عن دراستهم للاهتمام وللفاصلة، أَى الغافلين عن قراءَتهم أَى لا نعرفها، لأَنها بغير لغتنا ولا نعرف مثلها كما لا نعرف خطهم لأَنها بالعبرانية وبعضها بالسريانية ونحن عرب لغة وخطا، وأَصل الغفلة عدم التنبه لشئ بحيث لو شِئَ لتنبه له، واستعمل فى عدم المعرفة مطلقاً استعارة لجامع عد الإِدراك أَو مجازاً مرسلا للإِطلاق والتقييد، ولم يقل عن دراستهما لأَن كل طائفة فيها متعددون وقيل دراستهم ما فى قوله تعالى "أية : قل تعالوا أَتل"تفسير : [الأنعام: 151] .. إِلخ لأَن ذلك معان لا تختلف باختلاف الأَعصار، كلف بها كل أَمة. قطع الله عذرهم بأَنهم إِذا لم يعرفوا لغة هؤلاء لإِنزال القرآن بلغة العرب فليكتبوه بلغتهم وقلمهم ولو لم ينزله عليهم، أَو أَنزله بغير لغتهم لقالوا لو أَنزل علينا وكان بلغتنا لأَسرعنا إِلى الإِيمان به كما قال الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {أَن تَقُولُواْ} علة لمقدر دل عليه { أية : أَنزَلْنَـٰهُ } تفسير : [الأنعام: 155] المذكور وهو العامل فيه لا المذكور خلافاً للكسائي لئلا يلزم / الفصل بين العامل ومعموله بأجنبـي وهو بتقدير لا عند الكوفيين أي لأن لا تقولوا وعلى حذف المضاف عند البصريين أي كراهة أن تقولوا. وقيل: يحتمل أن يكون مفعول { أية : ٱتَّقَوْاْ } تفسير : [الأنعام: 155] وعليه الفراء، وأن تجعل اللام المقدرة للعاقبة أي ترتب على إنزالنا أحد القولين ترتب الغاية على الفعل فيكون توبيخاً لهم على بعدهم عن السعادة، والمتبادر ما ذكر أولاً أي أن تقولوا يوم القيامة لو لم ننزله. {إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ } الناطق بالأحكام القاطع للحجة {عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ} جماعتين كائنتين {مِن قَبْلِنَا} وهما ـ كما قال ابن عباس وغيره ـ اليهود والنصارى، وتخصيص الإنزال بكتابيهما لأنهما اللذان اشتهرا فيما بين الكتب السماوية بالاشتمال على الأحكام. {وَإِن كُنَّا} إن هي المخففة من إن واللام الآتية فارقة بينها وبين النافية وهي مهملة لما حققه النحاة من أن أن المخففة إذا لزمت اللام في أحد جزأيها ووليها الناسخ فهي مهملة لا تعمل في ظاهر ولا مضمر، لا ثابت ولا محذوف أي وإنه كنا. {عَن دِرَاسَتِهِمْ} أي قراءتهم {لَغَـٰفِلِينَ} غير ملتفتين لا ندري ما هي لأنها ليست بلغتنا فلم يمكنا أن نتلقى منها في ما فيه نجاتنا ولعلهم عنوا بذلك التوحيد، وقيل: تلك الأحكام المذكورة في قوله تعالى: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ}تفسير : [الأنعام: 151] الخ لأنها عامة لجميع بني آدم لا تختلف في عصر من الأعصار. وعلى هذا حمل الآية شيخ الإسلام ثم قال: «وبهذا تبين أن معذرتهم هذه مع أنهم غير مأمورين بما في الكتابين لاشتمالهما على الأحكام المذكورة المتناولة لكافة الأمم كما أن قطع تلك المعذرة بإنزال القرآن لاشتماله أيضاً عليها لا على سائر الشرائع والأحكام فقط».
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابُ} {ٰ طَآئِفَتَيْنِ} {لَغَافِلِينَ} (156) - وَأَنْزَلَنْا هذا القُرْآنَ، المُرْشِدَ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ، لِكَيْلاَ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ مُعْتَذِرِينَ عَنْ شِرْكِكُمْ: إِنَّمَا أُنَْزِلَ الكِتَابُ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى (طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا)، وَمَا كُنَّا نَفْهَمُ مَا جَاءَ فِيهِمَا، لأَنَّ الكِتَابَيْنِ لَمْ يَكُونَا بِلُغَتِنَا، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِالأَخْذِ بِهِمَا وَبِمَا جَاءَ فِيهِمَا مِنْ أَحْكَامٍ، وَلِذَلِكَ كُنَّا غَافِلِينَ عَنْ دِرَاسَةِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لِمَا جَاءَ فِي كُتُبِهِمْ.
الثعلبي
تفسير : {أَن تَقُولُوۤاْ} يعني [لئلاّ] تقولوا كقوله {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 176] وقوله: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ} تفسير : [المائدة: 19] يعني أي لا تقولوا يعني لئلاّ تقولوا. وقيل: معناه أنزلناه كراهة أن يقول، وقال الكسائي: معناه: اتقوا أن تقولوا: يا أهل مكّة، وقرأ ابن محيصن والأعمش كلاهما والقراءة بالياء بقوله تعالى فقد جاءكم {إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} يعني اليهود والنصارى {وَإِن كُنَّا} وقد كنّا {عَن دِرَاسَتِهِمْ} قرأتهم {لَغَافِلِينَ} لا نعلم ما هي وإنَّما قال: دراستهم، ولم يقل: دراستهما، لأن كل طائفة جماعة، كقوله تعالى {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ} تفسير : [الحج: 19] وأن ما يقال من المؤمنين اقتتلوا. {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ} يعني أصوب من اليهود والنصارى ديناً {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} حجّة واضحة لمن يعرفونها {وَهُدًى} وبيان {وَرَحْمَةٌ} ونعمة لمن اتبعه وعمل به { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ} وأعرض عنها {سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} شدة العذاب {بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} يعرضون {هَلْ يَنظُرُونَ} وينتظرون {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} لقبض أرواحهم {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} بلا كيف لفصل القضاء من خلقه في موقف القيامة، وقال الضحاك: يأتي أمره وقضاؤه {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} يعني طلوع الشمس من مغربها {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا} وقرأ ابن عمر وابن الزبير: يوم تأتي بعض آيات ربّك بالتاء، قال المبرّد: على التأنيث على المجاورة لا على الأصل، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه. قال جرير: شعر : لمّا أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : فأتت فعل السور، وهو مذكّر لاتصاله بمؤنّث. روى عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تقوم الساعة حتّى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورأها الناس آمنوا أجمعين وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ}" تفسير : الآية. وروى مقاتل بن حيّان عن عكرمة عن ابن عباس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : إذا غربت الشمس رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع إلى مغربها أو من مطلعها [فكسى] ضوؤها، وإن كان القمر منوّر على مقادير ساعات الليل والنهار ثمّ ينطلق بها ما بين السماء السابعة العليا وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة فتنحدر [جبال] المشرق من سماء إلى سماء، فإذا ما وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الصبح ويضيء النهار فلا يظل الشمس والقمر، كذلك حتّى يأتي الوقت الذي وقت الله التوبة لعباد وتكثر المعاصي في الأرض، ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد ويفشو المنكر فلا ينهى عنه أحد، فإذا فعلوا ذلك حبست الشمس مقدار ليلة تحت العرش كلما سجدت وأستأذنت من أن تطلع لم يجىء لها جواب حتّى يراقبها القمر [فيجيء معها] ويستأذن من أن تطلع فلا يجاب لهما بجواب حتّى تحبسا مقدار ثلاث ليالي للشمس وليلتين للقمر، فلا يعرف طول تلك الليالي إلاّ المتهجّدون في الأرض، وهم يومئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين في هوان من الناس وذلّة من أنفسهم، فينام أحدهم تلك الليلة قدر ما كان ينام قبلها من الليالي، ثمّ يقوم ويتوضّأ ويدخل مصلاّه فيصلّي ورده، فلا يصبح نحو ما كان يصبح كلّ ليلة فينكر ذلك فيخرج فينظر إلى السماء فإذا هو بالليل فكأنه والنجوم قد استدارت مع السماء فصارت إلى أماكنها من أول الليل، فينكر ذلك ويظن فيها الظنون فيقول: قد خففت قراءتي وقصرت صلواتي أم قمت قبل حيني. قال: ثمّ يقوم فيعود إلى مصلاّه فيصلّي نحو صلاته الليلة الثانية ثمّ ينظر فلا يرى الصبح فيخرج أيضاً فإذا بالليل مكانه فيزيده ذلك إنكاراً ويخالطه الخوف ويظن في ذلك الظنون من السوء، ثمّ يقول فلعلّي قصّرت صلواتي ثمّ خفّفت قراءتي [أم قمت] في أوّل الليل ثمّ يعود وهو وجل مشتت خائف لما توقّع من هول تلك الليلة فيقوم فيصلّي أيضاً مثل [ورده] كلّ ليلة قبل ذلك، ثمّ ينظر فلا يرى الصبح فيخرج الثالثة فينظر إلى السماء فإذا بالنجوم قد استدارت مع السماء فصارت في أماكنها عند أوّل الليل فيشفقه عند ذلك شفقة المؤمن العارف لما كان يحذر فيستحييه الخفّة ويستخفّه الندامة، ثمّ ينادي بعضهم بعضاً وهم كانوا قبل ذلك يتعارفون ويتواصلون فيجتمع المتهجدون من كل بلدة في تلك الليلة في مسجد من مساجدهم ويجأرون إلى الله تعالى بالبكاء ويصلّوا بقيّة تلك الليلة. فإذا ما تمّ لهما مقدار ثلاث ليال أرسل الله إليهما جبرائيل فيقول: إنّ الرب تبارك وتعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه وإنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نور فيبكيان عند ذلك وَجَلا من الله عزّ وجلّ وخوف يوم القيامة بكاءً يسمعه أهل سبع سماوات ومن دونها وأهل سرادقات العرش وحملته ومن فوقهما، فيبكون جميعاً لبكائهما من خوف الموت والقيامة، فيرجع الشمس والقمر فيطلعان من مغربهما فبينما المتهجّدون يبكون ويتضرّعون إلى الله عزّ وجلّ، والغافلون في غفلاتهم إذ نادى مناد: ألا إن الشمس والقمر قد طلعا من المغرب فينظر الناس فإذا هم بهما أسودان لا ضوء للشمس ولا نور للقمر مثلهما في كسوفهما قبل ذلك. فذلك قوله {وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} [القيامة: 9] وقوله {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] فيرتفعان كذلك مثل البعيرين القرنين يُنازع كلّ واحد منهما صاحبه اشتياقاً، ويتصايح أهل الدنيا وتدخل الأُمّهات على أولادها والأحبّة عن غمرات قلوبها، فتشتغل كلُّ نفس بما ألّمها، فأمّا الصالحون والأبرار فإنّه ينفعهم بكاؤهم يومئذ فيكتب لهم ذلك عبادة، وأمّا الفاسقون والفُجّار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب ذلك حسرة عليهم فإذا ما بلغ الشمس والقمر سرّت السماء وهي منصفها جاءهما جبرائيل (عليه السلام) فأخذ بقرونهما فردّهما إلى المغرب فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من باب التوبة". فقال له عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله وما باب التوبة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عمر خلق الله تعالى باباً للتوبة خلف المغرب له مصراعان من ذهب مكلّلان بالدرّ والجوهر ما بين المصراع إلى المصراع الآخر أربعون سنة للراكب المسرع فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحاً منذ خلق الله آدم إلى ذلك اليوم إلاّ ولجت تلك التوبة في ذلك الباب. لم يرفع إلى الله تعالى". فقال له معاذ بن جبل: بأبي أنت وأُمي يا رسول الله وما التوبة النصوح؟ قال: "أن يندم المذنب على الذنب الذي أصاب فيعتذر إلى الله عزّ وجلّ ثمّ لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قال: فيغربهما جبريل في ذلك الباب ثمّ يرد المصراعين ثمّ يلتئم ما بينهما فيصير كأنّه لم يكن بينهما صدع قط، فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل من العبد بعد ذلك توبة ولم ينفعه حسنة يعملها في الإسلام، إلاّ مَنْ كان قبل ذلك مُحسناً فإنّه يجري عليه ما كان يجري عليه قبل ذلك اليوم فذلك قوله عزّ وجلّ {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً}. فقال أُبي بن كعب: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله فكيف بالشمس والقمر يومئذ بعد ذلك وكيف بالناس والدنيا. فقال: "يا أُبي إنّ الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثمّ يطلعان على الناس ويغربان، كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان، فإنّ الناس رأوا ما رأوا في فظاعة تلك الآية يلحون على الدنيا حتّى يجروا فيها الأنهار ويغرسوا فيها الأشجار ويبنوا البنيان. وأمّا الدنيا فلو نتج لرجل مُهْراً لم يركبه حتّى تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى أن يُنفخ في الصور ". حديث : قال حذيفة بن أسيد والبراء بن عازب: كنّا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما تذاكرون؟" [قلنا: ] نتذاكر الساعة. قال: "إنها لا تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بالمغرب، وخسفاً بجزيرة العرب، ويأجوج ومأجوج، وناراً تخرج من قعر عدن، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها ". تفسير : ويقال: إنّ الآيات تتابع كالنظم في الخيط عاماً فعاماً. وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: والحكمة في طلوع الشمس من مغربها إنّ إبراهيم (عليه السلام) قال لنمرود: {أية : رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِْي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 258]. وأن الملحدة والمنجّمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون هو غير [كائن] فيطلعها الله تعالى يوماً من المغرب ليري المنكرين قدرته فإنّ الشمس من ملكه إن شاء أطلعها من المطلع وإن شاء من المغرب. وقال عبد الله بن عمر: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة حتّى يغرسوا النخل. قال الله: {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} العذاب {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} قرأ حمزة والكسائي: فارقوا بالألف أي خرجوا من دينهم وتركوه وهي قراءة عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، ورواه معاذ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وقرأ الباقون مشدّداً بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأُبي بن كعب أي جعلوا دين الله وهو واحد دين الحنيفيّة أدياناً مختلفة فتهوّد قوم وتنصّر آخرون يدلّ عليه قوله {وَكَانُواْ شِيَعاً} أي صاروا فرقاً مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك. وروى ليث عن طاوس عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : [إنّ] هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} وليسوا منك، هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل من هذه الأُمّة لست منهم في شيء"تفسير : ، أي [نفر] منهم ورسول الله. قالوا: وهذه اللفظة منسوخة بآية القتال. وقال زادان أبو عمر قال لي علي (عليه السلام): "يا أبا عمر أتدري كم افترقت اليهود؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلّها في الهاوية إلاّ واحدة وهي الناجية. أتدري على كم افترقت النصارى"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "افترقت على ثنتين وسبعين فرقة كلّها في الهاوية إلاّ واحدة هي [الناجية]. أتدري على كم تفترق هذه الأُمّة"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "تفترّق على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في الهاوية إلاّ واحدة فهي الناجية. ثمّ قال علي رضي الله عنه أتدري على كم تفترق فيّ؟ قلت: وإنّه لتفترق فيك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم تفترق فيَّ اثنا عشر فرقة كلّها في الهاوية إلاّ واحدة وهي الناجية وأنت منهم يا أبا عمر". [ومنهم فرق الروافض والخوارج]. {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ} يعني التوحيد: لا إله إلاّ أنت {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} قرأ الحسن وسعيد بن جبير. ويعقوب عشر [منون] أمثالها رفع على معنى فله حسنات عشر أمثالها، وقرأ الباقون بالإضافة على معنى: فله عشر حسنات أمثالها، وإنما لم يقل عشرة والمثل مذكر فأنث العدد لأنه مضاف إلى مؤنث فرده إلى الحسنة والدرجة {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} في الشرك {فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} النار {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} وقيل: هو عام في جميع الحسنات والسيّئات. روى [المقدوس] بن يزيد عن أبي ذر: قال: حدّثني الصادق المصدّق أنَّ الله عزّ وجلّ قال: "حديث : الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفرها فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة ثمّ لا يشرك بي شيئاً جعلت له مثلها مغفرة ". تفسير : قال ابن عمر وابن عباس: هذه الآية في الأحزاب وأهل البدو، قيل: فما لأهل القرى قال:{أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] وأقلها سبعمائة ضعف، وقال قتادة: في هذه الآية ذكر لنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الأعمال ستة فموجبة وموجبة مضاعفة ومثل وبمثل فأمّا الموجبتان فمن لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنّة ومَنْ لقي الله يُشرك به دخل النار، فأمّا المضاعفتان فنفقة الرجل على أهله عشر بعشر أمثالها ونفقة الرجل في سبيل الله سبعمائة ضعف، وأمّا مثل بمثل فإنّ العبد إذا همَّ بحسنة ثمّ لم يعملها كُتبت واحدة وإذا عملها كُتبت [عشرة] ". تفسير : وعن سفيان الثوري حديث : لمّا نزلت {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم "ربّي زدني" فنزلت {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ} [البقرة: 261] الآية قال: يا رب زدني فنزلت {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245]، قال: ربّ زدني؟ فنزلت: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب} [الزمر: 10] . تفسير : {قُلْ} يا محمد {إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً}" قرأ أهل الكوفة والشام: قِيَمَاً بكسر القاف وفتح الياء مخففاً. وقرأ الباقون: قَيّماً بفتح القاف وكسر الياء مشدداً وهما لغتان وتصديق التشديد قوله تعالى {أية : ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} تفسير : [التوبة: 36]. و {دِيناً قِيَماً} معناهما: ذلك الدين القويم المستقيم. واختلف النحّاة في وجه انتصابه فقال الأخفش: معناه هداني ديناً قيّماً، وقيل: عرفت ديناً قيّماً، وقيل: أعني ديناً قيّماً، وقيل: نصب على الآخر يعني ابتغوا ديناً قيّماً. وقال قطرب: نصب على الحال (وضع) {مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} بدل من الدين {حَنِيفاً} نصب على الحال {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} قال أهل التفسير يعني ذبيحتي في الحج والعمرة. وقيل: ديني {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} يعني حياتي ووفاتي قال: يمان: محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت على الإيمان. وقرأ أهل المدينة ومحياي بسكون الياء. وقرأت العامة بفتح الياء لئلاّ يجتمع ساكنان. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى: ومحييّ بتشديد الياء الثانية من غير ألف وهي [لغة عليا مضر] يقولون: [قفي وعصي] وقرأ السلمي نسكي بجزم السين والباقون بضمّتين {للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} قال قتادة أوّل المسلمين من هذه الأُمّة، قال الكلبي: أوّل مَنْ أطاع الله من أهل زمانه. وروى سعيد بن جبير عن عمران بن [حصين] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا فاطمة قومي واشهدي أُضحيّتك فإنّه يغفر لكِ في أوّل قطرة من دمها كل ذنب عملته ثمّ قولي: إنّ صلاتي ونُسكي إلى قوله المسلمين". قال عمران: يا رسول الله هذه الآية لأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: "بل للمسلمين عامّة ". تفسير : {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً} سوى الله أطلب سيّداً {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} لا تؤخذ مما أتت من المعصية وارتكبت من الذنوب سواها. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} يعني ولا تحمل نفس حمل طبق محل اُخرى ما عليها من الذنوب ولاتأثم نفس آثمة بأثمّ أُخرى، بل كل نفس مأخوذ بجرمها ومعاقبة بإثمها {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (*) وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} يعني أهل القرون الماضية والأُمم الخالية وأورثكم الأرض من بعدهم ثمّ جعلكم خلايف منهم فيما يخلفونهم فيها ويعمرونها بعدهم والخلاف جمع خليفة، كالوصيف يجمع وصيفة فكل مَنْ جاء من بعد مَنْ مضى فهو خليفة يقال: خلف فلان فلاناً في داره يخلفه خلافةً فهو خليفة كما قال الشماخ: شعر : تصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوع تفسير : {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} يعني وخالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والقوّة والبسطة والعلم والفضل والمعاش والمعاد { لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ} يعني الغنى والفقر والشريف والوضيع والحر والعبد {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} يعني ماهو آت قريب، وقيل: الهلاك في الدنيا. وقال الكلبي: إذا عاقب فعقابه سريع، وقال عطاء: سريع العقاب لأعدائه {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لأوليائه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالكتاب يصفي العقائد السابقة التي نزلت على الطائفتين من اليهود والنصارى، وإذا كنتم قد غفلتم عن دراسة التوراة والإِنجيل؛ لأنكم أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة؛ لذلك أنزلنا إليكم الكتاب الكامل مخافة أن تصطادوا عذراً وتقولوا: إن أميتنا منعتنا من دراسة الكتاب الذي أنزل على طائفتين من قبلنا من اليهود والنصارى. وكأن الله أنزل ذلك الكتاب قطعاً لاعتذارهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):